الظل يمنع الحلم


 

الظل يمنع الحلم

مقدّمة

بقلم : خالد الغريبي

أنا النيرون العظيم أصرّح عن طيب خاطر بأنني لم أرغب في المجيء إلى هذه الدنيا على طريقة الاستنساخ وأنّ دروين لا يعنيني فيما زعم أو أصاب فالثابت في نظري أنني جئت من ماءٍ دافقٍ يخرج ما بين الصّلب والتّرائب .أنا أسعى بكلّ جهْد واجتهادٍ إلى تعمير الأرض وتدميرها متى شئت. وأنني الوحيد القادر على قيادة العالم من داخل الجلد الطري الذي يسيّج مملكتي، وأنا الوحيد الذي يملك الإجابة عن دواعي انفرادي بالسلطة.أنا النيرون البطل الذي لا يمشي كالأبطال الآخرين في الشارع ولا يكلّم أحدا ولا يضحك ولا يبكي ولا يشتكي كما يفعل الكاتب. فقط إنني أفكّر وأتحكّم في هذا الجسم المعقّد وأمنح الحلم لمن أشاء وأشدّ توازن الأرض.  "

بهذا يفتتح السارد روايته، علامته الظاهرة صوت المتكلّم يقصّ علينا آيا من عجائب الجسم والبدن، والتاريخ والوطن.

نازلا- مكرها لا بطلا- من كوكب آخر إلى أرض تشبه الواقع أو ترمز إليه، يطلّ علينا"نيرون"  أو هكذا سمّاه أبواه العالمان، بطلا عجيبا ومخلوقا غريبا يريد "مكانا لا شرقيا ولا غربيا ، ناصعًا في بياضِه حالمَا في زرقته مبدعًا في خضرته واضحًا في  نظافته بِكرا لم تطأهُ قدم "، فيلقاه المرشد الأرضي، "حارس  الجنان" ومراقب المطار ليستجوبه حول أسباب النزول وهويّة النازل وقصّة نزوله. وتأتي الأجوبة تباعا: مشاهد تسرد وبينها فواصل قدّت للتشويق. حكايات تتداعى: حكاية تتلوها حكاية  بين راو ومرويّ له .بين كائن أرضيّ وكائن حطّ من سماء.

 أولى الحكايات التي نسج، حكاية التعارف بين أمّه وأبيه يوم التقيا  في الجامعة وتعارفا في العلم،  ألفة بين مختصّ في الفيزياء الفضائية ومختصّة في العلوم الصيدلانية. هذا يحلم بصناعة "طائرة حوّامة" وقد أنجز ما وعد. وتلك تحلم باختراع كبسولة تقي البشرية الجوع والسغب وتعفيهم من الطعام، إذ لا حاجة لهم به ما دامت الكبسولة طعاما لكلّ فم .

وقد جعل الراوي من طائرته الحوّامة اختراعا عجيبا لا عين رأت ولا أذن سمعت, فبالوصف سوّاها وأحسن وصفها،  كأنّها جنّة المعري في رسالة الغفران هي "طائرة حوَّامَة تعمل بالطّاقة الهوائيّة لا غير" .فيها ما فيها : "بيوت نوم وبيوت استحمام ومطابخ كثيرة وفيها أمكنة للتّرفيه مجهّزة بآلات وبشاشات يمارس فيها المسافر هواياته وألعابه المفضّلة من الشّطرنج إلى كرة القدم إلى السّباحة. وفيها حوانيت للمواد الغذائيّة للمسافرين العرضيين وصيدلية لبيع الأقراص المغذّية للمسافرين الدائمين وحانات لشرب الخمر وقاعات لتنقية الدّم من الكحول. وفيها مغازات لبيع الملابس. وفيها مستشفى مجهّز بقاعة عمليّات وأخرى للتّوليد وبقسم للأشعّة يعمل بالطّاقة الهوائية. وفي الطّائرة الحوّامة أيضا فضاءات خاصّة بالجلسات السّياسية وقاعات للأنشطة الثّقافية ولعرض الأفلام.."                                                                                                 هكذا مطلع الحكاية كشف واستكشاف. راو يحكي ومرويّ له في صيغة الجمع : المرشد الأرضي ونحن القراء وكأنّنا في حضرة "حكواتي " ينهل من أعاجيب القصص العلمي ما ينهل : هو نيرون السرد ما دام بصوته الوحيد الأوحد يتكلّم. وبكلامه يتحكّم وإلي المرشد الأرضي وإلينا يتوجّه . نيرون من لحم ودم، كاتبا يكتب، وله في الكتابة عرش. نيرون وليس كما نظنّ، طاغية أو مجنونا حرق روما. هو  فينا بأجسامنا يتحكّم ، يسوس أعضاءنا كلّها إحساسا وحركة.  وحين يموت نموت . يسكن منا نبرون الدماغ، جمجمة مسيّجة  وداخلها مناطق لا تحدّ: منطقة الإحساس الروحي ومنطقة الإحساس البصري ومناطق الأخرى تتحكّم في مزاجنا وأحاسيسنا وبردنا وحرنا وفرحنا وغضبنا. والكلّ ملتئم في قشرة من أنسجة تتبادل الوصل إن شاءت والفصل إن شاءت. بها نكون وجودا حيّا وبلاها نكون عدما .

ونيرون هذا هو من فصيلة الطغاة تناسلوا من "نطفة الديكتاتور" وحكموا شعوبهم بالجنون وبالصولجان وبالمسدّس  المشرع على الذقون . ماتوا وما ماتوا لأنّهم في كلّ أزمنة هذا العالم يتوالدون بأزياء أخرى وأقنعة أخرى، ظاهرها الحداثة والديمقراطية، وباطنها السفك وعبادة الكرسي, كلّهم مرّوا من إبرة التاريخ لكن التاريخ لم يرحمهم وكشف عوراتهم وما انفلتوا . فهم في عين الراوي طغاة مهما تلوّنوا  ومهما تلاعبوا  ومهما تزاحموا.

هو نيرون " نِيرُونُ الفضاء، ساكنُ الأرضِ وفارسُ السماء". هو " من روح العلم ،من أهمّ خليّة في الإنسان، تلك التي تسكن الدّماغ وتحمل وزر الفكر والمعرفة وتتحكّم في مصير الجسم وتعمّر أكثر من كل خلاياه فيحْيَا  بحياتها الإنسان ويموت بموتها"

نيرون -إن شئتم- هو مفتاح الرواية ونسغها الحيّ . هو مفتاحها وقفلها، وجهها وقفاها، تفاصيلها الملغزة. تحتمي بالعلم تارة وبالواقع الغامض, ترمز إلى حاضرنا وتتستّر وراء أسمائها الحسنى. نيرون قبضة من رمز وواقع، وعلم وحقيقة .

 هذا النيرون يحبّ ويعشق: له في العشق مقامات مع ليلى، وله في حبّ الحياة نصيب ، وله في الشكّ والتقوى أسئلة لا تحدّ، وله في السياسة موقف، وله في تنظيم الدولة رأي . قلّبه كيفما شئت، فهو إليك منك قريب، وأنت منه بعيد. هو بجلدتك لصيق . إلاه أصغر ولكنّه كبير.مثل الراوي تماما يتلاعب بحيل السرد. يظهر مرة ويختفي أخرى ويتقنّع بصوت الراوي مخترقا أعراف الكتابة، وبسيرته ينبس: طبيبا عالما بخفايا الجسم وأعضائه، مسرحيا يتخفى وراء المونولوج وبصوته يصدح، شاعرا ينبس بعشق غائب لا ينقال  حين يصف. يرديك عاشقا ومعشوقا وبنفسه يتكتّم،لا مصرّحا ولا مفصحا . وإنّما قوام الحكاية واقع  إليه ترمز. 

قلّب الرواية كما شئت، فهي إلى الحلم أقرب .بالحلم نشأ الحلم: "طائرة حوامة "وكبسولة غذاء.  وما بعد البعد عودة إلى أرض مسكونة بالأشباح. سراب وأمل ممكن، ما دام للبطل نيرون قدرة فائقة على  توليد الحلم من حمّى التاريخ  وبه يتوسّل. وما دام الروائيّ واعيا كلّ الوعي بتفاصيل البلاد ومرض حبّ الكراسي. 

ولأنّ الرواية، هذه الرواية بالتحديد، قدّت من مراجع مختلفة علما وتاريخا وواقعا موضوعيا وذاتيا، فإنّ سجلاتها جاءت متعدّدة ومقاماتها مختلفة يغلب عليها الطابع التقريري. وما هذا الطابع إلاّ من خصائص رواية الخيال العلمي  كما يؤكد المختصّون ، بل إنّ هذه الرواية تنحو منحى تعليميا حينا في مقام الشرح العلمي وتنزع إلى توظيف تخييلي لأعضاء الجسم ومكوّناته أحيانا أخرى.

وقد برع الروائي في كسر صرامة المعرفة العلمية عن طريق التخييل الذي هو عماد السرد، مثلما جعل من الوصف  أسلوبا يتيح له إنتاج مشهد أيروسي تتحوّل اللغة بمقتضاه إلى لغة فاتنة مشبعة بالشعر، دالّة على الحركة صانعة لركح  فرجوي ترصده عين الكاميرا في تبدّلات مقامية لافتة تدلّ على معرفة بالفنون السمعية والبصرية.

انظره وهو يمهّد لمشهد عشقي أيروسي  بين أمه وأبيه ليلة الجماع :" الطّريق شاسع والفضاء رحب واللّيل طويل الفرس الجامح واللجام الكابح ، النار والهشيم والثلج وأشعّة الشّمس الحارقة ،البحر والزّورق ،الورقة والقلم، اللّوح والفرشاة،اللّمس والهمس ، الإقدام والإدبار، الطلوع والهبوط، الشّهيق والزفير،الأخذ والعطاء  القبول والصّدّ  الجزر والمدّ ، الشّدّ والرّدّ ،البرق والرّعد، النّوء والمطر ، الدّخول والخروج  ..."

وما هذا المشهد إلاّ  إيذان بولادة نيرون من نطفة مارقة ذات: "ليلة حمراء تحت ضوء أزرق"

ولا تتوقف جمالية الكتابة عند هذا الحدّ، وإنما تطول التقنية الروائية من خلال  التعدّد الصوتي  والتداخل بين صوت الروائي وصوت الراوي، وبين نصّ الرواية التخييلي والميتا نص . فكم قطع الراوي حبل السرد ليحيلنا على بيان مقاصده من كتابة الرواية  من قبيل قوله " سأحاول أن أجتهد قليلا لأحكي للناس ما تبقّى من القصّة قبل أن تبدأ ذاكرتي في تغيير محتوياتها بما يتماشى وسمة العصر" وقوله في السياق نفسه متحدّثا عن استراتيجة الكتابة في علاقة بالقارئ المفترض :

 "هدف حدّدته منذ البداية، هدف لا يبدو عسير المنال ولا هو بالمستحيل.انه مجرد قصة واقعية سأرويها وسيرة رجل واقعي سأضعها على ذمّة من رغب فيها  وسأسعى إلى تسهيل المهمة أمام من حاذاني أو ركب جمالي ..سأحكي على طريقة العجائز وسأعتمد على كثير من الافتراض وعلى الأمثلة والتشابيه. الحكاية لا تجد معناها إلا بسردها هي مثل  الحمل لا ينتهي تعبه إلا بوضع الجنين. "

ولا أرى الكاتب من خلال ما كتب وعلى لسان من روى إلاّ جامعا لمختلف هذه الصفات: يحتجب وراء العلم والخيال ويتقنّع بالحقائق العلمية، معبّرا من خلال رواية الخيال عن رواية الواقع والذات.

فالسارد هو مركز الرواية راويا يحلّل ويفسر ويفترض ويؤول , وهو اسم متعدّد:  هو "نيرون العرب أو نيرون الفضاء أو نيرون هكذا  تُنطق الكلمة مجرّدة من النّعوت" هو معجب باسمه يردّده على لسانه فيكون له صدى وموسيقى عذبة " وقد جرّبت نطقه وسماعه على طريقة الموسيقيين،فسحَلْت الكلمة على اللسان ولاعبتها على الحنجرة ُثم أطلقتها فكان لها لحن موسيقي رنّان ووقع ثابت له وزن خاص في الإيقاع ونغمة ممتعة عند السماع . هو كائن معتز بانتمائه وله أصول في الحضارات والثقافات " أصل بربري وعربي  .. عصارة زواج مختلط ومزيج من ثقافتين .."  كائن "يقظان على الدوام" لا تفوته شاردة ولا واردة  ، عنود عنيف، وله صفات الآلهة ، حنون ، رؤوف رحيم ، يروم الخلود ويسعى إليه .

أليس بين نيرون " العصبون" ونيرون روما صلة . فهذا العصبون يتحكّم في الخلايا والأعصاب ويدير شأنها ودواليبها  . وهذا النيرون ، نيرون روما مستبدّ غبيّ،أحرق روما ليبني مجدا زائفا ، وليموت بجنونه. هكذا جعل الرواي لنيرون مملكتين : مملكة يسوس فيها أجزاء الجسم وخلاياه ومملكة يكون فيها سلطان العرش.

ومن عجيب القصّ في هذه الرواية أنّ الروائي مزج بنبرة رامزة بين وجهين لنيرون :نيرون العصبون، الخلية الأكبر ونيرون المسكون بالملك المطلق حدّ الجنون .وأوحى بالأوّل ليدلّ به على الثاني مسخا ونسخا , وأوحى بالثاني ليدلّ على أشباهه من طغاة العالم .

هكذا تنشأ سلسلة القصّ نشوء وارتقاء مدارها على قصة نيرون، أم الخلايا  تولد وتنمو وتشيخ وتقاوم الموت حين داهمها السرطان، "العدوّ الفيروسي" الذي دوّخ البشرية : "فأنا كنت أعتقد أنّني أتحكّم في كلّ الأجهزة وأنّني صاحب الكلمة الفصل لا يردّ لي قول وها  هي الأحداث تبين عكس ذلك وتضعني أمام هشاشة حكمي فلا قوّة لي ولا سلطان إلاّ ما سمح به الوهم وما زرعته في الآخرين من خوف.أنا قادر على إيذاء الجسم وعلى خنقه إلى درجة الموت ولكن تشبّثي بالحياة جعلني لا أقوى على إيذاء ذبابة. فمن أين لي أن أقود الجميع إلى الانتحار؟ لم أستطع حماية خليّة تنشط طبقا لبرنامجها وتؤدي وظيفتها. لم أستطع تكميم الأفواه التي تنادي بإدانتها."

ومثلما أنّ الملك آيل إلى ضعف وانهيار فإن نيرون آيل إلى خرف وضعف وهوان، تلك هي المعادلة المستخلصة بين نظام الجسم ونظام الحكم. فالجسم وطن نتربى داخله والوطن وجود يحيينا إن نحن بذلنا من أجله النفس والنفيس وبنيناه على أحسن تقويم. وإن نحن ولينا علينا من يقاسمنا أحلامنا حرية وكرامة وحكما عادلا. وبهذه الأحلام نبني جنّتنا الأرضية.

ولا أظنّ أنّ الرواية تقف عند هذا الحدّ من القراءة والتأويل. فهذي بعض معانيها أمّا ما خفي من أسئلة وجود وأسئلة ذات تتجلّى في أبوابها الأخيرة فلعلّه سؤال ما به ينتظم الجسم وما به تنتظم الحياة وما به يستوي نظام الحكم، بل ما به  تعرف البشرية طريقها إلى غد أفضل تحقّق فيها غذاءها لكلّ فم وتحقّق فيه السلام بعد حروب طاحنة وتحقّق فيه الأمن  والصحّة لأجسام تموت .

أما سؤال الذات فينكشف حين ينزع الراوي قناعه ويترك له الروائي مجالا للتجلّي معبّرا عن تجربة المرض ومقاومته:" العدو الفيروسي يعرف من أين تؤكل الكتف ومن أين يطال عنقي.ركّز على الخلايا الدفاعية في الوطن الجسم ودرسها بجدية .ولم يهمل ذرّة ولا غرزة منها إلاّ وفهم دورها وكيفية ردّة فعلها. وهيأ نفسه للتغيير السريع.ونجح في الوصول إلى بعض الخلايا.كان يندفع بشدة داخل الخلية فيتوالد ويتوالد ثم يتوالد حتى إذا كثر العدد ولم تعد الخلية تحتمله انفلقت وتمزقت قطعا صغيرة وأخرجت ما فيها.عدد مهول من أشبال الفيروس ينصرفون بدورهم إلى خلايا أخرى يحتلّونها ليتوالدوا فيها ويفلقوها. ويعود العدّاد إلى الاشتغال.وكلّما صنعت أسلحة تغطي نبالهم التي يثقبون بها غشاء  الخلايا غيّروا شكل النبال. فلم تعد الأسلحة قادرة على تغطية النبال أو تحييدها.طبعا لم أستسلم فأعددت خططا جديدة تتماشى مع قدرة الأعداء على توظيف دهائهم لمحاربتي و نجحت".

وأغلب الظن أن الرواية وقد عنونها صاحبها " الظل يمنع الحلم " لا تنكشف أستارها إلا بربط مبتدئها بخبرها وبدايتها بنهايتها: رحلة من سماء إلى أرض ، من حلم إلى وهم و من سؤدد إلى وهن  . ولكن  الحلم يظلّ الأبقى معرّشا في "لا شعور النصّ" مثلما أنّ ليلى ظلّت معرّشة في ذاكرة الروائي. "لم أكن أتخيّل أن اكتشاف مفعول الحلم وتأثيره في حياة النّاس يضاهي أو يفوق اختراع الطائرة الحوّامة أو الكبسولة الغذائية"

هكذا تطلّ الرواية – بدؤها ومنتهاها- على سؤال الوجود : من سؤال الممكن في العلم إلى سؤال الممكن في الحياة. وكل سؤال لا يمكن أن ينفصل عن تجربة الذات الكاتبة وهي تلبس لبوس العلم. وتلبس لبوس واقع سياسي غامض  فيه نعيش. وتلبس قناع ذات عاشت تجارب الحياة بأوسعها، التزاما بموقف ورؤية  وانخراطا في الحياة التذاذا بها.  و قد خاضت هذه الذات تجربة الموت وقاومته بعلمها وحلمها.

ألم يقل الراوي وهو يسدل ستارة الرواية، باثا عصارة موقفه : "أنا النيرون طويل العمر، ملكها الأبدي. اقتنعت بأن لا أحد يأمن حياته أو موته دون أن يتأمل ويسأل ويبحث عن الأجوبة ودون أن ينطلق من نفسه ذاكرا في كل مرة:وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟  صدق الله العظيم وصدق النيرون ملك الإنسان وظل الله على الأرض."

ومما قلته وما لم أقله في قراءة الرواية وتأويل ما خفي منها وما استجلى، أخلص إلى سؤال ملحّ، لعلّ الجواب عنه يكون أفقا للقرّاء الباحثين : هل تنتمي هذه الرواية إلى رواية الخيال العلمي ؟ هل هي سيرة ذاتية مقنّعة؟ هل هي من فصيلة ما يكتب في مضمار التخييل الذاتي Autofiction ؟ ماذا تأخذ الرواية من خصائص القصّ ومقوّماته  لتكون رواية جامعة لأصناف الخطاب التي رصدنا وإليها ألمعنا ؟

تصريح

أنا النيرون العظيم أصرح عن طيب خاطر بأنني لم أرغب في المجيء إلى هذه الدنيا على طريقة الاستنساخ وأن دروين لا يعنيني فيما زعم أو أصاب، فالثابت في نظري أنني جئت من ماءٍ دافقٍ يخرج ما بين الصّلب والتّرائب.

أنا أسعى بكلّ جهْد واجتهادٍ إلى تعمير الأرض وتدميرها متى شئت، فأنا الوحيد القادر على قيادة العالم من داخل الجلد الطري الذي يسيّج مملكتي، وأنا الوحيد الذي يملك الإجابة عن دواعي انفرادي بالسلطة.

أنا النيرون البطل الذي لا يمشي كالأبطال الآخرين في الشارع، ولا يكلم أحدا ولا يضحك ولا يبكي ولا يشتكي كما يفعل الكاتب؛ فقط إنني أفكر وأتحكم في هذا الجسم المعقد وأمنح الحلم لمن أشاء وأشدّ توازن الأرض.

 

1 ــ الخطوة التي لم تجد قدما

 

ـ أنتَ  ترفضُ الهبوط على الأرض إذن؟ حسنا ...يعجبنا عنادُك و تماديك في الخطإ ...حسنا... سنتركك تفقأ عينيك بإصبعيك وتشنق نفسك من حاجبيك، سنرى كم يلزمك من وقت لتتراجع،نحن لم نكن نتخيل أن المذلة ضربت عليك إلى هذا الحدّ، لا شكّ في أنك ستحتاج إلى مساعدتنا؛ حتما ستطلبها،ستجبر على طلبها أو إنك ستقضي حياتك في الدّوران حول الأرضِ، دون أن تتمكّنَ من لمسها بقدم.

ــ إنني أمام قرار صعب يستوجب التفكير والإمعان فيه، أنا لا أرفض النّزول بينكم،أنا شرعت في تحريك قدمي في اتجاهكم ولكنني لم أتخير بعد مكانا يليق بي، ولم أتمكن من أن أتبين الخيط السّيء  من الخيط الجيد، ولم يظهر لي من أرضكم مقام محترم ونقيّ لا تعافُه النفس.قدماي لم تلمسا التراب أبدا ولم تمْشيا على حجر ولم يمسسهما شوك، فكيف أغامر برميهما كعصا الأعمى بينكم وعلى أرضكم الصّخرية؟.

ـ تلك أرضنا جئنا لنعمّرها ونجعل منها واحتنا بعد الهجير، وراحتنا بعد التعب؛ هي عرضنا أمام التاريخ وهي جنتنا في الحياة وجثتنا بعد الممات، ولن تتمنّى مكانا أحلى منها،بل لن تجد لك في الكون ركنا أجمل منها وأنقى.

ــ أريد مكانا لا شرقيا ولا غربيا، ناصعًا في بياضِه، حالمَا في زرقته، مبدعًا في خضرته، واضحًا في  نظافته، بِكرا لم تطأهُ قدم.

ــ لم يعيّرنا ضيف برائحة أرضنا الطّيبة قطّ، ولم يرهب أحد من شكلها البيضوي الجذاب، ولم يتهيب عابر من النزول بها، ولهذا ابتعد عنها  قدر ما تستطيع؛خذ لك طريق الشّمس أو ارْحل إلى المرّيخ، وأقمْ هنالك ما حييت، وأرحنا منك، فأنت لا تستأهل ضيافتنا ولا حاجة لنا بك.

ضاع الصّوت بين الصّدى وحفيف الطّائرة الحوّامة التي كانت تقلّني، فاغتنمتُ الفرصة وشرعت في جمع أغراضي التي انتقيتها مما خفّ وزنه وكبرت قيمته.

وحين اقتربتُ من  باب النّزول، عاد صوت المرشد الأرضي يطلب مني هويّتي مفصّلة، مرفقةً ببعض الإيضاحات حول أسباب نزولي إلى الأرض، ويرغب في معرفة من أرشدني إلى هذا المكان أو دلني عليه؛ وعلّلَ طلبه هذا بالضّرورة الأمنية وبروتينية الإجراءات التي تقوم بها مصالح الحدود الجوّية كلما وفد عليها غريب؛ فاغتنمت الفرصة وأمرته أن يستمع إلي بانتباه شديد، وأن يأخذ له مكانا بعيدا عن التّشويش، وبأنْ يُدوّن حديثي بالصّوت والكتابة حتى لا أضطرّ إلى إعادة ما أقول؛ وطلبتُ منه ألا يقاطعني؛  فعبّر عن رحابة صدر وحسن استماع؛ وشرع بدوره في تسجيل كلامي، فهمت هذا من نوعية الصّدى الرّاجع إلي من الأرض قلت :

ــ لقد أثبتَ ذكاءُ الإنسان أن الدّجاجة سبقت البيضة:  إذ إن بقاء جنس الدّواجن على الأرض مشروط بوجود زيجة طبيعيّة بين الدّيك والدّجاجة؛ فالبيضة التي تبيضها الدّجاجة خارج هذه العلاقة لا تعطي فرخا مهما حضنتها أمُّها؛ وإن إزاحة الدّيك عن عمليّة الإنجاب تؤدي حتما إلى انقراض عائلة الدّجاج؛ وقياسًا على ذلك يولد الإنسان؛انتهت الديباجة.

حدّد أبي شروط الارتباط برفيقة الدرب، وشرع في البحث عن الفتاة التي تستجيب لهذه الشّروط، فراح يجوب الكلّيات الموجودة في تونس العاصمة حيث كان يدرس، ووضع برنامجا حدد فيه أياما مفتوحة للزيارة دون أن يحدد الكلية التي ينوي زيارتها، وترك ساعة الزيارة  ومدتها  للمفاجأة، حتّى لا يفتضح أمره وحتى يترك للصّدفة نصيبا:كان يقرر رحلة الصيد ليلا فيكتب اسم الكليات في أوراق صغيرة ثم يطويها ويرميها في إبريق بلّوري ثم يخلطها بيمناه ويسحب صاحبة الحظّ، فيقصدها في الصّباح ويدخل مباشرة إلى المشرب قبل دخول الطّلبة إلى مدرجاتهم ليلتقط ابتساماتهم، فيزنها ويبادلهم السّلام، ثم يعود بعد الفترة الصباحيّة ليتثبّت في الوجوه بأكثر تركيز؛ وينهي الزيارة المسائية بكأس الشاي الأخضر في نفس المكان؛ يُقلِّب الطالبات بنظره ويزِن رشاقتهن بخياله؛وكلّما شغلته واحدة اقترب منها واستمع إليها وهي تناقش بعض المواضيع مع زملائها، ويقدّر درجة المنطق الذي تعتمده في محاوراتها، ثم ينتحي مكانا غير بعيد ويدوّن ملاحظاته في كنّش صغير خصّصه للغرض وكتب عليه بالبنط الأحمر: "كَاسْتِينْج". كانت العمليّة تمر غالبا بسلام في بهو الكلية وفي المشرب؛ في مرات قليلة قادته خطاه إلى داخل المدرّجات، فوجد نفسه مجبرا على حضور درس لا يعنيه؛ وكان في مثل هذه الحالات يحاول أن يوهم الحضور باهتمامه بالأستاذ، فيقلب أنظاره يمنة ويسرة متحاشيا الأعين؛ غير أن هذا التصرف لم ينطل على جميع الطلبة، فبدأ بعضهم يشكّ في أمر الطالب الغريب وفي نظراته إلى الطالبات ومتابعته لحركاتهن وتركيزه على أجسادهن تركيزا لا يمعن فيه إلا متحرش أو مراهق مكبوت؛بينما أكد آخرون أنه عميل دسّته الحكومة بينهم؛ وبدؤوا يتغامزون ويتهامسون في شأنه.لم يترك لهم فرصة الحسم في موقف موحد منه، فما إن أحسّ بموجة الكره تتشكّل حوله حتى انسحب خائفا، تاركا خلفه أسئلة غامضة. 

أبي، كان يكره زواج الأقارب ويعتقد أنه مجلبة لعدّة أمراض وراثية، وكان ينادي دائما بالزّواج المختلط: ويقول انه ضمان لسلامة الصّغار وتحصين للصّحة العامّة وهو فرصة لإنجاب العباقرة؛ ويؤكد أن العلم أثبت بالتّجربة وبالبرهان القاطع أن الثقافات المختلفة تنجب أطفالا غاية في الذّكاء.

جاب أبي الكلّيات العديدة دون أن يتمكن من القبض على غزاله الشارد، فرمى فشله على شروط الصيد وأقنع نفسه بأنها مجحفة نسبيا فتنازل عن صرامته قليلا، وصار  في كل مرة يسقط قسطا من الانضباط الذي رسمه في البداية أو يُنْزل الشّرط درجة في سلّم الأهمّية أملا في أن تسهل المهمّة وفي ربح الوقت؛ وأعاد تقسيم شروطه  إلى درجات:  فجعل مستوى للشّروط الأساسية  التي لا يمكن الزّواج بدون توفّرها في العروس، ومستوى آخر للشروط  الهامّة التي لا بدَّ منها و التي يمكن إسعافها بتأجيل التنفيذ  أو توفيرها بالتقسيط، وجعل أيضا قسما للشروط الثّانوية التي تهمّ  الجوانب القابلة للتحسين، إن تهيأت لها الظّروف الملائمة؛ وشطّب بعض الشروط واعتبرها  زائدة؛  لكنه  أصر على إبقائها في قائمة موازية حفاظا على جدّيته وخوفا من التّراجع أومن استسهال الأمر. أمي هي الفتاة الوحيدة التي توفرت فيها شروط الارتباط بأبي وكانت في ذلك الوقت طالبة تزاول تعليمها العالي في كلية الصيدلة المجاورة لكلية العلوم حيث كان هو يتابع دراسة الفيزياء.

في ليلة القبض على القرار، جلس أبي على كرسيّه الوحيد في غرفته في الحي الجامعي وفتح كنش الكاستينج وبدأ في ترتيب المرشحات اللائي بَدوْن قادرات على غزو قلبه ومؤهلات للتّربع على عقله.

رتّب الشروط حسب الأولوية وجعل لكل منها ضاربا يعتمده في الحساب وبدأ في جمع الأعداد حسب الضارب؛كان صارما في إسناد الأعداد فلا يترك للذّاكرة ولا حتى للعقل فرصة لإسعاف بعض اللواتي شكّ في أنه ظلمهن أو تسرّع في اختبارهن؛امتحاناته لا تعترف بالإسعاف.رتّب القائمة وتركها ترتاح قليلا ثم أشعل سيجارة ومشى إلى المشرب ليأتي بقهوة ساخنة وفي القلب شيء من أمي، لكنه تحاشى أخذ القرار قبل مراجعة الملفّ والتّثبت من كامل عناصره؛عاد مسرعا إلى الغرفة متلهفا إلى النّتيجة؛ كان قد جرّب انتظار النتائج في عديد المناسبات في المدرسة وفي المعهد وفي الكلية، ولكن لنتائج اللّيلة طعما مغايرا وطريقا جديدًا، فهي الزواج الذي يفقد نكهته الأصلية إذا أعيد، وهي آخر منعرج قبل  الاستقرار، وهي آخر محطّة في سفرة البحث عن نصف الدّين في أعماق البحار،  وهي آخر خرطوشة في رحلة صيد الغزال.

لم ترفض فاطمة الطالبة في كلية الصيدلة يد علي والدي؛ حالما طلبها من جدّي بل اقترحت عليه الزواج في أقرب فرصة، وتخلت عن كل الشروط التي تفرضها عائلتها، وتشبثت بشرط مواصلة الدراسة الجامعية والذّهاب بعيدا في طلب العلم؛ تقبّل علي بصدر رحب هذا الشّرط وعاهد فاطمة على ألا يتراجع درجة واحدة من سلم المعرفة و العلم.

ولم يمض وقت طويل عن الخطوبة حتى حازت أمي شهادة التّعمق في البحوث الصّيدلانية؛ بينما أعدّ والدي الدّكتوراه في علم الفيزياء الفضائية، ونال كل منهما شهادته بامتياز، وحظي بشكر الأساتذة المشرفين، فانتُدِبَ أبي بسرعة للتّدريس في الكلّية.

ولع الخطيبان بمواصلة الدّراسة كلّ في ميدانه، وحقق نجاحات باهرة فقررا الزواج دون كثرة إعداد ولا مصاريف زائدة، فاكتفيا بسهرة جمعت العائلتين واختتمت بقراءة القرآن وبعقد القران والدخلة،وفي الصّباح تفرقت العائلتان من جديد، وكأنهما كانتا في ضيافة عادية عند قريب؛ ولم يمض أسبوع واحد على زواج علي بفاطمة حتى عاد كل منهما إلى عمله.

أهل العلم لا يأتمرون بأوامر قلوبهم بل يخضعون لعقولهم، ولا يتبعون عواطفهم بل يتصرفون حسب أفكارهم، لذلك لم يقض الزوجان شهر العسل بعيدا عن البيت حرصا منهما على دروس الطلبة؛ كأنهما لا يعرفان طعما للفرح ولا مذاقا للسّعادة خارج العمل؛ عاشا على هذه الوتيرة سنوات ولم يفكّر العروسان أبدا في الإنجاب؛كانت فرحة الواحد منهما باكتشاف معلومة جديدة أكبر بكثير من إنجاب طفل.

أبي منضبط وجِدّي للغاية: لا يترك مجالا للوقت لكي يضيع من يديه؛ وكان يقتصد حتى في أكله، معتبرا أن الوقت المتروك لتناول غداء أو عشاء إنما هو وقت ضائع من العمر يجب اختصاره قدر الإمكان، وكان دائما يبحث عن فعل شيء ما عند تناوله للطعام،كان يقول: الحيوان فقط لا يفكر عندما يأكل.

وامتازت أمي بالسّير إلى الأمام قدما دونما التفاتة إلى هنا أو هناك.كانت إذا مشت خافت أن تسقط فكرة من رأسها فتضيع في الريح وإذا جلست خافت من النّوم فقد يشغلها عن التّفكير في شيء تصنعه، كانت تردد شعارها الوحيد الذي حفظته بالسليقة: علم ينفع الناس صدقة جارية.  

حالما ناقشت أمي أطروحة الدكتوراه ونالت شهادتها بتميز، انتدبت للتدريس في نفس الكلية، فجهزت نفسها وصعدت إلى المسطبة لتلقي على طلبتها دروسا في اختصاصات الصيدلة، ثم اقترحت على عميد الكلية فتح خليّة للبحث، فسعى إلى الحصول على ترخيص من الجامعة وكونت مجموعة انتقتها من بين الطلبة المتفوقين.

أبي أيضا انشغل بالبحث إلى جانب التّدريس في كلّية العلوم، فأخذ على عاتقه الإحاطة بالطلبة، ثم اختار من بينهم فريقا خصصه للبحث في فيزياء الفضاء ومشى أشواطا كبيرة في الميدان، مما شجعه على طرق أبواب الشركات الصناعية ليقترح عليها تطبيق أبحاثه؛ غير أنه اصطدم بعدم اكتراث أصحابها وبخوفهم من المبادرة، فغيّر اتّجاهاته نحو الغرب وأوكل لبعض أصدقائه البحث له عن شركة صناعية تتولى انجاز  ما كان يطمح إلى صناعته.

مضى كل منهما ينبش وحيدا بأظافر عقله في ميدانه، وقلما يستشير أحدهما الآخر، لكنهما ظلا يشجّعان بعضهما عن الفعل ويتحمّلان بعضهما كلما بدا من أحدهما مرض أو غضب أو قلق ناتج عن الإرهاق.

بعد فترة من البحث والتمحيص، توصّل أبي إلى رسم الخطوط النظرية الأساسية التي ستقوده نحو انجاز عظيم لم تَر البشرية جمعاء مثله؛أبي وحده كان يؤمن بقدرته على الوصول إلى اختراعه الرهيب: طائرة حوَّامَة تعمل بالطّاقة الهوائيّة لا غير، والطاقة الهوائية لا تنفذ أبدا لأنها قادرة على إدارة الهواء من أبسط نسمة، وليس لها أي تأثير سلبي على البيئة؛هي طائرة  حلم كثيرا بإنجازها ووضع فيها عصارة فكره، وتحمّل من أجلها السّهر، وتعلّم طول الصّبر؛ أرادها أن تستجيب لمبادئه وأن تحمل شعاره الذي قاده إلى الاكتشاف: طاقةٌ دائمة وبيئةٌ سالمة،الهواء قد يتحول إلى قنابل تغرق السفن وتسقط الطّائرات فلماذا لا يكون وَقودا؟

أمّا أمّي، فقد اهتدت بدورها إلى اختراع بسيط في ظاهره عظيم في فوائده ،قادتها إلى ذلك تفاصيل حياتها اليومية أو ربما كانت الحاجة أمًّا لهذا الاختراع، ذلك أن صاحبته تعوّدت منذ زواجها على احترام مواعيد الغذاء والعشاء،فتخصّص لإحضارهما الوقت الكافي تقتطعه من عملها؛ وكانت تجد نفسها مجبرة أحيانا على إعداد الغداء منذ الليل؛من هنا قفزت إلى ذهنها فكرة ابتدأت في الحقيقة بحلم تائه وبسؤال بسيط: لماذا لا نصنع غذاءً يكفينا ليوم أو ليومين أو لأسبوع؟ لماذا لا نتناول وجبة واحدة تقتل فينا الإحساس بالجوع، فلا نحتاج إلى تناول طعام الا بعد وقت؟

كلّ الاختراعات الكبرى بدأت بحلم أو بسؤال بسيط وساذج أحيانا؛ هذا ما شجّع أمّي على البحث عن إجابة لسؤالها، فاهتدت إلى هذا الاختراع الذي تمثل في البداية في إنتاج كبسولات غذائية في حجم حبّة الأسْبِرين تكفي مؤونة يوم كامل، وجرّبتها على نفسها طيلة أسبوع،فأصبحت تنام على حبّة منع الحمل تأخذها قبل النّوم للاحتياط، وتصبح على كبسولة الغذاء تأخذها قبل الخروج إلى العمل؛ وحافظت على هذا النّسق اليومي، فلا تهتمّ بموعد الغداء ولا تحسّ أبدا بالضّرورة إليه، ولا تشعر بالجوع إلا في الصّباح الموالي عندما تصحو من النّوم من جديد، فتعاود نفس الدّورة الغذائيّة؛وعندما نجحت في الاختبار الأسبوعي الأوّل عملت على تطوير اختراعها فسعت إلى التّنقيص من حجم الكبسولة وشحنتها بطاقة حراريّة نباتيّة إضافيّة فصارت تكفي شهرا ثم سنة كاملة: بحيث لا يشعر من يتناولها بالجوع طول السّنة ولا يحتاج لا إلى أكل ولا إلى شراب؛الحبّة نفسها تذوب في الفم دون حاجة إلى ماء يدفعها داخل الحلق.

وبالطّبع جرى الإعلاميّون والمتطفّلون والسّياسيّون وسماسرة الأخبار إلى السّبق الصّحفي، يتودّدون إلى أمّي ويتظاهرون بتشجيعها وبالثّناء عليها لتمنحهم بعضا من أسرار أبحاثها، فيجعلوا منها برنامجا انتخابيّا واعدا، ولكنها تشبّثت بالإبقاء على سرّية البحث ووصل بها موقفها المتشدّد،إلى رفض ترشّحها إلى جائزة نوبل متعلّلة بعدم تسييس الاختراعات العلمية التي تهمّ حياة النّاس،فقد لاحظت كما لاحظ خبراء الدّيمغرافيا أن عدد سكّان الأرض تضاعف وأن الغذاء لم يعد كافيا لمليارات الأفواه التي ازدادت جشعا في السّنوات الأخيرة،فأصبح العالم مهدّدا بقلّة الغذاء وبالتّالي بالمجاعة؛ وهي تقول دائما إن الجوع شيطان مُدمّر، إذا ما سكن البطون وهدّدها بالكارثة. احتفظت أمّي بحقّها في الملكيّة الفكريّة وحصلت على براءة الاختراع، وسجّلت مشروعها في منظمات عالمية متخصصة لتحفظه من السماسرة،وسجّلت كذلك تفاصيل التّجارب التي أجرتها لنفس الغرض على الحيوانات الأهليّة ثم على نفسها.

انقطع الخطُّ بيني وبين المرشد الأرضي فترة قصيرة قبل أن يعاود الاتّصالَ بي ليطمئنني على أن كل كلامي التقطته مكاتب المسؤولين وسُجِّل آليا  في المكتبات  وفي حواسيب الخزن، وإن وزارات الدفاع في كل الدّول شرعت بعد في تحليله؛ ثم طلب مني  توضيحات تخصّ مصير الطّائرة الحوّامة التي انطلقت في أول تجربة لها حول الأرض؛ وقال إن الخبراء في العالم متلهفون لمعرفة قدرة الطّائرة على التّحليق المتواصل دون هبوط، وأن الشّركة التي صنعت الطّائرة تنتظر بنفسها الإذن لها بتصنيع نماذج أخرى، ولن يسمح لها بذلك إلا بعد أن يتبيّن نجاح الأولى، وأن التّقارير المعتمدة لا تأتي من المخابر ولا يعوّل عليها، ما لم تقترن بالتجربة، وخاصّة تلك التي يرفعها المسافرون وأنت خير الصّادقين.

 قلتُ:هي طائرة كبيرة جدّا تشبه المركبات الفضائيّة التي تطلق عادة في الرّحلات الاستكشافيّة، تسع عددا كبيرا من الرّكّاب وتحتوي على كلّ المرافق التي يحتاجها الإنسان في حياته على الأرض: ففيها بيوت نوم وبيوت استحمام ومطابخ كثيرة وفيها أمكنة للتّرفيه مجهّزة بآلات وبشاشات يمارس فيها المسافر هواياته وألعابه المفضّلة من الشّطرنج إلى كرة القدم إلى السّباحة، وفيها  حوانيت للمواد الغذائيّة  للمسافرين العرضيين وصيدلية لبيع الأقراص المغذّية للمسافرين الدائمين، وحانات لشرب الخمر وقاعات لتنقية الدّم من الكحول، وفيها مغازات لبيع الملابس، وفيها مستشفى يحتوي على قاعة جراحة وأخرى للتّوليد و على قسم للأشعّة يعمل بالطّاقة الهوائية، وفي الطّائرة الحوّامة أيضا فضاءات خاصّة بالجلسات السّياسية وقاعات للأنشطة الثّقافية؛ولم ينس أبي أن يفكّر في مخابر للبحث فتصوّر قاعة متعدّدة الاختصاصات يجد فيها الباحث راحته وما يكفي من المراجع، وفيها زاوية اكتشفتها يوم حضرت حفل ختان صبيّ: هي زاوية ذات واجهة ملساء تخالها واجهة مسجد أو واجهة كنيسة تتغيّر بتغيّر ديانة الزائر كتب عليها بالبنط السّحري :الله واحد والأديان عديدة؛ وفي داخل الزاوية مقاعد ومصطبات عالية من اللّوح وزرابي مفروشة، وفيها منصّة لإلقاء الخطب ومحراب لمن يؤُمّ المصلين، وفيها أيضا مكتبة للكتب السّماوية في طبعاتها المختلفة:القرآن والتّوراة والإنجيل؛ وقد حرص أبي على تجميع كلّ  الدّيانات حول إله واحد وتحت شعار واحد : الدّين لله والطائرة للجميع؛ وهكذا لم تجد الفتن ثغرة للتّفريق بين الفكر والعقيدة وبين العقل والقلب.

وللطّائرة الحوامة أربعة محرّكات تشتغل بالتّناوب حسب اتّجاه الطّائرة، يديرها محرّك منسّق وضع في كبد الطائرة، يتحكّم في دوريّة التّشغيل و يبرمج الرّاحة؛تعتمد كل محرّكات الطّائرة على الطّاقة الهوائية فلا تُفْرز دخانا في الفضاء ولا تُحدث أزيزا مزعجًا، بل تُصدر نغمات موقّعة إيقاعا لايتخلّله نشاز فكأنّها ألحان موسيقيّة تهزّ المشاعر،تدور مراوحها بلطف فتحدث هبّات نسيم لطيفة تهفو على الوجوه كأنها نسائم ربيعية منعشة.

الطائرة الحوامة لا تتوقّف أبدا، فهي مثل القطار المغناطيسي الذي صنعه اليابانيون مؤخّرا والذي يُركبه المسافرون وينزلون منه دون أن يتوقّف في المحطّات؛ قد يكون اليابانيون أخذوا الفكرة عن أبي، وهذه مسألة أخرى سأعود إليها إن ثبت لي أن والدي كان صاحب الفكرة الأصليّة،فكلّما اقتربت الطائرة الحوامة من محطّة أرضية بعثت إليها إشارات خاصة فتتحرك طائرة وصل من الأرض وتعترضها في الفضاء،ينزل الرّاكبون المغادرون  إلى مكان مخصّص في قاع الطّائرة الحوامة وينتظرون قدوم طائرة الوصل؛ فعندما تقترب الطائرتان من بعضهما  تعدّلان سرعتيْهما وتطيران جنبا إلى جنب، كما تفعل طائرات التّزود بالوقود في الفضاء أثناء الحروب، وتفتح الطائرة الحوامة أنبوبا كبيرا ينزلق  من خلاله الركاب النازلون إلى طائرة الوصل ويتسلّقه الرّاكبون القاصدون  الفضاء ثم تنفصل الطائرتان عن بعضهما وتطير كلّ واحدة إلى وجهتها.

 

2 ــ ليلة الماء الدافق

خاطبني المرشد الأرضي ليعبّر لي عن شديد إعجابه بوالدي وليؤكد لي الاحترام الذي يكنُّه له،وأعلمني بأنّ سكّان الأرض اختلفوا حول الطّائرة، ومن عاداتهم أن يختلفوا في كلّ شيء: فبعضهم يرى محاولة غزو الفضاء من أفعال الشيطان ويعتبر أن المعجزات من خصائص الأنبياء والرّسل وحْدهم، وبعض آخر خفّف من تهمة الكفر واكتفى باعتباره عاصيا يسعى إلى تبذير أموال العامّة من أجل اختراعات لا تنفع البشر، وكان بالإمكان صرف تلك الأموال صدقة للمحتاجين؛قلّة من النّاس شجّعوه سرّا ونصحوه بالتّحلّي بالنّية الصّافية وبالقول الحسن؛ أما أبي فكان لا يخجل من التّصريح بإيمانه بالعلم، ويحسب نفسه من أنصار المعرفة فلا يحفظ من القرآن الذي قرأه أكثر من مرة إلا قليلا؛ وتُعجبه مقولة"لو تَعلّقَتْ هِمّةُ المَرْءِ بِمَا وَرَاءِ العَرْشِ لَنَالَهُ"فيعتبرها حكمة تشجّع الإنسان على طلب العلم وعلى البحث والاكتشاف.

ولعلّ فرحة المرشد الأرضي بنجاح مشروع الطائرة ومجاهرته بالإعجاب بوالدي كانا سببا في تعيينه همزة الوصل بين الطائرة الحوامة والمحطة الأرضية، لذلك حاول أن يكافئني بإطلاعي على صورة المحطّة التي خرجت منها الطائرة الحوامة، حيث لا تزال مشاهدُ عملية الإطلاق تعاود الظّهور باستمرار على شاشة عملاقة علِّقتْ في مدخل المحطّة منذ سنين، وحيث لا يزال النّاس يتوافدون على زيارة المكان في انتظار حدوث معجزة أخرى، أو لعلّ بعضهم ينتظر فشلا متأخرا للتّجربة حتى يبرهنوا  لمريديهم أن الإنسان ما أوتي من العلم إلا قليلا، وانه هالك لا محالة إن هو تجرأ على تخطّي الحدود المرسومة أمام قدميه بخط وهمي.

رأيت النّاس في اضطراب وفوضى كبيرين: وجوههم خاشعة ينتظرون وقوع حدث غريب، متطلعين إلى الفضاء،بعضهم يصيح مشجعا كأنه في ملعب كرة قدم وبعض آخر اتّخذ من الحادثة فرصة لإقامة حفل راقص وآخرون اتخذوا مكانا استراتيجيا يساعدهم على توثيق الحدث بالصّورة والصّوت، أمّا حول المحطّة فانتصب باعة الأكلات الخفيفة والشّاي ولُعب الأطفال والشّماريخ، وتكوّنت حركة تجاريّة نشيطة؛   لم أكن أعلم أن خبر الإطلاق انتشر وتوزع في كامل أرجاء العالم، وأن عودتي من مدار الطائرة الحوامة إلى أهل لا أعرفهم ستشكّل بالنّسبة إلي حدثا لا يقلّ أهمية عن حدث الإطلاق. ألحّ علي المرشد الأرضي أن أخصّص  له مكافأة على تنظيم حفل استقبال يليق بابن المخترع العظيم، وأوصاني بالتّستّر على ذلك، وأخبرني بكل جرأة وصراحة أنه  باع حقوق النّقل إلى عدّة محطّات تلفزية، وعقَد صفقات سرية ومعلنة واستثمر المكان خير استثمار، فسوّغ فضاء المحطة لشركات الإشهار وتقاضى أيضا أموالا طائلة ظلّت سوداء في غفلة عن الحسّاد وعن إدارات وأعوان الضرائب، وقد حانت الفرصة لتبييضها؛مثل هذه الأشياء لا تحدث في الطائرة: فلا سمسرة ولا تحيّل ولا استغلال لمناصب ولا جني غير مشروع لأرباح،ما يقع في الفضاء لا يشبه ما يقع في الأرض، بل إن ما يقع في الأرض من شيطنة ومن احتكار وتحيّل أصبح سرياليا فلم أتحمله، أنا القادم من عالم طائر يسوده العدل والنزاهة والصّدق؛نهرت المرشد الأرضي ولكنه لم ينسحب.

 من عادة المسافر أن يحترم غيره، إمّا تعفّفا أو سعيا إلى إعطاء صورة مشرّفة لنفسه، أو تحاشيا لردّة فعل غير منتظرة، خاصّة عندما ينزل في مكان يجهل تقاليد أهله والقوانين التي تنظم حياتهم.

لم أتردد في تحرير سيرة ذاتية طلبها مني المرشد الأرضي وأصرّ على ضرورة الإسراع في إرسالها، ليجد الوقت لتوزيعها على الناس، ونشرها في كافة الدول، وخاصة تلك التي تنوي المشاركة في حفل تكريمي، باعتباري أوّل كائن بشري يولد خارج الكرة الأرضية  في منطقة تزداد فيها الجاذبية وتنقص حسب الأهواء؛رتَّبْتُ مراحل حياتي خطوة خطوة وحرصت على كتابتها بخط رديء ليختلف حولها المؤولون والقارئون  وعموم النّاس، وفي ذلك ضمان لطول حياة الكتابات، حتى تلك التي تهتم بالسيرة، إذ إن نهاية الفهم تقتل النّص، وتعدد التأويلات والقراءات تزيد في قيمته وتمنحه جمالية الغموض؛أمضيت وقتا طويلا في كتابة ديباجة تليق بالمقال وبالمقام فأنا أهتمّ كثيرا بتوطئة الكتابة وأعتبرها أهمّ ركن في النّصّ، فهي العتبة التي يتّكئ عليها الباب، تشد القارئ وتدفعه إلى مواصلة القراءة بشغف،إنها مفتاحُ الشّهية وأساس التّشويق،الكتاب يُقرأ من عنوانه قلت:

ــ أنا نِيرُونُ الفضاء،ساكنُ الأرضِ وفارسُ السماء، أتفهمون ما معنى نيرون؟عليكم أوّلا أن تعرفوا من أين جاءني هذا الاسم؟ أبي رجل ينتصر للعلم وأمّي كذلك امرأة تحبّ الحقيقة وتعتبرها وليدة شرعيّة للعلم، لذلك قرّر الاثنان أن يكون اسْمي مشتقّا من روح العلم ،من أهمّ خليّة في الإنسان، تلك التي تسكن الدّماغ وتحمل وزر الفكر والمعرفة وتتحكّم في مصير الجسم وتعمّر أكثر من كل خلاياه فيحْيَا  بحياتها الإنسان ويموت بموتها...أمّا المصدر اللّغوي للكلمة فموجود في أكثر من لغة، ووالدايّ يؤمنان بأن العلم لغةُ الإنسان الموحّدة وليست الموسيقى كما يدّعي البعض.النيرون أو العَصَبُون كما يقول العرب أو الخليّة العصبية هو أنا تماما.

جئت من هنالك بعد أن ولدتني أمّي في تلك الطائرة الحوامة وربّتني إلى أن اخضرّ الشّارب الأيسر، ثم تبعه الأيمن وطلعت شعرات البلوغ مكان ريش الحرام. أنهى والدي مهمّته واكتفت أمي بتجربة واحدة للأمومة وقرّرت الانصراف مع أبي إلى حيث لا يدري أحد. تركا لي  وصيّة وأمراني فيها أن أنزل في قرطاج، حيث أقامت علّيسة دولتها قبل أن تنهار وتندثر؛ وقالا لي كلاما آخر لم أتبيّنه لشدّة غرابته. ولأن طول رحلتي أفقدني الذاكرة، ولم يتبقّ منها إلا جزء قليل لا يسع ذكرى يوم أو شهر أو عام أو قرن حسب أهمّية الأحداث المسجّلة.

المهمّ أنني لا زلت أذكر ما روته لي أمي عن حملها الوحيد الذي جاء بي إلى هذه الدنيا: كان ذلك بعد عشرة أعوام كاملة من الزّواج قضاها والداي في الشّغل  ولا شيء غير الشّغل؛ وصادف أن أصابتهما صدمة عشق في نفس اليوم؛اشتعل بينهما غزل شديد لم يتعوّدا عليه منذ ليلة الزّفاف:  نظرا إلى بعضهما كأنهما مراهقان يتمرنان على النظرة الأولى؛قالت أمّي: إني أراك أجمل من أيّ وقت مضى فما السّرّ؟ هل كنت غافلة عنك أم إنّك فعلت بنفسك شيئا زاد في جمالك؟ أجابها متجاهلا جرأتها ومقلّلا من أهمية السّؤال: يبدو أنك أصبت مثلي بداء الاكتشاف، فأنا أراك اليوم بل الآن، وأعتذر عن الصّراحة، فأنا خجول إن لم تصدّقي،أراك أجمل من أيّ وقت مضى فماذا صنعت وماذا وضعت وماذا فعلت لتزدادي جمالا وجاذبية؟ وصمتا بعض الوقت ثم عادت أمّي للحديث قالت: أتمنّى أن نموت معا، بعد عمر طويل طبعا نختتمه بكتابة وصيّة للنّاس أجمعين، نوصي فيها بالمحبّة وبالصّفاء في العلاقات،  وبإصدار قانون يشجّع على الحبّ ويقطع مع الكراهية والحقد فقد  انتشرت عدواهما وأصبحت البشريّة قاطبة مهدّدة؛ونختتم القانون  بتسجيل الأعمال التي أنجزناها  للأجيال القادمة،وننظم ندوة صحفيّة بالمناسبة نقول فيها خطبة الوداع ثم نصمت ونمشي إلى موتنا بكلّ فخر وطمأنينة، وسط موجة من تصفيق الجيل القادم، تعبيرا عن اطمئنانه للتّركة التي سينعم بها.

لم يتمالك أبي نفسه فأجابها بإجحاف:

ــ  من أين لهذه الأجيال القادمة أن تجيء وأن تتواصل ؟

ردّت أمي:

ــ ستأتي ... ألا ترى أن عدد الزّيجات يفوق بكثير عدد الوفيّات؟ وأن الأمل في الحياة فاق السّبعين سنة في أغلب البلدان بفضل تطوّر الظّروف المعيشيّة؟هب أن كلّ زواج يخلف فردا واحدا على الأرض ستتكاثر الشّعوب وتتجدّد بصورة طبيعيّة، وسوف تنعم بإنجازاتنا، أقصد تلك الكبسولة المغذية التي ستزيح عن النّاس شبح الخوف من تزايد أعدادهم ومن قلّة  الغذاء، وسوف تجازينا بالتّرحّم على أرواحنا في كل مناسبة تذكر فيها نتائج علمنا وأعمالنا.

ـ عِلْم يَنفع النّاس أليْس كذلك؟

قالت أمي:نعم وفي ذلك صدقة جارية فأضاف أبي:

ــ ينفع النّاس ويضرّ بنا نحن أليْس كذلك؟

ــ كيف؟ أردفت أمي وهي تحاول أن تخفي غضبها خلف ابتسامة خفيفة.

قال أبي مفسّرا:

ــ  ما دمنا نعصر أدمغتنا ونقضي حياتنا ونتآكل كالآلة تماما، ونذوب بحثا عن فكرة  شاردة فنظلّ نشتغل بها ليلا نهارا إلى أن نخترع ما يفيد الناس ويسهل حياتهم وينعشهم ويسرّهم ويداويهم ويطيل أعمارهم ويفتح أبصارهم ويضيء ليلهم ويظلل  نهارهم ويمنحهم السّعادة والشّعور بالنّخوة وبالانتماء إلى هذا الكائن البشري الذي اسمه الإنسان، وفي مقابل ذلك نكتفي نحن بالفرجة على الأجيال التي ستأتي،إن التقينا بها، لتشكرنا ولتترحّم علينا  كلّما ذكرتْ أسماءنا، وقد تضع صورنا في إطارت تعلقها على الجدران وفي الساحات العامة؛وفي نهاية الأمر نكون قد اشترينا محبّتهم وتقديرهم بما تركنا لهم من أسباب العيش الكريم الطيّب اللّذيذ مثل إرث ثريّ ...ألا تستحين من حبّي لك يا امرأة بلا قلب؟ألا تستحقّين أن أشبّهك بالكويرة الحمراء التي تملأ قلب الإنسان و شرايينه.

بدا على وجه أمي بعض غضب فأسرع أبي إلى ملاطفتها معتذرا:

ــ أقصد أنّك أحلى خليّة في القلب وفي الشّرايين،الكويرة الحمراء أجمل الخلايا وأكثرها عملا ومنفعة، ولكنّها بلا قلب...أليس كذلك ؟

تفاعل خجل أمّي مع دلالها  و همست :  

لكنّني أذوب فيك إلى آخر دقة من قلبي.

ــ ومتى ستصيبني دقّة القلب هذه فتدق معها ساعة الحسم؟ أنا أحتاج اليوم بل الآن إلى هذه الدّقة فهل تمانعين؟

ــ لماذا؟ قالت أمي.

لأطأ بها التاريخ وأساهم في تكوين الأجيال القادمة التي تتحدثين عنها، فأكون بذلك قد خدمت الإنسانية وشاركت في استمرار الحياة وفي تواصل العنصر البشري على الأرض، وتمكنت  من إيجاد وريث يفتخر بإنجازاتنا ويتباهى باختراعاتنا وفضْلنا على النّاس، فيحصد تقديرهم، ويحوز احترامهم، ويسمعني كلمة أبي ويناديك أمي. 

فهمت أمي بنباهة مقصد أبي، ففكّرت بعض الوقت وعزمت على أن تكون زوجة رجل وأن تمتثل لرغباته وتسعى إلى أن تكون أنثى، فاندفعت تبحث داخل نفسها عن أحاسيس مفقودة وعن بذرة الأمومة وتكتشف غرائزها، كأنّها طفل يكتشف نفسه بتلمّس أعضائه.

وفي وقت وجيز صار الهمس صراخا والنسيم عاصفة والسّلام حربا وصارت أمّي امرأة لا أعرفها ولا أحسن الحديث في شأنها وكأن أمرها لا يعنيني وكأن زوجها لم يكن ليلتها أبي.

أوقدت مشاعرها بصمت وأشعلت عواطفها فتغيّر صوتها وخفَّتْ نبرته، وازدادت دقّات قلبها، وانغلق تفكيرها على هدف واحد: أستطيع أن أكون أمّا، سأجرّب أن أكون مثل جميع الأمّهات...سأحْبِلُ وأحمل الجنين شهورا، وسأتشهّى مثل كل النّساء، وسأجرّب المخاض والرّضاعة والأمومة، سأتخيّل أنني خلقت حيوانا لا أفكّر في شيء، آكل وأنجب، سأكون أنثى وهذا يكفي لينتصر الجيل القادم.

أشعلت الضّوء الأزرق الخافت الذي يحبّه زوجها وأطفأت المصباح المعلّق في سقف الغرفة، فتغيّر لون اللّيل ونبتت هنا وهنالك بذور الرّغبة وأينعت وصارت تدبّ من كل ناحية و تسعى لملء المكان ...

مدّت المرأةُ يدها إلى المنضدة الموجودة على حافّة السرير، وفتحت بيد واحدة قارورة عطرها المفضّل، ورشّت عنقها وأسفل البطن والفخذين  ومخدتها وحتى السّرير، وباليد الأخرى جذبت  قارورة الحرقوس الصّغيرة؛ هي تدرك أن  لرائحة الحرقوس  قدرة عجيبة على إثارة مشاعر زوجها وإشعال شهوته؛حدّثتْها عنه  الماشطة التي رافقتها إلى بيتها ليلة الزّفاف، وأوصتها بالاستنجاد بالحرقوس كلّما خفت بريق الزوج، فمسحت به حلمتيها ومفرق النهدين والعنق، ودسّت إصبعها المغمّس ببقيّة الحرقوس في أعلى الفخذين.  

ثم استوت واقفة ونزعت قميص الليل الأبيض الفضفاض، ورمت به إلى جانب السّرير كمَنْ يتخلّص من حمل ثقيل، فبَانَ قوامها الرّشيق الفتّان، وألقى بظلّه الرّمادي على وجه الرّجل   المتمدّد في انتظار العاصفة؛أمعن النّظر منبهرا بجمال هذه المرأة الواقفة كشعلة من نار بالقرب منه؛إنّه يكتشفها لأوّل مرّة:لها جسد متناسق وقدّ ممشوق مصقول إلى حدّ اللّمعان،ضفائر كأنّها سرب من الغربان ينتفض ولا يقوى على الطيران، فيحط على صدرٍ لا يزال يمنع حمامتيه من الانتفاض،خصر أجوف يمدّ ضفافه للغزو، وساريتان من المرمر الدافئ ترتعدان فيرتعش من فوقهما كامل الجسد الطافح بالرغبة،المتأهب للاندفاع والانقضاض؛ظلّ الرّجل المتمدّد على سريره يمضغ لهفته ويكبح  مشاعره، فيرتبك من شدّة القهر، وتزيد هي في استفزازه فيقوى ارتباكه وتكبر فيه الرّغبة وتحمله إلى حدود الهيجان.

مدّ يده المرتعشة نحوها وحاول شدّها فتراجعت  خطوة واحدة إلى الوراء كانت كافية لتفلت من قبضته فأعاد الكَرّة وحاول اختطاف إصبع من كفّها فلم يفلح مرة أخرى، وأعاد المحاولة مرات ولم يستطع أن  يظفر بريشة واحدة من حمامه الطائر؛ هزّ جسده ليرتفع ويعترض الجسد المائل نحوه فخانته قواه، ولم يتمكن من أن يلمس ذراعها أو أن يشدّ خصلة من شعرها الذي اتّخذت منه لعبة استفزازية:تلقيه على خدّيه وتسحبه بلطف فيترك على وجهه قشعريرة تدغدغه فيستزيد؛استلقى من جديد على السّرير كجندي يشعر بالهزيمة قبل أن تبدأ الحرب؛لاحظت إصراره على القبض عليها فتمادت وزادت  في دلالها،  وتظاهرت بأنها ربحت المعركة الأولى فأصبح من حقها أن تنعم بنشوة الانتصار، وأن تُذل أسيرها قبل أن تتكرّم عليه بقليل من الشّفقة فمرّرت كفها على خدّه مواسية وملاطفة. حاول استغلال ذلك الموقف ورمى بكفيه ليلتقط الفراش الطائر من صدرها، وقنع مرة أخرى بالمحاولة كمن لا يريد أن يطيح بفريسته سريعا؛هو نفسه أعجب باللعبة  ورغب في أن تطول وأن تتعدّد محاولاته، وهو مدرك أنّها لن تهرب منه هذه اللّيلة؛ تراجعت من جديد إلى الوراء حتى تمايلت للسّقوط واستفزّت مشاعره بوضوح  واستنهضت شجاعته فانقضّ عليها إلى أن كاد يسقط على البلاط، ولم يتمكّن من شدّها، فرقص  نهداها وتلوّى خصرها في حركة شهوانية مكشوفة  ثم مدّت يديها إلى ظهرها وأسقطت الصّدرية فبدا صدرها مطمعًا للغزاة ولم يغزه أحد وبستان زهر لم يكتشفه  النّحل  بعْدُ وساحةَ حرب تحرسها قلعتان منتصبتان  من فرط الرّغبة؛ غافلها الرّجل، وهو لم يزل يمضغ لهفته محاولا كبح جياد   شهوته، وانقض عليها كالنمر الجائع وقد عنّ له أن  فريسته ملّت من التّهرّب، وأصبحت على بعد شبر واحد ورغبت في السّقوط والانقياد، فشدّها وجذبها إلى صدره فانهارت بجسدها عليه حتى كادت تقطع أنفاسه؛ لفّها بذراعيه فالتحم الجسدان وصمتا لحظات، التقط كل منهما الجهد من جديد واستعدّا لمواجهة أكثر شراسة ولمقاومة أكثر عنادا.

لم تتعوّد تلك المرأة على مضاجعة زوجها بهذه الجرأة وبهذه الوحشيّة والاندفاع، لم تتعلّم من قبلُ هذه الأشياء  وها هي الآن تكسر قيود الخجل وتتخلّص من قبضة الحياء والعادات  وتطلق الأعنّة لجسدها الجامح،  فتكتشف وتبدع  وتكسر وتقتحم؛ هي توقن أن لا محرّمات ولا ممنوعات بين الزّوجين وأن اللحظة حانت للفصل بين  انضباط العقل وحرّية القلب وبين صرامة التفكير وواجب الزّوجية؛ عليها أن تختار  واحدة من جمرتين.

الطّريق شاسع والفضاء رحب واللّيل طويل، الفرس الجامح واللجام الكابح ، النار والهشيم والثلج وأشعّة الشّمس الحارقة،البحر والزّورق،الورقة والقلم، اللّوح والفرشاة،اللّمس والهمس، الإقدام والإدبار، الطلوع والهبوط، الشّهيق والزفير،الأخذ والعطاء،  القبول والصّدّ  الجزر والمدّ، الشّدّ والرّدّ،البرق والرّعد، النّوء والمطر، الدّخول والخروج.

رجل يحنو على امرأة تتّقد .

امرأة تدنو من رجل يستعد.

أنثى من دفء على ذكر يرتعد.

العقل يتهاوى و الرّغبة تمتد.

الضّوء الأزرق الهادئ أنار المكان وزاده بهجة؛حلّت المرأة عقدها الموروثة من زمن ضربة واحدة، كما حلت أزرار لباسها وتخلّت عن حيائها وراحت تلعق جسد زوجها بلهفة ونهم: مرّرت لسانها على رقبته وصدره ومرّغت وجهها على خصيتيه ولعقت التّوت الأحمر بشراهة وهي لم تعرف لهذا الصّنف من التّوت طعما طول حياتها؛ أخذته رعشة غريبة واستسلم  إلى اللّذة دونما تفكير ولا ذاكرة.لم تخف ولم تتهيّب ردّة فعل زوجها ولا شكّه في سبب انقلابها، وبهذه السّرعة، من امرأة متزنة إلى امرأة مثيرة.كانت تمارس واجباتها الزّوجية باحترام وبطريقة عادية حفظتها من عامة العجائز فتستلقي على ظهرها ويطلع فوقها زوجها فيخلع ملابسها الداخلية بنفسه ويمدّ بعنقه إلى رأسها فيقبّلها في الظلام وقد يمرّر شفتيه على رقبتها وفي مرات قليلة جدّا على صدرها.  ويتركها بعد  أن  يصيب منها دون أن يتساءل إن كانت قد أصابت منه أو وصلت بها الشهوة إلى عتبات اللّذة وتركتها تمضغ لهفتها حتى تسكت.

هذا الرّجل حوّلته بلمساتها السّحرية المبتكرة إلى عشيقها الوحيد الذي عرفته منذ أن كبرت ونهد صدرها؛هو يدرك جيدا أنها لم  تعش أيّة تجربة في الحبّ ولم يمسسها بشر سواه، وهاهي اليوم تفعل به ما لم تقدر عليه امرأة من اللواتي عرفهن أيام عزوبته. دارت  كفّة الرّحى على القطب واهتزّت اهتزازا خفيفا ثم انتفضت بجنون  فاستجابت لها  كفة الرّحى السّفلى وقابلتها بمقاومة عنيفة لتطحنا معا ما حصل بينهما من حب رمان وتفّاح وتمر، ولم يترك الفرس الجافل فرصة لراكبه كي يبلغ خطّ الوصول فتصدّت  وتحدّت ومنعته من معانقة النّشوة مخافة أن تُفقده بعضا من وعيه فيسقط وينتهي به الطريق خبَبًا، فقفزت من أعلى السّرير على الزربية وسجدت معتمدة  على كفّيها وركبتيها  ورمته بنظرة غريبة سرعان ما التقط معناها  وأسرع إلى ركوب "فرسه"الذّاعن وشدّها من العنق  فانصاعت إليه وتمايلت يمنة ويسرة وهي تئن أنينا لا يكاد يسمع؛ خضّها بلطف فقابلت خضاته بأكثر عنف وافتعلت الإفلات من بين فخذيه الواقفتين فلم تفلح، وكانت لا تريد أن تفلح في التّخلص منه ولكنها تتعمد إعادة الكرّة نشوانة، مزهوّة بإطالة اللّعبة، قبل أن تتظاهر بالاستسلام لقبضته وهي تقطع أنينها بآهات الوجع. أما هو فعلا شهيقه وتتابعت أنفاسه وكساه العرق السّاخن  إلى أن زفر فأحسّ بها تتنهّد من تحته وتسحب الهواء من آخر الدنيا لتملأ صدرها؛ دفعة واحدة انهمر الحب غيثا يسقي الأرض البكر ويحييها ويوقظ خصبها،سقط الاثنان صريعين: كل إلى جهة وانقادا إلى نوم عميق وكأن شيئا لم يكن.

مر الشّهر الأول على تلك الليلة الحمراء فأحسّت المرأة بمظاهر الحمل تتلاعب بمزاجها؛ كرهت رائحة المنزل  ورائحة المخبر وتكاثرت شهواتها وأصبحت ردة فعلها قاسية وضاق صدرها وتكاثر غضبها.تحَمّلها زوجها وساعدها في كل الأشغال التي كانت تقوم بها وحدها فصار يتسوق ويختار وجبات الأكل ويطبخ ويمسح البلاط وصار يلاطفها ويغض الطرف عن كل حماقاتها متعللا باحترام جنينها، وأصبح يذكرها كل صباح بضرورة الاعتناء بحالتها ويعطيها  النصائح الطبية التي تعلمها منها في السابق.

مرت سبعة شهور وهُما في وئام تام؛ صار أبي متسامحا إلى أبعد حدّ وتخلّى عن صرامته وانضباطه ولم يشعر أبدا بالتّعب ولا بالقلق، وشرعت أمي في الاستعداد لحلول وليدها،كانت العلامات المتداولة بين العجائز ترجح أن يكون المولود بنتا حتى أن بعضهنّ نصحنها باقتناء ملابس أنثوية لجهاز المولودة.

 3 ــ الشّهقة التي خلقت العالم

 

كان يمكن أن أجيء إلى هذا العالم في مناسبة أخرى آو  بطريقة أخرى بواسطة  الاستنساخ مثلا  لولا  صفاء تلك الليلة الحمراء تحت الضوء الأزرق، التي اتفق فيها والداي على ضرورة إعادة الدَّيْن إلى البشريّة والمساهمة في تواصل الإنسان وتمكينه من أن يُعمّر الأرض.

انقطع الخط مع المرشد الأرضي مرة أخرى فأضعت الكثير من الكلام قبل أن انتبه إلى أن صوتي صار كبّة تشويش وخليطا مزعجا من الذبذبات، وأنني صرت أهذي وحدي كمن يحدّث نفسه إلى أن عاد الخط وطلب مني المرشد أن أعيد بعضا من الحكاية بداية من كذا وكذا، فاقترحت عليه أن يقطع الخط وأن يفتح صفحة جديدة ففعل، وأعدت رواية التفاصيل  منذ حضور الفكرة إلى الانجاز إلى الميلاد إلى النزول قلت:

تعلقت همة أبي بالفضاء فاخترع الطائرة الحوامة وحاز بها إعجاب الشركات المختصة في صناعة الطائرات، فتهافتت على براءة الاختراع وتعالت المزايدات في السر والعلن، وتمكنت إحدى الشركات المصنعة من الحصول على رخصة الإنتاج ودفعت لأبي ما اشترط عليها من أموال وضعها كلّها على ذمّة المخبر الذي يديره في الجامعة، ولما انتهت الشّركة من صنع الطائرة الحوامة أقامت حفلا بهيجا بمناسبة خروج النّسخة الأولى منها حفاظا على سرّية المشروع وسعيا إلى إسكات المعارضين من رجال الدّين ودور الإفتاء، ووضْعهم جميعا في خانة الرّضوخ للأمر، فما إن علموا بأن الطائرة اقتربت من اكتمالها، حتى أعلنت جماعة منهم أن صناعة طائرة حوامة عمل خارج عن شريعتنا ونعتته بالكفر وبالفعل المنكر وبالخروج عن الملّة، ولكن الشركة المصنّعة واصلت عملها ووجّهت دعوات إلى عديد الشّخصيات الهامة وسمحت  للقنوات التلفزية ولرجال الإعلام بمتابعة حفل إمضاء عقد الملكية والتّسليم، ونقله مباشرة إلى كامل أنحاء العالم، فاهتم به الناس أكثر من اهتمامهم بإطلاق المركبات الفضائية وصواريخ المراقبة التي ترسلها من حين لآخر بعض الدول للاستطلاع وللاكتشاف؛ وكان من الطبيعي أن يكون مخترع الطائرة الحوامة  أوّل راكبيها، وكان من الطبيعي أيضا أن يجازي أمّي على قبولها الحمل منه وإنجاب طفلهما الوحيد، فشجعها على تجربة الكبسولات المغذية وطلب منها أن تبتدئ بنفسها فتأخذ معها علبة تكفيها لسنين عديدة، وأن تصاحبه لتكون أول امرأة تضع وليدها في مستشفى الطائرة الحوامة حيث العناية الفائقة والسّلامة المضمونة، فقبلت وركبت الفضاء وهي في بداية شهرها التّاسع من الحمل.

كان يوم إطلاق الطائرة الحوامة يوما مشهودا، اهتمّت به جميع الدول وأوفدت رؤساءها وكبار مسؤوليها لحضور  عملية الإقلاع وأخذ صور للذكرى فاليوم يوم حشر لم تعشه الأرض منذ أن أينعت في كبد السماء؛كأن الأرض جاءها المخاض فاهتزت وزلزلت واعتصرت وأطلقت صيحتها لتنجب بنتا لها في حجم الطائرة الحوامة،اليوم أمر إذن، ولابد للكون من أن يحتفي به،تسمّرت مفاصل الطبيعة فتوقف البحر عن المدّ وهدأت الريح وتشرب الشجر ظلاله وتوقفت الشمس عن إرسال حرارتها، الناس لا يشعرون بشيء يتحرك من حولهم حتى الأنفاس كتمت في انتظار لحظات الحسم.

غصّت محطّة الإقلاع بالنّاس كبارا وصغارا فضوليّين ومتفرّجين وسياسيين ورجال إعلام وعلماء ومديري مصانع وبعض المستثمرين.

الكل جاء ليشهد إطلاق الطائر الغريب في اتجاه اللانهائي.فسح بعضهم الطريق أمام أمي الحامل احتراما وتقديرا لجنينها؛في الحقيقة أوهموني باحترامهم الكاذب فلم أحفل به وتقوقعت مع أصدقائي داخل القفص وأرهفنا السمع إلى نفاقهم يأتينا مصحوبا بالموسيقى النحاسية التي تصم آذان الحاضرين؛مشت أمي إلى جانب أبي على البساط الأحمر الذي خصصته الشركة المصنعة بالمناسبة، وتوجهت نحو باب الضيوف الذي يفتح بدوره  على غرفة القيادة أين استقبلها رئيس الطاقم ورجاها ألا ترد عما قد يصل أسماعها من بذيء القول وسيء الانتقاد؛ تحاملت أمي على نفسها وهي تسمع بعض التعليقات المهينة:

ــ حلم امرأة سيكلفنا حياة الكثيرين.

ــ يريد أن ينتحر مع زوجته فلماذا يأخذ معه الآخرين إلى الموت؟.

ــ الحمد لله أن كثيرين ألغوا حجوزاتهم.

ــ تخلف كبار القوم عن السّفر لأنهم يشُكُّون في نجاح التّجربة.

ــ حتى التجارب التي يقوم بها الكبار يتحمّل نتائجها الصغار.

ــ اشتروا الركاب بالمال ليروّجوا لبضاعتهم الرّخيصة.

ــ انهم يغامرون بحياتهم وقد ودّع بعضهم أهله الوداع الأخير قبل الموت.

ــ الخوف ليس من الموت وإنما من صعوبة الدّفن في الفضاء.

ــ قفزة في المجهول وارتماء على الموت.

ــ سيحرقهم الله بطائرتهم المجنونة وسيرميهم بحجارة من سجّيل.

ساعد أبي قائد الرحلة على تشغيل المحرك الأوسط للطائرة يدويا، وفسّر له بعض الأشياء الدّقيقة التي أبقاها سرّية لغاية في نفسه؛دفع المحرّك الرّئيسي بدوره بقيّة المحرّكات إلى الاشتغال فدارت حول نفسها وراحت تحرّك الهواء من حولها وتدفعه في اتّجاهات مختلفة، فيتداخل في شكل كرات هوائيّة سرعان ما تتحوّل إلى كتل قويّة ثم إلى  مجاري ضغط هائل وتبعث قنابل هوائيّة صامتة عبر المجرى، تماما كما يحدث في مثلّث برمودا الذي تثير فيه الطبيعة زوبعة من الرّيح والماء، تبتلع كلّ ما اعترضها وقد ظلّ لغزا محيّرا طيلة عقود ولم يكتشفه أحد إلا بعد أن تخيّله أبي؛قد تكون مجرّد صدفة،ربّما.

مضخّمات الصّوت المثبّتة في عدّة أنحاء من محطّة الإطلاق وفي محيطها، تطلق من حين لآخر بعض التّوجيهات إلى الناس:  فتوصيهم بملازمة الحذر والانتباه، وبعدم مغادرة أمكنتهم. الشّاشات العملاقة المعلّقة بالقرب من المحطّة تنقل تفاصيل العمليّة بدقّة عالية فتساهم في تخفيف الازدحام وتمكّن الحاضرين من المتابعة المتواصلة لكامل مراحل الإطلاق، وتنقل الصّورة والصّوت إلى المحطات الفضائية والأرضية للتّلفزات في كامل أنحاء العالم.انه حدث عالمي فريد من نوعه  ينجزه لإنسان لأول مرّة في تاريخه.

صاح الطيّار في مضخم الصّوت فسكب الصّمت على الوجوه و الألسن:

خمسة......أربعة......ثلاثة ..... اثنان..... .....واحد.....

انطلاققققققققق........

أقلعت الطّائرة الحوّامة بسرعة عجيبة نحو الأعلى  ولم تحدث أصْواتا  ولا ضجيجا، إلا حفيف هواء المحرّكات الذي لا يكاد يسمع، فكأنه نسمة صيف أو موسيقى هادئة.

مرّت دقائق قليلة والأعناق مشرئبّة إلى الأعلى، تتابع الطّائرة الحوّامة وهي تمخر الفضاء بسهولة تامّة: تمتصّ الهواء بمجموعة من الخراطيم المثبّتة  في كلّ جانب منها وتدفعه نحو الخلف والأسفل في نفس الوقت فتحدث بمفعول ذلك القذف قفزة إلى الأمام تسهم بدورها في الزّيادة في كمّية الهواء الممتصّ،  وهكذا تظل سرعة الطائرة في ازدياد إلى أن تصل درجتها القصوى وتأخذ مدارها النّهائي حول الأرض وتحافظ على الدّوران بلا مستقرّ.

ظلّ النّاس يتابعون صورة الطّائرة وهي  تغيب رويدا رويدا من الشّاشات في اتّجاه المجهول وهم يهلّلون ويباركون،بعض منهم يرتعد خوفا على الرّاكبين:

ــ مجانين.

ــ هيه... لقد تعلّقت همّة بني آدم بما وراء العرش.

ــ إنّها مغامرة وستنتهي بفاجعة.

ــ الموت على هذه الشّاكلة شرف.

الموت هو الموت لا رائحة له ولا طعم إلا الوجع.

ــ انه إنجاز القرن.

ــ كيف  تبدو الأرض من هناك؟ وهل باستطاعتهم مشاهدتنا؟ أم إننا أصبحنا حبّات من غبار بالنّسبة لهم؟

ــ لن يعود منهم أحد حيّا من هناك.

ــ ليتني كنت معهم!

ــ عندما أكبر سأصبح طيّارا وأقود الرّحلات إلى الفضاء.

ظلّت الألسن تتداول هذه الأسئلة باستمرار إلى أن زحف  اللّيل على الصّورة الآتية من خارج الطائرة، فبدأ الجمع في الانصراف.

أما  داخل الطائرة الحوّامة فالجميع في عرس وفي فرح عظيم وبهجة خارقة، فلا خوف ولا ندم، رقَص من رقَص وغنّى من غنّى، واكتفى الشّيوخ بالدّعاء كأنّهم في رحلة إلى الحجّ؛ قلّة من أصحاب القلوب الضّعيفة والمتظاهرين بالشّجاعة  تملّكهم الشّك وزاد في رعبهم من المجهول، فاستكانوا إلى النّوم تحاشيا لمعايشة ما يمكن أن يحدث من رجّات أو صدمات وخيّروا الموت نائمين أو مخدرين.

أبي يمشي ويجيء ما بين عربة القيادة وممرّ المسافرين، متواضعا كعادته على الأرض،  يتفقّد الرّاكبين ويحاول إقناعهم ببساطة الانجاز،  مستدلا بسهولة عملية الإطلاق ومؤكدا على أنّها أصعب المراحل، وأن الأمور تسير في اتّجاه الاستقرار حالما تأخذ الطائرة الحوامة مدارها النهائي.و عندما جلس أبي نزلتْ من سقف الطائرة شاشة  الكترونية جميلة وتمشت في الممر كما تفعل المضيفات عادة  وأعلمت الناس بأن سرعة الطائرة وصلت إلى ألفي كيلومتر في الساعة  وأن درجة الحرارة في الخارج    وصلت الى مائة درجة تحت الصفر.

مضت ساعات أحسّ المسافرون خلالها بقليل من الاهتزازات والارتجاجات المتأتية من اصطدام الطائرة الحوامة بجبال السّحب وبالمطبّات الثلجيّة،  فتأثّرت أمي وأصابها الغثيان، لكنها تحاملت على نفسها وضمّتنا داخل حوضها  فشعرنا بهدوئها وازددنا اطمئنانا.

مرّ الأسبوع الأول من الرّحلة بدون ملل ولا قلق، فلم نتفطّن إلى نهايته إلا بالتّغيير المفاجئ في نظام الأكل؛اتّخذت أمّي قرارا حاسما منعت من خلاله جميع المسافرين من تناول الطّعام، وذكّرتهم بأنّهم تعهّدوا وأمضوا عن الامتناع عن الأكل أثناء الرّحلة والاكتفاء بتناول الكبسولة الأسبوعية التي وفرتها لهم مجانيا في إطار التّجربة، وقد بادرت بتطبيق البرنامج على نفسها رغم أنها حامل وفي شهر الوضع؛اقتصر الأكل على تناول قرص واحد في الأسبوع يبتلعه المسافر أو يضعه تحت لسانه فيذوب بسرعة ويتوزع داخل الجسم ويستمر أسبوعا كاملا في ضخ الحريرات الضرورية.

فجأة شعرنا بالاعتصار وبأن جدران الحوض تكاد تنطبق علينا وتخنقنا، وبدأ الانقباض في الزيادة وتقاربت فتراته وأصبح صوت أمي، وهي تتألم، يصلنا واضحا، وصارت من حين لآخر تعضّ على شفتها السّفلى بالعليا لتقبض على ألمها، وتصبّب منها عرق بارد ولاحظ أبي أنها بدأت تتلوّى من شدّة الوجع فساعدها على المشي.ولم تمض ساعة أو ساعتين حتى انفتح قسم التوليد وألقى بنا رحم الأم على طاولة من القطن الدافئ. ومنذ ذلك الوقت لم نر أحدا من ركّاب الطائرة ولم نسمع شيئا عن والدي.بقينا في ركن هادئ من الطائرة إلى أن تقرّر نزولنا إلى الأرض.

يبدو أن هذه الطّريقة في السّرد لم تعجب المرشد الأرضي أو انه أصيب بلخبطة دماغية جعلته يصرّ على أن أعيد إليه تفاصيل الحياة من بداية التكوين إلى التشكل في حوض الأم إلى السّعي نحو الاكتمال إلى أسباب النزول، فحاولت إرضاءه ببعض التّكرار المقلق.  

 

4 ــ أنا النيرون حارس الذاكرة

اختار والداي أن أنزل إلى هذا العالم نتيجة زيجة عادية وأن تكون ولادتي طبيعية وأن تتمّ  خارج كوكب الأرض. وكان يمكن أن أجيء عن طريقة الاستنساخ رغم سهولته وتوفّر شروطه في هذا العصر، ولكن آبي كان يعتبر الاستنساخ جريمة أخلاقية فظيعة ترتكب في حقّ الإنسانية، أمّا أمّي فهي تعتبره فعلا  حراما ومحاولة لمشاركة الله في  الخلق؛ولأن تجربة الاستنساخ هذه لم تنجح،  كما  أريد لها أن تكون مع النّعجة دولي، وقد لا تنجح معي أيضا، فإن أمّي  عدلت عن التفكير أصلا في هذا الموضوع، وأعلمت أبي بأن العلم أثبت أن أطفال الاستنساخ يمرّون في زمن قصير إلى عمر الخليّة الأم، فيمكن أن أكون كهلا مثلا  وأنا لم أتعدّ العقد الثاني من عمري، أو شيخا في الأربعين.وانتهى الحوار بينهما إلى تفضيل الحمل الطبيعي.

سأحاول أن أجتهد قليلا لأحكي للناس ما تبقّى من القصّة قبل أن تبدأ ذاكرتي في تغيير محتوياتها بما يتماشى وسمة العصر، وأنا سعيد جدا بإعادة تأثيثها وبإتلاف ما لم يعد صالحا منها وما لا أحتاجه أبدا؛ وكم أتمنى أن اقضي أيّام عمري الباقية بلا ذاكرة، حتى لا أكون مجبرا على الشك في كل شيء والبحث من خلاله على اليقين،العجائز فقط يتشبثن بتاريخهن القديم لأنه يوهمهن بالبقاء قريبا من الصّبا.

أحاول يائسا أن أغربل نفسي من قناعة ورثتها عن والدي وفتات أساطير حفظتها فلا أقدر،إنها على أيّة حال لا تبدو مهمة وليست ضرورية لرسم الطريق الذي سيوصلني إلى هدف حددته منذ البداية،هدف لا يبدو عسير المنال ولا هو بالمستحيل،انه مجرد قصة واقعية سأرويها وسيرة رجل واقعي سأضعها على ذمّة من رغب فيها،  وسأسعى إلى تسهيل المهمة أمام من حاذاني أو ركب جمالي،سأحكي على طريقة العجائز وسأعتمد على كثير من الافتراض وعلى الأمثلة والتشابيه،الحكاية لا تجد معناها إلا بسردها هي مثل  الحمل لا ينتهي تعبه إلا بوضع الجنين.

سأفترض مثلا أنني  لم أخلق  من حمإ مسنون كما خلق آدم، ولم أكن منحدرا من أميبا شارل داروين  الذي قد يكون انحدر منها ولم يعترف بذلك حَماقةً، وأفترض أنني،وهذا الأقرب إلى الظّن، جئت من ماء دافق يخرج ما بين الصّلب والتّرائب رغم أنني لم أجد تفسيرا مقنعا لمعنى الترائب يُغنيني عن قافلة الفرضيات والاقتراحات، وأفترض مرة أخرى أن للحمإ المسنون   رائحة تشبه رائحة اللحم النّتن، وأن الطّين لا يصبح فخّارا إلا متى مسّته النار،  أقول قولي هذا وأنا أرى نفسي قادرا على الجمع بين كل الفرضيات والخلاص إلى أن الإنسان كائن غريب ومعقّد وأنه يزداد تعقيدا كلّما نما وتقدم في الزمن،  فتحوّل من كائن بدائي يركض خلف الحيوانات ليصطادها إلى إنسان يفكّر في صنع أسلحة من الحجر ومن الشّجر  تساعده على تلبية رغباته الحيوانية وتمكِّنه من إخضاع الطبيعة شيئا فشيئا إلى مشيئته؛ وأفترض أن الزمن مشى طويلا بالإنسان وفعل به ما فعل وهو على هذه الحال ثم انفجر عقله فاخترع أشكالا أخرى للنّار وصنع المذياع وأرسل صوته وصورته على شاشة التلفاز  وكتب وأرخ وغزا الفضاء؛  وعندما تيسّر له ذلك  تربّع ووضع  الأرض في كفه  وأشرع خفاياها  وشرّح تفاصيلها وكشف أسرارها كشفا عميقا وفتح قلبها فتحا مبينا وتعمّق في بطنها بعد أن فَراها فرْيًا وزلزلها إلى أن  اتّهم نفسه بالعصيان وبالجحود وبالكفر أحيانا،  ولكنه لم يمنع نفسه من المشي أماما ومن المضيّ قدما في البحث والتجريب، غير عابئ بجنونه، فأقدم على تجربة الاستنساخ، واستطاع أن يخلق  من نفسه أشباها  لكنه تراجع عن فعل ذلك احتراما  أو خوفا.

كان يمكن إذن أن أجيء إلى هذا العالم  على شكل  متناسق  وعلى تقويم  حسن، أو بنكهة غريبة وبطعم غير مألوف، وكنت أبارك الهيئة التي سأكون عليها  فلا أشعر بالإحراج ولا بالضّرورة إلى إقناع  نفسي بحالتي، ولا أبحث عن مبرر للشكل الذي اختاره لي والداي،فأنا  أحبُّ الوضوح وأحترم قرار الآخرين حتى وإن كان قرارهم يعنيني فلا أتعدّى على حقّهم في اختيار الطريق الذي يناسبهم.

وأنا دائم الحلم، وافر الخيال أقدّر الإنسان حقّ قدره  وأحني له طربوش الاحترام، وأقف وقفة إجلال أمام قدرته على الإبداع، وأراه ساعيا إلى فهم الأشياء وتفكيك تفاصيلها ومقدما على تحريك المستقبل، فقد تعلّم من تجاربه أن يصنع الخوارق ونجح في إنجاز كثير من الأشياء التي كانت تعتبر إلى زمن قريب من المعجزات،إذ ما كان أحد  يتخيّل أن الإنسان سيصنع يوما جهازا في حجم مذياع  يقوم بوظائف متنوعة في نفس الوقت: فيكتب ما يملى عليه ثم يترجم المكتوب إلى صورة ويرسلها إلى آخر الدنيا حيث يسحبها المتلقي نصا مترجما إلى ما شاء من اللغات، ومن كان يتخيل أن أجهزة في حجم كفّ اليد تمكن الإنسان من التّواصل بالصّوت والصّورة  مع غيره المتواجد على بعد آلاف الكيلومترات؟ومن كان يتصوّر أن آلة تدار عن بعد تتمكن من إجراء عملية جراحية دقيقة على قلب إنسان تُفرِّق بينه وبين الطبيب الجراح مسافة سنين من المشي؟ هذه المسائل كانت تعتبر في الماضي من الخوارق التي لا يقوى عليها إلا الأنبياء، لذلك فان قصّتي  هذه واقعيّة حدثت سابقا أو إنها  قابلة للحدوث في الزّمن القادم وسأعتبر نفسي فوق الانتقاد، بريئا من التهم التي سيرميني بها أولئك الذين سيتجمعون في حلقات في المقاهي والسّاحات، ويفتحون من أجلي سوق المزايدات والشّكوك:سيتّهمونني حتما  بالجنون لأنهم عاجزون عن فهم الأحداث التي سأحكيها، رغم أنني جعلت لها بساطا من المنطق يقي من أراد الفهم من الارتباك ويحفظه من الخوف ويساعده على معرفتي عن قرب  وعلى تتبّع حركاتي وسكناتي بداية من تلك الليلة الحمراء ذات الأضواء الزرقاء التي حدث فيها ما حدث،شيء مهم جدا لم يحدث سوى مرّة واحدة في حياة ذلك الرجل وتلك المرأة،شيء مهم جدا أضافني إلى هذه الدنيا ففعلت بها ما أردت وفعلت بي ما شاءت ودوّختني مثلما اشتهت:ليلتها انهمر الماء الدافق وجرت النُّطَفُ في نفس الاتجاه كأنها في سباق  ضد الوقت وانهالت على البويضة التي ألقى بها مبيض المرأة تدقها بمناقير صغيرة جدا، راغبة في احتلالها؛تمنّعت البويضة في البداية كما تمنّعت المرأة في تلك الليلة وبقيت سابحة في انتظار الفتح المبين،ظلت الحيوانات المنوية تدق على وجه البويضة من كل اتّجاه وتحاول أن تغرس بعضا من رؤوسها في غلافها إلى أن تمكن نطاف واحد  من الانفلات من السرب، وغرس رأسه في السّاتر المحيط بالبويضة  ثم ارتمى إلى الداخل مخلفا نصف ذيله على غلاف البويضة، كأنه منديل الوداع أو راية انتهاء السباق، عندها أصاب الذهول بقية الحيوانات فتراجعت إلى الوراء خائبة مهزومة، وذهبت  لتستقبل حتفها داخل الحوض الأظلم،  وذلك مصير المتخلفين منذ بداية الخلق.

وجدت الخلية الأولى الأرض بكرا في ذلك الحوض الدافئ فانقسمت بسرعة إلى خليتين، ثم إلى أربع خلايا وهكذا... ولم ينته الأسبوع الأوّل حتى فاق عدد الخلايا المائة مما دفع بالمُضيّف الكريم إلى أن يمهّد لضيفه عشّا يليق بحجمه ويمنحه من ذاته الدّفء والحنان وأشياء أخرى.

كبر العشّ سريعا و بدأ الجنين الذي ضمنا  يتشكّل ويتمطّط ويتكوّر،وكنّا كلّما ازداد عددنا ثقل الحمل وتشكّلت أعضاؤه فانعزل بعض وكوّن أصل القلب والدّماغ ثم توالدت الأعضاء الأخرى،وأوكلت إليّ وإلى زملائي في الشّبهة مهمّات التّواصل والنّظام الدّاخلي في الجنين؛لم ندر من منحنا تلك الصّفة ولا من كلّفنا بتسيير قطيع الخلايا ولكننا قبلنا شكلنا وبرنامج عملنا. مرت أسابيع ونحن ننقسم ونتوالد بسرعة عجيبة  إلى أن أصبحنا نعدّ بالملايين وتعلّمنا كيف نفقد كل يوم مئات الآلاف ولا نبكيهم ولا نأسف لفراقهم، وبدأنا نختلف في الأشكال والمظاهر، ثم تحوّلت تلك الاختلافات إلى خلافات وصراعات، وكلما زاد عددنا زادت اختلافاتنا وكثر الخارجون عن الطّاعة بيننا فاتّخذوا لأنفسهم  أشكالا غربية ومهمّات صعبة، وانتحت كلّ فرقة ركنا خاصا بها وبقي بيننا شيء من حبّ قديم رغم الانقسام والازدحام الذي أصبحنا نشعر به؛ كان حبّنا في البداية مجاملة أو تعبيرا غير صادق عن رهبة أو عن خوف من المستقبل، ولكننا فضّلنا أن نتبادل حبّا كاذبا على أن نتربّى على الحقد والكره والصّدام.وكانت تقودنا يد خفية لم نعرف طبيعتها ولا الطريقة التي تعتمدها لتتحكّم  فينا فرادى وجماعات، ولكننا أدركنا قدرتها الفائقة في تسيير الأمور داخل الجلد النّاعم القمحي الذي صار يلفنا ويحصرنا ويمنعنا من الخروج ومن التطاول على مضيفنا.

كانت تلك اليد الخفية تنظمنا وتقسم علينا الأدوار وتمنعنا من التقاتل،كل رضي بنصيبه واقتنع بمصيره فكلما رأى واحد منا أجله يجري نحوه تقدّم إلى موته باعتزاز وشجاعة، كان يفعل ذلك بتلقائية و بدون ضجيج ولا ألم.

يبدو أن تلك اليد الخفيّة كانت تحدّد لكل منا عمله اليومي وساعات راحته ونوعيّة إنتاجه، وتبرمج له موته، ويبدو أنها تدير الأمور بسرّية تامّة وبدقة فائقة.

أعجبتنا حياتنا في الأيام الأولى فلم يشتك أحد من الضيق ولا من الجوع ولم يعطش أحد،كان كل شيء يأتينا من حوض الأم بواسطة أنبوب رطب يحمل إلينا ما نحتاج من غذاء ويخلّصنا من الإفرازات السّامة ومن الغازات.

مرّت الأشهر الأولى ونحن على تلك الحال لا نشتكي ولا نعرف الملل إلى أن حل الشهر الثّامن فبدأ القلق ينتابنا وشعرنا  بالروتينية،  وصار بعضنا يتأفف من  الزّحام، وتعلّمنا الصّراخ والاحتجاج،  وأقدم المحتجون منا على إعلاء أصواتهم وراحوا يقضون أوقاتهم في القرع على الحواجز المحيطة بنا دون انقطاع، إلى أن كَرِهَنا الحوضُ  المضيّف وضاق ذرعا بنا وبادلناه الكره، وما كنا نعلم أن تبادل الكره في تلك الأماكن والوضعيات أخطر بكثير من تبادل العنف.بدأ مُضَيّفنا  يستعد لطردنا والإلقاء بنا نحو المطلق، ولم يعد قادرا على تعدادنا ولا عن تقسيمنا إلى مجموعات متشابهة  فقد تكاثرنا وناهز عددنا مئات المليارات  وتضاعف عدد موتانا  أيضا فأصبحنا نفقد عشرات الآلاف في كل ثانية، مما استوجب إنشاء مقبرة في مكان وسيط اختير له اسْم الطِّحَال وتخصّص  في تشريح النّزلاء الموتى والتنكيل بجثثهم و تجريدهم من كل العناصر الصّالحة للاستعمال مرات أخرى في مكان آخر؛لا أحد منّا فهم مهمّة  الطّحال ولا كيف تعلّم سحب العناصر القابلة للاستعمال أكثر من مرة: نراه يستقدم جثث الخلايا يكدّسها بلا نظام ثم يشرع في تقسيمها مستعملا أسلحة خفية،  لكننا نخمن أنها حادة ورقيقة ينهال بها على فريسته فينزع ريشها ويفتفتها ويمشّها ويختار العناصر المفيدة ليضخها في الدورة الدموية إلى جهات لا يعلمها إلا هو، ويلقي بالعناصر الأخرى مع الفقراء من الموتى إلى الأنبوب ليحملهم مع النّفايات خارج الصندوق. تلك مهمة الطحال يؤديها في السّر بتوجيه من اليد الخفية وبلا معارضة ولا نقاش ولا حتى طرح سؤال،فهو لا يشتكي من أحد ولا يقتل أحدا، ورغم براءته من دم القتلى فإننا كرهناه  كرها ومقتناه مقتا ربما لأنه  لا يستضيف إلا الموتى لينكّل بالجثث ويخرج أسرارهم بلا رحمة ولا شفقة ولا احترام لكرامة الشهداء،ربما.

شعرنا ونحن نعوم داخل الحوض بالحركة تشتدّ من حولنا، لاحظنا ذلك من ارتجاف الأنبوب الموصل للغذاء ومن تموجات الماء الذي يحيط بنا من كل الجهات،أعجبتنا هذه الدغدغات فاغتنمنا الفرصة وانقلبنا رأسا على عقب وألقينا بالسّاقين إلى الأعلى فاسحين لهما المجال لأن تواصلا طرقهما الخفيف على جانبي الحوض، وهي حركة تجعل الرأس يتقدّم بطيئا نحو باب الخروج صرنا كالسّمك السابح نحو العمق هربا من التيار.

وحانت ساعة الحسم:شعرت أمي بأوجاع غير عادية  تأتي في البداية في شكل نوبات متباعدة في الطول والوقت  ولا تلبث أن  تهدأ بصفة تلقائية ثم تتحول إلى  نوبات مؤلمة ظلت تزداد حدّة مع  حركات  الانقباض، وصارت أطول وأعنف، وانحصرت في أسفل البطن،تكاثرت آهات أمي ولفها العرق وعضّت على شفتها لتتحاشى الصّياح، لاحظ أبي ذلك وفهم أن ركب خليفته المنتظر سيحلّ في حضنه بعد قليل فأعدّ  نفسه للمفاجأة الكبرى، وتملّكه شعور بالرضى عن حياته، ولسان حاله يقول: أنا ذكر فأنا موجود، مشى على رموش عينيه إلى قسم التوليد وعاد بنقالة ساعد زوجته على ركوبها وضغط على زر من أزرارها فعادت النقّالة تسعى إلى قسم التوليد فانفتح أمامها الباب الأول ثم الثاني إلى أن توقفت بالقرب من طاولة التوليد فامتد ذراعان من اللدائن المقوى  وسحبا المرأة بحركة لطيفة ووضعاها على أهبة الوضع، كل شيء أصبح يسير بصورة أوتوماتيكية وبسرعة وبلا فوضى. تضاعف علينا الضغط واعتصرنا الحوض وقادتنا حركات الانقباض إلى الاندفاع نحو فجوة في أسفل الكهف،لم يكن في مقدورنا البقاء ولا المقاومة ولا حتى محاولة الهروب إلى ركن آمن  فالضغط حاصرنا  من كل الجهات وصار يدفعنا بقوة نحو باب الخروج ولا باب يظهر لنا ولا فجوة،كنا في ذلك الوقت نحتمي بجلدنا الخارجي وكان عددنا قد فاق الحساب.صاحت أمي صيحتها الأخيرة فارتجت لها أرجاء الحوض وانقبض بدوره وزاد في اعتصارنا فانْدفعنا في سرعة النّطاف عندما هاجم البويضة.انزلق الرأس فسحب معه البقيّة وأمات الألم ووجدنا أنفسنا على كف القابلة، تلك التي كان صوتها يأتينا وهي تسبّ وتلعن وتأمر أمَّنا بالتّنفس والسّكات،امرأة عبوس قاسية لا تضحك أبدا ولا تبتسم وهي دائمة الغضب يعتلي الحقد والكراهية وجهها، و يرجِّحُ البعض أن الوِِلْْدان يطلقون صيحتهم الأولى حالما يلمحون وجهها المخيف بينما يقول آخر  إنها  تحقد على الحوامل لأنّها لم تنجب أطفالا رغم زواجها مرتين. سارعت تلك الشّريرة إلى قطع الحبل السّري معلنة انتهاء الإمداد الغذائي. ولم ندر من منا تكفّل بإطلاق صيحتنا الأولى إلا أننا سمعنا بعدها أصواتا كثيرة تهنئ أمّنا وتسألها إن كانت قد سمعت صيحتنا فاستبشرت بها واطمأنت، ولم نفهم لماذا جاء كل النّاس يسألون عن صيحتنا البكر؟هل من باب الشماتة أم ليقيسوا بصيحتنا درجة العذاب الذي ينتظرنا خارج الحوض،ولم يذكر أحد منهم وجه القابلة المخيف.ومنذ ذلك اليوم غابت أمي وغاب أبي وصار الطعام يأتينا في أقراص صغيرة سرعان ما تذوب إذا ما لمست اللسان، وصرنا نكبر بسرعة ونتزايد بالانقسام على اثنين أولا ثم بالتمطط ثانيا، وبدأت مشاريع المسؤوليات وبرامج الشغل وتفاصيل المهمات تنزل على رؤوسنا من كل الجهات .

و قد بلَغنا أن النّاس على وجه الأرض، لا يزالون يتخذون من الحبوب والخضر ومن ثمار الأشجار غذاءهم، ومازالوا يذبحون الحيوانات ويصطادون الأسماك لأكلها، ولم يجربوا استعمال الأقراص المغذية إلا في رحلاتهم الاستكشافية إلى الفضاء؛اعتبرنا الخبر نذير شؤم.

أنا الآن على أهبة الهبوط على الأرض، بعد رحلة الميلاد في الطائرة الحوامة، حيث كبرت واشتدّ عودي وتربّعت على عرش مملكة،  سوف أبنيها في نفس المكان الذي رست فيه  سفن عليسة، بعد رحلة شاقة، حملتها من سواحل لبنان بلد الفينيقيين إلى افريقية، حيث أسست دولة قرطاج؛ تلك وصيّة  والدي أحرص على  تنفيذها دون نقاش ولا حتى امتعاض؛ وكان والدي بدوره ورثها عن أبيه وحفظها في السلم الجيني لتمر من جيل إلى جيل.  

أنا نيرون العرب أو نيرون الفضاء أو نيرون، هكذا  تُنطق الكلمة مجرّدة من النّعوت، إذ يكفيني أن أنفرد بهذا الاسم الهجين والغريب، وهو وليد اللغة الفرنسية والانجليزية أيضا وقد جرّبت نطقه وسماعه على طريقة الموسيقيين، فسحَلْت الكلمة على اللسان ولاعبتها على الحنجرة ُثم أطلقتها، فكان لها لحن موسيقي رنّان ووقع ثابت له وزن خاص في الإيقاع، ونغمة ممتعة عند السماع؛جربته عدة مرات  حتى اقتنعت بأن الكلمات المشتركة بين كثير من اللغات تكون عادة  أحلى واقرب إلى اللسان، خاصة عندما ينطق بلهجة مختلفة؛ثم إنها تغزو العالم بهذا الشكل وتتبنّاها الشعوب بسهولة؛وكان يمكن أن يكون اسمي العصبون أو الخليّة الدّماغية إذا ما تشبثت بلغتي العربيّة، ولكن لا هذا الاسم ولا ذاك أعجب والدي ولا أقنع أمي، فاتّفقا على أن أكون نيرون وأن أكون معتزّا بهذا الاسم وبانتمائي، فأنا منحدر من أصل بربري وعربي،  وأنا عصارة زواج مختلط ومزيج من ثقافتين، وأنا نتاج حضارتين؛ فلم أجد صعوبة ولا حرجا في أن أرث عن البربر أخلاقهم وطيبتهم، وعن العرب كرمهم وشهامتهم، وعن الفينيقيين حبّهم للحياة وشغفهم بالمغامرة؛ ميزة الاختلاط هذه  قليلة جدا لكنها تنجب العباقرة في كل شيء، وبالطبع كنت أنا حمّال الذكاء في الجسم ومنتج الفكر ومخطط برامجه وواضع  المعادلات الهامة، آمر الخلايا ومسؤول عن حياة الجميع؛  ولكنني ورثت أيضا من القناعة الشيء الكثير،  فاكتفيت بمساحة لا تزيد عن حجم جلد إنسان لبناء مملكتي، أسوة بعليسة التي حصلت على جلد ثور لتؤسس به قرطاج، فقطّعته خيوطا رقيقة ثم ربطتها الى بعضها وحازت بها  قطعة  أرض كانت كافية لبناء حلمها؛وعظمت دولتها وامتدت.

يشاع أنني لا أحلم أبدا، وربما كان ذلك صحيحا فأنا لا أنام ولا أرتاح، وأنا كالبحر دائم الحركة، أغضب أحيانا وأهدأ أحيانا أخرى؛ أدغدغ الريح فتثيرني وأمتصّ هيجانها لتهدأ.أنا إن غضبت أكسر عظام من يعاندني وأسرع إلى جبر كسوره؛ وكم أحب أن أعذّب الآخرين ثم ألاطفهم وأجرحهم فأداويهم؛ أنا أفضِّل أن أخطئ وأتوب على البقاء بدون أخطاء، أنا يقظان على الدوام أتابع شغل حاشيتي،أما تلك الغفوات التي تصيبني من حين لآخر، فهي صعقات كهربائية تتولد من بعض الإفرازات الزائدة فتصيبني كلما اشتدّ تركيزي على فكرة ما، أو طال اهتمامي بحدث وقع في بعض الأماكن، وقد أحتاج إلى أن أفوّض بعض الخلايا المجاورة لتنوبني في مهمة ما وتحرص بذلك  على أن تظل ذاكرتي حية.

الذاكرة روح الوجود ودفتره، الذاكرة أصل الحياة وآخرتها،الذاكرة لا يقتلها إلا النسيان، وأنا وحدي أتحكم في النسيان،وأتخذ منه سلاحا ضد الفوضى،أنا حافظ تاريخ هذا الجسم وأمين ذاكرته، أحمل معي موروثا هائلا أوْدَعه الجدود أمانة عند أبي ومرره بدوره إلي، وأوصاني  بالعمل على إثرائه ثم تمريره إلى الجيل القادم. هيأت الذاكرة لتكون حية فسحبت منها ما لا يرقى إلى الدرجة الصّفر من الأهمية،  وعلّمتها كيف تكون انتقائيّة فلا فائدة في تسجيل حادثة عابرة مثل حضور حفل أو جلوس على مقعد في حديقة عمومية، أو حتى شكل الفنجان الذي قدّمه صاحب المقهى وطلبت من زملائي النيرونات  العمل على عدم ترسيخ الفواجع، حتى لا تظل الذاكرة تنوء بالرّعب والترهيب، وبيّنت لهم أن نزع المعلومة من الذاكرة أصعب بكثير من ترسيخها، وأن النّسيان مرهق، وأن عليهم أن يدفعوا بالمعلومات إلى الزحمة والصّراع على المواقع، وأن يمنحوا نسبة من الأفضلية إلى الحادثات الجديدة التي تصارع من أجل مكان لها في الذاكرة، فالذاكرة لا يمكن أن تسع حياتنا كلّها إضافة إلى  ما يمكن التقاطه من حياة الآخرين أيضا،أوصيتهم بذلك وقلت انه يمكنهم أن يكتفوا بالفرجة على الصّراع بين القديم والحديث، فهو عادة ما ينتهي بانتصار الجديد على البالي وبالأهم على الأقل أهمية؛ وأبقيت بعض المهام لأتولاها بنفسي كالمحافظة على  طيبة المزاج والسعي إلى إسعاد المجموعة  والتخلص من الأحداث السيئة، فصرت أتعمد ترك المعلومة منقوصة أو مختلة لكي لا ترسخ كثيرا في الذاكرة،وكنت أنفرد بعملية الخزن عند بداية النوم  و في الهدوء التام.

لم أسمح لواحدة من عامة الخلايا بأن تتمكن من معرفة النسيان ولا من تجربته، فأخفيته  عن أعين  العابرين  والسابحين،  ورميته في بئر عميقة في وسط الدماغ، وحميت نفسي بهذه الطريقة  من الخرف ومن مرض الزهايمر وتركت لغيري فرصة الإصابة بالجنون.

ما إن نزلت على الأرض متأبّطا قصتي هذه، حتى هبّ إلي  علماؤها كالمريدين لاستقبالي، فأجلّوني ورحبوا بي في مجالسهم وكتبوا عني على الأوراق والحيطان وفي الحواسيب، وقالوا في كلاما جميلا فأعطيتهم كلاما أجمل وقصصت عليهم قصة البعث كما وقعت بالضبط، وكما عشتها بدون مراوغة ولا تلميح، فلم أجانب، بل أفصحت ووضحت ووضعت النقاط على الحروف التي تستأهل التنقيط، وعبّرت عن مشاعري بكل صدق، واعتبرت نفسي مسؤولا عن كلامي أمام  الحاضر والآتي،  ولا بد أن أكون على قدر المسؤولية فأنا النيرون أكبر وأقدم خلية في الجسم المتحرك، بل أهم خلاياه وأول من ساسها طوال مسيرتها منذ أن وطأت الدّنيا؛في الحقيقة اختلط علي الأمر إلى درجة أنني شعرت بالانصهار داخل مجموعة الخلايا التي أعيش ضمنها، وأخذتني النعرة فأصبحت لا أتكلم عن نفسي، وإنما أعبر عن رأي جماعي وإذا قررت أن أفعل شيئا أنجزه بيد الجماعة، وأيقنت أنني لست واحدا وإنما أنا الجمع في المفرد،أنا الخلايا  العصابية المتوحدة في نيرون؛ واختلط علي الأمر في النزول فلم أتبين  هل أنني كنت بالفعل ساكنا في الفضاء وهممت بالأرض فنزلت إليها من الطائرة الحوامة، أم إنني انتقلت من صندوق مظلم دافئ إلى صندوق مشمس آخر؛وقد أدعي أن والديّ كانا في جنة سفلى قبل أن يرتكبا فعلة الإنجاب، ويأكلا من تفاح اللذة في تلك الليلة الحمراء تحت الأضواء الزرقاء، فيطردا من الأرض في اتجاه الجنة العالية؛ وإنني كنت سابحا  في رحم  سابح بدوره في حوض الأم السابحة هي أيضا في طائرة تسبح في الفضاء، ونزلت من هنالك إلى الدنيا بعدما اكتمل شكلي و تحددت وظيفة الخلايا في هذا الجسم.

وتحاشيا لإرباك الناس، سأفترض أنني جئت من حيث جئت ولن أجيب عن أسئلة بيزنطة ولا عن أسئلة المشككين، وسأكتفي بالتأكيد على أنني هنا على أرض الواقع، أسعى ككل كائن حي إلى رزقي وهو على الله، وأسعى أيضا  إلى الخلود، وقد أنجح في مسعاي وأعمل ما في استطاعتي لأثبت شخصيتي وأعيش حياتي، وقد أضطر غير باغ إلى ارتكاب بعض الحماقات وألتمس لنفسي بعض الأعذار، وأفترض أيضا أن أصدقائي من الجنس البشري يتفهمون حالتي ويتخذون من قصتي عبرة يعتمدون عليها في إدارة شؤون دنياهم.

 

 

 

5 - الحكمة تقتضي أن أكون ملكا منذ ولادتي

 

أنا نيرون ، الخلية الأكبر في الإنسان وحجر الأساس في بنيانه الشاهق وجمرة موْقده؛أنا الخليّة التي لا تموت إلا بموت حاملها لذلك منحت نفسي حرية التّصرف في كامل المملكة التي أشرف عليها منذ خلقنا معا، وسأواصل الإشراف عليها إلى أن يحين أجلنا أو نصنعه  نحن.أنا لم  يَكتب التاريخ عني شيئا مُهِمّا عدى بعض الكتب التي يعتمدها الأطفال في بداية تكوينهم، وقد يكون رفَضَ أن يحتويني مخافة أن أكتبَه، فأنا البداية والنهاية، وأنا التاريخ الذي يكره الجغرافيا ويؤمن بالحرية وبقدرة الإنسان على صنعهما معا؛أنا أكره الجغرافيا وأحب التاريخ.

أكره الجغرافيا لأنها تحدّ من امتدادي وتحدِّدُ مجال تحركي، وتعتصر أعضائي فتمنعها من الطول والتطاول  ومن الانطلاق نحو ملامسة المطلق، وأكرهها لأنها تتخذ من الحواجز الطبيعية حدودا للبلدان، فترسمها بالبحر أو بالجبال أو بالصحراء أو  بالأودية، وتحصر الشعوب في مربعات ودوائر، وتقص أجنحتها لتمنعها من الطيران نحو الأفضل.

و أنا أحب التاريخ لأنه يؤمن بالفكر، بل يؤمن بقدرتي الشخصية على الخلق والإبداع، ولأن التاريخ  لا حدود له،  يصنعه الأذكياء والعلماء والشجعان والسياسيون الكبار، ويكتبه  المؤرخون فيتفننون في تصويره ويجعلون منه فرجة ومزارا.

التاريخ أب الحضارات ومرآة الإنسان وذاكرة الكون،التاريخ يشبهني في العظمة.

أمقت الجغرافيا لأنها تحاول أن تكون ثابتة، جامدة في مكانها، تمضغ التواكل وتنتظر الفناء، وكم تودّ لو ماتت وهي قنوعة، صبورة، صامتة، ساكتة، باركة، على كسلها. أعرف أن بعض الناس تمكنوا في عدة أماكن عربية وغربية، من زيادة مساحات مهمة لأوطانهم رغم أنف الحدود البحرية التي حاصرتها.أما التاريخ فمتحرك على الدوام، متغير، تواق إلى الأفضل، يسعى دوما نحو الأعلى، يمشي إلى الأمام ونحو الفضاء، و يترك بصماته محفورة على الرخام، فلا يعيد نفسه ولا يمشي على خطوات غيره، هو صاحب الذاكرة الحية وأنا أحب الذاكرة الحية التي لا تخون صاحبها،فأرى نفسي مجبرا على البحث فيها لأفهم  سبب تواجدي على رأس الخلايا،وأعرف من ولاني هذا العرش  الممتد من أسفل القدمين إلى أعلى الرأس، ولماذا وقع الاختيار عليّ بالذات لأترأس هذا العالم المتشعب.ما أغبى هذا التاريخ وما أكبر ظلمه عندما لا أكون كلّ فحواه، وعندما لا  يترك الفرصة لذاكرتي حتى تؤرخ كيف توليت العرش .

كيف توليت العرش ومن بايعني؟

لا جواب في الذاكرة.

فتّشت في التّاريخ عمّن يشبهني أو يحمل اسمي  فلم أعثر إلا على ذلك النيرون التّعيس الذي كان إمبراطورا على روما، وقد كان غارقا في الحمق فتولّى العرش ولم يتجاوز السّابع  عشرة من عمره، ثم اتّهم بحرق البلاد التي رفعته.ماذا نسمي من يبني مدينة ثم يحرقها؟مجنونا؟ ربما. لكن نعته بالجنون لا يكفي؛ وماذا نسمّي الذي يهدم مبناه؟ منتحرا؟جواب واحد لا يكفي، لا يعنيني هذا الأمر كثيرا ما دمت أول ملك يتولى العرش منذ ولادته، وهذا لا يحدث إلا مرة واحدة في تاريخ الكون.

أعْيتني كثرةُ الأسئلة ولم أعثر على جواب واحد يقنعني على الأقل بنصف الحكاية، ولذلك فكرت طويلا واقتنعت بنصيبي، وفتحت مجالي لأتقبّل الأمور كما جاءت بلا وجع دماغ،  وارتضيت لنفسي أن أسير في الطّريق الذي سطرته ووضعت مفاصله وانحناءاته ومُنعرجاته وضبطت قاعدة لعملي.

أنا الآن أتربّع على عرش هذا الجسم ولا أسأل نفسي  كيف وصلت إلى هذا المكان،  ولكنني  أستطيع أن أراجع أعمالي وكيفية إدارتي للشأن العام،  وأقيم نفسي تقييما موضوعيا، فإن أخطأت راجعت خطئي فتراجعت عنه، وإن نجحت واصلت مهمتي كعظيم يحكم بسطاء؛ مراجعة السّيرة لا تحتاج إلى وحي أو سنّة أو فتوى بل إلى مصارحة الضّمير.

عندما نزلنا من الحوض المظلم كنا نفوق العشرين  مليارا من الخلايا، موزّعين على قرابة المائتين وخمسين نوعا:كلّ نوع يمثل قبيلة مستقلّة رغم اتّحاد كل القبائل في عروة واحدة، وكان يضمنا جلد ناعم أملس إلا من زغب طلع هنا وهناك وتكاثر في أماكن الخجل.وسرنا على أربع ثم وقفنا على القدمين وحرّكناهما فمشينا؛ تعثّرنا وسقطنا ونهضنا من جديد، فتعلّمنا حكمة أن نقوم كلما نسقط بأكثر قوّة وتصميم على السّير من جديد. وصرنا نرى ونسمع ونتكلّم ونَعِي جيّدا مشاغلنا، وصرنا أكثر ذكاء وتعلمنا وحدنا كثيرا من الأشياء، ولم نعد نشبه الحيوان في شيء،تعلّمنا كيف نشرب ونحافظ على الإبريق، وتعلمنا فنّ الأكل فلا نفعل مثل الدجاج الذي يبعثر الحب قبل أن ينقره، وعرفنا أن الوردة إنما نقطفها للشّم فلا نأكلها مثلما يفعل الحمار، وتعلّمنا كيف نبْني وطنَنا حجرة حجرة مثلما تبني  العصافير أعشاشها قشّة قشة، وكيف نشد بعضنا بعضا ليشتد بنياننا فلا نكون كالحائط الخرب يهوي إذا ما سُحِبتْ منه حجرة،وتعلّمنا كيف نكون مدنيين متحضّرين.

و تعلّمنا أن نأخذ الأشياء عنوة أو عن طيب خاطر.

وتعلّمنا كيف تبنى الحضارات.

 و صرنا نحسّ ونفرح ونحزن .

تعلّمنا الموت والحزن على الميت،تداخلت الأشياء عندنا وتكاثر الأموات منا فصرنا نفقد كل يوم  قرابة العشر ين مليارا، ولم نَخَفْ من انقراضنا ولا من  نقص عددنا، إذ إننا صرنا نزداد عشرين مليونا في كل ثانية، وتأكدنا من أن غالبية الخلايا لا تعمّر كثيرا فبعضها يموت بعد أسابيع، وبعض بعد أيام،قلّة تعيش إلى سنة البلوغ، ولا يعمّر مثلي إلا قليل، فأنا لا أندثر إلا بموت العرش كاملا.

وككلّ مملكة أرضيّة، كان لا بدّ من إيجاد ملك أو خليفة أو أمير أو ما شابه من الحكّام، فهذا الجلد الذي يلفّنا جميعا خلايا وعظاما وشرايين، إنما يجعل منا وطنا يحيى ويتطوّر وينمو ويتعب ويشقى وينجح ويفشل ويحمي مواطنيه، ويفكّر في إسعادهم ويبني علاقات مع العالم الخارجي.

انتهى بي التفكير إلى قبول الأمر الواقع، فلا البحث عن سبب اعتلائي العرش داخل الجلد يعنيني، ولا النظر إلى غاية قد لا أدركها يهمّني، فقبلت الوضع عن طيب خاطر، وقلت: لعل الحكمة في ذلك أكبر من أن يدركها العقل الإنساني وأكثر تعقيدا مما أتصور وعزمت:...

عزمت على أن أسعى إلى الحفاظ على وطني وألا أفعل مثل نيرون روما، فلن أحرق البلاد التي رفعتني وألبستني تاجها.

عزمت على تأمين حدودي، إذ لا يمكن أن أترك قصبي في مهبّ الريح.

عزمت على اعتبار نظريّتي في الحكم أكثر النظريّات عدلا وأسهلها تطبيقا وأقربها إلى الواقع.

عزمت على توزيع الأدوار على بقيّة الأعضاء الذين استوطنوا الجلد مثلي حتى يتحمّلوا معي قسوة الفشل وحلاوة النّجاح.

عزمت على تكوين منظومة سمّيتها حكومة الشّمس والقمر،  فالحيلة في ترك الحيل كما قالت لي الذّاكرة، وصفاء النّية والوضوح في السلوك أساس العمل النّاجح.

عزمت على تنظيم مملكتي، إذ لا شيء يمكن أن ينجح دون نظام و تنظيم.

عزمت على وضع قوانين قابلة للتّطبيق ليتقبّلها الجميع، فالقوانين المجحفة لا تجد من يحترمها.

عزمت على أن أحمّل النّطاف قوانين الحكم وبرامج الحكومات وكامل مشروع دولة الإنسان في هذا الوطن الجسم الذي أسوسه.

وأخيرا قطعت على نفسي الوعد بتنفيذ ما عزمت على فعله.

عزمت...

على إنشاء وطن في المساحة الممكنة التي يوفّرها لي  الجلد الذي اعتبرته حدودا طبيعية لمملكتي .وسارعت بالحفاظ على  أمن وسلامة وطني من كل اعتداء خارجي، إذ لا نموّ ولا حضارة إلا بالأمن أولا، فوضعت أبراجا للمراقبة في كل شبر من الحدود الجلدية وكلّفت العينين بجمع المعلومات كلّما سمح لهما الضّوء بالإبصار، ثم سرعان ما تفطّنت إلى الخيانات المحتملة  التي قد يقوم بها النوم بتواطؤ الجفون، فأيقظت أمكنة أخرى وكلّفتها بنيابة العينين وزرعت هنا وهناك أجهزة التقاط مختلفة في الجلد وفي الأنف والأذنين وفي اللسان، فاكتملت خمس مركزيات للإدراك الحسِّي  تتولّى مهمّة الكشف والإعلام ووضعتها غير بعيد عن مركز العرش، فأمَّنْتُ نفسي من الهجومات التي قد تأتي من الخارج وحوّلت اهتمامي إلى تـأثيث البيت من الدّاخل.

عزمت على بناء أسلوب حكم ديمقراطي، يتماشى وأمل الجميع في عالم يسوده العدل والطمأنينة، ورأيت أن تحقيق مثل هذا الحلم لا يأتي إلا من احترام الجذور، فالديمقراطية الحديثة تعني اختيار الأصلح ليحكم الآخرين، وطالما انه صالح وعادل وصاحب أمانة،  فلا حاجة إلى عزله أو تغييره بل إن محاولة إبعاده عن الحكم تعد قفزة نحو المجهول وجريمة في حقّ الصّلاح الذي يتمناه الشّعب.لماذا نخيّر الخبرة في الميادين الحياتية الأخرى كالتّعليم والطّب وغيرهما ونرفضها في الحكم؟ ألا يعتبر ذلك دليلا على الحسد الذي يسيطر على النّفوس ويدفعها إلى التّطاحن من أجل الكرسي؟ألا يُعدّ ذلك علامة على سوء النّية وعلى الطّمع ؟ألا يمكن اعتبار نقد الحاكم الصالح وإن طال حكمه إعلان حرب الفاسدين على الصّلاح؟ وبما أن الولد لا يكون إلا نسخة من أبيه، فإنّني سعيت بجهد إلى أن أرث الحكم عن والدي وأبقيه تحت ركابي إلى أن يأتي من يرثني  بحقّ وعن جدارة وبطيب خاطر،  فلا يقتحم العرش على ظهر دبّابة ولا يباغتني فيطلق علي النّار ولا يسعى إلى عزلي وافتكاك الحكم غدرا.

عزمت على تشريك الآخرين في الحكم لأوزع عليهم الأخطاء خاصة وأستبقي الانجازات شارة على جبيني، فإذا نجحت البلاد فإن الفضل يعود إلى الملك طبعا وهو يعرف كيف يستغل هذا النجاح ويستثمره،وإذا أصابها الفشل فمن واجب الشّعب أن يتقاسم الفشل أقساطا، ولست مجبرا على أن أوزّع حسناتي فأضيع بين كثرة المصلحين وأصحاب النوايا الحسنة واكتفيت بإنشاء مجلس للنبلاء.

و أحدث هذا الأمر ثورة على مستوى الفكر العالمي، وانتشر بسرعة بين عموم المجالس والبرلمانات، وتساءل البعض كيف لي أن أجعل مجلسا للنّبلاء أعضاؤه من غير العائلة الحاكمة ولا هم من غير الأمراء،  وكان يمكن أن أستشير وأعيّن مجلسي هذا من الأصهار فقط أو من عليّة القوم المقرّبين، ولكن تعمّدت وغامرت بفتح باب المجلس أمام العامة لمزيد من الإثارة والتشويق ولإحداث رجّة تهزّ السياسيين في كل أنحاء العالم، وبالفعل فإن  فعلتي هذه أحدثت زوبعة في الأعراف السياسية مما دفع ببعض الملوك الحسّاد إما إلى تجاهل المسألة وعدم ذكرها في مجالسهم الخاصة ولا على ألسنة العامة، أو إلى التركيز على تداعياتها السلبية حتى تعرف شعوبهم أن لا خير في هذه الطريقة؛ورغم كل الدسائس التي وضعها الحكام أصحاب الكراسي المرتعشة  في طريقي فقد تمكنت من إنشاء أعظم مجلس نبلاء في التاريخ دعوت إليه القلب والدّماغ والرّئة والكبد في البداية ثم أضفت إليهم الكِلْية، وتلك حكاية أخرى، وهيّأت لكل منهم مرتبة تليق بمقامه، وجعلت له خدما وحشما. 

عزمت على إدارة الأمور بكل انضباط  وبشفافية تامة ونمت هانئا، هادئا، مطمئنا، ملتحفا بالعدل ومتوسدا نظافة اليد وقطعت من أصابعي نية السرقة وتحليت بسعة الصبر، وتعلّمت كارها أن أتقبّل  النقد والانتقاد،  واستشرت الكبار، ولم أركب رأسي فتحدثت عن طريقة الحكم بالديمقراطية المشروطة وهي شكل جديد من الحكم يمارسه الشعب بتزكية المجلس الذي أخْتَارُه وبأخذ القرارات السياسية والاجتماعية التي تعني الحياة العامة بشرط ألا تمسّ بالعرش.

هكذا فكّرت في بناء وطن أفلاطوني جميل.

  

 6 - مجلس النبلاء في حكومة لا ظل فيها

دعوت المواطنين والمواطنات، الأحياء منهم والأموات الذين في طريقهم إلى المقبرة خائفين، والذين مازالوا يبحثون عن اللذات،دعوتهم جميعا إلى وقفة تأمل سميناها لحظة كشف المستور، والانطلاق على السطور، وأحضرت خطبة عصرتها من الإحساس والفكر،  وأعددت ما يلزم من وسائل إسماع فاشرأبت خلايا الأعناق إلى كلماتي وشنفت الآذان وتسمّرت الوفود المفوّضة لحضور مؤتمر البداية والهداية أو خطبة توضيح الأمور، فانتخبت الخلايا من ينوبها في هذا الحفل انتخابا ديمقراطيا من بين اللائي هيأن أنفسهن إلى الموت وكن زاهدات في الحياة الدنيا، حتى نضمن  نزاهتهن وحرصهن على الفعالية في آخر يوم من حياتهن، فكانت الانتخابات نزيهة وشفافة شجعتني على حضور الأمتار الأخيرة من السباق.

اصطفت الخلايا أمامي فخطبت فيها:

ــ أيها النّاس،وُلِّيتُ عليكم وأنا خَيرُكم، وتولّيتُ أمرَكم وأنا أفضلَكم، وبُعِثت لأحكمَكم وأنا أشرفُكم، وترأسْت دولتكم وأنا أجدركم، وسطّرت حياتكم وأنا أقدركم، وحميتكم وأنا أقواكم، وسُسْتكم وأنا أسْماكم، واعتليتكم وأنا أعلاكم، واخترتكم فاخترتموني .

قد يسألني بعضكم أو ربما يخول له شيطانه أن يسأل عمن ولاني، وقد يمضي وقتا في البحث عن الإجابة،أنا أعفيه وأعفي من يماريه من عناء الظن ومن مشقة السؤال، فقد ولاني الذي ولاني، وهذا الأمر قد لا يعني أحدا سواي؛ ويسأل آخر عمن ولّى الذي ولاني قبل أن يُولّيني، وهذه مسألة يزيدها السؤال تعقيدا ويُحلْحلها القبول والتسليم بالأمر؛ وقد يسأل ثالث عن أول من تولى أمر هذه البلاد، وبأية طريقة تمكن من العرش حتى يتركه إرثا وملكية متداولة؛هنا لا بد أن أنبّهكم إلى أن  هذه الدّرجة  المتقدّمة من السؤال قد تلامس الكفر، وأنتم تعرفون أن جزاء الكفر الواضح هو قصّ اللسان أو التعليق من الرموش في الساحات العامة حسب اختيار المذنب.

أيها الناس، لم أبن هذا البرج الذي سكنته ولست كالثعبان أندسّ في جحر لم أحفره، وكما ترون لا مزية لأحد منكم في إعلائي وإسكاني هذا المكان. أفقنا جميعا فوجدنا أنفسنا حيث نحن، ووجدت نفسي أسكن الجمجمة محاطا بعدة خلايا جندت لحراسة القصر الملكي، وأخرى تجمعني في عصب قوي كما الحبل تقويه الخيوط، وأعجبني الأمر؛ كان الذي منحنا هذا الوطن ذكيا جدا، فخصني بدائرة من العظم،أقصد الجمجمة، تكفي لحمايتي من الارتجاج والارتطام، فسعدت لهذه الحظوة، وقلت في نفسي:من حقي أن أنعم بهذه الحراسة المشددة وبهذا الصون، وكان الذي منحني مهمة سياسة العرش قد فكر في استمرار العرش إلى أمد غير محدود وفي ذلك أيضا حكمة وعبرة  فأبعدني عن العامة ، قال عبيد الله المهدي في العامة عندما بنى مدينته المهدية في الساحل التونسي منذ اثني عشر قرنا:"و قد جعلت   بيني وبينهم أسوارا لآمن شرهم في الليل والنهار فإن أرادوني بكيد في النهار خافوا على حرمهم في زويلة وإن أرادوني بكيد في الليل خافوا على أموالهم عندي"، أسعدني هذا القول وأعجبتني القسمة، فالعامة خليط من العقلاء والمجرمين وخليط من الغوغائيين ومن دعاة الفوضى ومن المتربصين بالسلطة ومن المعارضين وقليل من الموالين، ولهذا فقد قبلت أن أسكن صحبة أهلي ومن شابهني من النيرونات: أمراء وأميرات وأولياء عهد، ومن وزراء ومن قضاة القصر وكل الذين ينحدرون من الأصل النيروني، وسكنّا معا تلك الجمجمة العظيمة رغم صغر مساحتها، وكنا سعداء لأننا فصلنا العامة عنا؛ في الحقيقة يعود الفضل لمن أورثنا هذا الملك، فهو الذي فصلنا عن بقية الجسد أو الوطن بقناة  لا يمكن أن تنزلق من خلالها إبرة ولا قطرة، وضيّق في العنق حتى يمنع المندسين والمناوئين من الوصول إلى القصر الرئاسي، ويحمي بذلك العرش، ورغم كل هذا الاحتياط فإننا  لم نطمئن كثيرا فرفعنا من درجة التأهب وصرنا نرفعها كلما كبرت الجمجمة، وجعلنا أبراج حراسة دائمة في نقطة العبور إلينا من العنق الذي زرعناه أعينا ترصد الدخلاء وتحاصرهم وتمنعهم من الدخول إلى الدماغ، واختلقنا خطة استوحيناها من قولة طارق ابن زياد"البحر أمامكم والعدو وراءكم"  كان الهدف منها منعهم من التّراجع نحو الصدر وجرّهم إلى معسكرات العُقَد اللِّمْفَاويّة،  كلفنا بها أقلَّ قوّادنا رأفة  بالأسرى، وأكبر فرساننا خبرة، وأشدَّ جنودنا  وأقدرهم على محق الأعداء وسحقهم أو سحلهم أحياء؛ولم نطمئن إلا بعد أن ربطنا كاميرات المراقبة في العنق بقنوات خفيّة ومتطورة جدا لإيصال المعلومة، ووزعنا عليها طاقما من العَصَبُونَات الواردة والمستقلة وثنائية القطب لضمان حسن العمل.

 بعدما أمّنّا حياة العرش، ورتّبنا دائرة التاج  على قدر رأسنا،وقضينا على كل ألسنة الشك، وأسكتنا الحساد وضمنّا دوام الحكم، ووضعنا أسس الخلود، وأعلمنا بقية القطيع بأن لا وجود له بعدنا أو خارج وطننا،وأن حياته ستنتهي عندما نقرر فصله،  قسّمنا الأدوار فيما بيننا، فابتدأنا بأهل الدار كما يقتضي العرف، وكوّنّا لجانا تكفلت كل واحدة بالتحكم في  مجموعة تخصصها للقيام بعمل ما؛ولم نشأ أن نعلم بقية شعب الخلايا بتوزيع الحقائب الحكومية داخل العائلة الحاكمة، وأرجأنا الأمر إلى حين الانتهاء من توزيع الأدوار الصغرى، بل سارعنا في الإعلان عن تكوين مجلس النبلاء حتى نبدو لقطيع الشعب أننا نفكر فيهم قبل التفكير في شأننا، وبأننا شرفناهم قبل أفراد العائلة بحقائب حكومية هامة تضمن لهم مصالحهم،وهذا دليل على صفاء ضمائرنا وبياض أيدينا.الحاكم الصادق هو من يؤثر على نفسه ولو كان راغبا في الحكم، فيعطي قبل أن يأخذ ويمنح الهامشيين قبل الأقرباء وهو الذي يدفع إلى الأمام مشجعا ولا يعرف الحسد ولا الحقد وهو الذي يوضح  أفكاره ويعرّي نواياه ولا يمشي متسترا ويستشير قبل أن يقرر إلا ما أحلّ ضميره.

و كان عليّ أن لا أفرط في عقدة الحبل فمسكتها وسطرت للآخرين  مجالا للتحرك، وكلّفت أحد الزملاء بإنابتي في مجلس النبلاء، وكتبت له ديباجة الجلسة الأولى و محضرها.

كان  يوم انطلاق أشغال المجلس يوما خير من ألف يوم، أعْلَم فيه نائبي زملاءه بخطة العمل ودعاهم إلى أداء القسم أمام المدعوّين من أعضاء الحكومة وكبار القوم، وأمرت بنقل مداولات الجلسة إلى الآخرين عن طريق الأوردة العلنية والسرية، وبفتحِ طرقٍ ملتوية جديدة داخل الأوعية وحول الشرايين.

وكنت أمليت عليه محضر الجلسة بتفاصيله، وذكرته بأن المواطنين إذا ما حضروا فلتقديم شكوى أو لطلب تعجيزي ولهذا يجب مجابهتهم بالكلام وبالأوامر والتوجيهات التي تتماشى ومطالبهم؛قال متوجها إلى الحُضور من زملائه:

إنني أحضر بينكم ومعكم نائبا عن الدماغ، أو عن القصر أو عن النيرون كبير ملوك الأرض إن شئتم، لأن الحاكم ينبغي أن يكون ممثلا في كل مكان وحاضرا حتى وإن غاب  ومسموعا وإن لم يتكلم، وينبغي أن يحضر رأيه قبله لتستنيروا به في كل شيء، وثقوا بي إنني لن أكون مجرد همزة وصل  بينكم وبينه، ولا عينا كاشفة أو أذنا متكلمة، ولا ذراعا ممدودة على مجلسنا، بل سأكون مثلكم تماما صاحب رأي وحق فَعَليّ ما عليكم من مسؤوليات،أما الملك فله قنوات تأتيه بالمعلومة وأذرع يبسطها على الرعية.

اليوم نجتمع لإقرار ما جئنا من أجله ولبداية العمل. وكما تجري العادات في مثل هذه الحالات، فإن طويل العمر منكم هو من يقودكم، وكلكم على يقين بأن بعضا من خلايا القلب تقارب خلايا الدماغ في طول العمر، وإنكم زائلون قبلنا وهذه نواميس الوجود وحكمة الحياة ولا دخل لنا فيها ولا ذنب، إذن فللقلب أن يبادر باستكمال ذاته ومباشرة حياته، وعليه أن يطلعنا بتقرير مفصل عن مجمل أعماله في وقت لاحق، وليعلم أن له دورا أساسيا في الجسم، وليكن عند حسن ظننا فلا يقدم أبدا على خيانة العقل، لأن الخيانة بوابة الانحطاط والطريق إلى الكارثة، وننهي جلستنا بالتذكير بأننا جميعا فدية للنيرون الذي تنازل من عليائه ليمنحنا، نحن نبلاء القوم، مجلسا نتمكن من خلاله من المشاركة في الحكم ومن التعبير عن آرائنا،علينا إذن واجب الاحترام بالإكرام وواجب التقدير بلا تقديس، فهو تشرف  بتسييرنا وقيادتنا،ولا يعنينا من نصّبه ورقّاه وأعطاه،  بل يهمنا أنه  وهب نفسه لخدمتنا ولخدمة وطننا الكبير، وهو الذي لا ينام ولا يحلم ، ولو أنني  لست متأكدا من هذه الخاصّية،  فأنا مثلكم لا أعلم معنى الحلم فكيف أتحدث عنه؟ و قد أعني أنه  لا يرتاح ولا يهدأ من أجلنا، وهو الفاطق الناطق المدير المدبر الحاكم المسطر المسوي المفكر البارع  الماهر المبدع المعبر الحنون الحالم الألوف العطوف، فمن أجله اختلقت اللغة حرف النّون ووضعته في أوّله كما في آخره ليكون "نّيرون" الناهي الناهب الناهر الناهد الناهض الناهل الناهم الناهج الناهش النّاصر النّاصع،وهو الظل على الأرض وهو الآمر الذي لا يحتمل النقاش خوفا من حديث السفسطة، ولا يحب الكسل  حفاظا على أمتنا من الجوع، ولا يرضى بغير القيام بالعمل دون تأفف ولا امتعاض، فالتردد لا يقدم بالعمل وتمطيط الكلام مضيعة للوقت وخيركم من عمل صامتا،ولهذا كله فنحن أعضاء مجلس النبلاء نرفع بآيات العرفان والشكر والتقدير إلى نيروننا العظيم على ثقته فينا، وقد كلفنا كل بمأمورية تناسب  إمكانياته و قدراته ليؤديها  دونما تعب .

وفي النهاية أشكركم وأرفع إليكم شكر الذي حمّلني الحديث معكم وأوصيكم بمد أعضائكم على قدر الكساء، وأعلمكم أن النيرون ينوي محاسبتكم وهذا من حقه فاستعدوا لإمضاء  وثيقة الامتنان والعرفان.

 

7 - يوزّع  القلب تهمته

 

أنا النيرون صاحب القبضة القاصمة والحكمة الحاكمة،أحطْتُ نفسي بمجلس النّبلاء فأسكتُ المناوئين وأسقطْتُ أضراس الطامعين؛أريد أن أكون حاكما عادلا طالما لم يمسسني شك ولم يطلني انقلاب؛فوضت لمساعدي الأول كامل صلاحياتي داخل مجلس النبلاء ولكنني في الحقيقة لم أنم على أذنيّ ولم أترك للماء فرصة حتى يجري كما يحلو للمجرى أو يخلخل الكرسي من تحتي، فقد علمني التاريخ من عديد الثورات أن الذي يتولى العرش يبادر منذ توليه السلطة بالإنفراد بها،فيقضي على  مساعده الأول الذي أوصله إلى الحكم؛وقد فعلها كثيرون قبلي في تونس الفاطمية وفي  بلد السودان وغيرهما، لذلك حافظت على نائبي وبعثت بعض المخبرين وكلفتهم بتتبع القلب وبمدي بتقرير مفصل عن التحركات العاطفية لخلاياه، وفتحت في الذاكرة قسما لحفظ تلك التقارير وتسجيل عدد الدقات الزائدة ونوعية الخفقان وحالات الضعف، وأسماء المتعاونين من شعب الخلايا الذين قد يكون جندهم لقضاء شؤونه، وطلبت من أعوان التواصل أن يمدوني بكل تحرك مشبوه يمارسه القلب، وكان لزاما علي أن أحترمه وإن خالف  فهو نائبي الثاني في مجلس النبلاء وعلي أن أعترف بأنه يملك خلايا تشابهني في صفة الخلود وبأنه يتمتع مثلي بالحصانة المجلسية. خصصت في الذاكرة قسما لتقبل المعلومات الواردة حول تحرك القلب وحفظتها تحت اسم:وجه ليلى في القلب وجسدها عند العرب فجاءت التقارير متتابعة ومحررة بخط لا يقوى على فك شفرته إلا نيرون ذكي مثلي.حفظت المعلومات في درج خصصته للقلب، العضو الثاني في مجلس النبلاء .

ليلى، أول امرأة أحبها القلب.

ليلى استوطنت القلب و دوّخت خلاياه.

ليلى مشت نحوها كل خلايا القلب لاهجة باسمها.

ليلى صيحتنا البكر وشهقتنا البكر وخيبتنا البكر وصعقتنا الأولى.

و بحثت عن ليلى في التاريخ والمجتمع فوجدت هذا النصّ كاملا: 

يعجبني العرب كثيرا لأنهم اخترعوا لبناتهم اسم ليلى،هذا الاسم الرهيب الذي لم يتفطن إليه العلماء ولا النّحويّون ولا الوصّافون ولا المؤرخون،اسم يحمل في طيّاته أحاسيس الإنسان منذ أن عرف متعة الحياة، اسم يجيء في آخر الليل فيؤثث حنانه ويزهر جنانه ويبدد وحشته ليصنع دهشته، اسم يربط ضوء القمر اللطيف بأشعة الشمس الحارقة،اسم يمنح  الإنسان قدرة فائقة على السّخرية من الحياة واحتقار عذاباتها.

العرب كانوا سبّاقين إلى اختراع هذا الاسم، وكانوا سباقين أيضا إلى وضع ما يلزمه من حسن اللفظ ودقّة  الوصف وبلاغة التعبير، وأضافوا له أوصافا عديدة تختلف باختلاف العصر والمكان، فابتدعوا ليلى لزمن السلم وأخرى للحرب،  وجعلوا ليلى للعشق العذري   وليلى للمتعة وليلى للشّعر وليلى للسّلطان وأخرى للجهلة من القوم، وسموا لكل زمان ليلاه ولكل بلاد ليلاها، وسكبوا وراءها دموعهم ودماءهم وأجلسوها على رأس دواوينهم، وفتحوا أبواب التاريخ مشرعة، فحفظ عن ليلى بنت مرة  الجاهلية، وذكر أن ليلى بنت الخطيم كانت أول امرأة من المدينة تبايع الرسول قبل وصوله إليها، وعن ليلى العامرية وما فعلت  بقيس بن الملوح، وعن ليلى الأخيلية التي عشقها توبة ومات قبلها فرثته؛ وجمعوا كل الصفات الجميلة في ليلى وقالوا :

ليلى كنشوة خمر مع آخر الليل ،

ليلى كما أول الليل يمنحها السر بهجتها.

آخر الليل تسبح في رشفة الخمرة الباقية.

تتقاسمها الألسن والخابية.

ليلاي إني بدونك مثل حصاة على ضفة النهر...

لا قلب ينبض ....

لا فكر ينهض ...

لا شيء غير الخيانات و الطعن في الظهر.

و لولا مجيء الإسلام إلى العرب لجعلوا لليلاهم  تماثيل يركعون لها ويسجدون أمامها؛ولكي يطمئنوا على خلود الاسم زرعوه في كل بلاد، فخلقوا ليلى لبلاد الشام وأخرى للجزيرة العربية؛  ولم يغفلوا عن بلاد المغرب العربي فثبّتوا فيها ليلى، ولم يكتف الاسم النبيل والجميل بهذا الانتشار فغزا اللغات الأخرى حاملا معه نفس المعنى، ودخل الفرنسية والانجليزية ومن حسن الحظ أن العربيّة لم تبدل كلمة ليلى بكلمة النيرون،  فما إن اشتد عود هذا القلب واخضر شاربه حتى صنع ليلاه  فتلبست به وتلبس بها.

مرت أيام والقلب يرتب دقاته ويقسمها حسب الحالات، ولا يتركها تنفلت من إيقاعه، إلى أن أطاحت به عشيقته وأسرته، فانصاع لها وأطاع همستها وأصبحت دقاته مضطربة، وكثر نشازها كلما لمح ليلى أو أعادت له الذاكرة صورتها، وصارت تنتابه غيبوبة ليلية عابرة؛ ازدادت دقاته عددا وقوة وأصبحت تسمع من أعلى الصدر ومن أسفله، و انتشر الخبر سريعا.

القلب يعشق ...

القلب ارتبك هياما ...

القلب مسه الحب فتداخلت دقاته ...

القلب يبيع الأرض و ما عليها ... من أجل ليلى.

ليتها تكون نزوة عابرة وإلا هلك المسكين.

قد تصيبه صعقة حب وسكتة عشق فنذهب معه إلى الموت متهمين بالولاء للعاطفة.

قد يفتضح أمر مجلس النبلاء فندعى إلى الاستقالة أو العزل أو قد يثور علينا قطعان الخلايا ... البعض رفع ضدنا  شعارا : الاستقامة أو الاستقالة.

لا...لا...ستموت العاصفة في فنجانها فنائب العقل في مجلس النبلاء يعرف كيف يهوّنُ الأمر.

توزعت دقات القلب في أعلى الصدر، ثم هبطت إلى أسفله؛بدأ الاضطراب يقوى شيئا فشيئا وظهرت الدقات الزائدة وأسقط القلب من برنامجه الراحة الليلية فحرم زملاءه الذين يشتغلون معه في نفس المجال من الهدوء، وأجبرهم على عمل إضافي لا يعنيهم وعرّض الجسم إلى نوبات إغماء.

وكان من المنتظر أن يتولى أحد الأعضاء رَفعَ أمْر القلب إلى العقل بأي شكل من الأشكال، أو عن طريق واحدة  من الخلايا لكن لا أحد اهتم بهذا الأمر، بل إن عكس ذلك هو الذي وقع، فقد لاحظ القلب أن بعض القبائل من الخلايا انخرطت معه في لعبة الحبّ وعبّرت عن حماستها لممارسة العشق، فتبادلت خلسة كلاما غريبا. وفهم القلب أن تلك القبائل تسعى إلى ممارسة الجنس، ولكنها لم تزل مترددة في المجاهرة برغبتها ربما خجلا أو خوفا من ردة فعل بعض المتزمتين من الجيران؛واغتنم القلب الفرصة وسعى إلى توريط الجميع في العلاقات المشبوهة، وقرر أن يترك للدوائر أن تدور على المندسين والمنافقين. قال في معرض تقريره :

أعود بكم إلى حقيقتي لتتبيّنوا صفاء نيتي وصدق خطيئتي، فأنا أطمع في إظهار الحقّ وسأدافع عن فعلتي التي كان سيرتكبها أي واحد منكم لو كان في مكاني: ومن منكم سيتحدى ليلى ويطردها من كيانه؟ من منكم يستطيع أن يتبرأ من ليلى الساكنة في وجدانه ؟

أنا على يقين بحجم المسؤولية التي أتحملها داخل هذا الجسم الذي اسمه...لست أدري...أو ربما لا اسم له،   وأنا واع بأهمية وجودي بينكم، فأنا المفرد في صيغة الجمع، ولهذا فإنني معترف بكل ما ورد على العقل من تقارير، أنا المعترف الوحيد بينكم رغم أنني لم أكن أبدا وحدي، إذ ما كان لي أن أرى ليلى لولا شغل العينين ولم أكن قادرا على رسم صورتها وهي تخفي جسدها الطافح شهوة في لباسها القاسي لولا  ما تمتلكه الأنامل  من قدرة على التلمس، وما كنت أستطيع أن أدرك أن اسم ليلى عندنا، نحن العرب، جميل وجذاب إلى هذه الدرجة، لو لم تخبرني به خلايا الأذن التي رفعت بدورها موسيقى الاسم إلى الذاكرة في الدماغ فأثبتته وتأكدت منه، ولا أخفي عليكم أن حاسة البصر وحاسة اللمس والذاكرة أعانتني وشجعتني على الانسياق إلى ليلى، وسأحدثكم عنها بكل صراحة حتى لا ألبس التهمة وحدي إن كانت هنالك تهمة،ولا أنكر أنني لم أكن الطفل اليتيم الذي سعى إلى حضنها، ولم أكن العصفور التائه الوحيد الذي سقط في عشها، ولا الفَراش الأخير الذي ارتمى كالأعمى في فِراشها، وفِراشها قُدُّ من خيوط العنكبوت.أنا أقر بلا خجل ولا تهرّب وسأحكي عما أصابني لأكون لكم عبرة وقدوة في السقوط، فأنا كبيركم وزعيمكم في الحب،ابتدعت العشق في هذه الأرض فاتّبعني الناس وأصبحوا يدينون بدينه ويركعون للجمال ويسجدون  للجنس ويضحون من أجله ويتقاتلون ويتحاربون،ابتدعت الحب وزرعته على الأرض فأينع في العقول وأزهر في النفوس وأوشك أن يصبح  إله يركع له الناس ويسجدون ويضحون من أجله و يقدمون القرابين.

 8 - القلب يؤكد خيانة ليلى

 

مرت ليلى أمام هذا الجسم الواقف على قدمين فاهتز  بكافة أعضائه،مشت على أطراف أصابعها فظننت أنها تمشي على البيض أو أن على رأسها الطير، اعتقدت أنها لا تبصر موضع قدميها على الأرض، سمعت نقرات حذائها متواترة كأنها تدق على أعصابنا، تمشي مشية الحاكم المتجبر، الواثق من نفسه، لا شيء  يتحرك منفردا فيها ولا شيء يتمايل عدى ضفائر الشعر التي نزلت سوداء  على فضة العنق، تمشي  أمامي كأنها مشدودة إلى هدف لست أدركه، قلما تنظر إلى نفسها وقلما تبتسم، وإذا ابتسمت فبسخرية خفية وفي دلال مخاتل...

يا الله! ...

إنها ليلى كما تصورها العرب: النصف تمتلكه والنصف يتخيله العشاق...

مشيت إليها غير لائم نفسي، تهزني الرغبة ويجذبني الجمال، أترنح بين خلجات النفس وتوصيات النيرون، وبين ارتخاء الأعضاء وصلابة الوقفة، وبين انسياق المشاعر وانضباط العقل،يعرف العقل أنني أضعف كثيرا أمام جمال المرأة،  ورغم ذلك فهو لا يزال يقابل معاناتي بالاستهزاء واللامبالاة ويحاول تحييد الموضوع، فيعيد على مسمعي أغنيته الممجوجة:ذَكَر الحيوان أجمل من أنثاه.

....طز..ما هذا العقل العقيم؟ كلما حشر نفسه في الإحساس بعثره وكلما حاول تشريح شيء جميل قتله.

استقبلتني ليلى بابتسامة صفراء، ظننت في البداية أنها رمتني بها لتصدّني فبادلتها نفس الابتسامة، وتأففتْ فتأففتُ وافتعلتِ النّفور فتظاهرتُ بالابتعاد وهرّبتْ جسدها وتركتْ نظراتها منغرسة فيّ وتركتُها إلى عقلها بعض الوقت، وكلّي أمل أن يشتدّ الصراع داخلها فتنتهي الحرب بما يرضيني، بَدَا لي أنها تقيس كل شيء، خطوتها وهزة  كتفيها ورعشة ردفيها واستقامة رأسها ونظراتها وضحكاتها وهمساتها ونبرة كلماتها وحتى  ضمة كفها وقبلاتها، وتخيلتها وهي مستلقية على السرير تتخلى عن كل القياسات التي ضبطتها وعن كل حركاتها الواعية...

سلَّمتْ وهي راغبة وأنا كالكارِه، عرفتُ إن لحظة الامتحان حانت ولا بدّ لي من أن أحْسمَ الأمر.

استيقظت أحاسيس الخلايا والرّعايا دفعة واحدة، وشعرت أنني الوحيد القادر على عشق هذه الفاتنة، هزتني رعشة غريبة ثم ارتبكْتُ وتملّكني الخوف حتى كدْت أسقط إعجابا أو رهبة،أحسست بالضّعف و بأنني لم أعد قادرا على مواجهة هذا الكائن المدمّر، تخيّلتها عندي بين أحضانٍ صارت ملكي وأنا أجري بها لأخفيها عن الآخرين،مدَّت إلي بقشة النجاة وسحبتني من حالتي فاستسلمتُ ثم انتفضتُ واستجمعتُ قواي لأكْسر قيدي فلم أقدر إلا على امتصاص الكويرات الحمر من مجاريها، فاصفرَّ الوجه  وتحرّكت الأوصال والمفاصل وجندت الأعصاب وأفلتت الأمور من قبضتي و فاتني قطار الوعي.

من أخبرها بأنني لا أحسن مغازلة النساء، وأنني أحبذ ممارسة الجنس معهن على إسماعهن كلام الثناء؟ الحب عندي يفعل ولا يقال و لو بكلام معسول.

لم أدر كيف مشيت مع ليلى إلى مكان قصيّ فعلنا  فيه ما فعلنا، واتفقنا على لقاء ساخن آخر، وتعددت اللقاءات وصرت ازداد ولعا بها، فلا أكاد أودعها حتى اشتاق إليها فأناديها إلى السرير مرة أخرى. عذبة تلك المرأة وخاصة عندما تمارس فيّ أنوثتها وتفرغ فيّ وحشتها.

لم أكن أتصور أنها ستهتم بي خارج تلك المعاشرة، وأنها ستبحث عني لتشدني من أضعف حلقاتي فتنكس كبريائي وتقودني إلى حيث تريد أو تفعل بي ما تشاء. 

ظلّت تتابع حركاتي وسكناتي وتحسب دقاتي وأقسمتْ أنها تحبني وتوفي إلي، وصدقتها وطمأنت بقية الزملاء في مجلس النبلاء، ورجوتهم أن يتركوني وسرّ حبّها فلن أبيعهم ولن أساوم في مهمتي و حياتي معهم في المجلس.

في بضعة أيام أنستني أم أطفالي الأربعة وقدمتني إلى بعض أصدقائها، لم أترك لهم فرصة التعرف على  شخصيتي وعلى مهمتي داخل مجلس النبلاء، ولا حتى داخل هذه البلاد،ليلى نفسها لا تعرف عني الشيء الكثير، فهي تعتقد أنني موظف مهمّ في الدولة، ولم تنتبه أبدا إلى بعض ملابسي العسكرية ولا إلى النياشين التي كنت أخفيها في جيوبي حالما أغادر مركز عملي؛النيرون أوصانا بإخفاء صفتنا العسكرية ليبدو أمام العالم حريصا على انضباط أعضاء مجلسه، أنا وحدي عرفت أصدقاءها واحدا واحدا، وأيقنت أنهم تجمعوا كالنّحل حول زهرتها وأنهم يسعون جميعا إليها، بعضهم يصفها، في غيابها طبعا، بالزهرة قاتلة النحل وبعضهم يناديها بجنية الجنس و آخر يقول إنها ملكة السرير ولا أحد ادعى بأنه ضاجعها ولو مرة. كلهم صاروا يتخيلون ليلى ويكتفون بذكر اسمها في الشعر وفي الغناء،و قلما يذكر محبّ اسم ليلى دون أن يضيف إليه نعتا يعبر من خلاله على جمال المرأة أو عن فنونها في ممارسة الجنس.

المهم بالنسبة إليّ أنني العاشق الوحيد،أحمل ليلى من صالونها في الدرج العشرين من النزل الفاخر في عاصمة الصحراء إلى غرفة اكتريتها في نزل آخر لأتقي أنظار المتطفلين والحساد.

حرصت ليلى على أن تكون لقاءاتنا قليلة وعلى ألا نلتقي في نفس اليوم من الأسبوع، وحرصت أنا على تغيير فندق إقامتنا فاكتريت أكثر من غرفة في المكان الواحد بل وأصبحت أضع سيارتي في مأوى فندق وأبيت مع ليلى في فندق بعيد،ولا أنسى أن أغير أحيانا غرفتي في أواخر الليل.

المصيبة أنني أتصرف بحكمة و بذكاء.

تلك مسائل نتعلمها في الجندية.

تعودت أن أفتح التلفاز وأرفع في صوته قليلا كلما دخلت إلى غرفتي في الفندق صحبة ليلى، أفعل ذلك قصدا ثم أحرص على غلق هاتفها الجوال.وكثيرا ما ندخل معا إلى بيت الاستحمام حتى لا أغفل عنها وحيدة في الغرفة أثناء تواجدي هناك.

اصطحبتها في ليلة شتائية عاصفة.إلى فندق جديد لم أبت فيه من قبل،حجزنا غرفتين منفردتين وسبقتها إلى غرفتي.عندما دخلت انقطع النور الكهربائي بمفعول الرياح فارتمتْ في عنقي وهي لم تزل أمام الباب ودخلتْ.نزعتْ معطفها ورمتْه على السرير.عاد النور من جديد وعاد صوت التلفاز فدخلت إلى الحمام  بعد أن أغلقت هاتفها الجوال.و لم تدم الحال طويلا حتى عاد النور إلى الانقطاع وصمت التلفاز، هممت بالخروج فسمعت ليلى وهي تتكلم في الهاتف بصوت لا يكاد يسمع، لم تتفطن إلى أنني اقتربت من باب بيت الاستحمام فالظلام كان شديدا. كانت كلماتها تخرج متقطعة لا تكاد تفهم وبدت حريصة جدا على ألا أسمعها و بدا لي أنها تتكلم عن مسالة غاية في السرية.تأكدت من ذلك عندما أغلقت الهاتف بسرعة عجيبة عند اقترابي منها  وحاولتْ إخفاء النور الضعيف الذي لم يمّح من واجهته بعدُ، تظاهرت أنا بعدم الاكتراث وتركت الغيمة تمر فوق ابتسامة صفراء رسمتها بدم بارد لا يقوى عليه إلا عسكري متمرس في المخابرات. ليلى تقف ألان بين القلب و العقل و بين العاطفة و التفكير.

لم أترك الليلة تمرّ كسابقاتها بل حاولت أن أكون  أكثر فحولة فركبتها مرات عديدة ولم أترك لها فرصة لترتاح أو حتى لتسترد أنفاسها بعد كل نشوة ولكنها لم تنهزم كانت كلما دعوتها إلى معركة أخرى استجابت واستطابت وهاجت وبدا منها جنون جنس لم أر مثله عند النساء اللائي ضاجعتهن .كنت في السّابق أستحي من مقولة: على الأرض أربعة لا تشبع من أربعة عين من نظر وأذن من خبر وأرض من مطر وأنثى من ذكر وكنت أعتبر أن  في هذا القول إساءة إلى المرأة وها أنا أقف الليلة على صحة بعض من هذا.

ارتبكتُ،طارت السكرة وغزاني العقل وسيطر عليّ النيرون.

البلد كله بين نارين:رصانة العقل واندفاع القلب.

أيهما أقرب إلى الخيانة؟

أيهما أكثر حرصا على  الأمانة، الرجل أم المرأة؟

غريب أمر الدول، تتداخل مشاكلها وتلتقي وتتعارض من خلال امرأة تجود على هذا أو ذاك بلذة عابرة.

كيف يتجرّأ مسؤول أن يرمي شعار وطنه على سرير امرأة؟

كيف يضع الحاكم المؤتمن مصالح بلده في مهبّ الجنس؟

هل يمكن أن تمشي ليلى على حدّين متوازيين، الأمانة والخيانة؟ 

هل تفصل ليلى بين العقل والقلب، أم تثير بينهما الحروب؟

ليلى ليست ككل النساء اللائي يخنّ أوطانهنّ من أجل شهوتهن.

ليلى قد تشبه كليوباترا التي سخرت علاقاتها العاطفية لتحمي مصر من الإمبراطورية الرومانية.

ليلى ليست عفاف التي فتحت شقة للإيقاع بالسياسيين.

ليلى ليست رقية التي استدرجت مسؤولين كبارا فرشوا على جسدها أسرار بلدهم.

ليلى ليست برلنتيو ولا تسيبي ولا ناتي ولا هيرما ولا حتى فاطمة وكلهن سخرن أجسادهن لخدمة قضايا بلدانهن.

ليلى العربية الأصيلة تربت على الشرف والعزة لا تأكل،إن جاعت، بثدييها بل بعرق جبينها.

الأرض لا تخون أبدا حتى وإن خانها مالكها.

إذن فهل يخون القلب أم يتزعم الخائنين ويقودهم؟

القلب يخون الجسم الذي حمله.

قال :

أنا نبيل، عضو في مجلس النبلاء.

أحيانا فقط أضعف أو تسحبني من نفسي متعة فأسعى إليها وأمارس أفعالا تمكنني منها،أنتم تسمونها خيانة وهذا شأنكم  أما أنا فأسميها طريقة.

أنا لم أكن وحدي في المعمعة،أنا لست رجل البلاستيك في الواجهة،أنا أعشق وأنا معشوق، أنا أكسر وأجبر الكسور وأنا أجرح وأضمد الجروح،أنا أتلقى الأوامر وأعطيها أدفع بالآخرين إلى ارتكاب الخطأ الجميل وأستعين بهم على أخطائي و أفضل أن أضع يدي في يد عدوي على تركها  تقبض على يدي الأخرى.

لا أريد آن أعبّد الطريق من دون أن أمشي فيه.

و لهذا فإنني أصرّح بأنني لا أتحمل وزر كل شيء، فأنا لا استطيع أن أوقف دقاتي وقد استولى عليها الجهاز العصبي اللاإرادي الذي حظي باستقلالية وتحمل المسؤوليات كما استولى على بعض الأعضاء والأماكن الحساسة التي تعشقها ليلى وتهتم بها وتطوعها لرغباتها المجنونة كما تشاء.

أنا مستعد لمحاسبة علنية لا يغيب عنها أعضاء مجلس النبلاء و سأفرض عليهم الشهادة والاعتراف، فإذا رفضوا فتلك بينة ودليل على أنني لست وحدي في حكاية ليلى. الصدق والخوف لا يلتقيان أبدا لذلك سأعرض عليكم نصيبا مما اقترف زملائي وأولهم الرئة، فأنا أشكّ في أن الحكاية من صنع الخيال: رمى بها النيرون ليمتحن أعضاء المجلس أمام إغراء امرأة جميلة مثل ليلى فأنا لم أكن يوما عسكريا ولم أعرف ليلى إلا من خلالكم.

9 - الصعقة التي تربك الجميع 

الاعتراف بالأخطاء مسألة قد لا تعني أحدا غيري ولكني أضفتها إلى سلسلة خصالي وجعلتها في موضع القلب لتبدو للعيان جلية وضاءة، فأنا أُقدِّر ُمن يعترف بخطئه وأسجّل له اعترافه في درج الخصال الحميدة في الذاكرة، ليكون رصيدا مُثمرا يستعمله وقت الحاجة.ومسألة الاعتراف لا تنطبق علي كما تنطبق على الآخرين، فأنا الذاكرة التي تحفظ الأعمال وتقسمها وتصنفها سواء تلك التي قمت بها أو أداها غيري، وقد يفرح البعض باعتراف أعلنه أمام الملإ فلا أتحرج من ذلك بما أن المسألة ظرفية جدا،فحتى إن اعترفت باقتراف جرم فإنني سأعترف به لنفسي فأنا المخطئ وأنا الشاهد وأنا القاضي وأنا المحامي وأنا القانون وأنا الجلاد وأنا المتألم من شدة الجلد.وليكن ما يكون: سأعترف أمام نفسي ثم أحاكمها وأعاقبها وان أمكن أراجع سيرتي وتصرفاتي وأسلوب الحكم الذي أتبعه وأغير من طريقة تسييري لهذا الإنسان الذي يمشي على الأرض وكأنه وطن متكامل فيه قبائل شتى ومواطنون ومؤسسات، بما يلزمها من شروط وفيه مصانع توزع إفرازاتها على بقية الأعضاء وفيه مسالك توزيع تمتد إلى أصغر نقطة في الجسم وفيه كذلك إدارات تسير وتتحكم في كل الأعمال وفيه مجالس تهتم بالمراقبة الدقيقة وتتولى تقسيم المستحقات على الخلايا والأجهزة وفيه قوادون ومخبرون وجلادون وخونة.أنا الشمس التي تشرق على أعمالهم ونواياهم، أنا النيرون المشرف على حياة هذا الجسد وعلى علاقاته بالمحيط وبالآخرين، ولا يمكنني أن أطرد الإنسان مني وألقي به في المجهول، كل ما في الأمر أنني أتباهى وأفتخر بطول عمري وبحكمة التسيير.

قد أكون أخطأت أثناء القيام بمهمتي ولهذا فأنا أتظاهر بالنزول من عليائي لأحاكم نفسي أمام بقية الخلايا وأحرص على ألا أغادر  قصر الجمجمة خوفا من حدوث انقلاب قد يقوم به أحد المنتصرين للفوضى أو الداعين إلى قتل العقل وإطلاق النزوات، فإذا فقد الوطن عقله يصبح اتهامه بالجنون سهلا ويصبح غير مسؤول عن أفعاله وبالتالي لا يصح حسابه ولا تستقيم محاكمته .ولن يقدرني أحد ولكن كيف أترك مكاني لغيري ولماذا؟يكفي أن أدين  نفسي فأعترف بأنني وراء أخطاء الآخرين وأنني غررت بالقلب فارتكب جريمة الخيانة الوطنية عندما صورت له جسد ليلى الشبقية متخفيا وراء الثياب، متحفزا للانقلاب وتواقا إلى تكسير القيد من حوله لينشر اللذة والنشوة على من يختار،وكنت أعددت ملف الإدانة مسبقا وبقيت أراقبه بوسائلي وأسجل حركاته وسكناته أخبئها في درج أعددته للاتهام يوم يدعى إلى قفص المحاكمة وعبّأت المخلاة بحجارة أرميه بها وقت الحاجة.أدرك جيدا أن القلب قادر بمفرده على قيادة نصف الجسم بلا حاجة للتفكير ولا للتدبير وعلى التلاعب به إن شاء  وهو قادر أيضا على أن يغرر ببعض الجماعات أو يرمي بها في منزلقات خطرة. تظاهرت بالتكرم عليه باستقلالية محدودة في إدارة شؤونه عن طريق ما يسمى خطا أو صوابا الجهاز العصبي اللاإرادي وحصل بالتالي وبلا جهد ولا حتى مطالبة على مجال يتحرك فيه بحرية ضبطت شروطها وسيّجت فضاءها، وقد أمكن له بفضل هذه الاستقلالية الوهمية أن يخرج عن طاعتي وأن يتصرف كالمرأة الناشز، فلا أستطيع  مثلا أن أسكته أو أن أزيد في عدد دقاته  بل إن تأثيري عليه أصبح محدودا وثانويا وغير مباشر لذلك فأنا ألجأ أحيانا إلى الاستعانة بهمزات وصل سرية لا يعرفها وأكلفها بالإيقاع به مع الجنس  اللطيف أمثال ليلى  فأغرّر به وأمكنه من انتصاب سريع للآلة الذّكورية لقضاء شأنه مع أنثاه كنت أشبه تلك الآلة الذّكورية بجمرة الحريق الكبير همها أن تشعل النار  في الآخرين وتنسحب إلى النسيان وكان القلب لا يهتم بهذه التشبيهات ولا بما يرافق العملية الجنسية من تفكير وتعقل وخوف ومجازفة، كان همه الوحيد أن يكون كالحريق الذي يحتاج إلى حطب ليستمر.

الغريب في الأمر أن جميع الخلايا والقطعان والأعضاء في حاجة إلى قلب يدق على الدوام بإيقاع ينظمه بنفسه ويفرضه على جيرانه،وكنت كلما لاحظت انتفاضاته تجاه الأنثى أسعى إلى تزويده بكمية إضافية من الكويرات الحمر التي أقتطِعُها من مكان آخر وكان سرعان ما يسقط في ورطة الحب:  فعوض أن يستعمل الكويرات لنقل وتوزيع الأكسيجين إلى محطات العمل التي تحتاجه يبادر بدفعها نحو الوجه تعبيرا عن الارتباك أو الخجل من فعلة دنيئة منكشفة، وفي حالات أخرى كالفجيعة والرعب مثلا  يسحبها دفعة واحدة من الأطراف ومن الوجه فيصفر الجسد كاملا وقد يفقد حياته بتلك الفعلة الشنيعة، وكان العقل دائما شاهدا.

كلفت قسما من المخابرات بمتابعة الأعوان الذين قد يكون القلب قد استغل طواعيتهم أو انتدبهم لخدمة أغراضه الشخصية فنصبت في كل ركن من السور الخارجي للبدن أجهزة استقبال حساسة جدا تستطيع التقاط التحركات والتموّجات الصغيرة وشحنها عن طريق العَصَبونات الواردة التي تتولى بمفردها وبصفة آلية مدي بالمعلومات مباشرة فأُحلِّلها وأشرحها وأقيس درجة براءتها من خبثها، وأتعرف على مرسلها والغاية من إرسالها ثم أقرر ردّة الفعل المناسبة وأكلف بها عصبون صادر؛ وقد تصل ردة فعلي هذه إلى استعمال العنف بل إلى الاستنجاد بوسائل وآلات مستوردة من العالم الخارجي مثل السّيوف و الرصاص .

أعرف أن للقلب اتصالا وثيقا بهذه الأصناف من الأعصاب؛ يستطيع بنفسه أن يقرأها ويعرف ما يمكن أن تجود به عليه من معلومات، وقد يكون مدركا أنني وراء خيوط الجوسسة هذه، و قد يكون  أيضا يعرف زعيم القوادين الحساسين وهو الجنرال العظيم رقم10: واسمه الصحيح العصب المبهم، الذي يتولى لوحده استكشاف واستقصاء المعلومات الواردة من القلب والرئة ثم يرمي بخيط منه على المعدة حيث يستطيع إحداث أضرار فادحة خصوصا إذا صعّد من استنفاره في  زمن المجاعة أو في فترات الغضب؛لذلك فأنا لا أبرئ الرئة من أعمال القلب الشينية التي قام بها مقابل سهرات مجون وجنس، يقضيها أصحابه مع ليلى؛ ويكتفي هو بدور الصّرّار: فيساهم في توفير المناخ الملائم ويجمع اللاهثين وراء المتعة ويستمتع بالفرجة هانئا، داعيا على الحسّاد بعمى البصيرة.

لا بد أن أعرف الحقيقة وأوضحها لأعضاء مجلس النبلاء ثم أضعها على ذمة الشعب العام من الخلايا، فقد يحتاجها عندما يريد أن يقارن بين العقل والقلب، وقد يجد في ذلك فرصة لممارسة حقه في النفاذ إلى المعلومة.

أنا لا أحب توريط الأبرياء ولكنني لا أسمح،هكذا لوجه الله، بالتّلاعب بوطن أنا راعيه الأوّل والمسؤول على حياته وتواصله؛ ولست مستعدّا لترك  الوزراء أو الأمراء يرتعون في البلاد كما شاءت أمزجتهم وشهواتهم؛ اللهم إلا إذا لم أقدر على مواجهتهم وهذا ممكن؛ بما أن بعضهم يشاركني في الإدارة كل بحسب موقعه وخدمته للوطِن/الجسمِ؛ وهُم يتمتعون طبعا بالحصانة ولا يقبلون أبدا أن ترفع عنهم مهما ارتكبوا من جرائم؛وعلي أيضا أن أعترف جهارا إنني وبحكم القانون مبعد عن بعض العلاقات التي تربط الأعضاء ببعضهم البعض، ولهذا فالحيطة وعدم التسرع ضروريان، وسأسعى إلى محاسبة القلب، بعد أن أطلع على ملفه كاملا، وسأنصب نفسي مدافعا عنه حتى لا أتهم بالمشاركة ولا بالتشفي، وسأكون عادلا وسأستشير زملاءه في مجلس النبلاء لأبْدُو أكثر نزاهة ومصداقية وسأطلعكم أولا بأول على هذه المسائل.

لا حاجة لي بخراج  فلست الحجّاج الذي ولّى النيرون عليكم فقسّمَكمْ إلى نِصفين: فأنَّثكم إذا قبِلتم القسمة و أبقاكم أحاديين إذا لم تقبلوها.

ما على الأرض ملك لصاحب الأرض وما في السماء نسعى إلى فهمه.

لكل منّا مهمة يؤديها لتستمر الحياة.

النبلاء هم عماد هذا الجسم وبنيانه الذي يقوم عليه.

لو تسحب حجرة من هذا البنيان ينهار بأكمله.

النيرون يعرف كيف يحيى ويسعى للخلود، بينما تقف بعض الخلايا واجمة في انتظار الموت.

الغباء كالجنون أو كحادث الطريق: لا يصيب إلا الآخرين.

الإنسان كالمحرك: يحتاج إلى الهواء.

الرئة ضرورية للحياة وإلا لما عيّنت عضوا في مجلس النبلاء.

الرجل النبيل قد يمنحك ذراعه لتسرق بها، ولكنه لا يمنحك عقله لتنجو به من تهمة السرقة.

عندما يكون الزناد تحت إصبعي لا يخيفني من يقترب من السلاح.

 سوف لا أدعي بأنني أتحكم في كل خيوط الدمى ولا أدعي بأنني أدير  حركات وسكنات الآخرين: وزراء وأمراء وعامة؛ فلا أحد يصدقني إن ادعيت ذلك بل يعرف البعض من أعضاء مجلس النبلاء أن حياتي رهن حياتهم:أموت بموتهم وأحيا بحياتهم.كل ما أدريه يعلمه الجميع:إنني ملك على شعب فإذا ذهب الشعب لم يعد لمملكتي معنى ولا لوجودي على رأس القطيع سبب.

قبل الفصل بين الحق والباطل، يجب التفريق بين الشاهد والمشارك في الجريمة الممكنة، وهو أمر معقد جدا لضعف الحواجز الفاصلة بين الوضعيتين.فهل اعتبر المشاهدة الصامتة مشاركة في العملية؟يمكن ذلك إذا اعتمدنا على واجب تغيير المنكر بالقلب إن لم يكن في الإمكان تغييره باليد أو باللسان.

حياتنا في هذا الجسم الوطن متداخلة ومتشابكة إلى درجة التعقيد، يحتاج كل منا إلى الآخر احتياجا حياتيا غير أن بعضنا قد يساهم في إيذاء الأخر أو يدفعه إلى الإجرام أو يجبره على الخيانة .

يدرك القلب أن ارتباطه بليلى يحتاج إلى جهد وإلى عمل لا يقدر عليه دون مساعدة من بعض عناصر الإمداد المسخرين بطبعهم لتأدية هذه المهمة؛ بل لم يكن قادرا على ممارسة الجنس معها بذلك الشكل الجنوني دون طاقة إضافية تمكنه من فرض ذكورته؛ هو يعرف أن المرأة كلما زادت شهوة الجنس عندها كلما ازداد الرجل إصرارا على إشباع نهمها وإطفاء لهفتها؛ حتى يبرهن لها انه الذكر الوحيد على الأرض الذي يستطيع إسكات غريزتها.لهذا لا نرى غرابة في إصرار القلب على الانفراد بجانب العاطفة وإقصاء حتى بعض النيرونات التي تشارك، ولو بقسط بسيط، في نسج غطاء عقلاني لأحاسيس  هذا الجسم، بصفتي المدير والمدبر والآمر الناهي  أعرف مصادر الطاقة  وطرق إيصالها وكيفية تحويلها وأعرف من يقوم بذلك العمل وحتى المساعدين المجندين لخدمة رغبات القلب وتقلبات مزاجه أيضا: فأنا من يختار الممثلين والكومبارس ويوزّع عليهم الأدوار،أعرف أن كل عمل، مهما صغر حجمه، يتطلّب طاقة حراريّة أو فكريّة أو عضلية، فكلمة السِّر خلْف كل شيء هي الطّاقة.

 10 –رئة الطبيعة ودمها

 

ظلّ الإنسان طول حياته يجتهد ويفكر ويعمل لتفكيك الطبيعة وفهم نواميسها واكتشاف طريقة عملها ليُحاكي بعضا من ظواهرها؛ ونجح في ذلك ومشى أشواطا كبيرة فتقدمها وصارت تتابعه كظله في بعض المجالات، وتمشي خلفه بإمرتهّ: تُكيّف أحيانا نفْسها أو تغَيِّر بعضا منها أو تنقلب تماما لتواكب رغبته وتحاول أن تسير على وقع خطاه كما يفعل النّهر الذي فقد مجراه.

لم يكن الإنسان يُصدِّق أنه باكتشافه النّفط إنما اكتشف وجه العالم وبطنه وقفاه؛ وتمكّن من القفز آلاف الأمتار نحو الفضاء والحفْرِ مثلها في طبقات الأرض.

 كان في البداية يبحث عن إضاءة قسط بسيط من ظلام ليله، فاخترع فانوسا زيتيّا بسيطا ينحني مع أول هبّة ريح؛ وكان صبورا، قانعا بذلك الخيط الضوئي الذي أنجزه؛ وكان مكافحا، فلا يهدأ له بالٌ ولا يتوقّف عن التّفكير؛ فإذا فتح أمامه بابا للبحث انفتحت له أبواب أخرى ظلّت خافية منذ زمن فولَج من خلالها إلى فضاءات أخرى وهكذا دواليك.

كان مثلي تماما، بسيطا في مظهره، معقّدا في داخله يرْعى حياته بما تَوفَّر له من لقمة عيش.

و فجأة، أطلّت شركات التّنقيب عن النّفط من كامل أصقاع الدّنيا وقلبت رمال الصّحارى هنا وهناك فتغيّرت الرّياح الجنوبيّة، وتغيّر لون السّماء وحلا طعم الحياة وصار النّفط عذْب المذاق، فائح الرائحة، ناصع اللّون، كريما كأهله في الجزيرة العربية،سلسا كلهجتهم لطيفا، كنسائم الخريف، رطبا كالتّمر، وفيرا كالخير، كبيرا كالصّبر؛ وظلّت مزيّة الغرب في الاكتشاف والتّنقيب وصْمةً بارزة على جبين النّفط، تمتصُّ  حصّتها منه امتصاصا مخيفا.

فعلت الصّدفة في حياة الإنسان ما فعلت،فلا أحد كان يعتقد أن النفط سيكون الوتد القوي الذي تدور حوله كل الدواليب، وأنه سيكون الرئة التي تتنفس بها القطاعات الحياتيّة كالصّناعة والفلاحة وغيرهما؛ وليس من الصّدفة أن يسمى الذّهب الأسود وكان يمكن أن يُسمّى الذّهب الخالص؛صار النّفط وقود الحياة كلّها وأصبح الإنسان لا يرى حوله إلا ما أنتج أو استخرج من النّفط من الحذاء البسيط إلى القبّعة ومن الحافلة إلى الصّاروخ، مرورا بالكهرباء و الماء النابع من بطن الأرض:كل يسير بتدبير النّفط وأمره. وصار من الطّبيعي جدًّا أن يثير النّفط شهيّة الصّراعات وأن يكون سببا في  حروب قاسية .

....

من يستطيع استخراج النّفط له علينا فضل وصاحب الفضل يطلب حقَّه؛ ومن يمتلك القوّة يحصل على حقّه والفرضية المقلوبة جائزة.وعظمت أمريكا لأنها عرفت كيف تحرّك النّيرون في أدمغة الباحثين وكيف تستغل  الطاقة. تمكّن الإنسان المكتشف من أن يعتصر من النّفط كل شيء: الكهرباء والآلات والملابس والطائرات وآلات الغسيل والكمبيوتر، ورسائل الحبِّ ووسائل التّواصل الإنساني: كل شيء يتوالد من الطاقة حتى الحياة صارت مرتهنة بوفرة الطاقة وصار كلّ شيء يأتي من هناك؛وشكرا للذي اكتشف واستخرج هذه النِّعمة وأحيى بها الصّحارى القاحلة.

الطبيعة تمنح الإنسان النّفط ليستخرج منه الطاقة الضّرورية لتشغيل لوازم عَيْشه؛فهل انتبه الإنسان إلى أن حياته رهن طاقة يشتغل بها جسمه؟هل اعترف للطّبيعة بأنها منحته الأكسيجين الذي بدونه لا يمكنه الحياة أكثر من بعض الدقائق؟.

الأكسيجين رئة الطبيعة والنّفط دمها.عندما اكتشفت الرئة أهمية دورها في الوجود، وأيقنت أن الإنسان لا يحيا بدونها، نصبت نفسها أميرته المدللة وفعلت به ما فعلت أمريكا بالجزيرة العربية وفرنسا بتونس ففرضت أسلوبها وقانونها على بقية أطراف الجسم واحتضنت القلب وجعلت له  من الثلمة عشّا ينام فيه وأعمدة يتكئ عليها ومنعت أيا كان من الوصول إليه فأصبح شأنه شأن العديد من الأعضاء أسيرا عندها يأتمر بأمرها ويدقّ بإيعاز منها ويصمت بصمتها ويموت إذا توقَّفت عن إمداده بالأكسيجين .

من يملك الطّاقة يملك القدرة على الفعل.

كنت أعلم أن القلب سيتذلل للرئة ضمانا لحياته.

و كان مجلس النبلاء يدرك أن لا حراك له بدون طاقة يساهم في إنتاجها الأكسيجين.

 في البدء كانت الصّدفة  التي قادتنا كلا إلى مكانه وإلى عمله؛ وفي البدء لم نكن نعرف ما وقود الحياة ولا نصدق أن إكسيرها موجود وقد كنا قبل حلولنا على هذه الأرض وانقطاع حبل السّرة، نتغذى بكسل وبدون أيّ جهد، فلا نتْعبُ ولا نسْعى إلى الأكل:كان كل شيء يأتينا جاهزا للاستهلاك، ذائبا في دم الأم ثم ما إن نزلنا واستنشقنا الأكسيجين، حتى وقفنا على حقيقة رهيبة: فقد كنا نعتقد أن الهواء الذي نتنفّسه إنما هو أكسيجين خالص يصل الرئتين عن طريق الرغامي الذي يدفعه بدوره إلى القصبات الهوائية نحو الحويصلات،هذه المسكينة التي تظل تعْصر نفسها جاهدة لتدفع بالأكسيجين داخل  الشّعيرات الدموية وتُخلِّصها،بطريقة المقايضة، من ثاني أكسيد الكربون الوارد في الأوعية الدموية من كامل أطراف الجسم؛عمل شاق يزج بالصغار في عملية معقدة بين الواردات والصادرات ولا تنتهي هذه العملية هنا بل تمتد إلى دفع الهواء نحو الشجر الأخضر الذي يكسو الأرض حيث يعاد تحويله من جديد إلى أكسيجين، وهكذا دواليك: تمدّ الطبيعة حبل الحياة مابين باطن الأرض حيث النفط وعمق الفضاء حيث الغازات.كنا جميعا نعتقد أن المسالة بسيطة وأن الأدوار وزعت على هذا الأساس، فلا مكان لاندساس جماعات أخرى ولا مجال للمراوغة أو الزّيف ولا فرصة للخيانات... كنا نعتقد أن الأمور تسير بنظام مسطّر من تحت يد خفيّة، وأننا جئنا إلى هذا الجسم الوطن لنؤدي واجبنا ولنسْعى نحو الخلود،ولكن نرى الملايين من الخلايا تودّعنا كل يوم إلى مثواها الأبدي وتحلّ بيننا ملايين أخرى لتعوضها في مهامها، ونعرف أن موت الخلايا مضبوط مُسبقا ومبرمج من قبل ولا دخل لنا فيه،ولكنني حرصت على أن أتظاهر بالدراية فأصدر الأوامر السرية من أجل حسن التّنسيق واختيار الأمكنة التي توفّر الأكسيجين.أحيانا يعجبني الجمع بين التّستّر والعمل السّري وبين الوضوح بقصد التكبّر والتّباهي.لا محالة كل شيء كان يتمّ بفضل أوامري وحسن تدبيري وهذا يكفي لأمارس كبريائي...لست مثل أمريكا لألتهم الطاقة التهاما وأحتقر مالكها الأصلي فأنا لا أحرِم غيري من استغلال الطّاقة طالما هي متوفرة.

قلة يعرفون أن سلطاتي محدودة بحسب دستور الوطن/ الجسم، وأنني لم أتمكن من تعديله ولا حتى تحويره، ففي الحقيقة  يشاركني الجهاز الآخر في التّحكم في بعض القطاعات وهذا سبب يجعلني لا أطيق أن يقاسمني الحكم أو يستحوذ على قسط منه، و لكن ما بيدي حيلة ولست أنا من منحه الحكم الذاتي والتصرف في قسم من الأعضاء. ومن حسن الحظ أن مجال سلطانه ضيق رغم أهمية بعض القطاعات الخاضعة له كالطاقة مثلا؛ و لكنني حاولت أن أستولي على  العناصر التي يتخذ منها وسيلة ضغط علي فلم أفلح،لذلك رضيت باقتسام  السلطة معه في السّر حتى يمشي في ظنّ الآخرين أنني صاحب النّعمة ولا  يضاهيني أحد في السّلطان، وبالتالي يهابني أعضاء مجلس النّبلاء، فالحاكم مهما نقصت قدراته لا بد أن يظل مهابا قويا حتى تخافه الرّعية ولا يخاف منها.

أعرف أن ديوان الواردات والصادرات غير الغازية والذي يشق الجسم من أعلاه إلى أسفله جعل حواجز عديدة كل واحد منها مختصّ في فعل شيء ما، من القبض على الطّعام إلى آخر نقطة عند إخراجه.كلّ الحواجز ونقاط التفتيش والهضم والقطع والتقطيع والانتقاض والاستقلاب والامتصاص والأكسدة والتوزيع والاستخدام كلها عمليات تتم بمفعول الأكسيجين، وبالتالي تحت إمرة الجهاز المجاورِ للقلْب، وحتى يتمكن من انجاز  هذه الأعمال صار يعمل مثلي تماما وجعل له أعوانا برتب تضاهي رتب أعواني. يختص هذا الجهاز بردة فعل سريعة على كل طارئ، وهو يستطيع أن يشتغل  بطريقة آلية ,ينجز أعماله في لمح البصر فلا ينتظر أمر المسؤولين الكبار للقيام بفعل سريع، نرى ذلك عند الإحساس بلسعة نار أو كدمة مباغتة أو هجوم على العين أو أي شيء يستوجب ردة فعل حينية، لا أملك القدرة على تنفيذها، فهو الذي ابتدعها وهو الذي سماها.هنالك أشياء أخرى لا أقوى عليها أيضا فلا يمكنني مثلا أن أوقف دقات القلب ولا أستطيع أن أمنع  المعيَّ ولو لوقت قصير عن شغله.أكثر الأعمال الملقاة على عاتق هذا الجهاز المستقلِّ لا يمكنني القيام بها ولا حتى إصدار الأوامر لتنفيذها ومن هنا اضطررت إلى الاعتراف باستقلاله واعترفت به فقد تعلّمت من التّاريخ المعاصر أن التّشبّث بعدم الاعتراف بالخصم مضيعة للوقت وإن التّفاوض مع العدوّ يمكِّن من معرفة أفكاره وأسراره، أما هو فلا يعير اهتماما كبيرا لمواقفي ولآرائي فتحصَّن بالمواقع التي يُسيِّرها وأراد أن يُمْلي علي مفاوضات الأمر الواقع، فرفضت بدوري وتركت للزمن أن يلعب دوره بيننا وأن يُغَلِّبَ الفكرَ عن العاطفة؛وإلى الآن لم يعرف أحد من سمّاه بهذا الاسم:الجهاز اللاإرادي. هي تسمية مركبة وغير أصيلة ولا تبعث عن الاطمئنان فكأنها اسم حركي لمجرم أو كنية لجاسوس يختفي خلفها، الغالب على الظّن أن لا أحد سمّاه وإنما اتخذ لنفسه مواقع حياتية تجبرني على التعامل معه.

لكن ورغم ذلك فلا أحد يشك في وطنيّته ووفائه الدائم، ظاهريا على الأقل، للوطن وحرصه على سلامته فهو يجنّد بعضا من الجراثيم المعويّة لمساعدة الجسم على هضم الواردات.   

و مثلما اعترفت بدور أمير الطّاقة فإنني أعترف أيضا بالدّور الهام الذي يقوم به جندي الخفاء، ذلك المسكين  الذي يظل يشتغل طول حياته دون كلل ولا ملل، هو عسكر الحبيبات الخيطيّة التي تندسّ في أغلب الخلايا وتمارس الحلقة الأهم في عملية الأكسدة. وعليّ أن أحترم أمير الطاقة عضو مجلس النبلاء، وأن أقدِّر حرصه على حماية نفسه من مؤامرات قد يقوم بها هذا أو ذاك من الرّاغبين في الحكم أو التّحكم فأحاط نفسه بسياج متين من العظام والأوعية والأوردة.

 

11 - ما هكذا تُفهَم الكلمة 

وأنا أدفع السّاقين إلى المشي وسط الزّحام منتفخ الصّدر،نافخا ريشتي ،رافع الكتفين متكبّرا ناشرا على اليمين وعلى الشّمال موضوعيتي وحكمتي وحسن إدارتي للشأن العام فرحا بإعمال العقل الذي جئت من أجله،بلغني أن قوما من الجهلة الذين خلقوا معي يلومونني على إهمال الحكمة أحيانا والانحناء إلى ريح العواطف والتأثر بالأحاسيس، ويتّهمونني بأنني سريعا ما أرقُّ وأتأثّر بحالات الجسم المتقلبة بين الفرح والحزن.فهمت أن بعضهم على حسن نيّة وأن بعضا آخر أراد أن يُوقع بيني وبين الجهاز العصبي اللاإرادي المسؤول عن المشاعر، باعتباره المرآة  التي تنعكس عليها حالة الجسم. وأشاع الذين في نفوسهم مرض أنني أتدخّل في عواطف الآخرين وفي نزواتهم فأثير غضبهم وأفسد طباعهم. وكنت كالعادة متشبثا برأيي في المسألة مُعتبرا أن الأحاسيس صورة الإنسان التي تترجم ذاته وهي كُلٌّ لا يتجزأ، تمنح الإنسان إنسانيّته وتعطي لحياته معنى وتُريحه من العناء وتنير ظلمات الجسد العميقة.لم أتفطَّن أن أظافر النّابشين قد حفرت كثيرا في اللّحمة الحيّة فكشفت ما كنت أخفيت من قدرتي على إدارة الشأن الخارجي فأستطيع أن أعطي للوجه حالة لا تتناسب وعمره الحقيقي مثلا وأستطيع أن أظهر العينين في حالة بؤس أو حزن وأن أغير المشية فيبدو الجسم عجوزا وهكذا...أخفيت المسألة تحاشيا لتأثير هؤلاء الذين يريدونني أن أغالي في الانضباط، فيدفعونني إلى الالتزام بمقاليد الحكم في الوطن الجسم بصرامة العلم، فهم يعتقدون أن زمن العواطف فات وأن عصفور الفن مات و لم يعد هنالك دافع للإبداع ولا معنى للجمال، فسياسة الجسم كسياسة الوطن لا تعترف بالأخلاق ولا بالمبادئ وسياسة الخلايا  كسياسة الناس تحتاج إلى هيبة الحاكم.أنا أجد العذر لهؤلاء المرضى فهم بسطاء سذّج لا ينظرون  إلى أبعد من ظلالهم. هم هكذا أغبياء بالسليقة يحتاجون إلى أمثالي ليقودوهم ولا يستعملون ذكاءهم إلا في الخبث أو للقيام بأعمال دنيئة مثلا لمناورة أو زرع النّميمة.أنا لا أعتبر مجازاة أمير مثلا أو عضو من مجلس النبلاء عن شيء جميل قدمه للمجموعة تمييزا أو محاباة وإنما حقا مكتسبا ومكافأة قيّمة على عمل وطني جيّد.وأنا لا أرى مانعا من أن يعبّر ملك عن فرحته في حفل ختان ابنه أو ليلة زفاف ابنته.ما ضرّ لو تقدّم فرقص وأرقص الشعب من خلفه؟.ماذا سينقص الجسم الوطن إذا ضبط النّيرون الإيقاع فغنت الحناجر والألسن عليه وتغنت الذاكرة بأشعار تهزُّ وترجُّ؟ أليس الحاكم الفرحان أحلى من الحاكم الحزين؟

لذلك فكّرت طويلا وتثبّتُّ من أعمال الأعضاء فرأيت من الواجب أن أعبِّر عن احترامي للكبد وأن أكافئه على حسن شغله، وكنت قبل ذلك استشرت المناوئين حين استدعيتهم إلى حفل شاي رسمي حتى أتّقي تشكيكهم ولا أترك لهم الفرصة في التّفكير في أخذ قرار موحَّد:بدأتُ الأمسية ببيتين من الشعر ليزيد ابن معاوية ابن أبي سفيان:

و ما أطيق لما ألقاه من كمد           

...................أقول وا كبدي من شدّة الكمد

ودّعتها و لهيبُ الشّوق في كبدي  

 ..................و البيْن يُبْعد بين الرّوح و الجسد 

و عندما عرفت أن الشّعر أعجبهم وأنهم ازدادوا هدوء قلت على لسان حطان ابن المعلى:

وإنَّما أولادُنا بَينَنا      

.........................أكبادُنا تَمشي على الأرضِ
إنْ هَبَّتْ الرَّيحُ على بَعضِهم ...

.......................... لَمْ تَشبع العينُ من الغمْضِ

فانتفضوا إعجابا و اشرأبّت أعناقهم نحو الكبد و قد هزهم الحسد فقلت  في الشيئين:

أقْبسْ متى شئْتَ نار الشّوق من كبدي ,,,

............................... وإنْ تُردْ موردا من ادمعي فَرِدِ

إن يحسدوني على موتي ،فَوَا أسفي

.........................حتى على الموتِ لا أخلو مِنَ الحَسـَدِ

اهتز القلب وتسارعت دقّاته وصاح إن هذا الشعر لصاحبي و حبيبي ونصيري ولسان حالي عمر ابن أبي ربيعة فقالت الذاكرة بل للوأواء الدمشقي  أو ليزيد ابن معاوية .أمّا ابن أبي ربيعة فقال في الكبد

يؤرّقه لهيب الشّوق بين السّحر والكبد

....................... فيمسك قلبه بيد و يمسح عينه بيد

و ذلك لأنه كان يظن أن لهيب الشّوق ينبع ما بين السّحر أو الرّئة والكبد.

تمادى المناوئون من العشائر في تشكيكهم وفي بهتانهم، وقد عرف عنهم رفضهم لكل عمل صالح للمجموعة، فلا يعجبهم شيء ولا يرضيهم العجب وكانوا كثيرا ما يقولون ما لا يفعلون ويسقطون في التناقض بخصوص موقف واحد؛ خفت أن تتعدى العدوى إلى بقيّة الأعضاء وأن يحتدّ النّقاش بين القلب والكبد فيصبح القلب قاسيا  فيعبّر عن محنته وأنا أدرك حجمها وعمقها ويحتمي الكبد بتاريخه، ويبالغ في نرجسيته فيتباهى بأنه شغل الناس وتملك أحاسيسهم لفترة طويلة ؛خفت أن يختلفا حول مفهوم الحب والعشق والشّعر والشّعراء، ويزيغَهما الكلام الماسط عن الصّواب ويشمت فيهما المناوئون، فوجهت آرائي نحو هؤلاء، وحكيت لهم عن العرب كيف كانوا يُولون  أهمية كبيرة إلى الكبد، إذ كانوا ينزلونه أحسن منزلة ويعتقدون إنه موطن الحبّ ويسمّونه عنفوان الحياة لأنه يمنح الإنسان القدرة على مجابهة الصّعاب. 

  وقلت لهم أن الكبد حقا يكابد ويكابر ويكافح من أجل الآخرين وإنه في الحقيقة متواضع وخدوم؛وإذ لم يقتنعوا بكلامي طلبت من أعضاء مجلس النبلاء أن يعبّروا عن إكبارهم لعمل زميلهم وخوّفْتهم بأن الكبد قد يقرر عدم الدفاع عنهم ضد كل الأخطار المدسوسة في الغذاء،فعلت ذلك واكتفيت بالتهديد وبالتهدئة خوفا عليهم من الإرهاق وعلى نفسي من الموت جوعا، إذ سأكون أول الميتين إن أضرب الكبد عن العمل، ولذلك حدثتهم عن ضرورة التعايش السلمي وحسن الجوار وقبول الآخر والتّفكير جدّيا إذا ما سنحت الفرصة في إمكانية انتقال السّلطة سلميا، وأكدت لهم إن زميلهم لم ينتحل صفة القلب ولم يسع إلى أخذ مكانه، ولكن العرب منحوه أوصافا كثيرة لاعتقادهم بأنه يتوسط الجسم ليتحكم في دواليبه؛ والعرب كثيرا ما يبدعون في الوصف ويتفننون فيه، فاختلط الأمر على بعضهم  فصار يقول  مثلا: الشمس في كبد السماء عوضا عن الشمس في قلب السماء أو تكبّد الأتعاب وحده أي تحملها وحيدا؛ وكانوا يشبّهون عزيزهم بالكبد؛ والكبد في نهاية الأمر عضو في مجلس النبلاء وله نفس الحقوق التي يتمتع بها غيره أو أكثر نظرا إلى أهمية المهمّات الملقاة على عاتقه، بل إنها أعمال كثيرة لا يقوى عليها إلا أكبر عضو في الجسم، ولعل جسامة المسؤوليات هي التي زادت في حجمه إلى حدّ أزعج بعض الأعضاء وأيقظ حسدهم،  فأحدثوا تململا سرعان ما انقلب إلى فوضى؛ حاولت امتصاص غضبهم مبكّرا، وطلبت من العين أن تحول المنظار نحوه، وأصدرت أمرا إلى حراس باب الذاكرة ليسجلوا أعمال الكبد مع بداية النّوم (أصدرت مرسوما سابقا يبيّن أن أحسن وقت للتسجيل في الذاكرة هو بداية النوم عندما تسري في الجسم أول دفعة من الميلاتونين) فهدأت العاصفة وسار كل شيء عاديا في  البداية، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور نحو السيئ فانتفضت بعض العشائر البعيدة وراحت تتصايح كالخرفان الجائعة، تريد أن تقول شيئا ولا تحسن التعبير وظلت تتّهم الكبد  باستغلال النفوذ وحب الذات وبالفساد وبالاستحواذ على أنبوبين كبيرين لضخ الدّماء، في حين أن زملاءه مهما كبرت الحاجة إلى عملهم لا يرتبطون بالقلب إلا بوريد أو ببعض  الشعيرات الدّموية، واشتدّ الغضب وتشنّجت الأعصاب في الجهاز اللاإرادي،  فطلعت إفرازات مقلقة؛ وعندما شعرت بأن عدوى التململ بدأت تنتشر دعوت مجلس النبلاء إلى اجتماع طارئ مرة أخرى، وكونت خلية أزمة داخله ووضعت أعضاءه أمام الأمر الواقع وعرّيت أمامهم نية الجهاز اللاإرادي في الابتزاز وتحويل وجهة الجسم الوطن نحو العاطفة.أنا أكره سياسة الأمر الواقع ولكنني أجبرت على انتهاجها وحاورت الكبد فعبّر عن قناعته ورضائه بموقعه الذي يتوسط الجسم، وأكد أنه يحبّ الأمور الوسط ويموت فيها، وفند البعض هذا الادعاء معتبرين أن الكبد يميل كثيرا إلى اليمين وفي ذلك الميل المبالغ فيه مدعاة للشّك .

الكبد المسكين يشتغل طول النهار ولا يرتاح، فهو يصنع المُرّة التي تستطيع مقاتلة الجراثيم المندسة في الطعام، وتساعد على  هضم الدهنيات فيخزنها إلى يوم الجوع والتعب  وهو حريص على عمله، يحبه إلى حدّ الجنون، يشتغل بشغف وطول بال ويتحامل على نفسه إن كان به مرض؛ أما إذا فقد جزءا منه فلا يرمي المنديل ولا يترك لليأس فرصة لإصابته، بل يسرع إلى التدارك فيُحمّل الطّرف المتبقي منه وزر كامل العمل لتعويض الناقص ويواصل شغله بما يجب من إتقان،يفزع دفاعا عن زملائه و يهاجم كل الدخلاء ثم يُحوِّل المواد السّامة التي تهاجمنا إلى مواد عادية ويقتل الكويرات الحمر وخلايا الدم البيضاء التي شاخت فيسترجع منها ما ينفع الجسم، ويلقي بالبقية إلى مقبرة الطّحال لتسترجع منها ما تيسّر، ويخزن الزائد عن الحاجة من كل شيء في أمان، ولا ينسى واجبه الصّناعي الشّاق أحيانا فنراه يتجدّد باستمرار ليؤديه.

ولعلّ عمله الممتاز وأهمية دوره الأساسي في حياة الجسم، جعلاه يحظى بالدّم الصافي، يستقيه مباشرة من المنبع، وهذا امتياز لا يحظى به بقية الأعضاء.

كنت أدرك هذا الوضع وأقدر أعضاء مجلس النبلاء، وأستفيد حتى من اختلافاتهم، وأسعى أحيانا إلى زرع الشّك بينهم لأفوز بالوشايات وبما يستطاب من  الأسرار،هذه الطريقة أخذتها عن الآخرين وزدت عليها شيئا من إبداعاتي  لأستعين بها على دوام الحكم، وأحصّن بها العرش من كل مناوئ ومناور أو انقلابي فاسد أو معارض لا يعجبه  عمل غيره أبدا.

اكتمل المجلس وبدأ في الاشتغال بصفة آلية، كأنه الطائرة الحوامة وصرت  أتحكم في أغلب دواليبه، وتركت لنفسي حرية الحياة أو الانتحار الجماعي، وهذا أمر مستبعد فأنا في الأصل أسعى إلى الخلود فإن لم أستطع فإلى تخليد قسط من أعمالي أو اختراعاتي لأنفع بها الأجيال المقبلة، وأترك اسمي صدقة جارية.

ألقيت نظرة على مجلس النبلاء وقد اكتمل بأعضائه، ورأيتني سلطانا على رقعة شطرنج، ورأيت الأعضاء الأربعة يصطفّون وراء جيش البيادق، وكم أعجبني الملك وكم كان يشبهني في هيبته ووقفته ونظرته الثاقبة يلقيها تجاه أعضاء رقعته وهم لا ينفكّون يهتفون بحياته ودوام عرشه، ويعبّرون عن استعدادهم للتضحية من أجل الملك والملك يرتعد من سماع : كش – مات.

كانوا ثلاثة و رابعهم الملك.

فأين الملكة؟

12 - الفساد الذي  يلد  الصلاح

 

رغم الإعجاب بالنّفس الذي صار ينتابني من حين لآخر، ورغم الغرور الذي يجعلني أسير بكبرياء وتعال، ورغم النرجسية  التي تحملني عاليا لكي أرى الكواكب نجوما وأرى نفسي أمنح الشمس بعضا من ضيائي، رغم كل ذلك فإنني أمر بفترات أتعثر فيها وأتبعثر، فأعترف بالضّعف والتقصير والإخفاق،ومن حسن الحظ أن لحظات الضعف هذه عابرة وقليلة العدد، إذ كلما اضعت اتزاني أتمكن من العودة بسرعة إلى هيبتي، كمن ينتفض اثر غيبوبة مفاجئة، أعيد على مسمعي أغنيتي المفضّلة:أنا المفكّر المجتهد المتبصر المتدبر الدبار العالم المسطر المهندس المخترع المنفذ المتذكر الواعي الرئيس الملك الكبير المهاب المخيف المرعب المعاقب الجريء أنا ما أوتيت من العلم إلا قليلا، وكلما أبصر ما في نفسي أزداد ذهولا ورهبة، وكلّما أفتح بابا أجد نفسي في فضاء ينفتح على ألف باب،  وكلما أحاول فهم عمل عضو من أعضاء مجلس النبلاء أحتار أكثر فأكثر، وأشعر بضعفي وأهيم وأدخل في ضباب وسراب، ولا أتمكن من فعل أي شيء،فلا أرمي بقدمي في المجهول ولا أزرع فكرتي في البحر حتى تلد ملحا.

أنا عظيم لأنني لا أستسلم ولا أنسحب من الحلبة، ولا أعترف بالهزيمة، فأنا مجاهد عنيد بشهادة الشعب الكريم والسكان الأصليين والنازحين وبشهادة المواطنين الدائمين والعابرين،وقد كان للأحداث الأخيرة التي شهدها مجلس النبلاء تأثير عميق على علاقتي بأعضائه؛كنت في السابق  أي منذ بداية خلق هذا الجسم، أفكر في أن أجعل عدد أعضاء المجلس أربعة فقط وسار الأمر عاديا بهذه التشكيلة أسبوعا تقريبا إلى أن انفجر الوضع وأصبح الفساد واضحا، الفساد في كل ركن: الوسخ يملأ الشرايين ويفيض خارج الأعضاء ، رائحة كريهة تتوزع ولا تستطيع أن تخترق الحواجز الجلدية كل ما سال منها خارج الجسم أصابني بالغثيان وأثار في إحساسا غريبا سرعان ما تحوّل إلى غيبوبة، ففقدت الوعي وزارتني الحمّى وظهرت علي علامات الإرهاق والاختناق،وصار الجسم على وشك التعفن، فأصدرت الأمر عاجلا إلى الكلى لتزيد في العمل؛ وأخذت بزمام الأمور وملأت مكاني واعترف الآخرون بحرصي الشديد على الإنقاذ وفهموا أنني الوحيد الذي دفعت الكليتين إلى بذل جهد أكبر لتخليص الوطن من العناصر المفسدة في الأرض وأنهما استجابتا إلى الطلب، وأمرت باستيراد كمية إضافية من الماء لتفعيل حركة التطهير، وضخ الأكسيجين اللازم عن طريق زيادة وقتية في عدد الكويرات الحمر؛ ولم تمض ساعات حتّى تخلص الجميع من السموم القاتلة،فبدا واضحا أن الكلية تستأهل مقعدا دائما في مجلس النبلاء تقديرا لإقدامها على إنقاذنا جميعا من السقوط في الوحل وتشجيعا لها على  المواصلة ولم يبد أحد من بقية الأعضاء اعتراضا على قراري إما خوفا أو اعترافا صادقا بدور الكلى، بل حصل ما لم يكن متوقعا إذ أقدم القطيع  على التمسح على عتبة الكلية، ثم قام رئيس قسم التحكم في الملح والسّكر إلى تنظيم مظاهرة رسمية لمطالبة مجلس النبلاء بقبول عضوية الكلية وإقامة حفل علني ترجمته حمرة في الخدين وابتسامات متتالية، وشاركت فيه الأطراف الأربعة بالرقص والحركات الاستعراضية،وأعلن الحسّاد عدم اعتراضهم على منح الكلية مقعدا دائما في مجلس النبلاء، لكنهم كالعادة شككوا في نزاهة العملية وأشاعوا أن الكلية اشترت مقعدها بالمال الفاسد وبرشوة المنتخبين.وسرَت حكمة تقول أن العاجزين والفاشلين يعلقون شماعة فشلهم على الشكوك والافتراءات .

أنا أيضا كنت لا اقدّر الكلية حق قدرها إلا بعد تبصر ومتابعة وتحليل وتشريح، عندها فهمت اللعبة وعلمت أن الوطن الجسم بلا كِلْيتيه لا يقوى على الحياة أسبوعا واحدا، إذ إن توقف الكلية  كليا عن العمل أو إصابتها بالقصور ستجعل السقف ينهار على رؤوسنا جميعا ولن يستطيع أحد أن ينهض من سقطته سالما .

وعرفت سرّ الاحترام الكبير الذي أصبح يكنه لها بقية أعضاء المجلس، نتج ذلك  عن اقتناع بالدور المهم الذي تلعبه وصاروا يعتبرونها صاحبة الفضل في تنقية الأجواء ويذكرون دائما أنها مكنتهم أفرادا وجماعات من العمل في أريحية، فهي القادرة على إرساء مناخ اجتماعي تسوده  نظافة اليد والضمير، ولها وحدها حق رفع شعار  العقل السليم في الجسم السليم . ولهذا لم أعاتب أحدا منهم على ربط علاقة سرية بالكلية من وراء ظهري،  واعتبرتها علاقات حميمية تجمع بين الأطفال وتساعدهم على اتقاء غضب الأب وعقابه،وفكرت في استغلال هذه المواقف لزرع شكل جيد من العلاقات الإنسانية بين مكونات المجتمع المدني، حتى لا أتحمل وحدي عبء الإخفاق في بعض المشاريع إن أخفقت .

نبتت المصانع والورشات هنا وهنالك، وتكاثرت كالفقاقيع وبدت الحياة على قدم وساق كل يكبر ويتعاظم في مكانه ويمد رجليه إلى أطول من الكساء، فيصده جاره ويعيده إلى حجمه.بدا الوطن الجسم كأنه خلية نحل: كل يشتغل ولا يهتم بغير شغله، يأتي الأكسيجين فتتناقله الأيدي الداخلية وتحوله إلى جهات أخرى، فتستقبله الخلايا ويأتي الطعام فتتلقفه أيد مختصة وتقطعه ثم تسلمه إلى مصانع التحويل التي تقسمه بدورها على من يستحق من الشغالين، وكنت أنا أنظر في الجهاز اللاإرادي فأعجب بعمله، وأحاول آن أشجعه وأن أقدّم نفسي المدير العام لكل هذه الأشغال مستغلا سلطتي المطلقة على البعض،وكنت الوحيد الذي يعلم الدور الكبير والأساسي الذي يلعبه الماء في كل هذه المصانع والورشات بل انه يكاد لا ينجز عمل بدونه ولا يكاد الحي أن يحيى بدون الماء حتى العظام وكنت أنظر في نفسي فأجد ثلثيها ماء.وأراها تشحب وتذوي كلما عطشت وطال عطشها فأستنجد بالمخزون وأظل أرتعد من اليبس.

كنت حريصا على البحث عن الماء في كل مكان من الأرض، أصبّه في الحلق صبا وأستزيد، إلى أن أوشك  على الغرق فيه لولا تدخل الكلية التي كانت تحافظ على التوازن بين الوارد والصادر، وهو عمل دقيق  لا يتقنه إلا البارعون، إذ يكفي اختلال في موازين الماء حتى يختنق العضو ومن ورائه كامل الجسم، وينتفخ فتذوب العناصر الضرورية  في تلك البركة من الماء ويحترق الجسد؛ ولم يتوقف دور الكلية على مراقبة الماء بل تجعله ينساب خيوطا ثم تتقطع تلك الخيوط إلى قطرات ومنها إلى جزيئات وتنخرط في دولاب الإنتاج والتكاثر والنمو ويساعد على الأكسدة،  كل شيء يسير بانتظام وبإتقان،تتكامل الأعمال وكل يؤدي واجبه في صمت وقناعة أو هكذا كان يبدو لي على الأقل، لذلك حرصت على مراجعة أحداث الأسبوع الصعب الذي أضربت فيه الكلى عن العمل. كان ذلك الأسبوع مرهقا، كثر فيه التأفف والقلق والاضطراب الشيء الذي جعل بعض الخلايا تقرر الانتحار وتصمت في انتظار أن يتيسر لها ذلك، وبعضا آخر قام برقصات ارتجاجية وبوقفات احتجاجية دامت ساعات، تلاها بإضراب جوع وحشي وتهديد بالانتحار خوفا من التسمم بفضلات الغذاء.  كنت أراقب المشهد طيلة ذلك الأسبوع وأسجل البراهين عبر عصب البصر، وكانت أجهزة أخرى تحمل إلي صورة متكاملة عن الأوضاع داخل القطاعات وتضعها في ركن من الذاكرة خصصته لحالات الطوارئ والأزمات،ومنذ اليوم الثالث دعوت إلى جلسة أزمة تولى نائبي في مجلس النبلاء الإشراف عليها، وتكفلت الكلية لوحدها بجميع الأعمال: كانت تعيد الماء الذي يوشك على السيلان خارج البدن وتعوّضه وتدفع اليوريا وحمض اليوريك ليرتاح الجسم من خطر ارتفاعهما.

خلال ذلك الأسبوع، ارتفع الضغط الدموي داخل الشرايين، وزحف الانتفاخ في اتجاه القلب وبدت على الوجه حمرة غير معهودة مالت سريعا إلى الزرقة، وانخرط القلب في الأزمة مُكرها، فتسارعت دقاته وأوشكت الشرايين على الانفلاق.تناقلت الأوصال الخبر بسرعة وخاف الجميع، فتطوعت الكلية بإخراج الملح من البدن و الإلقاء به في المجاري،كانت تنتظر وصوله في الدم القادم نحوها  فتمتصه بسرعة ولا تحاول  أبدا وزنه ولا خزنه، بل تدفعه إلى الخارج كمن يتخلص من حمل من الفضلات وكلما نزلت كمية الملح في البدن كلما نزل الضغط الدموي وارتاح القلب و بقية الأعضاء.

ولم تنس الكلية عملها الأساسي الآخر، فلم تتوان لحظة عن المساهمة في صنع الكويرات الحمر وفي تقوية العظام.

ما إن علم أعضاء المجلس أن الكلية لعبت دور رجال المطافئ لتنقذ الجميع من الهلاك، حتى فسحوا لها المجال لتشغل كرسيها؛ومنذ ذلك الوقت تركت أشغال المجلس تحت أنظار نائبي فيها وانصرفت إلى سياسة الرّعية، أفكر فيها وأسطّر لها طريقها وأدير شؤون المملكة وأصون العرش.

هكذا اكتمل المجلس الذي انتخبته بنفسي وأوصيته خيرا بالجسم الوطن، ودعوته إلى أداء القسم أمامي ففعل.

 

 13 - هل صنع الفكر العقيدة؟

 

قال ريني بارجفال : انه من الصعب جدا أن نُصدّق أن الكثير من هذه العجائب والبراعات التي نشاهدها في العالم، هي نتيجة الصدفة والكيمياء فقط؛وكان يلمّح إلى مجموعة الأحاسيس التي ترافق انجازا ماديا كبيرا كإطلاق الطائرة الحوامة أو كاندفاع نطاف في اتجاه قرينه.

لم يخطئ ريني ولكنه لم يمنح جسد ليلى ما يستحق من تركيز، ولم ينتبه إلى ما يختفي خلف هامته من  مشاعر، ولم يفهم أننا نسعى، نحن العشاق إلى أن نتخيل نصف ليلى لنستمتع به في خيالنا، و أما النصف الثاني فنخلقه من الكيمياء والعقل.من قال أن الحديد لا يحس ولا يتأثر بالماء أو بالهواء؟ ومن ينكر أن آلات الموسيقى تستجيب إلى مداعبة الأحاسيس بالنغمة المناسبة؟...

أعتقد أن الطبيعة إنما تحزن وتبكي وتغضب و تفرح وترقص من خلالنا.

أنا النيرون ملك الأرض وما عليها، قادتني الصدفة إلى مقاليد الحكم وربما دفعتني إليها تلك اليد الخفية لأبصر ما في النفس من تفاعلات كيماوية غريبة تحدث عند قضم تفاحة أو مضاجعة أنثى. وأفكر قليلا فأرى الإنسان يصنع المعجزات فأسجد لهذه القدرة الكامنة فيه وأعترف بأنه قادر على التمييز بين الخير والشر وبين الفعل والفكر وبين الحاضر والمستقبل وبين النار والماء، لكنني حين أفكر قليلا أو أنبش في رماد الذاكرة أرى أن النار خلقها الإنسان أما الماء فنبع من بطن الأرض وعاد إلى السماء أو بالمقلوب تماما، وأن الشرّ صنعه الإنسان ضدا للخير الذي وجد نفسه عليه، وأن النور ابتدعه الإنسان أيضا ليقاوم به ظلام الطبيعة كلما غابت شمسها. أليس الإنسان قادرا على فعل شيء مهم في هذه الحياة؟ألا يشكل أحيانا عنصرا مكملا للطبيعة أو معوّضا لها؟ ألا يمكنه بناء نفسه وجسمه ووطنه بناء صحيحا قائما على ثوابت أخلاقية يضع  لها شروطا ثم يسعى إلى تلبيتها عن طريقي أنا طبعا.

كل الأشياء التي يأتي بها الفكر تمر على يدي، أحللها وأدرسها وأخطط لها وأهندسها بوعي دونما رجوع إلى أية فلسفة ولا إلى عقيدة، فأنا أكره التعقيد وأحب الوضوح والسهولة.

أليست العقيدة ابنة شرعية للفلسفة؟ألا ينحدر الاثنان من الفكر؟

ألم تأت العقيدة وليدة حاجة الإنسان إلى الحياة في مجموعات تحترم بعضها وتقدر بعضها وتخاف من بعضها وتتصرف في إطار أخلاقي معين يفرض الاحترام على الجميع ؟

ألم أكن أنا في حاجة إلى اله يمدني بيد خفية ويساعدني على فهم الأشياء وعلى المُضيّ في الطريق الصواب؟

ألم أكن في حاجة إلى ربّ ييسّر لي زرع الفضيلة في نفوس الخلايا الزميلات؟ الله لا يحتاج إلى إنسان ليكون إلها ولا إلى وطن ليسكنه.انه هنا في الإنسان والوطن. قال في القرآن الكريم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ.أما أنا فرأيت من الصالح أن اختلق ربا وأطلب منه أن يأمر الآخرين بطاعتي... سأبني عليه عرشي وأقول إنني أستمد قوة الحكم من سلطانه، فأنا خليفته لا أكثر ولا أقل أنا خليفته الأوحد لا يشاركني في الخلافة أحد، وإلا حلت عليه لعنتي وغضبي. أراد الرب لي ذلك وليس باستطاعتي أن أعصي له أمرا، فهو الذي بعثني لأسوس هذا القوم وأرشدهم إلى طاعته من خلالي طبعا.أحتاج إلى رب لأسوس به الناس.أصبحت أحتاج إلى رب و لو في مناسبات قليلة بعد أن فهمت الكثير من عالم الطبيعة وبعد أن اخترع أبي الطائرة الحوامة واخترعت أمي الحبة المغذية. كل منهما اخترع ما يناسبه وأنا سأخترع ربا يراه الناس من خلالي ويرضون بي حاكما مرسلا إليهم من قبله فأبعد عني تهمة محاولة الخلق والمشاركة فيه ولو ظاهريا؛ قد يكون الله في حاجة لي لأبين للناس عظمته، وأخبرهم بأنه خلقهم وسيحاسبهم على أعمالهم، وأن عليهم واجب الطاعة والتقديس وتنفيذ أوامره؛ الله في حاجة لي لأكون همزة وصل بينه و بين الناس وقد يكون خلقني لهذه المهمة وأعطاني الحكمة والفكر والعقل، وأنا أحتاج إلى رب أخيف به الرعية.وتلك مشكلة أخرى: الله جميل وحنون وعطوف فكيف أرعبهم به؟

عندما كان الإنسان يحيا بلا ضوابط على نظام  قانون الغاب، كان يصنع ربّا لكل حاجة فيه يصنعه ويرمي عليه ضعفه وخوفه ويطلب منه المساعدة على تخطي تلك الحالات المرعبة، ويوهم نفسه أنه حظي بالحصول على رضا ذاك الإله الذي صنعه فيطمئن قلبه و يهدأ؛كان كل ربّ صنيعة حاجة ما ونتيجة إحساس ورغبة: فللخصب اله وللحب اله وللصيد اله وكذلك للشمس وللقمر وللحكمة وللحرب،خلق الإنسان آلهة لكل الأشياء والظواهر التي لم يتمكن من فك لغزها؛أنا استطعت أن أتحرك فتدربت وثقّفت  نفسي وقرأت الكتب السماوية التي جاء بها الرسل، وكبرت و تربعت على العرش،  فبادرت إلى وضع قوانين عالمية أحُدّ من خلالها من النزعة الفطرية نحو الظلم والاستعباد والقهر، وأخفض بها من الرغبة في القضاء على الآخر. فعندما أنظر في نفسي بعمق ووعي، وأقارن نفسي بالحيوان أتأكد من أن الإنسان امتاز على سائر المخلوقات الأخرى باكتمال الدماغ الذي في جمجمته وبنضج خلاياه التي تشبهني، والتي تحملتْ أعباء التفكير ومنحت صاحبها  قدرة فائقة على  التحكم في أفعاله، وعلى اختلاق نموذج سلوكي يتناسب مع ما يطمح إليه من دماثة أخلاق ومن حسن تدبير، وجعل بعضا من هذه الأخلاق ركائز عقيدة تكبح غرائزه وتحد من شهوات نفسه،  ونسبها إلى خالق فوقي مرعب حتى يتسنّى له احترامها خوفا من هذا الخالق ومن بطشه.      

صحيح أنني لا أرغب في مملكة هشة، ولا أريد عرشا يتمايل مع الرياح ويتعثر مع العواصف،أريد أن أكون قويا أُطَاعُ ولا أطِيع وأُسْمِع ولا أستمع. نشأت فأنْشأت وتكوّنت فكوّنت؛أنا الآن أراقب مملكتي بكل شجاعة وبراعة،كل شيء فيها جميل فكأنها الجنة الموعودة وكأنها مدينة أفلاطون بعبادها وخيلها وأشجارها. وكأنني قائد هذه الحياة أرفع سبابتي مهددا بالضغط على الزّرّ النووي فأحمي عرشي من كل محاولات التقويض.

سأرد سريعا وبقوة فائقة على كل حركة تهدف ولو عن حسن نية إلى نسف وطني، وسأستحضر قولة هارون الرشيد: انقل المعركة إلى أرض الأعداء ولا تتركهم يحضرونها إليك،

و أطبق طريقة أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأنقل المعركة إلى أرض الذين اتّهمَتْهم بضربها في عقر دارها، وأثير بينهم الفتن لأشعل ما بينهم النّار، وأبيعهم الحطب والكبريت، وأزرع بينهم وهْمَ العودة إلى الغزوات المظفّرة والغنائم الوفيرة، وأعدهم بفتح أراضيهم فتحا مبينا يوفر لهم السبايا في انتظار الجنة وحورياتها اللائي يفقن ليلى جمالا وقدرة على ممارسة الجنس، ويستطعن إعادة بكارتهن بعد كل جماع؛ وسوف أعدهم بفرحة الانتصار على أنفسهم، فإذا ما تناطحوا وتصايحوا استغاثوا واستنجدوا بي ليتقاتلوا ويتفننوا في التنكيل بجثثهم شماتة في حسّادهم على نعمة  الطاقة  المتوفرة في أجسادهم.

يعجبني التحكم في مملكتي بالحكمة وبالوهم، وقد أسست مجلس النبلاء لأوهم الجميع أنني أقبل أن يشاركني آخرون في الحكم ونجحت فاقتنع الكل بعدالتي وبشكل الديمقراطية التي أعتمدها في تسيير شؤون العامة؛ واقتنَع القطيعُ بشعارنا القائل أن الحاكم الصّالح يجب أن يبقى طالما انه صالح إذ لا حاجة لتغييره بحاكم قد يكون طالحا فنخيب ويصيب مملكتنا الوهن والضعف، ونبقى نغنّي على  مبدإ التداول السلمي  على الحكم.

الخلايا في حركة دؤوبة كخلية النّحل: كل واحدة تحمل على رأسها أو في بطنها برنامج عملها وتؤدي وظيفتها طبقا لخارطة الطريق الموجودة في البرنامج المركزي وأنا، هذا النيرون العظيم طويل العمر، أنظر بألف عين وأشْتمُّ بأنوف كثيرة وأتحسّس بأنامل لا تحصى؛ أنا،هذا الشامخ شموخ الملوك على أكتاف الرّعية الفقيرة، أنظر إلى تحت،إلى هنالك في المنحدر أو السّفح وفي العمق أو في الأسفل الغارق، أرى كل الأعضاء يدورون في فلكي، أديرهم حسبما أشتهي وأتحكم في أكثرهم بصفة كلِّية وأتحكم في قليلهم بصفة جزئية. أعترف أنني رسمت خطوط التصرف لكل أعضاء مجلس النبلاء وتركت لهم بعض القطعان ليسوسوها، فلم يفلحوا في ذلك، وأودعتهم الخلايا الهادئات اللطيفات فلم يحسنوا رعايتها، وأدخلوها في خصام مع الوافد من الخلايا الغريبة ودعوها إلى الموت.عندما أيقنت أن لا مفر من أخذ الأمور بيدي، قررت أن أجمع الأعضاء وخلاياهم تحت رعايتي وأن أدير بنفسي كامل الجزئيات الصغيرة والكبيرة في الجسم.وكان لي ما أردت وكان عليّ أن أحاسبهم على أفعالهم علنا حتى أحافظ على الشفافية في ممارسة سلطتي على الغير على الأقل، وهكذا أتقي شرّ الشياطين الموسوسين. بدت الخطة سليمة فالحرص على المملكة يفرض على الملك ألا يغفل عن أي شيء.

 

14 - للملك في رعيته شؤون

 

هل كان قراري صائبا عندما أنشأت مجلس النبلاء قبل غيره من المجالس، وقبل تعيين الأمراء وولاة العهد والرسميين والولاة والقضاة؟لم أدْر لماذا فعلت هذا، وكان بالإمكان أن أبدأ بالتدرّج، فخير السياسيين من بدأ بالأوامر السّهلة التي تلَبَّى بدون نقاش، وبالقوانين التي لا تكلف عناءً ولا تثير تحفُّظ المجموعة بل تكاد تكون سارية من قبل أن تصدر.

ولم أدر كيف تقبّل العامة قراري بالرّضا وقد شرعت في تنفيذه دون استشارة أحد، بل اعتبره بعضهم مكسبا وجلب لي احترام الرعية فاعتبرتني مهتما بحالها اهتماما شديدا وحريصا على العمل من أجلها، وأنني فضّلتها على نفسي فلم أمنح الحقائب الحكومية لأطراف العائلة الحاكمة،هذه العملية أقنعت كثيرين .

تركت هذه الفكرة تسري عند البعض وعدت إلى تنظيم البيت من الداخل.

قصر في الجمجمة يليق بالمقام.وأسوار شاهقة ومتشعبة لا يمكن لأي كان أن يتعداها إلا إذا كان مقتادا بجاسوس أو مرشد خبير في المسالك،وأعْيُن من الزجاج الثاقب متحصنة في زوايا مخفية عن الأنظار ترصد من خلالها الحركات الضئيلة والواضحة،وأبراج مراقبة فيها من العساكر ما يكفي لتعويض الميتين يوميا،وإشارات ضوئية يتولاها أعضاء من الحاشية تدربوا على الأوامر عبر تنبيهات كهربائية  ترسل إلى الأطراف في شكل موجات.

جيوب من السوائل في الطريق المؤدي إلى العرش صنعت منها المطبات لإغراق المهاجرين السّريين، وكل من يحاول أن يمر بلا إذن في اتجاه القصر.

تكليف قسم من النيرونات المختصّة في قراءة النوايا لغربلة أفكار الأقرباء، سواء كانوا أولياء عهد أو أمراء أو أصهار حتى أقطع أمامهم طرق الانقلاب وأحرمهم من شهية التفكير في الانقضاض على الحكم.

تركيز مواقع وهمية من شأنها أن تغرر بالمقدمين على التخريب.

قلبت لوحة التحكم فوضعت الجانب الأيسر من الجسم تحت إمرة نصفي الأيمن وأمرت نصفي الأيسر بالاهتمام بالجانب الأيمن؛وعندما تأكدت من أن أمور الرّعية لن تخرج من يدي ولم يظهر منها لا تحامل ولا تململ، وأيقنت بما لا يدع مجالا للشّك أنني مقبول من الجميع، منتخب دونما اقتراع، ومبايع دونما تنصيب، بدأت عملية التوحيد ومنحت اسمي للبلاد وأعلمت الحاشية والأمراء والولاة، فلم يمانع أحد منهم  ولم يرفض، بل اعتبروه حقا مشروعا، فأنا موحد هذه الأمة أنسّق أعمالها لنسير سويا في اتجاه المصلحة العامة، وقد كانوا جهلة فعلمتهم، وكانوا فقراء فأغنيتهم، وكانوا متفرقين فجمعتهم، وكانوا منفردين فلممتهم، وكانوا تائهين فأرشدتهم، وكانوا بسطاء فعليتهم، وكانوا تعساء فأسعدتهم، وكانوا مخطئين فثقفتهم، وكانوا فتات غبار فصنعت منهم شعبا وكونت بهم دولة مهابة؛ فلا غرابة إن سميتها باسمي ونصبت نفسي بَانِي الوطن الحديث.ولم أجعل لي فيه منزلا فكأن كل منازله مأواي،ولم أجعل لنفسي مالا ولا مكاسب كما يفعل الرؤساء،  فكل ما أرى ملك لي .

أنا الحاكم وهذا شعبي، وأنا الملك وهذه مملكتي،  ومزيتي عليهم لا تنتهي، أنا لا أنام أبدا وأنا دائم النظر في شؤونهم، أرعاها وأنسق بين عمل هذا وذاك،  ولا  أتخلى عنهم لحظة  خوفا من أن تختل برامجهم  وتتداخل وتشتبك وترتبك الأعمال.

أنا أطول الخلايا عمرا، لذلك رضيت لنفسي أن أكون الساهر الأول على الآخرين أصحاب الحياة العابرة، حتى الذين يسعون إلى مشاركتي في الحكم أو في طول العمر، فأنا أحدد أعمارهم وأنير مسارهم، وفضائلي عليهم  عديدة ومن حقي أن أستثمر تلك الفضائل في بسط سلطاني، فأنا من اكتشف طاقة الأكسيجين ووزعها عليهم كما توزع طاقة النفط على وجه الأرض، وأنا من يولد الطاقة الذاتية داخل الجسم، فلا يحق لأحد أن يقاسمني مرابيح اكتشافاتي وأعمالي. قلت إن هذا الشعب لم يكن إلا فتاتا من البشر قبل أن أوجده وأوَحّدَه وأتولّى سياسته وتوجيهه؛صحيح أن خلايا القلب تنافسني في طول العمر ولكنها قليلة العدد لا حق لها أن تتولى أقلية مثلها حكم أغلبية متكوّنة من مائة مليار أو أكثر من النيرونات.  ثم إنني قد جربت القلب يوم عيّنته في مجلس النّبلاء فقاد الكثير من أعضاء الجسم إلى نزواته ومغامراته مع ليلى، وأوشك أن يبيع البلاد إلى أنثى واحدة، وهذا وحده يعدّ خيانة عظمى يعاقب عليها بالإعدام لولا خوفي على الشعب من الموت اثر موت القلب.

لقد ورطنا القلب في مغامرة أبدية مع عشيقته ليلى، وإذ لُمْناه على صنيعه وزّع علينا خطيئته، واتهم الجميع بالاستفادة من مضاجعة ليلى، مدّعيا أن العملية الجنسية تطيل العمر، وتقاوم الكسل، وتقضي على الفشل، وتلطّف المزاج، وتريح الأعصاب، وتهدئ المنام،  وتحلي الحلم، وتطرد الكوابيس، وتزين الوجه، وتفتح العينين، وتحسن حاسة السمع، وتنير حاسة اللمس،وتسوي الأعضاء،وتقوي المفاصل، وتنمي العضلات، وتنشط الشفاه،وتوسع من دائرة الحضن،وتدفئ الصدر،وتصنع الفرحة،وتوزع الابتسامة ، وتبعد الحقد، وتزرع المحبة، وتُزيح الحسد؛ وأنا مقتنع بالفكرة ولا أجاهر بالإعجاب بها.

وأنا الناطق الوحيد باسم الشّعب عموما: أتحدث باسمه مع الخارج وأمثله في كل المحافل بتدخلاتي الرشيقة وبأفكاري النيرة، وأدافع عن مصالحه وأبيع باسمه وأشتري، وأخطط وأقطع العلاقات كلما دعت الحاجة، حتى وإن احتجت أحيانا إلى مساعدة أحدهم فإنني أعيّنه بتفويض.

 بعد مدة من تكوين مجلس النبلاء، جمعت أعضاءه وخطبت فيهم خطبة سميتها:خارطة الطريق قلت فيها صراحة إن هاجس الحفاظ على الحكم أصبح يؤرقني منذ أن استقامت حال العرش، وتشكلت المملكة وتحركت دواليبها واشتدَّ عودُها، وأصبحت تثير طمع الأقارب والحاشية، وتحرك فيهم رغبة افتكاك الحكم، وقد يفكّرون في اغتيالي أو في الانقلاب علي، وبيَّنت لهم أنهم سيموتون بموتي ويعزلون بعزلي، وقد تعلمت من تجربة بعض الملوك انه ما إن تفتكّ جماعةٌ  الحكْم بالقوّة حتى ينفرط  عقدهم، ويستحوذ قائدهم على السّلطة،  ويدور على البقية ويأكلهم واحدا بعد واحد، دون أن يترك لهم فرصة للتجمع مجددا ولا حتى لاسترداد النفس؛حدثت أعضاء المجلس بصراحة عن مثل هذه الاحتمالات، ونبهتهم إلى مغبة الاستماع إلى الوسواس الخناس، وأمرت العينين بالاحمرار المستمرّ،  فأشعلا أمامي الضوء الأخضر لاتخاذ ما أراه صالحا وعبّرا عن فدائهما لي وعن استعدادهما للخروج عن طاعة اللاإرادي متى طلبت منهما ذلك، خاصة عندما أصدر لهما طلبية في كمية من الدمع أو في تمطيط نظرة مشبوهة، ووعداني بأن يتوقفا على الرمش إذا ما رغبت وأن يصبحا كعيني التمساح يغمضان بالتناوب عندما ينام؛ كل ذلك طمعا في الانتفاع من قراراتي وأملا في مقعد دائم في مجلس النبلاء. ولكنني لم أشأ التوسيع في هذا المجلس، وخيرت إعادة تقسيم العرش بداية مما جاورني وصولا إلى الأطراف القصيّة من الجمجمة، لأمنح للمملكة نفسا جديدا وفرصة أخرى لإصلاح ما قد يعترضنا من أخطاء، واخترت أن أتعامل مع الآخرين فرادى، فالحكمة تقتضي دائما أن تستحوذ على خصومك واحدا بعد واحد،  إذ إن تكسير عود أهون علي من ليِّ حزمة، وقطعَ خيط أسهلُ علىّ من قصّ حبْل هذه قواعد لا تبلى مع الأيام .

 15 – لكل قسط من الجغرافيا 

حاولت توزيع المناطق توزيعا عادلا ودون مساواة، فأنا أحرص على العدل في تعاملي مع من يشاركني في العرش ومع الحاشية والرعية، ولكن لا يجب أن أساوي بين المواطن البسيط والسيد الوزير، هكذا يصبح عملي من الحيف.العدل حق و المساواة باطل.

أفردت أربع مناطق هامة في الجمجمة سمّيتها مركزية العرش، ورتبتها ترتيبا محكما ونصبتها بكيفية تسهل حمايتها من الإصابات الخارجية،  وتركت منطقة للتبادل الحر تفصل بينها وبين المناطق السفلى التي تصل الجمجمة بالبدن، وتمتد إلى القدمين، وشكلت الخريطة واضعا في الاعتبار مهمة كل منطقة، ومنعتها من التواصل فيما بينها لكي لا تقيم علاقات مشبوهة تجعلها تفكر يوما ما في الاستقلال عن المملكة، أو في إعلان الحكم الذاتي أو العصيان أو في التمدد إذا رأت في نفسها القدرة على الزحف، فوضعت في الناصية كل ما يتعلق بحياتي الشخصية ويجعلها محل احترام، وأعليت فيها الصدق عن الكذب،وركزت فيها الديوان الملكي ليهتم بتسيير أمور الدنيا فيتخذ القرارات المصيرية، ويسطر ويقيس درجة الاندفاع، ويقاوم الإغراءات، ويشرف على المهمات، ويضمن شروط نجاحها، ويوصي بتسيير أمور ما بعد الدنيا؛  وحرصت على أن يهتم  بالكلام قبل كل شيء، حتى أفرّق بين الإنسان الذي أشبهه وبين المخلوقات الأخرى التي لا تشبهني؛ولأنني منذ أن بدأت في التلعثم وتهجي الحروف، كنت مغرما بموسيقى الكلام عندما يخرج من الحنجرة :أُنغِّمُه وألحّنه  وأصدر الأمر إلى الشفتين  فتدفعانه إلى الخارج مترنما يهز وجدان سامعه ويجعله يستمع بانتباه وشغف،ولم أنس أن أرْفقَ الكلام بالحركة فجعلت لها في الناصية مكانا يليق بقدرتها على التأثير في العالم الخارجي واستمالته، وفي نفس المكان أيضا هيأت مقعدا مهمّا لإدارة تصرّفاتي الشّخصية، حتى يرضى عنها  شعبي أولا ثم الشعوب الأخرى وفي نفس الفصّ الجبهي، هيّأت مكانا للخزن كتبت على بابه بالبنط الواضح: هنا الذاكرة والانفعالات ولم أبيّن لأحد علاقة الذاكرة بالمزاج بل تركت الباب مفتوحا للمؤوّلين حتى يأخذوا فرصة للإبداع في مجالهم؛ ونظرا لأهمية الواجهة ودورها في مواجهة الطوارئ وفي أخذ القرارات، كونت هيئة مختصّة في التّحليل والتفكير وفي التخطيط وفي حل المشاكل التي قد تعترض حياتنا اليومية، مؤكدا على اعتماد الصّدق منهجا، فخير النواصي ناصية صادقة.

أما الفص الجداري، فقد أعددته لكل المسائل الحسية كاللّمس والإحساس بالألم والضّغط النفسي، وحتى ضغط الدم وتقديرات شكل وطول وأحجام الأشياء التي نراها أمامنا، وقد تعمدت إبعاد مسألة الضغط الدموي عن القلب  حتى أحيّده وأتركه تابعا لي لا يستطيع أن يفعل شيئا أمام مسألة صعبة وحياتية كالضغط بأنواعه المتعددة والمتجددة والمتوالدة يوميا في كل المجالات الاجتماعية والسياسية.

وأما الفص الصدغي، فكلفته بحاسة السّمع وبما تيسر من شؤون الذاكرة وحالات الانفعال، رغم مطالبته لي بمنحه أكثر من مسؤولية، وبعدم الاكتفاء بتلك المهمة تحاشيا لما قد يسمع من وسخ أذنيه.

ومن حسن الحظ أنني كنت ذكيا جدا، فجعلت للنظر قسما خاصا في قفا الجمجمة، وأبعدته عن مصادر الصورة التي تصلني مقلوبة عن طريق العين، فأعاينها وأحللها، وأمرر قسطا منها للذاكرة للمطابقة والمقارنة مع المخزون المشابه القديم وتغييره كلما دعت الحاجة أو تكاثر نوع من المخزون.وهذا العمل المتداخل ينبغي أن تكون عناصره بعيدة عن بعضها وإلا أصيبت بصعقات كهربائية قد تعطيني صورة غائمة وغامضة.

في الدرجة السفلى من الديوان الملكي وفي الحدّ الفاصل بين الجمجمة والقسم السفلي للجسم، جعلت مجلسا خاصّا يشبه إلى حدّ كبير حكومة ظّلٍّ؛في الحقيقة تعمّدت إخفاء هذا المجلس خلف قلاع المراقبة محافظة على قدراته، فقد أفكر يوما في تعيينه واليا على أسراري وثبّتّ أمامه آليات دفاع متمركزة في نقاط العبور نحو مديرية الدّيوان، بحيث لا تبدو منه غير بعض النتوءات أو الرؤوس التي لم يحن قطفها ولا قطعها بعد. يقوم هذا المجلس بنيابتي في بعض المهام ويتولى أمره رئيس وزراء أعيّنه بنفسي وأمنحه بعض الصلاحيات مثل تنظيم الوقوف، وشد الاتزان والتنسيق بين اليدين والسّاقين عند المشية، والمساهمة في عملية التّكلم والرّد الآلي على ما يتعرض إليه الجسم من قرص أو وخز أو لسع أو حرق.ولعل أهم صلاحية رئيس الوزراء هي تقبل المعلومات القادمة من كامل أرجاء الوطن الجسم، ومدي بها لحظة بلحظة كما يفعل مدير ديوان الرئيس عادة. ومثلما تقتضي إدارة الشأن العام فإنني أمرت بتعيين أسطول من الوزراء يأتمرون بأمر رئيسهم ويكلفهم ببعض الأعمال ويمنحهم  مهمة الإشراف على عملية التنفس والإحساس بالجوع، وإعطاء معلومات عن دقات القلب وعن الضغط الدموي وخاصة عن درجة الحرارة السائدة داخل الوطن الجسم، وهي أعمال ليست بالهينة، وكان بإمكاني تركها لي ولكن مبدأ التعويل على الشباب ومبدأ التداول السلمي على السلطة جعلاني، أمنح لغيري نصف ما يستحق وأستبقي النصف الثاني لي أمُنُّ به عليهم متى أردت وأسمح لهم بفرصة التدرب على الحكم وتعلم السياسة. وتقديرا لمنزلتهم كوزراء في مملكتي، فقد سمحت لهم بالتجمع في مكان منخفض ولكنه أعلى من أماكن العامة، وأرقى من السهول التي تقطنها القبائل في الوطن الجسم،ومنحتهم بعض الامتيازات فأمرت بتخليصهم سريعا من السموم الناتجة عن الأكسدة وبإبعادهم عن الصراعات الدموية التي قد تنشب هنا أو هناك؛وقد فرحوا كثيرا بهذا التشريف والتكليف وتسابقوا إلى القيام بمهام الوصل بين الفوقي والتحتي، وبتوزيع الأوامر على جميع السكان  التحتيين.

ورغم كل هذا التحصين لم أطمئن نهائيا، وبقي هاجس الخوف من الانقلاب يؤرقني ويقلقني ويحرمني من الراحة، فسعيت إلى تأهيل جانب من الثقات ليكوّنوا قسم المخابرات الذي لا أثق فيه أيضا، فقد تعلمت أن العسكر لا يثق في الشرطة وأن الشرطة لا تثق في العسكر  حتى يحترس هذا من الآخر فيطمئن حاكمهم، ومنحتهم أرقاما سرية من واحد إلى عشرة وأعطيتهم أسماء حركية ليصعب التعارف بينهم و لأتمكن من التعرف عليهم عند الحاجة؛ واحد فقط لم أر مانعا من أن يعرفه الآخرون هو ذلك الذي يخترق الصدر ويتوقف عند منتصف الطريق فيرمي بأحد أطرافه هناك ويواصل طريقه، وله أكثر من اسم فهو الرئوي ـ المعدي أو العصبون المبهم  أو العاشر؛وعندما انتهيت  من رسم قواعد العرش وأوتاده وأقسامه التفت إلى الرعية وتذكرت وضعها وسألت عن أحوالها فخصصت لها نصيبا من وقتي، وشرعت في تدريبها على مفهوم الوطنية ومعنى التضحية في سبيل الوطن والعمل الجماعي، وغير ذلك من صحيح الكلام وعذبه، واستعنت بمن ساعدني بنية صافية و قلب طيب.

 

 

 

 

 

16 - قوة الملك من ضعف الرعية

 

منذ أن تحدد اسمي ودخل موسوعات التاريخ، وأنا أفكر في نعت يناسبني أو صفة تلائم حالتي، لكي أبدو أصيلا محترما متطابقا مع نفسي متزنا متوافقا بين المكتسب الفكري والموروث الجيني، فمسألة الهوية هامة بالنسبة لي، وأنا أعتبرها حجر الأساس في الشخصية ومرجع النظر في كل شيء؛و قد أوليتها اهتماما خاصا، فأصدرت عدة قرارات تمنع من نسيانها وتجعلها حاضرة في الأذهان في كل وقت لأنها في نظري الأصل الذي يمتد منه الفرع وهي السلف الذي يرتكز عليه الخلف؛أعرف أن شعبي داخل الوطن الجسم تجمعه هوية واحدة، تنقسم إلى عدة قبائل يصل عددها إلى مائتين وخمسين قبيلة كلها تحافظ على هويتها التي تستمدها من الموروث وتجعلها متناسقة منسجمة مع الذات فلا ترى بينها سائحا يلبس جبة تونسية ولا مستعربا يضع عقالا مشرقيا.

الصراع بين نصف الكأس الملآن والنصف الفارغ هو صراع بين الثابت والمتحول، وبين الوهم والحقيقة وبين الشكل والمضمون، والغريب في الأمر أن الكل يعتقد انه على صواب وأن غيره مخطئ.

تختلف الأهرامات في الشكل وفي عدد الواجهات  والزوايا وفي عدد الأضلاع ويختلف شكل القاعدة باختلاف الوجوه ولكن الأهرامات جميعا تتفق حول قمة واحدة وهذا مهم جدا، فالقمة ثابتة أما ما تحتها فهو متغير حسب الأهواء.  

تعتقد القاعدة المتكونة من مليارات الخلايا الوقتيين، أنها تجمعت في  عدد قليل من القبائل لتختار بدورها نوابها في السّلطة.وذهب في ظن هؤلاء النّواب أنهم عيّنوا من بينهم رئيسا سمّوه  رئيس حكومة أو رئيس وزراء، وأنهم انتخبوا الديوان الملكي وقد تكون القاعدة توارثت هذا الوهم جيلا بعد جيل وكرّسته إلى أن أصبح بالنسبة لها حقيقة لا يرقى إليها الشّك أبدا، وأنها قادرة في كل وقت على قلب قمّة الهرم أو تغييرها ولكنها نسيت أن كل تغيير في قمّة الهرم يؤدي حتما إلى تغيير في القاعدة وهذا لا يحدث أبدا بما أن القاعدة لا تستطيع أن تغير نفسها لذلك فهي تبايع عادة من يعتليها وتحمل على أكتافها رأس القمة معتقدة أنها اختارته لهذا المكان، ثم تمضي إلى حتفها حسب البرنامج المسطر والمحفوظ في ذاكرتها.

وذهب في ظن الديوان الملكي نفسه أنه منتخب من طرف الوزراء، وأنه مكلف بدوره باختيار مركزية العرش وأن على الملك أن يعترف للديوان بهذا الفضل الكبير فيرصد له مكافأة توازي قيمة مزاياه ويخصه بامتيازات لا تأخذ صفة الرشوة، وإنما يسميها فرضا هدايا.

هكذا عشّش الوهم في الجميع بدءا بالرعية إلى أذكى وزير في الحكومة.

وفي الحقيقة إننا حالما نزلنا من حوض الأم إلى هذا العالم لم نهتمّ بهذه الأمور ولم نفكّر لا في الحكم ولا في المسؤولية.كان همّنا الأول هو التّشبث بالحياة والبقاء أكثر ما يمكن من الوقت داخل الجلد الذي بدأ بدوره في التمطيط والتوسع بالتوازي مع نمونا السريع؛وبصراحة لم نكن نشتكي من الزحمة ولا من الاختناق بل كنا نتدافع  من أجل فسح المجال لبعضنا.

مضى زمن الحب وجاء زمن الحرب.

انتهى زمن يقال فيه أحب لغيرك ما تحب لنفسك.

كبرنا سريعا ورأينا أغلبنا يموت بصفة تلقائية، كأنه جاء لتلك المهمة.لم نكن نعلم المهمات الخفيّة التي يؤديها بعضنا.

وفي الحقيقة أيضا إن أول عضو أعلن استقلاله عن الحوض المظلم هو أمير الطاقة فما إن أحس بلسعة الهواء تلفح الوجه وسمع الحنجرة  تطلق صيحتنا الأولى حتى ضخ لنا كمية هائلة من الأكسيجين وأجبر القلب على أن ينظّم دقاته حسب حاجة الوطن إلى الطاقة؛ثم التحق به أعضاء مجلس النبلاء .وكنت ، أنا النيرون العظيم،أنظر وأفكر وأسطر، أقيس وأجس،أجوس وأغوص ثم أطلب وآمر حتى استتب الأمن ولانت لي الأمور. استمرت الأوضاع على هذه الحال ردها من الزمن إلى أن لاحظت اخضرار الشارب واحمرار العينين وعلوّ الأكتاف، عندها تغيرت الأوامر بتغير المخاوف فأقدمت على تجربة الوهم، وبدأت بزراعته وتغذيته في القطيع، وتركت حبل الخوف مرميا على أعناقهم، وجعلت الآخرين يرتعدون من المركزية الملكية وأنا أعلم حق العلم أنها لم تكن قوية إلا في أذهانهم، ولكنني سعيت إلى ركوب هذا الشعور إذ إن أسهل طريقة لتخويف المنافس هي أن تجعله يتوهم أنك أقوى منه، وأنه لا يستطيع هزمك؛حتى مجلس النبلاء الذي كونته وجعلت فيه نائبا لي إنّما أرسلته بينهم لأشق وحدتهم،  وأشتت تفكيرهم وأنسيهم حلم افتكاك الحكم أو وهم اقتسامه معي أو الولوج إليه من باب الحقّ،فأنا لا زلت أذكر ما وقع في تونس في فجر الاستقلال وما وقع في بلد الشام وفي الجزيرة العربية وفي بلد السودان وفي مصر غداة الثورة:كل الحكومات التي تنشأ على أكتاف جماعة لا تلبث أن يستحوذ عليها واحد فقط ويبعثر الآخرين من حوله.وأنا جعلت في مجلس النبلاء عينا لي وأوصيته بتوزيع جرعات الوهم على زملائه كلما جاعوا إليه وأمرته أن يبقي سيف الخوف ممدودا وأن يخرجه من غمده كلما صدرت عن هذا الطرف أو ذاك تحركات مشبوهة.

 17 - سلاح الأذكياء

يُزرع الوهم فيينع في أرض الطرف المقابل،تلك القاعدة اعتمدها كثيرون ونجحوا في استغلالها؛ الوهم سلاح من لا سلاح له:إيهام العدو بقوتك يجعله ينهار قبل المعركة، وإيهامه بأنك متفوق عليه  لا محالة يجعله يختصر الصراع ليستسلم بأخف الأضرار.الإيهام استعمله كثيرون ونجحوا،نجح أربعون رجلا فقط في احتلال مدينة بإخافة حاكمها فانفتحت لهم البلاد بأسرها وأسسوا فيها مملكة،وبالإيهام فقد العرب واحدة من أعز وأكبر بلدانهم و بالإيهام أيضا ربح المسلمون معارك كثيرة.

كان هاجس المحافظة على الحكم يشغل بالي ويؤرقني، وكنت خائفا على سقوط العرش مرتعدا ممن يوهمني بأنني هرمت أو ضعفت أو أصبحت غير قادر على سياسة البلاد، وكنت أعتقد أن هذا الخوف إنما هو ناتج عن فرط حبي للوطن واستعدادي للموت من أجله أو لقتله من شدة حبي له، القطة تحبّ صغارها فتأكلهم من شدة الخوف عليهم، وأنا كذلك لا أريد أن أموت إلا بعد أن أقتل وطني أو آكله.كنت أتمنى أن أحصن الجميع ضد فواجع الزمن وضد تقلب الطبيعة ومفاجآت المحيط، وكنت أتمنى أن تسود العدالة وينعم الجميع بها وألا تنادي أصوات بما لا أحب سماعه وألا أرى قبائل الخلايا تتمرد أو تحاول القيام بأفعال دنيئة، وكنت أسعى دوما إلى إبعادها عن الشياطين. ورغم كل شيء فأنا أرى أن من مصلحتي الشخصية ألا أستبد وألا أظلم وألا أثير من حولي نظرات الحقد والغضب .

خلقنا جميعا طبقات فلماذا لا نبقى كذلك؟.و لماذا لا يقنع كل منا بالدور الذي جاء من أجله وبالحالة التي سار عليها؟ الطموح مشروع ولكنه مشروط بحدود. أقنع أنا بعظمتي ويقنع الآخرون بضعفهم وأقنع أنا بما أملك ويقنع الآخرون بما لا يملكون.أعيش طول حياة الوطن الجسم الذي يحملني وهم يموتون وإذا ماتوا فأنا باق بعدهم وإذا متّ فمن بعدي الطوفان،إنها الحياة أرادت أن تكون رهن يدي فان انتهيت انتهت معي وان ازدهرت فعلى يدي؛لا دخل لي في شأنها ولم أختر وضعها ولا أعرف من أعطاني صفة التحكم فيها ولا عمن ورثتها. لكل خلية منا قدرها فلماذا نحتج وضد من نثور؟ كان يمكن أن نحترم سيرة كل منا وقيمته وكان ينبغي أن أحظى باحترام الجميع فأنا ملك هكذا، ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا الأمر وإلا خرج عن طاعة الحياة وحلت محاربته.ربما تستفيق اليد الخفية التي دفعتنا إلى هذه الأرض فتعيدنا إليها وتعيد توزيع الأوراق من جديد، ربما تفعل ذلك غضبا أو انتقاما إن لم تتمكن من عقاب المارقين.من يدري؟ على أية حال لا أكون أنا النيرون غير ملك يتحكم في أمر رعيته و يمارس عليها سلطاته وإن كان شطر السلطات وهما.

مجبر على رعاية الجميع والحفاظ على أمنهم  ومنع قيام الفوضى، وهذا الأمر قد يتطلب أحيانا أن أرغم البعض على احترام نواميس وقوانين البلاد أو أن أملي أوامر أضعها بالمناسبة؛وحفاظا على سلامة البلاد وسعيا على تبيان الخفايا وكشف المؤامرات، يمكنني التعويل على الوشايات  وعلى كفاءة المخبرين  رغم انتقادات البعض وتعللهم بضرورة احترام حقوق  الإنسان وبعدم جدوى البوليس السياسي؛ومهما يكن من خطر فإنني أكتفي بزرع الشك بين الخلايا حتى أتحاشى الفتنة خوفا من أن ينقلب السحر على الساحر فأحترق بالنار التي أوقدها.

أيقنت أن رعاية البلاد تقتضي الحفاظ على الأمن، ومنع اندلاع الفوضى، وسنّ القوانين، وإصدار الأوامر ومتابعتها، واحترام نواميس العلاقات الاجتماعية، وإمضاء المراسيم، وإعلان حالة الطوارئ، ومنع الجولان كلما تطلب الوضع، أو فكر بعضهم في زرع بذور الانقلاب وفسدت نية المناوئين.

من حقي أيضا أن أعول على الوشايات لكشف المؤامرات، ومن حقي أن أجند القوادين لقطع الطريق أمام المتآمرين، لا يثنيني عن ذلك لوم ولا ادعاء بضرورة احترام حقوق الناس، فأنا ولي نعمتهم أوفر لهم الشغل السهل واللقمة الحلال وأعطيهم فرصة لخدمة وطنهم ولمحبته.أليس حب الوطن من الإيمان؟ ثم ما هو طعم الحقوق التي تفتك بالقتل و تزرع الفوضى؟

 18 - النطاف

المتأمل من بعيد في هذا الجسم الممتد من تحتي يرى أن المجالس والدواوين والقبائل والأفراد تسير بشكل طبيعي وأن الرعية راضية مرضية لا تهزّ كتفا ولا تقول أف ولا تتذمر ولا تتآمر ولا تجوع ولا تعطش ولا تخبئ الشر لأحد منها، فكأنّ الفرد يخدم المجموعة وكأنّ المجموعة تخدم الفرد، فلا يجد الواحد سببا للثورة ضد قدره ولا من يطالب بتغيير مسيرته.أنا أيضا ذهب في اعتقادي أن الخلايا تحترم بعضها فلا تتعدى واحدة على حقوق الأخرى، ولا تأكل اللذة الحرام دون أن تتقاسمها مثلما تتقاسم الأتعاب والخدمة المدنية،وسعدت لهذا الأمر.

فجأة،بدأت الأصوات تتعالى من هنا وهناك وبدأت بعض القبائل من الخلايا تظهر قفاها قبل وجهها، وكثر الحديث عن الفساد في الوطن الجسم، وانكشف المستور وتعرّت أشياء كانت متخفية وراء الصمت. صدمت لهذا الفساد في العلاقات واستفقت على ضعفي كمن يباغته شحوب وجهه بعد مرض طويل. لم تترك لي الصدمة وقتا للنظر في الأسباب ولا لقراءة الاحتمالات شعرت أنني أب تقدم في السنّ وصدمه عقوق ابنه فأقدم على عقابه دون تفكير ولا اختلاق أعذار.ما أصعب أن يعاقب أب ابنه وإن ارتكب خطا يستوجب العقاب،فأنا كنت أعتقد أنني أتحكم في كل الأجهزة وأنني صاحب الكلمة الفصل لا يردّ لي قول وهاهي الأحداث تبين عكس ذلك وتضعني أمام هشاشة حكمي، فلا قوة لي ولا سلطان إلا ما سمح به الوهم وما زرعته في الآخرين من خوف.أنا قادر على إيذاء الجسم وعلى خنقه إلى درجة الموت ولكن تشبثي بالحياة جعلني لا أقوى على إيذاء ذبابة فمن أين لي أن أقود الجميع إلى الانتحار؟ لم أستطع حماية خلية تنشط طبقا لبرنامجها وتؤدي وظيفتها. لم أستطع تكميم الأفواه التي تنادي بإدانتها.

توالت التهم و توالدت من بعضها كما تتوالد الخلايا وتعالى الصياح على خلية واحدة.

الجميع يلعنها وينعتها بشتى النعوت المهينة.

ــ انه الابن الضال.

ــ انه يستغل طيبة الجهاز لقضاء شؤونه الذاتية.

ــ انه عنوان الجشع والطمع وحبّ الذات.

ــ إنه يغادرنا كالفرس الجامح أو كالكلب المكلوب  هاربا منا ومندفعا بلهفة إلى الخارج.

ــ انه يسعى بشوقه الكبير إلى قرينه ليلقى حتفه عنده.

ــ إنه يجند الآلاف والملايين من الخلايا لإشباع غرائزه.

ــ انه فرعون يبني قوته بأكتاف الضعفاء.

ــ إنه يحمل أسرارنا في المخزون الوراثي وهذه خيانة عظمى ليس أكبر منها خيانة.

ــ إنه

ــ إنه....

ــ انه يبيعنا مرة واحدة إلى من يستضيفه.

لم تبق تهمة في الذاكرة إلا وألصقوها بالنّطاف. إنها الفتنة العظمى تخيطها الخلايا.إنها الفتنة الكبرى التي لم يعرف مثلها الإنسان منذ أن خلق .

من خان منا؟

ــ هل هو النّطاف الذي كبر و تربى داخل الإنسان ثم غادره ذات نزوة ارتكبها غيره ؟

ــ هل هو الإنسان الذي خُلِقَ من النطاف فلما كبر وأنتج نطافه قذفه في الخارج، وجند أعضاءه وخلاياه ليتهموه بشتى التهم.

قد تكون الخلايا على حق وقد أكون على خطإ، فلم أعط المسالة ما تستحق من الأهمية ...ربما...الكثير من الرعايا يتهامسون ويتحاورون ويحملونني المسؤولية في مسار النطاف ويطلبون مني رفع الحصانة المجلسية على القلب المتورط في منظومة التخابر مع الخارج؛لم أجد حلا يهدئ من هيجانهم سوى  تلبية  رغبتهم فوعدتهم بفتح تحقيق يشمل مسيرة النطاف  منذ ظهوره بيننا. وكلفت أحد المراقبين برفع تقريره إلي حتى أتفحصه وأنظر فيه بعقلانية وبتركيز هادئ.

جاء ملف النطاف حافلا كأنه محضر جريمة فبدأه محرره بتعريف مقتضب:النطاف خلية متوحشة في شكلها وحركاتها تعيش داخل نطفة في غابة منسية لا أحد يعيرها اهتماما إلا في الأيام الأولى من تشكلها، حتى الجسم  لم يحفل بها فألقاها بعيدا عنه غير راغب فيها وتركها مشدودة إليه بقطعة من الجلد رقيقة جدا تلف خيوطا كثيرة متشابكة متداخلة في كبة لا رأس ولا ذيل لها.وقد يكون الشعور بالازدراء منذ البداية قد ولّد فيها الحقد والنزعة الإجرامية والاستقواء بالغير على قضاء شؤونها.ربما ساءها أن تلد في مكان آمن ودافئ من الجنب ثم تطرد من أرضها وترمى في كيس صغير من الجلد يتدلى ما بين الفخذين.

تقول حيثيات الجريمة (ملاحظة هامة:أورد التقرير كلمة الجريمة عوضا عن التهمة واعتبر المحقق المتهم مجرما حتى تثبت براءته)تقول: كبرت الخلية وترعرعت واشتدّ عودها وأصبحت مؤهلة للقيام بمهامها وللاستجابة لمطالب الآخرين وللانخراط في منظومة التواصل البشري على الأرض. وحالما تأكدت من أن سلاحها الشوكي الذي نبت على رأسها أصبح قادرا على اختراق حصون المضيّف، وأن  حشوتها من المخزون الوراثي اكتملت هيأت نفسها للانطلاق واستجمعت قواها وانطلقت بسرعة فائقة خارج الجسم، دون أن تسأل عمن أطلقها ولا كيف أطلقت،

يذكر الملف هذه النقطة بالذات ويعطيها أهمية كبيرة فجاءت بالبنط الأحمر وشكلت فيما بعد خلافا بين المدافعين والمورّطين وأجلت البتّ في القضية مرّات عديدة إلى أن حان وقت المكاشفة.تقول القضية أن النطاف يعتبر نفسه همزة الوصل بين حاضر الإنسان ومستقبله ويعتقد أنه الحجر الأساس في تواصل الحياة، فهو حمالة الموروث الجيني من مكان إلى آخر ولا غاية له سوى تعمير الأرض وإبقاء البشر عليها وهذا في اعتقاده واجب مقدس.أما في نظر  الخلايا الأخرى فهو حمالة أسرار إلى جسم غريب آخر يحتضنه ويؤويه ويمكنه من نفسه ثم يتولى  رعايته ويستحوذ على محتواه لأغراضه الشخصية فيخلق منه أجسادا مشابهة أو مختلفة ويدفعها إلى اقتسام الأرض معنا وأحيانا إلى محاربتنا...

كان علي أن أتدخل وأن أعترف بأن جوهر الأمر سوء تقدير أو سوء فهم أو تقصير مني، إذ لم أقنع أعضاء المجلس منذ البداية بأن العملية شرّ لا بد منه وبأن الخلية تناضل طوال فترة نموها وتتعب كثيرا وتصبر، وإن تكوين نطاف واحد يستغرق أياما وإن رحلته متعبة لا يقوى عليها غير المجبر الكاره:يعيش خمس مراحل تدوم قرابة السبعين يوما يستنجد خلالها بخلايا مرضعات، ويستهلك الكثير من المؤونة، ويمرُّ بمطبّات كثيرة ويقفز على عديد الأحجار ليتحاشى العثرات أو التمزّق،  ويتعب بالفعل إلى حد الإرهاق، لكنه يناضل ويكابر ويصبر على حاله، فهو لا يتراجع أبدا ولا يشتكي من أي شيء، بل يعتبر رحلته شيقة لا شاقة.

أما الوشاة فلا يعجبهم العجب، فهم يؤكدون على أن الخليّة ابتلعت أطعمة كثيرة طيلة السّبعين يوما التي استغرقتها رحلتها منذ بروزها إلى ساعة مغادرتها وكان بالإمكان إجبارها على الاقتصاد والتقشف في زمن الفقر أو البحث لها عن كبسولات غذائية لأن النّطاف يستهلك الغذاء بنهم غريب فكأنه من القوم الذين يقولون:إذا أكلنا فلا نشبع؛هو سريع الجوع  من جراء نشاطه الذي لا يتوقف وهو مجبر دوما على استقدام حبيبات خيطية من بعض الخلايا حتى تتوفر له الطاقة اللازمة للنمو والنضج.

ظلت الأمور تسير على هذه الوتيرة خلية تنمو وتنوء بمخزون وراثي وخلايا مرضعات يساعدنها على عملها عن طيب خاطر ودونما حسد، نضجت الخليّة وحان موعد خروجها إلى مهد مضيف في جسد ليلى.

19 – هل انتهى الدرس يا ليلى ؟ 

لم تمر ليلى في غفلة من الجميع، فهي تمشي في الشارع عارية إلا من لباسها العادي، وهي تسكن عقول الناس ومخيلاتهم في كل الأوطان العربية وتتنقل من ذاكرة إلى أخرى ومن لسان إلى آخر، تعرفها أغلب  خلايا الجسم إلا النطاف رغم أنه المتهم الوحيد بها، فهو يشعر باقترابها ولا يراها وينتفض شوقا إليها ولا يلمسها ويحس ببهجتها ولا يحضنها؛ وليلى هذه امرأة جميلة في وقفتها وفي مشيتها وفي نظرتها وفي ابتسامتها، أما  لباسها الذي تختاره بحسب المناخ فيفتح الخيال على جسد هائج.

مرت ليلى فاستفزت الوطن كله.لم تترك فيه خلية إلا ودغدغتها ولا قبيلة إلا وشقّتها ولا عضوا إلا وحرّكت فيه مشاعر غير عادية، وصف القلب مشيتها فقال: مرّت فدمرت واهتزت فاستفزت وشغلت فأشعلت ومالت فأمالت وأنا الشاهد الشهوان.وأضاف يحكي: ارتعشت العينان وركزتا النظر وأرسلتا صورة كاملة لهذا الجسد المتمايل في مشيته من شدة الرغبة،رغبة لم يفصح بعد عن طبيعتها ولكنها بادية للعينين؛ انتقلت الصورة إلى رئيس الوزراء القابع فوق المضيق ثم بسرعة عجيبة إلى الديوان الملكي حيث أيقظت الذاكرة وأوقدت الخيال، فظهرت ليلى نصف عارية ودفعت بالخيال إلى تصوير النصف الثاني ليكتمل المشهد الشّبقي، فاكتملت لوحة العشق والجنس وأشياء أخرى؛ مشت ليلى ببطء وراحت تنزع قطعة من ملابسها في كل خطوة،ألقت بمحرمتها على الأرض في حركة استفزازية أتبعتها بإلقاء الجلباب وتركته يتكوّم بين ساقيها وتحت قدميها ثم شرعت في فتح قميصها زرّا بعد زرّ متعمّدة البطء لإطالة التشويق ولتترك للخيال متعة الخلق والانتظار ولهفة الاستعداد؛عندما أكملت فتح كل الأزرار رمت القميص على كتفيها ثم جذبته وكوّمته وألقت به في الفضاء فطار ولم ينزل أبدا. فتحت الصّدرية بطريقة فنّية رشيقة وتركت نصف الملابس الداخلية لينتزعها الخيال.ومشت آخر الخطوات وهي تدقّ على أعصاب سامعيها إلى أن التصق الجسدان العاريان ...صار القلب يدق بسرعة وتسابقت الأنفاس وتشابكت بين شهيق وزفير، أما العينان فقد أسدلتا ستار الرموش وأفرغت الذاكرة ما فيها...في تلك اللحظة وعندما توسدت الشفاه بعضها فقد الجسم الوطن ذاكرته وصارت أعضاؤه تتحرك وتخبط بصفة عشوائية، تشارك في كل شيء ولا تتوقف،لا أحد يستطيع أن يوقف هذه الفوضى، حتى أنا لم أدر ما أصابني لكأن الأمر لا يعنيني وكأنني لا أملك شعور الآخرين ولا حتى لذة الانتظار. خرجت عن الوعي وذابت الأفكار...كانت الرغبة تنهض والنشوة تدب دبيبا رهيفا من كل ركن، وشعر الجسم بأنه محمول خارج نفسه يركب غيمة من سراب وضباب. لا شيء يمكن لمسه أو القبض عليه أبدا،ومن حسن الحظّ أن ذلك الشّعور لم ينسكب على الأنفاس والقلب وإلا سقط الجميع في هوة سحيقة بدون رجعة.إحساس غريب انتاب الجسم فارتعدت له المفاصل وطقطقت له العظام وشُدّت العضلات وجحظت العينان وسارع الوجه إلى التخلي عن صفرته واستبدلها بحمرة مائلة نحو الزرقة.حتى الألوان تداخلت وتملّكها الضّباب وأصابتها البهتة. صعد الجميع منشدين إلى بعضهم على سلم اللذة فزادهم السلم متعة وهو يترنح بهم في الفضاء؛فجأة انقشع الغيم، فاندفع المتهم في اتجاه التهمة. وبقيت الخلايا تتصايح خلفه وتتزاحم كالخرفان من حول نبع الماء إلى أن غاب عن الأنظار وأيقنت خلايا النطفة المتخلفات عن السعي أن النطاف  فاز بالسباق ولا أحد يمكنه اللحاق به ولا حتى الركض في نفس المضمار الذي سلكه أيقن الجميع انتهاء السباق عندما لاحظوا نصف ذيل النطاف يخفق على صفحة البويضة كأنه علم على خط الوصول. استلقى الجسد منهوكا لا يقوى على العودة إلى نفسه وطار الوعي ووضع الجسد على غيمة طائرة كجثة يحملها النّعش. ظلت الغيمة تنتظر طلوع الشمس لتسقط ما فوقها حيا على الأرض،وعندما عادت الروح إلى صاحبها واستعاد الجسم رشده، بان الوجه محمرا يغطيه عرق بارد وتهادت الأنفاس كأنها تخرج مرهقة من عمق الرئتين.

ببطء وبعد وقت قصير، تبخرت الغيمة وعاد الوعي بأن الأرض واقفة من تحت الجسد الطّريح. عادت الكلمات إلى اللّسان وعاد التّفكير في المستقبل وعاد النّدم والإحساس بالذنب...ذنب بسيط لا محالة ولكنه ذنب مشروع ومقنن ومحبوب.لا شيء يوحي بأن ما وقع هو جريمة. لا شيء يستحق اللوم... العناصر هي العناصر أدت خدمتها كما كتبت في لوح الرّوح وكلٌّ مشى نحو مصيره دون حاجة إلى تدبير أو إملاء...كل ما في الأمر أن ليلى مرت من أمام الجسم العربي فأربكته كما كانت تفعل دائما، وقد تَسقُط عروش خلفها وهي لا تسقط فقد أصبحت جزءا من المخيال والتّهم توزع جزافا...

القلب متهم بالميل إلى ليلى.

القلب أساس الدّاء و رأس البلية.

هل القلب قادر على إلقاء الوطن في كفّ امرأة واحدة؟

هل يكفي  ليلى أن تستحوذ على قلب واحد حتى تفوز بكامل البلاد؟

إنها الفوضى إذن:قلب عاشق يقضي على أمة كاملة. ما أتفه هذا العالم!ما أغبى هذا القلب إذا جردناه من حصانته النيابية!

القلب لا يستحق أن يخسر حصانته وسيبقى أحد نبلاء المجلس.وسأقوم أنا النيرون بالنظر بحكمة في التهم الموجهة إلى القلب قبل أن تنعقد المحاكم ويكثر القيل والقال وتنتشر المطالبة برفع الحصانة وقبل أن تشرئب الأعناق وتلتف حولها الإشاعات  تِلفها ثم تبتلعها ثم تعيد بعثها ثم تعيد ابتلاعها.أخذت بعض اللحظات للتفكير بروية في المسألة ودرستها من كل جوانبها وتخيلت نفسي إنسانا متكاملا جاهزا لممارسة الحب...وكدت أن أتسرع في الحكم على القلب وعلى نائب العقل في مجلس النبلاء فأتهمهما بالتقاعس وبعدم العمل على تصلّب  الصّمّامات في المدفع لينخفض تدفق الزاد إليه ويرتخي  فلا يستطيع أن ينتصب انتصابا كافيا للقذف، ولكنني تفطنت سريعا إلى أن النائبين أحسنا صنيعا عندما تركا الأمور تسير كما برمج لها وإلا تصلبت جميع الصمامات وتكسرت واختلط الحابل بالنابل والعاقل بالجاهل وهلك القلب نتيجة لانتكاس المدفع.أليس القلب حاملا لصماماته أيضا؟

و أصدرتُ أمرا بأن يبعد القلب عن الشّبهات وأن يحوز مقابل خدماته على تقدير الوطن الجسم، وأما ليلى، التي نتركها إلى الذاكرة لتؤرخها فهي جزء منا وهي فقرة من كتابنا وليست مسألة اعتيادية كما يعتقد البعض وليست مجرد إشارة أو إثارة عابرة. وإن مصير البشرية كاملة يمر من تلك الخلية التي لا تراها العين المجردة فلا يحق لأحد أن يسارع باتهامها بالخيانة.

كيف يجرؤ عاقل واحد على أن يتّهم الصّاروخ وهو قد أصاب الهدف، وأدّى واجبه، وأوصل المعلومة، وتفضل فمنح  المشاركين والمتفرجين والذاكرين وكتبة التاريخ متعة ولذّة طارت بهم جميعا إلى حد الدهشة؟ألم يكن المسكين مثل جمل النواعير يظل يدور حول البئر ليخرج الماء فيسقي البشر والعشب والشجر ويكتفي بسماع خرير الماء وهو على خشب النّاعور؟

كيف نعيب على خلية القيام بواجبها المسطّر مسبقا؟

أنا لا أستحي عندما أقول أن ذلك الصّاروخ الذي لا يصل حجمه عشر عين الناموس قادر على حمل برنامج البشرية؛انه أكبر قيمة من المعالج الصغير الذي يحتاج إليه الحاسوب و تعتمد عليه العمليات المعقدة في عالم المعلوماتية إنه يمتاز عليه بالإحساس وهو أهم ما يميّز الحياة.

غريب أمر هذه الخلية البكماء تحمل من المعلومات ما لم تقدر عليه المكتبات والدواوين والإدارات، فهي التي كانت وراء انجاز الطائرة الحوامة ومخابر صنع الأقراص المغذية التي اخترعتها أمي؛وأغرب من ذلك  الهالة التي ترافق إطلاق النطاف...هودج زفاف أو حالة مخاض،وجع أو لذة،شهوة أو لعبة،رعشة أو ارتباك، انتصاب أو تصلب .المهم أن كثيرين يساهمون في خلق المناسبة وإنجاز العملية.فلماذا يحمل النطاف وحده وجع الفضيحة؟كان يحتاج إلى مصنع يعتني به ويربّيه ويرعاه إلى أن ينضج فأتحنا له ذلك وكان يحتاج إلى عربة إطلاق فجهّزناها له وكان يحتاج إلى قوّة للدّفع فمكَّنّاه منها وكان يحتاج إلى وتد يتكئ عليه فاستجاب له وانتصب بأمر من المركز وكان يحتاج إلى تشدد الصّمامات فاعترضتْ عودةَ الدّم إلى الوراء ليشتدّ الضغط وكان يحتاج أيضا إلى  كمية إضافية من الدم فلم يبخل بها القلب،  وإلى جرعات قويّة من الأكسيجين فوجد أيضا من يمدّه بها، كما لم تبخل  عليه مصانع الطاقة  فأمدته بما يحتاج،  فكيف نلومه إذن على فعلة ساهم فيها أعضاء كثر؟ ولماذا نجعل منه شماعة لأعمالنا الدنيئة وهي في الواقع ممتعة جدا مثل الحرام الممنوع؟

ألم يكن بإمكان العين أن تغضّ طرفها عن ليلى؟

ألم يكن جديرا بقنوات الاتصال أن تصون امرأة تمرّ في سبيل حالها بمشاعرها وأفكارها فلا تنقل صورتها وتفضحها؟

ألم تتعمّد الذّاكرة فتح ملفّ ليلى الشخصي وعرضه  على تاريخها مع الوطن؟

ألم أصدر الأوامر بنفسي إلى الذاكرة لتعدّ لليلى كلاما يجعلها تنساق إلينا باغية لا كارهة؟  

ألم يهتز الجهاز اللاإرادي بكامله احتفاء بجسد ليلى؟

ألم نشترك في إقامة الحفل و تسخينه؟

ألم أجهز أنا شخصيا مناخ اللقاء بين الجسدين؟

ألم أعدّ كامل اللوجستيك للعملية الجنسية؟

ألم أقف في النهاية وقفة تقييم استعدادا للنتائج المحتملة التي قد تنشأ خارج الجسد؟

لماذا يتهم القلب بالمساهمة في خلق متعة للآخرين رغم أنه لم يشاركهم فيها بصفة مباشرة؟

ألا تشبه ليلى تلك المرأة التي عاشت ليلة حمراء تحت أضواء زرقاء؟

العملية بسيطة جدا...شرط أن نحاول فهمها...نحاول بقدر من التفكير والعقلانية والهدوء...والصراحة...

لا حاجة لي في إعادة خرافة البيضة والدجاجة.

الحكاية تركب النطاف فيحملها من جيل إلى جيل.

أنا سيد الخلايا جميعا لا أخجل من احترام النّطاف. فلماذا لا تعترف البشرية بفضله عليها وبأنها رهن حياته وحراكه.

ماذا لو انقطع دابر النّطاف من الوجود؟ هل ستتواصل الحياة ؟قطعا لا.

أنا لا أرضى أن يهان عضو من مجلس النبلاء و لا أريد أن أتلاعب بهيبة الدولة خوفا من أن يتعمّم الاحتقار والإهمال وتفقد المملكة عظمتها. أنا سأعاقب الذين يسخرون من أعمال غيرهم أو يكذبون عليهم وسأسلط عليهم عنفا شديدا يوازي أفعالهم.  لا بد أن تكون دولتي مهابة تحتكر العنف لوحدها وتحسن التّصرف فيه وتفرّقه على العامة كما تفرق المؤونة والرّواتب كل حسب درجة جرمه وضعفه وحجم خوفه.المهم أن يحترمني الجميع اقتناعا أو خوفا أو طمعا. وهذا يدخل في مصلحة الدولة فالعائلة التي لا تكون فيها كلمة الأب سارية تصيبها الفوضى ويكثر فيها عدم الاحترام ويسود فيها تصرف الأطفال وأنا لا أريد أن أكون الحاكم الطفل أو الحاكم الكرتوني.أريد أن أكون صاحب قبضة حديدية ملفوفة في قفّاز من قطن. لا بدّ أن يمرّ كل الأعضاء على المساءلة حتى أتبين موطن الخيانة إن كانت هناك خيانة وعلي أن أكون سبّاقا إلى إعلاء الحق لا رجلا مخدوعا يعلم بخيانة زوجته في آخر أيام عمره...سأكون حاسما وحازما فأنا النيرون العظيم حاكم الوطن بأكمله والمتحكّم في أنفاسه لا يموت إلا بموتي فإن لم يفعل فلأنني عشت.أنا النيرون الحاكم العادل  الملك المنصف السياسي الحكيم  المقرر المقدّر قبل أخذ القرار أحب توزيع التّهم بالعدل والقسطاس  تبيّن لي أن القلب بريء فقلبت الصفحة على جاره جالب الأكسيجين الذي يبدو انه تصرف كمن يخز من دون أن يظهر يديه أو كمن يشعل النار ويدعي الاختناق بالدخان. تلك عادة الكثيرين من سكان هذا الوطن الجسم: الفعل بلا قول و القول بلا فعل.

كنت على وشك الفصل بين الحقّ والباطل عندما تقدّمت بعض الخلايا ورغبت في تقديم شهادة ضدّ مركز التّصفية  في الجسم باعتباره أقرب الأعضاء إلى مصنع النّطاف ومنصّة إطلاقه وطلبت مني النظر في شأنه.انهالت التهم من كل جانب على رأس المركز ولم يتركوا له الوقت ليبين أي شيء أو ليدافع عن نفسه.وقالوا عنه انه المكلف بشفط الماء ومنع سيلانه خارج الجسم فيعيده ليبقى كل شيء به حيا وهو المسؤول عن تعديل الضغط النفسي والدموي خاصة. وهو المحافظ على أهم ّالتوازنات فما ضرّ لو عمل على اختلالها ولو لوقت قصير. وقت يكفي لأن تضيع المقادير الدقيقة جدا التي يحتاجها النطاف.كان باستطاعته قطع الخيط الرابط بين العربة وحشوها  إن كان فعلا يرغب في إفشال برنامج الصاروخ  ألم يكن المنتج الحصري للهرمونة الذكرية التي تقّرب بين الجنسين وتوقد فيهما الشهوة  فيستيقظان ويتهيآن للطوفان .

ألم يكن الحارس الذي يمرّ به الصاروخ محمولا على الماء الدافق إلى الخارج؟ فلماذا لا يقطع طريقه إن كان فعلا يرغب في تحمل مسؤولية البطلان وحده؟ و كان قادرا على ذلك.

أثرت المعطيات الجديدة والشهادات والأسئلة في مجريات الحكم وصارت التهمة عوامة كدم القتيل إذ يتوزع بين القبائل.

 

20 - التعويم و التهويم 

أفترض أنني إنسان متكامل منفرد بذاتي ولي خصوصياتي ومسؤول عن أفعالي أمام ضميري وأمام الآخرين،أفترض مرة ثانية أنني قدمت عملا إنسانيا  جيدا نفعت به أناسا آخرين تماما مثلما فعل نوبل عندما اخترع الديناميت لاستعماله في عدة أغراض تفيد البشر،وأفترض بعد هذا أنني وقعت ضحية أحد الذين قدمت لهم عملا طيبا فاستغل طيبتي وحسن نيتي واستعدادي للعطاء، واستثمر عملي للقيام بجريمة كنت أنا أول ضحاياها تماما مثلما استغل الإرهابيون اختراع ألفراد نوبل.هل أعتبر نفسي مشاركا في الجريمة بتوفير آلتها؟افترض مرة أخيرة أنني هيأت لك دابة للسفر إلى مكان ما وزودتك بما يلزم الرحلة ولكنك حدت عن الطريق الذي صورته لك فهِمْتَ في طريق آخر ونفد زادك وتعبت وأوشكت على الهلاك فهل يمكنك محاسبتي على ضياعك؟ طبعا لا.

طبعا لا فلماذا إذن لا يعترف مجلس النبلاء والآخرون أن من وفر الطاقة وضخ الأكسيجين للقلب بريء من اتهامهم ؟

المسكين شفط الهواء شفطا وحمله إلى الحويصلات الهوائية وساعدها على الضغط على الوعاء الشعري الدموي فانصب الأكسيجين صبا في الدورة الدموية، وتم ما تم من تبادل حيوي في المنطقة العازلة بين العالمين  المائي والهوائي،وكم حاول جاهدا أن يعترض سبيل الإرهابيين المندسين في الهواء مع الأكسيجين، فأحضر لهم مستنقعا من بحيرات صغيرات حيث أغرقهم وتلاعب بهم و ترك للحلق والأنف قذفهم في المخاط.

يقول المسكين مدافعا عن نفسه انه مسخر لتوفير الطاقة لكل من يحتاجها وانه لا يرفض طلب أحد خوفا عليه من الفناء، وانه ساهم بالفعل في تصنيع النطاف دون أن يسأله عن طريقة التصنيع ولا عن طاقة الاستهلاك ولا حتى عن مصير الزائد عن الحاجة ولم يتثبت من برنامجه الذاتي، ولم يتحرّ في علاقات الخلية مع العالم الخارجي فضبط حدوده والتزم بخريطة الطريق المبرمجة في ذاكرته الشخصية منذ البداية دون تدخل في عمل الآخرين.

كم يحتاج هذا الصاروخ البشري من طاقة للانطلاق؟ لا شيء مقارنة بما يمكنه حمله من برامج ومعلومات ومخططات،إن مقارنة الطاقة التي تستعملها عربة إطلاق الماء الدافق بالمخزون الوراثي الضخم الذي تحمله قطرة واحدة منه هي بمثابة مقارنة حبة رمل  بالكوكب الأرضي. الناس كلهم بأشكالهم وبألوانهم وبطولهم وعرضهم محمولون داخل جزء غير مرئي بالعين المجردة من ذلك الماء الدافق...يحتاج ما يحتاج من أكسيجين.

 مصادر الطاقة مبثوثة في كامل أرجاء الوطن  وصار من العجز عدم استغلالها لتحلية الحياة المرة ولمد الظلال على رمال الصحراء، ولإخراج الماء من بطن الأرض واعتصاره من غيمات الصيف العابرة... نزرع البحر أو نبني فيه عمارات وملاعب للتنس ونفتح الطرق  في اتجاه المستحيل ... كل هذا جميل إن استطعنا انجازه بما نملك من مصادر طاقة ولا أحد يمنعنا من فعله ...نتمتع بالحياة وهذا من حقنا.

ويحدث أحيانا أن نبتلع الجرعة الزائدة فنسقط في اللاوعي وقد تفيض ألسنة اللّهب على كمية الحطب فتدور النّار على الرماد،ويحدث أن يحترق عضو بالزائد من الأكسيجين، يمكن أن تحدث مثل هذه الأضرار ولكن لا نستطيع أن نحدّد الفاعل فنضطر إلى عدم الخوض فيها وإلى اعتبارها شرا لا بد منه، ونكتفي بالتنبيه وإعادته في كل مرة .ليس من الضروري أن نكشف للناس من قام بجريمة إن كان هذا الكشف سيشعل حربا أهلية ولا فائدة في القبض على المجرم إن كنا لا نستطيع عقابه.

أما مركزية الطاقة فقد كان بإمكانها تعطيل انطلاق النّطاف ولكنها امتنعت وحسنا فعلت، وإلا اختنق الجميع وماتوا مثل الحيتان المسمومة.

في اعتقادي إن إطلاق النطاف كان ضروريا ليتواصل وجود الإنسان على الأرض ولتستمر الحياة وتزداد حلاوة وسهولة ولتتكاثر الاختراعات والانجازات فتنير الدرب أمام القادمين من بعدنا وتفتح أمامهم أبواب الفضاء وستائر الأرض.وإطلاق النطاف يبقى أهم بكثير من إطلاق الطائرة الحوامة.ولو... سيقال عنا أننا ربطنا وجودنا في ذيل صاروخ "حقير" لا يرى بالعين المجردة ...الحقيقة لا تحرج ولا تخيف.الحقيقة لا تقبل القسمة بين الخطأ والصّواب ولا بين الواقع والخيال. ثم ألا ينظر هؤلاء إلى أنفسهم كيف جاؤوا إلى هذه الحياة؟ ألم تكن ليلى مجرد موقدة للحريق؟ أم هي وتد لعاطفة تسكننا وتمنحنا فرصة المتعة.

البعض من سكان هذا الجسم يفكر في اتهام مصنع الغذاء نفسه ويدعي أن لولاه لما كبر النطاف ونضج وتحرك وانطلق وحمل من الجسم معلومات سرية أو خاصة ليهديها إلى جسم متقبل يحتضنه ويفرح به ويقيم له الأعراس.

وجدت نفسي مجبرا على التحري باعتباري الذكي المفكر النبيه المنبه الفقيه الموجه الساهر الباهر الأمير الكبير الحكيم، وجب علي التحلي بالحكمة والرصانة وعدم الإسراع في الحكم على مصنع المواد اللازمة التي احتاجها النطاف لينطلق خارج الوطن الجسم أما ما استهلكه داخل الحدود فلا يحق لأي كان أن يلومه، فالمصنع يوفر حاجيات الخلايا والأعضاء دون تمييز ويضحي من أجل الصالح العام. ولنفرض أن أياد خبيثة قررت شفط بعض من مكونات النطاف في مرحلة تكوينه فلا يؤثر ذلك  كثيرا نظرا لعدد هذه المكونات الذي يفوق الثلاثين عنصرا كلها تقريبا بنفس درجة الأهمية وقد تتناوب في العمل فيصبح غياب بعض منها بلا أهمية.

أبقى أنا الشاهد الوحيد على جدوى المصنع ومنافعه المتعددة.أراه  يمتص ويجمع ثم يعصر ويدفع، يعطي بدون أن ينتظر شكرا ولا مقابلا ويساهم بكل طيبة في هضم المبلوعات المختلفة وتنظيف المجال منها ويساعد في التخلص من النفايات السامة. ورغم نزاهته وتفانيه فان بعض المناوئين والمناورين يدعون أن المصنع كان بإمكانه إما تعطيل نضج النطاف، وبالتالي يصبح كالمدفع المنكوس غير قادر عن  الحركة، أو الامتناع عن  تنقية الجسم فيرتخي مدفع النطاف ولا يجد الوعي الكافي لانتصابه فوق العربة .

وكان يمكن أن يرفض المصنع تعديل الهرمونات أو أن يشوش على مراحل نضجها فيختل نظام تطورها  وترتبك حركات الصاروخ فيعرج في مشيته ويفقد قدرته على الركض نحو الهدف ويضيع بوصلته واتجاهه فيغرق في الحوض المضيِّفِ وقد يرتكب في أحسن الأحوال عادة سرية فيقضي نحبه بنيران صديقة.

في الحقيقة أنا أول من يعلم بكل ما يحدث في الوطن، ولكنني لا أستطيع دائما التدخل مسبقا ولا حتى بعد فوات الأوان، فالجهاز اللاإرادي لا تطوله يدي مثلا وهذا أمر يقلقني فعلا، وقد ازداد الجهاز تعنتا عندما حصل على استقلاله بدون عناء ولا تضحيات وإنما بحكم الديمقراطية الموروثة داخل المملكة وبرعاية من حقوق الإنسان، وبتوصية من  قانون  الضمير العالمي وبقرارات من  المنظمات العالمية الأخرى ذات الصلة، التي كانت في القديم توضع في الإله الذي يصنعه الإنسان ليعبده ويحتكم إليه.  ولا شيء يؤكد لي أن هذا الجهاز غير تابع لإحدى الجهات الامبريالية فهو يفضح أسرارنا كلما استيقظ طمعه في امتلاك شيء ما وهو يتعمد إرسال معلومات خاطئة إلى مجلس الوزراء وإلى ديواني الملكي الخاص وذلك قصد التشويش علي وتلهيتي بعمل ما، فأضر به نفسي.أعترف أن ألدّ خصومي على الحكم هم إخوتي ولكن لا يليق أن أبوح بهذا السّرّ فنبقى كأننا نخون الله بالتسبيح ليلا نهارا.

مسألة معقدة نسبيا و ربما أرادت تلك اليد الخفية أن تترك لكل منا مساحة يتحرك فيها، وألا تضع كل بيضها في سلة الجهاز العصبي الإرادي أو الآخر فقسمت الأدوار وجعلتها متكاملة حتى تفتح لنا بابا للتحاور وفضاء للالتقاء، وتشجعنا على حكم الشورى  وهذا لا يرضيني طبعا مادمت أسعى لأن أحتكر ملكة التفكير وهي رأس القيادة ومنبع الحكمة،  فإن بدا أحد خارجا عن سلطتي أو تمرّد علي، فإنني أتظاهر بقبول  ذلك.أنا ديمقراطي اختياريا واضطراريا وهذه في نظري أحلى الديمقراطيات لأنها تبنى على الترغيب والترهيب وتفضي إلى قبول الآخر إما احتراما له أو خوفا منه.أنا أحترم وأقدر عمل أعضاء مجلس النبلاء جميعا وقد سعيت إلى تبرئة ساحتهم وتنقية وجوهم من كل شك أو تهمة  كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.بيضتهم جميعا حتى العضو المكلف بتنظيف الجسم وقد اتهموه بالتواطؤ مع عربة القذف.

 

21 - من يعشق الحرب لا يرضى الموت خارجها

 

أنا فوق هذه الربوة محاط بجمجمة كأنها قبة حديدية تحمي مملكتي، أنظر من خلال فتحة صغيرة إلى ما تحت أبراج المراقبة الموجودة في أعلى العنق لتفصلني عن أنظار العامة. وكنت وفقت في اختيار خلية عوامة مثل الطائرة التي اخترعها أبي،هي خلية لا تكف عن الدوران في الجسم، تدخل كل الزوايا وتقتحم العظام، تنطلق من القلب وتسرع إلى صاحب الطاقة فتغرف منه  ما تتحمل من أكسيجين، وتنساب في ثنايا الشرايين وتمر عبر المنعرجات والمنخفضات والمنعطفات، وتطلع نحو العرش، فتدور من حوله وتدلف إلى زواياه ومجالسه، وهي لا تنفك تجود على الجميع بالأكسيجين، إلى أن تنتهي من إفراغ جعبتها، عند ذلك تسعى بسرعة  عبر الأوردة في اتجاه القلب ثم الرئة لتتزود من جديد.وحين علمت بأن عمر الخلايا الحوامة لا يزيد عن أربعة أشهر، وأن واحدا في المائة منها يغادرني كل يوم نحو المقبرة، وضعت إستراتيجية احتياطية مهمة وعملت على أن يتكاثر عدد هذه الخلية الحوامة بطريقة مزدوجة وبأقل التكاليف، فأوصيتها بالتوالد المستمر في الليل والنهار وفي كل الفصول، حتى أصبحت تعد بالمليارات، ورغم هذا العدد المهول منها فلم أعيّن منها قياديين ولا مسؤولين، خوفا من أن يفكروا في استغلال كثرتهم للقيام بانقلاب ضد العرش، أو أن يطالبوني بتمثيلية نسبية في كل المجالس والدواوين فاكتفيت بوعدهم بالعدل وبالديمقراطية في التعامل مع الجميع،  وأمرت باحترام الخلايا الحوامة ووشحت أكتافها وصدورها بنياشين الوطنية، ومكنتها من إمكانية شحن كبيرة من الحديد منحتها تلك الحمرة القانية، وأطلقت عليها اسم الكويرة الحمراء ووزعتها هنا وهناك حتى صارت أول من  يملأ الجرح كلما أصيب الجسم في أي موضع، وطمأنتها بأنها ستشكّل وحدها ومدى الحياة  جيش الإمداد فلن أحشر أيا من الخلايا الأخرى ضمن هذا الفيلق.

المسكينة صبورة وقنوعة جدا فهي لا تستهلك غير كمية قليلة جدا من السكريات، وهي لا تمتلك حبيبات خيطية تتولى استهلاك الطاقة، وهي صديقة الجميع لا تعرف الحسد ولا توشي بأحد ولا تطمح لغير ما هي عليه، وهذه الصفات قلما نجدها في خلايا أخرى. فليس غريبا أن يحبها الوطن الجسم بأكمله ولهذا السبب بالذات لم أسمح لها بالدخول إلى مجالس السياسة ولا حتى بالترشح لأي منصب.

المنافس الصادق يخيفني إذا ما ترشح.

أحببت تلك الخلية الحوامة حبا صافيا لتواضعها وبساطتها، وفضلتها على كثير فتركتها تعطي لكامل الجسم هويته الدموية، ومنحتها دورا أساسيا في التعبير عن الأحاسيس العامة التي تعتري البدن، فكلما أصيب بخوف مفاجئ (فجيعة كما تقول الجدة) تركَت الأطراف والجلد وهربَت إلى القلب فاصفرّ من خلفها الوجه وبدا الرعب واضحا، وأما إذا اعترى الجسم خجل أو فرحة أو قدَّم جُهدا إضافيا، فإنها تطلع إلى الوجه لترسم عليه سمات الانشراح؛فأخفيت في البداية قصة التكوين وتركت الكويرات الحمر تنمو بسرية تامة، وقبل أن تتم  نموها أمرتها بالتخلي عن القلب، عارضتني في البداية متعللة بأن حياتها بلا قلب مستحيلة، وبأن جميع الأطروحات وحتى الأساطير تقول بأن المركز أساس الحياة، وبأن كل كائن على الأرض مهما كانت قيمته ومهما تضاءل حجمه لا يستطيع الحياة بلا قلب،لكنني اجتهدت وصارعت المستحيل. كنت في الأول كمن يجتهد لحلب الثور  أو كمن يحرك عضوا لشخص ميت.لا أحد كان يتصور أنني سأقدم على جعل خليتي الحمراء تحيى وتقوم بوظائفها وتساعد الآخرين على الحياة بهذه السهولة...و بدون قلب... لا أحد.... في الحقيقة لا أحد يعلم بأنني أعول في مثل هذه المسائل على الجهاز اللاإرادي: كيف يتحرك ذيل السّحلية بعد أن نقتلها؟ كيف؟  فلماذا لا يصدق أحد أن الخلية الحوامة تعيش بلا قلب؟

و لماذا يصدق العديد أن أميبا شارل دروين ظهرت على تلك الحالة؟ نعم هي كذلك، ولقد تعمدت إبقاء الكويرة بلا قلب لأظهر للجميع أن لا داعي لاحتقار الصغار، ولأبين لهم أن الحواشي أهم أحيانا من المركز وأنه بإمكانهم العمل من أجل مصلحة الوطن الجسم دون الرجوع إلى أوامري...

تلك هي المسالة،أهم جندي في العسكر يعمل بلا قلب وبلا أمر، أو انه تلقاه باكرا في صباه يحفظه جيدا فلا ينساه رغم عمره القصير. على أية حال انتشر الخبر بسرعة  عند القطيع، فصدقوا أنني قادر على حلب الثور و أنني مطوع الأساطير وأنني أبدع في كل شيء وخاصة في الأشياء الصغيرة والدقيقة جدا.

اطمأن بالي وارتحت وأحسست بالاطمئنان على صيرورة عرشي وعلى تواصله، ولكن هذه الراحة لم تدم طويلا، فكلما عدت إلى الذاكرة أو راجعت قصص التاريخ أو قرأت أساطير الأولين خامرني الشك وأصبحت أكثر قلقا وتفكيرا في المستقبل.ماذا لو زحف الهُمّل على أطراف  الشعب؟ ماذا لو استفاق القطيع على احتجاج عشوائي أو وقفة تأمل عفوية أو إعلان عصيان يقوده إلى الارتماء في كف الغريب الزاحف دوما نحونا؟ ماذا لو سرى داء الخيانة في البسطاء من القوم ثم أصاب البقية، ولم يبق لي غير الخلايا الحوامة أو مجلس النبلاء؟ أعضاء مجلس النبلاء والوزراء ورئيسهم لا يعرفون فنون الحرب ولا حتى كيف يدافعون عن بلادهم.منذ زمن أصبح الناس يسمونني الأمير وفي ذلك تضمين لمهمتي القتالية الدفاعية خاصة،فلماذا أصابني النسيان وغفلت عن هذه الأشياء؟

لقد حصنت دفاعاتي وركزتها حول العرش فماذا لو تعرت بقية الجسم إلى ريح الغزاة؟

كيف لم أنتبه إلى ضرورة الدفاع الشامل؟

من يتحمل مسؤولية صدّ المحتلين إن جاؤوا؟

هل سأبقى ملكا ؟و على من؟ إن عرّضت شعبي إلى الإبادة من طرف الأعداء؟

يبدو أن ملكة النسيان،إن استمرت، ستقودني إلى إضاعة البلد وانهياره في أول امتحان ضد الغزاة.علي إذن أن أنتبه إلى مسالة الحماية،العقل السليم في الجسم السليم، هذا ليس شعارا أتبجح به وأطلب تثبيته على الجدران المحيطة بالساحات وعلى ألواح الانتخابات، وإنما هو حقيقة ثابتة ينبغي العمل بها وتلقينها للشعب.

عيب أن أفكر في حماية عرشي فقط، فأجعل قلاع الحراسة على أبواب مداخله، عيب أن أجند طاقات كثيرة وإطارات عليا للقيام بحراستي الشخصية فقط، وعيب أن أنسى أمن البلاد بل خطأ فادح أرتكبه وغباوة كبيرة تجعلني أنسى أن لا أمن لي إلا بأمن الآخرين، ولا حياة لي إلا بحياتهم، ولهذا فأنا سأعيد ترتيب الأزقة وتشريك الغالبية في الدفاع المدني وطبعا لا بد من استنفار همة المتطوعين والشجعان وكل من نذر نفسه لحماية الوطن .

في الحقيقة لا يمكنني مواصلة الحكم بهذا الشكل:أقصي من أشاء وأعيّن من أشاء؛لابد للحاكم العادل أن يفكر في الرعية دون تمييز فلا يحتقر البسطاء ولا يغض الطرف عن العقلاء الذين لا يحرجون ملكهم بطلباتهم المتكررة،على الملك النزيه أن يقدر خجل هؤلاء وقناعتهم فلا يسقطهم من أنظاره ولا ينساهم من اهتماماته،أنا بصراحة سأخسر كل شيء إن واصلت في هذا النهج ألإقصائي فقد أجبر يوما ما على خوض انتخابات، عندها سوف لن ينتخبني أحدو وسأخسر كل شيء.  من يدري ...

خفت من اللعب بالنار فقصدت نائبي في مجلس النبلاء بالسؤال عن رأي الرعية فيّ،تلكّأ في البداية ولم يجب،هددته بتجميد عضويته  فلمّح،وهممت بسحب الثقة منه فوضح وقال إن الأطراف الأربعة أصابها الاحباط،شعرت بأنها مهمّشة ومهملة وأنها تتهمني بأنني جعلت منها  عجلة خامسة، في حين أنها العجلة الدافعة للجسم، فهي التي تنقله من هنا إلى هناك وهي التي يُعبِّر من خلالها على فرحه فترقص الرجلان وتهتز معهما الذراعان كلما أسعده حادث،ولولا الأطراف الأربعة لبقي الإنسان حيوانا زاحفا مثل الثعابين، ولولا الساقين لما تمكن من ملاحقة فريسته وصيدها بالانقضاض عليها وشدها بيديه القويتين، ولولا القائمتين لما بدا الإنسان رشيقا جميلا،ولما تعلم الرقص والسير والهروب من الخطر.

ماذا لو تخلت الأطراف عن الجسم وعاملته بالمثل فأهملته؟

ــ سيصبح تمثالا باردا وسيبقى جامدا في مكانه مثل كومة من اللحم، تتكدّس تحتها أوساخها إلى أن تتعفن وتتوزع رائحتها الكريهة فتنفر منها الحيوانات.

كيف يتخيل الإنسان نفسه بلا أصابع في اليدين؟

ــ سيرى نفسه كالأعمى يتحسس طريقه بعصاه الغليظة لاعنا حجر الطريق وأشواكه وأطفال الشوارع.

أوف... إنه الجنون ينسيني نصف حياتي،يعتبرني الناس رأس الحكمة وعقدة العقل، فهل أستأهل هذه الخصال؟وكيف أرى نفسي غبيا إلى هذا الحد؟

أنسى أن الرِّجْلين مطيتي إلى رزقي المتناثر هنا وهناك على سطح الأرض وفوق الأشجار:أركض بهما لأسابق الريح وأصطاد الطير والزواحف وذوات الأربع من الحيوانات، وأقف عليهما ليمتدّ شموخي في اتجاه السماء ناظرا إلى ما وراء الشمس،وأقفز عليهما لأجتاز الحواجز التي ترميها الطبيعة في طريقي.

أنسى أن الذراعين أجمعُ بهما الرزق وأتناول بهما الغذاء وأجلب بهما الماء، وأتسلق الأشجار لأجني ثمارها وأجعل منهما حضنا يلف ليلى.

وجدت نفسي مضطرا إلى أن أتدبر الأمر، فعملت على  الاعتناء بأطرافي وحرصت على ألا أهمل دورها في حياتي إذ بها يكتمل الجسم الوطن ويستوي ...

و سوف أبحث فيما بعد عن سؤال خطر ببالي: لماذا ينحني الجسم إلى الأمام كلما تقدم في السّن فيبدو كأنه يتهاوى أو يحاول السجود؟

لماذا لا يموت واقفا كالنخل؟

 

22 - الحرب البيضاء

 

اجتمعتُ ببعض الخلايا الولادة وطلبت منها إحضار مخطط طويل المدى، يأخذ بعين الاعتبار الخلايا التي تموت يوميا وتعوّض آليا دون حاجة إلى جنازة ولا إلى سعي إلى سدّ الشّغور الحاصل، فالتعويض والإنابة ليسا من مشمولات الخلايا، فالعملية تسير بصفة آلية ويتم تعويض المفقودين طبقا للبرنامج المسطر سابقا و المودع في قلب كل خلية،غير أن بعض البرامج تفتقر إلى عدة أشياء ومنها الوسائل الدفاعية التي يجب تجهيزها قبل أن يتعرض الجسم إلى هجوم خارجي،هذا الأمر أرّقني وأتعبني بصدق فأصدرت أمرا بتنفيذ بعض العمليات الاستباقية: تبحث الخلية عن العدو فتمشي إليه وتقضي عليه في عقر داره قبل أن يتهيأ للهجوم وقبل أن يبادر بمحاربتنا، هي طريقة جديدة أصبح يعتمدها كل الغزاة وقد سموها حرية المبادرة وبعض آخر سماها حركة الذئاب المنفردة، ورأيت من الصالح أن يبلغ إلى ذهن الأعداء إنني قادر على الرّد على أحدث طرقهم في الحرب دون أن أمكنهم من معرفة أساليبي الحربية المبتكرة وهذا شرط من شروط كسب الحروب،ثم أقنعت نفسي بالاطمئنان على قوتي وتفوقي على الآخرين جميعا، فالكبرياء والتعالي في مثل هذه المواقف سلاح من أسلحة ربح الحرب، وأنا سيد الآخرين جميعا وأقواهم وآمرهم والشديد فيهم،يهابني العدو ويبحث عني ليحاول اغتيالي  فقتْل رئيس القطيع يخيف البقية وهذه أمْنِية لن تتحقق له فٍرأس القطيع  في مكان حصين وله كلاب كثيرة تحرسه وهي مستعدة لأن تعض بعضها خوفا عليه وأن ترتمي في فوهات المدافع لاعتراض قذائفها الموجهة نحوه.

هكذا وجدت نفسي مرغما على إنشاء وزارة للدفاع تتولى حماية حدود الوطن، وسعيت إلى تحصين الداخل باختلاق طريقة جديدة في الحكم سمّيتها الحكم بالتوريط، وهي طريقة مستحدثة تتمثل في رصد المعارضين والمؤهلين لتشكيل المعارضة والذين لا يعجبهم عمل الآخرين، والمولعين بالبحث عن أخطاء غيرهم وقافلة "النّبارة" والمقللين من نجاحات غيرهم والمشككين في كل شيء يرونه، والمكذبين بأصدق الأقوال، والذين لا ينظرون إلى من يجيئهم بالشمس في يمينه وبالقمر في يساره. تعتمد  الطريقة على استدراجهم جميعا وترغيبهم في الحكم وتشريكهم فيه ولو بمسؤولية بسيطة، فإذا انضموا إلى السلطة قلمت أظافرهم، وألجمت ألسنتهم، ورميت إليهم الطعم في الصنارة فابتلعوها معه، وتورطوا في المشاركة في حكم كانوا يتهمونه بالفساد والفشل. وفضلت المشاركين أو المتورطين في الحكم عن أعضاء الحكومة الرسميين، فمنحتهم بعض الامتيازات المالية تحت مظلة التعويض عن نضالاتهم السابقة وعما لاقوه من تعب وتعذيب وكنت أعرف مسبقا أنهم سيأتون راكضين.

أمرت بجمع المناوئين و المناورين و الكذابين والمفترين وأصحاب الأصوات الجهورية والخطباء في المساجد والساحات، ودعوتهم إلى المساهمة في حماية الوطن. فسَّرت لهم طريقة العمل وبينت واجباتهم الدفاعية وشجعتهم على المشاركة في أخذ القرار، فألحوا علي بإصدار ما ينبغي من قوانين و أوامر ومراسيم ووعدوني بالالتزام بها وبتنفيذ ما أراه صالحا دون معارضة ولا حتى نقد أو نقاش، فأشهدت بعضا على بعض  وعدت إلى مجلس النبلاء أستشيره، فدعاني  بدوره إلى التعويل على الجهاز اللاإرادي فكانت المرحلة الأخيرة من وضع المشروع على الطاولة،كونت في البداية فصيلا ثم سرية قسمتها على ثلاث تخصصت الأولى في الإمداد وتخصصت الثانية في المقاتلة وأما الثالثة فجهزتها بأسلحة ثقيلة،ثم  كونت كتيبة من ألف مقاتل تقريبا وأمرتهم بالتزايد فأصبحوا ملايين وسرعان ما انتظم أول لواء في الجسم الوطن تلاه من الغد فيلق وأصبح بسرعة جيشا عرمرما من الخلايا، تكفلت كل فئة منه بمهمة معينة.وكانت المهمات صعبة في أغلب الأحيان، فطلبت من الخلايا العسكرية أن تتسلح بالوفاء للنفس وكنت أعلم مسبقا أن لا نفس لها خارج الوطن ففعلت وأخذت المسألة مأخذ الجد، إلى أن أصبحت مهمتها عقيدة تقوم عليها شخصيتها، وهو أمر لا يحدث إطلاقا عند سائر  الكائنات الأخرى فأصبحت الخلية/الجندي عبارة عن عقيدة حربية حية  وامتزجت المهمة بالشجاعة والحماس واشتعلت الخلايا حبا للحرب معتقدة أنها خلقت للصراع فان لم تشارك في معركة فقدت ماهيتها، وأخذها الشعور بالخزي كأنها ربحت حربا لم تشارك فيها.

ثم حانت ساعة الاختبار الحاسم، فأمرت الأعضاء والخلايا بالقيام بمناورة حقيقية حتى يتدرب الجميع تدريبا إفاديا يقوم على التجربة المباشرة، إذ أن تعلم الرماية على أسس صحيحة لا يكون إلا بالرصاص الحي، والتجربة الحقيقية في أي ميدان تؤدي فعلا إلى الاقتناع بنتيجتها حتى ولو كانت خيبة، بقطع النظر عن المجهودات التي بذلت من أجلها.

جميع النساء يعرفن أن آلام المخاض لا تضاهيها آلام أخرى، ولكنهن يعدن للتجربة من جديد بأكثر حماس ورغبة.

خيّل لي أن الكائنات المضرة في الطبيعة تعافني، أو تخافني، أو هي لا تريد أن تدخل معي في صراع وجودي.

هي أيضا لا تستفز من يفوقها قوة ولا تقترب منه ولا تُقْدم على حرب لا تضمن كسبها.

أما أنا فأحتاج إلى تحريك دفاعاتي وتدريبها على الأجسام المتحركة، وعلى الرماية بالرصاص الحي،  وعلى تقبل آلام المعارك .

أحتاج إلى من يدفعني إلى فنون الحرب...

أحتاج إلى عدو قوي وعنيد ...

أحتاج إلى عدو قادر على إيذائي إلى حد ما ... وغير قادر على هزيمتي...

لكن الكائنات التي كنت أعتقد أنها مضرة  أصبحت تتحاشاني وتهرب من مجال أنظاري، خوفا من أن يطالها غضبي و عقابي..

فكرت في استنهاض الجراثيم الأهلية التي تعيش داخل الجسم تتغذى من فتاته وتساعده أحيانا على  هضم بعض الأغذية، ولكنني خفت أن تتظاهر بالهزيمة خجلا من مضيفها أو خوفا على مصيرها فتوهمني بانتصار مزيف لا ينفع.

قررت القيام بمناورات عسكرية لأسمح لأعواني بالتدريب.

تدبرت الأمر وبعثت بإحدى الجراثيم المتواجدة في الطبيعة من حولي، وجعلت لها خدشا صغيرا في الجلد فتشبثت به وراحت تتكاثر بسرعة رهيبة وكنت، كلما لاحظت أن الدفاعات الموجودة على عين المكان شجعت نفسها وأوشكت على قتل الجرثومة،  حركت اظفري ونكأت الجرح لكي تستعيد الجرثومة رشاقتها، إلى أن مكنتها من كسب المعركة الجلدية الأولى وأوهمتها بالانتصار ثم تركتها تواجه قدرها مع وسائل الدفاع؛ وكان مقصدي واضحا وكانت المناورة ضرورية.

ما إن نكأت الجرح وسمحت للجرثومة بالارتماء على الخلايا المجاورة حتى تحركت الأعصاب الطرفية وتسلقت النبضات تضاريس النخاع الشوكي حاملة إليّ المعلومة كأنها مخبر متمرّس،لكن هذا التحرك لم يمنع الجرثومة من مواصلة حربها ضدّ الدفاعات المختلفة فوسّعت الجرح وأماتت فيه العديد من الخلايا فتغير لونه ومشت عميقا في اللحم الحي فانتفخ المكان وسخن واحمرّ وأصبحت كل اللّمسات تثير الألم، ومشت الحمى من الجمجمة في اتجاه الجرح.أمرت بالرفع في درجة الحرارة للسماح لوسائل الدفاع بالانتشار السريع عبر الأوردة الدموية واستجاب الجسم وتداعى من الوجع وأصابته الرعشة وبدا عليه المرض؛توالت التقارير في شكل برقيّات:

في ذلك المكان جرح لم يندمل ـ قف ـ

الأعداء  تكاثروا على بابه ـ قف ـ

صارت الضربات القوية متتالية ـ قف ـ

انتقل الألم من منطقة الجرح إلى الأعضاء المحيطة به ـ قف ـ

ننتظر التعليمات...انتهى الخبر.

أثناء الطريق لم تخل المعلومة من الزيادة والتعظيم، فكلما مرت بمنعطف وقع تضخيمها والنفخ في شأنها، وكلما شاهدها عصب زاد الزيت على النار، وكلما شعر عضو بخبر الألم الطالع نحو الأعلى انتفض واستنفر خلاياه؛وفي النهاية وصلتني المعلومة على إيقاع طبول الحرب؛ استدعيت في الحال أعضاء العرش الملكي، وبدأنا في تفكيك المعلومة/ ودرسنا دواعيها  والأخطار التي قد نتعرض إليها، إن أبطأنا في الرّد أو كان الرد غير مناسب،  فأجمع الحاضرون على أخذ المعركة بجدية كبيرة وقررنا ترك الجهاز اللاإرادي يتصرف حسب إرادته وبكل حرية، ثم قررنا أن نتولى نحن الدفاع عن المركز وتسجيل المعارك نقطة بنقطة وفتح باب الذاكرة على مصراعيه وإبقائه في حالة فتح دائم ليسمح بتكوين الخبرة وتثبيتها في الخزانة حتى لا تضيع التجربة،سارع النخاع الشوكي والغدة الصعترية بإنتاج عدد مهم من خلايا الدفاع وسرحاها في الجسم، فانقسمت إلى عديد الأصناف حسب نوعية الدفاع .تكفلت بعضها بمهمة الدفاع الفطري فطلبت من خلايا اللوجستيك كمية إضافية من الدم  وأخذت أخرى على عاتقها مهمة المباغتة في القتل:كانت تهجم على الجرثومة من كل الجوانب فتمطط غشاءها لتحيط بها ثم تبتلعها كما يبتلع الثعبان عصفورا اصغر من فمه .واختارت خلايا أخرى أن تراقب الجراثيم وتحاصرها ثم تتوهها  وتبعدها عن ميدان المعركة وتتركها أسيرة عندها بلا سلاح؛ وقد تأخذ منها أسرارا هامة تساعدها على صناعة السلاح الملائم لانتهاكات مستقبلية مشابهة.

وإذا تعبت الخلايا أو أوشكت على الهزيمة تغير أسلوب الحرب، فتأتي المتخصصات في إفراز السموم القاتلة للأجسام الدخيلة و تقضي على الأعداء.

كنت أراقب هذه المناورات بعين الرضا،وكنا جميعا منشغلين بالحركة حول الجرح المنكوء وبصناعة المضادات لهذه الجرثومة، وكانت المعلومات لا تنفك تأتينا من أمكنة أخرى تعلمنا بحدوث إصابات متفرقة؛ لم نتبيّن المسألة من البداية لأننا لم نتصل بإعلام عن وجود ألم وإنما انتابنا قلق استوطن الداخل وبدأ يسري رويدا رويدا داخل الأمعاء، لم أنتظر أن يدلّني أحد عما يجري.فهمت بسرعة إن تلك الجراثيم الأهلية التي تعيش دائما داخل الأمعاء اغتنمت فرصة الضعف الذي أصبحنا عليه من جراء الحرب وانشغالنا بمحاربة الأجسام الدخيلة، فتكاثرت وكشرت عن أنيابها وانقلبت على ضيفها الذي تحملها وأطعمها منذ نشأتها فانقلبت عليه، وكبرت، كما ينمو ويكبر الجنين في بطن أمه، وتشكلت منها مجموعات مقاتلة ظلت تترصد أول هجوم على الجسم لتكون الخلايا النائمة والحاضنة للأعداء المتوافدين على الجسم. تقول الإشاعة الواردة من وراء الجلد أن سيناريو مشابها وقع منذ مدة في بلاد مجاورة وأن المجموعات النائمة كانت في الأصل  تنتمي إلى جيش البلد قبل أن يغزُوَه المحتلّ و يشنق نيرونه، عندها هربت هذه المجموعات وشكلت عصابات متفرقة ظلت تتحين الفرصة للعودة إلى ساحة الحرب، فما إن كوّن الغزاة جيشا لا وطنيا ونصبوا على الشعب حكومة خاضعة وتابعة لهم حتى اختبأت تلك العصابات في انتظار غزاة آخرين لتحتضنهم وتساعدهم.أنا لا أصدق مثل هذه الإشاعات ولو أنها يمكن أن تحدث في كل حين وفي كل مكان ولكنني لم أكن طاغية حتى تتشكل حولي خيانات بهذا الحجم.يمكن أن تغضب عني فئة ما أو تعارضني في قرار فترفض تنفيذه ولكن أن يصل الأمر بها إلى حد تعريض الجسم إلى الهلاك فهذا شيء لن يحدث.

عندما أيقنت أن المناورة انتهت بنجاح، زدت إيمانا بأن التجارب في الحياة ضرورية، و بأن أخذ العبرة منها إنما ينير طريق الآتي.فما من أحد جرب وأخذ العبرة من نتائج تجربته إلا ونجح في تصور المجال الذي جربه ولم أكتف بنتيجة المناورة البيضاء التي جربتها على جسمي بل اعتنيت أيضا بتجارب غيري، بما أنني الوحيد في هذا الجسم الوطن القادر على قراءة وفهم تجارب الآخرين أما بقية القطيع فلا يمكنه إلا إيصال المعلومة إلي وانتظار تحليلها وأخذ القرار المناسب لردة الفعل.كنت أرى الحروب تدور من حولي وتتعدد أشكالها:حرب كيماوية وأخرى نووية وحرب اقتصادية وأخرى بيئية وحرب جرثومية، فرفعت من درجة الاستنفار وهيأت مراكز الاستعلامات والحواس في واجهة الجمجمة حتى أضمن وصول المعلومة بسرعة فائقة وحتى تسهل علي مراقبة الدخول إلى الوطن الجسم، فنقاط العبور متواجدة بطبعها في الناصية.غير أن لا أحد في هذا الكون يتحدث عن الحرب اللذيذة حتى وإن جربها مرارا.الحرب اللذيذة هي الحرب الجنسية،تقضي على أجيال وتخلق أجيالا أخرى تهد العروش وتصنع من المماليك دولا عظيمة... لا أحد يهتم بالحرب الجنسية لأن أسلحتها ليست في متناول من يريد ... هي تعتمد النطاف سلاحا فتاكا رغم صغر حجمه، والحرب الجنسية لا تؤدي إلى سيلان دم ولا إلى حرق حضارات، بل تدور في هالة من النشوة والفرحة والزهو وتنتج شعوبا حيّة... حرب لذيذة لذة جسد ليلى....

 

3 - اخترعت الاسم لأعيش في ظله 

كبر شأني بين الأمم وأصبح دوري واضحا وطبعت بصماتي كل وجوه الحضارة الإنسانية وأصبح العالم مدينا لي بالتفكير وحسن التدبير، وتهافتت علي المكتبات والمساجد، وكرر اسمي قارئ التاريخ حتى حفظه وأشاد بي من سعى في الأرض ومن شق الفضاء، وفهم الإنسان أنني طوعت الطبيعة وعاندتها.وكان من الطبيعي أن أثير حفيظة بعض الحساد فنمَتْ في نفوسهم الغيرة وكبر خوفهم من قدراتي، فأشاعوا في البداية كلاما غريبا يدعو إلى مقاطعة انجازاتي وحاولوا أن ينتقصوا من قيمتي، فرموني بالكفر وهو أسهل تهمة في عصرنا الحاضر، وإذ لم يصدقهم أحد أصابهم الجزع وذهلوا عندما عرفوا أنني بايعت اليد الخفية إلها واحدا أحبه. وفي الأخير لم يبق لهم سوى أن يتآمروا ضدي ويخططوا لتقليم أظافري ويسعوا للإطاحة بعرشي.

جابوا العالم من حولي بحثا عن نقاط ضعفي وعقدوا الجلسات ليشجعوا أنفسهم على مواجهتي ويستنفروا كبارهم وشبابهم للسعي إلى محاربتي، وكانوا يستنقصون من قوتي ويتهامسون ويمررون بعض الكلام.

ــ انه كعود الثقاب يشتعل مرة واحدة وبقوة ثم ينطفئ إلى الأبد.

ــ انه مثل ملكة الجمال تسقط في أول اختبار بعد حصولها على التاج.

ــ انه حفنة من رماد تذروها الريح في هبة واحدة.

اعتبرت كلامهم لا طعم له ولا رائحة، وتركتهم يلغون ويدعون أنفسهم لمواجهتي جماعة بعد أن أيقنوا أنني أقوى الخلايا و أكثرها حيلة و دهاء.

كانت هذه أكبر غلطاتي وكادت تذهب بحياتي فالذين يبادلونني الكره هم في الحقيقة نيرونات مثلي تربوا في وطن آخر وسعوا إلى الاستحواذ على عقول الناس البسطاء وشدهم من نقاط ضعفهم والسير بهم تحت مظلة العقيدة واستغلوا سذاجتهم وحسن نيتهم،  ولم يكفهم التلاعب بحياة الناس بل عمدوا إلى الولوج داخل كل النفوس حتى الخلايا البسيطة التي اقترب أجلها لينفخوا فيها كلاما غريبا.

لم أكن في الحقيقة قادرا على بسط أنظاري على كل خلايا الوطن الجسم، فبعضها لا يعيش إلا بعض ساعات ولا يستحق أن أوليه أهمية، وكنت اعتبرت في السابق أن التعويل على الخلايا قصيرة العمر مضيعة للوقت، وهاهي الأيام تثبت عكس دعواي وها هو عدوي يغتنم غلطتي  الكبرى ليفضحني ويشهر بي ويستغل هشاشة النفس عند الخلايا قصيرة العمر، فراح يؤكد لها أنني وراء موتها السريع، وأنني مجبول على القهر وقطع الرؤوس وأنني أريد أن أخلد وحدي في هذا الوطن

لم يحتمل العالم نجاحي، ولم يستسلم لذكائي فأعد خطة جديدة جند لها وسائل دقيقة وناجعة وبناها على الجوانب النفسية في الإنسان وبشر بالحروب العقائدية ثم نشر الفتنة بين الأعضاء فتطاحنت وفتكت ببعضها وفتحت في أنفسها فتحا مبينا وتقاتلت الخلايا وأكلت بعضها وتناثرت الجثث، ولم تتسع لها مقبرة الطحال فدفعت بالزائد منها إلى مجاري موحشة.لم يعرف الوطن الجسم مثل هذا التآكل وهذا الوهن إلا عندما نشب الصراع بين ذوي القربى؛ وعندما نجح الآخر في تهييج الإخوة وفي زرع الفتن بينهم  وإشعال نار الشك ...

لم أستطع أن أنجو من  هذه المؤامرة إلا بأعجوبة ... 

العدو الفيروسي يعرف من أين تؤكل الكتف ومن أين يطال عنقي،ركز على الخلايا الدفاعية في الوطن الجسم ودرسها بجدية ولم يهمل ذرة ولا غرزة منها إلا وفهم دورها وكيفية ردة فعلها، وهيأ نفسه للتغيير السريع،ونجح في الوصول إلى بعض الخلايا،  كان يندفع بشدة داخل الخلية فيتوالد ويتوالد ثم يتوالد حتى إذا كثر العدد ولم تعد الخلية تحتمله انفلقت وتمزقت قطعا صغيرة وأخرجت ما فيها:عددا مهولا من أشبال الفيروس ينصرفون بدورهم إلى خلايا أخرى يحتلونها ليتوالدوا فيها ويفلقوها، ويعود العداد إلى الاشتغال.وكلما صنعت أسلحة تغطي نبالهم التي يثقبون بها غشاء  الخلايا غيروا شكل النبال فلم تعد الأسلحة قادرة على تغطية النبال أو تحييدها،طبعا لم أستسلم فأعددت خططا جديدة تتماشى مع قدرة الأعداء على توظيف دهائهم لمحاربتي و نجحت.

كم أعجب لتشابه العالمين!عالم الذات وعالم الآخر،  وكم أعجب من التطاحن الداخلي والمملكة تتعرض إلى هجمات مسترسلة من أجسام غريبة.ولماذا يهاجمني نيرون مشابه؟ألم يتعلم من الحيوان كيف يواري سوءة أخيه وكيف يعطف عليه؟الحيوان لا يقتل أخاه بل يكتفي بمنازلته حول الفريسة.

كيف انقلبت الأمور وانساق النيرون إلى هذه الدرجة. كم أخجل من نفسي عندما أصارحها!

كبرت وبدأ الشيب ينبت من مزارعه فوق جمجمتي، أصبحت أشعر ببزوغه كل يوم من بين طيات جلدة الرأس، أشعر بدبيبه فيرفع الجهاز اللاإرادي يدي ويحك الشعر، إلى أن تتكسر الشعرة البيضاء وتسقط على الكف، تسارع العين بإرسال صورة للشعرة وهي ترتفع إلى الفضاء لتضيع هناك،كنت أصعد مع كل شعرة ...أصعد مغميا علي وسرعان ما ارتطم بصخرة الزمن فيعود لي وعيي وأقبل حالتي...

بعض الخلايا الشابة لاحظت تعبي فسخرت مني وسمعت ما يقال عني فزادت في احتقارها لي...

الملك يشيخ  بلا وقار.

الملك يهرم.

الملك يخرف بلا ذاكرة.

الملك هتره الكبر.

الملك يهلك.

و دار الحديث بين الجيران و الإخوة:

لماذا يعمر وحده في الوطن الجسم ؟

لماذا لا يمنحنا جزءا من سلطانه ؟

من حقنا أن نعيش مثله.

ألم يحن دورنا لنتولى الحكم؟

ليس من المعقول أن نقضي حياتنا أولياء عهد والعهد ينتهي بموتنا جميعا.

من حقنا أن نسعى إلى الخلود...أم إننا لا نفكر مثله.

ولو.....

إذا أردت أن تقتل عدوك فجند أخاه لقتله.

إذا شعرت بموتك يقترب فانتحر قبل أن يشمت فيك.

الغريب أنني وعيت بكل ما كان يدور من حولي من مؤامرات ومن دسائس، وكنت فاهما ومطلعا على مجريات الأحداث ومتابعا لمراحلها بل ومتوقعا أيضا نتائجها، ولكن فهمي كان كفهم العجائز اللائي يكتفين بالنظر وهن صامتات. الغريب أنني كنت واعيا بأن كل التحركات تهدف إلى إضعافي كنت مخدرا لا أقوى على الحراك، وأرى وأشهد عقوق الجراثيم الأهلية التي كانت تدعي الصبر والقناعة والطيبة والاعتراف بالجميل  وصارت تنتظر موت الجسم  لتعمر أحشاءه و تنهشه.

خلايا الجسم الوطن وأعضاؤه ومجلس النبلاء يشهدون ما يدور حولي من أجل الإطاحة بي،يشهدون ويبسطون أنفسهم مطية لمن أراد الوصول إلى قمة العرش فارشين له البساط الأحمر من الشرايين، وناصبين له سلالم الطلوع من بقايا الأعصاب المنتشرة هنا وهناك.صدقوا الفيروسات عندما أوهموهم بأنهم قادرون على اختطاف السلطة مني، وقالوا لهم إن مفاتيح أبواب الخلود في كفّي وإن قارب النجاة في مرساتي.أغبياء...أنا أعرف أن القطيع الذي يمشي خلفي غبي وإلا كيف يضع كفه في كف العدو الذي يهاجمنا معا،تلك عقلية القطيع إذا صاح الأول تبعه الآخرون وإذا صدّق الأول صدّقوا ما يسمعون.

كأنما الأمر لا يعنيهم.

لم يتعلّموا دروس الماضي ولم يأخذوا العبرة من الخيانات التي وقعت في بعض الدول الشقيقة فأوقعتها في الوحل الواحدة بعد الأخرى...

التظاهر بالأخوة والمحبة أصبح سمة التعايش والعملة الأكثر تداولا في هذا العصر.

الضرب في الظهر والإضرار بالشقيق قبل الصديق وبالصديق قبل العدو أصبحا شرطا أساسيا لتأمين الحكم وتحصينه من همزات الداخل و الخارج...

لكل حادثة فتوى ولكل بيعة أيد ولكل صوت حناجر،اختلط الحابل بالنابل والعدو بالصديق والكافر بالمؤمن والجاهل بالعالم.

هو أمر واحد: إما أن تكون معي أو فأنت ضدي..

 أصبحت خائفا على مستقبل جسمي.

 24  - من حمّل الجمل لا يلومه

 

اعتقدت أن علاقة بعض الأعضاء بمن يشبهها في أوطان أخرى علاقة طبيعية لا تدعو للريبة ولا للشك، فحتى المداولات الفكرية بين الحناجر والأسماع واللمسات السحرية التي تتداولها الشفاه، والتلاقي العاطفي الذي يرمي هذا الصدر على ذاك، كلها أشياء تقع في إطار التثاقف والانفتاح على الغير ولا تثير الفزع .لكن لاحظت أن بعض الأعضاء يصرون على التعامل العشوائي مع الخارج دون أي احتراز أو تثبت وخاصة دون استشارتي.في حين أنهم يرفضون التعامل مع زملائهم في نفس الموضوع. أمدتني العين مرات بصورة لعضو وهو كالقط الذي يختطف السمكة بحذر: يحاول أن يخفي فعلته عن الأنظار. حرص العضو على أن يتم عمله في السرّ مما جعلني أشك في بعض التصرفات.لماذا ترفض المرأة أن تتزوج في العلن من رجلين ولا ترفض أن تعاشر أربعين في السر؟تلك هي المسألة ....تلك هي المشكلة.

لم يمض وقت طويل حتى ارتحت وعاد إلي الوعي بأنني كنت تحت مفعول مخدر سائل بثه الجهاز اللاارادي في الأعضاء فمسني منه قسط.

اكتشفت متأخرا أن الجهاز اللاإرادي  يقيم علاقات مشبوهة مع أجساد غريبة، وقد يكون جمع من حوله دعاة اللذة من أمثاله كالعين والنطاف والآلة الذكرية، وقد يكون تعامل سرّا مع فيروسات دخيلة ليلهيني عن أفعاله الدنيئة التي لا تعمل للعقل حسابا. هل أعمتني الصدمة؟ وهل صارت الحرب مفتوحة بين العقل و العاطفة؟.إنها العاصفة فلتحمل من خف وزنه.

استنجدت بالخلايا قصيرة العمر ودفعتها إلى ساحة المعركة، جندت الخلايا التي لا تفرق بين الموت المبرمج والانتحار ،وذكرتها بأنها ميتة لا محالة، وعليها أن تموت من أجل شيء مهم أفضل من أن تموت هكذا موتة غبية، قلت لها إنها تستطيع تهيئة الجنة للاحقين  واللاحقات من الأموات وترك اسمها منقوشا على صخرة الذاكرة الإنسانية يذكره الإنسان كلما وجد نفسه في موضع مشابه لما قبل حلول الموت.

فهمت أن جميع الأعضاء قد انساقوا مع العاطفة واستعذبوا الأمر فصمتوا عن خيانة زملائهم.

عجبا تمسني الأحاسيس؟

هل كانت لي القدرة على ممارسة العواطف؟

للفكرة إحساس إذن.

لم أرغب في محاكمة أحد ولم أشكك في أحد، ولكن هذا السلوك المتسامح لم يمنعني من طرح جميع الدفاتر أمام أعين التاريخ حتى يقف الجيل القادم على الحقيقة كاملة وحتى يفرز الطيب من الخبيث .

 لم يبق أحد من ساكني الوطن الجسم لم يحاول  الخيانة، خانت الخلايا وخان مجلس النبلاء وخان طويل العمر وخان الذي سيموت من الغد وخان العضو اليابس وخان الظاهر والخفي وخانت الحواس وخان الذين كانوا يتهمون النطاف بالخيانة وخان حرس الممرات والجواسيس وخانت الخلايا النائمة والتي لا تنام أبدا ولم يخن العرش الملكي لأن العرش يعرف كيف ينقض على الحكم بدون خيانة...الكبير يفكر في المهمات الكبيرة.

هي تجربة صغيرة وحادثة أصغر منها، فهمت من خلالهما أن هذا الجسم المتشعب الذي احكمه، إنما هو محمول على صورة ليلى من جهة وعلى كفّ نطاف لا يرى بالعين المجردة من جهة أخرى. ورغم كل شيء فلن أنجرّ إلى صراع داخلي بين العقل والعاطفة فأنا صاحب الرأي لا ينبغي أن أسقط في هوة يستدرجني إليها الجهاز المسؤول عن الإحساس،علي أن أتعالى وأن أترفّع إن لزم الأمر؛ سأعتبره عدوّا وأعامله مثل الأعداء القادمين من الخارج و قد تواطأ معهم للإطاحة بي .

فبديهي أن أمكّن الأعداء من بعضهم وأن أفسح لهم المجال لتبادل التهم وللكذب و الافتراء، وأن أضع أسبابا موضوعية لقيام الحرب بينهم، ثم للاقتتال والتنكيل بالجثث التي لا بد أن تسقط لتكون عنوانا صريحا على ضراوة الحرب وشدّتها، فإن أبدعوا  في الأعمال الدنيئة أسجل عليهم حركاتهم ثم أدعوهم إلى الحكم على أنفسهم، وأبقى كالمتفرج الشامت أضع الأسباب لصراعاتهم وأشجع هذا على ذاك موهما كل طرف بأنني صديقه الوفي ومعينه ومؤيده ومناصره عند الشدائد والواقف إلى جانبه في المحافل الدولية، وهذه الصفات من فضائل الدول الكبيرة .

لا أحد من عالم الحساد والأعداء يعلم حقيقة مقولة الضربة التي لا  تقسم ظهرك تقويه، وأن الضربة التي تصيب رأس غيرك كأنما أصابت الحائط، ولا أحد منهم تفطن إلى عمق الذاكرة التي  أشرف عليها وأخبئ فيها كل ما يعترضني في الحياة من فعل وكلام وصورة وحتى نغمة الصوت.كل ما يمر من حولي أو من خلفي تختطفه الذاكرة مثل كاميرات المراقبة وتسجله في الإبان، فإذا ما ظهر مرة أخرى أو حاول الظهور أعادت لي صورته وحكايته كاملة ونبهتني إلى خطورته إن كان قد شكل علي خطرا في السابق فوجد الردّ مناسبا لحماقته.

لا أحد من هؤلاء الأغبياء يفهم أن وسائل الدفاع التي أديرها، إذا ما توصلت إلى إفراز مواد سامة ضد الغزاة في مناسبة، فإنها تترك نسخة من تلك الأجسام الدفاعية التي صنعتها أثناء أول معركة، وتخزنها إلى جانب المعلومات الخاصة بالجسم المعادي فإذا ما عاد ثانية إلى مهاجمتي استيقظت تلك الأجسام ووجدت السموم حاضرة فقدمتها فاتحة للاستقبال.

نجح هذا السيناريو وانتصرت أفكاري وتبين الصديق من العدو.

تتالت النجاحات وثبتت أقدامي على هذه الأرض وتبين لجميع الكائنات أنني الأقوى برغم محدودية بنيتي الجسدية، وتبين أيضا أن القوة لا تكمن في انتفاخ العضلات وإنما في الفكرة...

الفكرة هي التي تولّد القوة المسيطرة والفكرة هي التي تخلق وتقتل وتصنع و تحطم.

الفكرة هي التي تضع التاج على رأس الملك.

الفكرة هي التي تقضي على العداوة الموروثة بين الحاكم و المحكوم.

الفكرة هي التي تتشرب الحسد من النفوس المريضة فتجعلها تقبل أن يسوسها نيرون عاقل.

أنا نيرون الجسم وملكه وحاكمه، لا أريد أن يشاركني أحد في البلاد، أريد أن أتحكم وحدي في الرقاب: أحدد مصير الوطن وأضع الموروث في الخلايا وأحدد برنامجها وأقدّر آجالها،  أضع وقع الخطى وميزان الأنفاس، أعزل وأعيّن وأعاقب وأجازي.

أنا ملك ويجب أن أكون فالبلاد تحتاجني كما يحتاج الإنسان ربا...تلك هي هشاشة الخلق ولا بد أن يبقى العرش ليبقى الوطن وإلا هلكنا جميعا وابتلعنا النسيان، وهذا الشيء يزعجني ويحزنني لأنني أطمح إلى الخلود جسدا أو فكرا.

 

25 –ألهث وراء الآتي

 

ما عاد يخيفني إلا من يشبهني، فهو كلما اقترب من الكرسي كلما زاد خطره على العرش وزدت خوفا منه ، أصبحت خائفا من الخيانات بعد أن فقدت الثقة في أغلب الخلايا والأعضاء، ولم أعد قادرا على إخفاء الحقيقة؛أنا أستأهل لأنني علّمهتم الخيانات وأنسيتهم الثقة، أنا المسؤول الأول والأخير عن كل الأعمال التي تؤتيها الخلايا، فلماذا ألومها إذن؟وهل يلوم أب أطفاله عما رباهم عليه؟ أنا انتخبت الخلايا وأوهمتها بأنها انتخبتني وأنا من عين مجلس النبلاء ونصّب أعضاءه ومكّنهم من حصانة متعددة الصفات، ودعوتهم إلى التصريح بأن نظام حكمنا اختياري عموديا وأفقيا، وأنني وضعت سلم الدرجات بين الخلايا، فبعثت فيهم الحسد والغيرة.. أنا سبب البلية وزارع الوهم في الجسم أنا النيرون أشبه حفيد كاليجولا الذي أحرق روما.

أنا طويل العمر ولا يحمل معي هذه الصفة إلا بعض خلايا القلب.أما الخلايا الأخرى فتتسابق إلى الموت يوميا.

ما كنت يوما أطمح في أن أكون زعيم البكّائين على الماضي، ولم أرغب أبدا في تبرير فشل الحاضر بالحسرة على حضارة الأجداد، وإنما شيء من حب الذات جعلني لا أعترف بمزية النيرونات الأخرى التي تملا العالم وتجتهد فتخترع وتنجز .

أرى العمل الطيب فأباركه في قرارة نفسي غير أني أفعل السيئ.

و لكنني أنظر إلى غيري بعين الناقد معترفا بوجود نيرون آخر يتعب وينجز؛ كل هذه الصفات جعلتني أقرأ التاريخ بعين النزيه، فأجدادي بنوا حضارة نفعت الناس جميعا وأعانتهم على مجابهة الصعاب لفترات طويلة، ثم جاءت فترة أهمل فيها آبائي ما تركه لهم الجدود، بل وأضاعوا ارثهم النير ليدخلوا في ظلمات أنجبونا فيها فجاءت بعض أفكارنا سوداء وتركونا نتخبط بحثا عن بصيص النور في آخر النفق؛ أنا من هؤلاء الباحثين عن النور في آخر النفق و إني واجده .

فهمت كل ما دار بين الخلايا الغريبة التي هاجمت جسدي والشقيقة التي تواطأت مع الغريبة للإطاحة بي. وفهمت ما معنى أن أحصن نفسي من كل هؤلاء الأعداء.وكان علي إعادة ترتيب البيت بشكل أكثر عدلا فحاولت وبادلت أبناء وطني الحب والوئام ونمت هادئ البال مطمئنا على البلد.

قال: هذا البلد لن يخربه إلا أبناؤه و مات. 

كان يعلم يقينا أن البلاد التي يحصنها أبناؤها ويحافظون عليها، لا يقترب منها طامع ولا عدو ولا يفكر أحد في المساس بأمنها و بأمن أبنائها.

كان في البال شيء من هذا الكلام...كانت في الذاكرة حكمة  من كنز .

مرت الأيام ومضت تدور حول نفسها وتحركت طاحونة الرياح تتلوى يمنة ويسرة ولا تبقي على جنب دافئ ودارت نواعير الماء وأحزنها حال الجمل فبكت بالماء على وجنتيها...

أكبر الخيانات وأمرّها هي تلك التي تأتيك من عزيز عليك أو من شقيق أو من أقرب صديق؛خلايا تربّت معي وكبرت معي، ولدت بعدي بجيل أو بربع جيل تخون؟وتتحداني؟تخرج عن الطريق الصواب لغاية تافهة أو بلا سبب؟... أمر مخجل حقا...

خلية تتخلى عن برنامجها لتلعب أو لتغدر أو لتجرم أمر غير مقبول ...

من قال لها إنها ستلامس الخلود إن غيرت برنامجها؟

من طلب منها أن تصبح  سرطانية لا مدنية ؟...

من علمها الانحراف؟

أهو الجنون؟

أهو السعي لأخذ مكان في العرش ؟

نموت جميعا ولن نترك هذه الخلايا الخائنة تستولي على السلطة، لن تقبض على العرش ولن تتمكن من دواليب الحكم...وسأعلم  عناصر الجسم وأعضاءه  بالحقيقة كاملة؛حصل المحظور وعلي إشهار ما حصل وأخذ العبرة من التجربة؛أعرف أنها تجربة مريرة وأن إشاعتها للناس أكثر مرارة ولكنني لن أبقيها سرّا فهذا لا ينفع أجيال النيرونات في شيء، بل عليّ أن أعلّمهم وأن أترك لهم فرصة النجاح في حربهم القادمة ضد الأجسام المعادية، وسأعلمهم بفشلي إذا فشلت في المقاومة ليبحثوا في أسبابه ويتحاشوها فينتصروا في الحرب الضروس التي ستفرض عليهم فرضا، إذ إن تغيير النظام الغذائي واضطراب المناخ وكثرة استعمال المواد الكيماوية، كلها ساهمت في ظهور أمراض جديدة وساعدت الجراثيم والفيروسات على النمو، وأضعفت الجسم وحدت من قدرته على مجابهة الأخطار.لا خوف بعد اليوم ، لا خجل بعد الآن،أصبح العالم مكشوفا ما بين القطبين، فلماذا لا أصارح نفسي ولماذا لا أعري الطريق الذي سلكه الورم؟فقد تحتاج الخلايا التي ستتولى الدفاع عني وعن الجسم الوطن إلى معرفة الخطوات التي قطعها الورم منذ يوم ولادته. 

بدأت الحكاية من تلك الليلة الحمراء تحت الأضواء الزرقاء، عندما التقى الزّوجان ونظّما العرس التّاريخي بين النطاف وزوجته البويضة، وكان كل منهما يحمل آلاف الجينات في جعبته، ويصرّ على أن يتولّى تحديد ملامح الشّخصية القادمة وشكلها ولون العينين والجلد وبعضا من الطّباع؛مكثت الجينات في الكروموسوم وشرعت في القيام بمهماتها ومضت تدفع الخلايا إلى التوالد والتخصص في أعمالها والى الموت بعد أن تنهي مأمورياتها.ويحدث أن ترتكب الجينة خطأ يبدو بسيطا في ظاهره لا يزيد عن خطا يرتكبه التّلميذ في شكل حرف أو تنقيط كلمة.وقد تكون الجينة ارتكبت الخطأ عن حسن نيّة أو كانت مدفوعة إلى ارتكابه بمفعول العنف الذي رافق العمليّة الجنسيّة ليلتها.كان من المفروض أن تصلح الخليّة أمرها حالما أيقنت الخلل وأن تعيد نفسها إلى الدّرب الصّواب، وكان يمكن أيضا أن تسارع خلايا أخرى إلى قتل الخلية المصابة قبل أن تنحرف عن مسارها.أما الجينة القامعة المكلفة بمراقبة زميلاتها وبتصويب أخطائهن أو بإتلافهن إذا اقتضى الأمر فقد أيقنت أن  الإصلاح لم يعد ممكنا، ورغم ذلك فإنها تخلّت عن قتل الخلايا المصابة.تعددت أخطاء الجينة في الخلية إلى أن أفقدتها إمكانية العودة إلى الجادة، فاستسلمت هذه الأخيرة إلى برنامج الانحراف ورفضت الخلية الناشز أن تمشي في مسارها وحادت عن قدرها، ورفضت الموت عندما حان أجلها وتمادت في عنادها ومارست الطفرة الجينية، فأصبحت تتوالد بسرعة كما يحلو لها،لا شيء يكبح جماحها ولا شيء يتحكم فيها؛ولم يكن باستطاعة أحد من النيرونات التعرف على مخططها ولم ينتبه إليها الجهاز اللاإرادي.

لم أكن أتخيل أن ينمو جسم غريب في مملكتي دون علمي ودون أن ينقل إلي أحد أمره.كانت فقط بعض الآلام تأتيني من هنا أو هناك، ولكن حدتها لم تكن كافية لإثارة البحث عن مصدرها فكنت أعالجها بالصبر أو ببعض المسكنات.

نما الورم اثر خيانة بعض الخلايا التي اختارت طريقا هامشيا، وأصبح يعتصر القلب ويمتص عصارة الدم فتأثرت بذلك بقية الأعضاء.بدأ الهزال يرقى إلى الجسم ومال الوجه إلى الاصفرار وتباطأت الأنفاس وحل الضعف مكان القوة، وثقلت  الرجلان، وغارت العينان، وتساقط الشعر، وتكسرت الأظافر، وذبلت الأنظار، وطلعت سمات المَسْكنة والمذلّة على الوجه. وخفت من الموت المفاجئ فانتفضتُ. كنت في السّابق أخاف من الموت وأحاول قدر الإمكان أن أتحاشاه وأن أتهرّب من أسبابه، بل لا أرغب في الحديث عنه مخافة أن يتذكّرني؛وفي لحظة انقلبت الأمور فما إن اقترب مني كثيرا وكاد أن يلمسني ويشدّ عنقي أو يسدّ أنفي حتى رأيته يخرّ راكعا أمامي مستجديا رأفتي طامعا في عفوي...انهار الموت عندما احتقرته وساويت بينه وبين الحياة وفضّلته عن البقاء في هذه الدنيا... صار كالظّل يهرب مني كلما جريت خلفه،صار يتحاشاني ويتمنى أن أتركه لحاله دون أسئلة... صار  الموت حقيرا عندما هممت به وطاردته وصرت قويا، أقوى من السّرطان الذي جاء ليثأر للموت،صرخت في القوم أن انهضوا جميعا فأنا أحبّكم وأطيعوني فأنا منقذكم واسمعوني ربما أقنعتكم.

 

26 –السماح بالحلم للممنوعين من الحلم

 

ورأيت من الضروري فتح أبواب الخيال لكل المبدعات من الخلايا، ودعوت الصغار والكبار من عشيرتي إلى المساهمة في وضع أساليب دفاعية ناجعة ووسائل هجومية فتاكة، وأمرت بإصدار فتاوى للتضحية في سبيل البلد وبالاستعداد لسقوط العديد من الشهداء... رِبْح المعركة لن يكون سهلا، فالأعداء تدارسوا وسائلي الحربية، وحلّلوا نفسيّة الجند، فعرفوا بعضا من أسرارها، ولكنهم لم يعرفوا شيئا عن إبداعاتي وعن أفكاري.العدو لم يعر اهتماما كبيرا لقدرتي على الخلق والإبداع؛ نسي أن لأجدادي فضلا كبيرا على حضارة الإنسان وإنهم ابتدعوا المعرفة وأخضعوا الطبيعة ووضعوا العلوم وصنعوا الأمجاد،نسي العدو أن الثّور المجروح أكثر قوة واندفاعا نحو الهجوم، استضعفني الأعداء فقبلت، وقللوا من شأني فرضيت، وأهانوني فهادنت، وأحسنت استغلال هذه المعاملة، وتظاهرت بالمسكنة حتى بدوت مثيرا للشفقة، لا أقوى على مجابهة أحد ولا أستحق أن يعدّ لي العدو ما استطاع من قوة. مضت فترة وأنا على هذه الحال أشعر بالإهانة وأمضغها، أفكّر بحزن وبصمت وأبتلع بكائي، وأحجب دمعتي، وأتألم وأكتم آهتي.ازداد الألم إلى أن دخل مرحلة عدم الاحتمال.كبر الورم ويبس واشتدّ وقعه على الروح، وصار الجسد بكامله يتألم ويشقى بحمل الورم، بعد أن رمى عروقه في كل الاتجاهات فتشابكت وتشكلت كالكبّة وخنقت الشرايين والأوردة وحولت الشّعيرات الدموية نحو خلايا الورم لتمكنها من كمية هامة من الغذاء والأكسيجين، وصارت تمتص حاجياتها مباشرة، فَنَمَتْ بسرعة عجيبة واحتلّت منطقة وسطية اختارتها من اللّحم الطّري حتى يسهل امتداداها ويشتدّ انغراسها في الجسم.أصبحت المسالة بالنسبة إلي وإلى البلد مسألة حياتيّة، وصار وجوبا علينا جميعا أن نتخير شيئا واحدا إما أن نصارع بضراوة فننتصر، وإما أن نسارع بالهزيمة فنقصّر العذاب؛ وأحسست بثقل المسؤولية فلم أعد مجرد ملك يحترمني الناس  طوعا أو كرها بل أصبحت أبا يحنو على أطفاله ويسعى إلى أن يَقِيهم شرّ  عذاب الدنيا، ففتح أمامهم كل الأبواب المغلقة ليقاسموه الوضع وليفوز بعذرهم فبثقتهم فبحبهم فباستعدادهم للتضحية من اجله.

كنت منذ ظهور الورم الخبيث في خاصرتي، أتردد في فتح باب الحلم أمام الخلايا، وقد كنت في السابق أعتبر أن الحلم ملك لي، ولي وحدي حق التصرف فيه، فالحلم في نظري خطر على العرش، وعدوى الحلم فتاكة جدا، سريعا ما تمرّ من واحد إلى آخر وتينع وتورق وتثمر وتنضج  ثمارها في أقل من لمح البصر، كنت أعتبر أن السماح للشعب بالحلم أكثر خطرا من تمكينه من حمل السلاح، وأن إشاعة فكرة الحلم هي جريمة في حدّ ذاتها،والحلم عادة يولد  في الظلام ويترعرع في السّرّية ويشتدّ عوده مع إطلالة الفجر ويصبح أخطر إن جاء بعد تعب شديد.

أنا الوحيد أدرك معنى الحلم وأحتكر ممارسته متعمدا، فقد حرمت منه قطيع الخلايا الذي أسوسه داخل الجسم خوفا من تأثيره فيهم، وخوفا من تداوله  ومروره بين الجميع بسهولة، وأبعدتهم عن تذوق لذّته، فأنا أدرك أن للحلم متعة لا تضاهيها إلا متعة الجنس أو هي أكبر منها بقليل، لأنها لا تحتاج إلى جهد لا قبل النوم ولا بعده.أما متعة الحلم فقد اختلف العلماء الآخرون في وقتها فيقول بعض أن لذّة الحلم تأتي في فترة  انتظاره، ويردّ عليهم المكذبون بأن الإنسان لا يمكن أن يشعر بلذّة قبل مجيئها، ويدعي آخرون أن النائم بإمكانه الشعور بلذة الحلم، فيرد عليهم المكذبون بأن النائم في  غيبوبة لا يمكنه الشعور بلذة أبدا، ويدعي ثالث إن تلك اللّذة تكون بعد حلم جميل فيردّ عليهم المكذبون أيضا بأن النائم إذا استفاق من نومه لا يمكنه التمتع بحلم انقضى وفات.أنا الوحيد الذي عرفت أن لذة الحلم إنما تأتي بعد أن يتحقق ويتجسد على أرض الواقع،ولهذا سعيت دائما إلى منع القطيع من ممارسة الحلم، وأبحْت لهم الرقْص والغناء والحزن وممارسة طقوس جنسية ودينية وجنونية، ومنعت فقراءهم من الحلم بالثروة، والمظلومين من الحلم بالعدل، والمحكومين من الحلم  بالسلطة، وبسطت المفاهيم كما لو أنني أتوجه بها إلى صغار لا يفهمونني إلا متى نزلت إلى مستوى تفكيرهم.

وصار كل يغني على ليلاه وكل يبكي حسب قدرة عينيه على الدمع.آمنت بالحلم وشرعته للجميع، بل وطلبت منهم قيادة المشروع من الفكرة إلى التنفيذ وخيرتهم بين الموت انتحارا أو القبض على الجمر لإطفائه والتخلص من مضرته.واستدعيت كامل جهاز الإرادة وحملته نصف المسؤولية، وسمحت له بالاستعانة بكل الخلايا الصغيرة والكبيرة وحتى الشابات وطويلة العمر، ووعدت الجميع بمستقبل صاف صفاء المرآة، تنعكس عليه حضارة الماضي التي بناها أجدادنا وأسكنوها البشر.استجابت لي كل الخلايا وتسلحت بالغيرة على وطنها ونذرت نفسها للدفاع عنه.

وجاء اليوم الموعود فاصطفت الخلايا أمامي لتقدم أحلامها وطريقة تنفيذها ودرجة المتعة التي ستخلفها في الوطن الجسم.وانقسمت إلى ثلاث فرق،اقترح الفريق الأول أن أتولى شخصيا قيادته ومحاولة تنفيذ حلمه وتحقيقه حتى يكفي الله المؤمنين شرّ القتال،  ونصل إلى غايتنا بالسلم ودون حاجة إلى القتل والدّمار.كان الحلم الأول يقضي بقراءة المراحل التي مرَّ بها الورم والخطوات التي مشاها منذ أن كان خلية واحدة مثل أميبا شارل داروين تسبح في يمّ الجسم،  حاملة برنامجها في سلمها الجيني، ثم خامرتها فكرة الخروج عن السرب فشردت من القطيع، وجعلت لنفسها برنامجا ومهمة مختلفين، وسارعت بالتوالد والتكاثر، إلى أن أصبحت ورما خبيثا يهدد وجود الجسم بأكمله.فإذا ما ضبطنا بالحلم  المراحل التي طوتها الخلايا الورمية، وفهمنا طريقة الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وعرفنا الأشياء التي استعملتها الخلية في تحولها من درجة إلى أخرى،  ومصادر الطاقة الضرورية، وأخذنا فكرة عمن ساعدها، أو وقف إلى جانبها أو قلل من خطورتها عن سوء نية أو تستّر عليها، أو ادّعى أنها بصدد القيام بشأن خاص، نستطيع وقتها رسم خارطة طريق معكوسة، وتمريرها إلى خلايا الورم  نفسه، ثم نستدرجها بالشّكل المناسب، وإن اقتضى الأمر ندخل إلى جيناتها ونشحنها بما نريد من برامج جديدة وغريبة، وخطط تفضي كلها إلى المشي بالمعكوس، فنحْمل الخلايا على التخلص من العناصر التي اكتسبتها في كل مرحلة، وننزل بها سلم نموها درجة درجة  فتتراجع  إلى الوراء في الزمن والنمو كمن ينزل من الشيخوخة في اتجاه الطفولة، إلى أن تعود إلى نفسها كما كانت قبل أن تنحرف عن مهمتها.

 و رأى مجلس النبلاء أن هذا الحلم يمكن أن يتحقق بقليل من العزيمة والإصرار.

و قدم الفريق الثاني يتفاخر بمشروع حلم طريف  في سهولته، خفيف في انجازه، لطيف في تصوره، وأراد في البداية أن يجسمه أمام أنظار زملائه وأمام دهشة العالم، وكان الفريق مؤمنا بحلمه وبقابليته للانجاز لكنني رجوته أن يعطي فكرة نظرية في الأول خوفا من فشل التجربة، فمن يدري؟ قد تخون خلية أو تتغير حالة المناخ فيحل الفشل مكان النجاح.قال ناطق الفريق:

ــ سنستعمل نفس السلاح الذي استعمله العدوّ للدخول إلى الجسم، سنستغل غباوة بعض خلاياه ونختار أكثر الخلايا غباء، ونغسلها من جميع  حمولتها الجينية وحتى الغذائية، ونعيدها إلى الدرجة الصفر، وذلك بواسطة موجات كهربائية اصطناعية ثم نشحنها بأفكارنا "الهدامة"ونضع لها برنامجا مدمّرا هاما وتتكفل هي بالبقية بصفة آلية فتندفع نحو مثيلاتها، تغتالهن وتجعل منهن خلايا أخرى مهمتها القتل، تماما مثلما يفعل البلعوم أو الخلية الأكولة التي تقضم ثم تبتلع وتهضم الخلايا الدخيلة .

و رأى مجلس النبلاء أن هذا الحلم أيضا قابل للتحقيق، وأوكل إلى الذاكرة مهمة الاعتناء به وحفظه وتسجيله ضمن الملكية النيرونية، وإتاحته لبقية الباحثين في شتى أنحاء المعمورة .

الفريق الثالث انطلق من تصرف الورم نفسه وطريقة عيشه، فدرسها وركز على جشعه وسعيه الدؤوب نحو إشباع بطنه وكثرة استهلاكه للغذاء، وتعويله على الكويرات الحمر التي يشحذ منها مؤونته ويظل يستجديها كلما مرت من حوله ويرجوها أن تتكاثر  لأداء مهمة الإعاشة.لذلك فكر الفريق الثالث في طريقة سهلة تقضي بقطع الإمداد عن الورم  والاكتفاء بذلك، لكنه اصطدم بصعوبة التنفيذ وخاف على الخلايا التي يتخذها الورم عادة كحواجز بشرية ضد المهاجمين؛في النهاية اقترح الفريق منح صفة الشهيد على الخلايا التي ستموت على عتبات الورم، ودفع بكتيبة إضافية من الخلايا شكلت بدورها حاجزا يعيق وصول المغذية منها ويدفعها إلى الموت في نفس المكان فتتراكم الجثث من حول الورم وتصبح بدورها حاجزا يعزله نهائيا عن الحياة فيبدأ في التآكل حتى يذبل وييبس ويفقد قدرته  على امتصاص الغذاء المار من أمامه فيستسلم لمصيره المحتوم.

ورأى مجلس النبلاء أن هذا الحلم أيضا قابل للتحقيق،  فاعترف بمشروعيته ورفع في شأنه تقريرا إلى العرش .

فرض الحلم نفسه كطريقة حكم جديدة رضيت بها الخلايا، فبادرت بمبايعتي مباشرة وكنت على وشك التفكير في إجراء استفتاء عام حول طريقة الحكم.

وأصبحت إتاحة الحلم مفروضة علي فرضيت بها واعتبرتها سندا للحكم وظاهرة صحية .

بعد مدة من توزيع الحلم على الخلايا في الجسم الوطن، وبعد أن جرّب قطيع الخلايا لذّة الحلم وأدركوا قيمته وضرورته في مسيرة كل شعب، جاؤوني أفرادا وجماعات يهتفون باسمي ويودّون لو ركبت على أعناقهم ليطيروا بي إلى ما وراء العرش في السّماوات البعيدة حتى لا يَطالني شكّ الأجيال القادمة.أما أنا فاكتفيت بأن ينتخبوني بنية صافية وبكل ديمقراطية وأن يمنحوني الثّقة بتلقائية وحبّ، ويريحوني من مسؤولية انتخابهم وانتخاب مجالس الدّولة ومن اختيار مساعدين وكتّاب ومستشارين وأذيال وقوادين وأرتاح من شراء الذّمم.

لم أكن أتخيل أن اكتشاف مفعول الحلم وتأثيره في حياة النّاس، يضاهي أو يفوق اختراع الطائرة الحوّامة أو الكبسولة الغذائية، فإن كانت الطائرة قد ساهمت في اكتشاف الفضاء وفي انتقال الناس بسرعة من مكان إلى آخر لقضاء شأن ما، وإن  كانت الكبسولة قد أمَّنتْ نصف المعيشة بالنسبة للبعض فإن الاثنين كانا نتيجة حلم طموح انتهى بعد تفكير وجهد وبحث إلى التشكل على أرض الواقع.

لم أنس أن أخطب في القطيع قائلا وكاتبا:كلكم نبلاء.لا فرق بين عضو في المجلس و بين خلية عاملة إلا بالحلم.

هذا هو السبب الذي جعلني أتنازل عن قسط كبير من أحلامي لأمَكِّن منها قطيع الخلايا، فأبدعت وصنعت مني، أنا النيرون طويل العمر، ملكها الأبدي. اقتنعت بأن لا أحد يأمن حياته أو موته دون أن يتأمل ويسأل ويبحث عن الأجوبة، ودون أن ينطلق من نفسه ذاكرا في كل مرة:وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟  صدق الله العظيم وصدق النيرون ملك الإنسان وظل الله على الأرض.

هذا الموقع فضاء يسع الجميع فلا تبخلوا عليه بدعمكم وبالتواصل معه خدمة للادب والفكر
Ce site web a été créé gratuitement avec Ma-Page.fr. Vous souhaitez aussi avoir votre propre site web ?
Inscription gratuite