منسيّات
أو
في انتظار عاصفة أخرى
الدار التونسية للنشر 2012
في انتظار عاصفة أخرى
سلسلة مرافئ الإبداع إشراف الدكتور فتحي النصري
الكتاب: في انتظار عاصفة أخرى(منسيات)
الكاتب: المولدي فروج
النوع : شعر
الناشر:الدار التونسية للنشر
الطبعة الاولى 2012
الترقيم الدولي:2-30-839-9838-978
دموع وأحزان في الأفق
أسدلتْ جفنا لجفنٍ
خلتُها نامتْ
وضاع النّورُ
في ليلٍ عميق
ورأيتُ الحزنَ يرقى مقلتيها
ورأيت الدّمعَ يمضي
كسرابٍ لا هثٍ خلف الطّريق
يولد الأفقُ حزينا
شفةٌ في الأرض،
أخْرَى من سماءٍ
ينتهي الدّمع بطيئا في تماسِ الشّفتين
فلماذا الحزنُ؟ قالت:
هكذا الدّنيا: بلادٌ خانها النّاس
رماها الله
في كفّ الحريق
جريدة بلادي 1974
عقد الى فتاة ريفيّة
مهرُك الشّعرُ أم الشّعْر ارتضى
أن تكوني من قوافٍ وغزلْ؟
أم أردتِ عندما القلب هوى
أن يموت القلبُ حبّا إن فعَلْ؟
يا ابنةَ الرّيف وفي العينِ سماء
مهركُ الجَاهُ وآلاف الإبلْ
كيف خيّرتِ عن الأرضِ فضاء
وعن الشِّعْرِ زحافًا وعللْ
***
ضمّدي جرحًا لتنسيني الجراحْ
واطلُبي ما شئت شمسًا أو قمرْ
وأعطني من بين جفنيكِ السّلاح
ودعيني سائِرا رغمَ الخطَرْ
فشموعي اليوم تأباها الرّياح
ومياه النّهر أعياها الحجر
***
إن أردتِ الشِّعرَ مهرًا فدعيني
شاعرا أحيا ليُؤتيك الغزلْ
انثرِي الشَّعر على نبضِ الجفونِ
مزّقي بين قوافيه الخجلْ
بين نهديك سيرميني جُنوني
منشدا ولهانَ تحذوني القُبل
يا ابنة الرّيف إذا شئت فكوني
شُعلَة الشِّعر وأحْلامَ الجملْ
جريدة بلادي 1977
حكاية الجوعان الذي انتحر
كلّما أينعَ الجوعُ
واصفرّ في الوجهِ قمحُ السّنابلِ
أراكِ حصَادا
يقاتل حُمّى المناجلِ
أيّ لونٍ سأختار غير اصْفِرار الوُجوه
من الجوعِ
تيمَّمْت بالعرقِ المالحِ
جُعْت إليها
فهل أدّعِي أنني خُنتها؟
أبدا قال ذاك المؤذّنُ
تونسُ مئذنةٌ تستنيرُ
بأعْينِ من فرّقتهم صلاةُ الجنازةِ
ماتوا جميعا لتنْمو السّنابل...
أبْصرُ نعْشي يفرّ من المقبَره
لماذا يصرّ على أن يكونَ
وقودا لفاتحةِ العاصفة؟
وتونسُ ليستْ تنكّلُ بالجائِعين
فهُم جاهَدوا لتقومَ البلادُ
على موجةِ القمحِ في الزّوبعَه
كسنبلةٍ ترفضُ الجوعَ
والمقمعَه
الاخبار 1978
دمعة أخرى
أَتبكينَ حين اغتصبْنا الثّواني
ونحنُ ابتدعْنا نقاطَ السّنين؟
أتبكينَ ها قد عصَرنا الأمَاني
ونحنُ الهوى طالعٌ في الجبين؟
وقفْنا على ربْوةٍ في السّواني
مددنا الأكفَّ فهل تُمطرِين؟
أتبكينَ يا قَفصةَ والمباني
سنجْعلُها قبلةَ الكادحين؟
***
زرعنا لكِ البحرَ حبّا مباحًا
وبِتنا مع اللّيل نجْني الجِراح
ملأنا الكؤوسَ نبيذا وراحًا
فمالتْ على الكأس كفُّ الرّياح
هو الشّعرُ ما كان منّا نُباحًا
وكم من قصيدٍ لنا في انزِياح
وما قاسمتنا الجبالُ كفاحًا
هو النّخل يثمرُ دون صِياح
***
نعمْ نعرفُ الكافرين بمِلحكْ
ونعرفُ كم يبتنُون الهلاكْ
ونحن نحبّك حبّا عصيّا
نغار على بذرةٍ من ثراك
نريدكِ ثأرا لقد طال صمتكْ
فقومي الى الحبّ ها قد أتاكْ
قفصة (أحداث1980) جريدة الرّاي
الهويّة
عربيٌّ
صوّرتُ النخلةَ أفخاذًا
سمّيتُ النفط نبيذًا
وسألت العالم يا عالمُ
هل وجهي يشبه شيئا فيك؟
ــ عربيّ يهذِي...
من لحظةِ ميلاد الأرضِ
إلى الموت
تكرهني الدّنيا إذ أسألُها عن نعتِي
***
عربيّ أنقش صومعتي بالحجَرِ الاسبانيِّ
وأصلّي للرّبّ الواحد في الأرضِ
وأسبّحُ:
يا ربّ الدّين الأوّلِ والثانِي والثّالثِ
يا ربَّ الفرضِ
أنا
ما اخترتُ من الأديان نصيبًا
ولكن من سوء الحظِّ
لعنتُ بني إسرائيل
طمعًا في الجنّة
حاربتُ بني إسرائيل
طمعًا في الدّنيا ....
لكنّ الحجرَ عندي
ولم تصِلِ الّطّيرُ الأبابيل
***
عربيّ كالشّعراء
والشّعراءُ ثوّارٌ محترفون
وجياعٌ ومماليكٌ وصعاليكٌ
وإذا ما تختلفُ الاجْناس
يعودون الى النّاس
يلقون عصاهم في البحرِ
لتمُوتَ الحيتانُ الصّغرى
ويضجّ الألماس
تختلط الأصواتُ لتُصبح تهريجًا
وضجيجًا
ويكون الشّعراءُ دراويش
يسبّون الجائِع والشّابع
والقاهر والمقهور
ونعود لنرسم للشّعب الكادح أوردة الجنّة
ونحلّيها بالأزهارِ وبالأنهارِ
وبساقيةٍ للخمْر وأخرى للبترول
وثالثةٍ للشِّعر
ولمن هرّبَ ديوانًا منه إلى الأحْباس
نجمع حُور العِين وغِلمان الخمْرِ
وحاشيةً من نُدْمان أبي نواس
جريدة الوحدة 1982
صيدا
يا آخر الأنباءِ ما خبّأْتِ
قيل اشتهى لبنانُ تربةً كفَنا
قولِي لمن صاروا له وطَنا
فلترفلِ الحسناءُ بالأكفانِ
ما الحالُ يا صيْدا
وآخر الأنباءِ قد وصلتْ
ربّي طيورَك فلعلّها
تُبقي السّواحلُ بحْرها
ويعود الدّفْء للأوكارِ
أو ارْسليها وخبّري أعشاشه
إنّ صغيرَ الطّير قد أوحَى الى الصّدّام:
سلّم على الحكّامِ
لا فرق بين الموتِ في طهران
والرّقص فوق الشّامِ
اه يا صيدا
الرّيحُ تلطم وجهها في كل أركانِ المدينة
والرّيحُ تبحث عن زجاج
قولي لها مرّي على ذاك المحاربِ
مُدّي ضلوعَه
لا ما يصنعُ التّاريخَ
إلا صفير الرّيح في الأضلاع
ماذا سأكتبُ يا صيدا
عن الهوى والرّيحُ والأوجاع
وأنا الممدود ما بين أحكام المطارقِ
وعدالة السّندان؟
ماذا سأكتبُ والقصيدة كبُرت
وأنا كبرت
على أكذوبةِ الحكّامِ
أيقول الحرفُ عن صيدا التي أحببتها
ماتتْ
ومات البحر والموج والرّمل الذي ما زرته ماذا
لنا فيها من الأحلامِ؟
هذي شفاه الرّيحِ يا صيدا أنا
تعبٌ بعروبة الألفاظ والأوهامِ
الراي 1982
أغنية للشّمس والوطن
لأنّكَ أكبر من جبلٍ يذبح الرّيح كلّ مساء
لأنّكَ أصعبُ من موجةِ البحرِ
في زمهرير الشِّتاء
لأنّكَ ما كنتَ تعلم ما قالَه العشبُ
للغيثِ جدبًا
وما خبّأته السّماء
****
لأنّك أحزنُ من قلبِ ثكلى
وأبكمُ من سطْوةِ اللّيل
حزْنُك أكبرُ منكَ ومنّي
تسلّقَ شِعري وجوهَ الجرائدِ
تناثرَ فوق السّطوحِ وفوق الرّصيفِ
وفي دورياتِ الشّوارعِ
والشّارعُ يقبع بين الثّرى والحريقِ
ويسأل عن قصّةِ الحبّ بيني وبين البلاد
أجبته
ما اخترتُ أرضًا ولا وطنًا إنّما
جئتُ للشّعر حتّى أحبّك
أو لأقول عليك كلامًا جميلا
كما الشّعْر يسري ...
لأجلكِ بيروت، تونسَ أو ...
قال ذاك المؤذّن
إنّ النّهارَ الذي سوف يأتي
عصيبٌ
شديدُ الخَراب
وأعلم أن العجوزَ التي علّمتني القناعةَ
تحسن يوم الحصادِ
وفي البيدرِ الغربلَهْ
وتعرفُ كيف تفرّق بين الثرى والمجاعَهْ
وتسألني:
أيّ شيء سيبقى
بذاكرةِ الغصنِ لمّا يجيء الخريف؟
وما كان للغُصنِ ذاكرة ٌ ترسمُ العشّ
لكنّهُ الطّير يعرف أين يُطيحُ الجناح
ونحن نراه يغرّد كلّ صباح
ويهتفُ يا أيّها العشّ كيف اللقاء؟
وأشهد أن الوجوهَ التي عشقتك
لها ألفُ ذاكرةٍ للهوى
وأن الوحوشَ التي أرهقتك
لها ألفُ مِقْصلةٍ للجزاء
جريدة الشّعب 1983
قصيدة الخبزة
خبرٌ لم يُخْبزْ في مخْبزةِ الأمنِ العالي
عيبٌ أن تسْألَ عن أخْبارِ الوالي
عيبٌ في الزّمنِ المعْتوه
أن يشْتمّ الجائِعُ خَبَرًا
تأكله النارُـ كما الخُبْزُـ وتفضحُ بعضَ الأحوالِ
ولا يُلقُوه....
وصوابٌ أن يصْبحَ خبزُ العامّةِ
من أَفْيونْ
صار الجائعُ مجنونًا
والتّهْمةُ للرّيحِ توزّعُ رائحةً
الجائِعُ يجري والخُبْزةُ في الخيطِ
فتح الوالي قوسيْن الى الأصْواتِ
الوالي سيطلّ من الشّرفة
فلتتوقّفْ خبْزةُ ذاك الجائِعْ
كي يسْمعْ
ركض الجائع،
مرضَ الوالي،
سكت البوقْ
يا أهل الدّارِ اعتصموا بالصّبرِ
فما باسم القانون
نقتسمُ الخبزةَ والخبزةُ لا تكفي:
نصفٌ يأكله السّراق
والنصفُ الآخرُ للأبواق
النّصف المسروق أطاح بطاقَمِ أسنان الوالي
فلماذا تنْضُجُ أورَاقُ الخبزة
المجلِسُ أعلنَ إجْماعًا وأطاع
...الخبزَةُ عرّتنا بنت الكلبِ
أم إنّ الصّابَةَ غشّتنا في الحَبِّ
وأعاد المجلسُ جلستهُ... وأشاع:
إنّ الجائعَ امبريالي
يزحفُ بالحقْد على الشّعبِ
وفي كلّ الأحوالِ
الخبّازُ من الخبزةِ أعلى
والوالي بالخبزةِ أولى
جريدة الوحدة 1984
قصيدة الخبزة مرّة أخرى
أمْلأ حنجُرَتي حَجَرًا وأنادِي
انتظرِي بالبابِ سآتِي
من أسْفَلِ منزِلَةٍ في الدّنيا
من حُفَرةِ قِرّيشِ
كما من جبلِ قُريْشِي
لأعيدَ في الخُبْزِ تقاليدَ الجهادِ
معذرةً يا سُنْبلة تتوسّمُ شرّا في الوطنِ
أعرناكِ العرقَ البدوِيَّ
ولما اشْتدّت أعوادُكِ عيّرْناكِ
ومعذرةً سنعُود لرَكْضتنا الأولى
فلتنصِتْ كلّ الدّنيا
هنا مطمورةُ روما
يا روما احترْقي نيرونُ أفاق
ماذا نفعلُ بالقمْحِ رمادا يا روما؟
والسّوسُ يقاومُ حمّى الحرْبِ ويبلى
والسّوسُ يسوسُ
ويأكلُ في النّارِ الأجْساد
ولا يصلَى
كانت في تونس مدخنةٌ بيضاء
وكنّا لا نعرفُ رائحةَ الحربِ
وكنّا نتعشّى خبْزَ الجدّةِ
نتبادلُ قصصَ الحُبِّ
و نحكي عن وطنٍ يأتينا
من جزرِ نائِيةٍ
كفراشٍ يرقصُ مثل سنابلنا
كنّا نبادلُه العطفَ
ونطلقُ للرّيح جناحيه ولا يغضبْ
وكنّا في تونسَ نتعلّمُ قولَ الحبّ
ولا نكذبْ
فلماذا المجلِسُ يأمرُ أمّ الأولادِ
أنْ قولي للمهراسِ بأن يصمُتْ
المهراس الأجوفُ يُصْلبْ
الاطفالُ الجوْعى يجْرون الى السّاحاتِ
لا قمحَ هناك ولا صابة
لا شجر لا غابة
....
هرع الأطفالُ
الكلّ يسابق وجه الكذّاب
طلع الخبرُ الأحلى
عدْ يا كبش فداءٍ
فالشّارعُ ينبتُ سنبلَة القمحِ
ولا تتحرّك فيه الأعشاب
جريدة الوحدة 1984
المحطّة
حبيبتي
كل الشَّعوب سافرتْ
وأسْرعتْ تطوي رحِيلَها محطَّةً محطّة
ونحنُ واقفون ههنا كأنّنا
أعمدةُ المحطّة
هل إنك أحببتِ أن نعلَّق
حبلَ غسيلِك الممتدَّ في المحطّة
أم إنك أردت أن يمَلَّنا القطارُ
قبل أن يودّعَ المحطّة
ها إنني كرهتُ أن أجترَّ حالتي
كالواقفينِ في الزّحامِ في المحطّة
أو كحافلاتٍ عمّرتْ في وسخِ المحطّة
ما أعذب الرّحيلَ عنك يا حبيبتي
بلا حقيبةٍ ولا طريقَ لا محطّة
كالطير يهربُ الجفافَ
حيثما يحطّ لا يعاشر محطّة
الشروق 6 اوت 1985
المدينة
بيني وبينك رُزْنامةُ التّاريخِ
قائمةُ الشّهداءِ والرّؤساءِ
وخصلة الشّيخِ
من أين أرويكَ الحكايةَ أنت تعرفُ
دفترَ الشّرطِيِّ والوردَ المسيّجَ
والسّجون
من أين أحتلّك أنت في حجم أسطولٍ من الأمل
وللأمير أسطولٌ يعودُ من تجواله (فتْح)
ماذا يهمُّك من حقائبِهِ
ماذا يهمُّك كم في البحرِ من زبدٍ
أنت هنا والشّعر ما بيننا
لا شيء عندي سوى لغْو الحديث
وكم أراك تحبّ الشّعرَ في السّلطانِ
والبلدِ
من بدأ السّؤال يرى في نفسِه أصلَ الجواب
تُبنى الخيانةُ حسب الطّقوس
إن رحل البلاطُ وتابعته ذيولُه
أتفرّ من وقع القصيدة؟ كُنْ
كُن واضحا كالشّمسِ، أنت تحبّها
كن سابقَ الاضمار يشهدُ ضدّك
هذي مدينتنا وقلعتُنا تخرُّ
قشّر ذِراعَك والجبينَ وجِسمَك
حتّى العظام.... ولنتّفقْ
حتى على نبضِ الصّراحة في العظام
هذي حبيبتُنا تفرّ
أنت الذي خنتَ صراخَها أم أنا؟
فلنتّفقْ، لا ألمحُ غير الخيانةِ ههنا
وجْهَ البلاط
حاشى القصيدةَ أن تخرّ اليك ولسْت واضعَها
للكلبِ أذنابُ وشايةٍ وصدى نُباح
وأنت بعض من صدى حزنِ المدينةِ
والصّياح
فلمَ الشّكايةُ للكلابِ من الكلابِ
وللسّلاحِ من السّلاح؟
أَوَ ترحَلُ بالصّفير الى السّماءِ
أتصفّق للقصيدة أم لي أنا؟
يا صنما في كلّ أشياءِ الحياة
اتركْ حرارة الأيدي ستحتاجُ اشتعالَها
يوم الكفاحِ ولا تفر
اترك حماسك والعرق السّخيّ
ولا تفر
نحن اتّفقنا على الأمانةِ
فإلى متى نحْن نصرّ
وهنا الشواطئ لم نطأها
ونحن بحرُ
ولك البضاعة ان بعتها
ليس يعنيك الشّراةُ وانت حرّ
أنت اكتشفتَ الصّفرَ في كتبِ الحساب
وفي المدينةِ أنت صفر
حكموا هوايتك الفظيعة للشّعار
جعلوا القطيعة بينك والشّرار
من أين تدخل بالقرار الى المدينة
وأنت يغريك الفرار
ماذا ستصنع بالشّعار الشاعريِّ
ووسادة الكتب العظيمةِ لا ....
إني أحبّك لا شيءَ أعنيه فهل تصدّق؟
اني احبك مثل الشِّعر خذه ولا تصفّقْ
وانظر الى جوار عشّك،
تكشفُ الاذان صوتك،
الحلمَ الذي خبّأتَ للزّمن الجديد
وللمدينةِ وهي تنهضُ من حزنِها في النّشيد
الاخبار 30 نوفمبر 1985
حنين
نمتطي نخْلا ونعلُو
كلّما هبّ الجُنونْ
نشربُ القِيشَمَ السِّحريّ
ندْري أن للسّكرِ فنونْ
إنّ في السُّكرِ دواء
عندما قرطاجُ أرختْ فخذَيْها
وترافقنا نبيعُ الياسَمِين
كان في السّيّاحِ طَعمٌ إنّما
كنت مثلي، تبلعُ الحُزنَ
ولا يأتي البُكاء
قلت لي في ذاتِ موتٍ
هل نسمِّي العرْضَ كبْوهْ
ونسمّي الأرضَ شهْوه
وطَنا يقْتاتُ بعضَه
قد نكأْنا الجرحَ مرّاتٍ ومرّه
وتألَّمْنا ولكن زادنا التّعذيبُ شدّه
كلّ ما يؤْسِيك إنّ الجرْحَ
قد أصبحَ فدّه
وتباشير قيادَه
ونياشين قلادَه
جريدة الشروق 1985
غابة الليالي البيض
شجرٌ ظامئٌ ضمّ جثّة عصفورةٍ
وبكَى
لم يكنْ يتحمّل موتَ العصافير
في حفلةِ الرّيح
بل كان يترك بعضَ البُكاء
الى السّنةِ القادمة
طلقةٌ أيقظتْ في الشتاء عواصفه
جاءتِ الرّيح تمضَغُ طعم التّرابِ
وتلقي بصفرتِها للوجوه التي
هدّدتها بلون المطرْ
مطرٌ لم يجئْ إنّما أرسلَ عطف السّحاب
على غيمةٍ عابرة
كيف ينتظر الزّهرُ صوتَ الرّبيع
انّه زمنُ الاحتضار
ولا بدّ من لحطةِ الاخْتبار
انتظرنا ...
البلادَ تهيّئ هودجَها
الحقولَ توزّع بهجتها
والليالي تفتّح أقمارها
وها قد يئسنا من الانتظارِ...
فيا قلبُ قِفْ نتودّع حينا
وحينا نوزّع نبض الحياةِ على شجر
لم يمتْ
ليظلّ يصارع في الرّيحِ
جدبَ الفصول ...
شجرٌ يتشابه في اللّيل
يتوسّدُه الطّير إنْ جاع
يُرخي بأغصانِه كي يُعير محبّتَه للغصان
ويُطعِم أحبابَه الطّيبين
الجذوعُ التي تكره أحفادها
تتدافعُ كي لا تلامِس أبناءَها
هكذا نرثُ الحقدَ أسلحةً عابرة
شجرٌ يشتكي للصّقيع من الشمس
لم يقل انه يخشى الرّبيع
ولكنه لا يستطيعُ انتظارَ الثّمارِ لتهوي
إذا نضجَتْ
بين أيدي سماسرةِ الجُوع
خانوا البلادَ وباعوا الفتيلَ الذي خاطه شجرٌ
للشّموع
ساخنٌ دمعنا يا شجرْ
ساخنٌ كالمطرْ
انّما سنظلّ نحبّ الحياة
حيثما أسقطوا ثمْرة تنبتُ شَجرة
الاخبار 22 جوان 1985
نصب الدّم المجهول
لا لونَ لك الآن
تجْترّ الخبرَ الآتي وتضيع
خجولا مثل المذياعِ المهْزوم
هذا قدرٌ مشؤوم
جُنديّ سكران
مات الأوّل والثّاني
يكتملُ العدّ أمام السّلطان
فهل يكفيك النّصب التّذكاريّ؟
أجبْ أيّ الأقفاص تحب؟
النّصبَ، القبرَ، الوطنَ، الغبْنَ
كيف يضيق بك سجنٌ
أوَلسْت السَّجّان
أتصلّي لسحابةِ صيفٍ
أنسيتَ القرآن؟
لا دين لك الآن سوى السّوق
سيبيعون عمائمَهم
يقطُرُ منها دمُك الأسود
شاسعةٌ أرض الله ولا قبرَ سيُؤويك
أجِّلْ موتك يا هذا
سيقولُ سماسرةُ الأوطان
بعنا جثثا لا تصلحُ للحرب ولا للدّفن
وأبحْنا الحرّيةَ للصحفِ المأجورة
لا حلّ سوى أنك ترفضُ وتمانع
هذه أخبارُ الكذبِ الشّائع
تُجترّ بأبواقِ الدّجّالين
يا شَبَه الانسان
احملْ قبرَك وارحلْ
من تونسَ حتى فلسطين
ها أنت تموتُ عزيزا
بين أحبّتك فاستمتعْ بالموتِ
بعيدا عن لبْنان
ينتصر الله أو ينهزم الله
هذه أرضك، خذها،
واترك لله سماه
جريدة الشروق 1985
جنازة الشاعر الذي انتحر
لي الآن متّسعُ الوقتِ
حتى أموت
سيقتُلني الحبُّ إن شاء
أو سأقرّر فيه انتِحاري
لي الآن كلُّ المسافة
بل للمسافةِ بدٌّ من الاخْتصار
مشى النّبضُ في شِبه غيبوبةٍ
ثمّ ألقتْ عليّ الشّوارعُ منديلها
ودّعتني البيوتُ
شددتُ البلادَ الى راحتي
وانتفضْتُ كما الأخطبوط
فهل كان لا بدّ لي
أن أفارقَ عقلي
لكيْ لا يفارقني وطنٌ عنكبوت؟
روى عابرٌ جرّبَ الموت عشْقا
فقال: هو الموتُ طَعم بشارة
فمن لا يعاشرْ قصيدا
لأقسمُ أن الصّلاةَ عليْه خَسارة
1986
رامي
تجيءُ يا ولدي
ولم يحن زمن الاحضان في بلدي
لا ريحٌ على الشّبّاك باضتْ قطرةَ النّوء
ولا أملٌ في الحلمِ لا فرحةٌ
الا بصيحتك الأولى
أذ تفتح الدّنيا وأبتسمُ
ها أنتَ تسْألني
بمنْ في هذه الأرضِ سنعتصمُ؟
ــ ستصارعُ الأيّامَ يا كبدِي
حتى لتصبحَ من فولاذِ قريتنا
وتكونُ من أحلامِ حارتِنا
بيتًا من الشِّعْر مرصودا على الوتَدِ
يأتي لظُلْمتنا القمرُ
في ضوءِ عينيكَ أبْصرُه
ينمو بأحلامِك العمرُ
وستقرأُ بعض الخوْفِ في كتبِي
أو ترسمُ لي شبحً
فوقَ الغبارِ على أشلاءِ مكتَبتي
إنّي ومن تعبِي
هيّأْت مملكةً
لأموتَ منكوسًا على بلدي
أنت الأميرُ وما سواك يرمِّمها
هذي بلادك مهْما الحقْد دنّسَها
أنت الأمير
لا تدفنِ الشّعرِ بين القبْر والجسدِ
جريدة الاخبار جانفي 1986
الصّحاريّ
كيف أصدّقُ أنّ العالَمَ يرحلُ؟
والصّحْراء معي
كيف أصدّقُ جسدي للأفعى
حتى تلْسَعني؟
من يعرفني؟
أو يعرف كيفَ تجوعُ الحيّةُ
حين يطاردُها اللّيلُ
كم أتشرّبُني هلعًا
أتفلسفُ كالعقرَبِ في النّجْمِ
وأحكّرُ توقيتَ الليلة
وحدي سأعدّل ميقاتَ الدّنيا
وحدي أنقشُ في الصّخرِ حياتي
ــ لا يعبأ هذا الرّمل بأسراري ــ
من يعرفُ كيف إذا انْسدل الجفنُ على الجفْنِ
تتوسّدني حيَّاتي
حيّاتي تسري في ورقِي
تؤنسني كالنّخلة حين تجوع الى قيشمِها
نام الملحُ على عرقِي
فلماذا يسألني النَّخل عن العسْكر
يحرسُ طول الوقتِ رمادة
ورمادة عرْيانَة لا تحتاج الى ريح
كي تتعرّى
لا نفْطَ بها، لا قطّاع طريقٍ
لا عسكرْ
بسيطٌ هذا الدّمعُ المسكوبُ على خدّ النّخْل
لكنّه يُسْكرْ
من جرّبه يعشقُ سرّ الصّحراء
ويقضّي العمر كصَحاريّ
ليجرّبَ جوعه في الدّرك الأعلى
ويجرّبَ جوعَ الأفعَى
ودهاء العقربِ في الرّيحَ
ليخافَ من الفوضى
الشروق فيفري 1989
الحكاية (*)
من مسرحية سفر الكنار لجمعية المغرب العربي بقصور الساف
|
أصْلُ الحقيقةِ أنّ الأرْضَ كمْ زَخَرَتْ بالتَّمــْرِ والتّـــِينِ والزَّيــــْتُونِ والعِنَــــبِ |
|
التَّمْرُ خَضّـــــــــَرَهُ الطّلْيَانُ ما ترَكُوا حتّــــــــى نَوَايَاهُ للـمِقْــــــــلاعِ واللَّــعِبِ |
|
مَطمُورَةُ الرُّومِ صَاٍرَ السّـــُوسُ سَاكِنَهَا والزَّيْتُ يَجْــــرِي مع القَزْوالِ في العُلَبِ |
|
والنّاسُ، ارْتحَلوا حتّى بــَــــهائِمهم سَارتْ إلى موْسِـــمِ الحَـــرْقَانِ والهــربِ |
|
الأرض لله كيــــف البعضُ يَمْلكُها والبـــحرُ يُرُشى بِفِــــَتْوى من أبي لَهَبِ |
|
الأرض لله ما هـــــذي لِتــُــعْجــــبنا موتٌ على الموجِ أحلى من على اللَّهـــبِ |
جارتي
يا جارتِي
أطفالُنا يتخاصمُون على الطَّريقِ
ونحنُ في غزلٍ حرامٍ
وتشابكَتْ أيديهم الصُّغْرى،
أظافرُهم
وأيْدينا تمَشِّطُنا
لكي تستيقظَ الألغامُ فينا والحَريق
هم في الطّريق
يتخاصمُون بشدّة
والنّارُ تنزفُ من عيونِهم البريئةِ
وارتدى شبحُ البكاء وجوهَهم
وتبادلوا أحْلى السّباب
هل ترهفين السّمعَ
هذي عضّةُ الأنْيابِ
لا بل شهقةُ الصّبيانِ لا
...وهو الشَّهيق
يا جارتِي
أطفالنا لعبُوا معاذ الله
ثمّ تصايحُوا وتصارحُوا
وتضاحكُوا أو ربما
صنعُوا المودَّة فرحَة
أو ربّما انتفضتْ قلوبٌ قبلَنا
ما أجملَ الصِّبيان إنْ لعِبوا معًا
عُرسَ العشيقةِ والعشيق
قومي لنفْصِل بينهم
ما ضرّ لو قبّلْتِني في حضْرة الصِّبيانِ
لو قبّلتُ جيدَك بينَهم
فتصايحُوا وتصافحّوا حتى صرختِ معلِنَةً...
إني العشيقُ ولا الصّديق
سميرة
سأرتّب الزَّمَنَ الذي يَأْتِي بِها
وأُخَــاتِـلُ الصُّـدَفَ التي هَيَّـأْتُها
مُتَســــلِّقًا شَوْقِي وكُلِي ظلُّها
وصَدَى لَهِيبِي يُسْتَطابُ بِجَمْرِها
يا نَبْضِيَ البَـاقِي تَوسَّدْ قَلبَها
وازْرَعْ شَتاتِي في مَفاصِل عُمْرِهَا
رَدِّدْ صَهيلَ الحُّب حتَّى يَسْتوِي
جِيدُ الجواد على ضـَفَائِرٍ مُهْرها
تَأتِين مِن حُلُمٍ تَفَتَّحَ فجْـأة
ما أعْذبَ الصُّدَف التي جَاءتْ بها