السجن أضيق من خطاي


 

السّجن أضيق من خطاي

ذاكرة جرح

 

السّجن أضيق من خطاي

ذاكرة جرح

 

سيرة رجل استطاع أن يكون الضّحية الوحيدة

و أن يقتسم مع الآخرين دور البطولة

في أحداث أثّثها في الدّارين

**

المولدي فرّوج يلبس من جديد عباءة ابن خلدون

            بقلم:د.محمّد البدوي

         رئيس اتّحاد الكتاب التونسيين

  كلّ الذين يتابعون المشهد الأدبي في تونس يعرفون المولدي فرّوج شاعرا صدح بقصائده منذ أكثر من أربعين عاما، ملأ الدنيا شعرا حمّله أحلامه وأحلام جيله  وشغل السلطة الحاكمة بهذه الأحلام وبالعزم على مقاومة الظلم والاستغلال ، وتعمّقت تجربة شاعرنا بالانخراط في العمل المسرحي فكتب عدّة أعمال ورأس جمعيات مسرحية هدف من خلالها إلى الاستفادة مما يوفّره المسرح من تواصل مع الجمهور لبث نفس الأفكار الواردة في الشعر  ولمّا ضاقت أشكال التعبير عن استيعاب  اللحظة التاريخية التي تمرّ  بها البلاد ، ترك إلى حين لغة المجاز  وانخرط في كتابة الرواية  بحثا عن قيم أصيلة في عالم  متدهور على حدّ عبارة   لوكاكش ، فكانت رواية  "كاميرا"  صرخة تردّد صداها في ذهن كل قارئ ، وها هي الرواية الثانية "السجن أضيق من خطاي"   ذاكرة جرح كما وصفها صاحبها ، وشهادة حيّة من  السيرة الذاتية للشيخ الرئيس كما يحلو لي  دوما أن أقدّمه.

ولئن غلبت في أذهان المثقفين صورة المولدي الشاعر فهو لا ينتصر لجنس من الكتابة على آخر لأنّ  الهاجس الكبير هو فعل الكتابة لأنها إكسير الخلود تمنح صاحبها شجرة الخلود وملكا لا يبلى ، وتجعله أمينا على البلاد والعباد لا يخشى في الحق لومة  لائم.

     لقد سعى المولدي فرّوج في سيرته  الروائية "السجن أضيق من خطاي"  إلى أن يروي تفاصيل تجربته في كلية الطب بتونس  مع أساتذة أجلاء حفظ لهم  شهادة صدق في حقّهم ، وآخرين تورطوا مع رموز السلطة الحاكمة  فأصابتهم عدوى الفساد وغاظهم أن ينشط الطالب الشاب في جريدة "الرأي" المعارضة وأن يكون ذا رأي مستقلّ  يعطي الوصفة المناسبة لمداواة الأبدان والأرواح ، فوضعوا في وجهه كل العراقيل التي تمنعه من أن يكون طبيبا يساهم في خدمة الناس.

     إن هذه الرواية شهادة على مرحلة دقيقة عاشتها شخصيات تعامل معها الراوي بطريقتين مختلفتين، كانت الأولى وفية للشخصيات الإيجابية، أما الذين عرقلوا مسيرة الطالب الشاعر فلم ينتقم منهم كما انتقموا هم، ولم يقطع عنهم سبل الرزق كما فعلوا. لكنّه  لم يغفر لهم سوء فعالهم فعبث بهم كما شاء له الخيال أن يفعل فصغّر  أسماءهم  وأنّث رجولتهم الزائفة  وعرّى ما كان مستترا ، وفضح ما كان خافيا، لتستريح نفسه . إنّه صريح منذ البداية :" هذه الرواية أرادها مُؤلّفها أن تجيئكم عاريةً من المخادعة، واضحة فاضحة وصريحة.  و حرص على الصّدق في سرد أحداث عاش أكثرها وأضاف إليها من توابل الخيال و من فواكه الاحتمال ما يجعلها تعْجب الناس أو هكذا اعتقد خوفا من القارئ. و لم يكن الكاتبُ عادلا بين الشّخصيّات فمنح الايجابيَّة منها أسماءَها الحقيقيةَ و اختار للسّلبية أسماء تليق بحقارتها وتؤدي مقصدَه دون ندمٍ و لا وخزِ ضميرٍ"

     وتكمن قيمة الرواية في أنّها تعبير صريح على أن الأيام دول "من سرّه زمن ساءته أزمان"  فالذين كانوا بالأمس القريب أو البعيد متربعين على سدة الحكم أخذتهم اليوم المنافي والسجون وغيبهم النسيان أو الموت، والذين كانوا يناضلون في "الرأي" ويصدحون بالقصائد الخالدة تتصدّر اليوم أخبارهم نشرات الأنباء وهم  يسوسون البلاد والعباد ويسطرون أقوم المسالك  في راحة ضمير بعد أن أنصفتهم الأيام بطرق مختلفة. فالشاعر الذي تعنت أحد أساتذته "طبيب الستّ"  بالأمس البعيد  في حرمانه من إكمال دراسته الطبية تتصدر  بدوره صورته صفحات المواقع الاجتماعية وذاكرة أصدقائه وهو محفوف بأبنائه الأطباء الثلاثة وأربعتهم باللباس الأبيض النبيل والسماعة الرمز. وليت أستاذ الأمس يشاهد الصورة فيقتله بعض الندم على ما مارسه من ظلم.

     وكتب الشاعر الحكيم  روايته قبل أن يدخل قاعة العمليات لإجراء عملية جراحية خطيرة كانت العناية الإلاهية وراء نجاحها ليتعافى شاعرنا فيراجع نصه ويعدّل من تفاصيله لينصف مرحلة  كان فيها مع أبناء قريته الصغيرة في تعاون وتقديم الدعم  المادي للمحتاجين بعيدا عن المؤسسات الرسمية فكان التنظيم محكما دقيقا تشهد عليه صور  الحوالات البريدية والوثائق المهرّبة  بعيدا عن عيون العسس والمخبرين الملازمين للشاعر المناضل  وهي اليوم تتوّج  غلاف الرواية  وتترجم اعتزاز الراوي بكل ما فعل  .

لقد جاءت الرواية في أسلوب مشوّق فيه الكثير من البوح ، يكشف للقارئ ما يحدث وراء الأبواب المغلقة ، وهو واقع أغرب من الخيال أحيانا ، وخيال ملتبس باليومي  فامّحت الفوارق . ولا شكّ أن النصّ تخمّر سنوات عديدة  وطال المخاض فلم يخرج على الناس إلا بعد أن   استقام عملا فنّيا يبشّر  بمرحلة  أدبية فنّية جديرة بكل التقدير وقد تلمّسنا بعض أصدائها فيما عرفناه في أعمال  المولدي الشعرية وفي مواقفه التي جلبت له كلّ التقدير.

إنّ خطى الشاعر أكبر مدًى من كل السجون  بما في ذلك سجن الكتابة وكان لا بدّ أن ننتبه إلى المسرحية الشعرية التي لبس فيها الشاعر قناع ابن خلدون ليصرخ فينا وفي البرية :

".هل لي مكان بينكم / فالقبر أضيق من خطاي / قد عشتُ أرعى لونكم / وألُمّ أهلي في مداي / لكنّ صوتي دونكم / والغرب  ينهض من صداي " (مسرحية : الصدى  أعلى من الصوت) 

إن هذه الرواية الوثيقة  دافع  للمؤرخين كي يعيدوا النظر في كتابة تاريخ  الثورات حتّى لا يهملوا جهد كلّ النمل الذي ساهم على امتداد السنين  في تقويض  عرش  الطغيان إلى أن   انهار صرح  الظلم والاستبداد وانكشف عن نمر من ورق كان من قبل يرعب الصغار والكبار  وينهش أحلام   الفقراء ...

ومن حقّ البرادعة أن تفخر بالمولدي فرّوج وقد نسج بعض صفحات تاريخها ونفض الغبار عن كفاح أبنائها الكادحين والطلبة والموظفين .

ومن حقّ كلية الطب  بتونس أن تفاخر  بأديبها وشاعرها الذي كان وفيا لرسالة الطب النبيلة فساهم في علاج الأبدان والأرواح ، وكان أمينا على صفحات من تاريخها فحقّ له أن يلبس قناع ابن خلدون. وطوبى لك ولنا أيها الشاعر العامر بالحب للناس جميعا فقد حملت الأمانة وأدّيت الرسالة  وننتظر منك  المزيد  حتّى نستوعب الدرس وننهض من  رماد السنين.

                                  المنستير في 18 سبتمبر 2013                                                                     

                      د. محمّد البـدوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

إلى أصدقائي

رفاقي في سنوات الجمر

 لكيلا نندم على عمل ارتكبناه من اجل هذا البلد

لكي يبقى جرحنا مفتوحا على الأمل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في المخلاة بعض الحجارة

 

دائرةُ الضّوء يصنعُها القرّاءُ والنّقادُ وكتَبةُ التاريخ.

القرّاءُ، مجانينُ الحكاية، يحبّون الأفكار ولا يحبّون تمثيل الأدوار فيمجّدون الفعلَ ولا يفعلون ويمدحون الفاعلَ ولا يأخذون مكانه.


النّقاد، جوْعى النّص، يتساقطون على الطّبق ليَمشّوا عظامه فإنْ شبعوا تركوه واعتنوا بشكله الخارجي.


التّاريخ طفلٌ لا يريد أن يضيع شيئا من أشيائه التافهة.

أمّا اللغةُ فتنير البيتَ المظلمَ أمام داخله.

أحيانا تكون الفكرة جميلة برشاقتها وطرافتها فتطغى على الشّكل و تقلِب موازينَ النّقد وتدفعُ القارئ نحو الانتصارِ لقول الكاتب.

هذه الرواية أرادها مُؤلّفها أن تجيئكم عاريةً من المخادعة، واضحة فاضحة وصريحة.

وحرص على الصّدق في سرد أحداث عاش أكثرها وأضاف إليها من توابل الخيال ومن فواكه الاحتمال ما يجعلها تعْجب الناس أو هكذا اعتقد خوفا من القارئ.

ولم يكن الكاتبُ عادلا بين الشّخصيّات فمنح الإيجابيَّة منها أسماءَها الحقيقيةَ واختار للسّلبية أسماء تليق بحقارتها وتؤدي مقصدَه دون ندمٍ ولا وخزِ ضميرٍ. وكذلك فعل مع الأمكنة فبنى لروايته بيْتا هيّأه واعتنى به و جمع فيه الأحداث التي عاشها و بنى بيتاً آخر فتحه للمغرمين بالخيال والمنبتّين عن الواقع وأهمل العقل في ترتيب فوضاه و لم ينس نصيب المغرمين بالبحث عن أخطاء غيرهم فترك لهم نصيبهم من الصيد الهزيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1 ــ الشّرطيّ الذي يُخرج الرُّوح

 

 

 

 

 

 

 

 

كنتُ متمددًا في الدّار السُّفلى أتلذّذُ رطوبةَ المكان وأسْترقُ السّمع إلى جاري و هو يغازلُ حبيبتَه عندما شعرتُ بأحدِهم يدقُّ بحجَر على جبْهَتي دقًّا خفيفًا لا يكادُ يُسمعُ و لا يُؤلِم.سألتُ إحدى شعرات الجفن:

هل يكونُ الزائرُ امرأةً ؟

ردّت شّعرة الاستنفار:

ــ تباطأْْ في الإذْن لها بالدّخول فأنت لم تجهّز النّفسََ ولا المكانَ لاستقبالِِ أنْثى.

و إذْ لمْ يقْنعني الجوابُ رحت أطرحُ سؤالي على بقية الشعرات المهتمّةِ بالحذر الفطري:

ــ لماذا لا يكُون الزّائرُ طفلا نسيتُه في الدّار الأخرى أو لم أنتظرْ هبوطَه من بطنِ أمّه؟ ...

ردّت الشعرةُ حافظةُ الخَبر:

ــ و هل أهملتَ أطفالك في الدّار الأخرى؟

الأخبارُ الصَّحيحة تُحفظ عادة في الشَّعْر لأنّ الدّودَ يلتهم النّزيل منذ حلوله ولا يترك منه إلا شَعْرهُ و هو يكرهُ الشّعر حيثما نبتَ و يعاف اللّحى خاصة تلك التي يغزوها الشَّيب مبكّرا.

الثابتُ أن الزّائر لا يعرف المكانَ وهذا يكفي لرفضِ قبوله ولرفعِ أمره إلى مراجل وإلا أُنْزِل عليّ عقابٌ شديد. هكذا يقولُ القانون الذي ينظّمُ الحياة في الدّار السّفلى.

الحقيقة أن أكثر القوانين هنا لا تستقيمُ أبَدا فهي لا تعترفُ بمِلكيّة السّكان لأشيائهم و لا حتى بحقّّهم في المجيء أو المغادرة بحرّية وتجْبرهم على الصّمت كلّما استوجبَ الكلامُ و تعاقِبُ كلَّ من تجرّأ على رفع رأسه أعلَى من كتفيْه أو فكّر بصوت مرتفع... وتُعتبرُ الوشوشةُ المكشوفة صوتا عاليًا.غير أن السّاهرين على تنفيذ القوانين يغُضُّون الطّرفَ أحيانا على  بعض الأشياء فيُسمَح للمتساكنين بالاختلاف والخلاف أو بالتنصّت على بعضهم أو بالشّمّ المتبادل لأجسادهم ويشاع أن التّحوير المرتقب في القوانين سيفضّل الذّكورَ على الإناث بالسّماح لهم بتذوّق بعض إفرازات  الجسد كالرّضاب والعرق.لأنّ أهْل الحلّ و الرّبط اقتنعوا أن القوانينَ التي يََصعُب تطبيقُها على أرضِ الواقِع لا تفيدُ في شيء بل إنّها تشجّع النّاس على مخالفتِها.

صحْت غاضبًا في وجه الزائِر:

ألا تستحي من العشيقين فتؤجّل ضوضاءك؟

ألا أستمتعُ هادئا بسيمفونيةِ العشق المنبعثةِ منهما؟

تركتُه يخربش بالحصاة على جبيني ومطّطتُ سمعي في اتّجاه الجارين العشيقين فسمعتُ أصْواتا تُشْبه فحيح الأفاعي. و شدّني التّطفل أكثر فقطعت أنفاسي خوفًا من افتضاح أمري و انتابني شعورٌ غريبٌ هزّ مشاعري وكدت أذوب في ذلك الإحساس بالنّشوة وهي تنبعث عبر شقوق الحائط كلّما أجهش العشيقان بلذّة الموت.

رائحة الأجساد تختلط بالرّطوبة فتملأ المكان غرابةً ويختلط العطس بالشّهيقِ فتنطلق أصواتٌ وألحانٌ كأنّما أبدعها فنّانٌ ماهرٌ. والضّيفُ استبدل حصاته بحجرٍ أصَمّ قُدّ من الرّخام و راح يدقُّ على رأسي مُحْدثا ألمًا شديدا وأنا أقاوم ذلك الألم بالانتشاء.

للدّار السّفلى قوانينُها ونُظمها التي تسير بها الحياة وتنتظم وهي في أغلبها لا شرعيّةٌ و لا وضعيّةٌ. كان مُنشئها قد فكّر في البداية في تسْمِيتها قوانينَ ما بين الدّارين و لكنّه سرعان ما تخلّى عنها فالتّسمية اقترنتْ بمَثلٍ شعبيّ حديثٍ انتشرَ بين النّاس و أخذ مكانه في الذاكرة الشعبية متسلّقا أعمدة المواقع الاجتماعية حيث استقبله المبحرون بالمحبّة و النّشر  ربّما لجرأته الصادمة أو لارتباطه واختلاطه أيضا بالدّعاء السّاري:يُسْتْرِكْ رَبِّي في الدَّارِينْ وهو دعاءٌ يُفهم حسب السّياق و المكان الذي يقال فيه فإذا قيل في مسجد أو قالَهُ رجلُ دين فالمقصود بالدّارين دار الحقّ و دار الباطل وإذا قيل هذا الدّعاء في الشّارع فإنّ قائله يقصد بالدّارين السّجن و دار الخناء.هذا اللّبس في التّسمية قاد أيضا إلى صعوبةٍ في اختيار من يسهر على تنفيذ قوانين تلك الدّار فكان مْرَاجِلْ (امرأةٌ/رجلٌ) الرّجُل المناسبَ للقيام بالواجب.

مراجل هذا، أو هذه حسب الحالة، استنسخه علماء الأجنّة من أوّل رجل وأوّل امرأة سكنا أو أسْكِنا هذه الدّار. ويدّعي البعض أنّ مراجل أرسلته الحكومة لتهيئة المكان و إعداده لاستقبال عدد كبير من أعيان القوم عندما شعرَتْ بأنّهم أصبحوا يتغامزون من حولها و يتبادلون السّخرية من أعضائها وينظرون إلى الكرسيّ الذي شاخ مثل الجالس عليه فبدأ يترنّح آيلا إلى السّقوط مبشّرا ومنذرا بالعاصفة من حوله. حالما اشتمّت الحكومة هذه التفاصيل المريبة علّقتها على شمّاعة المناورات وزيّنت بها واجهة الإنذار ورفّعت في درجة الخوف والتأهب وسارعت في إعداد برنامج يقضي بتخليص البلاد من المعارضين و من المفكّرين و المثقّفين ومن أصحاب الرأي الصّائب الذين تكاثروا في السّاحات العامّة وعلى صفحات بعض الجرائد المأجورة و على شاشات التلفزيون.

الحكومات الصّادقة في عملها تنزعج دائما من الآراء الحرّة فتسعى للتّخلّص منها بشرفٍ كاذبٍ وتقيم لها جنازات فاخرةً وتمنحُ المفكّرين بيوتا سفلى أرحبَ وأجملَ وتجعل لها حارسا أمينا لا ترقى إليه الشّكوك. لذلك سمّته الخَنْثَى بمقتضى منشور رسميّ و كلّفته بالسّهر على نظام الدّار السّفلى حيث المساكن لا تبنى إلا على طريقة أفقيّة تتساوى فيها الواجهات والزّينة تمشّيا مع نهج المساواة بين المتساكنين و تطبيقا لأمرٍ فوقيّ يقضي بتحسين المساكن الشّعبية وطلائها بنفس اللّون.غير أن الحارس ركب رأسه و سمّى نفسه مراجل ورفض أن يعيَّنَ سجّانا يُصبح ويُمسي على الشّتيمة مرتهنا بأوامر عرْفٍ لا يعرفُ ربَّه.منذ أن جيء به من الرّيف لأداء المهمّة اتّهموه بالجنون حتّى يتبرّأ منه العاقلون و يخافه المعارضون.فهِمَ الأمْر واستوعب التّهمة و اقْتنَع بأن مجنونًا في المدينةِ خيْرٌ من عاقلٍ في الرّيف.تلك المقولة ألّفها و ظلّ يردّدها.

 فهمتُ أن الوافدَ حديثُ الوصول من الدّار الأخرى وأنه استطاع أن يتسلّل من بين أنظار مراجل دون معرفة مسبقة للمكان وهذا الأمرُ نادرا ما يحدث. ولكنني احترتُ من إصرار  القادم على مقابلتي سرّا و دون إعلاء صوته ولا افتضاحِ مجيئه. فتَحْتُ عينا واحدة واستجمعتُ قواي الباطنيّة و الظاهرة واعتصرت أعصابي للمواجهة.

في لحظة استرجعتُ صِغري واستحضرت سلوك  كلْبنا  الذي كان يبادر بالهجوم على القادم نحو منزلنا.

الكلاب تنبح وتهاجم الإنسان لا طمعًا في شيء ما وإنّما لتعبّر عن شديد خوفها ورعبها.كل الكلاب تنبح ولكن ما كلُّ الكلاب تعضُّ.هكذا كان يشجّعني والدي على مهاجمة كلاب الحيّ فتذكّرت نصيحته وصرخت في وجه الوافد:

ــ ألا تعرفُ حُرْمة المساكن يا أيها المتطفّل الثقيل؟

ارتعد المسكين و تمْتَم:

ــ الأمر عاجل يا صاحبي، جئتك برسالة من الدّار الأخرى.

عجبا!يناديني : يا صاحبي.من أين جاء بهذه الكلمة؟هل في هذه الدّار أصحاب؟

ــ هات... و دعْني منشغلا بغيرك،قلت.

مسّح برأسه على جمجمتي ليلومَني بلطف على سوء ظنّي به وهزّتْني قشعريرة فتذكّرت شَعر زوجتي النّاعم و هِمْت قليلا كمن استفاقَ من نومٍ عميقٍ وحاول استعادة حلمه لكنّ الضّيف ارتبك من تصرّفي وأعادني إلى رشدي و قال:

ـ أنت أيضا لا تُكْرم الضّيف في هذه الدّار؟أنا عابر في الحال وقد تعبت من أجل الوصول إليك فلا علامات توضّح الطّرق الملتوية و لا من يُرشد السّائلين ولم يعرضْني أحد و لم أسمعْ غير الشّهيق والنّهيق واللّهث المنبعث من الرّكن الذي بجوارك إلى درجة جعلتني أشعر بالخجل فتصبّب جسمي عرقا واحتراقا.وكنت أمنّي النّفس بأن تلاطفَني و تجبرَ خاطري ولكنّك زدتني وحشة و إحساسا بالغربة وأنا قدمت حاملا إليك رسالة هامّة جدا... 

أحرجتني وجعلتني أندم على مجيئي إلى هذه الدار الموحشة. على كلّ حال هي فرصتك لتستردّ من خلالها احتراما كان قد سلب منك.

طمأنته و لاطفته و رجوته ألاّ يحمل على العشيقين فقد تُوفِّيا على جِمَاع وظَلا على حالهما تلك تهزّهما في كلّ يوم نوبةٌ في مثل ساعة قدومهما وسألته عن سبب مجيئه إليّ فتجشّأ رسالة في حجم حبّة رمل أمضيتُ في قراءتها زمنا يصعب تحديده. لم يفاجئني ما جاء في الرّسالة وإنّما فاجأني باعثها، ذيل من أذيال الحكومة  كان  في السّابق يترصّد كتاباتي في بعض الصّحف  ويلتقط أحاديثي من بساتين الكلام يثبّتها في سجلّ الاتّهام في وزارة الداخلية و تحفظ لمثل هذه الحالة.

تقول الرّسالة أن البلاد عَميتْ و اتّجهتْ نحو الحائط بدون عصا و أن الحكومة القادمة ستعتلي الحائط ويتزاحم أفرادُها من فوقه بحثا فيه عن موضع بصمة إلى أن يترنّح الحائط ويخرّ ويهوي بالجميع.عند ذلك تصطدم البلاد بالحجر الأصمّ قبل أن تسقط في الهاوية التي هيّأها لها البعضُ وراءَ الحائط.

 و ذَكرَت الرّسالةُ أيضا أن هرم الدّولة الذي كان يقف ويشدّ اتّزانه على زاوية واحدة قد تتلاعب به الرّياح  فتقلبه أو يُرعبه الصّياح فيستوي و يقف على قاعدته فالوعْي تحوّل إلى عدوى سََرَتْ في النّفوس سريان الخبر المشؤوم و بدأ الناس يتحدثون عن الماضي ويتزاحمون على عتبات الحاضر ليحاسبوا الأيام عن كذبها.

التاريخ يصنعه الشّجعان و يكتبُه المتفرّجون و يقرؤه العامّة.

أنا الشاهد الأصدقُ على تدليس التّاريخ.

لم ينس كاتب الرسالة أن يعتذر لي عمّا صدر من خالد، عون الأمن الذي انفرد بي في مركز الشّرطة شارل ديغول في العاصمة وهدّدني صائحا في وجهي:

ــ أَمَا نطَلْعُوا لِكْ روحِكْ يا هامِلْ.

و كنت قليل الأدب فأجبته بردّ قبيح أيقنت فيما بعدُ أنّ وقعه كان كبيرا على ذلك العون الحقود الذي وصفته بالقرد الحاكم فنفّذ فيّ تهديده مستعينا بطاقم من زملائه السّيئين فخنقني وشدّ على أنفاسي حتّى متى انتفضتُ بين يديه الغليظتين و تصبّب العرق البارد من جبيني إيذانا بخروج روحي تصايح زملاؤه غبطةً و فرحا بالانتصار عليّ . ولما تأكّدوا من موتي سحبوا مني جسدي و ألقوا به في الدار السفلى وتركوا الرّوح هائمة في مِلْك الله.

لم أطلب من الحكومة عطفا و لا رحمة لأنها اشتهرت بالقسوة و التنكيل بالأجساد وقبلتُ أن أُحْمَل إلى الدّار السّفلى بلا روح.

 حدّثني أحد السّابقين إلى هذه الدّار قال:

للحكومة أجْلافٌ من الجلادين توزّعهم في الدّارين ولا تُوضّح لهُم أيّةَ أوامر بل تكتفي بالقول:افرحوا بهذا الضّيف فيأخذونه كما تؤخذ الخرفان إلى المسلخة ويفصلون روحه عن جسده ،يرسلون الجثّة إلى قسم السّينما لتمثَّل بها بعض الأفلام الدّعائية ثم تُْهْديها إلى الدّود الذي يسود لينهشَ  اللّحْم نهشًا ويمشّ العظام مشّّا ويعيد الهيكل إلى الحكومة لتصنعَ منه عصيّا تؤَدِّبُ بها المارقين و المتمرّدين..المهمّ ألا يضيعَ شيء من الضّيف.

و أما الأرواح فأمرُها موكول إلى الله وحده و الحكومة تتحاشى استفزاز عقيدة الناس خاصة بعد أن تحول الصّراع بين الشّعوب و الحضارات و بين أفراد البلد الواحد إلى صراع دينيّ ودمويّ و بعد أن أصبحت الحكومات في سائر أنحاء العالم تتظاهر بمسكها لخيوط اللّعبة وتخفي خوفها من المتشدّدين في ديانتهم  والمُُطْْلقين لِحيّهم والقابعين على أفكارهم والهامزين والهائمين بكلام أولي الأمر و بأحاديث الصالحين من البشر..

ظلّ الضّيف واقفا ينتظر شهادتي و ينظر إلى سبّابتي اليمنى وقد خفَّ وزنها بعد أن امتصّ الدُّود لحْمَها. أحرجتني نظراته المركّزة على السّبابة فبيّنتُ له الأمرَ قائلا:

ــ النّظام الدّاخلي للدّار السّفلى يأمر الدّود بمباشرةِ النزلاءِ الجددِ من السّبابةِ.ولا أحد سأل عن السّبب ولا حتى تجرَّأ على طرح الموضوع مع زملائه.أنا الوحيد الذي تشجّع وفكّر في الأمر ففهمت أن البداية بإزالة السّبابة من الضّيف تمنعه من رفع يده احتجاجا على شيء ما أو طلبا لأخذ الكلمة.و قد تكون المسألة ذات منحى ديني فالتّسبيح إثر الصّلاة يكون بالسّبّابة.

و في اعتقاد البعض أن الأمر مرتبط بسرعة التّحرك التي تمتلكها السّبابة مقارنة ببقيّة أعضاء الجسم ولهذا الغرض يسارع الدّود بشلّ الحركات الأسرع في الوافدِين قبل أن يتعلّموا كيف ينفضون غضبهم.

اقتطعتُ خلية متكلسة من ذاكرتي و تلمّستها على طريقة بْرَايْ  و قرأت فيها قائمة الأحداث التي شهدتْها البلاد أيّام كنتُ طالبا في كلّية الطّب سحبت منها ما طُلب منّي في الرّسالة وألقيتها إلى الضّيف فطار بها نحو الدّار الأخرى غير عابئ بلهاث الجارين وشهيقهما.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2 ــ أنا الهارب من الضّوء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم أصادفْ في حياتي إنسانا يَتَّهِم نفسه بالجنون فالجنون  في نظرنا جميعا يصيبُ الآخرين فقط و لكنّني أمشي محدّثا نفسي بصوتٍ نصف مرتفع:

ــ ها أنت تحاول أن تقبضَ على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت،حَدّ رقيق قُدَّ من الحرير.

ــ أمْسكْ بيدك خيطَ العِقد و عدّ على الحبّات أيامََك المتبقّّيةََ على الأرض.

عندما تنظر إلى الخلف ترى نفسك غسيلا على حبل الزّمن وتعرف أنّ المسافة التي مضتْ أطول بكثير من الأمتار المتبقّية وتحسُّ بأنك مجبرٌ على الإسراع لا لِتصلَ إلى نقطة النّهاية وإنّما خوفا من أن تصلَك النهايةُ.

أنت كالعدّاء في الأمتار الأخيرة من السّباق.

قلْ صراحة إنك تخاف الموْتَ فما من حيٍّ لم يتملّكه الرعبُ من الموت و كلّما طال عمره زاد خوفه.

الذاكرة امتلأت و أصبحت تنوء بحمل ثقيل.

سلّةُ النّسيان تهرّأت و تساقطت منها أشياء هامة فضاعت فرصٌ كثيرة للعودة إلى الماضي.

ما أطول الزّمن عندما لا نحسن العدَّ على أصابع الطفولة وما أقصرَ العمر عندما نُجبَرُ على الدّوران في نفس الموضوع !

تدور الدّائرة و لا تقف.و نحن ندور مع الأرض وهي لا تتوقّف إلا متى نظرنا إليها.

ينقطع حبل التفكير بعض اللحظات ليَستردّ أنفاسَه.كأنك أنت السائر إلى الخلف؟

لستُ سائرا إلى الخلف فأنا أتقدّمُ و ها أنا أشعر بأنّ الفِكر يجري بعكس اتّّجاه الجسم و رغم ذلك فأنا أشدّ اتّزاني جيّدا وأترك للسّاقين أن تُسرعا نحو الأمام وللدّماغِ أن يمسحَ الماضي بسرعةٍ رهيبة.و لم أزل أحدّث نفسي :هل لا بدّ من التخلص من العقل حتى يجد الوطن مكانا شاغرا في الذات؟

و هل في الوطن ما يستحقّ كل هذا التفكير؟

حظّي وافرٌ هذه المرّة،هكذا حدّثت نفسي،فتقطيعي إلى نصْفين صنع مني رجلا مهمّا في الدّارين...أنا رجل المرحلتين أو المنزلتين... عظيم !

عشتُ عظيما و قُسّمتُ إلى عظيمين ،جسدا وروحا. حتّى حطب الجثّة يحظى بالرّعاية.

أيّها الأنا المتعالي،لا تعنيك الفترة التي ستشهد عليها بقدر ما يعنيك الاهتمام برأيك فيها.و لا يعنيك فصْلُ روحِك عن الجسد بقدر ما يعنيك اهتمامُ قاضي التّاريخ بأسباب الفصل.

ها أنت تحاول اللّحاق بالخطّ الفاصل بين الظّلام ودائرة الضّوء التي تحيط بك.

إنّها مناصفة عادلة فانسلاخ روحك عن الجسد كانسلاخ الضّوء عن الظلام.

الآن ينقرّ حذاؤك الإسفلت وأنت تستمتع بنغماته.هل هذه دقّات قلبك التي كانت تؤنسك في صمْت الطّريق؟

لن تصل إلى دائرة الظّلام التي أمامك و إن حاولت اللّحاق بها جريًا أو ركْضا. ضوءُ القمر يغطّيك رغما عنك.تسرع أو تهرول أو تجري ستبقى المسافة بينك وبين الظّلام هي نفسها فادخلْ حذاءك و لا تكذّبْ نفسك فلا أغنياء أمامك تطمع في مالِهم و لا فقراء تستجدي تأييدهم.

 ألست مدافعا شرسا عن حرية البلاد؟

كنت دائما مجبرا على سماعِ غباوة الحاكم فقل له الآن  كلاما  لا يرغب في سماعه ...إنها فرصتك...

الأفكار تتزاحم في الرّأس ومثلها الأسماء التي قرّرت أن تنشر فضائحها على لسان الرّيح.

تذكّر أنّك حديثُ الوقوف بعد سقوطك في يد الشّرطة وتذكّر أيضا أنك مغرمٌ بالوقوف بعد كل سقوط وهذا أهمّ كثيرا من عدم السّقوط أصلا.

تكاد أن تفقد التّوازن فوق الورق وتحسّ بنشوة التزحلق. أفكارك تتزحلق هي أيضا و لا تستقرّ.

دع الضّباب يمرّ فربّما حمل في ذيله الشّمس.

التّاريخ يريد أن يحاكم نفسه وأنت الشّاهد الذي رأى كل شيء.

يمكنك أن تتخلّص من دَوْر البطولة...أُكتبْ قصّتك وتقمّص دورَ الضّحية إن رغبتَ في ذلك...أَوَ لمْ تكن ضحيّةً على امتداد ثلاثة عقود دون أن يُفتحَ أمامك بابٌ للشّكوى ؟

الضّحية تصبح بطلا عندما تنتصر على الظّالم.

الآن تسعَى نحو الخطّ الفاصل و الخطُّ يبتعد بأسرع من خطواتك.

الآن تقررُ أن تكتبَ وأن تُفصحَ و أن تَفضحَ و أن تقولَ.

الآن فقط...

التّاريخ يفتح نافذته على بيت مظلم و في قلمك زيت الفتيل.

الكتابةُ كالجنس لا تستمرّ الحياة بدون أن يفضي إلى ميلاد جديد.

الآن يدفعني ضوء القمر المنعكس على إسفلت الطريق إلى المضيّ في اتّجاه آخر نقطة منه. هنالك بداية الظّلام الذي أبحث عنه. أمشي في اتّجاهه دون تفكير محاولا أن أدخل في بطن الليل لأختفي عن البطولات المزعومة.

أمشي إلى هدف غامض. أهرب من الضّوء لكنّني لا أستطيع... خطوة ...خطوات أخرى...أرى دائرة الظلام تبتعد أكثر.

أحيانا تجعل منك الصّدفة رجلا مهمّا. الصّدف قادرة على الفعل بل لعلّها توقد الفعل في هذا الجسد الحيّ فيرتمي فيها.والفكرة هي الشّرارة الأولى.

أستدعي الأفكار و أفتح أمامها سباقا نحو الورق.وأكافئ الفكرة الفائزة بشارة ذهبية. الأفكار تحسّ وتفرح  وتحزن و تجوع و تشيخ و تتعب وتتنافس أيضا. الجائع يفوز دائما بالسّباق من أجل الرّغيف.

أريد فقط أن أدخل دائرة الظّلام ولو بلا سبب مقنع ولا حتّى غاية واضحة. أدخلها لمجرّد الاختفاء أو الهروب من تكرار أحداث ليس من الضروري أن أكون فاعلا فيها وإنما سأجعل من هذه الحكاية الخاصّة ذاكرة جماعية فأنا الذاكرة وأنا المرآة و أنا البلاد و أنا القضيّة و الشّاهد وأنا أيضا ذاكرة الجرح.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ هكذا بدأت مواسم الصّيد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سؤال أوّل: ما هي سماتُ المَلك الصّالح؟

سؤال ثان: كيف يجب أن يكون النّاس لتستقيم الحياة؟

جوابٌ أول: الحياة بُنيت على الدّماء ومَن لا يصدّق هذا الكلام فقد أخطأ.

جوابٌ ثان: عليك أن تقرأ التّاريخ جيّدا قديمه وحديثه وأن تُحصي المعارك التي خاضها الإنسان والحيوان من أجل الحياة.

تعليق أوّل وأخير: اختصّ العرب المسلمون في الاقتتال حتّى صاروا يعلّمون بعضهم الانتحار درءا لفضيحة القتل المباشر.

و لكن....

لماذا أرى نفسي مجبرا على البداية بالحرب؟بالاقتتال؟ بالموت؟ لماذا تُبنى الحياة على نغم في حَجر الموت؟

ليكن ما يجب أن يكون. سأكتب من هنا...منذ هذا التّاريخ صباح اليوم المشهود الذي سمّّاه المتشائمون الخميس الأسود وسمّيتُه يوم السّعد لأن التونسي تعلّم فيه أن يقول لا. 

 دخلتُ إلى نهج يوغسلافيا فاعترضني حارس العمارة، رجل تُخْطِئُ في تقدير عمره من ملامحه. يتّكئ باعتدال على هراوة غريبة الشكل والزّينة.يبدو للمارّ أنه شديد الولع والفخر بها فهو يعلّقها إلى خصره كما يعلّق الشّرطيّ مسدّسه، يداعبها من حين لآخر بأصابعه العشرة ليدلّ المارّين عليها.

ما إن بادرته بالتّحية حتّى ردّها و هو ينظر إلى الهراوة المشدودة إلى معصمه بقطعة من القماش السَّميك.سألته فأجابني بدقّة الحافظِ أرقامَ الأبواب والعالِمِ بأوقات الواقفات أمام الشّبابيك وسألني بدوره أسئلةً محرجة. ظننت أنّه حارسٌ بسيطٌ و توسّمتُ في أسئلتِه البراءةَ فأجبتُه بأنّني لا أفهم شيئا في السّياسة وبأنّني لست صحفيًّا و إنّما أنا كاتبٌ أحاول أن أنيرَ المدينةَ بأفكاري وأن أساهمَ في إثراء السّاحةِ الأدبيّة و الفكريّةِ بإبداعِي وأسْعى إلى تغيير عقليّةَ الإنسان ليتوجَّه نحو الصّوابِ وأحاولَ أن أكونَ عدوّا للسّائِد وأن أساندَ الشَّعْب الكادحَ وأن أدافِع عن المظلومين  بكتاباتي التي أحاكي بها كبار العظماء من الفلاسفة و المفكرين و إنني معجب  بنهرو وماو تسي تونغ  خاصة.

ضحك الحارسُ وظنّ أنني أحمل قِسطا من الجنونِ فشدّني من يدي و أرشدني وطلب منّي أن أعودَ إليه ليستمتع بحديثي.

وصلتُ إلى مقرّ جريدة الرّأي.

نعم أنا الآن أمام مقر جريدة الرأي أوّل و أكبر منبر معارض في تونس، هنا الزاوية التي تشد اتّزان الأرض، هنا نقطة الانطلاق نحو حياة جديدة.

أرشدني عون الاستقبال الجالس مقابل المكاتب الثلاثة إلى رئيس التّحرير.آخر مكتب على اليسار. حاولتُ أن أتماسك وأن أتحكّم في خجلي البدويّ الموروث عندما واجهت باب رئيس التحرير فخطوتُ كالواثق من وجْهته وتوقفتْ ركبتاي عن الحركة عندما دعاني الرجل...عرفته دون مقدّمات. قام فصافحني و قدّمني إلى ضيف كان بجانبه . أعلمته بأنني صاحب القصيدة التي ذيّلها بدعوتي لزيارة الجريدة.بيّن لي الخطّ العام للتحرير ودعاني إلى التواصل معه و إلى الانتباه عند الدّخول إلى العمارة والخروج منها و قال:

اعْلمْ أيّها الشّاب و أنت شاعر أن الحكومة لا تستطيع القبض إلا على الأغبياء من المناضلين أما الأذكياء فيعرفون كيف يراوغون عساكرها. و نبّهني إلى تلك القناديل دائمة الاشتعال و إلى حارس العمارة و حذّرني من إطالة الوقوف أمام الباب المطلّ على الشّارع.وقال: إيّاك أن تثق في المخبرين و لو صدقوا مرّة و مرّتين.

سارعت بالخروج للبحث عن الحارس فرأيته يسجّل رقم سيّارة ركَنَت للتّوّ في المكان. تجاهلني هذه المرّة و لم يرشدني.ظلّ كلام أحمد الكرفاعي يرنّ في أذني. تمنّيت لو كبرت سريعا لأصدّقه.

ساعة الزّمن تحيط بمعصمي وأنا أودّع امرأتي بعد عشيّة عشق ساخن في اليوم الخامس والعشرين من شهر يناير سنة 1978 وكان الفصل منتصف شتاء بارد. تركت صديقتي تمضي إلى بيتها وسريْتُ مع النّاس لأتفرّج في المدينة وهي تستعدّ ليوم الإضراب العام. رأيت الشّوارع مزدانة بآلات ضخّ الماء العملاقة فتوقّفت كثيرا لأتثبّتَ من ضخامتها وجمالها. الأكيد أنها تشتغل وتسخّن الماءَ بالبنزين فهي تُصْدر أصْواتا شبيهة بأصوات محرّكات السّفن والأكيدُ أيضا أنّني لن أجد نسخة منها ولو في أسواق الخردة. حزنت لهذا الأمر. ومشيتُ نحو إحدى الدّبّابات الرّابضة في صمتٍ فتلمّستها وتثبّتُ من حديدها السّميك وطرقتُ بأصابعي على جنبها المكشوف كمن يقلّب سيارة لشرائها واستطعتُ أن أفكّ شفرةَ النّقاط السوداء في المدينة وأن أفهمَ أن حرفَ الشِّين المكتوبَ على خوذة بعض العساكر إنما يعني شُرطة وأن حرف العينِ يعني إذن عسكرية.

أعجبتني زينة المدينة هذه وتمنّيت أن تتواصل أيّاما ليصبح مهرجانا دائما و أن يستقدمُوا الطّائرات وينصبوا الصّواريخ ويحفروا الأنفاق ويضعوا المتاريس و أن يجبروا الناس جميعا على المشْيِ في طوابير منتظمة وأن تطأطَأ الرؤوسُ و تحجمَ الأنظارُ عن التّحليق يمنةً ويسرة وأن يمْنعونا من وضع اليدِ في الجيبِ عندما نسيرُ.هكذا تكون العاصمة أجمل وأكثر حيويّة وهكذا يشارك الجميع في تنظيم مهرجان الحرب نحوز به السّبق ثم نعمل على تصديره واستثماره فلعلّنا نحتاج إلى شراء دبّابات أخرى حسب الموضة.و سنطلب أن يصبح سُنّة نجدِّدها كلما انتابنا قلقٌ.أليس من صالح الحكومةِ أن تغيّر أنظار شعوبها وأحاديثهم واهتمامهم نحو شيء تافه كلما مرّت بأزمة؟

ألا تزدهر في هذه الأوقات تجارة العصيّ والنّجارة ويرتفع سعر القوارير الفارغة التي كان السّكارى يلقون بها في وسط الطريق؟

ألا تصنع الفوضى من الجبناء اُناسًا شُجعانا؟ فلماذا تحرمنا الحكومة من أن نصبح شعبا شجاعا؟

هي فرصة لتحرير الألسن والأيدي وتسريح المُضاربين والمحتكرين. تلك مزيّة الحروب والاضطرابات على الدّول.

النّاس في الشّوارع وفي المقاهي يتحدّثون عن استعداد اتّحاد الشّغل لمعركة حاسمة في صبيحة الغد والشّغالون سيقضون ليلتهم تلك في حراسة اتّحادهم وستكون المعركة داميةً وحاسمة فزوجةُ الرئيس الزّعيم لم تزل ترنّ في أذنه حتى نشبَ الحريقُ بين الحزب الحاكم واتّحاد الشّغل.

الرئيس الزعيم إنسان كالآخرين يأكل و يشرب ويمشي إلى المرحاض و لكنّه قلّما يبتسمُ فهو لا يجد الوقت الكافي للضّحك.التّفكير المتواصل في أمور الشّعب الكادح لا يترك له فرصةَ التّلهّي بأشيائه اليوميّة و لا يستطيع أن يدخل بيت نومه إلا في اللّيل  فإذا غلبه النّعاس ،و لا شيء يَغلبُ الملِكَ الا النّعاس أو الزوجة ،ارتمى على الفراش  بكل ثقلِه و احتمي بامرأةٍ ساخنةٍ تدثّره وتحدّثه وتهمسُ له من حين لآخر بنميمةٍ أو تدبيرٍ و تمرّر طلباتها بدلالٍ و بعزّةِ نفس و كذلك تفعلُ كلّما قدّمت طلبًا لقضاء شأْنٍ لأحدِ أقربائها أو للمقرّبين فإِن أعرب الرئيسُ الزّعيم عن عدم معرفته بهم تعلّلت بانشغاله عنهم  بل وعاتبته على إهماله لأصدقائها فيعدها بتلبية طلبها حتى يتّخلّص منها وينام قليلا.

هي مقتنعةٌ بتعَب الحياةِ الذي يعاني منه زوجُها وقدحاولتْ مرّات أن تتخيّل نفسَها في مكانَه فراعَها الوضعُ وارتبكت و فكّرت في  الانتحار للتّخلّص من المسؤولية.

وحدث ما كان يجب أن يحدث.

أوقدت الحربُ و أطلقت ميليشيا الحزب الحاكم أولى رصاصاتها في اتّجاه المواطنين فسقط ماسح الأحذية والنّقابي والطّالب و العامل و المثقّف وكلّ من تجرّأ على شتْم النّظام أو سبّ الرئيس الزّعيم علنًا أو سرّا.

لماذا أطلقَ الرّصاص على ماسح الأحذية قبل غيره من المتظاهرين؟

لأنه رجلٌ من عامّة الناس.

أو لعلّ ذلك يعود إلى أن الرّصاص غبيّ ويصبح أكثر غباءً وخطرًا عندما يكون في يد جاهلٍ فلا يصيب السّاق أو الحذاء و لكن يختلط الأمر على البوليس فيصوّب الطّلقة نحو الرأس بكل عفويّة ليبرهن لأعرافه على أنّه تعمّد القضاء على النّاشز من الرؤوس. و بما أن ماسح الأحذية كان جالسا و رافعا رأسه أكثرَ من اللزوم فقد اعترض، بهذه الفعلة، رصاصة كانت ماضية في سبيل حالها وعرّض نفسه متعمّدا إلى الإصابة.

ولعلّ الصّدفة قد لعبتْ دورها في أولوية الشّهادة.

قُتِلَ سعيدٌ وتلاه آخرون غير أن بعض المتديّنين من النّاس استكثروا على سعيد صفة الشّهيد فسحبوا الكلمة من الشارع و خبّؤوها في قلوبهم ليومٍ آخر. وفتحت المقاهي مجالسها للنقاش حول معنى الشهادة. رجال الدّين يرفضون توزيع الشهادة جزافا والعامة يعتبرون أن الموت في سبيل قضية وطنية شهادة لأن حبّ الوطن من الإيمان. رجالُ الدّين يريدون أن يفرضوا نمطَ الحياة والموتِ على النّاس والعامة تفضّل أن يختار كلُّ فردٍ طريقةَ حياته. تلك هي المشكلة الأزلية في البلاد. 

  أطلّت نساء الشّرفات و بنات السّطوح يزغردن ويشجّعن الطّلاب و الشّغّالين على التّظاهر وعََلا الصّياحُ وعمَّت الفوضى.أطفال المدارس إلتحقوا بآبائهم في الشّوارع دون رهبةٍ فحفظوا الشّعارات بسرعة وردّدوها و تعلّموا كيف يتَحدّون العساكر ويبصقون على الدّبابات و يتناثرون يمنة و يسرة ليستقدموا زميلاتهم ويشجعنهنّ على شتْم الرّئيس وأذياله فألَّفْنَ بالمناسبة الشّتائم  الأنثوية القاهرة التي أيقظت نعرة البوليس وحوّلته إلى وحشٍٍ يدور بسرعة نحو مصدر الشّتيمة كالثّور الإسباني. ثم يظلّ يدور ويدور حول نفسه إلى أن تنطلقَ من بندقيته إحدى الرّصاصات فيقفز غبطة دون أن يتثبّت من أنه أصاب الهدفَ أو أخطأه.هذه المشاهد تعدّدت بنفس الأسلوب والوتيرة.  

ما أجمل العاصمة عندما يثور فيها العمال و يهيج فيها الطّلاب و تطلع فيها النّسوة كما لو أنهنّ في عرسٍ!وما ألطف دخان القنابل عندما نستنشقه في الهواء الطّّلق وهو مائل من البياض إلى الأزرق السّماوي!وما أحلى الاستحمام الجماعيّ في الشّارع بالماء السّاخن المجاني!نغمٌ واحد لم يعجب الجموع الغفيرةَ وبَدَا مُقلقا من كثرة نشازه، هو صوت الرّصاص غير المتناسق.

لماذا لم يتّفقْ رجال الشّرطة مع العساكر على قائد واحد يُنسّق بين الطلقات و يمنحها توزيعا جميلا كما يفعل مايسترو الفرق الموسيقية؟ هكذا نستمتع بكل التّفاصيل الصّغيرة التي تؤلفها التّّجمعات و المظاهرات ويؤديها العمّال والطلبة.

أرسل الليل ظلامه قبيل الموعد و اختلط لون الغروب بما تركته القنابل من ضباب على رأس المدينة.خلتِ الشّوارع باكرا و عادت عصافير باب البحر مستنفرة صغارها.العصافير تستبق الحروب كما تستبق الكلاب الزلازل فتسرع إلى احتضان بعضها لتموت جماعات.الحيوانات تعرف الموت وتهتم به و تعدّ له بعض الطقوس حتى الفئران. جرى النّاس إلى مصادر الأخبار في منازلهم يتطلعون إلى الجديد ويشتاقون إلى رؤية أنفسهم في زحمة الوجوه الثّائرة فكاميرات الصّحافيين كانت متواجدةً بكثرة طيلةَ النّهار و فرصةُ الظّهور في الصّورة كبيرة بالنّسبة للجميع.

أعلنت الحكومةُ حالةَ الطوارئ و منْعَ الجولان في اللّيل. لم أهتمّ بهما كثيرا.كأنّ الأمر لا يعنيني البتّة فسريْتُ في الشّارع بخطوات الواثقِ من وجهته.

استوقفتْني الدّورية الأولى ثم الثانية فالثّالثة و في كل مرة يُسْمح لي بالمرور كما لو أنني قائدٌ عسكري أو رئيس كتيبةِ شرطةٍ.كنتُ أستظهر في كل مرّة ببطاقة طالب في كلّية الطّب وأدّعي إنني ذاهب إلى المستشفى للعمل اللّيْلي فيعتذرُ لي بعضهم عن التّعطيل.

ما أغبى بوليس ذلك الزّمن.!

حتى صديقي الذي ترك الكلّية وانخرط  في سلك الأمن كان غبيًّا.

مرّتْ أمامي عربة ثم دبّابة ثم ناقلة جند. تحرّكت أصابعُ يدي اليسرى وتحرّكت معها عقارب الوقت فرأيتُ الشّوارع الجميلة ببناياتها وبناتها، بأوساخها وبعصافيرها تجري لتصبّ في شارع الرئيس الزّعيم. الشارعُ يحضُنه نصْبان من البرنز، أحدهما للرّئيس وهو يركبُ حصانا تسمّرتْ رجله في الهواءِ. والثاني للعلامةِ عبد الرّحمان ابن خلدون وهو يحاول أن يطوي صفحةً من كتابِه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4 ــ هؤلاء هم أصدقاء الصّدف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دفعتُ بكتابي الأوّل إلى المطبعة في نفس اليوم الذي عيّن فيه البشير وزيرا للثّقافة و لم أكن أنتظر منه مساعدةً رغم علاقة النّسب التي تربط  عائلتينا لاختلاف مواقعنا فأنا أجلس في فضاءٍ الشِّعر و هو يقبع في قُنّ السّلطة.

أيّاما قليلة بعد صدور الكتاب طلب مني النّاشر الصّديق أن أتهيأ لأتسلّم جائزةَ علي البلهوان عن كتابي الأوّل وعُدتُ في الموعد فمررتُ عليه وقد تدبّرتُ أمْري ولبستُ وحلقْت فأعلمني بأسف:

ــ يبدو أن السيّد الوزير رفض قرار اللّجنة التي منحتْك الجائزة وقد لا تكون من نصيبك و على أية حال  عليك أن تحضرَ الحفل فربّما تراجع السّيد الوزير.

حضرتُ و صفّقت للنّاشر الصّديق و هو يتسلّم الجائزة عوضا عنّي. و ما كنت أحفظ أسماءَ الحضور و لكنني سمعت البعض يقول إن رئيس تحرير مجلّة الوزارة أوْلى بالجائزة من أيّ كان وإن الوزير رفض منح الجائزة لقريبه و سلّمها للمقرّب منه. فهمتُ كل شيء فلم تستفزَّني هذه الحكاية كما لو أنني كنت معتادا عليها.

حكيتُ ما جرى إلى حسيب بن عمّار فطلب مني كعادتِه أن أردَّ على الجميع شعرًا و أن أغتنمَ فرصة تلهّي السّلطة بتحرّك الإسلاميين فأصعِّّد في النّبرة فنشرتُ:

دسْتور شَعبي كالهَوى.... في كلّ يومٍ يستديرْ

نِمْنا على تجْديده........ في الصُّبْح غيَّرنا المسيرْ

لمّا قرأنَا فجأةً.......... ما قالهُ الرّأسُ الكبيرْ

قدْ كان عِندي بُلْبُلٌ....... سمَّيْتُهُ اليومََ "الوزيرْ"

و رغم أن حسيب بن عمّار لم يستحسنْ تشبيهَ الرّئيس الزّعيم بالحمار  في القصيدة فإنّه وافق على نشر ها خاصّة و أنها جاءت كردّ فعلٍ  قويّة على ما أقدمتْ عليه مجلّةُ شِعر التي أنشأتها وزارة الثقافة وكلفتْ بها الشّاعر آس السّافي لغاية في الأنفس المريضة.

بعد أيّام قليلة نظَّمتْ جريدة المدينة مِنْبرا حرّا فحضرتُ واستمعتُ إلى الشّاعر نور الدّين صمُّود وهو يعترف بشجاعة أنّ اللّجنة التي ترأسها منحتني الجائزة التّّشجيعية و أنّ الوزير حرمني منها ليبيّن نزاهته وليدفع عنه تهمةً صَنَعها بالمناسبة و بنى عليها موقفًا لا يليق بوزيرٍ. وبلغ إلى علمه كلامُ رئيس اللجنة المنحلّة فاغتاظ ولم يستطع أن يمسّه بسوءٍ بل ابتلع الفضيحةَ بمرارة لا يعرفها إلا حاكم مخاتل ثم أصدر أمرا سرّيا بواسطة الهاتف يقضي بأن يكتبَ أصدقاؤه من الشعراء قصيدةًً بعنوان تونس الحبّ، تونس الياسمين وأن تكون كل القصائد على نفس البحر والقافية.و فعلها خمسة شعراء.

طويلة هذه الصفحة و مطويّة في خليّة ضائعة في ركن مظلم من قسم متروك في عمق الدّماغ و حافلةٌ بالأحداث الهامّة و قد شكّل بعضُها منعطفاتٍ غريبةً في حياتي وفي علاقتي بالنّاس و الأدب.أعجبني اللّعب بالصّفحة فقرأتها بأكملها ورأيت فيها ابْنَ قريتي عبد الرّزاق  يُعلمني بأن يوسف ابن قريتي هو الآخر قد رتّب لي موعدا مع بعض السّوريين و عليّ أن أحضر اللّقاء الهامَّ الذي سيفتح لي آفاق الانتشار عربيّا.هكذا قال الرّسول الوسيط.

اشترطت أن يكون هو الآخر حاضرا ليشهد على الجلسة.

دخلتُ مطعمًا قريبا من الشّارع الرئيسي حيث وجدتُ الجماعة في انتظار رجلٌ مهمّ تبيّن لي فيما بعد أنني هذا الرجل المهمّ. شربتُ يومها خمرا أبيض فأعجبتني وكنت جالسا قبالة أحد السّوريين. تكلّم و كالَ المديحَ لكتابي فاندهشتُ وسرَدَ علينا ما ورد فيه من إبداع وما حمله من أفكار قوميّة إلى درجة جعلتني أشكُّ في نوايا محدّثي و أعِدُّ ردًّا سلبيّا على مقترحاته قبل أن يعرضها عليّ تحاشيا للانزلاق في الغباء.

دعاني محدّثي إلى السّفر إلى سورية في رحلة منظّمة. هكذا بكلّ سهولة و بدون سابق إعلام أُُدْعى أنا الشّاعر المبتدئ الطّالب البسيط الرّيفي الجائع إلى رحلة إلى سورية لأشرف على طبع كتابي أيضا وهذا كلّه بالمجان. ياه... ما أسهل الدّنيا و ما أغناها بالفرص! فلماذا أرتاب؟.

منحني بعض الوقت للتّفكير واحتساء كأس من الشّراب الأبيض الذي أعجبني كثيرا ثم سألني إن كنت مرتبطا بحزب سياسيّ أو بحركة وطلب منّي أن أمدَّه ببعض الكتابات في القومية لترويجها خارج تونس قبل أن يسلّمني بدوره كتابات أتولّى توزيعها في الكلّية و في دُور الثقافة.لم أكن قادرا على استيعاب المقترح في وقت وجيز فأغمضت عينيّ و تخيّلت نفسي أجمع الأوراق في محفظتي...و.....

وأنزل مدرجَ الكلّية وأغادر مستشفى شارل نيكول وأسرعُ نحو شارع باب بنات.كلّ المارّين هنا يشعرون باندفاع في الاتجاه الوحيد نحو المنحدرِ...الأرضُ هنا مائلة والطّريق أيضا. أتوقّف قليلا فأتثبّت من حزمة الأوراق...أقرأ بعض العناوين فتستهويني حماسةُ كاتبها وجرأته و أزداد شوقا إليها و حبّا في الإطلاع عليها كاملة.

العنوانُ عتبة النّص وجَبْهته هكذا يخطئ النّقّاد دوما في تقدير أهمّية العنوان...أغلب الكتّاب لا يحسنون اختيار العناوين لنصوصهم. يجب أن يكون العنوان ذكيّا جذّابا مكثّفا مختزلا وفاضحا للمتْن.أنا لا أنوي كتابة المقالات السياسيّة فلماذا أفكّر في العناوين الجذّابة؟

قابلني العمّ عمر في النادي الثقافي الطاهر الحداد حيث أقضي أكثر أوقاتي، حيّاني فابتسمت إليه ابتسامةً عابرة و مررتُ غيرَ مكترثٍ كمن يجترّ كلاما خوفا من نِسيانِهِ...لهفتي إلى قراءة الأوراق فضحتْ ارتباكي فحاولتُ أن أغيّر منّي قليلا و أن أظهرَ في حالة طبيعيّة فوضعتُ محفظتي و مشيتُ بهدوء إلى المشرب،طلبتُ كأسََ الشّاي المعتاد و صافحتُ العمّ عمر ببرودة وتركت له الثمن مضاعفا وعدت إلى محفظتي...

أقرأ سطرا وأبتلع رشْفةَ شاي.لم أنتبه إلا و العمّ عمر يسحب من يدي الكأس الفارغة،و قد رفعتها إلى فمي ، ويمدّني بكأس ثانية و هو يقول بضحكته المعتادة:

ــ سَايِسْ رُوحك...

تكبرُ حيرتي من سطر إلى آخر و يهزّني شعور غريب وينتابني خوف لم أستطع أن أتبيّن مأتاه...كلّ ما في الأمر أن الكتابات التي في يدي سياسية تدعو إلى مناصرة حزب البعث السّوري ضدّ نظيره العراقي...

كلّ ما في الأمر دعوةُ الشباب العربي إلى الانخراط في الاشتراكية العربية في شكلها الوطني الأصيل و في جلبابها العربي.

كل ما في الأمر أن كُتّاب هذه الأوراق مسلمون قوميون وطنيون وعرب يحبّون الجميع.

و حقيقة الأمر أنني سأصبح عميلا لحزب البعث...

 نهضت و كان غضبي باديا على الوجه بصفرة اختلطت بحمرة تركتها الخمر  البيضاء التي أعجبتني كثيرا. أما يوسف ابن قريتي فكان احمرار وجنتيه دليلا على خداعه وعمالته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5 ــ مات الخبزيست... عاش الخبز

 

 

 

 

 

 

 

أنا الخبزيست،أسرعُ في مغادرة المنزل باكرا لأتحاشى طلبات الأطفال.أهندس مجال تحرّكاتي لكامل اليوم وأرسمها وأسير بها و هي عالقة في دماغي لا تحيد عنها قدماي قبل أن أصل إلى مكان عملي في الشّارع الرئيسي حيث أشرع في تقسيم النّهار إلى أوقات تطُول و تقصُر حسب الحركة التّجارية في المدينةِ وحسبَ الفصول. المهمّ أن أكون في الضّوء و أن أحصُل على خبزي اليوميّ الناصع المصفرّ كالشمس...

طبيعيّ جدّا أن أحصل على الخبز و إن اقتضى الحال أن أنسجه الخيال.الجوعان ينسج خبزه من خيوط الشمس.

أنا الخبزيست بامتياز،رمزُ العمل و قدوة الكادحين ولولا حرصي على الرّغيف لغيّرْت اسمي لأختارَ مثلا سعيد الثاني أو سعيد الابن  ولن يلومني أحد على حمل هذا الاسم فَوَالِدي سعيدٌ رحمه الله سارع بالاستشهاد يوم الخميس الأسود ليشجّع النّاس على التّظاهر ومواجهة الرّصاص لذلك لم تُسجّله الحكومةَ ضمن قائمة ضحاياها و لم تدفع لنا شيئا بل عاقبتنا بسحب رخصة مسْح الأحذية التي كان قد حصل عليها والدي الشّهيد مقابل التزامه بفتح عينيه على الشّارع وبتسجيل مقاس أحذية المارة..

إذا منعتني الحكومة من اسم سعيد الثاني سأسمّي نفسي البطّال ابن البطل أو ابن الشّهيد أو أي ابن آخر المهم أن أكون ابنا لأحدهم و هذا يكفي لأحرج الحكومة وليعرفني الناس باسْمٍ ألطف من الشّياط...فأنا لا أطيق هذا النّعت حتى ولو اشتقَّ من مهنتي.

أنا الخبزيست ماسح الأحذية المحترم جدا أختار لكل فصل لونا يناسب لباس الناس و أحذيتهم وأصطنع موضة تتماشى و قامة الرجل و مشيته...النساء لا يمسحن أحذيتهن عندي إلا نادرا وهذا شيء يقلقني ويحطّ من معنوياتي و يشكّكني في رجولتي...

أنا لا أعتني بالشّعارات التي يطلقها السّاسة من حين لآخر يقضُون بها مآربهم و برامجهم الانتخابية. تلك عادة السياسيين فهم لا يفكّرون إلا في الانتخابات القادمة ويقْسِمون دوما أنّهم يحبّون النّاس جميعا ويعملون على تلبية مطالبهم وصون مصالحهم و أنّهم يعتنون بالوطن. وأما أنا فأريد أن آكل باطمئنان وكفى لذلك أسعى إلى البذر والحصاد و الطّحن والطّبخ..إنها مراحل ضرورية في حياة المواطن العادي و هي مرهقة أيضا و لكنني أفضّل لذّة الإرهاق على صدإ الرّاحة وأسعى لأحصل على قوت عائلتي مؤمنا أن الهدف لا يأتي إليّ إلا متى سعيتُ نحوه وأنّ البطن لا تشبع  بمجرّد الإحساس بالجوع.

يعتصرُني البُوليس كل صباح فيشرب منّي قهوته ويمضي مهدّدا بطلب الرّخصة في اليوم الموالي...أحيانا يعود في العشيّة فيشرب كأس الشّاي  ويمضي مهدّدا كالعادة بطلب الرخصة في اليوم الموالي .

أنا مقتنع بهذه الضّريبة وسأعمل على تجديد رخصة العمل بعد أن ترفع الحكومة عنّي شيئا من مظالمها وبعد أن يمنع الارتشاء بحكم القانون.سأنتظر طويلا لأنّ البلاد لا تتحمّل صياغة قوانين جديدة.المراسيم والمناشير وأخذ القرارات و إعطاء الأوامر والتعليمات أعمالٌ لم تترك لرئيس الدولة فرصة التّفكير في الشّعب...عليه أن يمتنع عن إصدار أي قانون ريثما يعتني بتسيير شؤون البلاد ولو لفترة قصيرة و رغما عن محدودية صلاحياته.

أسعدني اسمي كثيرا وشجّعني على فسخ الأسماء والنّعوت التي تحمّلتها فأسقطت منّي نعوت الطّفيلية كالرّاكش والدّلو و اللّهماق والهطّاي والمكراش والحنش  وأنا الآن أشعر بأنني صاحب الاسم الأصيل و بأنني صَنَعته خصّيصا لي وفرضته على النّاس فرضا حتى أصبح ذا قيمة وطنيّة هامّة فالخبزيست هو المواطن الصّالح الذي يعمل ويجتهد ليعيش ...أنا خبزيست فأنا حيٌّ واسمي هو العنوان الوحيد الذي يدلّ عليّ.أنا معرّف بالألف واللام أشغل حياتي وأملؤها بالبحث عن الرّغيف فلا تعنيني السّياسة ولا يهمّني السّياسيون.

أمشي في الشّارع منضبطًا كالرّجل المحترم فأردّ التّحيات وأسلّم على الجالسين أمام الحوانيت و في واجهات المقاهي وأبتسم للمُطِلّات من شُرفات المنازل.أضع نصب عينيّ صورة الرّغيف و أظلّ أجري وراءها طوال اليوم.في الحقيقة لا يخلو بلد من اسم مشابهٍ للخبزيست ففي المغرب يسمّى شبيهي  أو الأسوأ منّي الحِيطِيسْت وفي الشّام المَصْلَحْجي وفي مصر الطّعْمِيست و في ليبيا الدكاكني.هكذا يُصنَع اسم المواطن البسيط من هدفه في الحياة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6 ــ تشرّفنا...سعادة السفير

 

 

 

 

 

ترجّل مراجل من الرّيح التي ركبها و نزل عليّ فرحا وعظامه تصطكّ من شدّة الضحك وقال:

ــ لقد شبكتْ و اشتبكتْ و تشابكتْ. 

لمْ أجِبه وتظاهرت بأن الأمر لا يثير فضولي.

عاد إلى هستيريا الضّحك و أنا أنظر إليه ببلاهة الموتى وأترجاه أن يبيّن لي سبب اعتلائه صهوة الرّيح و قد عرف عنه أنه لا يركبها إلا في حالة الاستنفار الكبرى. أصرّ على الضّحك حتى شبع وأضاف:

ــ قلت لك يا غافل إنها اشتغلت و اشتعلت من أجلك أنت...أعضاء الحكومة سحبوا من أنفسهم حصانة  الثّقة وخالفوا عهود التّوافق و الوفاق وتحالفوا على الشّقاق والنّفاق وتراشقوا بالكلام فكثر السّباب و تعالى الصّياح وعيّر الوزراء بعضهم بنسائهم و تبادلوا التّهم باللّوطية و القوادة والسّرقة و الانبطاحية و الأنانيّة والتّزلف والديمقراطية الهشّة.

هذه فرصتك لتصبّ الزّيت على النّار فتشهد على السّفير والوزير وكل من شاهدته في عمل دنيء.هي فرصتك لتُشعِل الحريق ثم تلعب دور رجل الإطفاء وهي فرصتك للشّماتة أيضا.

قبلتُ وقلتُ في سرّي: لماذا لا أشعلها بين حزبي البعث السّوري والعراقي؟ مادامت الفرصة قد حملت نفسها إليّ فأكون بذلك قد فتّنت بين أخوين و بعثت حربا بين بعثين عربيين في انتظار أن تحين الفرصة لإشعال حرب عالمية.وحكيت قليلا من الواقعة لمراجل قلت:

مشيت إلى مقر الجريدة و هنالك التقيت بعراقي جاء إلى تونس في مهمّة صحفية.قدّمني إليه رئيس تحرير الجريدة و اتّفقنا على إجراء حديث لإذاعة الثّورة وتسجيل بعض القصائد وطلب منّي نسخة من كتابي الثّاني لنشره في العراق.رافقته إلى النّزل و أجرينا حوارا ثقافيا هزيلا نظرا لعدم اطلاعي على الحركة الأدبية العراقية و لكن الضّيف لم ينزعج من جهلي المكشوف بل لعلّه فرح بذلك وتمنّى أن أكون صفحة بيضاء في الأدب.ذلك أفضل بالنسبة له.

أنا شابّ في السّادسة و العشرين من العمر وأحظى بهذه الدعوات؟

لا بد أن أكون رجلا مُهمّا حتى و إن لم أُدركْ قيمتي بعدُ.فلماذا أحتقر نفسي؟

أنا مراهق سياسي يسهل صيده وترويضه وليس غريبا أن تتدلّى نحوي ألسن السياسيين...هذا أمْر لا يعنيني.

لم يكن من السّهل عليّ أن أتقبّل الأمور كما جاءت وأن تتقاذفني صدفتان فواحدة تكفي لترجّني ولتجعلني متأرجحا مترنّحا بين الخيانة والغرور.

لم يكن من السّهل أن أترك الغيمة تمرّ من فوق رأسي دون أن أعتصرها أو أتشرّبها فقد تفتح لي أبوابا ما كنت أحلم حتى بالاقتراب منها و قد تمكّنني من تسلّق سلّم الامتيازات بسرعة فائقة فألحق بالمحترمين من الرّجال.

عدت إلى الجريدة و أعلمت أسرتها بكل التفاصيل فاجتمعتْ بسرعة وقررتْ أن تؤسّس دارَ نشْرٍ وأن تَشرع في نشر الكتب واختارت أن يكون كتابي الشّعري باكورة إنتاجها.واتّخذ صديقي الدكتور المنصف البدوي نفس القرار فأحضرَ كتابه و اختار له عنوانا جذّابا ومثله فعل الشّاعر محمد وثلاثتنا نكتب في أعمدة الجريدة ونشرف على بعض أقسامها.صدرت الكتب الثلاثة فأقامت الجريدة حفل غداء بالمناسبة في نزل في ضاحية العاصمة.

حضرتُ  مع أسرة التحرير و كبار المدعوّين فحسيب بن عمّار لا يستثنيني أبدًا من أيّ اجتماع أو حفل وفوجئتُ منذ وصولي  بمدير الجريدة يجلس في حفل الغداء مقابل بَلْهَا الأبْكم سفير الجمهورية في بلد عربي.

هل يعقل أن تستدعي جريدة يساريّة نائبا عن الحكومة في هذا الزمن بالذات؟

من منهما يبتلع الآخر؟ الحكومة أم الشّوكة التي في حلقها؟

و كيف تجمعهما النّعمة و يؤلِّف بينهما الملحُ ثم ينتصبان عدوّين لبعضهما؟ لا يستطيع الملح أن يكون حلوا ؟

ماذا لو تقدمتُُ و تحمّلتُُ المسؤولية فطردتُُ السفيرَ من جلستنا؟

ألستُ السّببََ الرئيسيَ في انتظام هذا الحفل و لمِّ هذا الشّمل؟

ثم هل أستطيع، أنا صاحب الكتاب المحتفى به، أن أرِيح الجريدة من ضَيْف ثقيل؟

اكتفيتُ بابتسامة ألقيتها إلى سيدي أحمد الكرفاعي  لأوعز إليه إنني سأبْقى صامتا كما علّمني أن أفعل في مثل هذه المناسبات و لم ينتبهْ حسيب بن عمار إلى ما يدور بيني وبين سيدي أحمد إذ كان منشغلا بالسّفير.

أنا لم أزل في الدّرجة الأولى من سلّم السّياسة ويبدو انه شاهق جدا و محفوفٌ بمخاطر الانزلاق وبالنّفاق والمراوغة.

سوف أكبر و أتعلم.

لا...أنا تعلّمتُ كيف أراوغ البوليس وأحبسه داخل أسئلته.السياسيّ الماهر هو الذي يكذب جيّدا فتصدّقه وتكذّّب نفسَك و تظنّ أنه يحبّكَ وهو يكرهك كُرْها مقيتا.

هذه المرّة لم ينطل عليّ تظاهر هشام بن سعيد بأنّه لا يعرف السّفير بَلْهَا الأبكم فمنذ أسبوع أمدَّني ببعض الأخبار قال إنه استقاها من السّفير نفسه ولست أدري كم دفع له.هذا شيء لا يعنيني. أعرف فقط إن راتب هشام يفوق كل الرّواتب في الجريدة فمُهِمَّته صعبةٌ و علاقاته بالوزراء و ببائعي الأخبار كثيرة ومتشعّبة و لا بدّ أنها تحتاج إلى مصاريف إضافية. لم يسلّم هشام على السّفير إلا بعد أن ناداه حسيب وقدّمه له وكأنّه يراه لأوّل مرة.

ردّ السّفير بكلمة واحدة: تشرّفنا.و قال هشام بدوره:

ــ تشرّفنا سعادة السّفير.

وشوش لي الدّكتور منصف البدوي:

ــ الدّنيا تغلي في الشّارع.

فهمت إنّه يقصد شارع بورقيبة الذي يتوسّط العاصمة فسألت:

ــ مسيرة؟

ــ مسيرات... و قيل إن النساء ملأن الشارع بدعوة من اتّحاد الشّغل و تلاحمت مسيرتهن مع أخرى نظمها الطلبة وكالعادة علا دخان القنابل و سالت الدموع.

ــ نلتحق بها عندما تسيل الدماء. و من أعلمك؟

النّادل الذي مرّ من أمامك. ردّ البدوي بصوت خافت.انّه صديقي دائما و نديمي أحيانا.

عليك إذن أن تحاذر النّادل و السّفير و بوّاب العمارة وبائع السّجائر و موزّع الجرائد في المقهى و دخان السّيارات وأصدقاء البلاد وضيوفها وعليك أن تحاذر ظِلّك و أن تحبس أنفاسك وأن تبتلع غضبك و أن تنام باكرا.

اعترضني الحبيب في نهج يوغسلافيا سلّم و تكلّم ثم وشوش:

ــ أريدك أن تقوم بمهمّة إنسانيّة و استعجالية وبلا إضاعة وقت، ثمّة ثلاثة طلبة في مقهى النّسيم المجاور يبدو أنهم سقطوا في كفّ زميل لي يهوى الإيقاع بالنّاس والوشاية و توزيع التّهم.إنه ابن حرام. أريدك أن تمشي إليهم لتطلب عود كبريت فتشعل سيجارتك بالقرب منهم ثم تتظاهر بأنك تشكرهم لتطلب منهم أن يغيّروا العشّ فالنّسور تحوم حوله. حاول ألا تثير أي فضول.

ــ و لماذا لا تذهب إليهم بنفسك ؟؟؟

ــ ذلك الوغد النّذل القوّاد السّاقط السّافل المرتشي يعرفني. فإن أفلتت منه العصافير أكون أنا الفزّاعة التي هرّبتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

7 ــ عصافير البحيرة تراوغ الصيّاد

 

 

 

 

 

 

 

 

يدخل شرطيّانِ في الزّيّ المدني إلى مقهى المغرب ويتوجّهان مباشرة إلى الطّاولة حيث كنّا نجلس للحساب و التباحث والتشاور حول الطّلبة المحتاجين للإعانة، أنا و العربي الشرطي و إدريس  و فطوم و السّلامي وإبراهيم و المهدي وكلّنا من البرادعة.

تعرّفت على أحد الشّرطيين منذ أن أطل على المقهى باعوجاج قامته إنه ذلك الذي كان يتتبع الطلبة الثلاثة في مقهى النسيم قبل أن أنجح في تخليصهم منه.كنتُ وددتُ أن أسأله عنهم و ماذا أحضر لهم من تُهَم وأُعْلِمه أنني حطّمت مكيدته ونجحت في بعثرة حقده.

تعرّفت عليه بسرعة لأنه يمْشي معوجّ العُنق و الخطو، يسرع في سيره كعقرب الرّيح فيُخيّل إلى ناظرِه أنه سيسقط في كل خطوة. طلب منّا أوراقنا الشّخصية فسلّمناها له و دون أن يتثبّت منها وضعها في جيب سترته و أمرنا بمرافقتهما إلى مركز الشّرطة القريب.

هنالك تولّى أحدهما تحرير محضر وأمضينا ومضينا بعد أن هدّدَنا رئيسُ المركز بالسّجن إن نحن عدنا إلى صنيعنا. هذه المرة شفع لنا وجود العربي الشّرطي معنا ولكنه ابن القرية ولم يكن مجرّد شرطي و لن يتخلّى عنّا فنحن الخمسة اتّفقنا على تأسيس جمعية صغيرة اخترنا أن نُبقيها خفيّةَ الاسم وسرّية رأس المال كالشركات المشبوهة و وضعنا لها أهدافا سامية تبرّئنا من تهمةِ غسيل الأموال  فنحن سنعمل على إعانة زملائنا من الطلبة الذين لم يحصلوا على منحة.نَجْمع الأموال من أصحابنا ونثبّتها في كنّش.

العربي الشّرطي نفسه يدفع خمسة دنانير كاملة في آخر كل شهر والبحري المانع الذي ينشط معنا في معارضة السلطة يجمع الأموال من أهلنا و من الذين يساندون نضالنا في فرنسا كالسافي و العتروس وسالم و البدوي وغيرهم..

هل كنا أغبياء ؟

إن كنّا كذلك فلن يتمكن عبد الباقي المعلّم البسيط الذي ساعدناه بمائتين و خمسين دينارا كاملة من السّفر إلى روسيا للدراسة و لن يتمكن من العودة منها طبيبا ناجحا وإنسانا متميّزا.

هل كنا أغبياء؟

قال الشّرطي إننا كذلك و نبّهنا إلى أن الحكومة جعلت وزارة كبرى لإعانة المعوزين.وكان بالإمكان حبسنا لأننا عوّضناها في مهمتها الإنسانية النّبيلة و حرمناها من التبجّح أمام العالم بأنها تسعى بقوّة إلى القضاء على دابر الفقر الذي تركه الاستعمار مستفحلا في الشعب وهرب. كنّا بالفعل سنودع في السّجن لولا إلحاح الشرطيّ المهذّب على زميله ابن الحرام بضرورة تسريحنا من أجل العربي.

من هو الأغبى؟ نحن أم الحكومة ؟

نحن نحاول أن نُعين بعضنا على مجابهة مصاريف الدّراسة والحكومة تمنعنا و لا تعتني بالفقراء منا.

الفقراء يستطيعون أن يتنفّسوا هواء المدن وأن يسيروا في الشّوارع و على الأرصفة إلى جانب الأغنياء ويترفعون عن الحديث معهم في الشأن العام و ينعتونهم بالمائعين المتشبهين بالنساء.

الفقراء ينجحون دائما في دراستهم الجامعية.

الرئيس الزّعيم نفسه يشجّع النّاس بفقرائهم و أغنيائهم على العلم ويفتخر بأنه يفضّل أن يحكم شعبا مثقّفا على أن يحكم شعبا جاهلا.

أنا لا أخجل من الجلوس جنبا إلى جنب مع حفيد الرّئيس الزّعيم في نفس الكلية و المدرج ومع ابن الوزير الأول و أنا أتفوق عليهما في النتائج. الفرق بيني و بينهما بسيط جدا فهما يتغيّبان أحيانا عن الامتحان و ينجحان دائما.أمّا أنا فلا يمكنني النّجاح إلا بعد تسجيل حضوري في كلّ الدّروس و بعد تعب كبير و سهر للمراجعة.

انّه فرق بسيط بين(أحيانا ودائما)ولا يعنيني في نهاية الأمر ما دمت قادرا على النّجاح.

ماذا لو طلبت من أحدهما أن يتوسّط لي عند الشرطة فتتركني و أصحابي نجتمع متى شئنا ونجمع ما استطعنا من مَالٍ لإعانة أصدقائنا من أبناء القرية فقط؟نحن لا نفكّر في توسيع نشاط جمعيتنا السّرية فنحن نخاف أن تصبح حزبا والحكومة مصابة بداء الحساسية من الأحزاب .

ــ لا

سيسخران منّي و من بعض الدنانير التي نجمعها كل آخر شهر و نرسلها إلى من يحتاجها.

ــ لا

لا أريد أن أبقى مَدينًا له بتدخّله.

و لماذا لم يحدّثْ جدَّه عن فقرِ الطّلبة؟

يسْهلُ صيدُ الأرانبِ بعد أن تعتادَ على الأكل من المَعْلف.

قررنا بعد خروجنا من مركز الشّرطة أن نغيّر  مقهى اجتماعنا من مقهى المغرب إلى مقهى ستوديو38 . واقترح إدريس الشّاذلي توجيه الضّربة للحكومة في القرية نفسها إذ لا بد أن نشوّش عليها وأن نُحْرجها كما تسعى هي إلى إحراجنا وترهيبنا.سنجعلها تخاف منّا وتقرأ لنا حسابات و تحترمنا على الأقل.

 تقرر الأمر الجلل باقتراح إدريس و علينا إذن تجنيد أنفسنا والالتزام بالسّرية و بدقّة التّنفيذ.و اتفقنا على لقاء سريع في مقهى جابر في البرادعة لوضع اللمسات الأخيرة لإنجاح عملنا.

إدريس هذا أو الحمروني تغلب الحمرة على وجهه فيبدو للبعض أسمر اللون و كان يقول أنا أسود منكم وجها وأبيض قلبا.كان يدرك انه طيب  بالفعل و أكثرنا  حنانا وعطفا و لكنه  في نفس الوقت أكثرنا شجاعة و إقداما خصوصا في مواجهة الحكومة أو  عند مهاجمتها.

في القرية تحدث أشياء هامة فالمناشير المشبوهة نعلّقها عشيّة الخميس على باب مكتب العمدة لنعرضُها على العامّة للقراءة كامل يوم الجمعة عندما يكون العمدة قد قصد المُعتمدَ حاملا إليه ما أمكن جمعه أو اختلاقه من أخبار القرية و أهلها.

منذ شهر تقريبا وصلتنا رسائل عديدة من أهلنا في فرنسا.هذه باسم مسؤول شركة الفسفاط و أخرى باسم السّيد مدير محطّة تحلية المياه وأخرى باسم المندوب الجهوي للتّنمية البشرية

في القرية لا وجود لهذه الإدارات. كلّ ما في الأمر أن عون البريد و كذلك العم برندو يعرف أسماءنا المستعارة فيسلّم كلّ مكتوب إلى صاحبه .أنا مثلا سمّيت نفسي مدير فرع شركة الفسفاط بالبرادعة و إدريس الشاذلي إسمه الحركي مدير التنمية البشرية

كل الرسائل التي وصلت هذا الشهر تدعونا إلى إثارة الغبار من حولنا ثم نشر الخريف و إطلاق العصافير. كنا نفهم معنى هذه الكلمات فننفّذ ما يطلب منا بعد تبادل الآراء.

أخذ الشاذلي على عاتقه مهمّة إطلاق العصافير وتدمير الأعشاش. فجمع بعض الشّبان الثّقاة واستشارهم فوافقوا بكل جدّية...و عندما أيقن أنهم أصبحوا رجلا واحدا صارحهم بضرورة  المرور إلى تنفيذ خطة ما.

قصدت مقهى جابر حيث موعد لقائي مع إدريس .أوقفت دراجتي على جذع شجرة التين الكبيرة ودخلت إلى المقهى  من الباب المطل على الشارع الرئيسي. لمحني إدريس من بعيد و لكنه خيّر ألا يتبعني. ثمة عونان من الحرس يجلسان إلى ظل الصفصافة الكبيرة المقابلة.أيقنت أن عبد الحميد أحد العونين يراقبني و لن يفرّط في متابعتي فتناولت كأس شاي و غادرت المقهى من الباب الخلفي.كان إدريس في انتظاري أمام المسجد فأسرعت نحوه مطمئنا و تركت عبد الحميد الحرس يحرس دراجتي و ينتظر خروجي من الباب الأمامي.

أعلمني إدريس  انه اتفق مع مجموعة من شباب القرية على  تهديم السّياج الخارجي للسّوق الأسبوعية  و أن الخطة تقتضي التعامل مع حارس الحوانيت و مع عون الحراسة في مركز الحرس و أن كل الاحتمالات واردة بما فيها رشق العون بالحجارة لمنعه من مغادرة المركز إذا اقتضى الأمر. المجموعة تؤمّن و تحمي نفسها.

تمّت العملية بسرعة و بنجاح قبل يوم واحد من سفر الشاذلي إلى فرنسا للقيام بتربّص في تدريس المعاقين.

انطلت الفعلة على رجال الحكومة المحلّيين والجهويين وعلمتُ بتفاصيل المهمّة فكتبتُ إلى منصف المصّاص الذي يعمل موظّفا في الولاية أشجّعه وأحكي له قصّة هجوم مماثل شنّه الثّوار في السلفادور ليحوّلوا وجهة العسكر عندما أحكم الحصار على رفاقهم في الجبهة وقلت إن أمن الدولة في ذلك البلد أصيب بالإحباط وسقطت معنويات أعوانه في الحضيض و احتاروا وعيّروا بعضهم بالغفلة  رغم عددهم الكبير.

ورغم شبكة المخبرين التي نصبتها الحكومة في كل ركن من البلاد لم يجد رئيس المركز فعلة يغسل بها وجهه غير تسجيل الجريمة ضدّ مجهول.و نحن نضحك ونَسْخرُ ونتندَّر من مجهول دخل قريتنا و هدّم سياج سوقها الأسبوعية نكالة في رجال الضّرائب ربّما.نحن نعوّل دائما على غباوة الموظّفين الذين عيّنتهم الحكومة بحسب انتمائهم الحزبي و من بينهم منصف المصّاص الذي يعمل موظّفا في  الوِلايَة وينعتُ نفسَه بالمحافظِ الصّغير.كنّا نسارع بإعلامه لنكسبً وِدّه ولنجعلَ منه مُشاركا بالاطّلاعِ ومساهما في جرائمنا بالتستّرِ عنها حتّى وإن لم يستطعْ معرفة التفاصيل أو حجَبْنا عنه لُبَّ الجريمة  فنحْن نعرف مسبقا أنه سيَجري بالخبر إلى عرفه المعتمد وسيجري هذا الأخير بسرعة إلى المعتمد الأوّل الذي لن يدخلَ الخبرُ إلى قلبه قبل إعلام الوالي به وربما علم وزير الدّاخلية في نفس السّاعة أيضا..نحن نعرف هذا السّيناريو و كل الطّرق التي سيسلُكها الخبرُ ونظلّ نتابع لُعبتنا ساخرين من الحكومة.

السخرية من الحكومة كانت مصدر سعادتنا الوحيد.

كنّا نزيد الخبرَ غرابةً و نترك إمكانية الإضافة مفتُوحةً للمبدعين في تضخيم الأخبار.

الخبر الغريب يجمع الناس لسماعه.   

حملتُ تهمتي داخل الصّدر و ارتحلتُ إلى العاصمة فقابلت الحبيب صديقي الذي ترك الكلّية و انخرط في الأمن وكان عائدا للتوّ من مهمّة صعبة في صقلّية روى لي تفاصيلها والمغامرات الشّاقة التي أجبر على القيام بها فقد لازم بعض عمّالنا هناك وعمل معهم  في قصِّ العنبِ واقتلاع الأعشاب الطفيليّة و في البناء أحيانا و اشتكى كثيرا من عمله تحت آلة الحصاد وكان حصاده مرضيّا فعاد بتقرير مهمّ قدّمه إلى رئيسه وذيّله بتندّر البعض بحكاية الحذاء الرئاسي .

كل يروي على طريقته حكاية محمد الذي عيّنه الرئيس الزعيم سفيرا في ايطاليا فرفض تسلّم مهامه ورغب في البقاء في تونس ليواصل البحث  عن فردة حذاء تركها أو أضاعها الزعيم  بورقيبة على حدود ليبيا أيام الكفاح ضدّ الفرنسيين و فردةُ الحذاء مهمّة في تاريخ الأمم والشعوب.

كنت حضرتُ دروسا ألقاها الرئيس الزعيم في كلية العلوم السّياسيّة و كنت لا أجد مكانا فأتّكئ على الحائط لأن طلبة الاختصاص يتسابقون إلى ملء الكراسي ساعة أو ساعتين قبل أن يصل الزعيم بسيارة واحدة و كنت أحدّث  نفسي بصمتٍ:هذا الرئيس نسبُّه في كل يوم في المسيرات ونقول فيه كلاما موجعا فلماذا لم يتجرّأْ طالبٌ واحدٌ على رفعِ صوته أمام سيارته أو في المدرج حيث يقدم دروسَه؟ و لماذا لم يحْكِ الزّعيم عن فردة الحذاء في دروسه التي ألقاها عن تاريخ الحركة الوطنية؟

 سؤال مرّ على البال و أنا أعلّق على رواية الحبيب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8 ــ  الخبزيست بعد أن تعلّم الصنعة

 

 

 

 

 

 

 

 

لا يأتي الموتُ بمجرّد الاستعداد له.و لكن توجد طرقٌ سهلة تؤدي إلى الموت أقصرها الجوع. نعم الجوع يحمِل صاحبَه إلى موت هادئ بسيط ينبتُ في أسفل البطن حيث تتكاثر العُروق متربصة بفتات الطّعام السّاقط من بين الأضراس ويطلع في اتّجاه القلْب متتبعا مسارب الدّم و سرعان ما يصل إلى الدّماغ فيتمكّنُ منه و يأمره بالتوقّف عن إعطاء الأوامر إلى بقيّة أعضاء الجسم ويقْطعُ عنها الوصلات الكهربائيةَ وشفْطَ الإفرازات فيصاب الجائع بالشّلل التّام و تطلَع روحُه في اتّجاه خالقها. عندها يسارع أهلُه في إقامة جنازة تليق بقيمة المَيت إكراما له ودرءا لفضيحة الجوع.

سعيد الخبزيست مات جائعا كما عاش. و لكن لم يقتله الجوع و لهذا حرصتْ وسائلُ الإعلام على تبْيان المسألة قبل أن تتخذ شكلا و بُعدا سياسيّين قد يستغلّه البعض لإثارة البلبلة في البلد الهادئ.أكثر ما يقال في سعيد أنه  عاش عيشة ابن "الجحشة" فلم يشبع أبدا ولم يمتْ على جوعٍ  ولكن الرّصاصة الأولى التي أطلقتها ميليشيا الحزب الحاكم أصابته ففتح باب الشهادة أمام صفّ هائل من الشّباب والطّلبة والرّجال والمنتظرين.

جاءت التّعليمات واضحة:لن تقام جنازةٌ للمقتولين. الحكومة تريد أن تكون عادلة فلا تميّز ميتًا على آخر بل تدفنُ الجميعَ في نفقٍ أو حفرةٍ في مقبرة في مدينة واحدة.جاءت التعليمات بمنع الدّعاء أثناء حمل الجثامين إلى المقبرة و الامتناع عن تلاوة الفاتحة على قبورها خوفا من أن تنفتح أبواب العقيدة على المجهول وتكريسا لمبدأ الدّيمقراطية و العدالة في الموت لأن الموْت يساوي بين الجميع.

لم ينتبه أحد إلى صندوق سعيد فبقي في مكانه ثلاثةَ أيّام كاملة إلى أن وصل ابنه الأكبرُ فجلس مكان أبيه.تقدّم الزّبون الأولُ:

ــ أنت تشبه المرحوم فهل صدق ظنّي؟

ــ نعم

ــ و ما اسمك؟

ــ الخبزيست.

ــ لا لا تمزحْ معي.

ــ أنا أجبتك

ــ و ماذا فعلتم؟هل طلبتم من الحكومة تعويضا؟

ــ لا نملك حجة على وفاته.قيلَ إنّه مات فصدّقنا حكومتنا،وهذا واجبٌ،خاصّة و إن الحكومة لم تُعلمْ رسميّا عن موته فلمْ نتسرّعْ مخافة أن يكون قد اختفى ليومٍ أو شهرٍ أو لسنة. ربما...ربّما ولهذا فإننا لم نطلب تعويضا.

ــ أنصحكم بعدم التّفريط في حقكم.

ــ أنصحك بعَدم التّوقف أمامي ثانيةً.أنا الآن ماسحُ أحذية بسيطٌ ورثتُ الصّنعة عن والدي وورثت أدواته و ها أنا أشتغل مكانه فدعْني أرجوك.أنا ورائي عائلة و لولا الجوع لما سارعت إلى الجلوس على هذا الصّندوق.أنا أحبّ العمل فالإنسانُ في نظري يُصبح حيوانا إذا ترك عمله بل إنّ الحيوان يعمل أيضا ليحصل على قُوتِه...

ــ سينحُل جسمك الطّريُّ فوق هذا الصندوق قبل أن تَشبعَ.

ــ إنني أفضِّل أن يهترئ جسدي بالجهد على أن يصيبه الصّديد بالرّاحة.

سحب الواقفُ بطاقةَ شرطة من جيب سترته واقتاد الخبزيست الصّغير إلى مخفر الشّرطة.

وقف أمام رئيس المخفر مستمعا إليه بكلّ هدوء ثم أجاب دفعة واحدة:

ــ أنا ابنُ سعيد الذي قتلتموه، أنا ابنُ ماسحِ الأحذية...

أنت تعرفه جيّدا فلا تُنكرْ.

......رأيتك تصوّبُ نحوه فوهةََ مسدّسك

...رأيتُ سبّابتَك تضغط على الزّناد.

... رأيت الرّصاصة تشقُّ الغبار نحو أبي،حاولتُ أن أرميها بحجرٍ لأغيّرَ وِجهتها فأخطأها الحجرُ. لم يكن باستطاعتي اعتراضُها. كانت أسرعََ منّي إلى صدْر أبي.كانت تعرفُ قلبه.مشتْ إلى عنقِه مباشرةً،أقصد عنق قلْبِ أبي.لا تحاولِ الإنكارَ أمامي فأنا سأغضبُ،و لا تحاولْ أن تخيفَني فأنا احترقتُ ولن أخاف عودَ كبريتٍ مطفأٍ مثلك. حتى الحكومة لم تعدْ تساوي أكثر من عصابةِ مجرمين تتتبّع خطى أسيادها المعارضين لقتلِهم بأسلحتها...أنت سلاح غبيّ في يدِ حكومةٍ حمقاء...و لستَ أحدَ أعضائها....

ما أحقركم !

إذن فأنا قرّرت أن أقتلَك لأريحََ منك المُستقبل...لا تخفْ فأنا لا أحبّ الغدر.سأترك لك فرصةً لتودّع أهلك وتوصيهم بدفنك حيث تريد...أنصحك أن تدفن إلى جانب الشّهداء الذين قتلتهم يوم الخميس الأحمر فربما تنال معهم فتاتا من الشّهادة.

انتفضَ رئيسُ المخفرِ  و حاول أن يتملك أعصابه وسأل الخبزيست: ماذا تريد؟ لماذا أنت هنا؟

ــ قال ذيلُك إنني لا أملك رخصة مسح أحذية...من يلعق الأحذية بدون رخصة يريدني أن أمسحها بترخيص.

سأمارس عملي بالرّغم عن الجميع سأقتلع أضراس الطّمع من أفواههم و لن أترك لهم أنيابا يعضّون  بها غيري.

ــ أرجوك أن تهدأ حتى نتّفق.اذهبْ فاغسلْ وجهك ويديك من دهان الأحذية و اشربْ كأس ماء بارد وسنتّفق...لا بد...سنتفقُ

ــ كَفِّي هذه، الوسخةُ بالصّبْغَة و الغُبار لن تصافح كفَّك البيضاءَ النظيفة أتعرفُ لماذا؟ لأنّ الوسخ الذي في كفِّي زائل خلافا للوسخ الساكن في أنفس البعض.

ــ يا ابنَ سعيد،لا أخفي عنك أن الحكومة أمرتنا بحسن معاملة المواطن و بالاستعداد لبناء علاقة طيّبة  معه تقوم على احترام مبادئ الإنسان الكونيّة إننا نسعى إلى إرْساء أمن جمهوري محايدٍ و عادلٍ وأنا مستعدّ لتحمّل كل حماقاتك وغضبك...انه زمن التوافقات..إن بلدنا الآن في حاجة إلى أن نضع أيدينا في بعضها لنزداد قوّةً ولنكون حِصنا منيعا ضدَّ كلّ من يخوِّل له شيطانه الإساءة إلى هذه البلاد الجميلة. المطلوب منك فقط أن تساهم بحاسّة الشّم أو بالنّظر إلى ما يدور حولك... هذا كلُّ ما نطلبه منك مقابل تجديد رخصة العمل.

ــ لا يمكن وضع يدٍ نظيفة في أخرى وسخة و لا يمكن القضاء على الخوف بإكثار الشّرطة وأذيالها ولا بتربية القوّادة.معذرةً لا أُحسن مراقبةَ العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9 ــ للنسر أيضا فراخ  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراجل عون يتحرّك بأوامر عرْف يضَع أشرطة وشعارا ونجوما ونياشين على كتفه و له بدوره خادم خفيّ يأمره لينفّذ أوامره. يكلّفه خلسة ببعض الأعمال فلا نراه بصدد إنجاز أيّ شيء و لكننا نلْحظ النّتائج. يبدو أنه يسكن في مكان ما تحت الدّار السّفلى أو يتحكم في الأمر  من وراء البحار.الإشاعة تقول شيئا مثل هذا.

هذه المرة تأكّدت من أنّ خادم مراجل هو الذي نفخ في الصّور فتجمَّعنا بسرعة ووقف بيننا مراجل ليقول لنا إن سكان الدّار الأخرى أقدموا على القيام بأعمال تخريبية جديدة  عمدوا بها إلى تغيير مصبّات الماء الشّتوي وتوجيهها نحو ديارنا فأعددْنا الحواجز لنُرْجع الزائد من الماء عليهم.كما يقضي القانون الموروثُ هنا عن حمورابي فالعيْنُ بالعين و السّبةُ بالسّبة والشتيمةُ بالشتيمة واللَّكْمةُ باللّكمةِ و الكلمة بالكلمة.

تقولُ بعض المصادر الاسْتخبراتية التي لها علاقة بالدّول المُهيْمنة على تونس إنّ في المَسألةِ حكايةًً أخْرى فمراجل هذا الذي يتظاهر بالولاء إلى أفكاره يُمْكن أن يُخبِّئ معاملات أخرى مع أعرافه السرّيين فيترك الماء ينزل قطرة قطرةً إلى غُرف المتساكنين مُحْدثا نقراتٍ تدقّ الأعصاب. وهذه أحدثُ طريقة ابْتدعَها مراجل لتعذيب المُعارضين دون أن ينْفق من أجلها مليما أحمر وتفاخر بها في بعض المؤتمرات الأمنية.

أبلغني أحدهم بأنَّ والدَ نورة يبحث عنّي و يُلحُّ في مقابلتي فمشيتُ قرب الوافدين الجدد لأمكِّنه من التعرّف عليّ فأنا لا أحفظ وجهه و لا صوته. احتضنني وقال:

ــ أنِرْني أنارك الله يوم القيامة. أنا أبحث عن علاقة ابنتي نورة بصديقك الملازم الذي لم يخطُبْها مني ليتزوَّجها بل ليتمَكّن من قلبها ثم من قلْب خالِها فتنفتحُ أمامه أبوابُ التّرقيّات وخزائنُ الرّشاوى فما إن انكشف قصْده حتّى أساء إليها و إلى سُمعتها وشتَمني و نعتني بأشنعِ النّعوت. فقلت:

ــ لا يُمْكِنني مدّك بأيّ معلومة و لكن تابعْ أقْوالي في هذه الأسطر و سترى الحقيقة فلم أدْعََ بعدُ إلى شهادة حول هذه المسألة فصمتََ وبقي منتظرًا عامًا كاملا حتى طُلبت منّي شهادةٌ مشابهة فاغتنمت الفرصة وحشرت الحكاية داخل الحكاية والقصّة داخل القصّة والخبرَ طيّ الخبرِ وقلت:

دخل الحبيب على رئيسه المباشر فحيّى و بقي واقفا ينتظر الأمر الجديد لكن رئيسه أمره بالجلوس وقدم له نورة ابنة أخته:

ــ إنها طالبة في كلّية الطّب و في كلّية الهندسة وستكون طالبة في كلّية الحقوق بعد شهر.

ابتسم الحبيب و صافح الفتاة و لم يستطع أن يُخفي الإعجابَ بجمالها ولا السؤال الذي رجّه وما استطاع طرحه.أمّا هي فركّزت الأنظار على وجهه لتقرأ فيه تقاسيم الإعجاب بها. فاجأه رئيسه بإجابة سريعة:

ــ في الحقيقة لم تزلْ في حيرة فخيّرتِ التّرسيمَ في ثلاث كلّيات ضربة واحدة....طبعا ساعدتُها.

ترك الحبيب كفَّه تصافح الفتاة و نسيََها في دفء يديها متعمّدا ليتلهّى برئيسه ثم سحبها بلطفٍ ورِقّة إلى أن تأكّد من أنّ نورة قرأت ما تركته كفُّه في يدها.قال الحبيب كلاما مشجّعا للفتاة و أبدى إعجابه بحرصها على دراستها الجامعية. أعلمه رئيسه المباشر بأنه يفكّر في إرساله بدوره للمشاركة في تربّص مهني في فرنسا وهي فرصة لمواصلة الدّراسة في اختصاص الأمن. فرح الحبيب و غادر المكتب.تبعته نورة ومشت إلى جانبه بعض الخطوات في بهو الوزارة ثم دعته إلى تناول قهوة معها في المشرب فتظاهر بالرّفض وانتظر أن تهمّ بالانصراف مكسورة الخاطر ليهمسَ:

ــ يا نورة القهوة الأولى مع جميلة مثلك لا تكون في مشرب في ذيل وزارة ولكن في مكان جميل. ضحكت نورة ومشت إلى جانبه. 

مضى وقت عسير على الحبيب و أقضّ التفكير مضجعه.

ماذا لو أقدم و خطبها من خالها؟

و ما ضرّ لو كان تزوّجها بسرعة ؟

من الأكيد أن خالها سيسْعد بهذا الزّواج وسيساعده في التّرقيات و في القفز على المراحل؟ لن يخسر شيئا.إنها فرصةُ العمر.

في صباح اليوم الموالي كان له ما أراد وافقت نورة على الخطوبة و رتّب خالها السفرة إلى فرنسا.

نورة طالبة مرسّمة في عدة كليات.إنها نابغة الطالبات جميعا و أكثرهنّ تواضعا فهي تركب الحافلة مثل زملائها وتأكل في المطعم الجامعي وتشرب كأس الشاي بدون لوز وتلبس الجينز ولا تدخّن و لا تسهر خارج المبيت إلا نادرا.

فرح الحبيب بخطيبته و أعلم أمّه بارتباطه بها وكتب في رسالته إليها:

ــ تصوّري يا أمّي إنها تدرُس في أكثر من كلّية ولست أعرف ماذا ستشتغل بعد تخرّجها، طبيبة أم مهندسة أم محامية.

ارتجّ الحبيب و اهتزّ فزعا عندما دفع بي شرطيٌّ إلى داخل مكتبه.

ــ ادخلْ يا كلب يا ولد العاهرة.

ــ ..................

ــ ادخل يا نذل ...حصلت كالضبع في آخر الليل.

نزلتْ منّي دمعةٌ ساخنةٌ فتركتُها تغيّر حمرةَ خدّي ولم أحاولْ مسْحَها. أحسست بحرارتها وبوجعها و هي تنزل رويدا رويدا حافرة طريقها إلى فمي الذي خانني بدوره فلم يدافع عن أمّي.

أمي ، تلك التي كلما تذكرتها صعدت إلى روحي رائحة التراب  فملأت منها صدري و تنهّدت.

أمي، تلك التي تمتزج رائحتها برائحة الخبز الخارج ساخنا من فرن الطين فأقبّلُه.

إنّها أول مرة أقف فيها متّهما أمام صديقي. لم يبكِ الحبيب ولعلّه تحامل على نفسه و كتم مشاعره. خِفت عليه من البوليس الذي دفعني نحوه فلم أكلّمْه لألا يتفطّن أحد إلى صداقتنا. 

ــ اتركْه على حسابي فأنا في حاجة إلى تسريح قَبضتي هذا الصّباح، قال الحبيب فانصرف الشّرطي.

و فتح صديقي محضر بحث أنكرتُ فيه وبإيعاز منه كلَّ ما نُسب إليّ من تهم: التّحريض على الثّورة وإثارة الشّغب والإضرار بأملاك العامّة واقتحام المحلات الخاصّة والسّرقة وحمل الأفكار الهدامة والاعتداء على أخلاق المجتمع الحميدة و لم ينس صديقي أن يضيف إليّ أمَّ التهم وهي ثلبُ الرئيس الزعيم مرفقة بإنكارها.

كان يسأل و يجيب في نفس الوقت ويُعْلمني بما كَتب وبما نسبَ إليّ. اكتفيتُ بالإمضاء على ثمان تُهمٍ لم أقْترفْ منها واحدة. صافحني و ابتسم و قال:

ــ اغربْ عنّي يا ابنَ سيِّدة النساء.

فقلت باقتضاب: يرحمها الله.

أمي سيّدة النّساء ربّتني على تحمّل الشّدة ومقاومة الجوع ومقاتلة الفقر.و كانت تريدني أن أكون نظيفا صادقا مجتهدا أحترم الكبار والأولياء و العمدة والمعتمد وكانت  توصيني بأكل المال حلالا وتؤكد لي أن المال إذا أتت به ريحُ الحرام صباحا لا يبيتُ إلا في كفِّ العاصفة. أمّي كانت ستغضب كثيرا لو علمتْ بأنني شاركت في مسيرةٍ و أوقفتني الشّرطة.

حاولتُ مرات أن أختبرها و كلّمتها بلغة سهلة وبيّنت لها تلاعب الحكومة بأرزاق الناس. و عندما أيقنتُ أنها لن تفهم شكرتُ الرئيس و أتباعه ووعدتُها بأن أتعلّم مجاراة الواقع لأسبحَ في النّهر دون أن أبتلّ.

ما إن ترحّمت على أمّي حتى انقطعتْ شهادتي وعاد الهدوء إلى الدار السّفلى إيذانا بحلول فصل النّوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 10 ــ القفز الجيّد يكون على ساق واحدة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموتُ حكمة الحياة. فيه يستوي الغنيّ و الفقير والعالم والجاهل و الظالم و المظلوم و لو أنّ الأغنياء من النّاس عادة ما يصيبهم جنون العظمة والكبرياء في كبرهم فيبالغون في النّقاش البيزنطي مع ملك الموت ويشدّون بأسنانهم في الحياة الدّنيا فيموتون بحمق.

الموت أنواع و ألوان و أشكال و له أسباب وغايات أيضا فهو يختار ضحاياه دون علمنا نحن و عادة ما ينفِّذ شغله بسرّية تامّة.

 في هذه المرّة جاءنا ميتٌ قال إنه أُخِذَ على غِرّة ودون استشارة أو حتى تلميح.وصل الضّيف الجديد مُدّعيا أنه كان قد  كرّس حياته لخدمة العدل  في الدار الأخرى منذ أن عُيّن وكيلا للجمهورية ثم قاضيا ثم رئيس محكمة ابتدائية وتدرّج في سلك القضاء إلى أن أصبح قاضيا في محاكم التعقيب  وهي أعلى مرتبة في القضاء الجالس.

الغريب في الأمر أنه خلال كامل هذه المسيرة لم يتسلّم رشوة ولو مرّة واحدة و هو أمرٌ يكاد أن يكون مستحيلا في الدار الأخرى بل غير مرغوب فيه و لا ترتضيه الحكومة  إذ من عادتها أن تعمل دائما على ربط القضاة بتهمة الارتشاء لتفرض عليهم ما تشاء من الأوامر كلما احتاجت إلى ذلك.

عندما وصل القاضي و قضى فيه الدّود مأربه تسلّمه مراجل و راح يخضّه خضّا و يرجّه رجّا إلى أن أفرغه و غربل ذاكرته. فتّش جيّدا و تفرّس وتثبّت حتى عثر على عدة أخطاء ارتكبها القاضي في حق العديد و كنت من بينهم. مراجل يحبّني كثيرا ويتظاهر أمام الآخرين بأنه لا يميّزني عنهم و في الحقيقة كان دائم الخوف عليّ يراعيني و يحافظ على عدم إثارة غضبي فهو على علم بالحجج الكثيرة التي أمتلكها والتي يمكنني أن أدين بها القضاة.و هو مقتنع أيضا بالظلم القاسي الذي سلّطه عليّ بعضهم إرضاءً للسّلطة. و كان يدْرك أنّني سأكتب هذه الأشياء حالما تحين الفرصة و سأفضحُ الظالمين فأنا لا أبِيت على ضيْمٍ. يقول لي أحيانا: أنت من برج العقرب لا تؤذي إلا من قصدك بالأذى و إذا لسعْت فلا تتركُ لعدوّك فرصةَ الإفلات.

مراجل حسبَ لطباعي ألفَ حسابٍ فلم يقدمْ على مهاجمتي ولا على الوشايةِ بي في الدّار الأخرى. وقد سعى إلى أن يجعل منّي مقبرةً لأسراره وذراعًا لأفكاره وهذا ما لم أقبله لعدم ثقتي في أمثاله رغم تظاهره باتهام القضاة بأنهم أصبحوا كفّ السارق وعصا الجلاد وسلاح القاتل وبأنهم سببُ الدّاء والفسادِ. كان يقول: إن فساد الحاكم من فساد القضاة. 

جاء ركضًا ليُخبرني بقدوم القاضي وخيّرني بين أن أتشفّى منه بتوقيفه بدون محاكمة لتكسير أعصابه ولدفعه على الاعتراف بما لم يقترفْ إن لزم الأمر أو أن أقاضيه من أجل تُهم نختلقها بالمناسبة. تماما كما كان يفعل فنحرقه بالنّار التي أشعلها في قلوبنا.

قرأتُ التهمة جيّدا و تثبّتّ من خلوّها من كافّة عناصر التأييد و حزّ في نفسي أن أسيء إلى كرسيِّ العدالة وأنا المعجب دوما بلباس القضاة  فحاولت اختلاق أعذار له لأبرّر قسوته معي و قررت أن أرجعَ الأمر إلى مراجل وكلفته بتأنيب رأس الهرم مباشرة فوعدني بفتح عينيه الحمراوين أمام الرئيس الزعيم وبتهديده بقطع شهاداتي عن الدار الأخرى واشترط أخذًا بخاطري أيضا أن تنتصبَ المحكمة في مسكني هنا لأمارس عليها ما شئت من ضغوط الصّدق والنّزاهة. قلت هذا بكل شجاعة و كان باستطاعتي رفع الأمر إلى السّلطة العالمية فهي التي جنّدت حرّاسا لجمجمتي  خوفا على ما تحْملُه  من معلومات هامّة ورفعتْ من قيمة هيكلي العظمي فأدرجَتْه ضمن المواقع التاريخية العالمية وأوصت مراجل وحكومة الدّارين بضرورة الحفاظ عليّ كاملا صادقا أمينا وصائنا مدافعا عن العهد ومتشددا في قول الصّراحة ومتشبّثا بالصّحيح من التّاريخ.

تململت جدران المكان و تباعدت فاندفعت حشود الجيران هائجة كأنها مدعوة إلى يوم الحشر.صاح مراجل في النّاس أنِ اصْمُتوا فأخذ كل مكانا يمكّنه من مشاهدة الأحداث الدائرة في كلّية الطّب في مستشفى شارل نيكول وظهرت شاشة عملاقة لم أرَ مثيلا لها في قاعات السينما وتابع الجميع الشّهادة الحيّة و هي تظهر رويدا رويدا على الشاشة.

حرص مراجل على أن تُنقل هذه الشّهادة على تلفازات العالم مجانا لأن أحداثها شكّلت منعرجًا كبيرا في حياتي و كادت أن تدفع بي إلى القتلِ أو الانتحار ومكّنت المتطفّلين وجمهور الباحثين عن الحقيقة المطلقة من معرفة أذيال الحكومة المتمتْرسين في الجامعة التونسية يسهرون على تنشئة ما استطاعوا من طلاب على مذاهب السّلطة.و لم أسْعَ إلى معرفة السّبب الذي جعل مراجل يشجّعني على التّمادي  في فضْح أساتذتي الذين قتلوا فيّ روح المواطنة مقابل تزلّفهم للحكومة.و اكتفيت بنقل الأحداثِ بدون ريتوش.   

في بهو الكلية ينظّم بعض الطّلبة المظلومين إضراب جوع ردّا على عقاب سَلّطته عليهم الإدارة يقضي بحرْمانهم من إجْراء امتحانات شهر جوان .

جريتُ  إلى الهاتف لأطلب من بوها الصغروني سكرتير تحرير جريدة الرأي أن يرسل إليّ مصوّرَ الجريدة فجاء على عجل وشرعتُ في إجراء حديث مع الطلبة المضربين.في ذلك الحين قدم نائب العميد متبوعا ببوشلبية أستاذ مادة الصّيدلة. لمحني وتسمَّر يرمقني بنظرات حادّة. تحوّل يمنة ويسرة حتى ظهر في الصّورة إلى جانبي أثناء استجوابي للطلبة.تجاهلت وجوده وواصلت  عملي الصّحفي و نشرت ما يجب نشره وركّزت على غلط الإدارة و ظلمها لليساريّين من الطلبة و بدت صورة الأستاذ بوشلبية في الجريدة واضحة فشككت في إصراره على التواجد في الصّورة من خلال وقفته و نظرته.

اشتهر المقال في أوساط الجامعة و أخذ مأخذا جدّيا وطرحتْ على إثره قضيةُ الإقصاء الذي تعتمده إدارة الكلية ضدّ الطّلبة المعارضين للسّلطة.و انتهى الخبر في ذاكرة بو شلبية بعد أن مرّ على الألسن أياما ومحطّات وفي كل محطّة يجمع ما يكفي من الإضافات و التأويل.

دخلتُ الامتحانات في تلك الدّورة فنجحتُ في كلّ المواد إلا مادة الصّيدلة التي يدرّسها بو شلبية.

أمامي فرصةٌ أخرى لأجتاز الامتحان ولكنني فشلت في الدورة الموالية و لم أقتنع بسقوطي. كلّفني المقال سنة ونصف السنة من التسكّع داخل الكلية. انتظرت الدورة القادمة وخرجت من الامتحان فرحا بالإجابة عن كل الأسئلة ولم أنجح.قصدت مكتب الأستاذ بوشلبية مستفسرا فوجدتُ ورقتي على مكتبه بدون إصلاح. رفض أية إجابة عن أسئلتي وطردني من المكتب متعللا بضيق وقته. انتابني الشك مرّة أخرى وقلت إن في الأمر سرّا. في الحقيقة لم يكن هنالك أي سرّ فالواقع يفضح نفسه ونظرات بو شلبية إليّ يوم إضراب الطلبة كانت توحي بعقاب يطبخ لي على نار هادئة.

اسمي ضاع .

سقط اسمي من قائمة الطلبة.

يحدث أن تسهو الإدارة عن ذكر اسمي ضمن قائمة الناجحين.

و يحدث أن تنسى الإدارة أيضا أن تدرجني في قائمة الذين لم ينجحوا.

يحدث أن يتكرر السّهو....انه مجرّد سهو.

سلّمتني الإدارة شهادة انتهاء الدروس الطّبّية بنجاح ثم تراجعت و أرسلت إلي تلغرافا تدعوني فيه إلى تصحيح الوضع... نحو الأسوإ طبعا و سحبتْ مني وثيقة النّجاح في انتظار الحصول على شهادة  الأستاذ بو شلبية كان سهوا لا أكثر و لا أقل.

سقطتُّ في الامتحان فسقطَ بو شلبية من نظري سهوا.

شوّهتُ صورته عند الطلبة و في المقهى و في الجرائد وفي الشوارع و الكليات.لم أكن قادرا على الوصول إلى زوجته و الا كنت أعلمتها.

لم أترك مكانا إلا و شتمتُه فيه و جعلتُ النّاس يكرهونه و يبدعون في سبّه و سبّ من علَّمه القراءة و الكتابة ومن عيّنه للتدريس في الجامعة.و تكاثر المتعاطفون معي بالسّخرية من قفاه و ممّن ربّاه.

انه غبيّ و ساذج و لولا غباوته لما صنع من تلميذه البسيط بطلا يحترمه الناس بقدر ما يحتقرون أستاذه.

كنت أنظر إليه نظرة التلميذ لمعلمه، نظرة العبد لسيّده وكنت أراه شاهقا وشامخا في برجه العالي متربعا على مملكة المعرفة.

كنت أحلم بالوصول إلى نصف منزلته.أنظر في الدّرجة الأولى من السّلم فأصَابُ بالإحْباط لطول المسافة التي عليّ قطعها لأصِلَ إلى حيْث وصل أستاذي.

كنت أخجل من قول كلمة واحدة تمسّ من سمعة أستاذي الجليل فهو الكريم و الحليم و العليم وصاحب الفضل علي.

يحدث أن نرى أساتذة صبيان و طلبة عظاما.

تستطيع السياسة أن تصنع من الذّيل رأسا ومن النّعاج أسُودا.

بدأت اللعبة و انكشف المستور و تعرّى صدر الأستاذ الضّيق و بان سقف أحلامه.

 متاعب الألف ميل تبدأ بزلة واحدة.

 ما كنت أعلم أن هذه الفعلة ستكلّفني نصف العمر احتراقا و إلا ما كنت دعوت مصوّر الجريدة.

ما كنت أعلم أن كلّية يتخرّج منها الأطبّاء تباعا ليعالجوا المجتمع من أمراضه تصبح، من أجل مقال في جريدة، مقبرة لأحلام طلابها.

ما كنت أدرك أن إدارة الكلّية قد تقدم على إخفاء أسم طالب مجتهد مثلي. 

و حدث ما سيحدث بعد عشرين عاما.امتلأت قاعة الاجتماع و تزاحم العملة و الموظفون ورؤساء الأقسام واحتلّ كلٌّ مكانا قريبا من صندوق الاقتراع في يوم الحشر الانتخابي وقُرئت التقارير كما تقرأ الفاتحة في بداية العرس واهتزّت أكتاف العملة وصعد الأستاذ محمد رئيس القسم الكبير في المستشفى الجامعي ليقول كلمته و تلكّأ و تلعثم وارتبكت شفتاه فاستوقفه رئيس الشعبة المهنية و هو عامل في القسم الذي يرأسه الأستاذ محمد و أمره أن يسرع في الكلام و أن يكثّف من مداخلته وألا يخرج عن موضوع الجلسة فلم يقل الأستاذ المسكين غير: سيدي رئيس الشعبة...أسحب...

....أسححححححب

أسحب  ترشحي ...

و ترك المنصّة مرتعدا و متحاشيا نظرات العملة الذين طالما ارتعشوا من ظلاله داخل القسم.

و حدث ما سيحدث بعد عشرين عاما أيضا. صار بإمكاني احتقار هذا الأستاذ فهو يستأهل الإهانة والضّرب على قفاه بالحذاء ولكنني هدّأت نفسي وبصقتُ مرة واحدة على واجهة الكلّية ولعنت بو زربية و بوشلبية ومضيت أبحث عن شغل أملأ به الشهور المتبقية من السنة.

سأشارك في كل المسيرات الطّلابية و سأقاسم العمّال همومهم و أسير إلى جانبهم في المظاهرات التي تجوب الشّوارع والسّاحات فأغنّي معهم نشيد العمّال الذي أعشقه و أنشده كلّما أسكر أو أحزن.

فأطير فرحا كأنني جندي أجاد التّدريب على الرّماية فاستعجل ملاقاة العدوّ.

كل هذا لا يكفي لأتشفّى من الكلية.

سأحرّض الأصدقاء على الإضراب و على سبّ الأساتذة و السّخرية منهم و التنكيل بصورهم على حائط الكلية وأكتب فيهم شعر الهجاء ليحفظه الطلبة ويتناقلوه فوجا بعد فوج و سأدّعي أن بوشلبية ختنوه  في الشّعبة الدستورية ودرّسوه في جامعتها ثم زوّجوه في لجنة تنسيق الحزب و اشتَغلَ في دواليب الحكومة ولهذا فهو لن يستطيع أن يكون محترما.

وقرّرت أن أقفز على فقرة احترام الأساتذة في قَسَم أبوقراط يوم أُدْعى إلى أدائه قبل أن أتسلّم شهادة الدكتوراه.

كان بإمكاني أن أعْلِم أسرة الجريدة و أن أحمّلها المسؤولية فربّما رفعت قضيتي ضدّ بو شلبية إلى منظمة الصّحافة الدّولية و اعتبرتني صحفيّا قمت بواجبي المهني فعوقبت عن ذلك لكنني تراجعت وهوّنت من المسألة فلم أجعل منها قضية رأي عام وقلت إن المشكلة لن تكلّفني الشّيء الكثير و أن بو شلبية سيعود إلى رشده ويشبع من عقابي.

و كان بإمكاني يومها أن أغتنم فرصة اجتماع أسرة التحرير السياسي في مقر الجريدة، ونحن نجتمع كل يوم خميس لننظر في عدد الأسبوع، فأشتكي لأعضائها وأنا أعرف أن لديهم باعا وذراعا في الدولة فهم كانوا وزراء سابقين قي الحكومة و لم يستقيلوا منها إلا يوم ظُلم أحدهم و قال الرّئيس الزّعيم قولته الشهيرة وهو ينظر في قائمة الناجحين في الدّيوان  السياسي لحزبه الحاكم والوحيد ويفكر في نصرة وزيره الهادي نويرة.

أحمد المستيري وحسيب بن عمار  و راضية الحداد والباجي وحتى محمد مثلوا ركائز قائمة في الحكومة فكيف لا يبخلون علي بكلمة تحلّ مشكلتي؟

ألست شاعر الرأي؟و قد سمّاني القراء.

ألم أُظلَم من أجلها؟

لم أطلب إعانة أحد فتمادى بو شلبية في إهانتي و هو مدرك أنني لا أقوى عليه.

الحاكِم ظالم

قرْد شجاع أفضل من أسدٍ جَبان.

آخرها حبس والحبس يظلّ أضيق من خطاي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11ــ المواطن يمسك بالمفتاح

 

 

 

 

 

أنا الخبزيست....انتهى....

من لم يفهمني فهو غبيّ...الشيء الذي لا أراه لا يمكن أن يكون  موجودا...

أنظرُ في وجه البلد فيخجلُ منّي وتحمرّ وجنتاه وتدمع عيناه ليستعطفني و يطلب مني الرأفة.آه لو كانت الرأفة تورث لسحبتُ من أبي طباع القسوة و الحقد وحفظتها لليوم الأسود لكن أبي لم يربّني على الحقد.

النّاس هنا تعوّدوا على  السّكينة والبساطة و لا يتوارثون غير القناعة فهي المفتاح السّحري و السّري في كلّ حالات ضِعفِهم واستكانتِهم وهي الفاصلُ بين الغنيّ والفقير وبين المؤجّر و الأجير و بين الظّالم والمظلوم وهي في اعتقادهم كنزٌ لا يفنى و في اعتقادي أنّها كنزٌ من الوهم. الغريب أن النّاس هنا متفقون على الأنانية وحبّ الذات واحتقار الآخر واختطاف قُوتِه.إذ كلّما فتح الجوع ناره على الناس أفقدهم صوابهم.

أفتح صندوقي كل صباح فينفتح الشّارع أمامي و أقرأ الوجوه وجها وجها وأتفهّم طقس المدينة كلها.

الأيام تتشابه و تمضي والناس خلفها يزيدون غدهم شدّة.الحياة صعبة في المدينة و عصيّة على البسطاء. الأزمنة تتوالى شحيحةً فلا تنْبئ بالخيْر أبدا.أذكر أنّ أمّي رحمها الله حدّثتني عن زمن عزّ فيه القمحُ والشّعير وانتشر فيه الجوع وعمّت الفوضى و السّرقة و أصبحت الإغارةُ على الأثْرياء أمرًا عاديًّا.

قالت:كنتُ أنتظر ميلادك يا عزيزي و كنتُ ادّخرتُ لأيّام النّفاس عشر لتراتٍ من القمْح، قمحٍ صلْب أصفر لا يعرف السّوس إليه طريقا، و علمْتُ أن جارنا يرغب في بيع أربع زيتونات، تلك المحاذية لدارنا.. اشتريتها مقابل العشر لترات من القمح...هي لك يا بُني لأنني ضننت عليك بالحليب فعجّلت بفطامك... هي لك لأنك جئت في زمن الجوع .لا تبتئس فلولا مجيئك لما استقلّت بلادنا.

  لكي يحترمك الآخرون عليك أن تقوى و أن تُظهر قوّتك و عليك أن تحتقر النّاس و أن تتباهى في مشيتك وأن تتكبّر على قاصِدك و أن تنهر طالبك وأن تصنع فرصة لكل رغباتك. وعليك أن تتمسكن كلما شعرت بضعفك أمام الطرف المقابل. لا تخاصم من لا تقدر على غلبته.هذه حكمة و شرط النجاح.

الناس هنا يعرفون من أين تؤكل الكتف ويعرفون كيف يتدبرون أمورهم فيعيشون قلبا و قالبا ويتواصلون ويسكرون و يلبسون و يتوالدون.

وقف الزبون و مدّ حذاءه فسألته أنا الماسح الخبير بأجوبة الأسئلة:

ــ من منا الأكثر غباء من صاحبه؟

ارتبك المسكين و في لحظة فهم أنني أفوقه ذكاء فقال:

ــ أنا يا صديقي.

ــ و كيف عرفت أنني ذكي؟

ــ لأنك رفضت أن تقضي حياتك عاملا ذيلا لعرْف قاسٍ...اخترتََ العمل الحرّ فقتلْتَ عرفك لتأخذ مكانه.

ــ صدقت قلت له ثم عرضتُ عليه قسطا محترما من المال وضعتُه في كفه عنوة و أضفت:

ــ خذْ ولا تخفْ هذه تسبقة،لن يتفطّن أحد إليك...أنت أبسط من أن يحوم حولك الشّك، خصوصا في لعبة لا يتقنها إلا الكبار و أنا أدرك مسبقا أنك قادر على فعل أشياء كثيرة...أنا لا أحتقرك مثلهم.هذه فرصة لتبدو أكثر قوة وشجاعة من هؤلاء الذين كبروا بالألاعيب والتزوير...كن مثلهم على الأقل.

خُذْ هذه الورقة فيها خبر بسيط يهمّني، قرارُ تعييني معتمدا لدى الوزير الأول...

ــ و ماذا سأفعل بهذه الورقة؟ سألني الرجل مرتعدا.

ــ أنت مكلّف بِحَمل الرّائد الرّسمي إلى المطبعة الرّسميّة، أعرف هذا عندما تكون في طريقك إلى المطبعة الصقْ هذه الفقرة في المكان المناسب.اطمئنّ...

لن يقرأها أحد فالناس لا يقرؤون إلا ما يهمّهم...حتى إذا قرأ مسؤول الخبر فلا يُمكنه مناقشته مادام قرار التعيين قد صدر عن الوزير الأول شخصيا. لن يتجرّأ واحد من رؤساء الأقسام في الوزارة على طرح السّؤال... خذ...خذ هذه النقود...ليست رشوة وإنما مكافأة لك على مساعدتك لي وليطمئنَّ قلبك تأكد أنك لن تضرَّ أحدًا بصنيعك هذا وإنما ستنفعني و تنفع نفسك.و بارك الله في من نفع ولم يضرّ بغيره.

تغيبْتُ أيّاما عن العمل و جعلتُ لي صانعا أجلسته على الصّندوق فلم يسأل عنّي أحد...ثم غيّرتُ ملابسي ورتّبتُ ربطة العنق و دخلت منتصب القامة على رئيس المركز ...قرأ قرار تعييني معتمدا لدى الوزير الأوّل مكلفا بمهمّة وشكرني على تواضعي وشرع في تعمير الأوراق اللازمة لتغيير بطاقتي الشخصية مادامت مهنتي قد تغيّرت.  وعَدَني بحملها إليّ مباشرة حالما تكون جاهزة. ومضيت إلى المكتبات أبحث فيها عن كتب ألَّفها السّاسة و الفلاسفة ورجال السّلطة...

قرأت مذكّرات الحكّام و اطَّلعتُ على خطب الملوك والرؤساء و نسخْتُ قليلا و حفظت الكثير وركّزت على مقولات جعلتُها حجر المخلاة أسحبها كلما سعيت إلى إقناع النّاس أو ناقشت مع نواب الشّعب مسألة سياسيةً معقّّدة.حفظت الكثير...

الصّبر عند الفقير كالزّيت للفتيلِ لا يضاء البيت بدونه. هذه العصارة الفكرية أقنع بها المحتاجين إلى الإعانة.

خائن الوطن كمجنون يلهو بمقود السّيارة فيُجبر السّائق على ارتكابِ الخطا القاتل.و هذه أخيفُ بها النّاس لأمنعهم من إتباع المعارضين.

عندما يصبح ابنُ الشّعب مسؤولا لا يمكنه أن يخون شعبه لألا يخون نفسه..هذه أغنّيها للبسطاء.

الأصوات في صندوق الانتخاب متساوية فلا تفضيل لصوت الغنيّ على صوت الفقير،هذه أسوّقها في الحملة الانتخابية.

حفظت أشياء كثيرة أخرى لأهدِّد بها المناوئين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12 ــ خطوة في الهواء

 

 

 

 

 

 

 

 

جلس الحبيب إلى جانب خطيبته يتلمّس أصابعها بلطف كطفل يعدّ أعواد الحساب و ينظر من حين لآخر في عينيها علّه يجد فيهما ما يشفي تطفّله وتطلّعه إلى براءة النظرات و رقّة المشاعر فيطمْئن نفسَه ويقنعها بحسن اختياره لهذه الفتاة. حدّثها عن نفسه بسرعة وعن أصله وفصله وعمّا يحبُّ و عمّا لا يطيق و دعاها إلى الفطور لكنها اعتذرت و انصرفت لقضاء شأنٍ كلّفها به خالُها. تلعثم الحبيب و حزَّ في نفسه أن ترفض نورة دعوته وتركها تنصرف دون أن يسألها عن حاجة خالها.

عاد إلى أوراقه فتفحّصها و تثبّت منها و أسرع إلى مكتب رئيسه ليودّعه. أوصاه عرفه بالانضباط وبالمحافظة على أسرار الأمن و نبّهه إلى بنات فرنسا.هذه الأشياء تدرّب عليها منذ الأيام الأولى من عمله في وزارة الداخلية حيث كُلّفَ بمراقبة الوافدين من العرب الأشقّاء و الإيقاع بهم في أحضان الفتيات ثم اعتصارهم ليبوحوا بأسرار دُولِهم و يرتهنون إليه فيسجّلهم في كنّش المتعاونين مع المخابرات.

حمل نفسه و صافح رئيسه و في البال نورة التي رفضت دعوته للعشاء.

عاد إلى كرسيّه في المكتب و راح يديره يمنة ويسرة إلى أن غلبه النعاس.

تبدو نورة فتاة عادية لا تفوق مثيلاتها و زميلاتها في شيء و هي تُمْضي الكثير من الوقت في مكتب خالها. عليها أن تتدبّر الأمر و أن تُعدّ برنامجا جيّدا لتتمكن من النّجاح.عليها أن تهتم بدروسها. عليها أن تجتهد أكثر.عليها أن توفّق بين محاضرات مختلفة في كليات ثلاث. وعليها أن تقلّل من زيارة وزارة الداخلية.

قفز من كرْسيه  كمن يستفيقُ من غفوة وجرى إلى المبيت الجامعي حيث تقطن نورة طلب من الحاجب أن يدعوها فذهب وعاد مسرعا ليُعْلمه أنها ليستْ في غرفتها. تركه وجرى إلى المبيت الثاني ثم إلى الثالث ولكنه لم يتمكّنْ من مُقابلتها.

عاد إلى منزله فنام ما تبقّى من اللّيل وفي الصّباح ركب الطائرة إلى فرنسا.و في البالِ صورة نورة التي لم يعرفْ في أيّ فراش نامت البارحة.

شرع الحبيب في التّّربص ورتّب شؤونه و استتبّ أمنه ومقامه و بدأ يتعرّف على الجيران واحدا واحدا.وبعد يومين أو ثلاثة من استقراره لاحظ أن شخصًا ذا ملامح عربيّة يعترضه كل صباح في درج العمارة التي يقطن فيها.فهِم من لهجته انّه تونسيٌّ.كان الرّجل حريصا على مبادرته بالسّلام.

بدأت الشكوك تجتاح فكره.

الاحتياط واجب.

الشّك في كل ما يحيط به ضروري.

يشكّ في ظلّه و في نظراته وفي نقرات حذائه وفي أنفاسه و في أحلامه و في الوزارة التي أرسلته أيضا.

قد يكون هذا الرّجل من جواسيسها.

ربّما أرسله عرفه لمراقبته و اختبار مدى حرصه وانضباطه.

الدولة تحترس من الدولة و الحكومة تحمي نفسها من نفسها.

اسْتجمعَ شجاعته و قرّر أن يهاجم صاحبه بأسئلة بوليسية وقال:

ــ أنت تونسيّ أليس كذلك؟

ــ نعم

ــ و ما اسمك؟

ــ  إدريس الشاذلي ، مدرّس قدمت هنا للقيام بتربّص في تدريس الأطفال المعاقين.

ــ جميل، قال الحبيب و سأل صاحبه عن موطنه.

أجاب الشاذلي:

ــ أنا من البرادعة في السّاحل التونسي.

لا علامة في وجه الشاذلي تشكّك في نزاهته. كل سماته تدل على صدق و براءة و طيبة. هذا ما جعل الحبيب يصطحبه إلى  ركن في مقهى .

ــ إذن أنت من البرادعة القريبة من المهدية؟

ــ نعم قال الشاذلي ...هل تريد بطاقتي الشخصية؟

ــ كيف عرفت أنني شرطيّ؟

ــ لا أدري...ربّما بالفطرة.

ــ أنا شرطيّ قدمتُ في مهمّة شبيهة بمهمّتك فأنا متربّص في الرّتبة. لا يهُمّ، أنا أعرف هذه القرية وفي الحقيقة أعرف صديقا منها و رغم الصّداقة التي تجمعني به فقد أجْبِرت مرّة على استنطاقه.

ــ استنطقت واحدا من البرادعة؟غريب ...

ــ نعم و حرّرت ضدّه محضرا... اطمئنَّ، إنّه صديق لي ولست غبيّا لأورّطه في عملٍ لم يرتكبه...أو حتّى في عملٍ ارتكبه.كل ما في الأمر أنّه شارك في مسيرة طلابية رُفعتْ فيها شعارات عديدة مُعادية للسّلطة وإنّه يرتاد جريدة يسارية ويكتب و ينشر فيها شعرا وأشياء أخرى.

ــ لم أقرأْ له إلا الشّعر.

ــ في الظّاهر لا يكتب غير ذلك و لكنّه يحرّر بعض التعليقات على أخبار يَستقيها بن سعيد من هنا وهناك ويسلّمها له فيذيّلها بكلام ساخر وينشرها في صفحة أنباء و أضواء... أرأيت...إنني أعرف كلّ شيءٍ عنه ولم أورّطه في أي عمل.

ــ كان محظوظا إذن؟أردف إدريس.

ــ طبعا.

ــ و من يكون؟

ــ  طالب في كلّية الطب .

ــ عرفته ، ردّ الشاذلي ثم سأل الحبيب كيف يعرّض نفسه للخطر بحمايته لصديقه؟

اهتز الحبيب و فكّر طويلا و قال:

ــ قد تقع صدفة موقعه فهل تقبل أن تعاقب على فعلة تافهة مثل تلك التي اتّهم بارتكابها؟ أنا أعتقد أن اعتقال الطّلبة من أجل التّظاهر عمل أحمق و لا يفيد الحكومة في شيء وهي تدرك جيّدا أنها تخطئ عندما تحبس الطلبة ولكنها تتمادى في صنيعها هذا ...هيه هذه المسيرات تكاد تكون يومية و لا أظنّ أن وزارة الداخلية ، أو أيّة وزارة أخرى،ترضى باعتقال كل المشاركين فيها ولكنها تفعل ذلك من أجل الرئيس حتى و إن لم يطلبْ ذلك.

فهم الشاذلي أن محدثه يتكلّم بواقعيّة و منطق وموضوعية فسكت برهة و قال:

إنما يختبر الرّجال في السّفر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

13 ــ أولاد الحرام...أعرفهم؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا شيء يعكّر صفْو الدّار السّفلى إلا اجرام الدّولة الذي تمارسه حكومة الدّار الأخرى ضدّ شعبها أو هكذا يبدو.

لا شيء يشنّج أعصابَ مراجل أكثر من قدوم نزيل متّهمٍ  بممارسة السّياسة أو قتيلٍ ضحيّة أفْكاره فمراجل رجل ديمقراطي أو هكذا يبدو وهو مدافعٌ شرسٌ عن الحرّيات العامّة و عن حقوق الإنسان.و لا يؤذي أحدا و لا يأتمر بوصيّة السّلطة الفوقيّة أو هكذا يبدو و لا يُعير الملفات المرافقة للنّزيل اهتمامًا  و يعتبرها ملفّقة فيرميها في سلّة المهملات ويسبّ صاحبها. ولعلّه رفض مبايعَته رئيسا للجمهورية الشعبية السّفلى كُرها في كلمة رئيس وزهدا في المسؤولية و فضّل أن يبقى  محاميا مدافعا عن الجميع. كان يقول دائما إن الحكومة الظالمة تعيش طول حياتها خائفة من المظلومين. كلّ هذا يشاع عن مراجل وأنا لا أستطيع أن أتبيّن الخطأ من الصّواب ولا الزّيف من الحقيقة.

ما إن أدرك مراجل أنني بريء من كل الادعاءات المرفوعة ضدّي حتى أنزلني منزلة تليق بصحّة رأسي و جعل مني مثالا للمظلومين الثّابتين على مواقفهم ومن أصحاب المبادئ الذين يموتون  واقفين كالنّخل.لذلك رفض استقبال الرّسول الذي جاء طالبا شهادتي حول أحداث باردو. لم يشأ مراجل أن يزعجني و أطرد الرسول من عتبة الباب وشتمه و نعته بالقوّاد الجاسوس البيوع الكذّاب السافل السّاقط النذل الحقير التّافه  الصّغير ثم جاءني و رجاني  أن أسرد عليه ،حبّا في الاطلاع لا غير أو هكذا قال، واقعة باردو التي انهزم فيها البوليس و عاد إلى ثكنته يجرّ أذيال الخوف من الطلبة. قبع إلى جانبي في أريحية كاملة و هيّأ نفسه للشّماتة أو هكذا بدا لي. قلت و أنا أخربش في الذاكرة بحثا عن الخليّة التي تحوي الحادثة.

منذ العشيّة بدتِ البلادُ متشنّجة الأعصاب فكأنها تستعدّ لحرب أو لانقلاب على الحكم. البوليس يملأُ الشّوارع و الدورياتُ لا تهدأ و أصحاب المحلات أصبحوا يُحكِمون غلقَها و بعضهم انتدب بالمناسبة حارسًا مغرِبيًّا منضبطا كجميع المغاربة المختصّين في الحراسة.

المبيتات الجامعيّة و الكليات هي أيضا استعدّت للعرس الوطني، الجرائد الحائطية مُلئَتْ بالكاريكاتير السّاخر وبالمقالات المُهِينة للحكومة  و الواجهاتُ ازدانت بالشّعارات المكتوبة بالبنط الغليظ بحيث يستطيع  المارُّ أن يقرأ من بعيد مثل هذه الشعارات:

لا تدريسْ مع البوليسْ لا دراسَه مع الحراسَه.

تقْرَا و إلا ما تقرَاشْ المُستقبلْ ما ثمَّاش.

لا مجاهد أكبر إلا الشعب.

اخدم يا تاعِسْ على السّعد النّاعسْ

الجلسات اللّيلية تكاثرت في مشرب المبيت وأُغْلق التلفاز و أُسقطتْ صُوَر الرئيس التي كانت مُعلّقة في المطعم وفي مدخل المبيت و في المشرب وفي الممرّات ومنعطفات المدرج  ولم تبق سوى واحدة في مكتب المدير. تلك ينزعها العملة إذا ما قدّر لهم أن يثوروا يوما ما و أن يحتلّوا الإدارة.

كنتُ همزَة وصل دائمةً بين السّاحة السّياسيةِ والطلبة فأنا أغْرفُ من أخبار الجريدة و أحملها إلى الكلّية وإلى المبيت ساخنةً فأُعلم بها الأصدقاء و أجمعُ بعضَ الأخبارِ من المستشْفى والجامعة و أنشرُها في الجريدة...يُحبُّني جميعُ الطّلبة و يأخذون كَلامي مَحْمل الجدِّ و لا يتّهمونني أَبداً بالعمالةِ لأيّ كان رغم توفّر مادة القيل و القال في الجريدة  و قد أرادتها الهيئة المؤسسة جامعةً لكل الأطياف والاتّجاهات و سماء لكل الأقمار ،ففيها النقابيّ محمد علي صاحبُ الصّوت الخطابي و فيها صلاح الدين  والنّيفر و كلاهما ينتمِيان إلى التّيار الإسلامي  وأكّد لي سيدي أحمد أن مؤسسي الجريدة أرادوها منذ البداية ، فضاء يلتقي فيه الجميع و سمحوا للبعض بالنشر تحت أسماء مستعارة فبرز حمزة لسود و أمّ زياد وغيرهما. و رغم ذلك فان الخلاف حول خط الجريدة قاد آخرين إلى بعث جريدة المستقبل لتنطق باسم حزبهم.

تلك مسألةٌ سرّية و لا يُحقُّ لي التحدّث فيها إلى أصحابي في الجامعة.وسيكرهني الأصدقاء و أفقدُ ثقتَهم إذا سرّبْتُ أسرارَ مهنتي...يقاس الأمين بالحفاظ على سرّ الصّديق والعدوّ سواسيّة.

وجوه جديدة تقف كل صباح مكشّرةً عن أنْيابها وهي ترْقب الطلبةَ بامتعاض و حقدٍ أمام الأبوابِ والهراواتُ والعصيُّ تكاد تقفز من تحت ملابسهم لتنهالَ على الطلبة. وزيرُ الداخلية نفسه اعترف أمام الإعلام بجلْب هذه الميليشيات من معامل النّسيج في الساحل لمساعدة البوليس.الدول الغربية أيضا ساعدت وزارة الداخلية على تنويع الشرطة في تونس فتخرّج أعوان يمتطون الدراجات النارية وآخرون يركبون الأحصنة و نوع تعلّم رعاية الكلاب واستعمالها و تخرّج صنف منقول بالسيارات وصنف متميز  يتولى مراقبة الساحات من على طائرات الهيلكوبتر وكل هذه الأصناف تُختَار من بين الأجلاف الذين يعرضون خدماتهم على الوزارة لإسكات الطلبة والعمال وتركيعهم.

دخلتُ غرفتي في المبيت الجامعي و أدرْت المفتاحَ من الدّاخل وطلبتُ من صديقي عمارة الذي يقتسم معي الغرفةَ أن يستعدَّ للسيئ. فالبوليس لا يقبل أن يُهْزم مرّتين في يوم واحد.ففي العشيّة فرّتِ سياراتُه البيضاء والسوداء بمن فيها تحت وابلٍ من الحجارة.لا بدَّ أن يعودوا ليثأروا من الطلبة فهم لا ينامون على جروح زملائهم.

و لم يكد عمارة يلبس الخشن من أدباشه حتى قُرع البابُ بعنف ففتحتُه. صفعةٌ أولى أوقعتني أرضا. نظرتُ إلى عمارة و حاولت الوقوف لكي لا يضعفَ أمام سقوطي ورأيته ينحني بدوره عندما نزلت عليه صفعةُ الاستقبال. 

ــ انزلْ يا ميبون يا ولد الفاجرة.

بكى عمارة و ترحّم في صمتٍ على أمّه وهممتُ بإغلاق الباب فدفعني الشّرطي بركلة أوقعتني ثانية على الأرض و أهوى على كتفي الأيسر بالعصا. شعرتُ بالدّم ينساب على جلدي و أيقنتُ أن الكسر أصابني في التّرقوة و غزا العرقُ البارد كامل جسمي و اصفرّ وجهي وتهاويتُ إلى السّقوط مغميا و لكنّني تشبّثت بالوقوف درءا لشماتة البوليس و حرمانا له من لذّةِ التشفّي.

فهم الشّرطي أن ضربته كانت قاسمة فابتلع حقدَه وتظاهر بالرأفة و الطِّيبة. تناول من يدي المفتاح وأولجه في القُفل و أضاف:

ـ الله يهديكم... لا ترتاحوا و لا تخلونا نِرتاحُوا.

ردّ صاحبه:

ــ أولادْ حرامْ لا يْنامُوا و لا يْخلُّونا إِنَّامْ.

أنزلونا صّفا واحدا ثم جمّعونا في ساحة المبيت.كان المطر قد نزل بغزارة و ترك بِركًا من الماء في السّاحة.

وقفتُ في الصّفّ بكل براءة و وقف أمامي صديقي عمارة.صاح أحدهم:

ــ إنه هو! و كان ينظرُ إلي.

تُرى هل قصدني أنا؟

ــ المرتدي جينز.

كل الطّلبة تقريبا يلبسون الجينز.

ــ إنّه هو.

عجبا يؤكد على أنني المقصود و أنا لم أفعل شيئا بل لم أكن حاضرا في واقعة العشيّة التي انهزم فيها البوليس.

ــ سنجعله يعترف....واحدٌ يكفي.

بأي شيء سأعترف ؟ و ماذا اقترفتُ من ذنب؟كل ما في الأمر أن ملامحي ريفية .

قفز إليّ شرطي آخر و كَتفِي تؤلمني. و جرَّني من مؤخّرة عُنقي و كتفي تعصرني ألمًا.مشى بي بعض الخطوات وأوقفني في قلب بركة الماء و قال:

ــ هنا.

لم أفْهم ما قصد بـِ:هُنا إلا بعد أن أمرني بالجلوس وسط البركة.فهمتُ إنه أراد أن يتسلّى بسريان الماء وهو يتسلّق سروالي و أنا أرتعد خوفا وبردا.ضحك ملء شدقيه و أشار بإصبعه إلى زميله ليتسلّى بدوره بالمشهد وقال له:

ــ انظر جيّدا...هل تراه يصلح لكي يُصبح طبيبا؟

سكتَ زميله فأضاف:

ــ لا أعتقد ذلك...ثم إن اسمه لا يناسب كلمة دكتور... سأُرْكبُه السّيارة فربما تَحملُه إلى كلّية الاختصاص ليصبح اسمُه فأْرَ حبس. و دفعني بحذائه الغليظ:

ــ إلى رابحة...هيا.

شعرت بالدفء على حديد سيارة الشرطة رابحة.

بدا لي حديدُها أرحمَ من بركة الماء.فأخذني النّعاس ولم أشعر إلا بعصا البوليس تدفعني إلى النّزول.

تلك هي رابحة التي يتبجّح بها البوليس، هي مؤنسة الحزين و أمّ المسكين....هي همزة الوصل بين الدّارين، دار أمّك ودار خالتك.

في آخر الليل أطلق سراحي مع بقية الطلبة و لم ندْر لماذا سارعوا في التخلّص منا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

14 ــ للعصفور  مخالبه الخفيّة

 

 

 

 

 

 

 

 

صاح الطّالب الخطيبُ في ساحة الكلّية : المسيرة تنطلقُ بعد صلاة الظّهر من القبّة القريبة من الدّيوانة حيث المسجدُ الكبير فصفّق الجميع و بعد لحظات تسرّبت المعلومة وسرَتْ من أذن إلى أذن و دعت الطّلبة إلى أن المسيرة ستنطلق من باب الخضراء عند منتصف النهار بالضّبط.

مشيتُ إلى المكان ووصلتُ في الدّقيقة الصّفر. أطلقتْ صفّارة البداية فاندفعت الجموع من الزّوايا كالنّمل وسرعان ما امتلأت الأنهج و توقفتِ السّياراتُ وعّمت الفوضى و شُلّتْ الحركة فالمتظاهرون يمشون في اتّجاه معاكس للمرور ليقطعوا الطّريق عن سيّارات الشّرطة.

أطلّت نساء العمارات يزغْردن و يشجِّعْن الطّلبة على سبّ الرئيس و شتم البوليس و رشّت بعضهن الجمع بالعطرِ وبماء الزهر.

الكسْرُ في كتِفي يؤلمني و أنا أطمئن النّفس بأنّه سيبرأ بطريقة طبيعية دون حاجة للجِبْس و أنني قادر على تحمُّله فهو كسر غير مكتمل.

أحشرُ نفسي في قلب المسيرة و أصيح بقوّة لأنسى الألم.يدي اليمنى تحاول لا شعوريّا أن تحرسَ الكتف الأيسر و أنا أسير في الزّحمة. العلاج الوحيد لهذا الكسر هو توقيف الحركة لكامل الذّراع..على أيّة حال لا يمكنني أن أتغيّب عن المسيرة و إلا فإن أصدقائي سيتّهمونني بالخيانة. الجِبْس أهون من الجُبْن. تحدّيتُ الألم و أطلقت عقيرتي بالصياح.فلم أعد أشعر بالذّراع أصلا.عندما يكون الواحد منا في قلب المظاهرة تنصهر أحاسيسه في أحاسيس الجماعة و يفقد مشاعره الذاتية ويصبح كالمخمور الذي لا يعي خطورة السّكْر.اقتربَتْ مني إحداهن ومدّتْ إلي بطرف اليافطة و دعتني إلى رفعها قرأتُ ما فيها فأعجبني ورحت أصيح كالمجنون:

عِسْ عِسْ يا بوليس    كِيفِ الكلْب على الرئيس

كلبِ الصُّبة في القاميلَة   يبات يعسْ على وسيلة

يا بوليس الحاكم هانِك   و انتَ تضْرِبْ اوخيّانك

شددتُ طرفًا و شدّت الطالبة الطّرف الآخر. وشعرت بفرحة عارمة و أنا أقاسمها الصّياح وأزيد على كلامها ما حفظت من شعارات يبدأ أحدُنا الشّعار فيتمّمه الآخر كأننا شاعران يقول الأول صدر البيت ويضيف الثاني عجُزَه.مشينا في المسيرة إلى مدخل شارع بورقيبة وهنالك صارت المواجهة مكشوفة بين الطلبة والبوليس المتمركز منتظرا وصولنا. استقبلتنا فرق التدخل السريع بالعصي وبالقنابل المسيلة للدموع. لم يكن بالإمكان التراجع إلى الخلف و لا حتّى الهرب. كلّ ما يستطيعُ الواحد فعله في مثل هذا المأزق هو الصّياح ومجاراة التّيار .سيْل من المتظاهرين  يزحف في اتّجاه واحد. سيل من الشّباب يصبّه الشّارع من أوّله إلى آخره و لا يلتفت إلى الرّوافد.  وجود الفتاة إلى جانبي زادني شجاعة فأردت أن أبدُوَ في عينيها كقائدِ كتيبةٍ في الحرب  بل حيوانا يعرف كيف يحمي أنثاه. أما هي فقد كانت ترتعد من الخوف وتلتصق بي مع كل طلقة تسمعها. تماديت في جعلها تحسّ بأنني أخاف عليها فقرّبتها منّي و طوينا اليافطة.لم يكن في البال سوى التّقدم إلى الأمام ولكنها جذبتني إلى ناحية أخرى وقالت بصوت خافت:

ــ تعال ...من هنا ...يجب أن نهرب.

سِرتُ وراءها بعض الخطوات و سارت أمامي ممسكة بيَدي كمَن يقود أعمَى و عرَّجَتْ إلى نهج ضيق فتبعتُها ولم نبتعدْ كثيرا عن المسيرة حتى انقضّ علينا شرطيان. وجّها نحونا السّلاح فوقفنا بكل هدوء و سلّمنا نفسيْنا بدون مقاومة و ركبنا سيارة الشّرطة بهدوء أيضا. تزاحمنا و التصقنا ببعضنا حتى نفسحَ المجال لغيرنا.جذبتُ طرف اليافطة و غطّيت به مرافقتي وتغطّيتُ بالطّرف الآخر.أحسست بدفء جسدها وشعرت بارتعاش فخذها من الخوف ربما. تمنّيت أن تطول السّفرة لأعرف سبب الرّعشة التي أصابت صديقتي.ولكن السيارة سرعان ما توقفت أمام وزارة الداخلية فأفرغتْ كامل الحمولة.

عندما فُتِح الباب الخلفي للسيارة سمعت شرطي الاستقبال يسأل زميلا له:

ــ  شكُون البْهِيم الّي طلّعْ  نورة؟

و سمعت زميله يرد عليه:

ــ زميل.

ما أحلى جواب البوليس عندما يسبُّ نفسه و يسمّي زميله البهيم. هل شهد شاهد من أهلها؟ضحكت وأخفيت ضحكتي فشدّني الشّرطي من سروالي و شدّ الآخر نورة من يدها و دفعنا في بهو وزارة الداخلية و فتح الباب فرأيتُني أقف أمام الحبيب. رمى البوليس باليافطة على مكتب الملازم و انصرف.

لم يستطع الملازمُ أن يخْفي غضبَه هذه المرة فتقدّم نحوي مصفّقا:

ــ الله الله...ظاهر فيك ناقص رباية يا......

هل أراد أن يسب أمّي هو أيضا؟

لأول مرّة أشعرُ بالخوف من صديق و لأوّل مرة أتأكدُ من أن الحبيب جادٌّ في تهديده.لن أُفلت من العقاب هذه المرّة و لن يستطيع إنقاذي فالفتاة التي معي قد تزيدني جريمة أخرى. ماذا لو اتّهمتني بالمراودة أو بالتحرّش أو بالاعتداء عليها لتنقذ نفسها و تورّطني. صاح صديقي الملازم من جديد:

ــ تكلّمْ. هل تعرفُ هذه الفتاة يا...؟

ــ لا ...سيّدي.

ــ انتظرْني أمام الباب إذن حتى أفرغ من شأنها.

فهمتُ أن الحبيب أراد أن يبعدني عن نورة ربما لحمايتي منها و من الآخرين الذين يبحثون عن اختلاق التّهم.

خرجتُ و بقيتُ واقفا كالحارس الأمين أمام مكتب صديقي الملازم تتقاذفني الشكوك حول ما يدور داخله.

ماذا سيفعل بالطالبة؟

هل ستتمكن من استدراجه للعفو عني ؟

لماذا سألني إن كنت أعرفها؟ هذا سؤال غريب.هو يعرف إنها طالبة مثلي و نحن في مسيرة واحدة فما المقصود بالمعرفة التي يسألني عنها؟

ليتها تُحرِّك ذكاءها فتُرْقص جسدها و تستفزّ مشاعره وتعِدُه حتّى مجرّد وعْد بلقاء عاطفي.أو ماذا لو تكرّمت عليه بقبلة يتيمة أو مداعبة بسيطة أو تحرّشت به. سيدفن كل شيء في المكتب و لن أُخرِج الخبر ما دمتُ أرى فيه إنقاذي.

ليتها تفعل فالفتيات يقدرن على اقتلاع عطف الرجال مهما غلظَت قلوبُهم.

في الداخل يقف الملازم أمام خطيبته. قالت:

ــ هذا صيد جيّد،أليس كذلك؟بيضة بأصفرين.

صمت الحبيب فأضافت:

ــ لقد استدرجتُه إلى زميليك خالد ومنير.

تظاهر الحبيب بإعجابه بصنيعها و ألقى ابتسامة فواصلت:

ــ أرى أن تعدَّ له المحضر بنفسك لتتَّقي التّهم التي قد تلتصق بك من معرفته ولتتلقّى ترقية سريعة فلا تنْس أن هذا الطّالب الزفت مشاغِب و حركيٌّ في الجامعة و هو يكتب باستمرار في جريدة الرأي.و قد سبّك و كتب فيك هذه اليافطة...اقْرأْ...اقرأ لترى مدى حقدَه عليك.

انهار الملازم و تهاوى على كرسيّه و شدّ رأسه بكفّيه. ذهلت نورة من تغيّر مزاجه الفجْئي فسألته عن حاله. صاح في وجهها:

ــ في بالي خطبت طالبة موش قوادة.

ــ نعم ؟ نعم؟

ــ الباب... من فضلك الباب و بعد خروجك انسيْ انك مخطوبة  يا...عقرب يا... جاسوسة.

اقتلعتْ نورة خاتَم الخطوبة اقتلاعا من إصبعها ورمت به على مكتب الملازم و انصرفتْ بعد أن ضربتْ ركبة على أخرى.

الآن فهم أن نورة ليست طالبة في ثلاث كلّيات و إنما هي مخبرة في ثلاث مساحات و أنها تسكن في ثلاثة مبيتات لنفس المهمة.ربما أيضا وافقت خالها على الارتباط به طمعا في ترقية سريعة كما قالت. الآن فقط أيقن أن الكلب كلب و لو صيغ من ذهب و الآن فقط عليه أن يواجه عرفه و إن اقتضى الأمر أن يهدّده بكشف أسراره و ترويجها في مكاتب الوزارة وبيعها بالشماتة في مختلف الأوساط فهو يحفظ له كثيرا من الفِعلات الدنيئة التي ارتكبها و الرشاوى التي تلقاها مقابل استخراج جوازات السفر أو اقتراح ترقيات وبعضها طال كثيرا من الأعوان وبإمكانه تأليبهم عليه و ربما أورد أيضا أن إرساله شخصيا إلى فرنسا للقيام بتربص إنما يندرج هذا أيضا في عدم نزاهة هذا العرف.غادرت نورة المكتب في نوبة هستيرية من الغضب و فتح الملازم الباب أمامي وأمرني بمغادرة البهو بسرعة.

سألته عن المحضر فأجابني بإجحاف:

ــ ليس هنالك أي محضر يدينك فانصرف و قابلني غدا في مقهى النسيم.

من الغد ذهبت إلى المقهى و لم يأت الملازم. علمت فيما بعد انه باشر عمله في ولاية نابل إثر نقلة تأديبية طلبتْها نورة من خالها فاستجاب لها و ألقى بالملازم في شرك جديد نصبه له والد نورة القاطن في نابل و ساهم فيه عديد الشامتين وحتى بعض من رجال الشرطة كل بما استطاع من تهمة أو حجة أو نميمة.

و منذ ذلك اليوم ذاب من أمامي وجه صديقي الملازم وتلاشت ملامحه من ذاكرتي و غابت أخباره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

15 ــ  تمنّيت أن يموت شرودة بين يديّ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في سرعة رهيبة و بدون سابق إعلام و لا غاية واضحة تحول رئيس المحكمة السّفلية إلى قاصّ يروي حكايتي في الكلّية. كلّفه مراجل بتولّي هذه المهمّة نظرا لخبرته في المحاكم و أمره بأن يتحاشى الإساءة لي وإلا غيّره بقاض أكثر حرصا عليّ فأنا في قناعته بريء مهما اقترفتُ من جُرم ...أنا في نظره مظلومٌ والأرض في اعتقاده لم تعرفْ مظلوما قبلي ولن تعرف رجلا عانى الظلم مثلي ولهذا السّبب يحقّ لي أن أقدّم ملفا للعدالة يتناسب و حجم التّهمة التي لفّقوها ضدّي ثم أطلبُ من ذلك القاضي أن يفسخ من ملفّ الإدانة كل الكلام البذيء الذي قذفتُه  فعلا في وجه عبودة شرودة و ذلك احتراما للأخلاق العامّة في الدار السفلى فألسنة النّّاس حرّة في التكلّم و لا يحاسب أحد إلا على الكذب أو الافتراء.  يُنادى الجميع يوم التقييم للمساءلة.فأمّا من اتّضحت براهينه فلا جنح عليه و أما من ثبت أن ادّعاءه اللفظي كان باطلا فيعاقب بالشنق من لسانه يوما أو أسبوعا حسب موازين الكلمات.أحيانا يغفل الناس عن بعض الكلمات فلا يشتكون.

لفّ مراجل عنقه ببرنسه العظمي و تمشى دون أن يخطو خطوة واحدة فتفرّق الضّيوف الفضوليون واستعدتُ راحتي و عدت إلى هيكلي للتثبت والمقارنة و إعادة تأريخ الأحداث.تدبّر مراجل أمره فأحضر شاشة عملاقة يراها كل متساكني الدار السفلى ويمنع النزلاء المعاقبين في  زوايا فردية من متابعة الحدث ويمكن لمن أراد من الدار الأخرى أن يشاهد ظلها ويتبين من خلاله تفاصيل الوقائع وها أنا أرويها بصدق حفاظا على الجيل القادم من لخبطة التّاريخ الذي لا يرحم أحدا.و قد كنت أعرف أن بعضهم سيكتب عنّي في الصّحف و يربح أموالا كثيرة من سرد قصّتي و لكنني لا أحسده و لا أهتمّ بقطع الأرزاق بل أشجّع على الكتابة حتى و إن كنت موضوعها و لا أشترطُ غير الصّدق في نقل الحادثة.

هذه كلية الطب في تونس العاصمة. تجّمع بعض الأصدقاء حول مكتب التسجيل في الإدارة في بداية السنة الجامعية و توسّطهم صديقي محمد الطيب الملقّب بعمّار وكلّمهم بصوت عال:

ــ  لا فائدة في الوقوف أمام هذا الشّباك. لن يسجَّل أيّ طالب ما لم تفضّ مشكلة صديقنا و أشار إليّ بكفه اليمنى.

أطل الموظّف من خلف بلّور المكتب و سأل صديقي عمّا ينوي فعله فردَّ عليه باحتقارٍ مؤكّدا أنه اتفق مع  العديد من الطلبة على تعطيل التّسجيل في الكلية إلى حين إيجاد حلّ لمشكلتي و أكد أن القرار واضح وعليه أن يُعلم الإدارة قبل تصعيد المواقف وتعطيل الدّروس. وبالفعل علمَت الإدارة بتوقّف كامل لكلّ تواصل معها و بدأ الموقف ينتقل من الشّك إلى الجدّية و من القول إلى الفعل.

الطلبة يتعلمون من الشّعوب المقهورة آداب الثورات ويحاولون تطبيقها و يزيدون عنها بعضا من ابتكار اليساريين منهم كالعصيان المدني الذي باركه العديد خاصة أولئك الذين لم يفهموا بعد معناه و الهدف منه.

في اليوم الموالي دعاني الأستاذ عبد العزيز غشّام رئيس لجنة امتحانات تلك السنة.حكيت له القصة بتفاصيلها وما فعله بي بوشلبية فوعدني بأنه سيطلب من هذا الأستاذ أن يمنحني فرصة إعادة الاختبار في مادة الصيدلة المشْؤومة وعدت طائرا بالفرحة إلى الأصدقاء وأعلمتهم بأنني أصبحت بفضلهم رجلا مهما جدا. كيف لا والكلية تستعد لأن تخصص لي امتحانا؟ أنا الطّالب الرّيفيّ البسيط الذي يمشي في الّشارع بلا أكتاف تُفتح لي كلية الطب بإدارتها وأساتذتها و طاقم المراقبين والحرس... كلهم مجندون من أجل تنظيم دورة من الامتحانات لأكون المتسابق الوحيد فيها بل سأكون عريس الكلية و لو ليوم واحد.حملتُ المطلب الذي أمدني به أستاذي المحترم عبد العزيز غشّام و مضيت إلى منسّق المستشفى الأستاذ شرودة عبودة  الذي يحلو للطلبة أن يسمّوه طبيب للّة وكان يومها في قسمه في مستشفى الحبيب ثامر.فكّرت في الطّريق في مستقبل أيامي وانتابني شعور بالفخر وبالاعتزاز ورأيت نفسي طبيبا أحظى بتقدير الناس وأجني الرّحمة لوالديّ.فكّرت في تديّن بعض الأموال لأشتري لباسا لائقا و محفظة جديدة و قررت أن أذهب في صبيحة اليوم الموالي إلى ابن خالتي حمّادي الخياط ليأخذ مقاساتي ويحفظها عنده وليعلّمني كيف أعِدّ ربطة العنق. سأتظاهر بالمرور به بلا سبب فربما أهداني الكسوة أو جعلها فاتحة لفترة جديدة من العمل المشترك مع زبون هام ...تمنيت لو كان في بيتنا هاتف لفرّحت أمي التي تنتظر توظيفي و تشتاق إلى وصول أول راتب لتطلق زغاريدها في الحي إيذانا بأن الله فرّج كربها و تأكيدا على أن الصّابر ينال وشماتة في عمّي الذي لم يكتف  بمنع أبنائه من مواصلة تعليمهم بل جاء إلى أبي يوم حصلتُ على شهادة السيزيام ليطلب منه أن يعفيني من مواصلة الدراسة حتى أتفرغ لإعانة العائلة.أمّي تتذكّر جيّدا فعلة عمّي وتذكّرني بها في كل مناسبة.

لم تمرّ و لو حافلة خاصة بالطلبة فأمتطيها إلى مستشفى الحبيب ثامر حيث أجد أستاذي المحترم عبودة شرودة في انتظاري ليمضي على ورقة تمكّنني من اجتياز آخر امتحان في حياتي . الحافلات تتواطأ مع بوشلبية ضدّي فتتخلّف عن مواقيتها.ربّ ضارة نافعة...سأرتاح قليلا فالحذاء أصبح يؤلمني من وراء الفتحة التي أصابته على إثر إحدى العثرات...غدا سيكون يوما مشهودا و حافلا بالمشاريع...عليّ أن أقسّم الوقت من الآن و أن أختصر المسافات فأضع خطة كاملة للأنهج التي سأمرّ منها والإدارات التي سأدخلها...البداية تكون بالبنك فهو يفتح أبوابه قبل غيره من الإدارات...لا بد أن أفتح حسابا لراتبي و لا بدّ أن أطلب من رئيس فرع البنك دفتر شيكات بخمسين ورقة...فتح الحساب البنكي لا يحتاج إلى كثير من الأوراق ...نسخة من بطاقة الهوية و شهادة عمل...سأتسلمها من إدارة الكلية حالما أنتهي من مشكلة شهادة الصّيدلة...إذن لا بد من تأجيل الذهاب إلى البنك ليوم واحد... عليّ أولا أن أتسلّف عشرة دنانير على الأقل لوضعها في الحساب...هذه سهلة. الأصحاب وأبناء القرية و حتى تاجر الحيّ كلّهم مستعدون لمنحي ما أحتاج من دين لتصريف أموري...لن يخاف أحد على أمواله ما دام الراتب على الأبواب...بالعكس فقد يتسابقون إلى إعانتي طمعا في عيادة مجانية أو بعض الدواء أو في قضاء شأن آخر عندما أصبح من أعيان الناس.لا أنكر أنني أنوي تقديم عيادة أسبوعية لأهل القرية حالما أتخرج من الكلية وسأكون عند وعدي لهم و عند حسن ظنهم... لا تكلفني العيادة شيئا و قد أجني منها وافر المحبة وأُسكتُ بها بعض الألسن التي يرعاها الحسد.الآن عليّ أن أكون عمليا...أبدأ بوضع برنامج لصرف الراتب قبل أن تفاجئني  وزارة الصحة بتنزيله في الحساب...و علي أن أحسن التصرّف فيه و أن أرتّب الأولويات .تحسين حالة العائلة تتصدر كل شيء...الوالد والأم أولا ثم الإخوة و العمات والخالات إذا بقيت بعض الفواضل.سأشتري ملبسا جديدا لأمّي وسأحمل أبي إلى طبيب الأسنان ليضع له طاقما جديدا فقد اشتكى أكثر من مرة من فقدانه لحاسة التذوق ثم أشرع في  تغيير المطبخ تلبية لرغبة أمي الدفينة...أنا أعرف إبداعها في الطبخ وأتخيل الكبت الذي تعانيه من جراء قلة ذات اليد...سأطلق أصابعها و أشتري لها كل ما يلزم لطبخ أكل لذيذ في أواني جديدة و لن أقول لها إن الأكل اللذيذ يطبخ في الأواني العتيقة فهي ستسخر مني.ولن أحرمها من إتاحة الفرصة أمام الجيران لشمّ أكلاتها بل عكس ذلك سأفتح شباك المطبخ الذي سأبنيه مقابل الباب حتى يسهل انتشار الروائح في مجرى الرّياح... ستعجب أمي كثيرا بهذه الفكرة وستتباهى بالمنزل الجديد ...قد أترك بيتنا الحالي ذكرى لأيام الدفء و الفقر فهو لن يعمر طويلا على أية حال إن نحن  تركناه دون ترميم سأتعمّد إبقاءه على حاله و لن أُلبّي رغبة أبي الذي يفكّر دائما في البيت العتيق . لن ألبّي رغبته و لن أقولَ له لا...هذه قاعدة أعرفها...سقف البيت من حطب وجدرانه من طين وسيسقط في أول شتاء عاصف.لا يهم أنا أحفظ البرنامج الأولي فأمّي ستتخذ من  مأوى السيارة مطبخا في البداية لأنه يفتح على الطريق وهي تريد أن يرى المارون مطبخها المؤقّت و أن يتخيلوا الجديد.لن أقول إنني لا أريد سيارة بل أجّلت شراءها إلى ما بعد الخطوبة  ...أو ربما تأتي زوجتي  بسيارتها فتريحني من المصاريف الزائدة.الأولويات تتحكم في الاختيارات وبإمكاني أن أختار مرة واحدة زوجة بسيارتها وكفى الله المؤمنين شرّ القتال...ما أصعب الاختيار عندما يفاجئنا الوقت بقصره.

ياه...كيف نسيت جارتنا و نصيبها من الراتب...مع إنها تحبني و تدعو لي دائما بالنجاح:

ــ إن شاء الله نعيش و نراك أكبر طبيب...

لا يحق لي أن أنساها فهي تحبّ أمي وتشتكي إليها عقوق أبنائها.

طرقتُ الباب وسلّمتُ بصوتٍ مرتفع على أستاذي عبودة شرودة وسلّمته ورقة الاختبار ووقفت أمامه شبهَ مُنضبط نِصف محترم .قرأ الرسالة و تثبت جيدا من ختم إدارة الكلية ثم نظر في وجهي و تفحص في عينيّ و كأنه يستعيد منهما ذكرى بعيدة و ردّ إليّ الورقة بدون إمضاء.اعتقدت أنه لم يفهم حقيقة الأمر فبيَّنت له أن لا شيء يمنع من إجراء امتحان استثنائي و أن أستاذ المادة موافق و مثله الإدارة و أن إمضاءه يعدّ من الشّكليات وأن لا شيء يحرجه فقال:

ــ تذكّرتك...فهمت... و لا أمضي.

رجوته وحاولت استعطافه و بكيتُ بسرعة لأخْتصرَ كل المسافات فقال لا. طلبت منه تفسيرا لرفضه فقال لا. تنازلت عن كبريائي و اعتذرت عن ذنوب لم أقترفها فأضاف لا مرة أخرى و أشار بيده إلى الباب وتأهّب للخروج كمن يسعى إلى طرد ضيف ركيك:

ــ تفضّلْ خارج القسمِ.

صمتّ و نظرتُ في عينيه متوسّلا. لم يتحرّجْ أبدا من نظرات المَسْكنة و صاح:

ــ أُخرجْ من فضلك يا أيها الطّالب الصحفي.

تشبثت بالصّمت و وقفت كما يقف الطفل أمام أبيه بعد فعلة دنيئة.

ــ قلت لك اخرج من مكتبي و من قسمي فلي عمل. ألم تفهم يا بليد.قالها بالفرنسية لتكون أكثر وقعا عليّ.

ــ لن أخرجَ فأنت منسّق المستشفى و من المفروض أن تدافع عن طلبتك دون إهانة.

صاح مرة أخرى و بأكثر حقد:

ــ ارحلْ من هنا.

و تقدم نحوي محاولا دفعي.تسمّرتُ في الأرض كالتّمثال فلم يستطع زحزحتي من مكاني. استجمع قُواه و تراجع خطوتين ليعود نحوي بأكثر قوة.قرأت حركاته بسرعة و هيأت نفسي كما يفعل الملاكم على الحلبة واعترضْتُه فلم يفلحْ في تحريكي سنتمترا واحدا.شعرت أنّه اغتاظ كثيرا و أنه يتهيأ لتعنيفي رفع يده في اتجاه وجهي و كنت حاضرا جاهزا مستعدا للرّد فانهالت يدي على رقبته وأمسكته من ربطة العنق وصحت في وجهه.

ــ أنا قاتلك قاتلك  يا ساقط يا قوّاد وسيلة.

و رأيت وجهه يحمرّ و يزرقّ فبصقتُ على عينيه وتركتُه بحذر يتأخّر إلى الخلف.أسقط نظاراته عمدا أو هكذا خيّل إلي وأطلق صيحة استغاثة فجرى كبير الممرضين وآخرون و جرى زملائي القدامى وأخرجوني مرفوعا بين أذرعهم وأنا كمنْ لا يدري ما فعل.

هي أول مرة في حياتي أُقْدم على مثل هذه الأفعال.

يفعل القهر ما لا تفعله الشّجاعة.

عبودة  لن يتجرأ على أن يشتكيني إلى الإدارة مخافة أن يعلم زملاؤه بأنني بصقت عليه و قد يشمتون فيه فهم يكرهونه ويدركون أنه غير صادق في عمله أعرف إنه سيبتلع الفضيحة و لكنه سيكيد لي. أعرف هذا.

عدت إلى الأستاذ عبد العزيز فحكيت له بصدق وتفصيلٍ وخجلٍ و بكيْت أسفا على سوء معاملتي لأستاذي وبكيت من شدة الغبن و بكيت من الظلم وبكيت أسفا على أمي التي أرضعتني الأدب والطاعة و فطمتني قبل أن أربّي أنيابا.لا حاجة لي  بثدي الذي لا يعلّمني العناد.

و كسبتُ المعركة الأولى و حدّد لي أستاذ المادة المشؤومة موعدا في القسم الذي يرأسه في المستشفى. جئت في الموعد براحة تامّة و بلا خوف من امتحان جديد فأنا أحفظ المادة بفصولها.جئت في الموعد أو قبله بساعة تقريبا وأنا متلهّف لتفكيك رموز حكاية و لنفض الغُبار عن غرابة استفحلت و تعاظمت حتى فاقت الاختبار.

أجلسني في مكتبه وأمْلى علي خمسة أسئلة ومضى ليتفقّد مرضاه ثم عاد بعد ساعة.قابلني وقال:

ــ الحكومة قرّرت إلغاء صندوق التّعويض على المواد الغذائية الأساسية.

أجبته بأنني لا أدري فأضاف:

ــ أنت مسؤول عن الصفحة الاجتماعية في جريدة الرأي ولا علم لك و الحال أن الملفّ الرسمي في مكتبك.

ــ لا أملك مكتبا في الجريدة يا سيدي و لم أذهبْ إلى مقرّها منذ أكثر من شهر فأنا مشغول بمشكلتي في الكلية. قال:

ــ أنت طالب مجتهد و متميّز في كل المواد وإجاباتك على الأسئلة في الامتحانات السّابقة خير دليل ورغم ذلك فباستطاعتي دعوتك في كل دورة للامتحان وباستطاعتي أيضا تركك تنتظر سنوات أخرى ولكن... يكفيك.

يكفيك...يكفيك...ماذا تعني في علاقة الأستاذ بتلميذه؟

هل شبع نكالة في؟

هل أفرغ ما في جعبته من حقد ؟

هل تغيّرت الشّماتة إلى رأفة؟ أم  عاد في لحظة من لحظات التجلّي إلى رشده؟

ربما أحرجه رئيس لجنة الامتحانات بأسئلة موجهة فخجل أو خاف.لا يهمّني إن وافق اختيارا أو اضطرارا فالمهم بالنسبة لي أن يرضخ.و لو أنني أرجّح كفة الخوف فهؤلاء الوصوليون يخافون أسيادهم ويسعون دائما إلى إرضائهم ولا بد أن يكون الأستاذ عبد العزيز قد أنّبه وأنّب معه عبودة شرودة. لقد أجبره رئيس دورة امتحانات تلك السّنة على تغيير موقفه منّي و ربّما هدّه برفع امتحاناتي السّابقة إلى لجنة محايدة لإعادة إصلاحها و فتح الملف خارج الكلّية. هؤلاء الأساتذة جبناء تربّوا على التملق للسّلطة وعلى تقديس من يكبرهم مركزا أو درجة فيصبون مركّبات النقص التي يحملونها في البسطاء من تلامذتهم وها أنا قد كنت ضحية هذا الكبت.

علقت بكلمة واحدة قبل أن أنصرف:

ــ لا أستطيع إلا أن أشكرك يا سيدي.

يشكر المظلوم ظالمه. و الشكر يكون أحيانا أشد قسوة من العقاب خاصة لمن يستفيق ضميره فجأة. من يدري؟ ربما انتفض ضميره فأنّبه و لو للحظة عابرة. ألم أفعلها أنا بعد أن خنقت عبودة شرودة؟

تركته مع ضميره علّه يستمرّ في عقابه طول العمر ومضيت محتفلا بنجاحي.

أوعز إلي مراجل أن أترك له هذه الخلية المتكلسة لأنه سيحتاجها في محاكمة قادمة مختلفة فمحاكم الدار السفلى تقول كلمتها نهائيا وليس هنالك استئناف ولا تعقيب و لا اعتراض و لا طعن.يصرَّح بالحكم ويمنع الرجوع إلى الدفاتر التي استعملها القاضي بغية إعادة النظر في نفس القضية.غير أنه يمكن استغلال ملف ما في قضية أخرى كما هو الحال بالنسبة لخليتي المتكلسة التي طلبها مني مراجل. انفردت به و حدثته بصوت منخفض.

ــ قل يا صديقي لماذا سعت إدارة الكلية إلى إجراء امتحان خاص بي؟

رد مراجل موضّحا.

ــ الكلّية كالحكومة تمرّ بفترات ضعف و فترات قوّة وقد كنتََ يومها محظوظا فإدارة الكلية كانت في موضع اتّهام و شكّ .عندما أثيرت مشكلتك  كان كاتبُها العام قد تلقّى رشوة من طبيبة متربصة و سقط في الكمين الذي نصبه له زوجها الذي يعمل في سلك الجيش و افتضح أمره فأخرجوه أمام الطلبة وتركوهم ينعتونه بشتّى النعوت و يصفقون و يتغنون بخروجه سارقا إذ تابعوه إلى باب المستشفى و هم يردّدون:

يا سيدي ما احلى لي عرسه بالعواده.

بالعواده الله لا يقطع له عادة.

و نخاف عليه خمسه و خميس عليه.

اغتنمتُ الفرصة و سكبتُ بين يديه شهادة أخرى عن الكلية فتقبّلها بسرور و رغب في استغلالها و بيعها لمن يرغب في الحصول على حق أضاعه قلت:

في تلك السنة بالضبط جلسَتْ لجنةُ الامتحانات وشرعتْ في قول كلمتها في نتائج آخر السنة الجامعية و فرْز الناجحين.قدمَ الوزير الأوّل و اجتمع بعميد الكلّية وحاشيته و طلب منهم أن يمكّنوا أكبر عدد من الطلبة من النّجاح بالإسعاف فكان له ما أراد ونجح  ابنُه بالإسْعاف طبعا و فُتِحت أمام الكلّية إمكانيات جديدة للتشفي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

16 ــ من ينقذ من؟

 

 

 

 

 

 

كلفت الحكومة المخبرين و أسطول القوّادة من أطفال الحزب الحاكم و طلبت من أئمة المساجد أن يُفْتوا في القبض على روحي وطبعت جرائد الدّولة صورا موحشة تشبهني و نسبتها لشخصي و رصدت جائزة هامة لمن يأتي بروحي حيّة أو ميتة واستعانت في البحث بفرق خاصة استقدمتها من أمريكا قالت إنها تعرف مسالك الأرواحِ في الدّهاليز المبنية حديثا وتفرزُ الميِّتة منها عن الحيّات.

هذه الحكومة تحذق اللّعبَ على الحَبليْن في نفس الوقت وتُحدّث النّاس بخطابين مزدوجين، خطابِ الحرّيةِ الذي قرأته في الكُتب السّماوية و السّياسية وخطابِ السِّجن الذي تعلّمته بالممارسةِ عندما ألْقي القبضُ على عدّة عناصر منها متّهمين بالإجرام في حقّ الحرّيات وفي هذا مفارقة كبرى و تقوم بفعلين مختلفين: تفصل الرّوح عن الجسد و تقوم بتعذيب كل واحد منهما على حدة  وتتظاهر بالعفّة فتستدعى الرّوح للشّهادة في أمر لا يهمّ سواها.كأنّها ندمت عن فعلتها فصارت تجنّد رجال الدّين والسيّاسيين ليخطبوا في النّاس و يدعوهم إلى البحث عنها وتسليمها بمقابل. الحكومة في حاجة إلى الرّوح للشّهادة وبإمكاني  أن أرفض و أستغلّ هذه الفرصة للشّماتة فيها و للتّشفي من البوليس. فهل أترك إصبعها تحت الضّرس الموجِع و أشْترطُ ما أشاء؟ علّمني حسيب مدير الجريدة أن أختار الفرصة المناسبة للضّغط على السّلطة و كان يسمّيها فرصة الرّكوب إذ كلما انشغلت الحكومة بجماعة أو بحزب أو بحادثة أو بتنظيم وتظاهرت بالترفّع أو بالديمقراطية تغاضت عما ينشر في الجريدة دون محاولة لإثارة الغبار و لا جلب لانتباه الشامتين و في أحسن الأحوال تسجل التهمة في درج خاص إلى يوم آخر و تؤجل الحديث عنها. وكنت عملت بهذه النّصيحة عندما نشرت القصائد المرّة. وهاهي الدولة برئيسها وبقاضيها و مفتيها وربما بكامل شعبها تنتظر شهادة روحي على مصير صديقي الملازم الحبيب فجميع الجلسات التي نصبوها ضدّه كانت مغلقة و حامت حولها شكوك عديدة وهي في نظر القضاء لا تساوي شيئا بل إنها مفتوحة على التأويل و على المغالطة.القضاة ارتبكوا في أحكامهم ولم يحسنوا اختيار الفصول الملائمة للحكم و هذا سبب وجيه لإعادة القضية إلى أصلها نظرا لما وقع فيها من أحداث جديدة و نزولا عند طلب إعادة المحاكمة الذي رفعه محامي الملازم. و لا بدّ إذن من دعوة شاهد نزيه يغيِّر مجرى التاريخ في الدارين هذا الشاهد لن يكون سوى الرّوح التي انتزعوها مني بدون محاكمة.

في تلك الليلة من ليالي منع الجولان كان الملازم حبيب يقوم بعمله برفقة عون. استوقف العون سيّارة تاكسي وطلب من الفتاة التي بداخلها أوراق هويّتها فقالت إنها لا تملك أية بطاقة و قالت إنها جاءت إلى المدينة لمقابلة رجل يعمل في النزل و امتنعت عن ذكر اسمه. طلب العون من صاحب التاكسي أن يحملها إلى النزل و أعلم الملازم وكان جالسا في السيارة على بعد أمتار فاستحسن رأيه وقال إنه سيتفقِدها في النزل حيث يقطن هو منذ أن تحول إلى نابل.

بعد يومين طلب وكيل الجمهورية من الملازم أن يمثل أمامه ففعل سأله عن سبب توقيفه لفتاة والاعتداء على حريتها الشخصية و منعها من مقابلة من تريد.اغتاظ الملازم كثيرا و حدّث نفسه: هكذا بدون سابق إعلام تشرّع نوافذ البلاد على احترام الإنسان و صون حقوقه.هكذا وبدون مقدمات تُصبح الحكومة ساعيةً إلى حِفظ كرامة المواطن وهكذا أيضا تبدو حكومات الدول المتخلفة حريصة على ضمان حقوق الناس متى شاءت وتدوسها متى شاءت. جابه  الملازم وكيل الجمهورية بأنّ الفتاة كانت خطيبته سابقا و أن العون  تصرّف معها حسب ما تقتضيه حالة  منع الجولان السّارية في المدينة ولم يحِدْ عن تطبيق الأوامر و أنّه لم يكن نذلا إلى هذه الدّرجة ليخون عرْفه الأوّل خال خطيبتِه المتّهم بها. تذكّر وكيل الجمهورية يوم تطاول عليه هذا الملازم بالذات ومنعه من توقيف سيارته في الشارع الذي سيمرّ منه موكب الوزير الأول في مدينة نابل. اعتذر الملازم وتعلّل مرة أخرى بتطبيق الأوامر فعلّق وكيلُ الجمهورية.

ـ في كل مرّة تتعلل بتطبيق الأوامر .و على حدّ علمي لا أحد  يُعطي الأوامر غيرك. ثم أرسله إلى حاكم التحقيق فاكتفى بكتابة بعض الأسطر و أعاده إلى النيابة العمومية لتتولى توقيفه و إيداعه السّجن.

في صباح اليوم الموالي بانت التهمة واضحة: اغتصاب فتاة  سنّها دون العشرين سنة.

ثمّة خطأ ما ارتكبه حاكم التحقيق أو ربما قصده ...ربما

ثمة خطّ معوجّ لا يستطيع تتبّعه إلا القضاة و هذا يكفي لرسم جميع الخطوط المؤدية إلى الهدف وهو واضح وجليٌّ.

ربما أرادوا، هكذا في المطلق، توريط الملازم.

ربما أرادت نورة أن تثأر لنفسها من خطيبها السابق وهذه مسالة شخصية تستوجب الارتشاء المادي والجسدي.

ربما اتفق وكيل الجمهورية مع خال نورة على تأديب الملازم و لم يجدْ أحسن من نورة لتأدية المهمة.

لا شيء واضح غير الضّحية و المتّهم.

تقرّر أخذُ رأي الطّبيب الشّرعي.

أقام الملازم الدنيا و غربلها للبحث عنّي وكنت حاضرا لتأدية المهمة. وصلني اسم الطبيب الشّرعي لا غير والبقيةُ فهمتها بسهولة فنتيجة الاختبار ستحدّد مصير المحاكمة. والمهمّة موكولة على عنقي.فهل أستطيع أن أنقذ صديقا كان قد أنقذني سابقا؟عليّ أوّلا أن أتدبّر الأمر وأن أسجّل نفسي في تربّص في قسم الاختصاص وكان لي ذلك بسهولة.

لبست ميدعتي و دخلت قسم أمراض النّساء وسجّلت اسمي في التّربص هنالك و رغبت في البقاء إلى جانب الطبيب رئيس القسم أساعد و أسأَل و أتعلّم وأسجّل ما ينفعني مستقبلا .اهتمّ بي الطبيب جيدا فقابلتُ اهتمامه بالانضباط حتى أصبحتُ محلّ ثقته  وأعجِب بعملي.

وصلتْ نورة صباحا فلمْ تتعرفْ عليّ أو ربما تجاهلتني و هذا لا يعنيني في شيء.فحص الطبيب الشّرعي نورة وكنت حاضرا أراقب بكل انتباه وأسجل ما يهمني في التربّص وحالما غادرتْ سألتُ أستاذي عن حالتها فأجابني بأنّها متعوّدة على ممارسة الجنس فاجتهدتُ ونجحتُ في كتمان فرحتي. وسألته مجددا :

ــ و ماذا أيضا يا سيدي؟قال:

ــ عمرها أكثر من عشرين سنة خلافا لما جاء في محضر التسخير و هذا أمر يجب التّنصيص عليه نظرا لقيمته في مثل هذه الحالات.

شكرت أستاذي على نزاهته و غادرته باحثا عمن يوصل المعلومة إلى الملازم و كيف سأوصلها و أنا محكومٌ بالمحافظة على أسرار المرضى و قد أعرّض نفسي للمنع من ممارسة مهنة الطّبّ،

تصدر في الجرائد اليوميّة قضايا مشابهة.تناولت إحداها وأضفت في أسفل المقال تعليقا يوضّح ما يشبه حالة نورة...فهمه حامل الجريدة و كذلك الحبيب و سيفهم المحامي عمله. 

توالت المحاكمات المغلقة و ورد في بعضها أن الفتاة فعلا قد تعدت العقدين بثلاث سنوات و نصف السنة وإنها متعوّدة على ممارسة الجنس و قد أقدمت على الإجهاض أكثر من مرة و لم أدر كيف وصلت كل هذه المعلومات إلى النّاس و لم أعرف من أعلم زملاءنا الطّلبة بسيرة نورة فأصبحوا يسمّونها نوّارة سهلة الشمّ وبعضهم نعتها بتاكسي الكلّية لأنّها معروضة دوما للرّكوب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

17 ــ أنا الخبزيست مرّة أخرى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من واجبي طبعا أن أستغل مواهبي و مؤهلاتي لأحصل على ما أريد.تعلّمت الآن كيف أستعمل معارفي وأصحابي ورجال السّلطة و القوّادين والأذيال.

بسرعة تكاثر أقربائي و تناسلوا فامتدت أغصان العائلة و أنبتت شجرتها فروعا جديدة حتّى أنّني لم أعد قادرا على التّفريق بين أبناء عمومتي و أبناء أخوالي.

بسرعة أيضا نهضتْ من الذاكرة أيامُ الدراسة فحملتْ إلي أصدقاء الصّبا و كنت نسيتهم و كانوا نسوني أيضا فجمعنا فضل المسؤولية و عدنا أطفالا نحكي لبعضنا بطولات  لم نعش أكثرها.

تقبّلتُ كل من صافحني و وعدته بقضاء شأنه.مددتُ أعتابا واسعة أمام منزلي حتّى تَسع خطوات الجميع، أطلقت الحبال ليسرح الكلّ و أعددت حفلات شاي كثيرة اختلقتُ لها مناسبات وهميّةً.أحتاج لكل هذه الوجوه.

و على قدر كثرة الطُّعم يكون الصّيد.

سألت عن أكثر البنوك كرما و نشاطا  فقصدتها وفتحت حسابا ببطاقة هويتي الجديدة. منحني البنك وبسرعة عجيبة قرضا مهمًّا و بفائض صغير و قال مدير البنك وهو يمضي بالموافقة.

ــ هذا القرض مخصّص لتحسين الهندام.من حقّ كلّ  مسؤول حكومي أن يتمتع به فلا هو منّة من الحكومة ولا هو صدقة من رئيسها.انه حقك الطبيعي يكْفلُه لك القانون.قد تستكثر على نفسك هذا القرض فلهذا أقترح عليك استثماره في السّوق الماليّة.أغلب زملائك يفعلون هكذا، ما إن يحصلوا على القرض حتى يكوّنوا شركات و يبنوا مصانع و يدخلوا السوق ليصبحوا بسرعة من أثرياء السلطة.نحن نتكفل بكل شيء،أنت تمضي لنا في الترخيص و نحن نحاسبك على المرابيح.

أمضيت على كل الأوراق و اكتفيتُ باقتطاع قسط صغير من القرض درءا لكل اتّهام وفتحت حسابا خاصا بالبقية و صافحت مدير البنك و تركت أمامه بطاقة الزيارة وعليها رقم هاتفي الشخصي لأنني أدرك أنه سيحتاجني لإعادة المعروف.

القسط الذي استبقيته يكفي لتجنيد بعض الرجال كهمزات وصل بيني و بين كلّ من يرغب في قضاء شأن ما مقابل أتعاب...أنا لا أرتشي مباشرة بل أستخلص أتعابي.أرسلت همزة وصل إلى الدّيوانة حيث سوق الدفوعات نشيطة و كلفت واحدا بسوق الجملة ولم أنس الطريق حيث الشّاحنات لا تتوقف عن المخالفات.أجتمع بالأعوان فرادى لأعوّض لهم بطاقات الزيارة التي فرّطوا فيها للراغبين في خدماتنا  وليحاسبوني أيضا فأسلّمهم بدوري منابهم و مناب العيون التي نصبتها وراءهم مخافة الخيانة أو السّرقة.الحكومة علمتني بسرعة كيف يحترس الواحد من الآخر فيحرسه.  

أعلمني أحد الأعوان الثقات بموعد حفل زفاف ابنة الوزير الأول فشكرته.و دفعت له أجره وتأنقت ووضعت ما يروق من العطور و حجزت إقامة مفتوحة للعروسين في أحسن النزل و حضرت الحفل ...كنت حريصا جدا على أن أظهر في الصّور التي يلتقطها الصحافيون. همستُ إلى أحدهم بأن يلتقط لي صورة مع الوزير الأول عندما أقوم بتسلميه الرسالة التي حَوَت بطاقة الحجز وطلبت منه أن يستخرج مائة نسخة من الصورة فتشجع و أبدى حرصا كبيرا على ألا تحوي الصّورة إلا الوزير وأنا،المعتمد لديه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

18 ــ خارج الصّف أفضل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في آخر ليل مقمرٍ في الدار السّفلى سمعت صوتا عرفتُ صاحبَه لأول وهلة فالأصواتُ المخزونة في الذاكرة لا تضيع أبدا و هي تتبخّر في المكان فلا يقدر أحد على اصطيادها.مراجل نفسه لا يستطيع القبض على الأصوات و هذا الشيء يقلقه و يجعله يشعر بالنّقص والضّعف.انه صوت صديقي إدريس الشاذلي يقترب مني.جريت على ساق واحدة لأسرع أكثر و احتضنته بهيكلي.كان لحمُه لا يزال طريًّا إذ لم يباشر الدّود عَملَه فيه فرجوْته أن  يُمهله يوما حتى أحسنَ وفادته و آخذَ عنه بعض الأخبار أو أتسلم ما تفضل  الأهل والأصحاب بإرساله إلي من أمتعة أو ذهب أو أوراق قد أكون نسيتها في الدار الأخرى.وسمحت لنفسي أن أناديه هذه المرة باسمه الحركي في القرية فصرخت : مرحبا سيدي مدير التنمية البشرية في البرادعة. انتفض و أجاب على الفور :نعم

 أعلمني إدريس إنه انتقل إلى جواري انتقالا رسميا و هو لا ينوي العودة إلى دار الباطل كما سماها فقد كثر فيها النفاق و التملق للسلطة وجاهرت الحكومة بعدائها للشعب الذي حملها مكرها على أعناقه لسنين عديدة فزادت من وطأتها و من احتقارها له.رحّبتُ به وحملته إلى مراجل لنتثبّتَ من تسجيل اسمه في قائمة السكان الدائمين فلمْ نعثر عليه و هذا الشأن يبطل إقامته النهائية في الدار السفلى ولهذا وجب إعداد ملفّ الإقامة مرفقا بتهمة تليق بالحدث  ثم مدحت أمامه مراجل وقلت له إننا ننوي مناشدته ليترشّح لولاية أخرى ضمانا للتّواصل وحرصا على تمكينه من وقت كاف لإنجاز برنامج تنمويّ طموح ينظّم الحياة في الدّار السّفلى ويحفظ لنا علاقات طيبة مع الجيران و لإتاحة الفرصة أمامه لاستكمال مشروع البناء الديمقراطي الذي شرع في إعداده معتمدا على دستور البلاد القديم و مستعينا بالأفكار الجديدة لأصحاب اللّّحى و الشّعور.

قال صديقي إدريس إن قصتي مع الأستاذ عبودة شرودة انتشرت بين الأهل و فاحت بسرعة الخبر المشؤوم ووصلت إلى مسامع القاصي و الداني وطلب مني أن أسرُد له الحكاية ليبيعَها إلى سماسرة الكلام العاملين في صحافة العار المأجورة و إلى الألسن الخبيثة التي تعوّدت على زيادة الخبر مساحة في كل بيعة حتى متى فاق الثمن أضعافَ رأس المال باعَت أخبارها وأسرارها. عرفت أن مراجل وعدَ الشّعب العام بنسخة أصلية منها فقلت للشاذلي خذ ورقة من خلاياك التي لم تتكلس بعدُ ففعل و أخذ حجرا فبراه جيدا بأظافره ثم شرع يكتب ما أملي عليه تعبتْ أصابعُه من الكتابة و انتهت مساحة الخلية والحكاية لم تنته فتركته جانبا و حفرت في ذاكرتي وكان الضيف يساعدني في تذكّر بعض التواريخ إلى أن عثرت على عبودة شرودة يرأس اللجنة الفنية للامتحانات و كنت واقفا بجانب السبورة الخضراء في مستشفى الحبيب ثامر وكان كلما طرح علي سؤالا لا ينتظر الإجابة بل يقفز إلى سؤال آخر طمعا في إيقاعي في الخطا و كان له ما أراد. غادرتُ القاعة غاضبا فلحق بي جريا إلى بهو القسم ورأى نائبتَه قادمةً من الجهة المقابلة فقفز كالطفل المجنون وصاح:

ــ نزيهة  نزيهة  لقد حطّمتُه

نظرتُ إليه باحتقار و قلت:

ــ جِبت الصّيد من وذنه.....

و قطعتْ نزيهة عني حبلَ الكلام لتتقي ردّة فعلي ولتحمي رئيسها منّي.فلقد كانت تعلم ما صدر مني يوم رفض إمضاء ورقة الامتحان.غادرت القسم بكل هدوء ومضيت إلى إدارة الكلية لأطْلُب منها أن تحترم القوانين وتغيّر اللّجنة الفنية التي سأمثل أمامها في الدورة الثالثة..لم تسعفْني الإدارة ولم تنصفني بل تظاهرتْ بعدم الفهم فقصدت الله إلى الوزارة و قابلت كاتبةَ الوزيرة و كان الرّدُّ صريحا وواضحا ومهدّئا إذ أوعزتْ إليّ الكاتبة بأنّ الوزيرة لن تكْسرَ خاطرَ طبيب زوجة الرئيس الزعيم ونصحتني بكل لطف أن أنظر في طريقة أخرى توصلني إلى حلّ سلمي لمشكلتي فانسحبتُ منهزما دون أن أخوض و لو معركة واحدة.

لا نملك جرائد و لا هواتف و لا تلفازات في الدار السفلى فالأخبار تنقل عبر المشافهة و الرواية وأحيانا تثبت على جدران المأوى و هذه الأخبار لا يمكن قراءتها إلا بعد تأشيرة من مراجل فليُّ العُنُقِ للقراءة يعرّض صاحبَه للكسْر في العمود الفقري وليس هنالك لا جبس و لا أدوات لجبر الكسور فإذا ما أصيب أحد بكسر في عظم من عظامه التجأ مراجل إلى طلب الإسعاف من الدار الأخرى و قد يجبره إلى تجنيد حارسين للمريض يرافقانه طيلة إقامته في غرفة الجبر أو المداواة. و هذا لا يرضيه طبعا فأصدر أمرا لتحاشي الإصابات العظمية و أصدر أمرا آخر يفرض على الجميع مساعدة بعضهم البعض على الوقوف للقراءة واشترط تقديم مطلب مسبق إليه مباشرة ليعيّن بنفسه المساعدين. أما الأخبار التي تصل من الدار الأخرى فهي دائما صحيحة وثابتة وصادقة وهي صفات تستأهل التكسير من أجل الحصول عليها والوصول إليها.

جاءنا ضيف مهمٌّ و ادّعى أن الرئيس الزعيم غضب من زوجته عندما تأكد أنها تتجسس على لقاءاته ببعض وزرائه فأطردها من القصر و لكنها لم تغادر محل الزوجية إلى منزل والديها كما تفعل النساء عادة وإنما تظاهرت بالمرض فأودعوها في مصحة شمال العاصمة و كان على طبيبها عبودة شرودة أن يلازمها و يبيتَ بجانبها ليسهر على صحتها. في تلك الأثناء فتحَت الكلّيةُ جوْلة أخرى من الاختبارات الفنّية فنجحتُ بسرعة ولبستُ ميدعة الطبيب المتربص لسنتين شرعت خلالها في إعداد شهادة الدكتوراه بانضباط وجهد وحان موعد مناقشة الأطروحة فحرّرت عشر دعواتٍ باسم الأستاذ عبودة شرودة وحده وضعتُ أولاها عند كاتبته الخاصّة بعد أن ضحكْتُ  لها كما كنت أفعلُ طيلة أيام التربّص وأخرى مرّرتها تحت باب مكتبه المغلق دائما و تركتُ ثالثةً عند قيّم القسم الذي استنجد به يوم خنقته و أرسلت  إليه واحدة بالبريد ولم أنس أن أترك له دعوة عند بوّاب المستشفى وأخرى في إدارة الكلية وواحدة في صندوق بريد الوزارة و كلها تحمل نفس النّص: يسعدني حضوركم مناقشة أطروحة الدكتوراه التي سأنالها إن شاء الله بجهدي واجتهادي وأدعوكم إلى المساهمة في إحياء الحفل علما و إن الحاضرين لا يناقشون الأطروحة.

و لم يأت عبودة شرودة خوفا مني فلم  أن أنجز السيناريو السّاخر الذي أعددته لاستقباله استقبالا يليق بمدى الاحترام الذي أكنُّه له و لم أتمكن من التلاعب بالقسم الابوقراطي.

و نلتُ شهادة دكتوراه الدولة بامتياز مرفقا بشكر اللجنة وبتشجيع جميع أعضائها.

بعد أيام  تقدمت بطلب انتداب إلى وزارة الصحة العمومية وقوبِل طلبي بالرفض بإيعاز من وزارة الداخلية وكان الرّدّ موجعا.حاولت مرات أخرى و في كل مرة تقوم كتاباتي التي كنت نشرتها في جريدة الرأي حاجزا بيني و بين الانتداب وظلّت تتبعني كاللّعنة.

ارتعد صديقي الشاذلي عندما رأى اسمه منقوشا في أسفل الخلية فأشار علي بالبحث عن سبب ذكره وخاف أن يكون أحدهم قد وشى للحكومة بأنه كان المدبّر الرئيسي لعملية هدم سياج السّوق الأسبوعية في القرية. تثبتنا من الأمر جيّدا فرأينا القرية في مهرجانها الصّيفي الذي أسّسناه و رأينا عمران العتري والي المهدية يفتتحه بخطبة سياسية مجّد فيها الحكومة والرئيس و الحزب والشُّعب الحزبية وأثنى على الوجوه الدستورية الموجودة في القرية فأغاظني كلامه كثيرا وفكرتُ في الانسحاب مع بعض الأصدقاء لكنني خيرت المواجهة فما إن منحني الكلمة لأقرأ ورقة المهرجان حتى تشابكتُ معه وأعلنتُ رفضَ هيئة المهرجان حشر اسم الحزب الاشتراكي الدستوري في نشاطٍ لم يساهمْ فيه بل تهجّمت على رئيس شعبته في المكان و اتهمته بالكذب و باغتنام فرصة المهرجان لتبييض وجهه.وثارت ثائرة الوالي وغضب وتكلم كثيرا فقاطعته كما قاطعني عدة مرات وهاج و ماج عندما سمع النسوة يزغردن ردا على كلامي فزاد حقده وكبر حسده و تحاشى الإساءة لي أمام الجمع وأوعز إلى المعتمد جمعة أن يجتمع بنا ففعل وجلسنا للمحاسبة بعد أن غادرنا الوالي و بعض من مرافقيه و قال المعتمد:

ــ نحن لا نعرف شابا واحدا في القرية خارج الصف الحزبي.

قطعت كلامه و قلت بصوت عال رافعا يدي:

ــ أنا، أنا لا أنتمي إلى الحزب و لا أنوي الانتماء إليه وإذا كان الدّخول إلى الجنّة مشروطا ببطاقة الانخراط في الحزب فأنا أفضّل أن أدخل النّار مرفوع الرّأس.

نزل كلامي نزول الصّاعقة على جمعة المعتمد فتشرّب جسمه و تجعّدت صورته و ذاب في كرسيّه مما دفع رئيس الشّعبة إلى شتمي علانية و قال:

ــ سيّدي المعتمد، هذا الخراء النّذل يكتب عنّا في جريدة الرّأي.

و كان ردّي هادئا:

ــ أخجل من الرّد عليك يا...حضرة المربّي.و هل يُردّ على مدير مدرسة إلا بنفس المستوى؟

في اليوم الموالي دعاني الوالي إلى مكتبه ففرحت وقصدته ثابت الخطى كالواثق من نفسه و دخلت مرفوع الرأس.استقبلني و دعا المعتمد الأول ليسلم علي و ليعبر لي عن إعجابه بكلامي و عن تقديره لموقفي و شجعني الوالي على صراحتي و حسن نيتي و عملي الوطني و لم ينس أن يلومني على عدم اختيار الوقت المناسب لإبداء رأيي...الصائب طبعا. ولكنني كتبت و نشرت ما أردت. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

19 ــ  قريتي سرة الأرض

 

 

 

 

 

 

 

 

عندما كنا صغارا كنا نجلس في الحوانيت لنتعلم لعبة الشكبّة و النّوفي و الرّوندة و غيرها من الألعاب المنتشرة في القرية و التي تمارس بنفس الأوراق.

و كنا نستمع إلى كبار الحومة و هم يحكون روايات مختلفة و متضاربة أحيانا عن تأسيس القرية. كل الروايات تأخذ شكل الخرافة والأسطورة فلا يصدقها عاقل إذا أراد أن يفهم المعقول من الأحداث.و لكننا نخاف من أن  نرمى بالعقوق فنسكت و نتظاهر بالاعتراف بالبطولات الوهمية  التي قامت بها العائلات الأولى التي استوطنت القرية فلا أحد يتجرّأ على  تكذيب الرّاوي احتراما لسنّه حتى إن روى لنا خلافا نشب بين أخوين يكبر أحدهما الآخر بقرنين من الزمن بل كنا نبدي إعجابنا بطريقة السرد التي يتقنها الحكواتي و يحوز بها اهتمام الحضور و اعجابهم.

و لم يكن من حقنا أن نتحدّث عن الآثار التي تركها الفينيقيون بالقرب من بحر "العالية" مقابل الفرية و لا أن نسأل عن القبور القديمة التي صنفتها الدولة آثارا  وتركتها مبعثرة هنا و هناك على ضفتي النفق الروماني..هذه الآثار ينسبها الراوي إلى بعض العائلات الحديثة و لا يقبل التشكيك في أصلها ونسبها و ملكيتها ويجبرنا  بنظراته القاسية على تصديق أقواله.

كان همنا الوحيد هو معايشة واقعنا و بناء مستقبلنا ومستقبل القرية تلك التي لم تنشئ فيها الدولة شيئا مفيدا عدى مركز الحرس.

و لم نكن نعرف ترتيب الخطوات و لا تحديد الأولويات في عملنا النضالي و لا حتى معنى الكلام الكبير الذي كنت أحفظه من اجتماعات جريدة الرأي و أنقله إلى الأصدقاء.كنا نجتهد لقراءة و فهم الأحداث التي نسمع بها و كنا نتلهف كثيرا إلى ما يأتينا من خارج البلاد.

المتنفس الوحيد عندنا كان البريد...استثمرناه أحسن استثمار سواء عندما كان العم برندو مسؤولا عن الرسائل و الحوالات أو عندما ابتنت الحكومة مكتبا للبريد في القرية.

كنا أسرع من الجميع إلى استغلال الهواتف فما إن فتحت الخطوط للعموم حتى بادرتُ بطلب خط هاتفي في منزلي البسيط و تعللت بمهنتي و بحاجة المواطن إلى طبيب أو بحاجة الطبيب إلى مكالمة المستشفى.

الإدارات المحلية تقدّر هذه الخدمات الاجتماعية التي تساعدها على تبييض وجهها و تعتبرها من الأولويات فسارعتْ بمنحي حق تركيب هاتف في منزلي و كان لي خط مبجل بعد مركز الحرس و البريد و الصيدلية. وفتحتُ صندوق بريد رقم 1 في المركز اتخذته للتمويه وتغيير وجهة القوادة.

الحيلة في ترك الحيل.هذه قولة مفيدة و صالحة و لكنننا نحتاج أحيانا إلى حمل براءتنا و وضعها في سلة الاتهام حتى متى قبض عليها، و كنا أبرياء، نجحنا في زرع الشك في نفس الحاكم و القوّاد و أجبرناهما على الندم  عن سوء الظن فينا بل و على الاعتذار.يجب استغلال البراءة باتهام مزعوم.هكذا كنت أوصي بعض الأصدقاء و أقدّم لهم أمثلة حيّة فأمدّهم ببعض الرسائل المهمة التي

تصلني تحت اسم خيالي وكنت حريصا على التعامل معها بإتقان وبذكاء.و من حين لآخر أراسل نفسي لأعلمني بأشياء تافهة لا تعني السلطة بتاتا. و أغيّر خطي فاكتب باليد اليسرى أو أضع القلم بين السبابة و الوسطى ثم أضع الرسالة في بريد  مدينة أخرى و أسبقها إلى البرادعة فإذا ما وصلت رحت أترقبها و أترقب عبد الحميد الحرس لأنجز له سيناريو جميلا وأجعله يتأكد من أنني أسقطت الرسالة سهوا في طريق العودة من البريد فيقرؤها و يزداد ثقة فيّ و كم كررت هذه الفعلات وغيرت من مكاتيب أضع فيها ما يجعل الحرس يعتقد بان مراسلات شركة الفسفاط لا يمكن أن تعنيني أبدا. هكذا لم يتمكن أحد من اكتشاف أي اسم من أسمائنا المركبة.

هذه  هي قريتي التي وضعت إسمها  عنوانا لأول قصيدة كتبتها في حياتي و هذه هي نفس قريتي التي كتبت فيها أول قصيدة باللغتين العربية و الفرنسية و قلت:

في قريتي التي أحبها كثيرا

و بعد ألف عام

يصير قبري معبدا

يطير من ضفافه الحمام

في قريتي التي أنام عندها

واكتب الأشعار فوق زندها

لو أنني عصرت شعري سكرا

 لو أنني لقنت من ....

 وقلت يا...

هل تفهمون كم أحبكم

لجندولي عسكرا

و صار شعري ضدها....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

20 ــ حكومة كَراكوز

(و الكراكوز مهرّج ساذج)

 

 

 

 

 

 

 

 

كيف وصلت الوثائق السّرية إلى هذا الصّحافي الزّفت؟

من زارك في السّجن و لمن سلّمت الملفّات وقرارات المحكمة؟

هل تدرك أن نشْرَ محاكماتٍ سرية جريمةٌ تساوي لوحدها ما تساويه جرائمُك السّابقة ؟

هل تعرف أنك بصنيعك هذا تحرج الحكومة أمام المنظمات الدولية ؟

ظل قاضي التحقيق و نائبُ الحقّ العام يسألان الملازم الحبيب و لا يظفران بالإجابة.

توقف كل شيء في المدينة و وسّع رجال الشرطة في مجال بحثهم و استدعوا كل الآذان و الأعين بحثا عمّن سرّب الأحكام و سعيا إلى فهم الطريقة التي اعتمدها وعن المكان الذي خبّأ فيه الملفات و كم صرف من أموال لتسريب الأخبار.

أغلقت الإدارات مكاتبها و خرج الموظفون في إجازات مختلفة وانعقد مجلس مفاجئ للوزراء.وقالت الألسن السّاخرة إن الدولة تبيع أسرارها بنفسها. الحكومة أصبحت عجوزا ثرثارة لا تتستر على حكايات الصبايا.

الفضيحة فاح بخورها و اكتسحت الشوارع.

 الحكومة تأكل من نفسها و ترتشي من أعوانها.إنها النار تلتهم وقودها ثم تدور على نفسها. 

الحكومة تبيع الحكومة و تفضحها و تعريها وتحرجها أمام أعين العامة.

ما الحل إذن؟

الحكومة تحاول إنقاذ ماء الوجه.

الحكومة سقطت في الكمين الذي نصبته للروح.

الحكومة أيقظت الطوفان ثم طلبت منه ألا يجرفها.

الحكومة نجحت في إشعال النار و لم تنجح في أن تلعب دور رجل الإطفاء.

الحكومة لا تعرف أن الإبداع قد يأتي من حكاية واقعية فيتصدّرها و يقود أحداثها.

الحكومة لا تقرأ القصص البوليسية التي يؤلفها الكتّاب ولا يفهمها البوليس.

الحكومة تشكل أحيانا موضوعا للتأليف.

كل ما في الأمر حكاية بسيطة لا حاجة فيها إلى الروح ولا إلى الجسد ليشهدا على كيفية تسرب الأخبار خارج المحاكمات المغلقة فالدولة دولة أمنية من خصائصها أن يراقب هذا ذاك و أن يتتبع البوليس خطوات البوليس وأن يحمي كل واحد نفسه من نفسه قبل أن يحميها من الآخرين و أن يحشوَ كلُّ فردٍ داخل بطنه مراقبا.إنها دولة لا تصنع إلا المخبرين و القوادة و كل يتمعش من الإشاعة يطلقها في الصباح و يجني الثمرة في الليل والحكومة تعلّم الناس كيف يصدقون الإشاعات المولودة في المقاهي والشوارع ثم تعمّم فائدتها عندما يؤكدها الإعلام المكتوب والمقروء والمسموع. إنها دولة أمنية هكذا أرادها رئيسها الجنرال الذي كان مديرا للأمن. الملازم في السجن وعيناه و أذناه خارجه. من حين لآخر يزوره الشاذلي ليمده بأخبار الساحة كاملة و يأخذ منه محاضر الجلسات المغلقة و الأحكام السرية التي صدرت ضده و الأخبار التي أمده بها كاتب المحكمة. في البداية كان يدفع مقابلها بعض الدنانير و حين تأكّد الملازم من أن كاتب المحكمة مشى شوطا كبيرا في تسريب  الملفات و تورّط في بيع أسرار المحاكمات وأنه لن يستطيع  التّراجع أو التنصّل من أعماله خفّض في السعر إلى أن أصبح يكتفي ببعض السجائر أو بأكلة سريعة فالكاتب كلما تقدم في الارتشاء كلما زاد خوفه وانكشف ارتباكه وأصبح رهن الرّاشي.

الملازم بدوره يبيع الأخبار التي يشتريها من كاتب المحكمة و يقدّر ثمنها و يحتكر شيئا منها ليوم الغلاء ويبيعها بسرعة إذا انتشرت إشاعة توحي بهبوط الأسعار. ويبتاع بالثمن معلومات أخرى من خارج المحكمة ويُبقي شيئا من الربح معه لكن الأخبار الواردة من دهاليز وزارة الداخلية هي الأغلى إطلاقا خصوصا تلك التي تتعلق بالقتل أو بالتعذيب. لم يؤثر هذا في سوق المعلومات كثيرا فكلما زادت الواردات من المركز غلاء  صعّد الملازم في شروطه عند البيع. المهم أن يمارس تجارته ويربح.أما ما يمده إلى الشاذلي من أشياء تخصني فهي في أغلبها مجانية وقد فهم الشاذلي ذلك سريعا فأصبح لا يزور صديقه إلا محمّلا بقفة فيها من الغلال والسجائر والكتب ما يكفي الملازم أسبوعا كاملا و قد يبيع الزائد عن الحاجة أيضا أو يشتري به ودّ الحراس.

قابل الملازم ضيفه الشاذلي فأمده ببعض المعلومات منها ما يهمّني و منها ما يتعلق بشخصه وبخلافه مع خال نورة وإهانة وكيل الجمهورية وإتلاف  محاضر الجلسات التي حررت ضد أصدقائه من الطلبة القدامى وأضيف إلى التهم تردّده في إطلاق النّار يوم السادس والعشرين من جانفي وتسريح العديد من الطلبة الموقوفين من أجل التظاهر وكذلك تحويل وجهة فتاة دون العشرين من عمرها والاعتداء عليها جنسيا. وبالطبع راعت المحكمة مهنة المتهم فأسقطت كل التهم وأبقت على التهمة الأخيرة فقط لكنها كلفته وحدها السّجن مدة ثلاث سنين ونصف السّنة.

مدّ الملازم نسخة من كل الأحكام إلى الشاذلي وطلب منه بإلحاح أن يوصلها إليّ لأكتبَ عنه في جريدة الرأي ثم أجعل من القصّة مسلسلا يكون الملازم بطلا له.أعجبتني الفكرة ورسمت الخطوط العريضة لكتابة رواية واقعية ممتازة. قابلت مدير الجريدة ورئيس تحريرها فوافقا على نشر أطوار القضية في فصول وخصصنا لها عمودا في الجريدة وشرعنا في الدعاية لسلسلتنا و كنا سننشر الحلقة الأولى لولا انشغالنا في ذلك الوقت بقصّة حيّة و ساخنة أتى بها زميلي عز الدين إذ جاءني مصطحبا طبيبا سوريّا كان قد أنهى عقد العمل في تونس و انتهت صلاحية جواز سفره.اتّفق مع رجل شرطة في المطار على تسريحه بجواز السّفر بعد أن دلّس مدة الصّلاحية فيه فوافق العون و تسلم المبلغ المالي تحت عنوان مقابل خدمة وتفاجأ الطبيب بتغيّب الشرطي  عن العمل يوم سفره فألقي القبض عليه واقتيد إلى وزارة الداخلية في انتظار تسليمه إلى الحكومة السّورية التي ستأمر، لا محالة، بقتله شنقا كما فعلت مع عائلته المتّهمة بالمعارضة. توسّطتُ أنا فرتّبت له لقاءا مع مدير الجريدة.وكان له ما أراد إذْ تدخل السيد حسيب لدى السلطة التونسية فأفرجت عن  الطبيب وسلمته بطاقة مغادرة نحو الجزائر محطته الأولى في اتجاه اسبانيا.

هالني ما لاقاه الملازم من عذاب من أجل حقد سكن قلب نورة و تمكّن من أبيها و حزّ في نفسي أن يظلم بهذا الشّكل و قد عانيت ظلما مشابها فقررت أن أثأر له ولنفسي و أن أصبّ حقدي وسمومي على هؤلاء الظّالمين وأقسمت ألا أتراجع حتى و إن رفضت الجريدة نشر ما شرعت في كتابته.وزدت تقديرا لصديقي الملازم عندما نبّهني إلى أن هاتفي في العيادة مراقب و إن الأضواء موجّهة نحوي و إن معتمد المكان حذّر رجاله من مخالطتي فأنا في نظره رجل معارض لا أمان لي ولا عهد وأنا شيوعي متطرف وديمقراطي أناني ومواطن مخرّب و إنسان فوضوي ومخلوق كافر و ابن عاق و لا أصلح إلا لإثارة البلبلة.

أدرك أن في كلام المعتمد نسبة كبيرة من الصّحة فأنا مغرم حقّا بإثارة الحكومة و السّخرية منها والتشهير برجالها. لذلك كنت أهاتف أحيانا بعض الأصدقاء واستفزّ العون المكلّف بمراقبة هاتفي بكلام قبيح رأيت من اللازم أن يسمعه مني شخصيا و أن يدرك أنني على علم بصنيعه. هذه اللعبة تعجبني ويعجبني أيضا أن أحتقر القوادة و أن أنسج بينهم الشكوك والدسائس فأجعلهم يتّهمون بعضهم بالعمالة لي.هي حرب نفسية أفلح دوما في شنّها و في كسبها.وعَدتُ الشاذلي بتحقيق أمنية صديقنا الملازم ورجوته أن يعلمه بأنني شرعت بعد في الكتابة وأنني لن أفرّط في الملف أبدا.

علم المعتمد بأنني أسست نادي السينما و جمعت في عيادتي أعضاء الهيئة التأسيسية فسجّل ضدي مشروع جريمة كلّف مركز الشرطة بحسن متابعتها.

رمضان الممرض يعرف والدي منذ وقت طويل وكان ينتظره كل يوم ثلاثاء في مدخل السوق الأسبوعية فيشتري منه الدّجاج و البيض و الزّيت.بمرور الوقت أصبح الرّجلان صديقين و عندما سمع رمضان بفتح عيادتي في المدينة التي يشتغل فيها جاءني ليتثبت من أنني ابن صديقه و عرض علي مساعدته فعرّف بي ونلت من ورائه جميل الشهرة.

زارني في إحدى العشيات بعدما غادرت الممرضة العيادة وكان قد تعمّد مجيئه في تلك الساعة فحدثني:

ــ أنت تعرف مدى عمق الصداقة التي كانت تربطني بوالدك و أنا لا أخون أصدقائي أبدا.و تعرف أنني سأكون أول الخاسرين إن أنت نقلت عيادتك إلى مكان آخر.سأعضّ على قلبي و أطلب منك ذلك...حاولْ أن تفتح عيادة في مدينة أخرى و في انتظار ذلك لا تغلق الباب أبدا على مريضة دون مرافق لها.  إنك في خطر ... مكيدة تدبّر ضدك . المعتمد أكّد لي هذا المخطط.انه يثق بي كثيرا.وقد أسرّ لي بذلك في لحظة تجلّ...إنّه لا يعرف العلاقة التي تربطني بأبيك.

أخذتُ كلام رمضان مأخذَ الجدّ و بدأتُ أفكّر في فتح عيادة في مكان آخر و اقتنعتُ بأنّ هذه الحكومة ستظل تتبعني كاللّعنة الكبرى حيثما اتّجهتُ و لكنني سأقاومها بذكائي و بحيلتي ، بخبثي الذي تعلّمته من المرضى وفي المقهى و في دور الثقافة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

21 ــ الكذبة الكبرى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في الدار السّفلى أيضا يحتفل بيوْم السّبت من كلّ أسبوع.يخرج العشَّاق ملتحمين ببعضهم زوجين زوجين ويترك مراجل للجميع حرّية التنقل والتّنصّت والتّجوال ولا يمنع من مضاجعة النّساء على قارعة الممرّات وفوق الهضاب و تحت الطاولات على مرأى و مسمع من المارّة و لا يتقيّدُ الرّجل بامْرأةٍ واحدةٍ فلكلٍّ الحقُّ في أربع نساء شريطة أن يُشْبعهن جميعا دون حاجة إلى مصادر قوّة خارجية فالحبوب زرقاء تحَرّمها الفتاوى على عامّة الشّعب وتُحِلّها للأمراء و العلماء وشيوخ الدّين. و كذلك يسري القانون على النّساء فباستطاعتهن أن يطلبْن مضاجعة أيّ كان.فإذا رفض رجل أن يرْكبَ امرأةً اشتكتْه إلى مراجل فحكَم عليه بالشّنق من خصْيتيه كامل يوم السّبت.

و في يوم السّبت أيضا تفتح مطابخ اللّذة و الحانات ليسكرً الناس بروائحها و يغنّون و يرقصون ويرتكبون المعاصي الدّينية و الدّنيوية دون أدنى عقاب و لا يعاقَبُ إلا من رفض المشاركة في الحفل أو تغيّب عن الحضور.

هذا السّبت حدث طارئ فلم يخرج إلينا مراجل في و لم يُعلِم أحدا بتغيبه أو بمرضه،ولو أننا كنّا لا نفهم معنى المرض في مجتمعنا السّفلي،  و لم نَعلمْ بغضبِ مراجل و لا بحذْفِ  يوم السّبت من أيّام الأسبوع.

غريبٌ أمْرُ هذا السّبت.فالفوضى تعمُّ المكان والسُّكانُ في هيجان ولا أحد يدري مَصْدر الفوضى و لا سببََها. ظللنا في حيرةٍ و تساؤلٍ و افتراضاتٍ واحتمالاتٍ إلى أن جاءنا نبأ وفاة الرئيس الزّعيم فصمتْنا كلّنا و أعلنّا الحزنَ العام ونكّسنا رؤوسنا كما تنكَّس الأعلام في الدار الأخرى.انتظر الجميع الجثةَ فلم تأتِ و شنّف الناس آذانهم ليستمعوا إلى البكاء فلم يُسمع صراخ واحد.غريب هذا الذي يحدث.كيف يعلن عن موت الرّئيس الزّعيم دون نواح و لا صراخ؟سَرح المخبرون يتناقلون الاحتمالات ويجمعون الروايات والإشاعات ويحاولون ربْطها واحدةً بأخرى ثم يحملونها إلى بيت التّحميض والتّركيب فيستخلصون  الحقيقة الممكنة.

لم يكنْ يوم السبت هذا عاديا.

مات فيه الرّئيس الزعيم.

لم نستقبل جثة و لم نسمع آذانا لصلاة جنازة.

إكرام الميت دفنه تعرف  الحكومة .

لعلّها تستكثر عليه محبّة الناس فلا تناديهم إلى جنازته.

الحكومة يقتلها الحسد.

الظّنون و الشكوك لم تؤدِّ بنا إلى فهم شيء و لو بسيط.اعتصمنا بالباب الخارجي للدار السفلى و بدأنا نتصايح على مراجل...و مراجل لم يتعود على انتفاضتنا ولا حتّى على رفضنا العلني.لكنه قدّر خوفنا و عذر ارتباكنا فسارع إلى تهدئتنا و وَعَدنا بالبحث في المسألة وبعدم التعويل على لجنة تقصي الأحداث خوفا من إضاعة الوقت.

في آخر لحظات اليوم وقبل بزوغ الضوء قدم نزيل جديد عُرف بالثّقة والصّدق فأعلم مراجل أن الرئيس لم يمتْ وإنما مات كرسيّه و فُصلت روحُه عن جسده بدون وفاة. فوزيره الأول قتله معنويا وافتك منه الحكم متعللا بمرض مزمن أصاب الرئيس فجأة ومنعَه من مواصلة مهامِّه على رأس الدولة وتربّع مكانه وسمّى نفسه الجنرال الأكبر أو منقذ الأرواح من شياطين الساسة وتربّع في قصر قرطاج وبادر بمنع الحزن والبكاء وأودع النادبات في السجون وأصدر أمرا إلى أعوانه المنتدبين حديثا لتسهيل إقامة الأعراس والأفراح بدون ترخيصٍ و أمرَ البلديات بِطَلاء واجهات المنازل باللّون الأبيض والبنفسجي وبتعميم اللون البنفسجي  إلى أن يصبح موضةَ النّساء و الرجال و لونًا تُطلى به البنايات الحكومية والقناطر والطرقات ويافطات الدعاية وشاشات التلفاز  و تبّانات البنات في كورال الأطفال.

أمضى الرئيس الجنرال مدّة في اختبار ردّة فعل العامّة ولما استتبّ له الأمن و ملأ كرسيه استجلب أحبابه وأصهاره والجوْعى من أصدقاء العائلة التي سرعان ما توسعت وأصبحت تضُم آلافا مؤلفة.

في يوم واحد تناسل أهله و توالدوا وملؤوا السّاحات والإدارات والشوارع و المنازل.

في يوم واحد غيّر الحزبيّون لباسهم و تجمّعوا تحت مظلة حزب جديد سموه التجمع الدستوري الديمقراطي.

مرّ يوم السّبت هادئا لم يحدث أي شيء في الدار السفلى رغم علمنا بقتْل كلمة الرئيس الزعيم أمّا يوم الثلاثاء الذي جاء بعد يوم السّبت ذاك فحدثتْ لي أشياء مهمّةٌ لم أرغبْ في الحقيقة في إطلاعكم عليها و لا سردها حتى على المغرمين بالنّبش في مزابل الأخبار.هذا مراجل يدعوني إلى قولها غاضبا ومهددا و يطلبها مني بإلحاح وكأن المسألة تعنيه مباشرة فسحبْتُ إحدى خلاياي المتكلّسة في الذّاكرة و رميت بما فيها إلى الدار الأخرى فتلقفها قاضي التاريخ وقرأ على جمع الحضور شهادتي:

في ذلك اليوم زارني في العيادة  في سيدي علوان عبد الحميد الذي كان يعمل في مركز الحرس البرادعة قبل أن يلتحق بالفرقة الخاصّة تذكرت اسمه منذ الوهلة الأولى و سلّمت عليه و اصطحبته إلى مقهى في المدينة. أعلمني بأن الرئيس الزعيم قد خُلِع و أن دستور البلاد ينصُّ على أن لفرنسا الحقَّ في التّدخل في شؤون مَحْميتها القديمة إذا تعرّضت لخطر داخلي أو خارجي وقال إن البلاد في الحالتين وقال أيضا إن الرئيس الحالي جنرال لم يحسنوا تربيته وقد عمل في المخابرات الأمريكية و قال أيضا إنه لا يستأهل منصب الرّئاسة وإنه لا يصلح إلا للتّعذيب وقال كلاما زئبقيا كثيرا ثم طلب مني قائمة في أعدائي السّابقين وسألني عمّا أنوي فِعْله إذ لا يمكن أن أبقى ساكتا وأنا المعتاد على التّدخل في كلّ كبيرة وصغيرة تخصّ القرية و البلاد.

تركته يتحدّث و يُقسم و يتجسّس و يتحسّس ثم أجبته بإجحاف:

ــ أنت تذكر يا عبد الحميد،أنني دخلت منزلك وعالجت أطفالك و أكلت معك الماء و الملح و أن لا أحد قادر على الثّبات في مكانه في هذا الوقت. أُكتبْ ما شئتَ و أضفْ ما خمنتَ و اختلقْ ما رأيتَ من أسباب و سجلْ ما تشتهي من تهمٍ ثم استخلصْ قرارك و لكن تذكّرْ جيدا...تذكر جيّدا و دائما إنك لن تمسَّني بسوءٍ لأنك لن تقدِر سوى على إضافة نقطة سوداء في ملفّ أسود.

أنزلني من سيارته الرينو 16 أمام العيادة و مضى وبقيتُ أحاول فهم سبب مجيئه و أبحثُ عمّن أرسله ولماذا.الثّابت أنّ هذه الحكومة مريضة بالمقت وعطشانة دوما إلى التشفّي...مضتْ ثلاث  سنوات وأنا في انتظار أن تندم على معاملتها السيئة لي فتنتدبني للعمل ...فتحت عيادتي ونجحت في عملي و لكنها ما زالت تطاردني...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

22 ــ كأن الحرب لا بد منها

 

 

 

 

 

 

 

بلغني و أنا أشرع في اختيار خاتمة لقصة الملازم أنّ شيئا ما تغير في البلاد و أن الأمن استعاد أمْنه بعد رجّة كادت أن تقضي عليه فالرئيس الجنرال فوّض للأعوان اختيار الطريقة المثلى لإسكات الناس وإلجامهم و القضاء على كل صوت يعادي نهجه واقتلاع كل الأشواك التي يأمرها شيطانها بالانتصاب في حلقه و سمح لأعوانه بالارتشاء وتدبير أمورِهم خوفا من أن تصيبَهم عدوى النّقابات فيطالبونه بالتّرفِيع في أجورهم  و بادَر بالنّهب وامتصاصِ دَمِ الشّعب ليكون قدوةً للطّامعين في النّهش والراغبين في السّلب والمبدعين في السّرقة و الراكضين نحو التمعّش وابتدعَ لذلك طرقا عديدة ساهم في تنفيذها المقربون منه وأمرهم بتعلّم فنون الغش فحذقُوها واجتمع بهم رسميّا و قال لهم بصراحة ووضوح:أعرف أنكم ستسرقون ولكن كونوا محترفين. وكان عليه أن يذرّ بعض الرماد على عيون العالم فباع ما باع من ممتلكات الدولة و من أراضيها ومؤسساتها حتى يبدو اقتصاد البلاد في حالة حسنة و عمل على استدراج المستثمرين الأجانب للمجيء فإذا ما وصلوا و أقاموا مشاريعهم اقتسم معهم الأرباح و ناب الدولة في كل الشّركات. وكان يقتطع نصْف المبيعات من كل شيء لفائدته. وسعْيا أيضا لتبييض وجهه أمام العالم اتّخذَ بعض المواقف  وأصدرَ بعض الأوامر التي تساعدُه على إعطاء واجهة مزيفة لحرية بكماء فألغى خطة الوكيل العام للجمهورية وطلب من القضاة أن يمارسوا حرّيتهم في التعامل مع القضايا التي لا تخصّ العائلة الحاكمة . هذا الأمر شكّل منعرجا في حياة صديقي الملازم الحبيب فأعيدتْ محاكمته و حضر أربعة عشر محاميا للدفاع عنه وأثبتوا براءته من جميع التّهم فأطلق سراحُه وأعيدَ إلى خطّته واسترجعَ كاملَ حقوقه في التّرقيات و لكنهم اشترطوا عليه أن يظلّ ساكتا وألا يَحكِي شيئا عن سبب إيقافه وسجنه و عن محاكماته السرّية.وأصدر الجنرال أيضا  أمرا إلى كل جهات الجمهورية لانتداب ما تحتاجه من إطارات عُليَا دون الرجوع إلى وزارة الإشراف. وكنتُ من بين المحظوظين الذين شملهم هذا الإجراء و فتح أمامهم أبواب الشغل فطلبتُ من صهري أن يقدّم نيابةً عني مَطلبا في الانتداب في الولاية التي يشتغل فيها فهنالك لا تعرفني أية إدارة وعيِّنْتُ طبيبا للصحة في أبعد نقطة من البلاد والتحقت سريعا بعملي في ولاية تطاوين.

و ظلّت لعنة جريدة الرأي تتبعني في كل نهج و في كل مدينة ومناسبة.

ماتت جريدة الرأي و أنا أحملُ وِزْرها على الأكتاف وفي كل درْب أمشيه.و تفرّقتْ أسرتها منذ سنوات فبوها الصغروني أسَّس مجلّة و ربط ذيْلها في جلباب السّلطة وجمع حولها وجوها بارعة في التقلّب حسب المناخ وحسب الفصول و الدكتور المنصف البدوي ضاق ذرعا بالسّجن والمضايقات و التّتبعات فغادر إلى فرنسا بعد أن تدخل نيلسون مانديلا ومكّنه من الخروج من السّجن و أنا أشتغلُ طبيبا في أبعد نقطة من البلاد و أكتب الشعر وأنشرُه ولعنةُ الجريدة تتبعني في كل نهج وفي كل مدينة و مناسبة...

انتقلتُ إلى ولاية المهدية للعمل و كنتُ أظنّ أن أمني استتبّ و أنني بين أهلي  وتمّنيت أن تهدأ العواصف من حولي فأنا  أجيد عملي وأحرص على أداء واجبي الوطني مثلما يستوجبه الشّغل والضّمير. كنت أظن أن النّاس غيّروا لباسهم مع الوجه الجديد للسّلطة و أن طباعهم ستغيّرها الأيام و أن رأيهم فيّ و في كتاباتي ومواقفي ستتغير هي أيضا.و كنت تمنيت ذلك و لم أشعرْ بالإحباط و لا بخيبة الأمل فيهم... أكتب على نفس الطريقة و لم أتغير. فكيف يتغير الناس؟ ألا يكفيهم تغيير لباسهم وجلودهم؟ أم عليهم أن يغيروا أنفسهم هكذا بدون دافع؟ هذا أمل خاطئ و ظن بائس.لم يتغيّر شيء فيهم.

مرت أيام قليلة على مباشرة عملي في إحدى المستوصفات و لاحظت أن الممرض سلملم يعمل لصالح الحزب الحاكم أكثر من عمله لفائدة صحّة المواطن فأوعزت إليه بأن يتلهى بعمله فلم يسْتجبْ لملاحظاتي.أنّبته أكثر من مرة ولكنه لم يفهم إلى أن فاض القلب فغضبت و نعتّه بالقواد.صمت و ظلّ ينساب هادئا كالماء. يطوف بي ويستعد لأن يجرفني في أقرب فرصة و قد لا أشعر بما يُحاك حولي و قد لا أستفيق إلا بعد أن أقع في الشّراك فسلملم ماهر في نصب الأحابيل. الحيلة في ترك الحيل هذه القاعدة التي اعتمدتها في حياتي و حفظت المثل الشعبي القائل:

امشي على نيّة إذا ما وصلتش تسلك على خير.

في يوم من أيّام العيادة حضرتْ عجوز تشتكي من أنّها تعرضت إلى عنف.فحصْتُها ثم أمرتُها بإجراء صورة بالأشعّة على يدها . تعللت بأنها لا تملك نقودا للذّهاب إلى المستشفى لإجراء الفحص بالأشعّة. سحبتُ من جيبي بعض النّقود وسلّمتها ما يكفي للتنقل.شكرتني وترحّمت على والديّ  وشعرت بالارتياح.

في اليوم الموالي عادت إليّ العجوز فتبيّن إنها تحمل كسرا في يدها. طلبتُ منها أن تضعَ الجبس وسلّمتها شهادة لتتمكّن من تقديم شكوى ضدّ معنّفها.و لم أطلب منها مليما واحدا خلافا للسّائد.

بعد أسبوع جاءني عون الحرس و سلّمني دعوة إلى المنطقة للبحث في الموضوع..أيقنت أن اللّعبة بدأت وأن المسألة أخذت تتشكّل و أن زمن الجدّ قد حان. فالممرّض سلملم يتابع العجوز و يحفظ ملفّها الطّبي في مكتبه بحرص يََشِِي بالرّيبة و هذا ما جعلني أشك فيه.تصرّفاته تؤكّد وكذلك عيناه أنه عنصر مهمّ في الهجوم عليّ فهو الذي رافق الحرس إلى مكتبي وشنّف أذنيه ليتثبّت من الأمر.

قبل أن أغادر المستوصف إلى المنطقة ناديتُه وطلبت منه ملفّ المريضة فأتى به على عجل ووقف صامتا ينتظر ردة فعلي.سحبتُ الصورة التي يبدو فيها الكسر واضحا. قطعْتُ سنتمترات من الجصِّ و ألصقتُها على الصّورة ثم أمضيتُ عليها وتعمّدت تطويل الإمضاء إلى أن فاض على جانب منها ثم قطعتُ نصفها بالمقصّ واحتفظتُ بالقطعة في جيبي و قلت:

ــ يا سلملم أعرفُ أن صورة أخرى لِيَََدٍ سليمةٍ ستوضع مكانَ هذه لتقدّمَ إلى القاضي و لكن تثبّتْ جيدا لأنني سأقابل نصف الإمضاء هذا الذي في جيبي على نصفه اللاصق بالصّورة.

 ارتعد سلملم و بقي صامتا.لم يكن ينتظر أنّني مقرّ العزم على تركه في التسلّل.

و مضيتُ إلى منطقة الحرس بعد أن علمت أن المتّهم بالاعتداء على مريضتي تدبّر الأمر واشترى شهادة من الجرّاح البلغاري في مستشفى مدينةِ الجَمْ تُثْبت أن يدَ العجوز سليمةٌ و لا تحمل كسْرا.

دخلتُ على العون في المنطقة و أجلسني للبحث. سألني عن كل شيء و أجبتُه عن كل أسئلته.هذه المرة لم يحرجني المحضر بأسئلة في السّياسة فالرئيس الجنرال كان قد أوصى أعوانه بألا يُسْأل مواطن عن رأيه في السّياسة و ألا يسجن أحد من أجل أفكاره و إنما تعدّ له تهمة أخرى حسب الاقتضاء كالسّرقة مثلا أو الزّنا أو تبييض الأموال وهذه الأفعال أصبحت بدورها معروفة ومكشوفة فلن يصدقها أحد غير مقدّم الأخبار التلفزية. وسألت العون عن تهمتي فأعلمني بأنني اقترفت جريمة التدليس و هي تهمة قاسية قد تقودني إلى السجن إن ثبتت.

و لاحظت ابتسامة عريضة على وجه العون ثم هزّته نوبة من الضّحك و أنا مشدوه لم أدْر ما دهاه. تركته ينهي ضحكته و سألته:

ــ هل يمكن إضافة سؤال في المحضر؟

ــ على من تطرحه؟ قال

ــ على القاضي طبعا ليطرحه بدوره على الطّبيب البلغاري.

ــ يمكن قال العون فماذا تريد؟

ــ أريد أن أسأل لماذا أمر الطبيبُ بوضعِ الجبس لمدة شهر ونصف في حين أن ما في الشّهادة الطبية  يؤكّد سلامة اليد من الكسر؟

كان العون ينتظر هذا السؤال فردّ على الفور:

ــ أنا أجيبك قبل القاضي... لأنه غبيٌّ. في الواقع هو مَنحَ المتضررة شهرين كاملين و أنت لم تمنحها من الرّاحة إلا أربعة أسابيع. لا تهتمّ كل ما في الأمر لعب على الوقت يمارسه محامي الجاني. سوف لا تدعوك المحكمة و لو للإدلاء بشهادة.عد إلى عملك يا دكتور وانس الموضوع.سأرفع المحضر إلى المحكمة شكليا لا غير.

في تلك الفترة بدأت الحرب على العراق و كنت أخاف عليه من الحرب و منزعجا من كثرة الدول المشاركة فيها و أزعجني أكثر انخراط بعض الدول العربية.

ليلة إطلاق أول صاروخ على أرض العراق كنت في حصّة استمرار أتابع الأحداث على شاشة التلفزيون من غرفتي. وأتعذب لحال العراق.كانت الأخبار الواردة من مذيعة قناة فرنسا 2  تؤكد على  أن قدرات العراق انهارت في ساعة من الزّمن و طمْأنَت الرّأيَ العام العالمي بأن العراق لم يعد قادرا على إيذاء عسكر التّحالف.لم أحتمل تلك الأخبار فمضيتُ إلى البهو متحاشيا وجه المذيعة.كان الطّبيب البلغاري في انتظاري.مدّ يده مصافحا و مبتسما وعندما لاحظ وقع الهزيمة عليّ وقال:

ــ كان لا بدّ أن يُنزَع فتيل الإرهاب من العراق و لم يبْقَ إلا القضاء على رئيسه.

لم أجدْ كلاما أقوله و مضيت.

كانت تلك الليلة هادئة في المستشفى و مشتعلة في العراق و كانت الضّربات تهوي على الفرات ونحن نتألم من شدتها.و لم يطلع الصباح إلا بعد أن علمنا أن صواريخ العراق قد رجّت إسرائيل و دكّت شمال السعودية. رأيت هلع الإسرائيليين وحيرتهم.جريت باحثا عن الطبيب البلغاري فلم أجده حيثما يقف عادة وقصدت غرفته فلم يفتح لي الباب لكنني فتحته بنفسي و قلت له:

ــ افتح التلفزيون فثمة خبر سيسعدك و جذبت الباب ورائي و خرجت.

و ككلّ شاعر مشيت إلى ورقي و صببت حزني واعتصرت أحاسيسي في قصيدة اخترتُ لها من العناوين: الأصفار و صادف أن تمّت دعوتي إلى صفاقس للمشاركة في أمسية شعرية. تسلّحت بالقصيدة وقصدت مدينة صفاقس و هنالك التقيت بالنّاقد الدكتور ميم الباء العين فأسرّ لي من حماقات هذا الزمن ما جعلني أعمّق خلافي مع بعض النقّاد إذ عوض أن يناقشني قصيدة الأصْفار بعد أن استمع إليها جاءني معتذرا متأبّطا عذرا أقبحَ من ذنبه قال: لا تعتبْ عليّ يا صديقي إن لم أتناولْ نصوصك بالنّقد فأنا عبد مأمور أشتغل لحساب مؤسسة حكومية و أنت تعرف أن الوزارة لم ترفع عنك الحظر.هذا لا يعني أنّ نصوصك لم تعجبني بل بالعكس...و خاصة تلك القصيدة التي تحكي فيها عن قلبك الذي يدقّ على الرّئتين و تضعه موضع القطار الذي يدقّ على السّكّتين.و خانتني الجرأة فلم أستطعْ إلا قراءة القصيدة كاملة:

حاول النّاقد أن يعبّر على إعجابه بالقصيدة فسبقته إلى القول بأنّ رأي الناقد لا يعنيني بقدر ما تعنيني نزاهته وقطعتُ عنه حبل الكلام ثانية لأعْلمه بأنني حضرت حصصا للدّكتور محمد البدوي و هو يدرّس مجموعتين كاملتين من أشعاري في كلّية الآداب بسوسة و يبدع في قراءتهما شأنه شأن الطّلبة الذين أضافوا إلى النّص أشياء لم تخطر على بالي و لم يكتف هذا الصّديق بتدريس قصيدة قطار حلق الوادي التي قرأتها له بل جعلها موضوع امتحانٍ لطلبة السّنةِ الثّالثة أمام دهشة و استنكار البعض من زملائه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

23 ــ  الرئيس الجنرال

 

 

 

 

 

 

 

مراجل هيكل مكشوفٌ بلا عورة أو لعلّه خُصِيَ قبل أن يؤْتى به إلى هنا و لا شعر له فكأنه قُدّ من العاج الخالص وهو يمتلك قدرة فائقة على إخفاء أحاسيسه وشعوره الذاتي و التحكم في غضبه و تغيير سمات وجهه فهو في أحسن الأحوال أخنث.

لست أدري كيف تفطنتُ اليوم إلى أنه في حالة غير طبيعية أو في خلاف مع منسّق الدار الأخرى الذي قد يكون أرسل زائرا بدون سابق إعلام و لا تأشيرة دخول مما يجعل مراجل يشكّ في أن الإدارة تتجسس من ورائه وهذا الأمر لا يقبله بسهولة و في الحقيقة إن  أحدهم توفي كمدا و حزنا و دفن دفنا طبيعيا غير أن أهله تظاهروا ضد شكل الموت  وطالبوا ولي الأمر الأصغر في الولاية بتعويضٍ مالي فاق المبلغ الذي تقاضاه الوالي وحاشيته رشوة من خصوم الميّت مقابل السّكوت عن الجريمة يحدث هكذا دوما بين السلطة والقضاء والمجرمين...الرشاوى تتصدّر الأحداث فتضعها على كفة الميزان و من يدفع أكثر يفوز بالقرار...هكذا تسير الأمور. 

من عادة الحكام في الدار الأخرى أن يبحثوا عن كبش فداء كلما ضاقت الدوائر من حولهم. بحثوا في هذه المرة عن شاهد زور فلمْ يجدوا إذ أن في المسألة موتا و دفنا وفدية وتأمينا.حتى منصف المصّاص الذي يقتسم دائما الرشاوى مع عرفه المعتمد النّاقص وِلْد عليّة لا يناصره في مثل هذه الأوقات العصيبة رغم أن النّاقص هذا من أقرباء الرئيس الجنرال وكان  قد عيّنه معتمدا في المهدية حيث الهدوء يساعده على اكتساب خبرة سياسية و يمكّنه من تفتّق مواهبه في السّرقة و النهب.

أما هذه المرة فيبدو أن المسألة كبرتْ و أضاعتْ اتّزان المحكمة التي انتصبت للفصل بين الدّارين مما استوجب دعوة الرّوح و الاستنارة بالهيكل العظمي. رفضت رفضا قطعيّا أن أقدّم شهادتي في هذا الموضوع والتجأتُ إلى مراجل فأيّدني و تذكّر أن الجماعة كانوا قد حاولوا اتّهامي بارتكاب جرم في مدينةِ الجَم نفسها و لم ينجحوا. وقال كلٌّ كلمته و أدينَ المعتمد النّاقص ولد عليّة.هذا الامتناع لم يمنعْني من رواية فصل من تهمة قديمة ظلّ المعتمد يلصقها بي وبأصدقائي كلما تحدّث عن الشغب والتظاهر.و هذا مشهد صغير من الفصل.

منذ أن أقدمت المجموعة،أقصد مجموعتنا،على هدم سياج السّوق في القرية والبحث يجري خلف القضيّة ولا أحد اهْتدى أو شكَّ في صاحب الفعلة. تجنّد منصف المصّاص فقاد مهمّة الكشف واستدعاني إلى جلسة مع عبد الحميد الحرس وزميل له.تنادمنا جميعا و جرى الحديث وطافوا به في كل الاتجاهات و لم يظفروا مني بكلمة ذات معنى.

و بلغ الأمر المعتمد فغضب من منصف فوعده بالنجاح في القادمة و حاول مرات أخرى وبقيتْ جريمةُ هدم السّياج من دون متّهم.فهمت أن منصف المصّاص وعونَيْ الحرس شرعوا في الكيْد لي ليرضى عنهم ولد علية.أعجبتني لعبتهم تلك و تركتهم يخيطون حلمهم في الإيقاع بي و كنت محترسا أراقب حركاتهم و أرمي إليهم بالحبل أحيانا لأقرأ برنامجهم  وأتسلّى بفشلهم بعدما تنتهي المحاولة.كنت أرتّب السيناريو بنفسي وأستدرجهم نحو الرّكح و أبيّن لهم أسهل طريقة لتوريطي و أمدّ نحوهم اليدَ التي تؤلمني أكثر وأتظاهر بالغباوة لتشجيعهم على المحاولة وإعادتها.و كنت أعوّل دائما على طمع القوّادة وعلى أخطائهم في إيصال المعلومة إلى السّلطة فأنعت فلانا باسم غريب وأسمّي يوسف المصّاص أحيانا منصف المسّاس وأترك درّاجتي أمام هذا المقهى وأقضّي الأمسية في مقهى آخر  و مع أناس آخرين لأجعل المعلومة التي ينقلها العمدة إلى المعتمد مخالفة للتي ينقلها عبد الحميد الحرس في نفس اليوم والساعة فيكذّب هذا ذاك و أنجو من ادّعاء الاثنين.ُ

هذه المرّة اختلف أهل الدارين فالمعتمد سرق أموال العامة وارتشى دون رأفة و امتصّ قسطه و قسط منصف المصّاص من عرق الكادحين. إلا أنه لم يحاكمْ. بل بالعكس سجّلت دوائر الدّار الأخرى نقاطا إيجابية أضيفت إلى سجلّ المعتمد و تبيّن لها أنه تعلّم  السّرقة جيّدا و لم يعدْ في حاجة إلا إلى أن يتعلّم  كيف يخبّئ المسروق فوقعت ترقيته وعيّن واليا في الجنوب. من هنا نشب الخلاف بين منسّقي الدارين.

لماذا تُشجِّع الحكومة المسؤولين على السّرقة والارتشاء وارتكابِ الخطايا؟

لماذا توزّع المراكزَ الهامّة حسب الكفاءة في السّرقة والارتشاء؟

لماذا لا تمنح الجميع فرصا متكافئة لارتكاب هذه الجرائم؟

لماذا لا تنظّم مناظرة في السّرقة يشارك فيها أصحاب المواهب؟

ثم لماذا تبدو الحكومة ديمقراطية في اعتماد المحسوبية وديكتاتورية في المناسبات الأخرى؟

هي طريقة بسيطة و ساذجة فالحكومة تدفع بمرشحيها إلى المراكز الهامّة في الدّولة وتشجّعهم على ارتكاب الخطا ثم تحتفظ بالتّهم في الدرج المخصّص لذلك قصد استغلالها وقت الحاجة.

و كان على الدار السفلى أن تتحمّل بدورها نتائج  الانتفاضات التي قد تقوم بها الشعوب وكان على مراجل أن يخيف منظوريه بتبعات الثورات  و أن يدفعهم إلى القبول بالحاكم القائم خوفا على أرواحهم وممتلكاتهم من الفوضويّين الذين سيغتنمون فرصة الثورة للإيقاع بالشعب وأن الموتى سيفدون في يوم واحد وسيتزاحمون على بوابة الدار كلٌّ يسعى إلى مكان هادئ و كلٌّ يدّعي أنه الأولى بالشهادة من غيره.وحاول مراجل أن يخفي أيضا خوفه  من أن يثور عليه سكان داره فصار يلاطفهم و يطلب منهم أن يكرموا ضيوفهم وأن يسمحوا لهم بأمكنة تليق بتضحياتهم و أن يتنازل كل واحد عن بعض الصنتمترات حتى يجد الجميع مكانا و إلا فانه سيضطر إلى إعادة توزيع المقاعد و المنازل في الدار حسب مقاييس يضعها بنفسه.و رغم كل الشّجاعة والنزاهة التي أوهمنا بهما مراجل فانّه بات تلك اللّيالي مرتعدا من الثوّار إلى أن هدأت السّاحة ووقع التّراجع عن تتبع المورّطين في قضايا الفساد و الضّرب والقتل ومراقبة الموتى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

24 ــ  الشهادة على الدارين

 

 

 

 

 

 

الزمن ماهية التاريخ و معنى الوجود، به تقاس الحياة ومنه تنبت الحضارات كما ينبت العشب من بين جروح الصخر.أحيانا أحتاج إلى الزمن فأستمد منه رغبة للكتابة و أسمّيها الصدفة،حمّالة الفكرة.

تقع نظرة العقل الأولى على الفكرة فتصيبني صدمة الإعجاب إلى حدّ الدّهشة ويشهق قلبي و تأسرني الفكرة الرشيقة كما تأسرني امرأة جميلة في أول نظرة.

يمكن أن أتصور أن الأشياء ، كل الأشياء هي محض صدفة و أن الزمن لا يقاس إلا بالصدفة منذ أن خلق الله الأرض و ما عليها و رماها في كفّ الصدف أو القدر.  كل شيء هنا وهناك يحتاج إلى صدفة ليقع فهل يمكنني أن ادعي أنني أصنع الصدفة أم إن الصدفة تصنعني؟  أذكر أن الرئيس الزعيم قال في إحدى الدروس التي حضرتها متطفلا إن تونس لم تنجب كثيرا مني بل لن تفعل أبدا ، إنها عثرة من عثرات الدهر أوجدتني ، صدفة جئت لأنقذ هذه البلاد. هكذا قالها أكثر من مرة.

البلاد نفسها عاشت صدفا كثيرة و في نفس الشهر ، شهر جانفي و هي لا تزال تعيش حدثا هاما في كل عشر سنوات هكذا....صدفة ربما...  

في أواخر الستينات و بعد عشر سنوات من التحضير والتدبير و التنفيذ و المؤامرات، أوقف الرئيس الزعيم عجلة الاشتراكية عن الدوران ودفع بعجلة الليبرالية  ولم تخْطُ البلاد إلا عشر سنوات أخرى حتى نبتت شوكة في حلق السلطة فانتفض العمال و قلبوا الطاولة بما عليها. مات من مات و سجن من سجن و طارت رِؤوس وأينعت  أخرى و حلت الصدفة الأخرى بعد عشر سنين  أيضا فانقلب الرئيس الجنرال  و افتك الحكم بالخديعة  وغيّر واجهات البلاد وأثثها بوجوه جديدة كانت جاهزة للعرض و مستعدة لمبايعة الشيطان ملكا مدى الحياة . اغتنم الجنرال الفرصة أيضا فجعل من الوجوه المتحمسة له دمى زيّن بها واجهات الديمقراطية وألبسها من ألوانه ما يشتهي و خاط لها مجال الحديث فلهجت باسمه وأبدعت في الموالاة. في قريتنا أيضا عشنا الكثير من الصدف وفي الحقيقة هي حالة القرية و حظها و قدرها ، لا يمكن للواحد فيها إلا السير في طريقين فقط،و لا يمكنه إلا أن يختار لكل طريق قدما واحدة فيضع الأولى في اتجاه المسجد ويضع الثانية في اتجاه الشعبة الحزبية المهم بالنسبة إليه أن يمشي في اتجاه الركوع و السجود، و أن يمارس طقوس الطاعة لله أو للحاكم أو للاثنين معا المهم أيضا أن تكون الطاعة مكشوفة حتى تؤتي أكلها.

و في الحقيقة مرة أخرى أن  السكان لا يمكنهم أن ينتشروا بعيدا فلا نشاط ثقافي يجمعهم و لا مؤسسات تكوينية تأخذ من وقتهم لتمنحهم فرصة القيام بشيء مفيد.

لم تنطل عليّ الحكاية منذ وقوعها صدفة و لم أدرك إلى يومنا هذا أن الرئيس الجنرال سيقود البلاد نحو الديمقراطية.

ربما لان أحد أقاربي من العسكريين حدثني عنه و أكد لي انه لن يستقيم أبدا و أن طينته لا تنبت إلا الألم.

ربما نشط عندي حدس الشعراء فاتخذت مسافة بيني وبين الحزب العاق الذي انقلب أهله على رئيسهم,

المهم إنني لم أمض على صك الثقة للرئيس الجنرال وقررت أن أكون جناحا خارج السرب في قريتي.

تألمت و حزنت و كتبت الشعر فصيحا و عاميا وهجوت بعض الأصدقاء لدخولهم بيت الطاعة و قسوت عليهم إذ قلت فيهم قولا مشينا منه:

قفوا جيدا جيدا

ثم خرّوا أمامي

أنا شامخ دونكم

شامخ مثل جلمود صخر

و انتم حطامي

عندما نشرت هذه القصيدة غضب بعض الأصدقاء الذين أدركوا أن القصيدة موجهة إليهم. و اغتاظ الهدهد المتجدد الذي تعلم فأتقن تغيير مواقفه و لباسه حسب شهوة الحاكم و أصبح لا يخجل من أن يبيت رافعا يسراه مبايعا بها هذا الملك و أن يستفيق على يمناه وهي ترتفع لتبايع الملك الجديد.و أن يحلم بالمراتب في الحزب و بتوظيف ابنه داخل الدولة حالما ينهي دراسته.هو لم ينس أن وراء تشغيله في سلك الإدارة والحزب وقف أخوه القواد القديم.

حتى التقرب  للحاكم يمكن أن يكون تركة يتوارثها الأبناء و يمكن أن يكون أيضا  حلما عائليا كالمرض الذي يمتد عن طريق الجينات.

الحلم في الدار السفلى يختلف عن مثيله في الأماكن الأخرى فهنا يمكن شراء الحلم أو كراؤه أو تداينه وتبدأ مراسم إنجازه بطلب رسمي يقدم إلى المسؤول عن القسم الروحاني ثم تعيّن مدة الانتظار و لا يُسمحُ بتغييرها أبدا.فإذا ما وصل الحلمُ يستطيع النائمُ وهو على تلك الحال أن  يعيشَ لذَّته ثم ينثرها بعد أن يشبعَ منها بكل وعْيٍ و قد يَحتفظُ بها لوقت ليس بالقصير ويمْكنه أيضا تسجيلُ الحلم على حائط المأوى أو تذوّقُ لذّته قبل تمرير الطّلبية.

و يشاع أنّ عدوى الحلم انتشرت بين الطّبقات الشّعبية في المجتمعات الفقيرة و المتخلّفة و السّائرة في اتّجاه النموّ أو الحالمة به.و هذه الإشاعة اعتبرها مراجل واقعا فعمل على منع تسرّب الحلم خوفا على الدار السّفلى من انتشار عدوى الثورات و حمّى الايدولوجيا.

كنت اتفقتُ مع مراجل على أن أمارس الحلم متى شئت وأينما اشتهيت فأنا شاعر و لا يمكن أن أُخْضع نصوصي الحالمة و الواقعية إلى نظام حكم يزول بزوال أصحابه.

تركْت الحلم يسري في مفاصل هيكلي العظمي وصحت من الطارق؟ فلم يجبني أحد. و ناديْت على  الواقف أمام مسكني أنِ ادخلْ و لم يأتِ أحدٌ و بدا لي أن صوتي لم يصِل إلى مسامع الواقف فخلعتُ عنّي اللذةَ نقطةً نقطة وساعدت نفسي على الوقوف و توجّهتُ صوبَ الضوضاء.لقيتُ الشاذلي ابنَ قريتي في شجار عنيف مع مراجل و بدا لي أن مراجل تغلب على الشاذلي فأشبعه ضربا و ركلا وخدشا بالأظافر وكلما همَّ الشاذلي برفع يده يصفعه مراجل فيطرحه أرضا وإذا حاول الوقوف ثانية أضاف إليه لمسة بالرِّجْل فتركه في مكانه. ولم يزل الضّيف على تلك الحال حتى فقدَ كلَّ أسنانِه و لم يعد قادرا على الصّياح. مراجل مُتدرب على فنون الضّرب والنزال في مقرات أمريكا وفي مدارس اليابان و في منتجعات الأفلام الصينية.ومن حين لآخر يُدْعى خلسةً إلى المشاركة في تربّصات تهتمّ بتنمية فنون الدّفاع والهجوم والرّماية ويتسلّمُ في نهاية التربّص شهادة يحشرُها دوما في ملفّ التّرقيات.

إدريس الشاذلي المسكين الوافد من البرادعة والمنحدر من عائلة فلاح لا يعرف قوة مراجل و ربما لا يعرف أيضا إنه الأقوى في الدار السفلى و لم يعلمْ بأنّ سكانها بايعوه أميرا ثم خليفة عليهم مدى الحياة إلا أن ارتباط التَّسْميتين بشؤون الشّرعِ قد حال دون تطبيق البيعة فالبعض من شيوخ الصّمت في الدار السّفلى يكفّرونه.

توقف مراجل عن ضرب الشاذلي عندما رآني.

شكرته على رجولته و رجوته أن يترك الضّيف لحالِه فهو صديق لي. اعتذر مراجل و أقسم أنّه ما كان يضربه لولا إصراره على إخفاء ما في يديه. احتضنت الشاذلي و سألته عن أحوال الدار و عن الأطفال والأصدقاء و عن زوجتي إن كانت تزوجت بعدي فأقسم أنها لم تسمح لأيّ كان بركوبها. وليطمئنَّ قلبي أمدَّني الشاذلي بكيسٍ وقال افتحْه بسرّية فهو أمانة. قلت ومراجل واقف يراقب المشهد بحذر أن لا سِرّ هنا وفتحتُ الكيس فهالني ما رأيت و هزتني نوبةٌ جنسيّة لم أعشها منذ أن حللت بهذه الدار أو ربّما عشت نصفها خلال ممارستي للعادة السرّية الجافّة. شعرت بصعقة كهربائية لذيذة إلى حدّ الذوبان و كدت أتبخّر فيها عشقا لولا تدخل مراجل الذي لكزني بطرف إظفر ساقه فأعادني إلى رشدي ومسكت الكيس و احتضنته و أنا أصيح:

ــ المسكينة زوجتي، أوفى زوجة على الأرض وتحتها. أقدمََتْ على قطعِ أعضاء اللّذة من جسدها وأرسلتها إليَّ. المسكينة أعشقها و أنا مجنون بوفائها.

صاح مراجل و صفعني بقوة فطار الكيس و تبخّر في المكان و لم أعدْ أمسك إلا على رائحة الأعضاء.

لقد زلَّ لساني فنطقتُ بكلمة مجنون و نسيت أنها كلمةٌ ممنوعةٌ من التّداول و كذلك كلّ الكلمات المشتقّة منها فالجنّ لا يدخل هذه الدار شرط ألا يذكره أحد وكان مراجل قد أمضى معاهدة مع الجنّ في هذه المسألة.

بكى الشاذلي لأنه لم يتزوَّج و لم ينَمْ إلى جانب امرأة طول حياته.

القضيّة أكبر من هذا الذي قلته بكثير فالشاذلي انكشف أمره عند السّلطة منذ أيام و تابعه المرشدون و لم يتفطّن إليهم حتى ألقوْا عليه القبض متلبّسا بصداقة الملازم.تركوا الأمر يسير عاديا إلى أن غادر الملازم الحبيب السّجن مغادرة مشروطة بعدم التعرض إلى سبب الإيقاف ولا إلى أصل الجريمة.لكنّ الحبيب لم يكنْ ليضمنَ لهم صَوْمَ الشاذلي عن الكلام فانخرط في توريطه و أرسلوا به إلى مراجل ليلقّنه درسا في الترهيب.و رتّبوا سيناريو لكي لا يتظاهر الشّاذلي بأنّه مجنون فيتنصّل من المحاكمة.ولم يتخيّل المسكين أن صديقه الحبيب الملازم العائد إلى العمل سيفكّر في الوشاية به.

طلبت من مراجل أن يُكرم صديقي و يشكره لحفاظه على الأمانة ففعل و وعده باستقبال جميل عندما يقرر أن يقيم نهائيا في الدار السفلى فعبّر الشاذلي عن نيّته عدم العودة إلى الدار الأخرى وقال إن روحه ستلحق به بعد وقت قصير فقد أتعبه المرض و عذبته إصابة كليتيه.

و رجوت مراجل أن يقرّبه منّي ففعل. وأكرمه بزوجة جميلة تعوّضه عن حياة العزوبية التي عاشها.

و في الليل عندما خفت الحركة و تثاءب أحدهم وتبعه آخرون اقترب مني الشاذلي و وشوش:

ــ الملازم يطلب منك إعادة ملفه.

قلت :

ــ إن كان المقصود ملفّ المحكمة فلن يكون له ذلك لقد أشرفت على الانتهاء من كتابة القصّة و لن أضحّي بتعب سنين من أجل تبييض وجهه.

رد الشاذلي:

ــ كان ذلك في فترة سجنه أما اليوم فهو في العمل في نفس المكان و قد يتهمُ بإفشاء سرِّ المحكمة وسرّ الوزارة وربما سرّ الدولة و في نهاية المطاف لن تخسرَ شيئا.افرضْ إنك لم تشرع في الكتابة و أعد إليه أوراقه.

ــ الأمر ليس بهذه البساطة فالكتابة كالحَمْل لا تنتهي إلا بالولادة أمّا الإجهاض فهو حالة غير طبيعيّة و في نهاية المطاف أيضا، أنا لم أتسلم منه شيئا و إلا كنت اشترطت عليه ألا يتراجع و لو بعد سنين...

ــ أعرف، أعرف ردّ الشاذلي، فأنا سلمتك الملف وأشهد على نفسي و لكن أشكّ في أنّه لن يتركني إذا لم أساعده على استرجاع الملفّ و قد يكون رتّب لي شيئا دنيئا مع مراجل...إنه مجرّد شكّ.

علقتّ:

ــ يطمع في ترقية في آخر فترة من حياته المهنية ويريدها أن تكون على حسابك أو على عنقي و إنني لن أقبل ولن أسمح له باعتلاء إبداعاتي سُلّما نحو غاياته.هكذا البوليس دائما لا يرتقي إلا على أكتاف الضحايا و أنا لن أكون مطيّة أحد. أتذكر الآن مقولة كان يحبها ويرددها و يؤمن بها كثيرا.كان يقول إن العدو الذي ينفعك أفضل من الصّديق الذي لا تستفيد منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

25 ــ ما بين الدارين

 

 

 

 

ظلّت الرّوح في الدّار الأخرى كالأعمى في مفترق الطّرق. تجوب الشوارع و السّاحات بحثا عن شيء تفعله أو عن جسد تستقرّ فيه. أغلقَت الأبوابُ وأسْدلَ الصّمت على الجرائد و أحكم غلق التلفزيون بسبعة مفاتيح.

و ساءني أن أرى روحي على تلك الحال دون أن أحاول إنقاذها من الكسل أو حتى استرجاعها بدون معركة أخوضها ضدّ الشّرطة.أنا أعترف بعجزي عن المقاومة لضعف بنيتي الجسدية. أعرف طاقتي وأعرف أنني كنت على حق و لكن أعوزني الجهد البدني فقبعت في مساحة محدودة.

في الدار السفلى بدأ مراجل يغتاظ بدوره من تصرفاتي ولم يعذر حالتي و لم يسع إلى البحث عن روحي وكأن الأمر لا يعنيه فأنا صاحب حق في الدارين. اكتسبت هذا الحق بالتجربة و بالانضباط وبالمشاركة في كل الأعمال النافعة و كنت قد ساهمت في الرفع من مستوى الحوار في الدار السفلى و نال مراجل من شهاداتي الصادقة على العصر ترقيات عديدة أهلته لأن ينتخب أميرا على الدار مدى الحياة.و كان يحبني بدوره و يسعى إلى إرضائي وقد دافع عني أكثر من مرة و وصل به الأمر إلى التهديد بقطع علاقة التواصل بين الدارين.

كان عليه أن يستمع إلى أنّاتي و أن يتفهم سبب أحزاني وأن يشكرني و أن ينتبه إلى أنني قضيت في هذا الرّكن المظلم سنينا دون محاكمة.

أحسست أن لا مكان بقي لي في هذه الدار و قررت العودة إلى حيث مقري الرسمي. شرعت في جمع ما فقدت من لحم و ألبسته عظامي و أعدت ترتيب الخلايا وحرّكت المفاصل و الأوصال و سكبت من ماء الدنيا نصيبا فابتلّ ريقي و تحرّكت أمعائي وبدأت أشعر بالجوع.. مرّت الساعات الأولى ثم اليوم الأول والثاني وأيام أخرى و أنا على حالة الجوع تلك وكان مراجل يطلّ عليّ من حين لآخر ليسألني : هل أطلقت الريح من الأسفل؟ فأقول:لا فيتجهّم وجهه و يمضي غاضبا أو حائرا.كنت أجيب بكل براءة وأكتفي بالإجابة ولم أتشجع مرة واحدة فأسأل بدوري مراجل عن السّرّ في الضّراط...و عن سبب إصراره على طرح السؤال يوميّا...

و هل ينبغي أن أجيب لأعرف السبب.

بعد أربعة أزمان أو أكثر و في إحدى الصّباحات أطل مراجل كعادته و قبل أن يرميني بسؤاله اليومي صحت في وجهه : لقد أطلقت الريح سبع مرات كاملة. قفز مراجل فرحا و قال:

الآن اطمأن قلبي... الضراط في هذه الحالة هو العنوان الوحيد لعودة الحياة إلى الروح و الجسد معا...الآن فقط عادت إلى أمعائك الحركة الأساسية اللاشعورية وخرج جسمك من حالة التخدير التي أجبرتك على البقاء بيننا ...

الآن فقط يمكنك العودة إلى الدار الأخرى مكتملا فتهيّأ للمغادرة و لا تنس أن تذكرني بخير و الآن فقط يسمح للجسد باحتواء الروح ليكتمل الإنسان في الاثنين. ثم ضرب كفا بأخرى ونودي على الحضور فتزاحمت الهياكل العظمية و ترك العشاق أحضان بعضهم وقطعوا لذات العناق لينضموا إلى اجتماع فجئي دعا إليه مراجل. تكلم مراجل وقال:

 أيها المناضلون يا سكان الدار السفلى الطيبين إن ما جرى في الدار الأخرى فاق الاحتمال و تعدى الجبال وملأ الخيال فالناس هنالك يتعذبون ويشقَوْن من ظلم حاكمهم الرئيس الجنرال الذي افتك،كما تعرفون، الحكم من الرئيس الزعيم  و نصّب نفسه لصّا شرعيّا مدى الحياة وأطلق أهله و أصهاره كالكلاب المسعورة لا تبقي لحمة واحدة على جسم بشر إلا ونهشتها واقتسمتها مع الرئيس الجنرال كبير الأنياب.وشرّع الفوضى فعظم الظلم واحتقنت المدن و ضاعت القرى في غبارها ولهذا يا أهل الدار السفلى الطيبين فإننا ننتظر أن يثور القطيع على راعيه فيطلق الرصاص عليهم و تدوسهم الدبابات وسيصطادهم القناصة و إن الموت سيوزع في كل مكان من تلك البلاد و أنتم تعرفون علاقتنا الجيدة بهؤلاء المساكين و حبَّنا لهم.أنا واحد منكم و منهم ولكن الخبزة هي التي جاءت بي إلى هنا.بالطبع سيزورنا كثير منهم وقد تضيق بهم دارنا السفلى هذه فماذا ترون؟ ثم لا تنسوا أن الوافدين عليكم سيكونون مختلفين في كل شيء، فهذا يطالب بالحرّية الجنسية و هذا بالحرية في الأدب وآخر يطمح إلى حرية المعتقد و ثمة من يريد أن يحكم باسم الدّين فيقطع الألسن التي لا تبايعه ويكفّر من يتجرّأ فيناقشه و آخرون يسمون أنفسهم السلفيين يريدون أن يفرضوا  عليكم غرائب وعجائب و حتى أخطاء أسلافهم و أنتم تعرفون أن الاتّكاء على الأسلاف كالاتكاء على الأجداث و أن رهطا كبيرا  من الأسلاف كانوا من القاتلين...أنبّهكم إلى ضرورة التحلّي بالصّبر و لا غير الصّبر و أتمنى ألا تصيبكم عدوى الكرسي فهي أقوى من الجرب وأكثر فتكا من الفتنة و هي باب لإسالة الدماء والقضاء على الأعداء و إن كانوا من أهلكم أو من خيركم فالكراسي لا أهل لها سوى من يركبها.

 صحت يا قوم استمعوا جيدا سبق أن عشْت أكثر الثورات في البلاد ففي يناير 1978 مات الناس بأعداد كثيرة و لم تتغير الحال و جاءت ثورة الخبز فمات آخرون و بقي الركض وراء الرّغيف أمرا عاديا وأطلق الرّصاص في قفصة و سقط الشهداء فدفناهم دون جنازات و انتفض الحوض المنجمي فمات آخرون وظلت دار لقمان على حالها و أما هذه المرة فستكون الضربة أقوى و الطوفان أعظم. لم أكد أكمل جملتي حتى نفخ في صفارة الإنذار وقرعت طبول الاجتماع. هرعنا في كل الاتجاهات كل يبحث عن مسكنه وجرى مراجل يسأل بدوره عما ألمّ بنا.كشرنا عن أظافرنا وتعاهدنا على المقاومة كالرجل الواحد.ظن البعض أن محكمة الدار الأخرى بصدد تمثيل جريمة حربية و لكن الأمر لم يكن كذلك إذ أعلمنا الوافد الأول أن الثورة اندلعت في كامل تونس و أن البلاد تزينت بدم أبنائها ووضعت الحناء في أكفها و تجلّت كما تتجلى العروس ليلة زفافها و إن الشهداء قادمون وسيتزاحمون على نيل الشهادة.

أعلن مراجل عن بداية الاحتفال بقدوم الضيوف وقرعت الطبول و رقصت الهياكل و عاد الجوع يتملّك السّكان من أسفل القدمين إلى أعلى الرّأس و بدأت عظامهم تستعيد بعضا من اللّحم الذي تقيّأه الدّود كي يعيده إلى أصحابه.وبعد ساعات قليلة فُتِحت الأبوابُ وانتصب وراءها أناس طيّبون يدفعون بمن في الداخل نحو الخارج . وما إن يطأ المتحرّر إسفلت الشّارع حتى ينتابه شعور بالقداسة وتأخذه نوبة من الخشوع فينتصب مظلمَ الوجه رعديّ الصّوت ويلتحم بالجموع مردّدا معها:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

        فلا بدّ أن يستجيب القدرْ

 بحثت عن مراجل فأعلمني أحد الرجال الطيبين انه تبخّر  مثلما تبخّر هتلر و لم يبق منه أثر.

. رحت إلى مكتب المؤرخ العام للبلاد أقرئه الشهادة الأخيرة من دفتر احتفظت به و رفضت إعادة بعضه إلى  الملازم إصرارا مني على إبقاء الحقيقة كما هي واعتراضا على تدليس الوقائع و صونا لذاكرة هذا الشّعب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

26 ــ الملازم يصارع الظلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال الملازم للعونين الواقفين أمامه في انتظار الأوامر:

ــ تُباشران المهمّة كما يلي:

تستكشفان المكان من بعيد لمدة خمس دقائق ثم تختبران ردة فعل الجيران في دقيقة واحدة و تغيبان لساعة ثم يعود الأول ،القصير منكما، فيقف أمام الباب الحديدي ليشعل سيجارة واحدة و يمضي ليأتي الثاني ويدفع الباب بسرعة و يمشي في اتجاه اليسار وحالما يدور مع الحائط يدخل الثاني ويوصد الباب الخارجي ويلتحق بزميله إلى الباب الخلفي.تتعاونان على خلعه بالأدوات التي تجدانها هنالك وتدخلان مباشرة إلى بيت الجلوس حيث اعتاد صاحبنا أن يضع كتبه وأوراقه و ملفاته الأدبية والمهنية.في الجهة المقابلة لباب الصالون ثمة مكتبة تشبه إلى حد كبير المكتبات العمومية فهي عبارة عن مجموعة رفوف متناسقة... على الرف السفلي توجد أوراق مبعثرة وملفات وأكياس تحوي بدورها أوراقا قديمة.

قال العون:

ــ لم تخبرْنا بالمكان يا عرفي.

ــ عندما تصلان إلى مدينة المهدية سيكون رئيس أقرب مركز شرطة في استقبالكما ليدلكما على المنزل ويمدكما ببعض التفاصيل التي قد تحتاجانها.

ــ و بعد؟ سأل العون الآخر.

ــ تحملان معكما كل قديم من كتب و أوراق وصور وأشرطة و ملفات و حتى البطاقات البريدية وكل ما تجدان على الرف السفلي خاصة. لا تهتما بالأشياء المنزلية و العائلية كالأثاث و الذهب و الأموال.

سأل عون:

ــ و ما هي حبّة العقد يا عرفي؟

ــ ملفّ قديم لا أعتقد أن صاحبنا أهمل الكيس الذي يحويه لأنّه مغرم بالحفاظ على الأشياء العتيقة وعلى ذكرياته وكتاباته القديمة أكّد الملازم ثم طلب منهما هواتفهما ففعلا و سلّم لكل منهما هاتفا آخر و أضاف:

ــ هذا النوع من الهواتف مخصّص لعدد محدود من الأرقام وقد هيّأته لنتواصل معا. أتمنى لكما التوفيق في هذه المهمّة و أنا على يقين أنكما ستمنحان المسألة ما تستحقّ فالبلاد في حاجة إليكما. إن في الأمر خطرا كبيرا إن نحن تغافلنا على ما في الملف من دعوة إلى العبث و زرع الشك وإثارة الفوضى وترويج التهم ونشر الغسيل الوسخ.إنها مسالة وطنية في غاية الأهمية وأعتقد أنني اخترت لها خيرة أعواني و كلي ثقة في أنكما ستنجحان ولكل نجاح مكافأة.

غادر العونان.

فتح الحبيب درج المكتب و سجّل ساعة خروج المبعوثين وهاتف رئيس مركز المدينة ليطلب منه تسهيل مهمة العونين و حمايتهما إن لزم الأمر دون ذكر تفاصيل المهمّة و لا الهدف منها.و رغم استجابة رئيس المركز المطمْئنة فقد ظل هاجس الفشل يراود الملازم الحبيب.

كان صعبا عليه أن يعود إلى زمن مضى  لِيُقْدِم على ملاحقة صديق كان صافاه و بادله الودّ عندما كانا معا في الكلية.و كان صعبا عليه أن يعتدي على حرمة منزل عزيز عليه.

إذا حلّ فصل الصّيد يصْبحُ الكُلّ قابلا لأن يكون ضحية و يصبح الصّديق أقرب و أسهل فريسة.

عادت به الذاكرة إلى الأيام الأولى في الكلية و تذكّر كلام  صديقه عندما دخل عليه في غرفته في الحي الجامعي وأعلمه أنه قرر أن ينقطع عن الدراسة في الكلية و أنه سيلتحق بوزارة الداخلية حيث ستفتح أمامه أبواب الترقيات السريعة.سيرسل في تربّصات عديدة إلى أمريكا وفرنسا و إلى الاتّحاد السّوفياتي يعود إثرها ليثبّت خيوطا على كتفيه ثم يعلق نجوما فشعارا  و ما هي إلا سنوات قليلة حتى يزدان كتفاه وصدره بعديد النّياشين والأوسمة و سيمرّ أمامه طابور من عامة الشرطة فيؤدون التّحية و يتعلّمون كيف يحترمونه طمعا وخوفا وكيف ينفّذون أوامره دون اعتراضٍ ولا حتّى مجرد امتعاض  و هاهو الآن يأمر عونين من أعوانه باسترجاعِ ملفِّ محاكماته السّابقة قبل أن يشاهدها الناس في فلم أو مسلسل وتقوم القيامة و تنزل الطامة الكبرى على رأسه. لكن من يضمن أن العونين سينجحان في القيام بالمهمّة والحال إن الخطة ستتغير في اللّحظة الأخيرة.

ــ هل أخطأتُ؟

ــ لا

ــ هل تسرّعْتُ ؟

ــ لا... فلو أعاد إليّ ملفّي ما اضطررتُ إلى البحث عنه بهذه الطريقة.

ــ لماذا يصرّ على استغلالِ ملفِي الشَّخصي لينجز فِلْما أو ليكتب كتابًا؟

أنا لا أحبُّ الرّوايات و الأفلام.أنا أكرَه الأدب. أنا قليل الأدب و هذا اختياري...نعم اخترتُ أن أكون قليل الأدب على أن أهانَ في مركزي أو أخسرَه.أنا حرٌّ في اختياري فلماذا يُحرجني هذا الزّ....

لم أعدْ في حاجة إلى النّبش في فضائح الوزارة التي تشغِّلُني وتمتِّعني بالتّرقية بعد الأخرى و في كلّ مرة يزداد راتبي بعض الدنانير و يزدان كتفي.قد أعود إلى السّجن بل سأعود إليه متّهما بكشف أسرار الدولة والتّهمة واضحة وثابتة هذه المرة. عليه أن يتحمّل تبعات تعنّته. لماذا لا يرأفُ بي و يترك حكايتي جانبا؟ و هل جفّت ينابيع القصص؟

حاولت أن أعقِدَ معه صفقةً تُريحنا الاثنين فرفض أن أتولّى أنا كتابةَ الرواية...اتّهمني بجهلي للقصّ وبعدم قدرتي على كتابةِ الأدب...فضحَ سوءَ نيّتِه...خافَ أن أنْقِِص بعض الأحداث التي تُحرج العدالةَ والوزارة...كنتُ سأفعلُها دون أن أضرَّ بالحكايةِ...

الكتابة سهلة في نظري...هي سردٌ لأحداث تتوالى أمام الكاتب فيكتفي بتدوينِها . كلّ شيء جاهز عندي: الأزمنة  و الأمكنة و الأسماء و الأحكام المسجلة ضدّي ولا شيء ينقصني لأكون كاتبا...أركّّب العبارة على العبارة وأزوّج المفردة بأخرى وأربط الجمل ببَعضها لتتوالى الفقرات فيولد النّصُّ بلا حيثيّات...الشّخصيات أجعلها وهميّة فأتّقي شرّ المُدّعين عليّ و أكون وحدي في دائرة الضّوء...أما الآخرون فمكانهم الظلام وسأبدو صاحب الفضل الوحيد على العدالة...

لم يوافقِ الغبيُّ على هذه الصّفقة فليتحمّل مسؤولية غبائه.ولكن....

ماذا لو أعدّ المسؤولون الجدد برنامجا للنّبش في فضائح الماضي؟

ماذا لو طالب النّاس بمقاضاة جلاديهم؟

ماذا لو حاسب الشعب كلّ الذين ساسوه؟

ماذا لو أخضع الحكام الى عدّ ما كسبوا؟

ماذا لو حوكم كل من انتسب إلى وزارة الداخلية؟

ظلّت هذه الأفكار تثير السؤال بعد السؤال في ذهن الملازم إلى أن لعن ذلك اليوم الذي دخل فيه مكتب التوظيف في وزارة الداخلية.

تناول الهاتف و طلب عونا كان قد أرسله قبل زميليه إلى المهدية للتمهيد إلى المهمّة أعلمه العون أنه كلّف أحدهم بقصّ خيط الهاتف الموصل إلى المنزل المقصود في شارع علي البلهوان و أنّه بانتظار أن يتّصل به صاحب المنزل ويطلب إعادةَ تشغيل الخطّ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

27 ــ الخنثى مراجل

 

 

 

 

 

 

 

تعجبني حرارة الصيف في البرادعة فاقضي فيها شهور ه الثلاثة مستمتعا باستعادة أيام طفولتي  مع الأصدقاء الذين يعودون بدورهم إلى قريتهم لاستعادة طفولتهم. نلتقي مرتين في اليوم الواحد عندما يأتي البريد في حافلة النقل العمومي وفي الليل بعد العشاء.

و كنا لا نخاف حرارة الشّمس فنتجمع في انتظار الحافلة و حالما تصل ننتظم صامتين أمام دكان العم الهادي برندو ليقرأ علينا بنفسه كل ما وصل من رسائل أو حوالات وتسري القاعدة على الجميع الحاضر يعلم الغائب بما وصله. يومها عرفت أن لي رسالتين واحدة باسمي الحقيقي و الثانية باسم نيابة شركة الفسفاط تسلمت الأولى ورحت في انتظار أن يأتيني صديقي ساعي البريد بالثانية أو أن يتركها برندو.

بعد يومين او ثلاثة  وصلتني الرسالة الثانية مفتوحة؟

ــ من فتح الرسالة؟

ــ لماذا وصلتني و هي في حالة مشبوهة؟

لم تطل حيرتي .

الرسالة تحمل ختم بريد انجلترا،.مرسلها الخزرجي. لا أذكر هذا الاسم.

شكرني الخزرجي عن الجرأة في قصائدي التي قرأتها في مدينة أجرا الهندية....

دعاني إلى الكتابة عن سبط الرسول....

أمدّني بقائمة الشعراء الذين كتبوا شعرا في مدح علي ابن أبي طالب...

 ذكر لي محتويات المكتبة المختصة في ذلك المدح (تقريبا هذا مجمل ما جاء في الرسالة)

لم أعر المسألة اهتماما كبيرا.

بعد أسبوع تعمّد عبد الحميد الحرس اعتراضي. صافحني كما يصافح صديق صديقه القادم من سفر طويل. سألني عن أحوال العمل و العائلة و عن الجديد. وإذ لم تشفه إجاباتي  تجرّّأ وسأل : هل أجبت عن الرسالة الانجليزية؟

ــ لا،لم أجب ؟

ــ ولماذا ؟ هل قطعت علاقاتك معهمممممم.؟

استهجنت سؤاله غير أني لم أحرمه من الجواب فقلت:

ــ بكل بساطة لا اعرف أحدا بهذا الاسم و لا بهذه الصفة.

قال عبد الحميد:

ــ اعذرني لا أريد التدخل في مسائل لا تعنيني ولكن أرى من واجبي أن أنبهك إلى أن للشخص الذي راسلك علاقة وطيدة بمدير الحزب الحاكم في أفغانستان وكنت راسلتَه منذ وقت و اعتقد انك لا تنكر ذلك فرسالتك نشرت على الصحافة.

صحيح....صحيح...أصاب عبد الحميد الحرس الذي يعرف حتى تفاصيل ظلي في الليل و النهار...

صحيح.... حالما عدت من الهند قرأت في الصحافة عن شاب تونسي مسجون في أفغانستان .فكتبت إلى  عبد الله النايبي مدير الحزب الحاكم في ذلك البلد وكنت التقيته في مؤتمر ثقافي في الهند و رجوته باسم الشعر الذي جمعنا أن يطلق سراح الشاب التونسي.وصلت رسالتي إلى يومية تونسية فكتبت في الصفحة الأولى: تونسي يتدخل لدى الحكومة الأفغانية لإطلاق سراح الشاب.

و لم أعر المسألة اهتماما كبيرا و اكتفيت برد السلام على والد الشاب الذي شكرني على التدخل.

نصحني عبد الحميد و هو يتباهى بنصيحته / المزية مؤكدا أنني سأبقى متهما بالتواصل مع الخزرجي و مع مدير الحزب في أفغانستان إلى أن أسلم الرسالة إلى السلطة التونسية . وعدته بفعل ذلك و لكن المسكين لم ينتظر طويلا فعاد من الغد وأعلمني بان رئيس المنطقة شخصيا في انتظار الملفّ. سلمته الرسالة و قد صارت ملفّا فطمأنني ببراءتي من تهمة اجهلها إلى يومنا هذا.ولكنني أيقنت أن أجهزة الدولة جادة في أن تصنع مني رجلا مهما حتى و إن تغافلت عن المسالة أو ترفعت عنها.  

في عطلة الصّيف أترك منزلي في المهدية شاغرا وأمرُّ يوميّا بعد العمل لأتفقّده.

مرّ نصف الصّيف هادئا لم تنغّصه أحداث تشدّ الانتباه أو تعصر   القلب.

وفي اليوم الثاني عشر من شهر أوت سنة 1995 مررت كعادتي بالمنزل فلاحظت أن الهاتف مقطوع اتّصلتُ في الحين بمركز الإصلاح و وعدني العون بأن يأتي سريعا وكان صادقا في وعده، على غير عادة مركز الإصلاح، إذ حالما عدتُ من مركز البريد وجدته في انتظاري فتحتُ المنزل فتفقّد الآلة والخيط ثم الصندوق المعلّق على سور المنزل وناداني وأمرني أن أضعَ السّماعة في أذني بينما دلَف هو إلى داخل المنزل ليكلّمني. و يرتّب كل شيء ثم دعاني إلى ناحيته.

ــ كلّ شيء على ما يرام.

ــ شكرا لك.

ناولته بعض الدنانير فانصرف شاكرا و أغلقتُ باب المنزل و جذبتُ باب السّور و عدت إلى القرية.

مرّ اليوم عسيرا على الملازم و هو مرابط في مكتبه. طلب لُمجةً فقتل بها الجوع. ارتعش قلبه ولفّه العرق البارد.شغّل المكيّف و مشى نحو بلّور النّافذة يراقب المارّين و يعدُّ السّيّارات المتوجّهة إلى اليسار و كأنّه طفلٌ يمضي الوقت بدون لعبٍ. بدأ اللّيل يقترب وكلّما زاد الظّلام كثافةً خارج المكتب زادت الظّلمة حول قلبه و تمنّى لو تباطأ اللّيل أكثر. تملّكه الخوف وراح يشتم نفسه و يدعو عليها بالفشل.

أحسّ بأنّه فقد نصف نفسه.

رفع هاتفه إلى أذنه و طلب أحد العونين.

ــ أنت لم تزلْ أمام الباب؟

ــ نترقّب ردّة فعلِ الجيران و يبدو أن الاختبار كان ناجحا.

ــ تحرّكْ أنت إلى الباب الخلفي.

ــ لم نخلعْه بعدُ.

ــ امْشِ يا جحش.انه مفتوح.

في الغد مررت كعادتي على المنزل فلم أجد ملفّ الملازم ولا الأشرطة المغناطيسية التي كنت أحتفظ فيها بذكريات الجامعة و لا قصائدي المخطوطة و لا تلك التي لم أنتهِ من كتابتها ولا نصوصَ الأصدقاء التي تنتظر ملاحظاتي ولا حتّى الكتب الفكريّة والسياسيّة التي وصلتني هدايا من أصدقائي المتواجدين في الخارج.

لم أتعب كثيرا في البحث.رافقني رئيس مركز الشّرطة إلى المنزل للمُعاينة. تمشّى في البهو قليلا و تثبّتَ كثيرا وغادر مسرعا فاستوقفتُه أمام الباب الخارجي وقلت:

ــ يا سيّد...إنّك لم تسّجلْ اسمي.

ــ آ... تذكرتُ ...ما اسمُك؟

ــ ليس مهما...

و فهمتُ أن رئيس مركز الشّرطة و الوالي و عون البريد ورئيس مركز الحرس و المُخبر الطيّب في القرية كانوا في انتظار الملفّ لحمله إلى الملازم. 

بحثتُ عن سيدي أحمد الكرفاعي فوجدتُه بعد لأيٍ في إحدى مقاهي العاصمة.أعلمتُه بكلّ التّفاصيل فربّت على كتفي و فرِح كثيرا.

سلّمتُه نسخة من الملف كان نسيها العونان في منزلي . أكد لي أن الحكومة لم تزل غبيّة و هذا أمرٌ يُسعد المبدعين و هي لم تزل تعوّل على أمثال الخنثى مراجل الذي أرسلته للتدريب في عدة دول ثم رمت به في قبو وزارة الداخلية ليعذّب الموقوفين.وليتولى حراسة الأفكار داخل المقبرة السّفلية للوزارة انّه سجّان سجين دون أن يدري. الغريب أن مراجل لم يغيّر في طريقة التعامل مع الناس و لم يعْلَمْ بأن الدول التي علّمَتْه التّعذيب قد تخلّتْ عن وسائله القديمة واختلقتْ أساليب أخرى أكثر إنسانيةً و أقلّ ألمًا.

صافحتُ سيدي أحمد ومشيتُ إلى المطبعة بخطوات أكبر من السّجنِ.

 

هذا الموقع فضاء يسع الجميع فلا تبخلوا عليه بدعمكم وبالتواصل معه خدمة للادب والفكر
Ce site web a été créé gratuitement avec Ma-Page.fr. Vous souhaitez aussi avoir votre propre site web ?
Inscription gratuite