هي مجوعة مقالات نشرت في مجلات ادبية و جمعت في كتاب :رُطب الكلام وسعفه

1 ــ في النّقد واللّغة
السّين وسوس السّياسة
العربيّة والعرب
هل وضعت الحروف صدفةً
نتّهم الطّفل بالبراءة
النّقد وأنصاف النّقّاد
بين النّصّ وعنوانه، علاقة وهمية
قصيدة النّثر وأخطاؤها القاتلة
في شرح الشّعر وتشريجه
في تربيع الشّعراء
في مزايا العروض العشر
الصورة الباطنيّة في قصيدة: نهدان
2 ــ في القول السياسي
فن الكذب بين السياسة والادب
كيف تدحرج الجهاد الى النضال؟
يستكثرون علينا ثورتنا
السّياحة الدّينية ثقافة أم تجارة؟
الورقة الدّوّارة
الى وزير الثقافة قبل أن يعزله الرئيس
اليوم الوطني للثّقافة: عرس في دار مزاودي
أنا لا أحترم حكومة تخاف من ظلي
تنطلي أو لا تنطلي
حزب للكتّاب والمثقفين
درس الى الغنوشي في المفاهيم
صندوق الموت، صندوق الانتخاب
قانون يشرّع للفساد
هل تستورد تونس النّساء لعزّابها
نريد حكومة مستوردة
عن دكاترة الفيسبوك
حال الكتاب بين الرقمي والورقي
دفاعا عن الكتاب الصّوتي
عن الخطّائين في القراءة
في اتجاه الرّواية بأقدام الشّعر
في تثقيف مراقب المصاريف
قصتي مع الكتاب الأول
كيف تكتب سيرة ذاتية
كيف تنتظم ورشة الشّعر
الميراث في الشّعر: للذكر مثل حظ الأنثى
أنا النرجسي، أنا المتواضع
الجائز في الجوائز
المداواة بالقراءة
نصيب الشّعر من المهرجانات
القانون المصيبة وشركاؤه
الكتاب خارج سوق الكتب
اللغة الإنجليزية تهزم الفرنسية بالنقاط
1
السّين وسوس السّياسة
آنساتي، سيّداتي سادتي، كنا تحدّثنا سابقا في غير هذه المساحة التي سمحت بها السّاحة، عن مسألة تبدو للعيان سهلة بسيطة ولكنها في السّر عسيرة على العقول وصعبة على النّفوس. وقلنا في معرض حديثنا عن العربية واختلاف النّحويّين حول جذعها وأصلها وفصلها، وعن الحروف في اللغة العربية وحسبها ونسبها وأسباب نزولها وعلاقتها بذات المتكلم ونيّة السّامع، وبعد فحص وتمحيص ودراسة وتلخيص اكتشفنا ان الحروف لا تتساوى في الصّفة ولا في المدلول ولا حتى في القيمة والاحترام عند السّارد وعند القارئ. وتأكد لنا أن أكثر الحروف شرّا وخبثا هو حرف السّين. هذا الحرف المتأرجح بين السّلطنة والسّقوط وبين العلوّ والهبوط، أساء إلى لغتنا العربية وأثّر في سياسة الاستقرار في بلدنا. وها نحن نقدم بكل حماس على فضحه وإذاعة سرّه وتعرية مسيرته، وستكتشفون في هذه الأسطر سرّ اهتمامنا به وسبب تركيزنا عليه وسوف تلتمسون لنا العذر عندما تتأكدون انه لا يستأهل سوى كسر عظامه وأسنانه الثلاث.
آنساتي، سيداتي وسادتي، اسمعوا يا سادة.
اخترت أن أبدأ كلامي بحرف السّين فلا تتسرّعوا في السؤال عن سبب ذلك فأنا أصارحكم بأنه ورد إلينا عن بعض الأسلاف السمحين الطيبين (غير السفهاء) أن العربية حاولت مرارا إسقاط حرف السين من سجل الحروف ومحوه من حسبها ونسبها فكلفت اللسان بسحقه سحقا وسحله سحلا أو، ان استعصى سجنه ففي سجن سحيق تسقطه. فحاول المسكين سنينا طويلة لكنه لم يستطع فأصابه البؤس واليأس والهم والغم والكدر والقهر فاكتفى بسبه سبا قاسيا وسرده سردا سيئا. ولم يجد مهربا الا العمل على نسيانه وسماه سمّ اللغات وسوس الألسن.
فقد بات واضحا أن هذا الحرف تلبس بنا جميعا منذ أن دخلنا إلى المدرسة فركب ألسنتنا ودفعنا الى أن نصيح ونملأ القسم حسا رافعين سباباتنا نحو السماء نتسابق في سيدي/سيدي نرفعها الى مدرّسنا حتى نكاد أن نلامس رأسه. نستأذنه في إجابة خاطئة أو سليمة فيسمح لنا بالكلام لنسكت بعد الإشارة ومنذ ذلك الوقت سرت بيننا عادة المسكنة وصرنا نحسب لحرف السين ألف حساب، وأصبحنا كلما رغبنا في التهرب من القيام بعمل أو أردنا أن نضع وعدا بدون تنفيذ، أصبحنا نسوّف فنقسم أننا سنفعل وسنفعل وسنكون عند حسن الظن ولكننا ننكث العهد ونحنث في القَسم. هذا الحرف الملعون استعمل معنا سياسة النسنسة والوسوسة، يحشر نفسه في كل كبيرة وصغيرة فيتقدم الكثير من الأفعال خاصة تلك التي تميل بمحدثها نحو القبح والفعل الدنيء ويسير بنا إلى عدم الانضباط والتسيب فيحملنا قسرا إلى معان عافانا وعافاكم الله تدلّ على الانسياب والتسيّب مثل: سال وساق وساس وسار وساد وسطر وسبح وسعى وسرى وسرب وسام وساب وساد أو الى معاني الجريمة أو المرض فسمم وسعل وسقم وسوف وسخر وسخط وسرق وسلب وسبا وسجن وسحق وسحل وسقط وسطا وسوط وسلط وسد كلها أفعال تشي بالسوء. وكذلك فعل بالكلمات فدخلها من أحد جوانبها كالدنس او النجس أو الحبس أو النسنسة أو الوسوسة والخسة والخساسة فاستوطن بعض الكلمات ايضا فالسقم والسرطان والسّعال والسّل وسعل العين والسّلاح والسّكين والسّاطور والسّيف والسّهم والسندان كلها لا تسر القلب ولا تفرح النفس. فأي خسيس حرف السّين السافل هذا؟ ولماذا يرفض أن يسرّنا بل يصرّ الى الإساءة الينا؟ أليست له أحاسيس؟
أما إذا سمحنا له بأن يتضخم ويكبر ويشتدّ عوده فسيصبح دالا على قوة الصّوت وضخامته فصاح وصحِل صوته، وصخّ الحجرُ، وصرّ، وصدح الطائر، وصرخ، وصؤل البعير، وصدّ، وصرم (قطع) وصفد، وصكّ، وصلت بالسيف، وصلب وصمد وصدم وصمل.
ولقد رأيت بأم عيني كيف ان حرف السين يندس في الناس ويسري فيهم متمسكنا كالسلحفاة او يسير سير السّكير مرة على اليمين ومرة على اليسار ومرة يسقط في وسط الكلمة ومرة يسيطر عليها ليسلبها معناها فانا أنبه السيدات والسادة الى ان سوس الحروف هو حرف السين الذي تتأسس عليها السياسة ويحبّه السياسيون لأنه أباح لهم فعل ساس يسوس وجعل من السياسة سوسا للشعوب وسوءا يصيبهم فصهْ أيّها القلم والا كسّرتك السّين.
ملاحظة: في هذا المقال تكرّر حرف السّين 221 مرّة دون اعتبار حرف الصّاد ودون اعتبار الخطأِ في الحساب.
مجلة المسار 111 جانفي فيفري 2018
صحيفة المثقف 18 تشرين1/أكتوير 2021
حفظنا عن أساتذتنا أن للعربية جذعا ثلاثيا على وزن فَعَل،َ تعود اليه الأفعال الرباعية والخماسيّة والسّداسيّة. ويبدو أننا كنّا على خطا أو نقصان فالذين درّسونا العربية لم يتحدّثوا عن الجذع الثّنائي ولو على سبيل الافتراض او الاحتمال. وبمطالعتنا لبعض الآراء وجدنا أن اللّغة العربية ترتكز على جذع يتكوّن من حرفين سمّاه أهله المثاني وسمّوا العربية لغة المثاني. من هؤلاء نذكر احمد فارس الشّدياق الذي ألف كتابا معجميا تناول فيه المسالة، وتبنّى انستاس الكرملي نفس النظرية وأكد ان العربية إنما بدأت بهجاء واحد (حركة وسكون) ثم تلاه المضاعف فالأجوف ثم الناقص والمهموز قبل ان يظهر الثلاثي الصّحيح، ونحا جرجي زيدان نفس المنحى.
واللغة تعني اصطلاحا الصوت الذي يعبّر من خلاله الإنسان عن أغراضه فهي اذن لا يمكن أن تكون خارج المنطوق، مارسها الإنسان قبل أن يخترع الكتابة وقبل أن ينشئ شكلا جديدا من التعبير معتمدا على ذكائه ومستندا على ما يصدر من أصوات سواء بتحريك أعضائه وحنجرته أو بمحاكاة أصوات الطّبيعة والحيوانات. ثم اخترع الحرف كحجر الأساس في الخطاب المكتوب. والحرف في واقع الأمر هو لفظ مفرد عندما يكتب وهو أكثر من ذلك عندما يُنطق كما سنبيّن، وبما أن اللغة هي منطوق قبل أن تكون مكتوبة، حتى إن قرأناها صامتين، فهذا يعني أنّ الحرف يكون خارجها كالغريب عنها.
واللغة كغيرها من الصنائع الأخرى تنشد الكمال وتحاول ان تحقق الاكتمال فتنطلق من ابسط عناصرها وتسعى إلى الزيادة والامتداد.
فما هو هذا العنصر البسيط الذي تتشكل من خلاله لغة الإنسان؟
يستطيع الإنسان ان يكتب الحرف الواحد ببساطة وسهولة ولكنه لا يستطيع ان ينطق الحرف مفردا فهو إذا نطق حرف الألف مثلا أو الباء أو الفاء أو أي حرف آخر إنما في الحقيقة ينطق هكذا: بَأْ أو بَا وفأْ أو فا ويمكن بالتقنيات الحديثة المتوفرة، تجزئة أي حرف ينطقه الإنسان إلى آلاف الأجزاء بتمطيط الفتحة التي أو السّكون الذي يرافق الحركة (على حدّ قول الكرملي أو جرجي زيدان) ويمكن أن تقسم أيضا إلى عديد الأجزاء لتعطي لنا شيئا مختلفا. وينطبق هذا الأمر على جميع اللغات ففي الفرنسية ننطق على سبيل المثال حرف S هكذا آسْ (es) وحرف الــ m ننطقه آم (em) وحرف (B)ينطق (Bé) ونفس الشيء في الانجليزية. والحرفان (المثاني)هما حجر الأساس في بناء الفعل الذي سيتجسد بإضافة الحرف الثالث لذلك نجد الأفعال التي تحمل نفس الجذع الثّنائي تتشابه في معانيها ومقاصدها إلى حد كبير ويمكن أن نقول إن جميع اللغات لغات مثاني. وفي اللغة دلائل عديدة على ما ذهبنا إليه فلنأخذ مثلا الأفعال المتوالدة من حرف الفاء والراء (ف،ر) ونقوم بمسح من فوق الأحرف الابجدية نجد ما يلي: فرا وفرى أي قطع الشيء وشقه (أي خلق منه نصفين)و فرّ (أي هرب من مكان إلى مكان ثان/ نصف ثان) وفرم وفرق وفرط وفرس (شقّ الصّحراء الى نصفين) وفرع وفرش وفرج وفرك وفرض وفرح كلها تقترب في المعنى الدال على حركة يشترك فيها عنصرين في احتكاك او انفصال طرف عن آخر، ونرى أيضا ان الأفعال المتوالدة عن ثنائي النون والهاء لا تبتعد عن معنى العنف والخروج عن السائد فنها ونهب ونهر ونهك ونهم ونهل ونهق و نهف ونهض ونهش متشابهة في مقاصدها وهي العنف أو الخروج عن المألوف وكذلك الفعل الثلاثي المتولّد عن الجذع الثنائي نـقـ... (نقى ونقب ونقد ونقه ونقر ونقش ونقض ونقص ونقل ونقم ونقح (أي فرز الجيد من الرديء) ونقط (الحرف ليميّزه عن آخر) كلها متشابهة في المعنى المقصود.
وقد عرف العرب بحبهم للزيادة على الأفعال بصيغ كثيرة وبكرههم للتنقيص. فاذا زادوا الحرف إلى الثنائي في أوله سموه تصديرا وإذا زادوه في وسطه سموه حشوا وأما إذا جاءت الزيادة في الآخر فتسمى كسعا ونلاحظ أيضا أن المبدأ العام يشمل أيضا حروف التّصدير: زيادة حرف في أول الثنائي ليصبح ثلاثيا دون ان يبتعد هو نفسه كثيرا عن المعنى المشترك. ونرى ان بعض الحروف تؤسس لحالات متقاربة.
أما ظهور اللغة العربية فقد اختلف فيه المؤرخون وعلماء الاجتماع واللغويّون، كلّ يحلّل ويبيّن ويستشهد. ويرى البعض أن ظهور اللغة العربية قد سبق ظهور العرب بقرون وان هؤلاء صنعوا لغتهم التي نتكلمها اليوم معتمدين على المثاني. ولعلّ الخوض في هذه المسألة مضيعة للوقت.
ويعتبر أقدم نصّ أثري ورد فيه اسم العرب اللوح المسماري المنسوب للملك الآشوري (شلما نصر الثالث) في القرن التاسع قبل الميلاد ومعلوم أن العرب ينقسمون الى عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة وان اللغة العربية هي لغة سامية نسبة الى سام ابن نوح، الذي مات قبل العرب بستة قرون تقريبا.
صحيفة المثقّف 08 تشرين2/نوفمبر 2021
مجلة المسار 103 جويلية اوت 2016
تعرضنا في مقال سابق إلى أن الجذع في اللغة العربية يمكن أن يكون ثنائيا وليس ثلاثيا كما كنا نعتقد ثم بينا في أن الحرف الواحد أو المجرد غير موجود في اللغة إذا اعتبرنا أن اللغة فعلُ نطق. ونتناول في هذه الورقة الحروف بشكل عام.
يقسِّم اللّغويون الحروف الى قسمين: الحروف الصامتة وهي حروف الهجاء المعروفة وعددها 28 حرفا وصائتة وهي الحركات أي الفتحة والضمة والكسرة وترسم هذه الحركات إذا طالت ألفا بالنسبة الى الفتحة، واوا للضّمّة، ياء للكسرة. وقد سمى النّحاة العرب القدامى هذه الأحرف (الألف والواو والياء) حروف علة وجمعوها في عبارة "واي" وسمّاها المحدثون أنصاف حروف /أنصاف حركات لجمعها بين خصائص الحرف وخصائص الحركة.
بينما قسم آخرون الحروف إلى قسمين كبيرين: حروف المباني وهي التي تبنى عليها الكلمات (حروف الهجاء) وحروف المعاني وهي التي تنقسم بدورها إلى حروف عاملة في الجر أو في العطف أو مشتركة.
وقد اسند النّحاة الى الحروف معاني حسب مهمّاتها فقسموها إلى أحرف النفي وأحرف الشرط وأحرف التحضيض (ألا وهلا ولولا) والأحرف المصدرية (أن، وأنّ كبي ما، لو) وأحرف الاستقبال (السين، سوف) وأحرف التنبيه (إلا، أَمَا، هَا، يَا) وأحرف التوكيد (اللام والنون آخر الكلمة):
وفي واقع الأمر فان الحرف يرتبط، في إطار الكلمة، ارتباطا وثيقا بحالةِ قائله فهو فاضح لما يحس به المتكلم او يريد أن يعبر عنه إذ أن الكتابة تفضح الذات وتكشفها بل تأخذ مكانها في التعبير عما تشعر به النفس سواء رغبت في إخراجه او لم ترغب. والكتابة تفرض نفسها على الكاتب فيجيء النص كما يشاء بل وتصل سلطة النّص على النّفس إلى حد تلبيس الشكل على الباطن عنوة. فيجيء النّص المعلن او ما أسميه النّص الفاضح ترجمة للحالة النفسانية. تماما مثلما يعبر الإنسان عن الفرح بالقفزة او الرقصة ويرفع يديه إلى الأعلى عندما يرى لاعب كرة القدم يسجل هدفا حتى وهو لا يعرفه؟ ولماذا يصيح الإنسان معبرا عن القوة بينما يعبر عن الألم بالانكماش؟
وقد حاول بعض علماء اللسان من الصوتيين ان يجدوا للحروف دلالات تناسب الحالة التي عليها القائل وتفضح ما بداخله فأسندوا لكل حرف تقريبا دلالة او دلالات فحرف السين مثلا يدل على الانسياب فمنه: سال وساق وساس وسار وسعى وسرى وسام وساب أما اذا تضخم أصبح دالا على قوة الصوت وضخامته فصاح وصحِل صوته وصخّ الحجرُ. وصدح الطائر وصرخ. وصرّ وصؤل البعير). وصدّ. وصرم (قطع) وصفد (وصكّ وصلت بالسيف وصلب وصمد وصمل ومثله حرف الضاد الذي يمشي في ركب الضخامة أيضا.
ولحرف الخاء دلالة على السيء والقبيح فمنه الخيانة والخراب والخرف والخرقة والخزي والخديعة والخيبة والخزعبلات والخرم والخرس ومنه خرط وخرم وخرش وخدش وخرق وخرج.
اما حرف الزاء فيكثر استعماله عند التعبير عن الاضطراب والاهتزاز والتحرك والتدحرج والانزلاق زأزأ الشيء وزعزع وزحزح وزحف وزحلق وزجل وزج وزخم.
وأما حرف الحاء فيستعمل بكثرة عند الحديث عن الأحاسيس مثل الحس والحنين والحب والحرقة والحنان والحلم والحضن والحلال والحرام والحميم والحر والحرب والحرص والحزن وليس من الصدفة ان يتكرر حرف الحاء عند الشعراء كلما عبروا عن إحساس بالحزن يقول ابن زيدون:
الا وقد حان صبح البين صبحنا ......حينا فقام بنا للحين ناعينا
وقلت ذات قصيدة: وأحنّ بحثا عن أحبّة رحلتي
إني سأحضن حبّهم ....
فهل وضعت الحروف صدفة أم إن الأمر يدعو إلى التأمل؟
مجلة المسار العدد 110 نوفمبر 2017
تختلف الآراء حول طبيعة الكتابة للطفل حسب المجتمعات والطّبقات الفكريّة كما تختلف شركات الصناعة الثقافية فيما تقدّمه الى الأطفال من أفلام وصور متحرّكة ومن قصص. ويضع علماء الاجتماع والمنظّرون للكتابة للّطفل شروطا ينبغي أن تتوفّر في النّصوص متعللين بما يسمّى خطأ براءة الأطفال فهل الطفل بريء حتّى نحترم فيه براءته؟
في اعتقادنا أنه لا يصح الحديث عن البراءة عند الأطفال بكل بساطة ودون تحديد مفهومها. فالبراءة تعني التّخلّص من العيب أو من المرض أو من الخطأٍ وهي كذلك الخلوّ من الشيء. وهل يحقّ لنا أن نسمّي شيئا من خلال نقيضه؟ نحن نتسرع في الحكم عندما نقول إن هذا الطفل بريء في حين أنّه لم يرتكب أي جرم نبرّئه منه. كل ما في الأمر أنه تصرّف بذكاء أو بالفطرة أو كان صادقا في كلامه أو كان نزيها في موقفه. نحن نحاكم الأطفال ونقيّم أفعالهم من وجهة نظرنا نحن، وجهة نظر ذات المرجعية الأخلاقية او الدينية او الموروثة أو العلمية أو حتّى القانونية. وبناء على أحكامنا المسبقة نجد أنفسنا نحاول أن نبني الطّفل الذي نريد ليكون متناسقا مع عقليتنا ومتناسبا مع ذواتنا وممتثلا لعاداتنا وتقاليدنا فننظّر ونؤسس ونكتب ونسطّر وننفّذ برامجنا ونسيّج حياة الطفل ونمارس عليه نفوذا يحدّ من حرّيته ويحاصره حتى يحصره في مساحة أضيق من خياله فنجعل منه كائنا يخاف من الفعل قبل أن يقوم به.
الطفل يعضّ ويصرخ ويضرب بالفطرة للتعبير عن الإحساس بالظّلم ومحاولة لردّ الفعل تجاهه، وقد يكون هذا العنف الذي يمارسه الطفل نتيجة ضغط او شعور بالقمع او بالاحتقار. كل الأعمال العنيفة التي يمارسها الطفل على غيره لم يتعلّمها لا من العائلة ولا من المحيط فلا أحد أمره بأن يعضّ الآخر ولا من لقّنه فنون الضرب باليد أو بالسّاق (كلّ الأطفال يتعلّمون باكرا الرّكل لأنّه سهل). فهل نساهم من حيث لا ندري بأوامرنا ونواهينا في زرع ردّة الفعل العنيفة في الطّفل.
ألسنا أحد أسباب هذا النزوع الى العنف عندما نفرض عليه آراءنا وكتاباتنا التنظيرية؟ ألم نسع الى تحديد مساحة لحركة الطفل وتفكيره أصغر مما كان يتخيّل؟
نحاول جاهدين أن ننجز كتابة للطفل معينة ونضع لها عنوانا كبيرا: كيف تكون الكتابة للطّفل؟ ونجازي النصوص التي نعتبرها صالحة لتربية أطفالنا على سلوك حضاري نعتقد أنه الأفضل في بناء شخصية الطفل وصقل مواهبه ونسعى الى تلقينه اساليب الحياة من التفكير الى الممارسة ونلزمه باحترام القواعد التي نراها أساسية. ونسطّر له طريقا ونسيج له مساحة للتحرّك ونسقط عليه الأوامر والنواهي. ونشرع في اختيار الالفاظ فنفصل الجميلة منها عن البذيئة والسلسة عن العنيفة ونقصر في الجمل أكثر ما يمكن ليستطيع الطفل حفظها ونؤلّف الخرافات ونطبعها في كتب ونزينها بالصور ونضع غلافا جذّابا لكل كتاب. ولنفرض أنّ كل هذا النظري صحيح وذو جدوى، ماذا إذن على مستوى الواقع؟
تحيّلوا أنّنا مرّرنا التوصيات والتوجيهات والبرامج لحاسوب أو روبوت وأمرناه بالتنفيذ بحرية على طريقة الذكاء الاصطناعي. أعتقد أنّه سيرفض ما كلّفناه به وستكون نتائج العمل الحر كالاتي. قد يستمع الطفل الينا وتشدّ انتباهه الخرافات التي نقلناها له بالعنعنة دون تفكير ودون تحريف فلم نجتهد يوما فنغيّرها لتتماشى مع أطفال القرن الحالي ومداركهم العقلية. وقد يستنجد الحاسوب، كما نفعل، بالغول ليكف الأطفال عن ضجيجهم ويناموا خائفين فنخلو نحن الى صمتنا. قد يلتجئ الروبوت الى فتح التلفاز على أفلام من الصور المتحركة عمادها العنف والقتل والانتقام والجريمة والعقاب والبطل والضحية ولا من يحاسب الطفل عن طول الوقت الذي يمضيه امام الشاشة.
نحن نعاني ازدواجية في التعامل مع الطفل فنعيب عليه تشبثه بالحاسوب ونخاف عليه من الإدمان وننسى فضائل الحاسوب والعابه التي تنمّي ذكاءه وتعلمه الصّبر وتزرع فيه الرّغبة في الانتصار وتعلّمه العزيمة وتقبّل الهزيمة بروح رياضية نحن نسعى الى رقمنة المدارس الابتدائية والاعتماد على المعلوماتية في التعليم ونخاف من الإدمان عليها. ولعلّ كثيرا منّا ما زال يذكر حبّنا للقصص المصوّرة التي لا تخلو من المغامرة والخداع والبطش والقتال. نذكر مثلا قصص kiwi و black le roc قبل أن تظهر قصص أخرى من النوع البوليسي وهي قصص تعتمد على الخيال والتحليل الدقيق الذي يستعمله المفتّش للوصول الى تفكيك الجريمة. هذه القصص تشدّ الطفل وترغّبه في القراءة فلماذا يراد من الكتّاب (وأخصّ بالذكر كتاب نصوص المسابقات) استبدلناها بقصص مضبوطة ومقيّدة ومحبوسة بشروط الجوائز.
لماذا نفرض على الطّفل أن يقرأ الكتب اللّطيفة التي نعدّها له ونترك له حرّية الإبحار في الشبكة العنكبوتية حيث يستقطبه تجّار التطبيقات واللّعب وتجار الدّين أيضا؟
الطّفل يولد حرّا بالفطرة محبّا للحرّية لا يريد أن يفعل ما يملى عليه لأنّه ببساطة لا يستطيع أن يقدّر أهمّية ما نوصيه به فهو، يطمح الى أن يصبح رجل أمن أو مفتّشا لينتصر للمظلومين ويعاقب المجرمين فنراه يفرح كلما انتصر بطل الحقّ على المجرم الشّرير.
الدّفاع عن الحقّ كما الدّفاع عن النفّس أو عن الممتلكات غريزي وحبّ التّملّك أيضا. الطّفل يشعر الاخرين بأن أبويه ملك له لا ينبغي لأحد المساس بهما ويعبّر عن الدفاع عن هذا الملك بالعنف اوّلا ثمّ بالصراخ ثانيا عندما يشعر بأنه غلب على أمره.
الطّفل أكثر ذكاء ممّا نتصوّر وما علينا الا تنمية الذكاء بالحرية وبتوضيح الأمور حتّى تلك التي نعتبرها عنيفة. من الأفضل ـن نُعْلمه بأن الشّرّ موجود ويمكن مقاومته ولا نقاومه بإخفاء الجريمة وتحريم النصوص أو تجريمها عندما تتناول العنف والجريمة بتعلة أن هذا من شأن الكبار.
نحن نتهم الطفل بالبراءة فنكتب له ما نريد ولا ما يريد.
صحيفة المثقف 18 مارس 2024
1ـ على سبيل البدء
مرّت أزمان والنّقّاد يعتنون بنصوص غيرهم من المبدعين نقدا وانتقادا، مدحا وتجريحا، شرحا وتشريحًا. وكانوا بتلك العناية والرّعاية قوّة دفع كبيرة ساهمت بالارتقاء بالنّصوص الى درجات عليا من الأدبية والجمالية وساهمت في ربط علاقات إفادية بين النّص والقرّاء. وخلال هذه الازمان لم يسه النّقّاد عن فرز النصوص وتوصيفها وتصنيفها، ولم يتوانوا في تقييم الأدباء وتقسيمهم فقسموا الشّعراء مثلا الى أربع درجات. وقسّموا الأدب الى أشكال كثيرة. وقد فعلوا ذلك أحيانا باعتماد معايير شتى لا تخضع دائما الى الموضوعية وانما الى عوامل مختلفة مثل الزمن والظروف الاجتماعية ودرجات المعرفة وحتى الذوق والمزاج. والسؤال الذي اود طرحه: ماذا فعل النّقّاد بنصوصهم النّقدية؟ هل طوّروها لتواكب الحداثة أم انهم اكتفوا بالكنس أمام ديار غيرهم بأسلحة قديمة اهترأت مفاتيحها فلم تعد قادرة على فتح باب نصّ "حديثّ"؟
وان كنت لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال، لعدم الاختصاص، فإنني سأحاول في هذه الورقة ان اثير الموضوع املا في تذكير أصدقائي النّقاد بدورهم الرّيادي في ضرورة الاتيان بشيء قد يرفع نصوصهم الى كوكبة القافلة ان لم أقل ناصيتها ليتمكنوا من قيادة الحركة الأدبية أو في أضعف الأحوال أن تواكب نصوصهم النقدية النهضة التي شهدتها النصوص الإبداعية الأخرى.
2 ـ الأبستمولوجيا والصفة
يقول بعض من اللغويّين أن جذع العربية حرفان لا ثلاثة ويسمّون العربية لغة المثاني. وحتى أبيّن حقيقة أبستمولوجيا كلمة "نقد " اعتمدت هذه النظرية وبنيت على أسس حَرْفيْ النّون والقاف (الجذع الثّنائي لفعل نقد) وولّدت منهما جميع الالفاظ الممكنة بإضافة الحرف الثّالث. وخلصت إلى أن كل الالفاظ المولّدة تدور حول المعنى نفسه وهو تسليط قوّة مادّية (ملموسة)أو معنوية (محسوسة) على شيء بغية إصلاحه او تهذيبه او تزيينه. فنقّى ونقب ونقد ونقح ونقس ونقر ونقش ونقص ونقض ونقط ونقل ونقم، كلّ هذه الأفعال يقودها رأس الحربة الذي نعوّل عليه أي نقد، تبيّن أن مهمّة النّاقد لا تكمن في ابداع (خلق) نصّ جديد إنما في تناول نصّ موجود بغية فرز الجيّد منه وتقييمه وذلك بتسليط قوّة معنوية عليه، وهو غير مطالب باختلاق نص من خياله وانما بالاشتغال على ابداع غيره بطريقة لا تخلو من الفنّ والجمالية: يفحص النّاقد النّصّ معتمدا على مخزونه اللّغوي وعلى فطنته وذكائه وعلى ذاكرته وما ادّخرته لوقت الحاجة، يفكّكه ويعيد بناءه. وهذا العمل لا يقدر عليه كل من دبّ وهبّ فللنّقد شروط عديدة منها: الكفاءة والدّرجة العلمية وموهبة التحليل والتفسير والقدرة على استنطاق النّصّ وحذق الدّخول الى أعماقه. فالنّصّ يتكلّم إن دفعته الى الكلام ويبوح بأسراره إن أمسكته من النّاصية. والنّاصية في نظرنا هي لا وعي الكاتب المبثوث بين السّطور وخلف العبارة. وعلى النّاقد القنّاص أن يتمكّن من تعرية الوجه الخافي من النّصّ واستحضار ظروف ولادته.
3 ــ على النّاقد أن يشابه الطّبيب
ان النّاقد وهو يضع جسد النّص الادبي على طاولة الفحص هو طبيب يحاول ان يستنطق الجسد المريض لتحصل عنده فكرة كلّية (البنيوية = l’état général) معتمدا على علم الفيزيولوجيا (الاسلوبية = (la physiologie وناظرا في علامات المرض (سيميولوجيا = la sémiologie). تقول الحكمة الأساسية في فن الطب: ليس هنالك مَرضٌ بل هنالك فقط مرْضى (il n’y a pas de maladies، il n’y a que des malades) ما يعني أن الطّبيب لا يمكنه أن يطبّق المعارف نفسها على جميع المصابين بمرض واحد. كذلك النّاقد لا يمكنه أن يطبق المذاهب نفسها على كل النّصوص فهي تختلف من شخص الى اخر ومن بيئة الى أخرى، ومن ذوق الى آخر وقد تختلف عند الكاتب نفسه باختلاف ظروف الكتابة. فليس هنالك مدارس نقدية أصلا ولا قوالب جاهزة يستوردها الناقد في علب لغوية. وحتى إن وجدت، فهي تولد مع كل نصّ وتتوزّع ما بين وعي ولا وعي الكاتب. فلا يحقّ للنّاقد ان يتعمّد تطويع النصّ لمذاهب نقدية غريبة عنه وعن البيئة التي خلق فيها.
4ــ عنوان النّصّ، المتاهة الأخرى.
لعلّ أوّل زلّة يرتكبها النّاقد الكلاسيكي هي اهتمامه بالعنوان. اذ يعتبر كثير من النّقّاد أنّ عنوان النّص هو العتبة الأولى التي تسبق المتن ويخصّونه بقراءة معمّقة وشاملة تمسح حتّى شكل الخطّ ولونه. بل ويصرّ بعضهم على أهمّية العنوان فيضعه في مرتبة المضاف ويترك البقية مضافا اليه لا يخرج عن طاعته الا بتأويل. شقّ ثالث يمنح للعنوان صفة المبتدأ ويسمّي البقية خبرا لذلك المبتدأ اللّقيط الى أن يجد له نسبا. يشترك كل هؤلاء في منح قيمة للعنوان لا يستحقّها لتكون في أحيان كثيرة واجهة مصطنعة وشمّاعة تأويلات. أمّا في الواقع فلا يضع المبدع، شاعرا كان أو قاصّا، عنوانا لنصّه الا بعد وقت من الانتهاء من كتابته والاشتغال عليه. وقد تطول مدّة البحث عن عنوان فتفوق المساحة الزّمنية التي استهلكتها كتابة النّص ومراجعته. وقد يرشّح الكاتب عدّة عناوين يعرض بعضها على قرّائه وأصدقائه. ولنفرض أن رأي هؤلاء النّقّاد صحيح وان العنوان هو بالفعل مبتدأ وأن المتن خبر له فماذا يساوي المبتدأ دون خبر؟ لا شيء سوى كلمة مجرّدة خالية من كل معنى فالخبر هو الذي يرفع من شأن المبتدأ ويمنحه معناه وصفته. نقول مثلا: البحر ونتوقف هنا حيث لا معنى ولا شيء حتى يحين الخبر فنقول البحر مائج فنفهم سببا ونتيجة لذلك الهيجان الخ. العنوان في اعتقادنا تلخيص للنّص وباب الخروج منه ولا مفتاح الدخول اليه.
5ـ حتّى لا يبقى النّقّاد أنصاف نقّاد
أغلب النّقّاد يتعلّمون ممارسة النّقد في كليات الآداب والعلوم الإنسانية فيتخرجون منها بشهادة في احدى اللغات أو العلوم الإنسانية مثل الجغرافيا والتاريخ والحضارة. وقد ينهون دراستهم بالحصول على نصف شهادة نظرا لتفرّع الاختصاصات في زماننا، فالأدب صار آدابا منها القديم ومنها الحديث. فماذا يفعل النّاقد أمام نصّ مشحون بالمعارف العلمية الحديثة (خيال علمي، علوم صحيحة، تكنولوجيا، انترنت) وهو الذي لم يتعلّم كيف يأخذ الأشياء بمنطق الأشياء؟ سيجد نفسه عاجزا عن فهم النّصّ وقد لا يتجرّأ عن التعبير عن عجزه فيكتفي بقراءة سطحية بسيطة مكتفيا بسلاح اللّغة ولا شيء غير اللغة يقيس من خلالها النّصّ وينقده فيضرّ به ويضرّ بقارئه.
6ــ تقديرا للنّاقد
أحيانا، يجد النّاقد نفسه في وضعية لا يحسد عليها خصوصا إذا كانت تربطه بصاحب النّص علاقة أو معرفة قد تفرض عليه التضحية بقسط من النزاهة وبشيء من الموضوعية. وقد يكون الناقد مجبرا لغاية أخرى على التخلّي عن رأيه تجنبا لما عسى أن يلحق به من أذى فنحن نعلم أن سوق النّقد والجوائز والقراءات صارت حامية وأنشأت لها أنصارا وسماسرة من النّقّاد أنفسهم فجعلت بعضهم يختارون المكان الأسلم، المربح والمريح، فلا يخجلون من التضحية بدرجات معارفهم إرضاء لخاطر مانح الجائزة أو للحاصل عليها. وهذا الموقف خالص الأجر أضرّ بالنّصوص الأدبية عموما وأفقد السّاحة ثقة القرّاء.
لذلك قلت مرة في حيرة النّاقد باحثا له عن أعذار تنزّه عمله:
... ينْقادُ النَّاقِد للفوْضَى
ما أعذبَ هذا المنفَى!
وبلا مأوَى...
يتلجلجُ قلبُ الناقِد ما بين الألفاظِ
تضيعُ رؤاه
مخمورًا ينبُش في الأنقاضِ
ما أصعبَ أن يتحكَّم نصٌّ
في أحْجيةِ القاضِي.
صحيفة المثقف 11 أيار 2023
انتشرت في السّنين الأخيرة موضة نقديّة فرضت نفسها على النّقّاد فتفنّنوا فيها حتى صار لا يخلو منها مقال نقدي واحد. هذه الظاهرة / الموضة هي علاقة العنوان بالنّص، اهتمّ بها النّقاد كثيرا وأعطوها حجما أكبر ممّا تستأهل. أقول قولي هذا معتذرا عمّا قد أسبّبه للبعض منهم بإلقاء حجر الشكّ في بركة الاجتهاد والنّوايا الصّافية خصوصا أولئك الذين يحتكرون موهبة النّقد فيمنعون العصاميّين الأطبّاء منهم والمرضى من ولوج ساحة النّقد التّي صارت تدرّ عليهم بما يكفي من النّقود لإرضاء أعمالهم النقديّة. وأنا أعتبر ذلك حقّا لهم ومن واجب السّاحة الفكرية أن تكرمهم وأن تمنحهم مقابل أتعابهم.
أصبح الّناقد "الحديث" يتناول النّص الإبداعي لا بالغوص المباشر في محتواه لاستنطاقه وإنما بالتوقّف عند عنوانه لتقشيره والبحث فيه عرضا وطولا، صعودا ونزولا حتى يعتصر منه فكرة متا يجعل منها حجر الزّاوية ويبني عليها ما يشتهي. وقد يطول وقوف النّاقد على هذه العتبة فيتّخذ منها عقبة وجب تخطّيها بالكلام الكثير والتأويل المثير، وقد يحتاج وقوفه هنا تركيزا كبيرا لا يبرحه الا متى فرغ زاد البحث وتهرأت أدوات النّبش، وسكت العنوان عن البوح القليل وعن التأويل الثقيل.
وقد تفيض قراءة النّاقد على كامل الغلاف فيسرح في الصّورة مدقّقا ومحقّقا وينظر في الألوان ليراها ملائمة للخطّ ومتآلفة مع التوزيع المساحي للكتابة، ثم ينشئ علاقة فنّية بين العنوان وبقيّة الحواشي وأخرى عضويّة بين دلالة العنوان والموضوع الرّئيسي الذي من أجله ولد النّص. فالكتاب في نظره يُقرأُ من عنوانه وانتهى الأمر عند هذا المبدأ. وهي مقولة أثبتت سذاجتها من زمن أي منذ أن صار النّاشر يهتمّ بالغلاف. وقد يتمطّط حبل التأويل في يد النّاقد فيحرّر في الغلاف صفحتين أو ثلاثا.
هذا ما جعل بعض الّنقاد يؤكّدون على أنّ العنوان عتبةٌ سابقةٌ لمَتنٍ لاحق، ولكنْ، ألا يعني هذا اتّهامَ الكاتب بأنّه يكتب حسب برنامج مسبق وهندسة متخيّلة فتصبح عملية الخلق صناعة ميكانيكية مجرّدة من كلّ أحاسيس، تسيطر الفكرة فيها على جماليّة النّص وعلى أدبيّته؟
وبعيدا عن كل ما هو نظريّ فإن أكثر ما يزعج الكاتب ويقلقه هو تخير العنوان لنصه الإبداعي. فهو يكتب نصّه ويتركه في الرّف مدة حتى ينضج شكله في ذهنه. ثم يستعيده ويشرع في رحلة اختيار العنوان وهي مرحلة قد تطول وقد تقصر، يتغيّر خلالها العنوان أكثر من مرّة وقد يرشح الكاتب عناوين كثيرة يعرضها على أصدقائه من القراء والنفاد وقد تتواصل هذه الرّحلة الى ما بعد أن يسحب النص الورقي كاملا. ولم يبق الا سحب الغلاف. ويضيف النقاد مفاخرين بما توصّلوا اليه من استنتاجات تبدو لهم منطقية (في علاقة السّبب بالنتيجة) إنّ العتبة هي المبتدأ والنّص خبره. فلنسلّم فرَضا بهذا الرّأي لكنّنا نعتقد ان الخبر أهمّ بكثير من المبتدأ، يقدّمه ويصفه ويعطيه مدلوله وأن المبتدأ بلا خبر يوضّحه يبقى مجرد لفظة جوفاء لا تعني شيئا، فأنت مثلا عندما تقول: الباب فإنك لا تقول كلاما ذا معنى وعندما تضيف الى الباب خبرا كأن تقول الباب مفتوح أو مخلوع فإنّك بيّنت القصد وأوفيت المعنى وعبرت عما اردت.
ثمة مسألة أخرى يهملها كثيرون هي عنصر التأثير الخارجي على النّص فالكاتب إذا أحسّ بان نصّه ممنوع من النّشر في كتاب او مجلّة او صحيفة يسعى الى أن يراوغ مقصّ الرّقابة بوضع عنوان يتوّه السلطة او صاحب الجريدة وحتى بعض القراء ويحملهم في اتّجاه تفسير أو تأويل يحمي به الكاتب نفسه ونصّه من الاحراج. دون ان ننسى ان الكاتب نفسه قد يمارس على نصّه رقابة ذاتية فيجعل له عنوانا متوها بمحض إرادته (أو خوفه).
ولا يقلّل كلامنا هذا من جهد النّاقد وابداعه كلّما تناول نصّا ابداعيا بالنّقد. بل إنّنا نذهب الى اعتبار أن كثيرا من الاعمال النّقدية أضافت الى النّص الأصلي جمالية وأدبية فرفعته الى مراتب لم يكن الكاتب الأصلي ليحلم بها. كما لا ينفي كلامنا احتياج الابداع الى حركة نقدية تلازمه وتسنده وتفتق في حدائق الادب ازهاره.
لكننا نرى أن علاقة العنوان بالنّصّ علاقة وهميّة من الممكن قراءتها بالمقلوب لننظر مدى مطابقة العنوان للنّص ومدى استجابة النّص للعنوان دون وجع دماغ ولا تأويل. فعنوان الكتاب يمكن أن يكون باب الخروج لا مفتاح الدّخول.
مجلة المسار 25 نوفمبر ديسمبر 2020
بعد أن تخطّت السّبعين عاما من عمرها هل استطاعت قصيدة النّثر أن تفرض نفسها كجنس أدبيّ متكامل ومتناسق؟
لم أقرأ إجابة مقنعة واحدة تشفي الغليل وتنهي التململ وتقضي على الصّراع بين المؤيّد والمعارض.
وسعيا منّا إلى الإجابة عن السؤال بموضوعيّة، حاولنا ان نتخلّص من كلّ أحكام مسبقة، فلم نجاهر بمحبّة لهذا الصّنف أو بعداوة لذاك. وقمنا بجرد للشّعراء التّونسيّين لتوفّر أسمائهم بين أيدينا. وقرأنا ثلاثة كتب تناولت قصيدة النثر بالتحليل والدراسة: كتاب المهدي بن عثمان قصيدة النّثر في تونس وكتاب أحمد عبد المعطي حجازي: قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء وكتاب نور الدين بوجلبان: قصيدة النثر وانبناء الشعرية. وقد تنوعت هذه الكتب بين الموقف الانطباعي المنحاز وبين الموقف الموضوعي المبني على حجج.
وبعد هذه الرحلة بين الشّخوص والنّصوص ثبتت عندنا ملاحظات عديدة منها:
ـ ثلاثة أرباع الشّعراء يكتبون الشّعر الموزون (العمودي وشعر التفعيلة).
ـ تخلّي العديد من شعراء التّسعينات عن قصيدة النّثر والتحاقهم بشعر التّفعيلة.
ـ ظهور جيل من الشعراء الشّبّان خرّيجيّ الجامعة يكتبون الشّعر العمودي. ومردّ هذا ان دراسة العروض سحبتْ من برامج التّعليم الثّانوي واقتصرت على طلاب الجامعة وبالتّالي فإنّنا سنرى مستقبلا نوعين من الشّعراء: واحدا بمستوى تعليمي متواضع يجهل أسباب الشّعر وشروطه، وآخر أكاديميّا يشرح الشّعر ويكتبه (مسألة للمتابعة). ولكن هذا لا يفسّر تخلّف قصيدة النّثر عن الرّكب في المدّة الأخيرة. لذلك سنحاول البحث عن الأسباب منذ نشأة قصيدة النثر.
السّبب الرئيسي لخيبة قصيدة النّثر في اعتقادنا يعود إلى بداياتها فمنذ ظهورها لبست جلباب الخاطرة بل امتصّتها وابتلعتها وصار كتّاب الخاطرة يقدّمون إنتاجهم على أساس انّه شعر يستحقّ قائله الدّعوة إلى الأمسيّات الشّعرية. فأصبحنا لا نقرأ ولا نسمع خاطرة واحدة. أليست الخاطرة في ظاهرها من النثر وفي باطنها من الشّعر؟
سبب آخر عطّل نموّ قصيدة النّثر هو مبادرة روّادها بإعلان عداوة لما سبق. هؤلاء أهدروا طاقات البحث في حرب وهميّة شعارها ضرورة قتل الأب وهو في اعتقادي خطأ قاتل ارتكبته قصيدة النثر فمشت مباشرة إلى هدم ديوان العرب متمثلا في القصيدة العمودية، النمطية، الكلاسيكية، القديمة، الرجعية، المتخلّفة، السّاكنة، الصمّاء، الأصيلة بالنّسبة للبعض. وكلها تُهم لم تنجح قصيدة النثر لا في إثباتها ولا في إقناع العرب بها. وقد بيّن نور الدين بو جلبان هذه المسألة وناقشها مع أنسي الحاج في كتابه "لن". حيث يضع الحاج الهدم شرطا أساسيا لقصيدة النّثر. وما كل هدم يفضي إلى بناء. وهنا نطرح سؤالا جوهريا: لماذا سعت قصيدة النّثر بكلّ غباء، إلى هدم قصيدة التفعيلة وهي تعرف مسبقا أن العرب لن يسلّموا ديوانهم، جثّة باردة، بهذه البساطة؟ ألم تكن قادرة لوحدها على أن تنحت كيانها وتفرض نفسها بالاعتماد على نفسها؟ ألم تحمل كفنها على أكتافها مكان الفأس الذي ستحفر به قبر شقيقتها.
أما القول بأن قصيدة النثر مشروع ثوريّ ينتصر للشّعوب الكادحة فهو كلام ساذج يجعل من القصيدة حزبا سياسيّا يقوم على نفي الأحزاب الأخرى لا على برنامج خاص. فكانت النتيجة ان النّكبات التي عاشها الوطن العربي حملت الشّعراء إلى تحديث مجالات الكتابة وتغيير مواضيعها فبرز السّيّاب وأدونيس ودرويش والبرغوثي الأب والابن، الجخ، الوهايبي، أولاد أحمد وكثيرون آخرون. ولم يبرز في الشقّ الدّعائي إلا نفر قليل جدّا.
وتدعي قصيدة النثر أنها حرّرت الشّعراء من القيود التي تكبّل قصيدة التّفعيلة، وفي الحقيقة أن قيد الوزن وهمي لأن عدد البحور (الــ 128 بحرا التي يمكن أن نولّدها من البحور السّتة عشر المعروفة) يبيح حرّيات كثيرة لا حرية اختيار بحر واحد. أما الشّروط الأخرى التي تفرضها اللغة من إعراب وصرف ونحو فهي شروط مشتركة تهمّ كل الكتابة بل يمكن القول ان القيود المفروضة على قصيدة النثر أكثر من تلك المفروضة على قصيدة التفعيلة لأنه يجوز لكاتب هذه الأخيرة ما لا يجوز لكاتب النثر. ولعلّ الشروط الأربعة (الوحدة العضوية، الإيجاز، التوهج، المجانية) التي حدّدها أنسي الحاج في كتابه "لن" عصيّة على أغلب شعراء قصيدة النّثر. بل لم يستطع أن يوفّرها واضِعُها في كتابه حسب ما أورد نور الدين بو جلبان بالحجة في كتابه قصيدة النثر وانبناء الشعرية.
ومثلما الحلال بيّن والحرام بيّن فإن الشّعر واضح بصوره وبمعانيه لا بشكله. لأنّ الشعر أنماط لا يمكن حصرها إذا ما نظرنا إليه من باطنه. ولأن الشعر أكبر من أن يحبس نفسه في تعريف يتيم.
مجلة المسار العدد 128 ماي جوان 2021
في شرح الشِّعر وتشريحه
قلّما مرّ كاتب على بلاد الأدب ولم يعرّف الشِّعر أو لم يترك رأيه فيه. فعلها الجاحظ وابن خلدون وابن قتيبة وابن طباطبا وابن منظور والجرجاني والفيومي وغيرهم. لذلك يمكننا أن نحصي تعريفات الشّعر بالعشرات او بالمئات. فكل شاعر يعرّف الشّعر كما يرى وبما يتناسب وشخصيته. وقد تكرم النّقاد أيضا على الشعر بتعريفات عديدة تتلاقى أحيانا وتتبادل حوافرها أحيانا أخرى وقد تصل إلى حد التضارب فلكل موقف مما يكتب وتفسير لما يفهم حتى أوشك الشّعر أن يصبح سائحا يلبس في كل مناسبة جبّة جديدة تتناسب والمكان الذي ينزل فيه ضيفا.
وقد تعددت التعريفات ما بين العلمي والمجازي وبين المحسوس والملموس وبين الكيميائي والسيميائي وبين الذاتي والموضوعي. وتتكئ أكثر التعريفات على عمود فقري موحد يتمحور حول ما يلي: الشعر كلام موزون مقفى يدل على معنى او هو كلام مفصل قطعا قطعا او هو كلام الوجدان.
في اعتقادي ان هذا التعريف منقوص لعدة أسباب اهمها انه لا يعترف بالشعر غير الموزون وثانيا لأنه يعتبر الشّعر كلاما بينما هو فنّ يمارس داخل اللّغة. ولن ادعي أنني سأنهي المسالة بجرة المشرط فاشرّح وأشرح معنى كلمة شعر ولكنني أرى انه باستطاعتي التركيز على العنصرين الأساسيين في الكلمة الكيمياء (العناصر المكوّنة) والسيماء (العلامات)او الدال والمدلول والقاصد والمقصود واللفظ والمعنى معتمدا في هذا على نظرية المعرفة (épistémologie).
فحين أبحث عن عبارة شعر ومشتقاتها وأصولها لا يمنحني المعجم كثيرا من الألفاظ الشبيهة، الشرعية منها والهجينة، التي تنحدر من نفس الجذع ونجدها تحوم حول معنيين اثنين اولهما الاحساس (شعر/شعل /شعف) وثانيهما الانتشار والتفرق (شع / شعا/شعي /شعث /شعب و شعق)
ان لكلمة شعر سحرا خفيµا لا يدركه الا القليل من الناس فهي تحمل في باطنها ما يوحي بكيميائها وسيميائها معا وهي مكونة من ثلاثة حروف: حرف الشين وحرف العين وحرف الرّاء. وقد تكون الصدفة تكرّمت عليّ بتفسير مقنع يغني عن كثير من التعريفات.
فحرف شين يحيلني الى الشّعور بمظاهره الثّلاثة (الإدراك والنزوع والوجدان) والشّعور هو مجازا لغة القلب. اما حرف العين فيحيلني الى العبارة وهي الكلام الذي يبين به الإنسان ما في داخله. وهي مجازا لغة الذاكرة التي تحفظ ما نتعلّمه من لغة.
وأما حرف الرّاء فيحيلني الى الرؤية وهي لغة العقل الذي يرى ويزن ويفكر.
فاذا اجتمعت اللغات الثلاث و اذا ما أحسن الشّاعر اختيار العبارة الرشيقة و شحنها بالصّدق في احساسه واضاف اليها من المعرفة ما يبرر قوله كان الشّعر. وإذا شدها الى بعضها بعصب موسيقي يدخل النّفوس ويأسرها كانت الصّورة الشعرية.
لا بد إذن لكل نص أن يحتوي على الاحساس واللغة والعقل ليكون شعرا. ويكون أجمل بالإيقاع. لأن الايقاع عصب يشدّ العناصر الى بعضها فتولد الصورة الشعرية الجميلة ترجمة سيميائية لكيمياء الكلمة.
مجلة المسار 105 نوفمبر/ديسمبر 2016
صحيفة المثقف 25 أيلول/سبتمبر 2021
يختلف النّقاد والباحثون في تقسيم الشّعراء إلى طبقات فمنهم من يقسّمهم حسب ذوقه ومزاجه، ومنهم من يقسّمهم حسب الصّدف التي ألقت بهم أمامه أو العصر الذي يولدون فيه، ومن النّقّاد من يقسّم الشّعراء إلى موجة الكتابة السائدة في هذا العصر أو ذاك.
فئة أخرى من النقّاد يقسّمون الشّعراء حسب الجغرافيا أو مكان الإقامة فهذا مشرقي وهذا من المغرب العربي وهذا قد يكون مستعربا أو مستشرقا والآخر نصف-نصف، ولم يبق لهم إلا أن يقسّموا الشّعراء حسب الوزن أو لون البشرة أو ربّما خفّة الظّل أو ثقله.
ولم يلتق النّقّاد إلا في باب تقسيم الشّعراء إلى أربعة طبقات أو أصناف. كيف جرى ذلك؟
حكاية الأربعة تعود، ربّما، إلى أن الإنسان في السّابق كان يضع مرجعية من الأعداد يستعملها في الوصف والحجاج والعدّ وصياغة الأمثال والأمثلة، وقد حازت بعض الأرقام نصيبا في مخياله فنجد رقم سبعة يستعمل في المسائل الدّينية (منسوبا إلى سبع سماوات وسبع ليال وسبع خطوات للدعاء وحتى الغسل سبع مرّات للطّهارة) ودزينة (أي 12) التي ابتدعها الإنسان في العراق القديم ليعدّ بالإبهام سلاميات الأصابع الأربعة، و يستعمل عدد أربعة لعدّ المواد الغذائية ( نسمّيه في تونس حارة) وخمسة لإبعاد الشّر (ونضيف اليها خميس السّابق للجمعة للإيقاع). وان كنّا نعذر للإنسان القديم اعتماده على هذه المرجعية فإننا لا نرى من المنطق ولا من الأخلاق أن يعتمد كثير من النّقاد على هذا التقليد السّطحي في تقسيمهم للشّعراء تقسيما كنا نتمنّى أن يكون اقرب إلى الموضوعية منه إلى التّسليم بالإتباع .فقد مشى ابن سلام المتوفى سنة 231 هـ في كتابه: "طبقات الشعراء" محتكما إلى الذّوق والمزاج ومعتمدا على آراء اللّغويين في الشّعراء فقسّمهم إلى قسمين: قدامى ومحدثين وجعل في كل قسم عشرة طبقات في كل واحدة أربعة شعراء (أوّل تربيعة) وتلاه ابن قتيبة ومثلهما فعل ابن رشيق فقسّم الشعراء بدوره إلى أربعة أصناف تقسيما تنازليا من شاعر خِنذيذ، إلى شاعر مُفْلِـق، الى شاعر فقط، إلى شعرور، وجرى تربيع الشّعراء إلى حدّ قول بعضهم مربّعا ومتربّعا:
فشاعر لا يُرتجى لمنفعه ....
وشاعر ينشط وسطَ المجمعه
وشاعر آخر لا يجري معه....
وشاعر يقال-خمر في دَعَه
وفي تربيعة أخرى يقال:
شاعر يجري ولا يُجرى معه ....
وشاعر يخوض وسط المعمعه
وشاعر لا تشتهي أن تسمعه....
وشاعر لا تستحي أن تصفعه
ولا أرى داعيا لتقسيم الشّعراء إلى أربع درجات خصوصا وان الذين فعلوها لم يجعلوا لعملهم معايير ولا مقاييس ولم يبيّنوا لماذا خيّروا للشّعر أربع درجات ولم يجعلوا له خمسا أو ستّا أو عشرا.
بل إننا نعتقد إن تقسيم الشّعراء بهذه الطّريقة اعتباطي يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق والموضوعية لأنه يعتني بالشّخوص ولا يعتني بالنّصوص وبرهاننا على ذلك إن الشاعر قد يفشل في قصيد وينجح في آخر حسب ظروف ولادة النّص واشتغال الشّاعر عليه، ودرجة انفعال الشّاعر وتفاعله مع نصّه. ففي أيّ خانة نحشر الشّاعر المتقلّب بين النّصوص المتفاوتة في الجودة؟
ونعتقد أن تقسيم الشّعراء يمكن أن يرتبط ارتباطا عضويّا بتعريف الشّعر وماهيته ولقد سبق أن قدمنا رأيا في هذا الموضوع وخلصنا الى القول انّ الشّاعر النّاجح، هو الذي يوفّق شعره في إيصال المدلولات الثلاثة: فهو الذي يصدق في الكشف عن شعوره ويحسن انتقاء العبارة ويوفق في التبليغ عن رؤيته. أما الرمز والتشبيه والكناية والاستعارة والتكثيف والخيال والفكرة والإيقاع فأدوات تُشكَّل بها ومنها الصّورة الشعرية في تجلياتها الجميلة.
وباعتمادنا هذا المنهج يمكن تقسيم النّصوص، ولا الشّخوص إلى ثلاثة درجات من ضعيف إلى متوسّط إلى جيّد حسب توفر العناصر المكونة للشّعر في النّص.
ويبقى الباب مفتوحا أمام النّقّاد والقرّاء لتقييم النّصوص والشّعراء بعد ان يتخلّوا عن التقسيمات التربيعية المهينة احيانا لأنها أثبتت ضعفها وسذاجة من يعتمدها.
مجلة المسار 129 أكتوبر نوفمبر2021
كثير من النّقّاد لا يحتملون أن يقتحم الشّعراء قلعة النّقد أو أن تقترب آراؤهم منها وتدّعي الطّائفتان (طائفة الشّعراء وطائفة النّقاد) أنّ مكّة أدرى بشعابها.
أعتقد أن تجربتي في الكتابة وهي تطوي عقدها الخامس تسمح لي بالكلام في شأن شعريّ أفادني كثيرا وصوّب خطواتي ومنحني سرّا لم أستطع تحديده إلى الآن. صاحب الفضل هذا هو العروض.
ولا أريد هنا أن أضع نفسي مقام الواعظ ولا أن أدعي أبوّة أحد فالشّعراء أصدقائي أحترمهم وأحبّ قصائدهم. والنّقّاد والباحثون يمتلكون مفاتيح الدّخول إلى مساحات النقد وأدوات فرز الشّعر عن اللاشعر. وهم أحرار في اختيار الباب الذي يلجون منه والعكاز الذي يتكئون عليه والفانوس الذي ينير طريقهم.
وللشّعر جمالية تحميه وتقدّ شكله وتثبّت وجوده.
وأضيف أن للتفكير متعته وللفكرة جماليتها. ومنهما يستطيع النص الأدبي أن يستجمع الخصائص الفنيّة التي تساهم في نحت شعريته .
وللعروض فضائله الكثيرة عليّ أسردها على من يهمّه الأمر لعلّه يمشي في الطّريق نفسه فيستفيد وتستفيد تجربته.
1-علّمني العروض أن الشّعر العربي لم يعرج في مشيته، فاستقام ومشى مترجّلا ومتكئا على الإنشاد لا على السّرد فجمع بين الإيقاع والإبداع وأيقظ الكلمات النائمة من جمادها فحرّكها في اتجاه ذاكرة المتلقي.
2-أكّد لي العروض أن الموسيقى هي لغة الإنسان المشتركة وأنّ تطابقَ المسموع والمفهوم هو العصب السّحري الذي يَقدّ من الكلام شعرا ويخرج بالقصيدة من الصّمت إلى الصّوت فيجتاز عتبة الأذن ليبثّ سحره في النّفس، رغم اختلاف الموازين الشّعرية من قصيدة الى أخرى.
3-أثبت لي العروض أن العرب يقرؤون الشّعر بآذانهم لا بعيونهم، حتى ذلك الذي يكتبونه على الورق.
4-بيّن لي العروض أنّ البراعة والإتقان يكمنان في تركيب الكلمة على القافية بشكل يثير الدّهشة والإعجاب. وأن المفردة إذا وُضعتْ مكانها طوعًا لا جرّا ولا كرّا إنما تزيد الجملة جمالية وتنمي الزّاد اللّغوي للشاعر.
5-علّمني العروض أن أصارع سلطته و أن أفرض عليه اختياري للبحر وللقافية وأتحدى سياجه فأجعل من السّجان خادما مطيعا وأوتارا أعزف عليها اللّحن الذي أختار.
6-علّمني العروض كيف أبني جسر التواصل مع الآخرين على أعمدة الإعجاب والإبهار.
7-قال لي العروض إن الشّعر العربي شامخ وسيبقى الوحيد الذي خلق بحور وزنه معتمدا على العلم والفنّ أي الرياضيات والموسيقى في الوقت نفسه.
8-علمني العروض أن أشتغل على قصائدي سمعيا (بالترجيع) وكتابة (بالتوقيع) وكثرة الاشتغال هذه مكنتني من حفظ قصائدي.
9-أكّد لي العروض أنّ حفظ القصائد يجعل الشاعر يتلافى الأخطاء اللغوية عند إنشاد قصائده.
10- تصويب الخطأِ العروضيّ عادة ما يقود إلى استجلاب لفظ يضيف إلى البيت الشّعري معنى أشمل ومغنى أجمل ورؤية أكمل.
يمكنني إذن أن أقدّر العروض حق قدره وأن أعترف بفضله الكبير على شعري. ولا أنكر مزاياه.
مجلة المسار عدد 130 نوفمبر ديسمبر 2021
صحيفة المثقف 13 شباط/فبراير 2022
توضيح: جمعني لقاء بمناسبة بالأستاذ الياس قعلول تداولنا الحديث حول الادب والثقافة وانتهينا الى التركيز على قصيدة كنت نشرتها منذ وقت. قال محدّثي أنّه تناول القصيدة من الجانب النفساني و اللاواعي الذي رافق ولادتها ورغب في أن أوضّح له بعض الأشياء الخفيّة التي وردت في القصيدة. فكان لنا هذا النّص المشترك الذي سمّاه صاحبي: الصورة الباطنية.
شكّلت الصّورة الشّعريّة منذ القديم هاجسا لدى الشّعراء والنّقاد على حدّ السّواء. وما زال أكثرهم يتدبّرون لها تعريفا دقيقا شأنها شأن الشّعر الذي لم يعثر هو الاخر على تعريف يشفي الغليل ويثبت ان الشّعر ليس كلاما بل فنّا في اللّغة ولم يكن بالضّرورة موزونا.
ولأنّ الصّورة الشّعرية ليست علما صحيحا خاضعا لقواعد فلن ينتهي الجدل حولها، وسيظل النّقّاد يختلفون فيها باختلاف اجتهاداتهم ودرجاتهم المعرفية. فالمتعارف عن الصّورة أنها تركيب لغوي يستعمله الشّاعر لتصوير معنى عقلي وعاطفي متخيل. وهي أداة الشعر كما ان الفكرة أداة النثر. قال الجاحظ مؤكدا: الشّعر فنّ تصويري...
ورغم الغموض الذي قد يطبع حديثنا المشترك (الشاعر الطبيب والأستاذ الناقد) عن الصّورة فانه يمكننا تحديد مجالات معينة بالاعتماد على الاصطلاح والدّلالة.
تولد الصّورة الشّعرية في مخيلة الشّاعر مع ميلاد القصيد وتفتّقه. لتفصل بين الظاهر والباطن وبين الوعي واللاوعي. فاذا ما خرج النّصّ الى عامّة النّقّاد والفقرّاء صار بإمكاننا أن نستنطقه لنبحث عن الظروف التي رافقت ميلاده بدءا من لحظة المكاشفة واختيار العبارة المناسبة حتى الاكتمال والتزويق والخروج الى الضوء والورق. ويمكن لكل ناقد ان يحفر في النّص أفقيا بتتبّع العبارات وتسلسلها وتناغمها مع الموضوع العام الذي بني عليه النّص وعموديّا بالغوص فيه لاكتشاف الدالّ فيه على المدلول.
لا نروم في ورقتنا هذه تقديم مسح كاشف للصّورة الشّعرية وما احتوت من عناصر وما شملت من أنواع ولكننا رأينا من خلال قراءتنا لقصيدة "نهدان" للشّاعر التونسي المولدي فرّوج أنّها تصلح وحدها لتكون درسا تطبيقيّا لمختلف الأنماط الصّورة الشّعرية المتداولة الظاهرة أمام (القارئ – النّاقد) والخافية وهي ما نسمّيه بالمناسبة الصّورة الشّعرية الباطنية.
فلحظة ميلاد القصيد في مخيّلة الشّاعر ينشط لاوعيه واحساسه قبل أن ينقل نصّه كاملا على الورقة أو بالإنشاد، كما ينشط وعيه عند البحث في ذاكرته عن اللّفظ المناسب وطريقة ربطه بالألفاظ الأخرى لتوليد الصّورة. ولعلّ خير دليل على اختلاط الوعي باللاوعي في ذات الشّاعر نفسه قوله: قلْبي يفكّرُ فيهما...
قمنا بقراءة إجرائية لقصيدة "نهدان" وغصنا في لاوعي الشّاعر (وقد شهد على نفسه) فأُبهِرْنا بحضور كبير ومتجسّم لصورة النّهد فيه من خلال شكل الحروف التي تشبه نهد المرأة وهي حروف النّون والقاف وبشكل أقل حرف الفاء. ألا تدل استدارة حرف النّون على استدارة النّهد على صدر المرأة ونقطة الحرف على الحلمة؟ ألا يشكل حرف القاف والفاء في لا وعي الشّاعر صورة مجسّمة للنّهد وحلمته. فليس غريبا اذن، أن يتكرّر حرف النّون 35 مرّة وحرف القاف 17 وحرف الفاء 18 مرّة من مجموع 92 لفظة شكّلت مجموع الألفاظ في القصيدة. ألم تحقّق الصّورة الشعرية التّالية قمّة المتعة أم هي متعة مزدوجة: متعة تحدثها جمالية النّصّ وأخرى يصنعها خيال القارئ حتّى لكأنّه خالقها وهذه ميزة الصّورة الباطنيّة التي نتحدّث عنها. لن أترك صورة الأعمى الذي يسعى بضوء النّهدين في النفق ليرى النمل دون أن أسال لماذا استعمل الشّاعر "بضوئهما" ولم يقل "بنورهما"؟ أعتقد أنه واع تمام الابداع بأن الضّوء ينبعث من جسم أكبر من النّهدين وقد يكون جسد المرأة بصورته الكاملة في ذهن الشّاعر.
نَهْدَانِ
نهدان يَا خَوْفِي
علَى النَّهْدَيْنِ من لَهْفِي
فلي كفٌّ حَرِيقْ
عِقْدانِ مَرَّا
فَوْقَ عُودِهما الرَّقِيقْ
نهْدان مُذْ وُلِدا
كأنَّ الأرْضَ لمْ تنْهَضْ لَها
شَمسٌ، ولا قَمَرٌ،
ولا حتَّى بَرِيقْ
نَهْدانِ مُذْ كَبُرَا
وشَاع الخَوْفُ
لمْ يَتَبيّنَا وَجْهَ النَّهَارِ
فَلَوْ سَعَى...
أعْمَى... بِضَوْئِهمَا
لأبْصَرَ...في ظَلامِ الليلِ
نَمْلاً ..... في المَضِيقْ
نهْدان والحمّالة الحمقاءُ
تعتصِرُ الغَريقْ
نهدان لا يتَلامَسان
كأنّما
قد فرَّقَ الوجْدانُ بينَهما
فما حنَّ المُرَافِق للرّفِيق
نهدان لا يتَكاسَلان
وإنَّما قلْبي يفَكِّر فيهما
فيَهيمُ في رسْم الطَّريق
نهْدان نامَا فوق ظِلّهما
….فمنْ، من يَسْتفِيق
صحيفة المثقف بتاريخ: 21 كانون1/ديسمبر 2024
2 ــ في القول السّياسي
فنّ الكذب بين السّياسة والأدب
الكذب ظاهرة إنسانية يختلف بها الإنسان عن الحيوان وقد تكون الظاهرة الوحيدة التي تفرق بينهما فكلاهما يفرح ويحزن ويفكر ويخاتل والمخاتلة نصف الكذب.
والكذب عنصر أساسي في تكوين الشخصية منذ فترتها الجينية وقد نكذب إذا قلنا عكس ذلك.
وهو أيضا موهبة فيها من الإبداع الشيء الكثير ولها مجالات عدة للتفتق والانتشار. وتخضع كالمواهب الأخرى إلى الصقل والتمارين والرعاية والتأهيل.
والكذب ظاهرة يشترك فيها جميع الناس: غنيّهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم ورؤساؤهم ومرؤوسيهم.
والكذب يكبر معنا ويتعاظم في ذواتنا بالتوازي مع شخصيتنا. نتعلمه من آبائنا حين يكذبون علينا بحكاية الغول والعنقاء والخل الودود.
والكذب وسيلة وهدف وسبب ونتيجة فهو ينفع في الوضع الدفاعي أحيانا ويتحول الى رأس حربة في المشاريع الحياتية، يعول عليه الطفل للتهرّب من العقاب ويتكئ عليه المجرم لإنكار جريمته ويركبه الوصولي للحصول على هدفه ويستعمله الحاكم ليفوز بتأييد البسطاء ويتناوله القطيع كأقراص مخدّرة لينتخبوا راعيا زعيما للكذّابين.
والكذب أنماط وألوان فثمة كذب ابيض وكذب اسود وكذب مفضوح بعريه وكذب متستر بخبثه وكذب غبي تحتقره وآخر ذكي يجبرك على احترامه ويوجد كذب سخيف وكذب صادق. وكذب طفوليّ نسمّيه خطأ وتجّنيا براءة الأطفال.
وللكذب طعم فهنالك كذب مرّ وكذب ماسط وكذب لا طعم له ولا رائحة. وكذب يؤثر فيك وآخر يؤلمك ويستهويك وكذب جائر وآخر جائز تجيزه فتوى: الكذب في المصالح جائز والمصالح بدورها جائزة في كل المواضع وهنالك كذب للهواة وكذب للمحترفين.
والكذب صفة تشترك فيها كل المجتمعات والدول وأعظم الدول أقدرها على الكذب وجميعنا نذكر الكذبة الكبيرة التي دمّرت العراق بعد ان صاغتها ونشرتها ووزعتها أكبر دولة في العالم ساعدتها في ترويجها الدول العربية الحمقى والدول الحمقى هي تلك التي يرأسها أحمق أو كذّاب.
فالكذب أساسي في اللعبة السياسية بل ان البعض يعرّف السياسة بأنها فن الكذب وإن الرئيس الناجح هو الذي يقدر أن يكذب فيصدقه الأغبياء ليفوز بمالهم ويصدقه الفقراء ليفوز بتأييدهم دون ان يعطيهم شيئا ملموسا.
إنّ من عايش الحملات الانتخابية وواكبها بقراءة اجتماعية وعقلانية يدرك بصدق ودون مراوغة أن الذين رشّحوا أنفسهم لرئاسة الدّولة أو لنقل بلا كذب أنّهم انتخبوا شعبا ليبايعهم انّما اعتمدوا جميعهم على الكذب سلاحا لنجاحهم سواء أولئك الذين ترشّحوا فسقطوا قبل الدورة الثّانية أو الذين تخطّوها الى الفوز بالرئاسة كلّهم مارسوا الكذب وسيلة وغاية ومذهبا وطريقة ومبدأ وعقيدة فأنكروا الماضي وانتماءاتهم السّابقة المشبوهة وكذبوا على الناس عن وعي وقصد فوعدوهم بجنات عدن تجري من تحتها الديمقراطية أنهارا وبمدينة ما حلم بها أفلاطون لنفسه. والنتيجة أن الشعب يصاب دائما بخيبة الأمل وكسر الخواطر والندم. ولا يجد شيئا يفعله فلا يقدر على محاسبة الكذّابين ويكتفي بالصّبر والصّبر كان وما زال وسيبقى أحسن دواء للكذب بل هو دواء كاذب ولعلّه الدّواء المجاني الوحيد.
أما في مجال الأدب فللكذب مكانة مرموقة وشأن هام يعتبره البعض حجر الزاوية في النص الأدبي ولذلك قيل: أعذب الشعر أكذبه. وأقول الكذب فاكهة الأدب. غير أن الإبداع لا ينحصر في النص فقط بل يشترك فيه المبدع الذي يصنع من الكذب جمالية نصه والقارئ الذي يكذب عندما يجامل الكاتب. والنّاقد الذي يؤجّر ولو بقهوة أو ضحكة لينجز نصّا كاذبا على نصّ كاذب. يشارك هؤلاء في الكذب رجل السلطة الذي يتحكم في الشأن الثقافي في المجتمع يسيره ويضع له القوانين حسب غاياته ويكذب حين يخلط السياسة بالثقافة فيقتل الإبداع ويدعي انه يحرص على إحيائه. ويصنع لذلك شعارات وشعائر يجمع من حولها مأجوريّ الأدب والثقافة فيستبسلون من أجل نشر الكذب صباحا ورعايته الى أن يصبح حقيقة مشاعة في المساء.
نقول هذا ونذكر بان الصدق هو أساس العمل الثقافي بل شرط لا بدّ أن يحترمه كلّ نصّ، وان الثقافة ابنة الإحساس قبل أن تكون عملا فكريا وان الكذب يهدم النص بعد أن يبنيه كما يهدم كل حضارة تتأسس عليه.
رحم الله الشاعر منور صمادح القائل:
شيآن في بلدي كم خيبا أملي
الصدق في القول والإخلاص في العمل. وقلت كذبٌ /في ضِحكةِ الأحبابِ/في طيبِ الخواطرِ والنواهِي/كذبٌ يجتاحُ أرْضَ اللهِ/يسْري في شرايين الإذاعَةْ/كذبٌ في مكتبِ التَّحريرِ/في حبْر الطِباعةْ/كذبٌ يقتاتُه الأطفالُ/مِن سنِّ الرضَاعةْ
مجلة المسار العدد 102 ماي جوان 2012
ناضل يناضل نضالا أي كافح عن وطنه ودافع عنه قولا وفعلا.
جاهد يجاهد جهادا العدوَّ، قاتله وجاهد في سبيل الله جاد بنفسه.
نافق ينافق نفاقا أظهر خلاف ما يبطن والمنافق هو من يخفي الكفر ويظهر الايمان.
يبدو منذ الوهلة الأولى أن ''ناضل'' و ''جاهد'' فعلان لا يلتقيان أبدا رغم أنهما يسيران في الاتجاه نفسه، متوازنين جنبا الى جنب كل على سكة منفردة، تخالهما ملتصقين ومترادفين ولكنهما متنافرين ومتصادمين في الباطن. ويبدو النفاق متنقّلا بينهما فتارة يركب هذا وأخرى يأخذ صفة الثاني.
وتقول المعاجم أن كلمة ناضل تعني في الأصل الدفاع عن الشيء او عن المجموعة بالكلمة وبتقديم المواقف والرأي لذلك اعتبرت القبائل العربية ان النضال بالكلمة أشد وقعا أحيانا من النضال بالسيف فكانت تعوّل على شعرائها للنضال شعرا وللدفاع عن اعراضها ونسبها وفي ذكر مناقبها.
وفي أيامنا هذه فتح باب النضال على المجالات الاجتماعية المتنوّعة فصار الفرد، داخل المجموعات المهيكلة وخارجها، يناضل من أجل القضاء على الفقر ومن أجل خلق فرص التعليم والرفاهية ومن اجل توفير الشغل ومن اجل الحريات الفردية والجماعية ومن اجل حقوق المرأة وحقوق الطفل والحق في الانتخاب والترشح للمناصب الحكومية وغير ذلك وكل هذه المجالات تفترض النضال بالكلمة والكتابة دون لجوء الى العنف أو الشغب. ودون بحث عن مكافأة أو أجر أو منصب. لأن من صفات المناضل الحقيقي الصدق في مسعاه والثقة والأمانة والمثابرة والثبات على المبدا وكلها خصال لا تتوفّر في الساعين الى السلطة أو الكسب أو الارتزاق من خلال حراكهم. فالنضال اذن يستوجب الصّدق. وعلينا أن نفرّق بين الشبعان الذي يناضل مع الفقراء ليحصلوا على الرغيف وبين الجوعان الذي يناضل من أجل أن يشبع.
وتقول المعاجم العربية أن "الجهاد" يعني عمومًا "الاجتهاد وفي الدلالات الدينية يفهم منه البذل الوافر في سبيل الله وقد يتغيّر باختلاف المقاصد فالجهاد الأصغر هو مكافحة الظلم والجهاد الأكبر هو مكافحة النفس. والجهاد، خلافا للنضال، قد مرّ بعديد المفاهيم حتى اكتسب دلالات كثيرة لكنها متشابهة في الأصل فنجده في مجموعة الحديث النبوي الشريف بمعنى العمل المسلّحً وهو يرتقي الى مرتبة الصلاة والصوم كأفضل الأعمال. ثم برز مفهوم الجهاد مع ظهور الاخوان المسلمين ومع السيد قطب الذي دعا الى الاستيلاء على الدول وفرض الحكم بالشريعة وبناء دولة الخلافة. ولهذا تجندت ''الدول الديمقراطية ‘‘لتصنيف الحركات الإسلامية عامة كمنظمات إرهابية، مثل القاعدة وداعش وأنصار الشريعة وأنصار الله وغيرها. وليس غريبا أن يتبنى الإسلاميون لفظ الجهاد فهو الذي ورد في القرآن الكريم في واحد واربعين موضعا، وذكره الحديث النبوي الشريف خمسين مرة تقريبا. ولم نعثر على لفظ نضال لا في القران ولا في الحديث، فلماذا تبنّاه الاسلاميون؟
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 ربط الغرب كلمة الجهاد بالإرهاب ونمت الاسلاموفوبيا وصار الاسلاميون أنفسهم يتحاشون الحديث عن الجهاد خوفا من ادراجهم في قائمة الارهابيين.
حدث هذا في سائر الأقطار الاسلامية وخاصة العربية منها فبعض دول المشرق لم تعد تسمّي داعش باسمها بل تقول ''تنظيم الدّولة'' وجعلت بينها وبين هذه التنظيمات مسافات خوفا من اتهامها بمناصرة الارهاب.
الاسلاميون في تونس لم يشذّوا عن القاعدة، فما إن تولّى أمينها العام رئاسة الوزراء حتى ألقى خطبته الأهم مبشّرا علنا وأمام الجماهير بالخلافة السّادسة لكنه اصطدم بوعي المجتمع المدني الذي رفض الدخول في المشروع الاخواني المبطن فاستقال وأخفى مشروعه متظاهرا بالتخلّي عنه. وحاولت حركة النهضة أن تراجع حساباتها وحذفت من قاموسها ومن بياناتها كل الألفاظ التي تتصل بالاخوانية والاسلامية وحتى الشّريعة. وتخلت، في الظّاهر، عن برنامجها الدعوي لتبدو وكأنها حزب سياسي لا يرتكز على الدّين. وأسقطت نهائيا كلمة الجهاد من قاموسها بعد أن كانت نوّعت في مغزاه أيّام حكمها، فمن الجهاد في سبيل الله الى الجهاد ضدّ الأنظمة الى جهاد النّكاح. واستبدلته بكلمة ''نضال'' التي سرقتها من اليساريين فلم تعد تدعوهم بالعلمانيين وانما بالحداثيين، وصرنا نقرأ في كتابات السجناء السابقين من الحركات الاسلامية التونسية ونطلع على سير أعضائها وأنصارها: فلان مناضل سياسي في المجتمع االمدني مع بعض النعوت الاضافية للزّينة ولرفع المعنويات وإن كذبا ونفاقا.
صحيفة المثقف 13-4-2024
الثورة ليست علما صحيحا ولا نتيجة حتمية لأسباب معينة.
الثورة نتيجة ممكنة لشروط ضرورية. والثورة لا تكتسب اسمها من عدد ضحايا الذين يسقطون فدية لها.
الثورة كالحلم تولد في الأذهان وتتحقق على ارض الواقع عندما يحين موعدها.
ثم إن فشل الثورة في تحقيق أهدافها لا يسقط عنها اسمها.
لا نتحدث هنا عن الثورة الصناعية ولا عن الثورة المعلوماتية ولا عن ثورة البراكين. إنما نهتم بالثورة التي أنجزها التونسيون تحديدا.
الثورة على السلطة تعني اصطلاحا حركة شعبية تؤدي إلى تغيير في نمط الحكم فتختلف بذلك عن الانتفاضة والتمرد وعن الانقلاب الذي ينفذه العسكريون. هذه الحركة التي تنتج عن رفض للوضع الرّاهن تسعى إلى تغييره نحو الأفضل فإن نجحت فهي ثورة ايجابية وان فشلت يقال انها ثورة سلبية غيرت الواقع نحو الأسوأِ.
فلماذا يصر البعض عن تجريد الثورة من اسمها وعن عدم الاعتراف بمزاياها، وإن كانت قليلة؟
ومن يستكثر على التونسيين ثورتهم؟
ولماذا ينكر البعض الحركة الثقافية التي مهدت لها؟
ولن أتحدث عن احتمالات التدخل الخارجي في إشعال فتيل الثورة ولا عن دور بعض المنظمات والدول التي عملت جاهدة على قلب موازين القوى وتجنيد الشعوب العربية ضد حكامها خدمة لأجندات تلك الدول. ولكنني اقسم المشككين ال صنفين كبيرن:
ــ دول عربية اختارت أن تتجاهل الثورة التونسية في بدايتها ومارست عليها تعتيما إعلاميا وركزت على الفوضى التي ترافق الثورات عادة وبثّت أخبارا كاذبة عن تعطّل المصالح الحياتية مثل النقل والصحة والتعليم وتوزيع الماء والكهرباء. ومنعت التلفزات التونسية من البثّ في تلك البلدان. كلّ هذا لتبيّن لشعوبها ما ينتظرها إن هي تجرأت وثارت ضدها. ولسان حالها يصيح ويتوعّد: لا تفعلوا مثلهم ودعونا على أعناقكم لتهنؤوا. ولقد تمكّنّا من زيارة بعض الدول العربية وعاينّا مواقفها الرّسمية من الثّورة.
ـ الذين كانوا يستغلون السلطة الساقطة. هؤلاء تجندوا فرادى وجماعات للتشكيك في الثورة وللحلم بثورة مضادة طمعا في العودة إلى زمن المكاسب والمناصب.
منذ عقود كانت الثورة تتأسس في أذهان الناس وفي أفكارهم وكانت كمية الغضب تتراكم وتزداد مع ازدياد الظلم والثورة تبنى في نصوص المبدعين وفي مقالات المفكرين وفي المجالس أيضا حيث صار الكلام عن فساد الحاكم مباحا ونما معه الغضب والحقد وكبر الحلم وكثر ت السخرية وشاع التهكم من السلطة في الشارع وفي المجالات الثقافية كالمسرح والاشرطة السمعية وغير ذلك وهذا يُعد ّعند أهل الاختصاص ظاهرة اجتماعية تبرز عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع وتبشر بانهيار الحكم.
إن الشيء الذي نجهله ليس بالضرورة غير موجود تلك حكمة نذكر بها وإن الذي لم يقرأ ما كتب الكتاب والمفكرون منذ سنين لا يمكنه انكار تلك الكتابات فالعيب فيه إن لم يقرأ وعلى أية حال لن يقرأ الثورة ولن يقرأ نتائجها فهو لا يؤمن أصلا بالفكر وبمفعوله في زرع الوعي الجماعي.
ومن البديهي ألا نطالب كاتبا بنص ابداعي يكون في شكل بيان سياسي او عسكري يدعو فيه وبوضوح الى الثورة اذ يكفي المبدع ان يزرع الوعي في النفوس ويشحنها لاتخاذ موقف من السائد وأن يتحدث عن الفساد والفاسدين. ويمكننا إذن، واعتمادا على هذا الطرح أن نقول ان المثقفين ساهموا بقسط وافر وكاف في الإعداد للثورة في تونس وأنهم لم يتخلوا عن مبادئهم وهيئوا الأرضية ومهدوا الطريق وبثوا الأفكار ووضعوا البلاد في انتظار شرارة قد توقد هنا أو هناك.
الكتابات التي مهدت للثورة، الروائية منها والشعرية والصحفية، موجودة ومنشورة وما على المستكثرين إلا ان يقرؤوها فيتأكدوا من صحة ما ذهبنا إليه. وعلى سبيل الذكر لا الحصر أذكّر بمقالات المنصف المرزوقي في جريدة الرأي : غدا الثّورة، كتاب محاكمة كلب لعبد الجبار العش و ديوان دعي الكلام لي (قصيد حالة طوارئ مثلا) للمولدي فرّوج وغير هذا كثير.
مجلة المسار العدد 106 جانفي فيفري 2017
عندما نقول سياحة نعني شيئين أحدهما ماديا ملموسا والثاني غير مادي او محسوسا، وأحدهما ثابتا وثانيهما متحولا. وعندما نطرق باب الدين والسياحة انما ندرك جيدا ان هذا الباب ظل ومازال ممنوعا من التداول علانية في حين ان ممارسته لا تخفى على أحد. بل ان علاقة السياحة بالعقيدة علاقة قديمة جدا كعلاقة التجارة بأداء المناسك. ولم تكن مكة (أو بكه) قبل الإسلام الا ملتقى تجاريا وسوقا كبيرة يلتقي فيها التاجر والشاعر والحاج الى الكعبة. وما كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ليتخذ من مكة عاصمة اقتصادية للدولة الإسلامية الا لنشاطها الذي كان يجمع بين التجارة والسياحة والعبادة.
ولعل الناس لم يجتمعوا أبدا مثلما اجتمعوا في فضاءات العبادة وفي المزارات المقدسة. فالمتأمل في التاريخ يلحظ مدى اهتمام الإنسان بالمعبد اذ كان يسخر له الزينة والعناية ويمنحه من وجدانه ما يليق بمقامه. هذا الاهتمام بالمكان وأبعاده خلق أنشطة مختلفة تجارية وسياحية وأدبية وهذه الظاهرة هي في الحقيقة قديمة جدا إذ عرفها البونيقيون في تونس القديمة ومارسها الرومان وغيرهم.
أما في عصرنا الحاضر فانحصرت ظاهرة المزارات الدينية في بعض الدول مثل الهند والمغرب وافغانستان وتقلص عدد الأماكن المقدسة المعروضة لمثل هذا النوع من السياحة وحازت المملكة العربية السعودية النصيب الأكبر من الزيارات الدينية رغم قلة مزاراتها ذات الطابع الديني فهي تستقطب على مدار السنة الملايين من الزوار (حجاجا ومعتمرين)
الشعائر والمناسك يعرفها كل من أداها أما التفاصيل الصغرى فلا ينتبه إليها الا قليل من الناس رغم ان أغلبيتهم يمارسونها.
البعض يتوج فريضته حجا كانت او عمرة بالتجارة بشكل مبالغ فيه الى درجة أن مهمة التجارة تطغى على للزيارة.
اللافت للنظر هو الاستغلال المحكم والمدروس والواضح للمعالم ذات الطابع الديني من اجل خلق حركية تجارية وسياحية من حول المعلم وقد تعددت الأماكن بتعدد القصص والحكايات والروايات والبطولات الواقعية والمصطنعة والأساطير والوقائع من ذلك مثلا جبل أُحد حيث استشهد حمزة وجبل عرفات وغيرهما. الزائر لا يرى شيئا جالبا للاهتمام: صخور جبلية كئيبة متراصة ولكن المكان يتحول بكثرة الزائرين والباعة والمصورين والحافلات يتحول الى سوق حامية ينحشر فيها لناس طوعا او كرها ويصرفون ما في جيوبهم من عملة صعبة وسهلة وهذا المهم في المسالة.
لقد نجحت السعودية نجاحا كبيرا في حسن توظيف التاريخ الإنساني عامة والإسلامي خاصة لفائدة الحاضر. وفتحت أبواب السياحة الدينية أمام الجميع بقطع النظر عن أديانهم اذ لا يعلم السرائر إلا الله.
خلافا لتونس التي وان نجحت نسبيا في تنمية سياحة الفقر فقد فشلت في خلق سياحة دينية بأتم معنى الكلمة رغم وفرة المعابد التي تزخر بها والتي يرجع بعضها الى آلاف السنين. لم تحسن السياحة التونسية استغلال هذا المخزون الهائل فالمعابد البونيقية موجودة إلى اليوم في صلامبو وغيرها والمعابد الرومانية منتشرة في أنحاء كثيرة من البلاد مثل معبد المياه الذي بناه الرومان في عهد الإمبراطور هادريانوس في زغوان وأحسنوا استغلاله عبادة ونفعا ومعبد أوذنة حيث مركز الأسقفية الذي مثله اليوس فيليكس في المجتمع الكنسي في قرطاج و تزخر تونس أيضا بعدة معابد في دقة مثل معبد السّلم ومعبد مركور ومعبد كايلستيس راعية المدينة ومعبد سيراس الذي حوّل إلى بازيليكا في القرن الرابع،
وتحتضن كركوان أشهر المعابد البونية في غربي البحر الأبيض المتوسط. من حيث تصميمه ومدخله وسقيفته والصحن.
وتبقى الكنيسة اليهودية في الغريبة في جربة من أهم المزارات عند اليهود فهي تحمل قسطا من تاريخهم وتعتبر كتاب ذاكرتهم منذ أن لجؤوا إلى جربة حاملين معهم بعض الحجارة من هيكل سليمان بعد أن قام نبوخذ نصر، ملك بابل، بتدمير الهيكل الأول عام 586 قبل الميلاد.
وأما المعابد الإسلامية والمساجد والجوامع فبعضها يعود له شرف الجامعة الإسلامية الأولى ونقصد جامع الزيتونة وبعضهم يحوز شرف أول جامع في تونس ونقصد جامع عقبة ابن نافع بالقيروان وحملت كل الجوامع تقريبا تاريخا حافلا وروايات عديدة كان يمكن توظيفها سياحيا مثل جامع الصحابي أبي زمعة البلوي الذي يأوي رفاته مع ثلاث شعرات من شعر الرسول و نذكر أيضا ضريح و مقام أبي لبابة الأنصاري والروايات التي تحاك حوله لم يبق منها سوى مهرجان يحمل اسم الولي.
ان هذه المقارنة البسيطة بين نجاح السعودية في توظيف المزارات الدينية رغم قلتها وفشل تونس في استغلال مخزونها الكبير من المعابد يدفع الى الاعتقاد بان علاقة النفع والمصلحة لا تعترف بالتطبيع وبان الدين في السياحة يحضر ويغيب تماما مثل المبادئ في السياسة.
مجلة المسار العدد 104 سبتمبر أكتوبر 2016
في رسالتين إلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كنت نبهت إلى عدة أخطاء وطرق من شانها أن تساعد على تدليس الانتخابات وعلى الحصول على نتائج غير صحيحة. وإذ لاحظت ان الهيئة لم تستجب فإنني انشر نص الرسالة بتوضيح أكبر حتى تكون ذمتي بريئة.
الى السيد رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات
سيدي،
كنت وافيت هيئتكم في 30 جانفي 2014 برسالة الكترونية نبهت فيها إلى بعض الهنات التي وقعت خلال انتخابات أكتوبر 2011 ونظرا لأهمية هذه الملاحظات في نزاهة وشفافية الانتخابات والناي بها عن محاولات الغش فإنني أمدكم بأهم ما جاء فيها من جديد مبينا بالملموس طريقة الغش حتى تتمكنوا من الاقتناع وتعملوا على إصلاح ما يجب إصلاحه قبل ان تُتهموا بفتح الباب امام التلاعب بالانتخابات.
1) الخلوة الكرطونية لا تصلح للانتخابات بالشطب او بوضع علامة.
عديد هم الذين قاموا بالغش في الانتخابات سواء برسم شعار حزب ما على الذراع او على الهاتف او حملوا معهم قطعة من ورقة الانتخاب او ورقة أخرى مطبوعة بطابع غريب في زواياها الاربع فرئيس المكتب لن يتبين الختم. ولهذا وجبت معالجة هذا المشكل وذلك اما بحذف الحاجز الكرطوني للخلوة وتركها مكشوفة او تعويضه بآخر شفاف واما بوضع الخلوة امام أعضاء المكتب والملاحظين بحيث يدير الناخب بظهره الى أعضاء المكتب عندما يقوم بالتصويت حتى يتمكن أعضاء المكتب والملاحظون من مراقبته طيلة قيامه بعملية الاقتراع متسلحا بالقلم وبورقة الانتخاب لا غير.
وإذ نستغني عن 91500 خلوة ستوفر الهيئة قليلا من المال.
واليكم طريقة الغش التي لاحظت أن البعض اعتمدها وكنت أشرف على أكبر مركز انتخاب في الولاية.
1/ يتناول الناخب ورقة الانتخاب (أ) ممضاة ومطبوعة ويدخل بها الى الخلوة/الداموس حيث لا يراه أحد فيطويها ويضعها في جيبه ويسحب ورقة أخرى (ب) فارغة او نسخة لورقة انتخاب قديمة كان قد حملها معه (لا يهم ما فيها اذ ستكون ضمن الأوراق البيضاء او الملغاة) فيطويها ويودعها الصندوق أمام أعين الجميع ويخرج فرحا مسرورا.
ب / خارج المكتب يسلم السيد الناخب الورقة(أ) إلى الراغب فيها بمقابل أو بدونه (وهذا لا يعنيني، رغم أن هذه الورقة هي المفتاح فهي الدجاجة التي ستبيض ذهبا وقد سمّيتها الورقة الدوّارة) فيعمرها بدوره ويسلمها الى الناخب الثاني موصيا اياه بأن يضعها في الصندوق ويعود اليه بالورقة المطبوعة والممضاة دون تعمير ليتسلم المقابل. وهكذا دواليك مع الاحتياط والحذر من أعين الحاسدين اذ مرة يقع تبادل الورقات تحت الحائط ومرة في مقهى واخرى في الشارع يعني الحفاظ على السرية حتى يتمكن الغشاش من الحصول على عدة أصوات برأسمال ورقة واحدة.
2/ترتيب القائمات
لا يمكن ان ترتب القائمات افقيا بل ينبغي ان ترتب عموديا وذلك تفاديا للخلط عند بعض الناخبين في مربعات الرسم امام القائمة التي ينوي انتخابها وقد استفادت بعض القائمات من هذا الترتيب الأفقي في الانتخابات الماضية كما ان قانون الانتخاب يوصي بالتفرقة بين القائمات.
3 / المرافق
الانتخاب اختيار ومن لا يحسن الاختيار فمن الأفضل ان لا ينتخب حتى لا نحصل على انتخابات مغلوطة فاذا حمل المقترع مرافقا فانه سيحملنا الى الخطأ المضاعف: من ناحية سحب صوت من هذا ومنحه الى ذاك. والأفضل أن نعتمد على الصور بالنسبة للأميين.
جريدة الصريح 1 أكتوبر 2014ص 18
الى وزير الثقافة قبل أن يعزله الرئيس
يسعدني أن أوضح لكم بعض النقاط حول القوانين الجاري بها العمل في الحقل الثقافي ونتمنى أن تحظى باهتمامكم فتعملوا على إصلاحها ولكم شكر المثقفين وتقديرهم.
لا يخفى على عاقل أنّ القوانين الجديدة في الحقل الثقافي التي صدرت بعد الثورة جاءت لتحقيق أهداف معينة أو هكذا ادّعت، وأهمّها
ــ المحافظة على المال العام.
ــ استخلاص الجباية على كل منتوج ثقافي.
ــ وضع النشاط الجمعياتي وتمويل الجمعيات تحت أنظار السلطة.
وفي الواقع فإنّ هذه الأهداف كانت كلمة حقّ أريد بها باطل وأنّ القوانين دبّرت بليل وجاءت لتحقيق رغبات بعض الأحزاب في خنق العمل الثقافي التوعوي لفسح المجال أمام جمعيات العمل الدعوي والجمعيات الخيرية أو تلك التي لها غايات أخرى. وقد لاحظ الجميع خلوّ القوانين الأساسية للأحزاب وبرامجها الانتخابية من الثقافة بينما انصبّ جهدها على إنشاء جمعيات بأموال وأشكال وأعمال مشبوهة.
ولعل أكبر خسارة للثقافة في تونس كانت حلّ اللجان الثقافية بعد أن أثبتت الأيام أنّها كانت عماد الثقافة منذ قيام الدولة وأمّا التعلّل بالشفافية المالية في هذه اللجان فهو كلام بلا جدوى إذ أنّ ميزانية لجنة ثقافية محلية في معتمدية تضمّ 50 ألف ساكن لا تتعدى 10الاف دينار في السنة وهو ما يعني 200مليم لكل مواطن من الثقافة في السنة. فهل هذه الأموال تستهوي السراق؟ أما التعلل الثاني بكون الجمعيات واللجان الثقافية تتهرّب من دفع الضرائب فهذا الكلام مردود أيضا على أصحابه إذ أنّ كلّ استخلاص سواء من وزارة الثقافة أو من أي هيكل يخضع في السابق لخصم 15 % بعنوان الضريبة حتى شراء الكتب من المبدعين غير أنّ المعلوم المقتطع قد لا يسلم الى القباضات وتلك مسؤولية المانح لا مشكلة المستفيد.
أعود إلى القوانين المحدثة منذ الثورة:
ــ أولا: قانون الجمعيات مرسوم عدد 88 لسنة 2011.
هذا القانون يعتبر الجمعيات مدنية يقوم أعضاؤها بالعمل المجاني حسب أهداف جمعيتهم ويمنع القيام بعمل تجاري يقصد منه الربح للأعضاء. وهذا القانون لا يشترط في تكوين الجمعية أن يكون لها معرف جبائي (هذا مهم جدا).
ــ ثانيا: قانون التمويل العمومي للجمعيات: أمر عدد 5183 لسنة 2013 مؤرخ في 18 نوفمبر 2013 يتعلّق بضبط معايير وإجراءات وشروط إسناد التمويل العمومي للجمعيات.
هذا القانون الثاني يتعارض مع الأوّل لأنه يعتبر الجمعية ضمنيا شركة ويفرض عليها خلاص معلوم الوجود وهو 15 دينارا شهريا (باتيندة) بقطع النظر عن الضرائب الأخرى ويطالبها بالمعرّف الجبائي صادر عن القباضة المالية التي لا تفهم شيئا في العمل الثقافي المعفى قانونا من الأداء.
. وما زاد الأمر سوءا هو أنّ أغلب المسؤولين في الحقل الثقافي وخاصة المندوبين الجهويين للثقافة لم يحسنوا قراءة هذا القانون فاخلطوا بينه وبين قانون الجمعيات وقطع أغلبهم التعامل مع الجمعيات التي لا تملك معرفا جبائيا ولا تدفع للصناديق الاجتماعية ولا تستوفي شروط الدعم وهو ملف تعجيزي بأوراقه العديدة(18). وبعضهم اعتبر أن المعرّف الجبائي ضروري لتأسيس جمعية كمن يطلب بطاقة تعريف لمولود لم يولد بعد.
وفي الحقيقة فإنّ المقصود من التمويل العمومي للجمعيات كما يبيّنه فصله الأول هو الميزانية المخصصة بهدف دعم الجمعيات ومساعدتها على إنجاز المشاريع وعلى تطوير نشاطها، وذلك على أساس الكفاءة وجدوى المشاريع والنشاطات. ولا يعني اقتناء منتوج ثقافي تنتجه الجمعية بإمكاناتها الخاصة أو بمساهمة أعضائها أو بهبة مالية واضحة.
. ولعل خير مثال على هذا هو الجمعيات المسرحية التي تقتني منها وزارة الثقافة ومازالت بحسب الفاتورة ولا تعاملها بقانون التمويل العمومي للجمعيات.
أعتقد أنّ شراء لوحة زيتية من جمعية ما أو كتاب أو حتّى أمسية شعرية باعتبارها منتوجا ثقافيا لا يحتاج إلى إحضار ملف قد يكون أحيانا مكلفا ومستوجبا لوقت أطول من النشاط نفسه.
وكانت النتيجة بعد عامين من العمل بهذا القانون أنّ أغلب المهرجانات داخل الجمهورية والجمعيات الثقافية انتهى بها الأمر إلى تجميد نشاطها في حين وصل عدد الجمعيات الأخرى في تونس إلى أكثر من 20000 جمعية ما يحتّم السؤال مجددا.
ثالثا: قانون عدد 33 لسنة 2009 مؤرخ في 23 جوان 2009 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 36 لسنة 1994 المؤرخ في 24 فيفري 1994 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية
رابعا: قانون المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، الأمر عدد 2860 لسنة 2013. وأختار أن أتحدّث عنهما معا لأنّهما يتناولان الشيء نفسه تقريبا:
قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة إن طبق بحذافيره فإنّه سيقطع دابر الثقافة الجماعية من جذورها. فهو يجعل من التراث المادي وحتى اللامادي (الفن الشعبي مثلا) ممنوعا من الاستغلال حتى في الأفراح إلاّ بترخيص من الوزارة وبعد دفع معلوم إلى المؤسسة. والسؤال المطروح: كيف يسمح لهذه المؤسسة أن تبيع الذاكرة الشعبية وهي ملك عام؟ واعتقد أنّ دور الوزارة هي حماية الموروث الثقافي وليس منعه من التداول ولا بيعه لمن أراد استغلاله في الأعراس والاحتفالات الشعبية مثلا.ولنفرض العمل بهذا القانون ما هو مآل الشعر الشعبي الذي يتناوب على انشاده الفنانون الشعبيون ( الإدْبة)الذين يدعون الى الانشاد في الاعراس دون مقابل ماذي؟ هل سيدفعون الى وزارة الثقافة حتى يتمكنوا من ترديد أشعار الموتى من زملائهم فيحافظوا عليه من الاندثار أم يتركون الشعر الشعبي يموت بموت صاحبه؟ أليست هذه جريمة ترتكبها منظمة الغورة على حقوق الجمع؟
في السابق كانت وزارة الثقافة تشجّع على إنجاز كتب في البحث عن الشخصيات الأدبية بل وتتبنى الأعمال التي تخرج المغمور إلى النور. أمّا الآن فقد انقلبت الآية وأصبحت الوزارة (عن طريق المؤسسة) تنهب من الكاتب جهد بحثه بتعلّة حقوق مؤلف وهميّ. وعوض أن تجازي الباحث تمنعه وتعاقبه وتغرّمه بأضعاف قيمة المنتوج شماتة و نكالة فيه لأنّه يساهم في بناء وتأثيث الذاكرة الوطنية التي يسعى هذا القانون إلى جعلها من الأحباس. كما أنّ هذا القانون وفي أغلب فصوله لا يسمح للناقد مثلا آن يستند إلى نصوص منشورة ويستشهد بها ليؤلف كتابا يهتمّ بالمجتمع التونسي مثلا أو بحقبة زمنية دون أن يدفع لأصحاب هذه النصوص الموتى منهم والأحياء، المقيمين في تونس وعلى باقي الكرة الأرضية. فحتى الفصل 11 لم يكن واضحا ولا يبين شيئا مثل النقد أو التأريخ أو الجمع والتوثيق أو انجاز المدونات أو البحوث أو جمع التراث في مصنف أو كتاب أو تفسير التراث الشعبي أو التراث اللامادي، بينما نجد هذه الأشياء مبينة في عدة دول تحت مسمى الاستعمال العادل الذي يذكر بوضوح: النقد والدراسات والبحث أي الغاية العلمية والتعليمية والتي تهم المجتمع ككلّ وتساهم في بناء ثقافته.
الفصل 12 من هذا القانون يسمح للمكتبات باستنسناخ نسخة أو نسختين دون دفع لصاحب العمل ولا حتى استشارته بدعوى انها تضع النسختين لغاية تعليمية في حين أنّها تقدّم العمل للقارئ مقابل اشتراك ما يعني أنّ الغاية ليست تعليمية في كلّ الأحوال. ومثلها يفعل المركز الوطني البيداغوجي الذي ينشر النصوص في الكتب المدرسية ويبيعها دون اعتراف بالحق في حين انه يدفع لمن يجمع نصوص غيره في تلك الكتب.
أمّا القانون الأساسي والنظام الداخلي الذي تعتمده المؤسسة الوطنية لحقوق المؤلف فهو بصراحة معرّة ومسخرة وإهانة للكاتب واستبلاه لمداركه العقلية إن لم أقل تحيّلا عليه. فإضافة الى الانخراط والاشتراك السنوي يوظف على كل مصنف من 30 د الى 150 د في كلّ سنة.
ونقرأ في واجبات المنخرط ما يلي:
ــ إمضاء عقد الانخراط الذي بموجبه يسند المنخرط للمؤسسة في كل بلد وطيلة مدة الانخراط حقّ ترخيص أو منع العرض العمومي للمصنــف أو استنساخه أو ترجمته أو الاقتباس منه، سواء كان ذلك بالنسبــــة للمصنفات الحاضرة أو المستقبلية، التي تندرج ضمن الأصناف الأدبية والمسرحية والموسيقية والسمعية البصرية وسائر الأصناف المعنية بالحماية،
ــ وجوب التصريح بكل مصنف جديد تمّ إبداعه قبل استغلاله العمومي وذلك بتعمير بطاقة التصريح،
ــ الامتناع عن كلّ سلوك من شأنه إلحاق الضرر بمصالح المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وعدم الحلول محلّها في تسليم الرخص لاستغلال أعمالهم،
ــ إعلام المؤسسة قبل إبرام العقود مع المستغلين،
ــ دفع معلوم انخراط = (15) دينارا ومعلوم سنوي قدره. أعتقد أن مثل هذا الكلام (أكثر وقعا على النفس من وثيقة الحماية التي فرضت على تونس سنة1881وهو سرقة موصوفة لجهد الكاتب واعتداء صريح عليه وإهانة له بكل المقاييس. إذ أنّ الكاتب الذي يسقط في فخّ هذه المؤسسة يعتبر قد منح كلّ حقوقه حول مصنفه الحاضر والمستقبلي بما لا رجعة فيه لهذه المؤسّسة وليس له حتّى حقّ النقد أو النقض خوفا من تهمة الإساءة إلى المؤسسة ؟؟؟
أما استغلال التراث الشعبي في أي عمل فممنوع إلى حين يسترخص من وزارة الثقافة ويدفع المستغل إلى المؤسسة. وهنا يطرح السؤال المحيّر: من الوصي على ملك المجموعة من التراث الشعبي؟ وهل تنصّب وزارة الثقافة، ومن ورائها مؤسسة حقوق المؤلف، نفسها بائعة تحتكر التراث أم أنّه ملك شائع للمجموعة الوطنية من المفروض أن تحميه الوزارة بعدم الإساءة إليه وتشجع على إبرازه وتطوره؟
سيدي الوزير لعلك تعرف أن الحكومة التونسية أمضت على القانون النموذجي للملكية الفكرية الذي وضعته الالكسو ثم خالفته في بعض فصوله، وهو عمل مشين سأرفع في شأنه قضية ضدّ وزارتكم الى المحكمة الدستورية حال انشائها. وتفضّلوا، معالي الوزير، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام. ودمتم خير سند للثقافة والمثقّفين، والسلام.
جريدة للشروق 30 مارس 2017
اليوم الوطني للثقافة: عرس في دار مزاودي
رسالة توضيحية من الدّكتور المولدي فرّوج إلى السّيد رئيس الجمهورية الوقتيّ السيّد محمد الناصر.
سيدي الرئيس الوقتي، وصلتني دعوتكم الكريمة الى حضور احتفالكم باليوم الوطني للثقافة الذي أشرفتم عليه يوم الخميس 3 اكتوبر 2019 بعد 8 سنوات من النسيان وقد فضلت عدم الحضور ولست نادما أبدا. بل عكس ذلك لقد صرفت نفسي عن معايشة الغبن الذي شعر به الكتاب التونسيون الذين حضروا او واكبوا الحفل مباشرة. وأعفيت نفسي من أداء واجب التزكية والتصفيق والتهليل والتضليل. وسأترفع قليلا بشيء من النرجسية فأقول لكم إن الأوسمة التي منحتموها لمن منحتموها كانت كوسام الجندي الذي فرّ من القتال يوم انتهاء الحرب. وسأجتهد أكثر لأجد لكم العذر فأنتم في وضعكم الوقتي لا تعرفون الكتاب ولا المبدعين ولا يمكنكم أن تميّزوا من يستأهل التكريم بحق قبل غيره، لذلك أراكم عوّلتم على السيد وزير الثقافة فقدم لكم قائمة تحت عنوان: ما تخرجّ الصدقة إلا ما يتززّى أهل المحل. ولكن تقبلوا مني هذا اللوم البسيط: ماذا لو طلبتم السِّير الذّاتية للمكرمين؟ اعتقد أنكم لم تفعلوا وان فعلتم ففعلتم تكون المصيبة أكبر.
سيدي الرئيس الوقتي، لقد رفضت الحضور إلى عرس الثقافة لأنني أدرك مسبقا انه سيكون نسخة أكثر رداءة من الأعراس السابقة التي كانت تقيمها جوقة زين العابدين بن علي، والتي رفضتُ أيضا حضورها لأسباب تشبه هذه. وكم تمنيت كما تمنى الكتاب ان يصيبهم ولو خطأ تكريم طائش من شأنه أن يغطّي بعضا من عين الشمس في هذا اليوم الوطني لوزارة الثقافة او ما أسمّيه اليوم الوطني للقصعة والجياع، لكن خاب الظن.
سيدي الرئيس الوقتي وكلنا مؤقتون إلا الكاتب فهو باق بعد أن تهترئ كل الأوسمة التي تمنح له ولغيره ويندثر الرؤساء والملوك الذين يمنحونها لمن لا يستحق. أقول هذا لا ناطقا باسم الكتاب رغم أن مسؤوليتي الحالية تفرض علي الدفاع عن مصالحهم ولا ناطقا شاكرا باسم أهل الدار الذين أسعفوا بالتكريم وإنما بصفتي الشخصية لا غير ومن حقي بل من واجبي أن أشير إليكم أنا الذي قدمت إلى الساحة الثقافية ما استطعت ونشرت 30 كتابا دون اعتبار الأعمال الثقافية الأخرى. ولا أتمنى أن يذهب في ظنكم أنني استجدي وساما، معاذ الله، وإنما فقط أردت جلب انتباهكم إلى أن عقلية القصعة والجياع ما زالت متفشية في بعض الإدارات وان اليوم الوطني للثقافة ليس حكرا على وزارتها. وأود أن اذكر أن العمل الثقافي وكل الثقافة إنما تقام على الكتابة بعرق الكاتب، حجر الأساس الذي أبعدتموه عن التكريم.
هنيئا لكل العاملين الذين كرمتهم الوزارة من خلالكم.
أرجو لكم التوفيق وأتمنى أن تزول حفلات: عرس في دار مزاودي. فالعمال والموظفون يوسّمون عادة في عيد العمال يوم غرة ماي من كلّ سنة.
وتقبلوا مني فائق التقدير والاحترام.
لماذا لا أحترم هذه الحكومة؟ في الحقيقة هنالك خمسة أسباب رئيسية دون الأسباب الهامشية.
مسبقا: انها حكومة لا تفرّق بين الوطن والمواطنة والوطنية.
أولا لأنني إنسان مسكون كالآخرين بحب السيطرة والغطرسة والحكم وحبّ الذّات والأنانية وممارسة سلطاتي على الغير.
ثانيا: لأنني مواطن لا اكذب ولا أنافق ولا ادعي فأنا أحب نفسي قبل ان أحب عائلتي وأحب عائلتي قبل أن أحب بلادي وأنا حرّ في ممارساتي وفي تصرفاتي فإذا ما أغضبني قطي او ابني او زوجتي اجري الى السكة فانصب عليها خيمة وامنع القطار من المرور لكيلا يزعجني بضجيجه وباحتكاك عجلاته الحديدية.
وإذا ما طاب خاطري وساءني حال البسطاء أكتفي بقطع الطريق أمام العمال فأمنعهم من الذّهاب الى شغلهم وأمنع المرضى من إحداث الزحمة في المستشفيات والتلاميذ من الالتحاق بمدارسهم. وأعرف ان الحكومة ستبارك بصمْتِها أعمالي.
أما ما شجّعني على هذا العمل فهو علمي علم اليقين بان الحكومة المسكينة لن تتجرأ على منعي من القيام بما أريد ولا تقدر حتى على مواجهتي ولا على النظر في عينيّ إذا ما احمرتا غضبا عليها فهي كالطفل تنتظر العقاب كلما قامت بما لا يرضي الكبار.
ثالثا: لأنني طبيب أحلت على التقاعد وأصبحت أتلقى شهريا جراية من الصندوق الوطني للتقاعد تكفيني لأنعم بحياة كريمة أو شبه كريمة. غير أن طموحي الى حياة أكثر كرامة جعلني أفتح عيادة خاصة بترخيص غير معقول من عمادة الأطباء وبباتيندة غير معقولة من القباضة وتعاقدت مع صندوق الكنام ولم التفت الى الحكومة فهي لا تفهم معنى ان أتقاضى اجرين فأسدّ باب الرزق امام الأطباء البطالة وهي لم تقرا القانون الذي وضعته وأوصته برعاية نفسه ومنع المواطن من التمتع بأجرين. فالقضاة يفعلون مثلي اذ يفتحون مكاتب للمحاماة بعد إحالتهم على التقاعد والمدرّسون يواصلون تدريس التلاميذ بعد تقاعدهم والموظفون أيضا يبحثون عن عمل في القطاع الخاص بعد سن السّتين. وما بقي إلا أن ينشئ الرّئيس الذي تنتهي ولايته شعبا يجعل منه رعية فيحكمه ويتقاضى أجرا ثانيا.
رابعا: لأنني موظف في وزارة الثقافة مثلا احدد أوقات عملي كما أرى ويرى زملائي فأغلق دار الثقافة يوم السبت امام الجمعيات الثقافية والمسرحية (واغلب المسرحيين الهواة لا يرتاحون الا يوم السبت والأحد) فارتاح من هرجهم ومرجهم وأغلق المكتبات العمومية ايضا مساهمة مني في تجهيل الجيل القادم فانا اعرف ان الحكومة لا تهتم بالثقافة ولا بالمثقفين ولا ترى أعوان وزارة الثقافة يشتغلون نصف الوقت (بالتداول) وينتظرون الترقيات.
خامسا: لان الثورة ذكرتني أغنية كدت ان أنساها:
يبارك في ترابك يا تونس …. قداش تكركر وتجيب
نوارك للروح غذاء وغلتك للقلب طبيب.
مسكينة بحكومة الهانة ورقود الجبانة
جريدة الوقائع 6 ديسمبر 2016
تنطلي آو لا تنطلي.
عندما اندلعت الثّورة في تونس شكك كثيرون في مشروعية اسمها وأسباب اندلاعها وتصديرها وكيفية انتقالها وحتى رصاصات القنّاصة والصّيادين الذين حملتهم الأحداث صدفة.
ومنذ اندلاع الثورة السّورية صاح المتظاهرون: سلمية سلمية وكانوا يدركون آن الرّصاص قادم حتى أن بعض الهياكل السّورية استدعتنا في اتّحاد الكتاب للوقوف على أن سيناريو خطرٍ بصدد الإحضار في سوريا ووقع المحظور فاندلعت حرب طائفية كبيرة وكانت اندلعت قبلها حرب مشابهة بين العراقيين بعد اعدام رجل الفصل بين الشيعة والسّنة وأعنى صدام حسين. إذن بعد أن أدلت الدول الغربية بأنبوبها في آبار نفط العراق وجب عليها التمادي في مخطط الشرق الأوسط الجديد وصار لزاما عليها بالضرورة أن تقطع حبل السرة الرابط بين حزب الله وإيران فنزلت على سوريا لتضرب العصفور الآخر نفط قطر وغازه لتمنعه من الوصول الى أوروبا التي كانت تستعدّ لطرد نفط وغاز روسيا استعدادا لعزلها من المنظومة الدولية من طرف حلف الناتو وزعيمته أمريكا.
وأوقدت حرب طائفية أخرى في اليمن فنجحت. ولم تنجح في مصر حيث استفاق الجيش على صفعة قوية فانتفض وأعاد البوصلة الى الاشتغال الشيء الذي لم يعجب بالطبع مناصري المخطط حتى من التونسيين أنفسهم فسارعوا إلى اتهام الجيش المصري بالانقلاب على "الشرعية" (ولم يصرحوا به عندما وقع نفس الشيء في ليبيا). أما في ليبيا فبدت اللعبة سهلة اذ سارع الناتو بمساهمة من المخابرات الفرنسية الى التخلص من الزعيم الفوضوي حسب اعتبارهم ليزرعوا الفوضى المدرار بالنسبة لهم طبعا ويركزوا سوقا للأسلحة مقابل النفط. طبعا كان لا بد من تجنيد أعراب وعاربة وعرب فكان لهم ما ارادوا من دول شرقية نذرت بترولها وقودا لقتل ابناء عمومتها و لارضاء شرطة العالم.
كل هذا مر أمام أعيننا ولم يكن يحتاج الى ذكاء لنفهم من خلاله ما يخطط لنا. ولكن ....
ما العمل وروسيا لا تزال تشحط في الغاز على أوروبا؟
علينا بالجزائر ....
أوصوا بعضهم.
لكن الجزائر لا تود اللعب مع الأطفال وقد جربت أدواتهم المستعملة.
فكشرت عن أنيابها من أول محاولة لهم ودكت مصنع عين اميانس بالقنابل فهدمته على الخاطف والمخطوف ولم تفتح دولة غربية واحدة فمها بل ابتلعت السكين بدمها ودفعت دم مهندسيها قربانا لمخططاتها. فهم الغرب الجزائر. وتسارعوا لفتح بوابة من تونس فمهدوا للمخطط عن طريق وكلائهم الشرقيين (حتى سكان المريخ صاروا يعرفونهم) منذ قيام حكومة الترويكا وسارعوا بربط علاقات مشبوهة مع ساستنا رئيسا وحكومة وتذكروا اول خطبة تدعو الى قيام الخلافة في تونس ومحاولات التقسيم الحقيقي التي قام بها ساستنا وأرسلوا دعاة الفتنة من جبال ليبيا إلى جهة تطاوين ليوقظوا في أهلها نعرة الايمازيغ ولم تنجح المكيدة بفضل أهلنا في تطاوين،
في اعتقادي ان وكلاء الشرق لم يلقوا بأسلحتهم ما دام المال مدرارا فصاروا يبحثون عن كلام هذا وموقف ذاك للسعي الى إثارة حرب مزعومة تفضي إلى زرع فوضى تمكّنُ رؤوس الحربة من دهس تونس ومن الوصول إلى الجزائر. هذه المرة كان القفز على جملة قالها الباجي عن خطا أو حقيقة ويبدو أنها لم تنطل على أحد بل ان هذا التصريح اقل بكثير من تصريحات سابقة كانت تدعو الى تقسيم الشعب التونسي. في اعتقادي ان هؤلاء لن ينجحوا لا في تحويل تونس إلى حجر أساس يبنوا عليه حربا وهمية بين اليوسفية والبورقيبية وقد ماتت وانتهت بقائديها وأفكارها. ولا أيضا في جعلها طريقا سريعة نحو الجزائر.
تونس لمن لا يعرفها اشدّ قسوة من الماكرين.
جريدة الصريح في 4 ديسمبر 2014
حزبٌ للكتّاب والمثقفين
منذ السنة الأولى من الثورة أفقنا على بشاعة المشهد العام. فاجأنا العدد الكبير من الطامعين في نهش بلدنا، في تلك السنة كنت متفائلا جدا وكنت أرُدّ، غير مقنع، على المتباكين على العهد البائد بدعوتهم إلى الصبر وكنت أجتهد لاختلاق أعذار للثورة الناشئة. وكنت على يقين بأن الثورة مهما أخطأت وحادت عن طريقها فإنها لن تستطيع أن تمحو شجرة الثقافة التي زرعها العهد البورقيبي وأسندها بالتعليم المجاني.
مرت تسع سنوات بسرعة البرق فاختطفت كل الحلم وفتحت أعيننا على تصحّر ثقافي مفزع.
استدراك: لم نربح من الثورة إلا حرّية التعبير وإمكانية الزيادة فيها حتى فاضت على جوانبها ولم نعد نتحكّم فيها وجرفنا تيّارها.
العيب الشامل
أود ألا أتدخل في الشأن العام لأترك فرصة الكلام فيه للمختصين في علم الاجتماع والسياسة وسأكتفي بدق رؤوس الأقلام على هذه الورقة فأعدد مواطن الخطأ والفساد:
ــ خطأ في بناء المجلس التأسيسي
خطأ في وضع دستور جديد
خطأ في النظام الانتخابي
خطأ في قانون الأحزاب
خطأ في قانون الجمعيات
خور وأخطاء في كل الميادين (من الرياضة إلى الصحة إلى التعليم إلى الثقافة)
أما القاسم المشترك الذي يجمع هذه الأخطاء فهو بلا شك القانون وما أدراك ما القانون. بيت الداء وأصل العناء فهو لا يعرف كيف يولد ولا كيف يسري. هو كخيوط العنكبوت لا يصطاد الا الحشرات الصغيرة ولا يسري الا على الضعفاء.
ونحن ندرك أن المجتمعات تبنى وتنمو وتكبر بالقوانين وتدرك الأحزاب مثلنا ان القانون هو دينامو الحياة السياسية لذلك تسارع الحاكمة منها إلى تلبية رغبات القوانين الموجودة وتسعى إلى وضع قوانين تخدمها وتضمن استمرارها في الحكم.
حزب الكتاب والمثقفين
لم نجد حزبا من الأحزاب التي فاق عددها 220 يتبنى مشروع الثقافة أو يضعها من أوليات برنامج عمله بل لاحظنا بوضوح أن الحزب المهيمن على الساحة، وهو حزب النهضة الديني، عمل منذ تولّيه قيادة الحكم على سنّ قوانين الإبادة الثقافية بدءا من حل اللجان الثقافية إلى منع اقتناء الكتب من المبدعين في جهاتهم وصولا الى إلزام الجمعيات الثقافية بدفع معلوم كراء لقاعات دور الثقافة التي تنشط فيها وتردّ عنها حالة الموت والصمت. ولا أريد العودة إلى قافلة القوانين فقد تناولناها في هذا المكان في أكثر من مناسبة. ولكننا نريد أن نؤكد على مقارنة بسيطة وبريئة: في العهدين البورقيبي والبائد كانت وزارة الثقافة تُسند الى قامة من قامات الفكر والأدب مثل الشاذلي القليبي والبشير بن سلامة وعبد الباقي الهرماسي وصالح البكاري وتترك لهم حرية تنظيم الوزارة وسن القوانين التي تبني الثقافة الوطنية وترعاها. وأما في عهد ما بعد الثورة فصارت حقيبة الثقافة لا تمنح للمفكرين والأدباء بل للفنانين ولمن لا يقدر على إدارة دار ثقافة في ركن ريفي ناء. ولا اعتقد ان الحكومات التي تحكمت في البلاد منذ الثورة غبية والدليل أنها تحسن اختيار من يشرف على الوزارات التي تعنيها وتهمش الثقافة وتزيح الفكر.
الفواضل آخر فرصة للتفاؤل
في لولب هذه المعمعة لم يتخلّ الكتاب والمثقفون عن دعوة الأحزاب والحكومات إلى الاعتناء بالثقافة ولم يسكتوا قطّ عن المطالبة بالرفع من شأنها ولم يبق لهم في اعتقادي ألا أن يؤسسوا حزبا للثقافة ليزاحموا به الأحزاب الأخرى على الدخول إلى مجلس النواب. عندها فقط سيحاول الآخرون إلى استمالة ودّهم. وسأبقي على تفاؤلي مادام قانون الانتخاب يسمح للبعض بالجلوس على كرسي في المجلس مقابل بعض الاصوات التي يحصل عليها حتى بالفواضل.
مجلة المسار 121 جانفي فيفري 2020
يبدو أن الخوض في موضوع العلمانية من طرف بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء قد قاد البعض الى خلط كبير زاد المفهوم ضبابية وعاد بنا الى الدرجة الصفر من الدّراسة والتحليل ومحاولة الكشف. إذ ان كثيرا من المقالات التي تناولت الموضوع خلطت بين العلمانية واللائكية واعتبرتهما، اصطلاحا على الأقل، الشيء نفسه. وفي اعتقادي أنهما مختلفتان تماما سواء في المفهوم او حتى في زمن الظهور فالعلمانية ظهرت عند الفلاسفة اليونانيين قبل الميلاد داعية الى إعطاء الانسان حقّه في وضع نظم وقوانين وتشريعات تمكّنه من تصريف أعماله وتحديد قيم الخير والشر والمصالح والمضارّ، دون اعلان حرب مقدّسة على المقدّسات ودون صراع ضدّ الدّين الذي لا يتعارض، حسب رأيهم مع هذه الدعوة.
في اعتقادي ان الإسلام دين علماني، يتجلى ذلك من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان من أوائل العلمانيين و سأبين ذلك بعد أن أذكّر بأن العلمانية ( بكسر العين أو بفتحها) هي عقليّة ( état d’esprit) و مبدأ أو نظام سياسي أو طريقة تسيير وتسييس وليست منهجا أو دينا يدين به أتباع وهي تعني أيضا الدنيويّة أو الدّهرية و تتلخّص في كونها طريقة تمكّن الانسان من استثمار معارفه التي جمعها وحفظها عن طريق المعرفة و العادات والتقاليد و العائلة و المجتمع و التربية المدنية والتربية الدينية و استعمالها قصد القيام بشأن دنيوي يعني تسيير شؤون الحياة بما في ذلك أداء الشعائر الدينية. بلغة أكثر بساطة وأكثر وضوحا يحتاج المسلم الى العلمانية كما يحتاج الى المعرفة للقيام بواجباته الدينية. قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ولعلّ هذا الحديث النبوي الشريف خير دليل على اللقاء الثلاثي: العلم، الدين، الشأن الدنيوي. لهذا سمى بعضهم العلمانية بالدنيوية ( (secularism .
أما اللائكية (laicus ) فقد ظهرت في أوائل عصور النهضة في أوروبا احتجاجا على الكنيسة التي كانت تحتكر السلطة. فجاءت لتمنع الحاكم من استخدام الدين لفرض سيطرته على الشعب شعارها: لا تحكمني باسم الدّين. وكما نرى ونفهم أن منع استخدام الدين في سياسة الشعب لا يعني انكاره أو محاربته وانما عدم العمل به في سن القوانين المنظمة للدولة ولا تعني أيضا اقصاءه من حياة الناس فالفرد حرّ في اعتناق الدين الذي يريد وفي ممارسة طقوسه وعبادة ربّه. ولعلّ في دعوة الإسلام الى العلم والعمل دعوة الى اعمال العقل والتفكير" ورد في القرآن: "اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم". و"انما يخشى الله من عباده العلماء". و"يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" و" قل ربي زدني علما" ونجد في الحديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. و" من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع". و" من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا الى الجنة".
لا يشك أحد في ان الإسلام دين علم وعمل ولا يتأتى العمل الا بالمعرفة وان الفعل في الأرض والمجتمع هو الذي ينفع الانسان وان العلم يقربه من الله وان إدارة الشأن العام بالعقل لا يتناقض مع الايمان بالله بل يزيد الامة قوة.
ألم تشكّل الصحيفة التي صاغها الرسول في المدينة اول دستور مدني وعلماني عالج من خلاله قضايا تنظيمية إدارية دون مساس بالعقيدة وأنشأ بها مفهوم الأمة والدولة المدنية وأعطى الأولوية في تسييرها الى العقل والحكمة فتعامل مع اليهود في المدينة كما يفعل رجل الدولة المتبصّر الحكيم.
أردنا في هذه السّطور دعوة الباحثين الى مزيد من الغوص في المفهومين وعدم الخاط بين اللائكية والعلمانية.
صحيفة المثقف 6 اوت 2025
جريدة المغرب تحت عنوان درس الى الغنّوشي في المفاهيم
ليس من باب التطير او التشاؤم ان أحدثكم عن صندوق الموت أو النعش فالصندوق، حفظكم الله وطوّل أعماركم، منبتكم الأول وحاملكم الأخير. فقد خلقكم لله في حوض امهاتكم وكبرتم سريعا في المهد وهو أيضا صندوق ولكنه لطيف، وركبتم في صندوق السيارة وفي صناديق القطار والحافلة.
و قبل ان ندخل في صندوق الزواج او يبلعنا صندوق الموت قد نمرّ صدفة، مرة أو مرتين في حياتنا على صندوق الانتخاب وهذا عمل وطني جيد و جهد كبير من الممكن استغلاله أو استثماره وبالطبع دفعه الى السوق ليدر علينا بعض المال طبقا للاثمان الجاري بها العمل و حسبما تقتضيه المزايدات دون احتكار يذكر، و قد يكون البيع وهميا عملا باقتراح رئيس الجمهورية الذي قال: "خوذوا فلوسهم و ما تصوتولهمش" على فكرة كان عليه ان يرفع من همة شعبه فينبهه الى عدم بيع الذمم بدلا من تشجيعه على الارتشاء. إلا أن الطبع اللاحضاري الذي ميّزه والدافع نحو تشليك رئاسة الدولة بدعوى التعفّف جعلاه يخاطب الشعب بهذه العنجهية والشعبوية السّوقية.
ما جرني إلى الحديث عن صندوق الانتخاب ليست أهميته في حياة الشعوب وانما قدرته على زرع التفرقة العنصرية بين الناس. نحن نعرف ان الناس يتساوون في صندوق الموت كما تتساوى أصواتهم في صندوق الاقتراع وهذه عدالة دينية ودنيوية.
اذن ما الذي جعل صوت المرزوقي يحدث تلك البلبلة أمام مكتب الاقتراع في قنطاوي سوسة حيث شارف أنصاره على إيقاظ حرب ضد أنصار منافسه الباجي؟ وكم يزن صوت المرزوقي وكم يتطلب نقله من مصاريف؟
لاحظنا ذلك الصوت يقطع الــ 150 كم ممتطيا قافلة من السيارات يرجح انها استهلكت ما استهلكت لتوصل الصوت من تونس الى سوسة؟
رأينا جمعا من الحرس الرئاسي ينذرون الساعات العديدة من العمل والتركيز؟
كل هذا انتج في النهاية حربا كلامية و مشادات و سبّا و شتما وجعلنا نعتقد أن عقولنا لم تنضج بعد.
في الحقيقة لا يساوي صوت المرزوقي أكثر مما يساويه صوت مواطن بسيط مشى مترجلا عدة كيلومترات ليصل إلى الصندوق في مركز الاقتراع البعيد.
البعض انتقد بشدة الرئيس المرزوقي على استغلال وضعه كرئيس دولة لتوفير إمكانات مهولة طيلة حملته الانتخابية وهذا الانتقاد معقول في اعتقادنا ما دام المرزوقي قد قدم نفسه كرئيس مستقل ليس من حقه استعمال ممتلكات الدولة بذلك الشكل كلما غادر القصر في مهمة غير إدارية.
فلماذا لا يسمح للمرزوقي بان يبعث بصوته إلى مكتب الاقتراع في القنطاوي عن طريق الانترنت فيريح ويستريح ويكفي المؤمنين شر القتال؟
جريدة الصريح 29/11/2014
دخلنا على وزير الثقافة في مكتبه طامعين في نيل بعض المكاسب وطامحين إلى النجاح في إعلاء شأن الكتّاب واتحادهم. كان كل واحد منا قد تسلّح بموضوع وجهّز له من الحجج ومن أسلحة الإقناع ما يجعل الوزير ينحني أمام وجاهة المطالب. تقدّم رئيس اتحادنا وتكلّم بجدّية وصراحة ووضوح وألقى بحزمة مطالب الكتّاب على مكتب الوزير فغطّته وفاضت على جوانبه. لم يفاجأ الوزير بها ولم ينزعج وبدا جاهزا ومحصّنا. لخص كل شيء في جملة واحدة. قال: لكم مطالب كثيرة مشروعة وأنا أمامي أكثر من ألف وربع الألف من عمّال الحظائر يشتغلون في مؤسسات الوزارة وينتظرون تسوية وضعياتهم.
أدركنا حينها ان أقدامنا قادتنا خطأ إلى وزير لا همّ له سوى الانخراط في حكومة بلا فكر شأنها شأن الأحزاب التي لا تعترف بالثقافة ولا تعرف مكانتها في حياة الشعوب.
وأدرك الوزير إننا غاضبون وإننا عقلانيّون لا نرغب في الاحتجاج في الشّوارع.
واذكر إننا منحناه اقتراحا ليصيب به هدفين: تشجيع الكتّاب وتحسين وضع الكتاب فأوصيناه بتثقيف المندوبين الجهويين للثقافة فهم صاروا يمتنعون عن شراء الكتب من مبدعي جهاتهم متعللين بقانون حل اللجان الثقافية الذي لم يقرؤوه ولم يفهموه. وأنهم اتخذوا من هذا القانون تعلّة لتعطيل الحركة الفكرية والنقدية خاصة إلا نفر قليل منهم وجد الصيغ القانونية التي تخاتل القانون فتمكّنه من المراوغة كلّما أراد شراء نسخة من كتاب رفض مراقب المصاريف أن يمنحه هذه الفرصة.
مضى وزير وجاء بعده وزير أو وزيرة وتناوب الوزراء على كرسيّ الثقافة. ولم يجتهد أي منهم حتى في قراءة المنشور الذي عوّض في جانب منه قرار حل اللجان الثقافية واقصد: منشور رئاسة الحكومة رقم 08 بتاريخ 08 أفريل 2016.وهو المنشور الذي أسيء فهمه ثم أسيء استخدامه -ومشكلة المسؤولين على الثقافة أنهم يستخدمون القرارات بالسماع لا بالفهم-وبالتالي ساهم المنشور في تنمية الفساد الإداري. ورد هذا المنشور تحت عنوان"حول تنظيم اقتناء الصحف والدوريات من قبل الهياكل العمومية. وفيه:
1 – تضاعفت بمقتضاه مصاريف الإدارة المخصصة لاقتناء هذا الشكل من المنشورات لتتعدّى 108 مليارا.
2-نعرف إن في ميزانيات الإدارة نصيب من المصاريف تصرف تحت عنوان: اقتناء كتب وصحف. سقطت كلمة كتب وطلعت محلها دوريات.
3 -هل من المعقول ان نمنح المدير 4 صحف يومية (2عربية و2 فرنسية) ودوريتين أسبوعيتين؟ وكيف سيقرأ جميعها حتى إن ترك عمله اليومي خارج المكتب؟ ولماذا نمنحه امتيازا وهميا إن لم يكن لنفتح أمامه بابا للفساد المشروع.
4 -للوزير ولكاتب الدولة الحق في 7 صحف يومية و8 دوريات. ولنا مقابل هذا حق السؤال: ماذا سيفعل كل منهما بكل هذا الورق المكتوب والحال ان أخبار البلد تصدر متشابهة من نفس الوكالة.
5 -نصيب إدارة متواضعة فيها مدير فقط وكاهية مدير فقط ورئيس مصلحة فقط ومكتب استقبال فقط من الصحف والدوريات :25 بالتمام والكمال، اللهم لا حسد. من يمنحني عقلا فقط لأستطيع العيش في هذه البلاد؟
6-من منا لا يعرف ان اغلب الموظفين يستبدلون الصحف والدوريات بأشياء أخرى من نفس الموزع (عطورات أو بطاقات شحن الجوال، هدايا الخ)؟ وهل نعتبر هذا التصرف فصلا من فصول الفساد المشروع؟ أم انه فساد ابيض ومكتسب.
ولماذا لا تفكر الحكومة في إجبار الإدارات عل اقتناء الصحف مباشرة من دورها لا من الموزع للقضاء على ظاهرة التعويض؟
7 –يدعي هذا القرار بأنه وضع للمحافظة على القدرة التشغيلية للمؤسسات الإعلامية. ونسي ان للمطابع أيضا عمالا وعائلات تسترزق من طباعة الكتب وترويجها.
8 -وأخيرا هل ستفكر وزارة الثقافة في المسالة بجدية فتقترح على رئاسة الحكومة أن تكيل للكتب بنفس المكيال الذي تكيل به للصحف وذلك طبقا للقانون الأم. وهل تنجح في إعادة حق الكتاب في التواجد في الإدارة الى جانب الصحف؟ أم إنها ستكون شاهدا آخر على التصحر الثقافي داخل المؤسسات؟
مجلة المسار عدد123 ماي-جوان 2020
هل تستورد تونس النّساء لعزابها؟
أحيانا تنخرط بعض الصحف في نشر أكاذيب ومغالطات من شانها إن تتلاعب بعقول الناس وتشغلهم عن فعل شيء مفيد. أخيرا نشرت جريدة الصريح في عددها ليوم 20 جانفي 2015 وفي صفحتها العاشرة مقالا وضعت له من العناوين التجارية الجذابة:
زوجة ثانية، أكثر من مليوني عانس في تونس يطالبن....
ووشحت الجريدة بهذا العنوان صفحتها الأولى والقارئ يعرف معنى ذلك.
ولست هنا مطالبا بالرد على هذا المقال لأنه في خلاصة الأمر لا يستحق الرّد ولا يساوي، بتفاهته، الحبر الذي كتب به. وانما أرى من واجبي رفع الغشاوة عن عيون التونسيين حتى لا يغتروا بادعاءات يروج لها البعض لقضاء شؤون التخلف والرجعية والهرولة نحو المشروع الاخواني المبني فقط على الجنس وتعدد الزوجات الذي استنتجوه من خلال تأويل خاطئ لما جاء في القرآن وتحديدا في سورة النساء.
أشير فقط إلى عيوب انقادت إليها الجريدة اذ لم تعتمد على ما جاء في ندوة صحفية قدمها سابقا المختصون. في الإحصاء.
ونسبت الموضوع إلى جهة مجهولة ندرك أنها وهمية حتّى لا تحاسب الجريدة على ترويجها لأخبار زائفة: أكثر من مليوني .... ولا أحد أحصى او حتى سأل.
ولم تراجع الجريدة المعلومات الواردة من جمهورية الفاسبوك في حين انه كان بالإمكان الاطلاع على المواقع المختصة في الموضوع...
وهذا في عرف الصحافة عيب لا يليق بجريدة الصريح ومن شأنه أن ينسف مصداقيتها ويعصف بمستقبلها.
أعود الى موضوعنا وأقدم للناس المعلومة الصحيحة والإحصاء الدقيق الذي اعتمده في ممارستي لعملي اليومي. وهذه المعلومات قدمها المعهد الأعلى للإحصاء وهي متوفرة في عدة مواقع مسؤولة اخرى وحتى في الويكيبيديا.
عدد السكان المقيمين في تونس (حاليا أي في آخر احصاء) 10982754نسمة منهم 50,2% ذكور و 49,8% اناث أي ان عدد الإناث الإجمالي (أقول جيدا الإجمالي) في تونس يفوق عدد الذكور ب 38.000 فردا بما في ذلك العجائز من الجنسين هذا الإجمالي يقرا بالتفاصيل التالية:
في تونس نسجل ولادة 107 ذكرا على 100 أنثى.
ومن 15 إلى 64 سنة نسجل 101 ذكر على 100 أنثى وهو ما يقارب 200000 ذكر زائد عن الإناث (في سن الزواج) هذا إضافة إلى معطيات أخرى:
ــ ان مؤمل الحياة عند الإناث أكبر من مؤمل الحياة عند الذكور وهو عامل مهم لأنه يعتبر المسنات قابلات للزواج وهن أكثر عددا من الشيوخ. ومن النادر جدا أن تتزوج امراة في الخمسين من العمر أو أكثر خلافا للرجال فهم لا يعتبرون التقدم في العمر مانعا من الزواج. غير أن الحاسوب لا يفهم هذه الأشياء فيعتبر النساء العجائز عازبات قابلات للزواج ويكون الحساب صحيحا لكنه غير منطقي وهنا علينا أن نعرف كيف نقرأ هذه الاحصائيات قراءة صحيحة تتلاءم والمجتمع الذي نعيش فيه.
ــ ثانيا ان اغلب التونسيين المهاجرين من الذكور لم يشملهم التعداد.
خلاصة أقول اتقوا الله في هذا الشعب ولا تحشروا كلام الله في مقالات تافهة تدعون بها الى بث المغالطة وملء الفراغات الصحفية فالبعض، وأنا منهم، نرى أن المقصود من زواج بأربع نساء انما لكفالة اليتامى فقط علما وان المرأة في الإسلام كما في الجاهلية لا تكفل اطفالها إذا توفي أبوهم ولهذا يمكن أن يتزوجها رجل لأداء واجب الكفالة والحديث في هذه المسألة يطول وهو ليس موضوعنا في هذا المقال.
تعتبر التجارب في الحكم عند الشعوب المتحضرة مَضْيعة للوقت لأنها مفتوحة على الخطأِ كما هي مفتوحة على الصّواب ولذلك فهي تفضّل الاعتماد على الدراسة المسبقة والبحث والعلوم الصحيحة حتى في بناء سياساتها. وأما عند العرب المسلمين فالأمر غير مطروح أصلا نظرا لطبيعتهم المرتهنة بمفهوم الملك والوارث وولي الأمر وحتى برئيس القبيلة وشيخ الدّوّار.
واعتماد التجربة (لا الخبرة) كمقياس في الاختيارات لم يعد صالحا حتى في كرة القدم حيث لا تمنح فرصة للاعب ليفرض امكانياته ويقنع بها، بل يخضع إلى مقاييس علمية مضبوطة تكشف قدرته واستعداده لأداء مهمته فيدفع به الى آلات متنوّعة تعرف كيف تختبره جملة وتفصيلا. كذلك في السياسة الكل يخضع الى ضوابط ومقاييس لضمان النجاح. فلا يمكن تجريب الحاكم وحكومته وانتظار أن يكتسب الخبرة في تسيير شؤون الدولة. صحيح إن الشعب التونسي وصل في حكم بن علي وحاشيته من الطرابلسية والبنعليات إلى حالة من اليأس هيّأته لمبايعة أي إبليس حاكما عليه. فلا لوم على الشعب التونسي ولا يحق لنا أن ننعته بالجهل أو بالأمية فقد تعامل مع الانتخابات بحسن نية وببساطة (والبساطة في السياسة تعني السذاجة) وتوسّم الخير فيمن انتخب من النواب. تبقى مسالة النجاح في الاختيار أو فشله نسبية ولا غرابة إذن إن رأينا المنتخبين يعتبرون البلاد غنيمة أو وليمة عادت إليهم مكتّفة في صندوق فحق لهم نهشها ونهبها قبل أن تستفيق الأعين.
غير أن الشأن التونسي تميّز بانتخاب أعضاء اختاروا حكومة نصف تشكيلتها مستوردين من الخارج بطريقة غير شرعية (هجرة مضادة) فلم تطبّق عليهم أية مقاييس ولم يخضعوا لشروط العمل في تونس ولا إلى قوانين المستثمرين التي تجبرهم على صرف نسبة هامة من رواتبهم و مرابيحهم في البلاد. وكاد الأمر أن يكون بسيطا لو توقف عند هذا الحد لكن الداء استفحل وتمدد إلى فئة المستشارين.
نحن نسمع من هنا وهناك إن الوزير الفلاني استقدم مستشارا من ذاك البلد أو كوّن لجنة وضمّ إليها بعض المختصين من ذوي الكفاءات الدولية ومن جنسيات مختلفة. الأمر عادي ويمكن أن يحدث في أي بلد وقد اعتادت تونس أن تصدّر العقول للعمل في دول شقيقة وصديقة وبعضهم عيّن مستشارا سياسيا أو عسكريا واغلب هذه العقول المصدرة كانت تمرّ من كواليس وكالة التعاون الفني بعد أن يجرى عليها اختبار في اللغة والتفكير. وقد عرف التونسيون بجديتهم في العمل حيثما حلّوا.
ويحق لكل مواطن أن يقرا الواقع التونسي ليلاحظ ما يلي:
ــ إن الذين دخلوا المجلس التأسيسي على وجه الكراء لسنة مددوا في" الكرية" ليحصلوا على الأصل التجاري ورفضوا الخروج قبل الحصول على الهبوط (منحة الاخلاء).
ــ إن التشكيلة التي استأثرت بالحكم تضم عددا كبيرا من المستقدمين من الخارج (فرنسا، انجلترا ...) وهذه نقطة تشجعنا على القبول بالأمر الواقع يعني اننا رضينا بهم على حالتهم تلك ولم نتخيل في البداية أن انتخابهم سيكون باهظ الثمن إلى هذا الحد.
ــ إن الذين انتُخِبوا اعتبروا أن تونس كعكة حان وقت اقتسامها وابتلاعها بكاملها باعتبارها غنيمة حلالا على حائزها وأما ما زاد على الشبع فيحمل إلى الخارج بالعملة الصعبة ليردّوا به الإحسان إلى البلدان التي احتضنتهم طيلة أيام الغربة فجزاء الإحسان إحسان آخر كما قال الذي استقبل استقبال البدر في المطار الأرضي.
ــ إن أبناء العمومة والأصدقاء ورفاق الغربة والسجن الذين لم نجد لهم منصبا حكوميا مرموقا قد عينوا مستشارين حتى صار من الطبيعي جدا أن يعين رئيس حكومتنا مستشارا من نفس الحزب الذي ينتمي إليه ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير فالمستشار بصفة عامة يعيّن من ضفة أخرى ليطرح أفكارا مختلفة وليضيف شيئا مفيدا اللهم إذا كان المقصود من التعيين إرضاء الخاطر لا غير.
و اعتقد أن استيراد حكومة بكاملها من الخارج (من جنسيات أخرى) سيكون أمرا مفيدا جدا للشعب التونسي وسيعود علينا جميعا بالفائدة لان المنتدبين سيكونون تحت المراقبة المالية وسيطبقون بدورهم مبدأ الكفاءة في اختيار المسؤولين و لن يتجرؤوا على تفضيل أبناء العمومة أو الحزب و لن يحاولوا سرقة أموال الشعب و لن يغالطونا بأرقام وهمية و لن يكذبوا علينا باسم الدّين ليستأثروا بالدولة و لن يواجهونا بألفاظ سوقية في الحوارات التلفزية بل سنتعلم منهم كيفية إدارة المؤسسة السياسية و نأخذ منهم ما يلزم من أخلاق السياسيين و حسن الإنصات واحترام الرأي المخالف و سنتعلم عنهم الحياء والاعتراف بالخطأ و أشياء أخرى في التجارة والاقتصاد و في الصناعة و الثقافة و المجتمع و بهذه الفعلة أيضا سنسدّ الطريق أمام التعيينات التي تأمرنا بها بعض الدول الصديقة و الشقيقة. لذلك فانا اقترح أن نعوّل على أنفسنا وأن نتجرّأ فنستورد حكومة ورئيس دولة من دول متنوّعة لنرضي أكبر عدد ممكن من أصدقائنا ولأن التنويع في الحكام كالزواج المختلط ينتج أشخاصا أذكياء. لكنني أنبه إلى ألا نغترّ بثمن السلع الصينية فنقدم عليها دون تثبت. وأن نركّز على كندا واليابان وأمريكا واستراليا خاصة أما الانجليز فقد عوّدونا على سرقة ممتلكات الشعوب منذ عصر الاحتلال المباشر.
ولكم حول ما أقول نقاش وللمجلس التأسيسي موقف.
جريدة المغرب 18 ماي 2013
ماذا عن دكاترة فضاءات التواصل الاجتماعي؟ وكيف للمبحر البسيط أن يفرّق بين الصّفة وانتحال الصّفة؟
يصعب الخوض في هذا الموضوع ولكن استفحال الظاهرة جعلني أتجرّأ على اثارته والتوقّف عنده لوزنه أخلاقيا وقانونيّا. وقد تصيبني سهام حاقدة يطلقها هؤلاء الذين يعضّون بأسنانهم على شهادات وهمية يحصلون عليها من جمعيات أو مؤسسات لا يتعدّى وجودها صفحات الشيخ غوغل أو أحضان التيك توك وغيرهما، لأنّهم يعتبرون كشف حقائقهم تدخّلا في شؤونهم الخاصة أو قطعا لأرزاق سهلة يكتسبونها من التّحيّل الأدبي. نتناول هذا الأمر بكل تجرّد غايتنا في ذلك زرع الحقيقة والصّدق والصّفاء وهي صفات على كلّ كاتب أن يتحلّى بها محترمين الأمانة العلميّة.
1 ــ انتحال صفة الممثل.
قبل أن أتناول موضوع الشهادات أودّ أن أشير الى بعض الاساءات الأدبية التي يرتكبها البعض من الكتاب والكاتبات الذين لا يجدون حرجا في طلب المشاركة في هذه التظاهرة الثقافية أو تلك خارج الوطن، فيدفعون من مالهم الخاص كلّ ما تستوجب المشاركة في التظاهرة من نفقات مالية ثم يعلنون على فضاءات التواصل الاجتماعي وفي بعض الصّحف أنهم سيمثّلون بلدهم في تلك التظاهرة او المهرجان، شاكرين المستضيفين الذين منحوهم فرصة التمثيل هذه. وقد يقفون على الرّكح فيضعون على رؤوسهم أعلام بلدانهم. أقول هذا دون تقييم لمداخلاتهم: ذلك شأن النّقّاد، غير أن الأمر يكون قاسيا على الوطن عندما تكون المداخلة أو النّص دون المستوى. نعرف ان لا أحد يمنع المشاركين والمشارِكات من المشاركة، فلكلٍّ ظروفه ونصيبه ولكن لا يحقّ له أن يمثّل هذا الوطن أو ذاك دون علمه. ألا يعتبر هذا العمل انتحال صفة؟ وهو ما يمنعه القانون في كل البلدان.
2ـ انتحال صفة الدّكتور
عندما نلقي نظرة استقراء على فيسبوك خاصة نلاحظ أن عددا كبيرا ان لم اقل هائلا من أصحاب الحسابات يضعون في واجهات صفحاتهم عبارة: الدكتور. يدفعك حب الاطلاع للبحث عن نوع الدكتوراه ومضمونها فتفاجأ أن الشخص لا يملك شهادة دكتوراه واحدة بل شهادات جامعية في ميادين مختلفة ومتنوعة ممنوحة كلها من مؤسسات وهمية أو جمعيات (لا جامعات) تتسابق في استجلاب البسطاء والسّذّج لمدّهم بشهادات الكترونية في مناسبة او في غير مناسبة، وبطاقات تهاني وتختلق لهم مسؤوليات ومهام كسفير الادب أو سفير السلام وحقوق الانسان وممثل الجمعية في بلاده. وقد تطلب مساعدته في أداء مهمّته الديبلوماسيّة الأدبية. استفحل الأمر حتى صار مدعاة للأسف والسخرية وحتى الشفقة فترى بعض الأساتذة يضعون بالبنط الجذّاب على كتبهم عبارة الدكتور، هكذا دون أدنى حياء. وكثير منهم لم يحصلوا على شهادة بكالوريا.
ـ 3 ماذا في العرف والقانون الدولي والمحلي:
يتعلل هؤلاء الدكاترة "الموهومون" بأنهم حصلوا على شهادة الدكتوراه الفخرية ويتعمّدون الايهام وامتهان الكذب على أنفسهم حتى يصدّقوها. وفيما يلي شروط منح الشهادات الفخرية وشروط الحصول عليها وهي، كما نلاحظ، أصعب من شروط الحصول على الدكتوراه العلمية أو الأكاديمية: تمنح الدّكتوراه «الفخرية» لشخصيات معينة تعبيرا عن العرفان بالجميل أو الإنجازات العلمية أو الاجتماعية التي قاموا بها. هي اذن عملية تكريم للشخص ومسألة تقدير واعتراف بالجهود والأعمال التي قدمها أو سيقدمها للمجتمع أو لمؤسسات في المجتمع ومنها المؤسسات التعليمية. ولا تسمح هذه الشّهادة لصاحبها بأن يتقدم إلى وظيفة وفقاً لدرجة الدكتوراه الفخرية التي يحملها. ولا يحق له وضع حرف د. أمام اسمه بل يمكنه وضع حرفي h.c أي honoris causa ولعلّ أهم الشروط هو أن ينص قانون إنشاء الجامعة الرسمية، أو الجامعات الخاصة، على صلاحية منح شهادة الدكتوراه الأكاديمية، وأن يجاز لها منح شهادة الدكتوراه الفخرية في حدود اختصاصية محددة، تتوافق مع الكليات العاملة في الجامعة.
كما يمكن للمانح أن يسحب الدكتوراه الفخرية عندما يرى موجبا لذلك، فعلتها جامعة الخرطوم مع العقيد المرحوم معمّر القذّافي الذي كان قد منح الدرجة نتيجة لمساهمته في بناء قاعة محاضرات في الجامعة نفسها. ومثلها فعلت الجامعات المصرية عندما سحبت الدكتوراه من السيدة سوزان مبارك.
وقد تعرّض القانون التونسي الى جريمة انتحال الصفة في أكثر من موضع:
حيث يعاقب بالسجن وبخطية مالية كل من ينسب لنفسه لدى العموم أو بالوثائق الرسمية صفات أو أوسمة.
ويعاقب بالسجن أيضا وبتخطئة مالية كل من استخدم اسمًا مستعارًا أو سمات غير صحيحة، كي يقنع الغير بمشاريع أو أعمال لا أصل لها.
كما يعاقب قانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة من يقدم إرشادات أو وثائق مغلوطة بشأن المنتوج (الإبداعي).
صحيفة المثقف 26 كانون 1 ديسمبر 2023
لا ينبغي أن أنحاز إلى الكتاب الرقمي ولا أن أنصِّب نفسي مدافعا عن كبرياء الكتاب الورقيّ المهدور. ولا أخفي قناعتي بأن حظ الكتاب الورقي سيكون مثل حظ التكسيفون في صراعه مع الهاتف الجوّال.
لكنّني عندما أبحث عن كتبي الأولى المنشورة في بداية الثمانينات من القرن الماضي ولا أراها الا في مكتبتي الخاصة أطرح على نفسي سؤالين بسيطين:
الأول: لماذا انسحبتْ أو اندثرتْ الكتب المهمّة وإن في الدراسة والبحث في زمن قصير جدا؟
الثاني: هل نحن مقدمون على عصر الكتاب ذي الاستعمال الواحد؟
وقد تأتي الاجابة من الواقع والواقع مقنع بالرغم عن الأهواء والأماني والأمزجة. يقول الواقع إن العالم مُقْدم على تغييرٍ عميق لا أحد يدري حجم المعجزات التي سيجود بها علينا. وأنا أخمن أن العلاقة بين الصّنفين (الورقيّ والرّقمي) ستتحسّنُ لتصبح علاقة تكامل لا علاقة تنافر، متوقِّعا أن تكبر الهجرة نحو الوسائل المسموعة والمصوّرة. فالكتب الرّقمية مستمرة في التّطوّر والانتشار بفضل ما أصبح عليه العالم الافتراضي من سهولة وسلاسة فهو معروض لكل راغب فيه، منفتح لكل من طرق أبوابه ومستسلم لكل باحث، دون أن يحتاج إلى كثير من الدّراية، إذ يحتاج فقط إلى قليل من الصّبر والجهد والى خبث وحيلة جميلة. إنه يشبه إلى حد كبير عالم الإبداع.
فهل يختلف الكتاب الرقميّ عن الكتاب الورقيّ أم يخالفه؟
الكتاب الرّقمي نصّ مكتوب ومقروء بلغة ما، يشبه النّصَّ الورقيّ في الإعداد والإحضار والجمع ويخضع للمراجعة والإصلاح إلا أنه يختلف عنه كثيرا فهو مكتوب على حوامل الكترونية ذات شاشات للقراءة ويخضع إلى تصفيف خاص يُمَكّن متصفِّحه من الوصول السّريع إلى مختلف عناصره وإعادة الرّبط بين الفقرات إن لزم الأمر، ويمنحه أساليب البحث السّريع والاسترجاع. والكتاب الرّقميّ قابل لإضافة الصّوت والصّورة إليه بحيث يستطيع القارئُ سماعَ صوتِ تقليب الورقة كلما طُويت صفحةٌ أو الاستمتاعَ بموسيقى مصاحبة للنّص. ومن خاصيته أيضا أن محتواه يُخزَن في ملفّات ويودع في حاسوب سواء بالكتابة على لوحة المفاتيح أو بماسح ضوئي يتولّى تصوير الكتاب وخزنَه. وهكذا يكون الكتاب جاهزا للقراءة أو للنّشر على الانترنت وقابلا للتّنزيل في أي مكان من العالم، ومحمولا في الجيب.
ظهر الكتاب الالكتروني سنة 1971 في أمريكا على يد مايكل هارت الذي أراد أن يؤسس مشروعا سمّاه غوتنبارغ يهدف إلى تحويل عديد الكتب وخزنها في مكتبة رقميّة ليتفاعل معها النّاس عن بعد.
استمر النّشر الالكتروني بطيئا نسبيّا ثم انفجر دفعة واحدة في العشرية الأخيرة من القرن الماضي وأقنع الناس بمزاياه المتعددة. ويمكن أن نسوق بعضا من هذه المزايا:
1 ـ مدة انجاز الكتاب الرقمي قصيرة.
2 ـ الكتاب الرّقمي متحرّر من شروط الطّباعة.
3 ــ تكلفة إنتاج الكتاب الرّقمي بسيطة.
4 ــ سرعة الانتشار والارسال الشبه مجاني.
5 ــ يستجيب بسرعة لكل سائل وباحث عن معلومة.
6 ــ سهولة في الاشتغال على النّص وإصلاح الأخطاء حتى والكتاب منشور.
7ــ يمكن اختيار شكل الغلاف وألوانه وحجم الكتاب في ظرف وجيز
8 ــ يستجيب للتّرجمة الفورية.
9 ـ يُحمَل في الجيب مع آلاف الكتب في قرص فلاش واحد.
10 ـ يمكن إنتاج الكتاب الرقمي أو الصوتي في المنزل.
لهذه الاسباب بادرت بنشر كتبي على الانترنت، تحديدا على موقع الامازون لهدفين.
اولهما سرعة وسهولة الانتشار. وثانيهما امكانية البيع ودوام العرض. اذ يكفي ان يكتب القارئ اسم الكاتب على الموقع بالعربية او باللاتينية لتبدو له غلافات الكتب وطريقة الاقتناء وكيفية التحويل وشكل الكتاب.
وهكذا يطمئنّ الكاتب على كتبه. فهي لن تندثر ولن تمزّقها الأيدي ولن تؤذيها رطوبة المكتبات. يكفي ان تبقى نسخ منها في الارشيف الوطني لتأثيث الذاكرة الجماعية. أما المعروضة للقراء فالأفضل أن تبقى حيّة على الانترنت.
صحيفة المثقف 12 فيفري 2024
دفاعا عن الكتاب الصّوتي
لم يزل الكتاب الرقمي يطارد الكتاب الورقي في شتى أنحاء العالم حتى أوشك أن يطيح به بالضربة القاضية. أقول قولي هذا وأنا حزين على حال صديقي الكتاب الذي أوفى إلي ورافقني طول حياتي. وكم حاولت أن أنصب نفسي مدافعا شرسا عنه ولكنني كنت أشعر أنني كمن يدافع عن التكسيفون أمام هجمة الهاتف الخلوي لذلك سأرفع يدي عن هذا الانحياز الأعمى وقد سبق أن تحدثت في موضع آخر عن الكتاب الرقمي؟
سأكتفي بإطلالة على الكتاب الصوتي الذي حاولت شخصيا أن أعتني به.
ندرك أن العرب محافظون بالفطرة يجلّون الشّعر ويعتبرونه ديوانهم الأول لذلك لم يحتملوا أن تعوّض شريحة الكترونية في حجم ورقة زيتون أو أقل حاملات نصوصهم القديمة كالرخام والجلد والورق. فلم يركبوا قطار الرقمنة إلا مكرهين مدفوعين بالسعي خلف مصالحهم وترضية للغرب كلّما أجبروهم على التعامل معهم بالسّرعة المطلوبة. فلم يباشروا نشر الكتب الكترونيا إلا سنوات بعد ظهور عملاق شركة اوديبل audible وشركة ستورتال السويدية وجوجل. ولعل شركة كتاب صوتي الإماراتية هي المنصّة العربيّة الأولى التي نشرت الكتب الصوتية قبل أن تلحق بها: ضاد للكتب الصّوتية وكتاب صوتي واقرأ بودانك ومكتبتي والكتاب المسموع واسمع كتاب وبودكاست وراق، والمكتبة الصوتية وlibrivox.
أما في تونس فأغلب القصائد المنشورة على الانترنت هي قصائد بالعامية وهي مسجلة بطريقة فوضوية يشويها التشويش وتنقصها الحرفية. ومردّ ذلك أن هذه التسجيلات منقولة من الأعراس والمهرجانات.
أما النّص الفصيح فقد بدأت محاولات عديدة لنشره رقميا منها الفردية ومنها الجماعية كالقصائد المنشورة في مواقع وصفحات المهرجانات المهتمة بالشعر التي، وإن فتحت نافذة ليتنفس منها الشعر الصّوتي فإنها بقيت رهن الهواية والعشوائية.
وتظل المكتبة الصوتية المروج الأدبية التي أشرف عليها شخصيا والتي أسّستها بالاشتراك مع الصّديق المرحوم محمد البدوي أهم فضاء للقصائد الصوتية في تونس. وهي تعرض مئات القصائد بأصوات أصحابها على المبحرين في قناة المروج الأدبية على اليوتوب.
فان كان أجدادنا لم يستطيعوا تسجيل صوت ابن خلدون لعدم توفر آلات تسجيل في ذلك العصر وان كان آباؤنا قد أهملوا صوت بلقاسم الشابي وأصوات من عاصره من الشعراء فإننا لن نجد حجة أمام الجيل القادم نتعلل بها عن عدم الاحتفاظ بأصوات مبدعينا المعاصرين. لذلك فإنني أدعو إلى:
1 ــ رقمنة جميع المكتبات العمومية ووضع بعض الحواسيب على ذمة الرواد.
2 ــ تحويل أمهات الكتب الورقية إلى كتب صوتية.
3 ـ إنشاء موقع الكتروني لكل مكتبة عمومية ليكون جسرا يمكن من خلاله مطالعة الكتب الصوتية عن بعد.
مجلة المسار العدد 115 نوفمبر ديسمبر 2018
1 ــ في باب الكتابة
لا يَعْجَبُ قارئ هذا النص من كثرة الأخطاء الواردة فيه فأنا تعمّدتها تركها ليَرشَح بها نصّي احتراما لأذواق القرّاء الذين لا همّّ لهم سوى البحث عن أخطاء غيرهم. وأنا أفضّل ارتكاب الأخطاء عن البقاء مكتوف اليدين معكوف الأصابع. الكسول فقط لا يخطئ.
أحيانا يسألك نادل الحانة أو بائع الصّحف عن الغاية من كتابة الأدب في زمن قلّ فيه الأدب. ولا يمكنك الجواب تقديرا للسّائل وتحاشيا لاتهامه بالجهل أو بقلة الإطلاع فتكتفي بأن تقول له: إن الكتابة هوايتي المفضلة أو إنها محاولة لقتل للوقت أو إن الكتابة طريقة لفرض الذّات. ولا أحد يسألك: لماذا لم تتوقف عن الكتابة؟
ويسألك ناقد كسدت بضاعته فتحوّل إلى صحفي يعاشر الأدباء ويخالط الكتاب: كيف بدأت مع الأدب أو ما سرّ حبّك للأدب أو من جاء بك إلى عالم الكتابة؟ فتحاول أن تكتم غضبك فتجتر جوابا مللته وتغيّر مجرى الحديث وتتمنى أن يسألك هو أيضا: لماذا لم تتوقف عن الكتابة؟
ويسألك الأطفال وأمهم كيف تكتب فتجيبهم ببساطة وسذاجة إنك تكتب بالقلم الجامد الذي لا أحاسيس له وأنك تسعى لجعله يحس ويشعر ويتألم ويسعد. وكنت تتمنى لو سألوك عن سبب إصرارك على الكتابة في زمن قل فيه القراء أو اندثروا.
أسئلة باهتة تواجهك كل يوم بعد أن أفرِغَت من أجوبتها في علكة الشيء المعتاد، أسئلة لم تعد محتاجة للتكرار ولكنها تخفي جوابا مبطنا وتغطي حالة من اليأس لم تعد خافية عن الشّمس.
2 ــ في منزلة القراءة
أمة اقرأ اختلفت حول كلمة اقرأ وتفتقت قريحتها على أكثر من معنى فالبعض يقول ان جبريل يدرك ان الرسول محمد لا يعرف القراءة ولهذا فالمقصود بكلمة اقرأ لم يكن في الحقيقة أمرا بالقراءة ولهذا قال شقّ أخر إن كلمة اقرأ في الأصل كانت تعني بلّغ ويصح تأويل الآية اقرأ باسم ربك للدلالة على بلغ باسم ربك وكان العرب يقولون: فلان يقرئك السلام أي يبلغك السلام
وتقول رواية أخرى تشرّف العرب أنهم كانوا، قبل الإسلام، مغرمين بالقراءة وبالأخص بكتابة الشّعر وإنشاده وقد خصصوا جانبا من سوق عكاظ في مكّة، حيث ظهر الإسلام، ركنا للقراءة وللمبارزة بالشعر وبفنون اللغة. وكانوا حريصين جدا على تلافي الأخطاء عند القراءة.
3 ــ في قيمة الأخطاء
وأنت تتصفح جريدة أو تلقي نظرة على عناوينها المدرجة في صفحتها الأولى يهزك ويرجك خطأ فظيع، يلطم أنظارك ويحطم أعصابك ويصيبك بالتوقف عن التفكير. ومن عادة الخطأ أن يقفز إلى النظر ويكشف نفسه بسرعة للقارئ. وقد تختلق بعض الأعذار كأن تقول ان النّص موضوع الخطأِ ورد متأخرا على الجريدة فلم يدركه المصلحون او كأن تعتبره خطا مطبعيا لكن حبل أعذارك لا يتحمل كثرة الأعذار فتلعن من درس ولقن وعلم ومنح الشهائد.
4 ــ
يحدث أن تجد أعذارا للمخطئين من الصحفيين والمخطئات من الصحفيات ترميها على حالة الارتجال أو الرهبة من الكاميرا أو أهمية الخبر المقروء ولكنك لا تجد تلك الأعذار عندما يتعلق الأمر بخبر بائت. فماذا يمكن أن تقول وأنت تقرأ على شاشة التلفاز: فلانة عضوة في مجلس نواب الشّعب او فلانة صيدلية أو فلانة قرينة فلا ن أو قاضية.
تحتاج القراءة إلى مجهود، هذا صحيح، ولكنها أيضا تحتاج الى تركيز أكبر فهي التي تقرر مصير النّص المقروء وتحكم بقبوله أو برفضه. والقراءة فن بل هي أجمل ما في النّص المكتوب تمنحه حلاوة التنغيم والترنيم والتلحين فنحن نقرا النّص بأسماعنا لا بأعيننا. والبصر يرفع بصورته المكتوبة إلى الدماغ حيث تترجم صورة الحروف إلى قراءة ملحنة آو منغمة. والأخطاء أكبر عدو للقراءة تفقدها متعتها وحلاوتها.
5 ــ ضرورة المراجعة
تقول سياسة الأمر الواقع ان على اللغة العربية أن تنخرط في اللعبة الالكترونية كرها أو رغبة وأن تركب قطار الفاسبوك قبل ان يفوتها. ذلك ان الأرقام أصبحت ناطقة وأصبح بالإمكان قراءتها. تناقلت الهواتف الخلوية الأمر بسرعة عجيبة ومكنت اللغة العربية من رفع الإشكال القائم في كتابة بعض أحرفها الخاصة مثل الحاء والخاء والعين والقاف. ظهرت الكتابة بالأرقام وانتشرت وأخذت لها مكانا عند الشبيبة. ويخطئ من يحاول ان يعترض على هذا الاندماج فهو سيبقى سابحا ضد التيار إلى ان تخر قواه ويخمد صوته فيقبل بسياسة الأمر الواقع.
من حق مخترع الهاتف النقال وما شابهه ان يستعمل ما يشاء من الأحرف واللغات وان يحاول فرض أساليبه وما على غير الراضين إلا أن يخترعوا لأحرفهم آلات خاصة وللغاتهم أصواتا تبلغ المقصود. لكل هذه الأسباب علينا اعتماد لغة الفاسبوك في مدارسنا.
مجلة المسار العدد116 جانفي 2019
في اتجاه الرّواية بأقدام الشّعر
الشّعر ديوان العرب وتاج آدابهم وأب الفنون عندهم. أما الرّواية فهي جنس أدبي غريب استضافه العرب وسرعان ما ضمته ذائقتهم وتبنّته أنفسهم رغم ميلها إلى المحافظة وتكرار السائد.
كيف إذن استطاع العربي أن يتقبل ضرّة للشعر بعد أن كان لسانه الوحيد الذي يعبر من خلاله عن آلامه وآماله وكيف تمكنت الرواية االدّخيلة من تصدر المشهد؟ بعض الأسباب تجيبنا عن هذه الأسئلة:
1 ــ شكل النص الأدبي الحديث:
يبدو للمتأمل في الساحة الأدبية أن منزلة الشّعر تراجعت في نظر الناس وأنه لم يعد قادرا على إطرابهم بل أصبح أحيانا سببا للاستخفاف بقائليه ومدعاة للسّخرية وفي اعتقادي إن انصهار الخاطرة في الشّعر لعب دورا أساسيا في تكسير الإيقاع الذي كان الشّعر يعتمد عليه في الولوج إلى النّفوس فلا ننسى أن القارئ إنما يقرأ الشعر بإسماعه.
في اعتقادي ان قصيدة النّثر ساهمت بحق أو بباطل في تناقص عدد المولعين بسماع الشّعر عندما استسهل البعض كتابتها ونشرها في كتب فتكاثرت الإصدارات الشعرية واختلط الغث بالسّمين والمخطئ بالمصيب. أما الرواية فممارستها صعبة وكتابتها لا تحتمل القفز مباشرة الى أعلى السلم بل تحتاج إلى صبر أطول والى هندسة مسبقة والى كثير من الانضباط والتركيز والتعويل على العقل أكثر من التعويل على الإحساس ونحن نعرف أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز للروائي.
2 مضمون النص الأدبي الحديث:
عرف الشّعر بكونه حمّال صورة بينما تشكّل الفكرة أداة للنّثر. أيقنت من خلال تجربتي الشّخصية في الكتابة وقد فاقت الخمسين سنة أن صدر الشّعر ضيّق وانه لا يستطيع حمل ما أسعى إلى قوله، وأن الشّعر لا يقبل التخلي عن جماليته وأدبيّته لفائدة الأفكار والآراء والمبادئ والمواقف بينما تستطيع الرواية تحمل حتى السير الذاتية.
أيقنت في النهاية أن الشعر جزء من الذات أما الرّواية فيمكن أن تكون الذات كلّها.
3 ــ القارئ
لم يتغيّر القارئ ولم نستورد لنصوصنا قراء من الخارج فالقارئ هو نفسه وذوقه لم يتغيّر كثيرا ولكنه، وبحكم تغير طبائع العصر وسلطة الصّورة والصّوت، غيّر من عادة القراءة فأصبح يعول على الصّورة أيضا وظهرت قراءة جديدة اختص بها الشّعر ولم تعتمدها الرواية هذه القراءة هي التي نجدها بشكل يومي ومتزاحم أحيانا في المواقع الاجتماعية حيث استغل النّص الشّعري مختلف التعاليق الآتية من هذا أو ذاك حتى الكاذبة منها والإخوانية ليسعد بوهم الإعجاب. هذا الأسلوب في التعامل المزيّف لا نجده في الرواية فحافظت على قيمتها ولم تطأها قدم العابثين. وتبقى الرواية في نهاية الأمر قريبة جدا من الفنون الأخرى التي تعتمد الصورة كالمسرح والسينما.
4 ــ الجوائز الأدبية
تكاثرت في السّنوات الأخيرة الجوائز الأدبية الممنوحة للرواية. هذه الجوائز ساهمت في رفع منزلة الرواية ودفعت بالكتاب الكبار إلى خوض التجربة والتعويل على حصان النّص الروائي للفوز بجائزة ما. وصارت منافسة الدول على منح الجوائز أشدّ وأعنف من منافسة الروائيين على الحصول عليها بينما اقتصر الشعر على بعض الجوائز الفقيرة نسبيا والتي صار بعضها لا يمنح للنّص وإنما بالاعتماد على التصويت بواسطة الإرساليات لهذا الشّاعر أو ذاك كما هو الشأن بالنسبة لمسابقات الغناء في ستار أكاديمي.
5 ــ دور الأطراف المتدخلة الأخرى.
أ دور النشر: تعتمد دور النّشر على مبدا العرض والطلب وصارت تتهرب من نشر الشّعر لكثرة الشعراء ولتناقص ان لم اقل لعزوف الناس عن قراءة الشعر المنشور ورقيا. فلم يعد الناشر متشجعا على استثمار أمواله في قطاع مكلف وغير مضمون الربح.
ب ــ وزارة الثقافة في تونس
هي نفسها لم تعد تقدّر الشعر المنشور ورقيا حق قدره وخفضت من عدد النسخ المقتناة وقد يكون ذلك راجعا إلى كثرة الكتب الشعرية أو إلى تدني قيمة الشّعر المنشور فيها.
6 ــالدوافع الذاتية
بديهي جدا ان يسعى كل شاعر إلى تنويع كتاباته فمن الشعر قد ينتقل إلى المسرح أو إلى كتابة السيناريو او الرواية ...شخصيا ومنذ أن بلغ بي العمر منتصف الكهولة شعرت بأنّ الشعر لم يعد قادرا على تحمّل مواقفي من السياسة والمجتمع ولم يعد يستطيع ترجمة المبادئ التي أعمل على أومن بها وأسعى الى تطبيقها انتقلت الى كتابات أوسع مثل المقال والمسرح والرّواية ولم أجد صعوبة في الانتقال من كتابة جنس أدبي إلى أخر فكتبت الشعر بأنواعه وكتبت المسرح والرواية المشهدية (السيناريو). جعلت من المسرح الشعري جسرا انتقلت عليه من الشعر الى السّرد ثم مشيت الى الرّواية بأقدام الشّعر. ويبقى مضمون النص هو المؤثر الكبير والدافع الأساسي في تحديد الشكل الذي ينزل به.
لهذه الأسباب اعتبر أن العصر هو عصر الرواية وان الشعر لم يمت وإنما غير فضاءاته ومجالات تحرّكه.
مجلة المسار العدد 117 مارس افريل 2019
إنه لمن العار أن تتلكّأ مؤسسة ثقافية في صرف مكافأة الى مبدع مقابل مشاركته في انجاز أمسية ثقافية. ومن العار أيضا أن يجبر المبدع شاعرا كان أو ناقدا أو رساما على المرور الى القباضة المالية لتسجيل عقد المشاركة ودفع أداء عربونا على أمسية قد تلغى وقد لا تصله مكافأة المشاركة فيها. ويكون العار أكبر عندما يرفض مراقب المصاريف العمومية الاذن بصرف المكافأة بسبب عدم الصفة مشترطا الاستظهار بشهادة في الاختصاص تثبت أهلية المبدع للقيام بالنشاط الذي دعي اليه وهو مطلب أقل ما يقال فيه إنه غريب وساذج، إذ على حد علمنا لا توجد كلية أو مؤسسة تعليمية تمنح شهادة في اختصاص كتابة الشعر أو تقديم الكتب أو فعل نشاط ابداعي مشابه. كلّ ما في الامر ان الجامعات تعلم تفسير الادب ونقده وفي أحسن الأحوال تصقل المواهب بتنمية اللغة أو تدريس الفنون. بعض آخر من مراقبي المصاريف يطلبون من المبدع، إن كان موظفا، أن يستظهر بترخيص من مشغّله للقيام بعمل ابداعي وهو مطلب سخيف الى حدّ الإضحاك. إذ أنه من حق المواطن، موظفا كان أو عاطلا، التّصرّف في ممتلكاته الخاصة العينية منها والفكرية بالبيع أو بالرّهن شريطة دفع الأداء على الأرباح طبعا، فمن حق المواطن مثلا بيع منزله أو سيّارته أو منتوجه الفلاحي أو كتابه دون ترخيص من مشغّله ولا من مراقبي المصاريف اللهم إن كان شريكا خفيّا على طريقة المجلس البلدي لبيرم التونسي. اننا ندعو هؤلاء المراقبين بكل لطف الى أن يحكّموا عقولهم فهي أعلى القوانين لأنّ القانون التونسي المنظم لهذا القطاع هو جملة من النصوص المتضاربة أحيانا وغير العقلانية أحيانا أخرى وهي في حقيقتها غير دستورية وفي أغلبها متباعدة ومختلفة ومضطربة وغبية وبعضها جعل لتبليد الفكر وتجميد الفن والقضاء على الثقافة الوطنية. وعلى من لم يصدقني أن يقرأ ويحلل قانون الملكية الفكرية في فصله السابع خاصة. ونحمد الله لأن هذه الظاهرة تختلف من مراقب مصاريف الى آخر ومن ولاية الى أخرى ومن قباضة الى قباضة، فبعض يقتطع 5 في المائة من المكافأة كأداء وآخر يقتطع 15 في المائة وقباضة تسجل العقد ب25د وأخرى ب 40 د والجميع يعمل طبق القانون غير القانوني. نحن نحترم حرص مراقب المصاريف على حزمه ضد سوء التصرّف حفاظا على المال العام ولكننا نريده أن يتصرّف عن دراية وأن يفهم معنى الملكية الفكرية ويعرف كيف تدار الحياة الثقافية فالكتاب يسجل ويودع في المكتبة الوطنية مقابل وصل، يمكن الاطلاع عليه لأنه يحمل اسم صاحبه واسم المطبعة والنّاشر. والمبدع يحمل في أغلب الأحيان بطاقة انخراط في بعض الهياكل المعنية بالفكر والادب مثل اتحاد الكتاب التونسيين (يمكن أيضا الاطلاع عليها عوضا عن شهادة في الاختصاص). من الأفضل أن يتصرف مراقب المصاريف بأكثر لين ليساهم في زرع الوعي الفكري والادبي وفي محاربة الجهل. ولا يمكنه هذا الا متى خرج عن الراديكالية العمياء دون احترام لرأي المندوب الجهوي للثقافة الذي يصادق عادة على النشاط ويؤشّر على العقد وقد يحضره. الا يكفي هذا حتى يصدّق مراقب المصاريف أن العمل أنجز فعلا؟ أم إن مراقب المصاريف أكثر ملوكية من الملك أم هو الوحيد المؤتمن على أموال المجموعة. بقدر حرصنا على المال العام نحرص على ضمان حقّ المبدعين ورفع الجهل عن المتصرّفين.
جريدة الشعب 21 سبتمبر 2023 ص 3
لا أذكر فرحتي بنشر قصيدتي الأولى في مجلة السّراج التي كان يديرها المرحوم عمر سعيدان ويطبعها في سوسة. كان عمري آنذاك 13 سنة لا اقدّر النشر حق قدره ولا اعتني بالتوثيق. القصيدة الأولى كانت بالفرنسية وصدرت تحت عنوان: mon village.
أذكر فقط إن الفرحة الأكبر كانت يوم صدرت قصيدتي العربية الأولى في جريدة بلادي سنة 1974 وتضاعفت الفرحة لما علمت ان الأستاذ توفيق بكار قرأ القصيدة وناقشها مع طلبته في الكلية في إطار الشّعر الشّبابي. ولم أدر كيف تواصلت لهفتي على النشر في الصّحف حتى جاءت جريدة الرأي فابتلعتني وأعطتني فرصة العمر بانخراطي في أسرة تحريرها وفكّرت بجدية في نشر كتابي الأول: بالجرح على الجبين العربي.
كان ذلك سنة 1981 جمعت قصائدي التي كنت نشرت أكثرها في جريدة الرأي. قصائد سياسة وشعارات وايديولوجية وثورية طلابية. وحملتها إلى الشاعر الصادق شرف لنشرها في دار الأخلاء. وكان وقتها يشغل خطة سكريتير تحرير مجلة الفكر التي يديرها محمد مزالي والبشير بن سلامة. وكان مزالي قد تولّى مؤخرا الوزارة الأولى وفتح باب الديمقراطية أمام الكثير من الأصوات المكبوتة فارتمت عمياء داخل القفص. وعيّن مزالي صديقه البشير بن سلامة على رأس وزارة الثقافة بالصدفة يوم دفعت بكتابي إلى النشر. تشجّع الصادق شرف وسلّم الكتاب إلى الأستاذ رياض المرزوقي فقدمه. ودفعت القسط الأوّل من التّكاليف اقتطعته من منحتي الجامعية. حملت النسخة الأولى وجريت إلى أستاذي الروائي حسن نصر الذي كان درّسني في معهد المهدية فوجدته حيث يجلس كالعادة في نزل في وسط العاصمة. سلمته الكتاب فقام وقبلني وقال: يا بني كنت أدرك أنك ستكون شاعرا كبيرا. أنصحك بالمحافظة على تلك الإذن الموسيقية التي كنت تفرز بها الشّعر عن اللاشعر. أسعدني هذا المديح وشجعني على دخول مرحلة الترويج بمعنويات مرتفعة. وبسرعة نشرت المجموعة وانتشرت في الجامعة أحسن انتشار ووزّعت أحسن توزيع في الأمسيات الثقافية التي كانت تقام في المبيتات الجامعية. كان ثمن النسخة 720 مليم واذكر أن الصديق الشاعر يوسف خديم الله ساعدني في بيع المجموعة وترويجها فجهّز لها قفّة من السعف القابسي ونجح.
بعد أيام تقدمتُ بالكتاب إلى جائزة علي البلهوان التي كانت تمنحها بلدية تونس قبل أن تصبح جائزة الدولة التشجيعية للشعر. وحان موعد الإعلان على الفائز. أعلمني الصادق شرف أنني سأكون من الفائزين وعلي أن أحضر حفل التسليم يوم الجمعة كذا في المسرح البلدي فتهيأت وجهّزت نفسي ومررت عليه في اليوم الموعود مع منتصف النهار في مطبعة بنهج المنجي سليم فأعلمني بأن السيد البشير بن سلامة وزير الثقافة رفض تقرير اللجنة وقد يمنحها لشاعر آخر ولكن لا باس يمكن أن تحضر الحفل. بين قوسين البشير بن سلامة هو احد أقاربي من النسب غير انني لم ادخل الى خيمته كما فعل عديد الشعراء الانتهازيون فناصبني الكره والإقصاء. حضرت وصفقت كثيرا لمن؟ للصادق شرف وهو يتسلم الجائزة. بعد أيام عقدت جريدة المدينة السعودية ندوة في مقرها الكائن بشارع بورقيبة وكان الشاعر نور الدين صمود رئيس لجنة الجائزة حاضرا فطلب من الصحفي المرحوم أحمد عامر (دار الصباح) نشر احتجاج لجنة الجائزة على نقض تقريرها مؤكّدا على أن الجائزة تشجيعية بالأساس وان المولدي فرّوج طالب فرنكوفوني في كلية الطب يستحق الجائزة قبل غيره بقطع النظر عن جودة النص الذي شهد فيه رياض المرزوقي. ثم علق ساخرا: قل إن الوزير سحب الجائزة من قريبه ومنحها للمقرّب منه مقابل تجنيده لجمع شعراء حول قصيدة بقافية موحّدة وبرويّ واحد وتحت العنوان: تونس الحب تونس الياسمين. وكان له ما أراد. إذ فعلها خمسة شعراء.
بعد مدة أخبرني أحد أبناء قريتي(ع.حمزة) أن وفدا من سوريا بقيادة ابن القرية أيضا(م.نفّاتي) يودّ مقابلتي. فاشترطت حضوره ليكون شاهدا. جلسنا في مطعم قرب شارع بورقيبة وشربت لأول مرة شرابا ابيض لذيذا. حدثني رئيس الوفد عن حزب البعث ومبادئه وأبدى لي إعجابه بالنفس القومي الذي وجده في كتابي الاوّل ودعاني إلى السفر الى سوريا للإشراف على طبع كتابي القادم (في رحلة خالصة المصاريف. وقال انه سيمدّني ببعض الكتابات (فهمت انها ستكون مناشير) لتوزيعها في الوسط الطلابي وفي المقابل أمدّه بكتابات لتوزيعها في سوريا (؟؟ في الحقيقة لم تنطل عليّ الحكاية ولم أصدّق أن لي أهمّية في الساحة) فأنا الشاعر الريفي الشاب المعروض للاستقطاب من طرف جميع الاحزاب...من أنا حتى يطلب مني مقالات في السياسة؟) نزل عليّ وحي كله ذكاء فرفضت هذا الشكل من العمالة. ولخصت الجلسة في كلمة واحدة: لم نتفقْ. قلتها بالقاف المجزومة. وتفرّقنا ومن يومها لم أر واحدا منهم الا الشّاهد.
ومن غريب الصدف أن وفدا من إذاعة الثورة العراقية زار جريدة الرأي في تلك الفترة وكنت هناك...أجرى معي حوارا قال انه سيذيعه في برنامج مسائي. واذكر إنني خيبت ظنه بجهلي للحركة الشعرية العراقية التي كنت لا اعرف عنها الشيء الكثير. السيد الذي حاورني دعاني بدوره إلى نشر كتابي القادم (القومي في نظره) في العراق. فرفعت الأمر إلى أسرة تحرير جريدة الرأي وخيرتهم أين أنشر كتابي. وكنا نجتمع كل خميس لنقيم العدد المنشور من الجريدة ونعد العدد القادم. كنت أصغرهم سنّا فهم حسيب بن عمار وأحمد الكرفاعي وبوبكر الصغير. والباجي قائد السبسي ومنصف مزغني، ومنصف مرزوقي واحميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي ومحمد علي وطلبت منهم توجيهي فرفضت المرحومة راضية الحداد صاحبة المطبعة التي تتولى تصفيف الجريدة وقالت: لن نسلمك لأي منهم وسأتولى بنفسي نشر الكتاب وفعلت. وهكذا فتح لي ديواني الأول بالجرح على الجبين العربي باب نشر الديوان الثاني وطن في قلبه وامرأة فصدر سنة 1982 وكان أوّل كتاب تصدره جريدة الرأي.
مكنني الديوان الأول من الحصول على عضوية في اتحاد الكتاب. ثم قام الصديق الصادق شرف بطبعه مرة اأخرى ولم اعلم بها إلا عندما قمت بالإيداع القانوني للكتاب الثالث. يومها أعلموني بان كتابي بالجرح على الجبين العربي سحب من معرض الكتاب ومنع من التداول. كان ذلك لتقليع أظافر محمد مزالي. وكان الصادق شرف أخفى علي المسألة لكي لا يمكنني من نسخ أخرى من الكتاب بثلث التكاليف حسب العقد.
من سلسلة قصتي مع الكتاب الأول التي أشرف عليها الصحفي محسن بن أحمد في جريدة الصّباح.
يحدث أن تطلب منك جمعية أو مؤسسة ثقافية سيرة ذاتية تلخّص فيها مسيرتك الابداعية. ويحدث أن تكلّفك جمعية أو مؤسسة بجمع سير أعضائها لتأثيث ملفّات خاصّة أو جعلها في كتاب يكون مرجعا للباحثين عن اسم هذا المبدع أو ذاك. وقد تسعى عن طيب خاطر الى جمع وتوثيق تراجم المبدعين فتصبّ جهدك واهتمامك للحصول على غايتك ويصل بك الارهاق الى حدّ الشعور بأنك تشحذ منهم سيرهم لخدمتهم وللتعريف بهم. ويحصل عندك على المكتب أنماط وأشكال من السّير مختلفة حجما وشكلا ومضمونا. وقد تضطر الى عملية فرز مضنية لترتيب المحاصيل حسب الأنماط. فأنت لا محالة مدفوع على أشكال عديدة من السّير تختلف كلّها عن النموذج الذي اقترحته عن المترجم لهم ولم يأخذوه بعين الاعتبار.
ــ نمط أول: هو لا يختلف كثيرا على قصة حياة المبدع، يروي اليك المترجم لنفسه تفاصيل ميلاده ويصف صرخته الأولى والليلة التي شرف فيها العائلة بنزوله الى الحياة ولا ينسى الظروف الاجتماعية العامة التي ولد فيها وقد تمتدّ القصة وتفيض على أكثر من خمسين صفحة. ثم يعنونها: سيرة ذاتية مختصرة. وقد يطلب منك ألا تتعمّد التنقيص منها. وتجد نفسك مجبرا على اهمال تسعة أعشارها.
نمط ثان: يبدأ سيرته الذاتية بذكر صفاته المتعددة ونعوت ينسبها لنفسه وأسماء شهرة ويمرّ الى ذكر أحفاده واحدا واحدا بتاريخ الميلاد والجنس واسم زوجته. ولا ينسى أن يذكر عنوانه كاملا وهاتفه وكيف التواصل معه وكل هذا لا يفيد الباحث في شيء.
نمط ثالث: لا يتجشّم المترجم له عناء تحرير سيرته الذّاتية ويكتفي بإرسال صورة من غلاف أحد كتبه ثم لا يخجل أن يطلب منك نقل ما ورد على الغلاف من معلومات شحيحة في أغلب الأحيان وقد لا يعذر لك خطأ في تاريخ لم تتبيّنه جيّدا في الصورة التي تغيم أمامك بمجرّد تكبيرها.
نمط رابع: يمدك بسيرة ذاتية اكاديمية يورد فيها مراحل دراسته وتدرّجه في المهنة ونصوصه المنشورة بصفة فردية وجماعية ويذكر المقالات التي نشرها بتفاصيلها ويرفقها بتلخيص مطول. وينصّ على عدد السّاعات التي يقوم بتدريسها في الكلّية وعدد الطّلبة المستفيدين. ولا ينسى ان يدرج مجموعة المداخلات التي قدمها في شكل دروس في المنتديات مع بعض الملاحظات التي أشادت بالمداخلات. فيختلط عليك الامر بين سيرة ذاتية لكاتب وبين سيرة لنيل شهادة جامعية.
خلال انجازنا لبعض كتب التراجم اعترضتنا مثل هذه السير ففرضت علينا تعبا كان من الافادي للجميع لو اننا انفقناه في شيء آخر. وما حز في النّفس حقيقة أن بعض المترجم لهم يدفعونك دفعا نحو ارتكاب الخطأ ثم يرمون باللوم عليك.
ان كتابة السيرة الذاتية في اعتقادنا فنّ ابداعي له خصوصياته ومقوّماته فهو يختلف عن البطاقة الفنّية ويختلف كذلك عن القصّة الواقعية. هو تلخيص لمسيرة إبداعية تقدّم صاحبها دون أن تهمل محطّة هامّة ودون أن تسهب في الحكي. فالسّيرة لا ينبغي أن تثير قلق القارئ بل تشدّه الى قراءة العناوين الدقيقة والمقدمة في صورة رؤوس أقلام فلا هي افراط في القول ولا هي تفريط في معلومة مهمّة من شأنها أن تحيل الباحث او القارئ الى موضوع ما. وأن تُذكّر كاتبَها أن لكلّ عنوان في سيرته هدفا واضافة لنفسه أولا ثم للأخرين. وإن كل إضافة بدون هدف تعتبر حشوا زائدا ومملا.
وإننا نقترح هذا النموذج لأننا رأينا فيه بساطة في التحرير وسهولة في الاطلاع:
اسم الشهر والاسم الكامل.
تاريخ ومكان الولادة.
التدرّج في التعليم واللغة التي تلقّى بها دروسه.
المؤهلات العلمية مع الاكتفاء بذكر الشهادات، عناوينها وتاريخ الحصول عليها.
المسيرة الإبداعية: فقرة تلخص أهم المحطات الثقافية في حياة الكاتب.
الإصدارات مع ذكر جنس الإصدار وتاريخ نشره ودار النشر.
أهمّ المشاركات أو المساهمات في الشأن الثقافي.
الجوائز التي تحصّل عليها الكاتب.
بعض الإضافات التي يراها الكاتب مفيدة للباحثين عن اسمه.
صحيفة المثقف: 17 نيسان/أبريل 2023
كيف تنظم ورشة الشعر
تنظم بعض الملتقيات التي تعنى بالأدب ورشات في كتابة الشعر. وقد لاحظنا انها لا تختلف عن ورشة النقد في شيء إذ يقرا خلالها الشاعر قصيدته ثم يفتحها أمام أنظار الحضور، وعادة ما يكونون من المشاركين أمثاله، فيتناولونها بالنّقد الانطباعي السّريع الذي يكون اما محبطا او مجاملا. فلا يفيد صاحب النّص ولا يرضي السّامع. وقد رأينا ان نقدم طريقة جديدة جرّبناها فأثبتت جديتها وجدواها غايتنا من وراء ذلك تعميم الفائدة والجدّية في العمل.
يعرف المبدعون والنّقّاد أن للنص لغة خفية يتكلم بها وسمات ظاهرة يعبّر بها عن دواخله وما على القارئ أو النّاقد الا أن يحسنا استنطاقه وترويضه ليخرج ما فيه من جمالية وابداع.
تقوم الطريقة أساسا على استنطاق النص وفسح المجال أمامه للتّعبير عن جنسه أولا قبل أن يبوح بخفاياه سواء تلك التي استطاع صاحبه أن يصرّح بها أو التي ظلت عصيّة عليه. لأن النّص يترجم نفسه بأكثر صدق ممّا يترجمه صاحبه أحيانا.
إضافة إلى وضع النّص على طاولة السّؤال فإنّ الطريقة تختبر القارئ نفسه وتقدّر درجة تمكنه من قراءة الشّعر قراءة صحيحة. هي تشبه امتحان قراءة.
تعتمد الطريقة على تعرية النّص مجرّدا وكشف تفاصيله أمام القارئ وإخراجه خاليا من كل تأثيرات مركّبة أو مضافة كالتّوزيع على الورق أو الفصل بين الكلمات أو نقط التّوقف وإشارات نهاية المعنى. بحيث لا يتبقّى من النّص غير الصّورة المختفية وراء المعاني والالفاظ، ونحن نعتقد أنها عمود الشّعر وهي أداته.
الشعر لا يمكن تعريفه مفردا ومجردا فالشّعر جامع لعناصر عديدة منها الذاتية ومنها الموضوعية. وقد سبق أن شرحنا في موضع آخر كلمة شعر كما يلي: شعر= ش+ ع +ر
أي شعور وعبارة ورؤية. ويكون الإيقاع كالعصب الذي يشد العناصر إلى بعضها فتكون الصّورة الشّعرية الجميلة ترجمة سيميائية لكيمياء الكلمة.
عمل الورشة: هو اختبار تطبيقي حقيقي للنّصوص المنشورة فقط لأنها أصبحت ملكا للقرّاء.
1 ــ تكتب النّصوص أفقيّا بطريقة متواصلة بدون فواصل ولا نقاط بين الكلمات ويسند رقم إلى كلّ نصّ.
2 ــ توزّع الّنصوص على المشاركين في الورشة ويطلب منهم تصنيف النّصوص: شعرا أو نثرا أو خبرا تقريريا ووضع علامة في خانة أمام كلّ نصّ.
3 ــ تجمع العلامات التي تسند للنّص ونقيس من خلالها نسبة الشّعرية فيه ودرجة التمكن من فرز النّصوص عند القارئ المشارك.
4ــ تسند نسبة مائوية للنّص. تحدّد نجاحه أو فشله. وتسند أيضا لكل مشارك نسبة مائوية لقدرته على تمييز النّصوص وقراءتها.
لقد جرّبنا هذه الطريقة فأدركنا جودتها وأهمّيتها. لكنّها تشترط الاعداد الجيّد وحسن اختيار النصوص التي ينبغي أن تكون مختلفة في الشكل والموضوع وغير ذلك. .
|
رقم |
فقرة من النص (4 أسطر) |
الجنس |
صواب |
خطأ |
|
|
|
|
|
|
صحيفة المثقف 18 ديسمبر 20
الميراث في الشّعر: للذّكر مثل حظّ الأنثى
وأخيرا تكلم رعاة الأزهر ودعاة الخلافة والمختلفون والمتخلفون، كل يؤول ويعلل ويقوّل ويطبّل. وكل يجد من يناصره في تكفير المجتهدين في أمور دنياهم.
ولسنا هنا لنخوض في مسالة تقاسم الميراث بين الذكر والأنثى وتطوره من زمن الكفالة الذكورية إلى زمن الكفالة المشتركة فذلك شأن غيرنا. وإنما سنتحدث عن الشعر وميراثه من الحرية التي كان ينعم بها أسلافنا الشعراء.
أقول قولي هذا وأعتذر لكم ولنفسي ولكافة الشعراء عما وصلت إليه امتنا من جهل وتجهيل وضيق وتضييق على الحرية في القول وفي التفكير والعبادة وسهولة التكفير...
و أقول قولي هذا لأذكركم بان الشعر كان يحظى بالعناية والرعاية والتبجيل وكان الشعراء يجالسون ملوكهم فيمدحونهم و يحصلون على المال قبل ان تبح أصواتهم ويجف عرقهم وكانوا يسرحون في فضاء من الحرية واسع يبحرون في كل المواضيع حتى أصبحت مع مرور الزمن تابوهات و اعني الدين والجنس والسياسة. بل كانوا متواجدين في كل مدار سلاحهم الوحيد مناصرة الحكام ومدحهم. فهم فهموا ان الحكام يحكمون باسم الدّين ولكنهم يسمحون للشعراء بالخوض فيه وبانتقاده وحتى بالسخرية من بعض شؤونه. وسأسوق لكم بعضا مما وصلنا من هذا الإرث الكبير.
ترك لنا بشار ابن برد قوله التالي:
ابليسُ خيرٌ من أبيكم آدمُ فتنبهوا يا معشرَ الفجار
إبليس من نارٍ وآدمُ طينة ٌ والأَرْضُ لا تَسْمُو سُمُوَّ النَّار
وترك لنا المعري هامشا من الحرية علينا ان نطالب بقسط منه:
لا تحسب مقال الرسل حقاً ولكن قول زور سطّروه
وكان الناس في عيش رغيد فجاؤوا بالمحال وكدروه
ولعلنا في حاجة الى ان نرث شيئا من ابي نواس الذي قال:
دع المساجد للــعباد تسكنها
وطف على دكة الخمار يسقينا
ما قال ربك ويل للذي شربوا
بل قـال ربك ويـل للمـصلينا
إن الذي شربوا في شربهم طربوا
إن المصلين لا دنيا ولا دينا
ولا بد ان نترحم على شاعر تونس أبي القاسم الشابي لأنه رفض نصيحة محمد الحليوي بتغيير إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ب:
إذا الشعب يوما أراد الحياة وشاء الإلاه استجاب القدر
وأجد الأعذار للشاعر الراحل أولاد احمد الذي اشتكى إلى الله عباده الذين كفروه فقال فيهم:
إلاهي أعنّي عليهم
لقد عقروا ناقتي واستباحوا دمي
في بيوت أذنت بألا يراق دم
فوق سجادها....
و لعل ابن هاني الأندلسي قد ترك جرأة كبيرة يمكن ان يعتصم بها الشعراء كلما ضاقت بهم السبل فهذا الشاعر أفحم ممدوحه ولم يترك له فرصة اتهامه بالشرك قال ابن هاني:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ...
فاحكم فأنت الواحد القهّار
فكأنّما أنت النّبيّ محمد
وكأنّما أنصارك الأنصار.
ويروى أن المعز لدين الله طرب كثيرا لسماع هذا الشعر فلم يرْم قائله بالكفر ولم يأمر بحبسه ولا بإهدار دمه.
على الشعراء إذن ان يطالبوا بنصيبهم من ميراث الحرية الذي تركه أسلافهم الشعراء طبعا بالتساوي بين الشعراء والشاعرات.
مجلة المسار العدد 109 سبتمبر أكتوبر 2017
وأنت تكتب قصة او رواية او مقالا يصادف أن تهرب بك الذاكرة فتخونك وتورّطك في نقل جملة أو طرادة أو فكرة وتوهمك بأنك قائلها. تقنعك بأنّ الحافر قد وقع على الحافر وبأنّك بريء من كل سرقة لا موصوفة ولا مصادفة. وقد ينزاح بك القلم أو يزل ّفتصطدم بمثل شعبي أو مقولة فلسفية شاردة لم يذكرها كثيرون لكنّها ترسّخت في ذهنك حتى خلت أنها من بنات افكارك.
لا أحد من الكتّاب يضمن لنفسه البراءة من التّناص إذا لم يسجّل أفكاره في دفاتر محرّكات البحث التي أخذت دور الملكية العقارية ففاقتها في الخدمة والأمانة والصراحة.
وفي اعتقادي أن محركات البحث (وأشهرها غوغل) صارت شاهدة علينا، نحن الكتاب، إذ بإمكانها تكذيبنا وفضحنا إن نحن ادعينا الاتيان بما لم يستطع أحد الاتيان به بل وهي قادرة على أن تفصل بين الأنا المتواضع الذي يكتب كلاما وينشره بين النّاس وبين الأنا النرجسي الذي يتشبث بحقّه في التّفاخر والتّنكّر لما قال سابقا. وبما أنني، مثلكم، أزداد حكمة وتعقّلا مع تقدّمي في العمر فقد أقدمت على اجراء مناظرة بين الأناءين من خلال ما كتبت في روايتين تفصل بين نشرهما سنوات. هي مناظرة افتراضية كتلك التي تنظم بين المتنافسين على مركز القرار. كان الأنا النرجسي هو المبادر بإبداء الرّأي قال:
النرجسي: أنا الحلم أعرف متى أهبط على الانسان. أنزل أحيانا كابوسا على الرؤِوس. أنا أجزاء متناثرة في الكل، أستولي عليه ولا أتركه الا بعد أن اترك فيه أوجاعا.
المتواضع: أما أنا فكل لا يتجزّأ لأنني الأمل الذي يقود الحياة. أنبت في الأنفس التي ترعاني فأداويها من الأوجاع التي يسببها الحلم.
النرجسي: أنا الحلم، أخطر على الشعوب من حمل السّلاح، أولد في الظّلام وأكبر في السّرّية، لذلك يعتبر بعض الحكّام أن إشاعة فكرة الحلم جريمة ترتقي الى مرتبة الخيانة العظمى.
المتواضع: أنا الأمل الذي يقود الشعوب الى الإطاحة بمن يمنعهم من تحقيق أحلامهم بحياة أفضل.
النرجسي: سأظل أرتفع عن العامّة التي تصرّ على القناعة والصبر ولعب دور الضّحية وأضطّر الى منعك ومنعها من الفوضى حتى لا تصنع منك بطلا.
المتواضع: تنتصر الضحية على الظالم بالصّبر فالصبر عند المظلوم كزيت الفتيل ينتصر دائما على الظلام. والفوضى تصنع من الجبناء أناسا شجعانا.
النرجسي: أنا لا أنافق بل أقول صراحة إننا نطمح الى العلوّ والسّمو فلماذا نخون أنفسنا وأوطاننا التي تسكننا؟ نحن نتوق الى العلياء بالفطرة والغاية تبرّر الوسيلة.
المتواضع: أمّا أنا فأوفي للوطن الذي يحملني ولا أخونه فخائن الوطن كمجنون يلهو بمقْود السيارة. لقد رضعت منه حليب الوفاء.
النّرجسي: لا حاجة لي بثدي لا يعلمني العناد والشجاعة.
المتواضع: لا تنس أن القهر يفعل ما لا تفعله الشجاعة.
النرجسي: نحن في الوطن نفسه وحكوماته المتعاقبة تأكل من نفسها وترتشي من أعوانها كالنار التي تدور على احطابها.
المتواضع: من واجبنا ألا نترك الحكومة توقظ الطوفان ثم تطلب منه ألا يجرفها.
النرجسي: أتريدني أن أحمل النّار دون أن أحترق أو أن اوقدها من رمادها بعد أن تخبو، هذه الحكومات التي تتباهى بالحفاظ على الانسان انما تأكل من لحمنا كلما جاعت وتشرب من دمنا اذا عطشت
المتواضع: الوطن وردة والوطنية عطرها والنضال من اجله شوك هذه المبادئ التي عليك ان تعرفها.
النرجسي: الوطن قوانين لا غير ونحن كالأطفال نظل نطيع القوانين ولا نثور عليها الا إذا احسسنا بظلمها الكبير.
المتواضع: البسطاء الحفاة الذين يرفعون الحاكم على اعناقهم هم قادرون على رفع اقدامهم الحافية لتدوس اعناقه إذا ما تمادى في ظلمهم.
النرجسي: ثلاثة أدوار لا يمكنني لعبها: دور المجنون الذي يلهو بمقود السيارة ودور الطفل الذي يلعب بالسلاح ودور البحار الذي يرى ثقبا في السفينة ويسكت.
المتواضع: القانون الذي لا يحظى بموافقة كل الناس لا يسمى قانونا بل حكما ينفذه القوي على الضعيف.
النرجسي: ستعيش كالأحمق مطيعا مهادنا لذيذا كالحلم لا يمكن ان نحدّد له متعة ان كانت قبل النّوم أو بعده أو أثناءه وذلك سرّه الغامض.
المتواضع: بل سأظل الأمل الذي يترجم الحلم في داخل الأنا الى واقع أعيشه وأحياه.
وظل الأنا النرجسي متشبّثا بتعاليه وظل المتواضع يشقى بعقله. لذلك سأظل أحمل المتناقضين لألعب دور الحكم بينهما.
صحيفة المثقف 3 جويلية 2024
هل صارت فضيحة الحصول على الجائزة أكبر قيمة من الجائزة نفسها؟ لا أملك الاجابة.
يجوز أن نصدق أن المؤسسات أو الأفراد الذين يمنحون الجوائز الأدبية إنما يفعلون ذلك طواعية وعن طيب خاطر وبدون سعي إلى أي مقابل حتى وإن كانت إداراتهم وأعوانهم وموظفوهم لا يشترون ولا يقرؤون كتابا إبداعيا في السنة.
ويجوز أن نصدق أن كل المانحين للجوائز الأدبية والفكرية يهدفون إلى الدفاع عن لغة أمتنا حتى وإن كان الكثير منهم يستعملون لغة غير العربية تمشيا مع الحداثة.
ويجوز أيضا ان نصدق المانحين عندما يدعون بأنهم لا يبحثون الا عن تشجيع النص الجيد وتشجيع الكتاب الجيدين حتى وإن كونوا لجانا تحترم مزاجهم ولا تلوي العصا في أيديهم.
ويجوز أن تكون الجائزة أجنبية مثل جائزة نوبل التي منحت للكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ مكافأة له على قبوله التطبيع مع إسرائيل والقول محمول على عديد الكتاب التونسيين الذين طالما اختفوا واحتموا بحرّية النصوص في التجوال فكشفتهم الجوائز التي لا يستحقّونها وأصبحت فرصة للتشهير بهم عوضا عن الشهرة. وقد ندعي، اذن، ان قيمة العار الذي جلبته الجائزة قد يفوق مقدارها المادي.
ويجوز أن تكون الجائزة عربية فيرفضها صنع الله إبراهيم لأن الحكومة لا تملك مصداقية منحها على حد تعبيره. تهمة لم يستطع ردها وزير الثقافة المصري يوم الحفل.
من الطبيعي أن الجوائز في بداياتها حملت أسماء المانحين من الأفراد (العويس /الشيخ زايد /الفيصل / الطيب صالح / سعود البابطين)ثم تعدت ذلك إلى منافسة و سباق شرس بين الدول فتكونت في كل دولة جائزة وسعت من خلالها إلى "التفوق على جوائز جاراتها للفوز بالسبق و هذا لا يكون الا بالنفخ في القيمة المالية للجائزة حتى تضمن لنفسها كثرة المتسابقين و أكبرهم و نزلت المدن إلى حلبة السباق فصارت( الرياض /الدوحة/ابو ظبي/ القاهرة / الكويت / الخرطوم /و تونس)كلها فضاءات لسباق الجياد الأدبية. وتعددت الأسماء من بوكر الى كتارا إلى الملتقى.
وصار جائزا للكتاب أن يهرولوا في اتجاه الجوائز رافعين وجوههم المألوفة والمعروفة وأن يسارعوا في نشر كتبهم حتى قبل أن تنضج فيأتي المولود خديجا. المهم أن يكون بين أيدي اللجنة لتمنحه الجائزة.
و يجوز للكتاب ان يبتعدوا عن الغمز و اللمز و ان يجتهدوا في إخفاء المديح من الكلام.
الا أن إسناد الجوائز اصطدم بفضائح كثيرة فأصبحنا نعرف اسم الحائز عليها قبل صدور قرار اللجنة وقبل صدور الكتاب.
من الطبيعي أن تسعى الجهات المانحة إلى الدعاية فتختار الأسماء الكبيرة لتكون جائزتها كبيرة ولتكبر قيمة الجائزة في أعين الكتاب فيحتد السباق.
و لا يمكن لجهة مانحة الا ان تعول على لجان لتحقيق هدفها تختارها من الأسماء المعروفة ايضا و تعينها كما يعين حكم لمقابلة في كرة القدم لا ينازعه في قراراته أي لاعب و لا يرقى إليه الشك أبدا و لا حق للمتسابقين أن يعترضوا حتى عندما يشهد شاهد من اللجنة على عدم نزاهتها.
لذلك نجد أن بعض الكتاب قد صنعوا بالمناسبة فلهفوا الجائزة واختفوا وسط الزحام ولم نعد نسمع لهم ولا نقرا عنهم.
نحن نحيي المؤسسات المانحة ونبارك سعيها ولكن عليها ان تعمل على نبل هدفها وأن تحرص على أن تكون الجوائز التي أنشاتها مثمرة ومشجعة ومحركة للسواكن الإبداعية العربية حتى تتحقق الأهداف ولها أكثر من طريقة لذلك.
كما ندعو الكتّاب بأصنافهم إلى ترشيح أعمالهم الى الجوائز، دون السعي الى نيلها، لتكون لهم فرصة تجبرهم على الاشتغال على نصوصهم وتهذيبها واصلاحها وهذا في نظري أكبر جائزة قبل الجائزة الرّسمية.
مجلة المسار العدد 108 جويلية اوت 2017
صحيفة المثقف 18 جويلية 2024
المداواة بالقراءة (biblio thérapie)
تطالعنا المكتبة الجماعية التّونسية كلّ يوم تقريبا بالاكتشافات التي توصّل إليها علماء التّغذية. ولا يكاد يمرّ يوم دون أن نقرأ جريدة أو أن نستمع إلى إذاعة تمجّد مفعول هذه النّبتة أو تلك الأكلة حتّى صار لكلّ داء في الحياة دواء من النّبات، وقد تمتاز حشيشة ما بمفعولها السّحري الذي يأتي على كلّ مرض استعصى دواؤه على الأطبّاء والصّيادلة والباحثين. فالثّوم والبصل والهريسة والشّيح والعرعار والزّعتر وأذين الأرنب والكالبتوس والحرّيقة كلّها، في نظر الإعلام نبتات خلقت للتّداوي فقط. في هذا الخضمّ الدّعائي لم أصادف وسيلة إعلام تروّج للقراءة كمادّة تفيد الصّحة.
أدرك بالفطرة والممارسة أنّ فعل الكتابة مختلف تماما عن فعل القراءة فهو مرهق ومفسد للصّحّة. وهو يقتضي بذل الجهد والسّهر والتّركيز والتّعب والاحتراق والانشغال ووجع الدّماغ. والكتابة إذ تستدعي التركيز المضاعف تصلّب أعصاب العين وتزيد في دقّات القلب ممّا يعرّضه إلى عدّة إصابات، والكتابة تدفع الجسم دفعا لاستهلاك الطّاقة عبر أكسدة إضافية تستوجب كثيرا من الأكسيجين ولتوفير هذا الأكسيجين يجب الزّيادة في وتيرة التّنفس. فالكتابة مثل رياضة السّباحة تحرّك العقل والجسم معا.
أما القراءة فهي أفضل من الكتابة وأسهل لما لها من فوائد صحّية أهمّها:
1 ـ تخفّض من خطر الإصابة بالزهيمر.
2 ـ تلطّف المزاج.
3 ـ تساعد على فهم الأشياء واكتشاف المحيط والتّفاعل مع الآخر.
4 ـ تساعد على النّوم بهدوء.
5 ـ تساعد على التّخلّص من الضّغط النّفسي ومن القلق.
6 ـ تنمّي الزّاد اللّغوي وتساعد القارئ على اكتساب مهارة التكلّم لأن الإنسان يقرأ صامتا وهو يطالع،
7 ـ تمنح القارئ فرصة لأخذ بعض العبر من وقائع دون أن يعرّض نفسه للخطر.
8ـ تحافظ على حركيّة الذّاكرة باستعادة الشّخوص والأحداث التي سبقت في النّص وتمرّن الدماغ وتدرّبه على التّفكير.
9 ـ تثقّف القارئ وتطلعه على ثقافات مختلفة.
10 ـ تمكّن من اكتساب خبرة من سيرة أبطال الكاتب وتفتح خيال القارئ على خيال الكاتب
وتساعد على التخلّص من الأنانية الفطريّة وتنمّي الميل إلى فعل الخير ونبذ الشّرّ.
وصفة القراءة
عرفت أوروبا منذ سنوات المداواة بالقراءة
(BIBLIOTHERAPIE) وتخصّص أطبّاء فيها وصاروا يحرّرون وصفات تدلّ المرضى على هذا الكتاب أو ذاك وقد نجحت التّجربة وأثبتت نجاعتها خاصّة عندما يكون المريض في مواجهة وضعيّة اجتماعية أو نفسانية صعبة. إذ يكفي ستّ دقائق من المطالعة حتى يرتاح القلب من الدقّات الزائدة ويتخلّص الإنسان من الضّغط النّفسي وينخفض الضّغط الدّموي.
وقد أجريت أبحاث في جامعة انجليزية سنة 2009 أثبتت أن القراءة تأتي في المرتبة الأولى في معالجة الضّغط النّفساني وتسبق حتّى الموسيقى. وحسب الباحث دافيد لوفيس فإن ستّ دقائق من القراءة كافية لأن تحمل الإنسان إلى فضاء الانشراح والطّمأنينة بقطع النّظر عن نوعيّة الكتاب المقروء.
مجلة المسار عدد127 مارس افريل 2021.
نصيبُ الشّعر من المهرجانات
الكلام ميزة الإنسان وروح الكون وهمزة الوصل بين الحضارات...
وفي البدء كانت الكلمة...وبقيت الكلمة بعد أن اندثرت حضارات وضاعت أمم وماتت شعوب.... فهذا ابن دريد مات وترك كلاما:
وإنـما الـمرء حـديث بـعده فـكن حـديثاً حـسناً لمن وعى
ورحل منور صمادح: تاركا خلفه
يهــــدر الشاعر في الناس وتحيي الكلمات
ويموتون بلا ذكرى وتبقى الكلمات
العرب امة كلام، لا يشك أحد في ذلك، يقدرون الكلمة ويرفعونها إلى مرتبة القداسة ربما لان كتابهم السماوي اتخذ من الكلام إعجاز ا.وقد وصف الله تعالى في القران الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
وقيل في الكلام الكلام الكثير شعرا ونثرا
وقيل أيضا: لسانك حصانك فان صنته صانك وإن خنته خانك.
وقيل الكلمة كالثمرة لا بد أن تأخذ الوقت لتنضج.
وقيل خير الكلام ما قلّ ودلّ.
وأضيف أن الأحمق نكتشفه بكلامه لا بصمته.
قسم العرب الكلام إلى طبقات ودرجات وجعلوا الشعر أعلاها وأرقاها فكان ديوانهم ومبعث فخرهم وأداة تفاخرهم على بقية الأمم.
الاحتفاء بالكلام قديم جدا فهذه سوق عكاظ كانت قائمة على تجارتين تجارة المواد وتجارة الكلام وكان الشعر فيها أهم سلعة تعرض على الناس فيتزاحمون حولها ويطربون لسماعها ويحفظونها في ذاكرتهم ويحافظون عليها ويتداولونها ويكتبونها بماء الذهب ويعلقونها على كعبة الحج....
وقد نحا التونسيون هذا المنحى فنزلوا الكلمة منزلة الروح وادعوا أنهما يخرجان من نفس الثقب.
وفي تونس أيضا كانت الكلمة تحظى بالتقدير المجتمعي فكانت الأعراس والأفراح تقام على الكلمة ينشدها ويتفنن في إنشادها الغناية وكنا نسميهم الإدْبَة (هكذا بكسر الهمزة) وكان عددهم لا يقل عن الثلاثة يتولى أحدهم دور الشاعر ويردد الآخران (السَّعْفة أو الجوقة) الكلام من خلفه.
ولا تغيب الكلمة والشعر عن الأعراس التقليدية القديمة حتى ليلة الزفاف حيث كانت العروس تركب الجحفة وتمشي النساء أمامها ويمشي الرجال خلف عصا الحوذي ... الطريف في الحكاية أن النساء يتكفلن بغناء ما يسمى الجحافي (نسبة إلى الجحفة) ويرد الرجال وهم خلف الهودج بالصالحي والجحافي أيضا ...
ما جرنا إلى طرق هذا الموضوع هو غياب الكلمة عن غالبية المهرجانات الصيفية وهو تغييب متعمد يمارسه المسؤولون على الشعر رغم علمهم بان وراء كل حفل غنائي أو مسرحي ناجح كلمة رشيقة وشعر جميل ولا يمكن أن يقام اي عمل فني الا على أوتاد الشعر.
منذ 5 سنين جرب مهرجان قرطاج إقامة حفل شعري وموسيقي ضم 10 شعراء إضافة إلى فرقة الإخوة جبران وكان الحفل ناجحا وجرب مهرجان المهدية إقامة سهرة شعرية وكانت ناجحة أيضا... فلماذا لا تعمم التجربة فتتكاثر الأمسيات والسهرات الشعرية حتى تتعدد المشاركات. فقد لاحظنا في المدة الأخيرة أن كثيرا من الشعراء أصبحوا يرفعون شعار: "نلعب وإلا نحرّم". إذ صار كل من لم يحظ بدعوة من مهرجان او ندوة صار يشكك في المشرف عليه ويتهمه بالفساد والعمالة لهذا الطرف أو ذاك.
هل يمكن لأي تظاهرة أن تجمع كل شعراء تونس؟ أم إن العيب فينا لا نترك المجال لغيرنا أم ان عقلية نلعب والا نحرم هي السائدة؟
مجلة المسار العدد 113 ماي جزان 2018.
القانون سيّد الناس ورجل الأعمال ولا شيء يقاوم الفوضى مثله. والقانون ابن شرعي للمشرّع يُطبَع بطباعه ويهوى أهواءه. والقوانين أنواع منها الصّلب ومنها اللّين ومنها الهشّ ومنها المتين ومنها الموضوع للضّرورة ومنها الموضوع لأغراض إجرامية كتلك التي ساهمت في التّنكيل بعديد الفلاسفة والمفكّرين. نقف على هذه العتبة رافعين قانونا أنجبته الثورة من أم تونسية وأب مستورد وسمّته: قانون التمويل العمومي للجمعيات.
المسلمات
1 ــ القوانين عادة تكون كخيوط العنكبوت لا تصطاد إلا ضعاف الفراش أما الطيور فلا تعتني بها بل تحملها بين جناحيها وتطير.
2 ـ القانون كالمطرقة لا يصيب إلا المسامير المستقيمة أما المسامير المعوجّة فتتجنبها المطرقة لأنها ترهقها ولا تنفذ.
3 ــ السلطة تخاف من الجمعية االثقافية أكثر من خوفها من الحزب السياسي لأن الجمعيات الثقافية اكبر من الأحزاب السياسية فهي تجمع في نشاطها كل ما هو فكري وسياسي وثقافي وليس صدفة أن يصدر قانون الجمعيات في تونس (مرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011) في اليوم الذي صدر فيه قانون الأحزاب (مرسوم عدد 87 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011) و ان يشمل قانون الجمعيات 49 فصلا بينما لا يتعدى قانون الأحزاب 35 فصلا بل إن الفصل 2 من قانون الأحزاب يعتبر الحزب جمعية. فكيف تصرفت الحكومات المتعاقبة بهذا القانون الذي أمضاه علي العريض النّهضاوي عندما كان رئيسا للحكومة؟
المصائب القانونية:
المصيبة الأولى التي أصابت الثقافة في مقتلها أنجزها صدور قانون التمويل العمومي للجمعيات.
المصيبة الثانية أن المسؤولين الثقافيين المعنيين بتطبيق القانون وكذلك المندوبين الجهويين للثقافة لم يقرؤوا الفصل الأول من هذا القانون وان قرؤوه فلم يفهموه وان فهموه فلم يحسنوا تطبيقه. ولتبسيط الأمر سنحاول مقارنة علاقة وزارة الثقافة والإدارات الأخرى بالجمعيات قبل وبعد الثورة:
في السابق كانت الجمعيات الثقافية (جمعيات مسرحية، نوادي أدبية، مهرجانات وغيرها) تحصل على ما يسمى منحة دعم على التسيير والإنتاج من كل من وزارة الثقافة ومن البلديات ومن المجلس الجهوي للولاية، تصرف هذه المنحة بعد تقديم تقرير أدبي عن النشاط وتقرير مالي وبرنامج عمل ثم تبيع الجمعيات أعمالها المنجزة إلى كل من رغب فيها بما في ذلك وزارة الثقافة طبقا لفوترة سليمة يخصم منها الضريبة اللازمة. وقد تحجب منحة الدّعم على الإنتاج ويكتفي المانحون بشراء الأعمال.
حاليا قررت الثورة أن تحافظ على المال العمومي الممنوح الى العمل الثقافي فوضعت قانون التمويل العمومي للجمعيات الذي يبين في فصله الأول المقصود منه وهو الميزانية التي كانت تمنح لدعم الجمعيات ومساعداتها على نشاطها ووضعت شروطا تعجيزية أمام الجمعيات للحصول على هذا الدعم ومنها أن يكون للجمعية معرفا جبائيا لدفع الضريبة التي كانت تخصم من خلاص الفاتورة إلا أن الخاصم قد لا يدفعها إلى القباضات (وهذه مسألة لا تعني الجمعيات بما أن الدولة تسرق الدّولة )... الغريب أن المسؤولين في الجهات (مجالس البلديات والمجلس الجهوية استأنست بتصرف مندوبي الثقافة فقرنوا اقتناء الأعمال من الجمعيات بالمعرف الجبائي وأخلطوا بين شراء أي عمل تنجزه الجمعية بمجهودات أفرادها وبين منحة الدّعم على الإنتاج او منحة التسيير وهؤلاء جميعا يختلفون مع وزارة الثقافة اختلافا كليا فهي تقتني العروض المسرحية من الجمعيات بحساب الفوترة و تقتني الكتب من المؤلفين واللوحات من الفنانين التشكيليين أيضا في غفلة من قانون التمويل العمومي للجمعيات ودون اشتراط المعرف الجبائي لكن تقوم بخصم الضريبة. وهذا عين الصواب
المصيبة الأكبر: ان بعض المسؤولين عن النشاط الثقافي في الجهات صاروا يتخذون من هذا القانون ذريعة لامتناعهم عن شراء الكتب من مبدعي جهاتهم حتى إن تعلق الأمر بكتاب موضوع ندوة أو محاضرة في الجهة الشيء الذي نفّر الكتاب عن التعامل مع المندوبيات الثقافية و اكتفوا بالتعويل على مقتنيات وزارة الثقافة .
المصيبة الخفية
1 ــبعض الجمعيات استثناها القانون لا من الحصول على المال في إطار هذا القانون وإنما أعفاها فقط من إحضار الملف اللازم ومنه امتلاك معرف جبائي.
2 ــ بات واضحا أن هذا القانون إنما وضع لإطعام الحيتان الكبيرة على حساب الجمعيات المدنية الأخرى فالاتحاد الوطني للتضامن الاجتماعي يعتبره القانون جمعية يستأثر مع الاتحاد الوطني للمرأة ووداديات العمال [أكثر من أربعة أخماس الميزانية المخصصة للغرض ليبقى الخمس فقط نصيبا للجمعيات الأخرى وهي تفوق العشرين ألفا.
ولنا عودة مع قوانين أخرى
مجلة لمسار 114 سبتمبر أكتوبر 2018.
الكتاب خارج سوق الكتب
سريعا ما تغلق أبواب معارض الكتب بعد أن تفتح قبل أن تبلغ السوق ذروة نشاطها وقبل أن تبحّ أصوات الباعة ويعود القراء والمطالعون بلا سلعة تشفي الغليل. وسريعا ما ينتهي معرض الكتاب بعد ان يكون قد اجتهد من اجتهد وانتقد من نقد واستنقد من حصل على نقود أتعابه. وبسرعة يعود الجمع فرحين مسرورين بقرب موت الكتاب مؤقتا الى حين موعد المعرض القادم.
عدت بلا كتاب، متحسرا ضاربا كفا بكف، نادما على حضوري قبل الجميع إلى جلسة وهمية دعانا إليها المنظمون للتحاور حول وضع الكتاب. وقد فوجئت بأن جلستنا ستقام هذه المرة في نفس الوقت والمكان مع جلسة أخرى مخصصة لموضوع آخر. ولكنني لم اندم على إحضار ورقة عمل وكنت الوحيد الذي حمل معه شيئا مكتوبا لأنني نويت أن أنشرها في مجلة المسار ليطّلع عليها القراء لعل ألسنتهم تتداولها فيصل ما فيها إلى المهتمين بشأن الكتاب. هي عشرة نقاط في اعتقادي قادرة على إنعاش الميت واعادته الى الحياة:
1 ــ دعم إنتاج الكتاب في طبعة شعبية قادرة على منافسة الكتاب المستورد.
2 ــ العودة إلى التوصية بالنشر لضمان حق الناشر والمؤلف ولضمان حد أدنى من مستوى النص المنشور.
3 ــ إيجاد صيغة للتشجيع على التوزيع المجاني عن طريق وسائل النقل العمومي مثلا أو عن طريق هياكل وزارة الثقافة.
4 ــ مراجعة منشور الوزارة الأولى رقم8/ 2016-بتاريخ 8/4/2016 والذي يقضي بمضاعفة مقتنيات الإدارة من الجرائد والدوريات لتخصص الزيادة لشراء الكتب فقط تطبيقا لقانون التصرف المالي (بند شراء كتب وجرائد الذي تحوّل الى شراء جرائد ودوريّات) وضمانا لحق جميع الموظفين. نفقات الإدارة في هذا البند ما بين100و110 مليون دينار طبقا للمنشور الجديد.
5 ــ دعوة كل الوزارات الى اقتناء حصتها من الكتب فوزارة العدل مدعوّة إلى توفير الكتاب للمساجين ووزارة النقل مدعوة الى توفيره ه للمسافرين. ووزارة الداخلية مدعوة الى تجهيز مكتباتها في المعاهد والأكاديميات التابعة لها. ووزارة الصحة مدعوة الى اقتناء كتب ووضعها في قاعات الانتظار على غرار ما هو موجود داخل المصحات الخاصة.
6 ــ تشجيع المؤسسات التي يرتادها المواطنون بكثرة ويطول فيها الانتظار على وضع كتب في قاعات الاستقبال من شانها ان تخفف على الناس وطأة الانتظار وتمنح فرصة للتعريف بالكتاب التونسي وإشهاره.
7 ــ إدراج النّص التونسي في كل مراحل التدريس من الابتدائي إلى الجامعي حتى نعوّد التونسيين على قراءة الكتاب التونسي نظرا للجودة العالية التي أصبح يمتاز بها على مستوى المضمون على الأقل.
8 ــ دعوة وزارة الثقافة إلى أن ترجح كفة الكتاب التونسي المترجم على الكتاب المستورد.
9 ــ اعتبار القنوات التلفزية مثل المكتبات العمومية لتمدها إدارة المطالعة العمومية بنسخة من كل كتاب تقتنيه لتمكنها من تخصيص ومضات للتعريف بالكتاب.
10 ــ دعوة الأطراف المنتجة إلى التخفيض من سعر الإنتاج بنفس النسبة التي كانت توظفها وزارة الثقافة عند شرائها للكتب قبل أن تتخلى عنها.
مجلة المسار العدد 107 مارس افريل 2017
ما انفك مفهوم الأمّية يتغير من جيل إلى آخر فبعد أن كانت الأمية تعني جهل الانترنت أصبحت في نظر البعض، تعني عدم التكلم بالإنكليزية. فما هي العوامل التي جعلت بقية اللغات تتخلف إلى ما وراء الانكليزية؟ نسعى في هذه الملاحظات إلى البحث عن إجابة.
1 ــ اللغة الانكليزية في نظر الكثيرين أسهل اللغات صرفا وإعرابا وأقلها ألفاظا وهي أكثرها جمالية وأيسرها نطقا. فاذا أردنا اعراب الفعل "الإنكليزيّ" لم نظفر بأكثر من صيغ ثلاث اما الفعل "الفرنسي" فهو يعرّب بعشرين صيغة بالتمام والكمال.
2 ــ كلما نزلنا في بلد لا يتكلم أهله العربية، التجأنا بدون وعي إلى البحث في ذاكرتنا عما تبقى من اللغة الانكليزية رغم أنها ليست لغتنا الثانية. وفي اعتقادنا أن محدّثنا المقابل لا يفهم الفرنسية ولا يفهم العربية أيضا. فهل تقهقرت الفرنسية إلى ما وراء الانكليزية؟
3 ــ الجنرال ديغول قال: علموهم الفرنسية ليشتروا البضاعة الفرنسية (ويقصد سكان شمال أفريقيا) واعتقد انه كان على صواب.
4 ــ عندما اشتكت تونس إلى مجلس الأمن إثر غارة إسرائيل على حمام الشط قدمت شكواها بالفرنسية وسئل ممثل تونس لماذا تكلمت بالفرنسية والحال أن اللغة العربية معترف بها في مجلس الأمن؟ أجاب: فعلت ذلك لأضمن تأييد فرنسا. (موقف سياسي واضح)
5 ــ قررت الحكومة التونسية في لحظة انتماء أن تكون المراسلات الإدارية باللغة العربية ورغم ذلك فان لغة التخاطب بين الإطارات العليا ظلت الفرنسية إلى يومنا هذا.
6 ــ كليات الطب في تونس تعتبر اللغة الانكليزية شهادة منفصلة في قيمة المواد الطبية الأخرى التي ينبغي على الطالب الحصول عليها ليكون طبيبا. وهذا ما سهل على أطبائنا التونسيين الاندماج في البحوث الطبية بدءا من انجاز الأطروحة وصولا إلى التعمق في الأبحاث وسهل عليهم أيضا العمل في بلدان كثيرة.
7 ــ تفرض جميع الكليات وكذلك المجلات المحكمة أن يقدم المترشح تلخيصا بالإنكليزية لبحثه.
8 ــ المعلقات الإشهارية والدعائية وحتى المعلقات الرسمية أصبحت تضع الترجمة الانكليزية قبل الفرنسية وآخرها الهيئة العليا للانتخابات.
9 ــ تمتاز المدارس الابتدائية الخاصة بتعليم الأطفال اللغة الانكليزية منذ السنوات الأولى وهذا الشيء شجع الأولياء على ترسيم أبنائهم في هذه المدارس.
10 ــ المعاملات الاقتصادية والمالية بين الدول تعتمد الانكليزية وكذلك عمليات البيع والشراء.
طبيعي جدا ان ترافق اللغة سياسة بلدانها وقد لا يشك أحد في أن مكانة فرنسا تقهقرت وخاصة في شمال إفريقيا وحوض المتوسط وفي افريقيا منذ أن تولى ماكرون رئاسة البلاد وظهر فشله جليّا. وخسر المغرب والجزائر وتونس. وهذه ليبيا شكلت وصمة عار للسياسة الفرنسية فلم تستطع هذه الأخيرة إلا أن تخرجها من دائرة الاتهام بتبييض الأموال طمعا في ودها. وهذه سوريا أعلنت عداوتها لفرنسا. وأما مع تونس فقد أهدرت فرنسا آخر قطرة لحفظ ماء الوجه فما إن أيقنت أن تونس تتجه جنوبا إلى إفريقيا وشرقا وغربا إلى الناطقين بالإنكليزية حتى امتنعت عن الوقوف معها في مختلف المحافل الاقتصادية بل ونصحت بعدم استهلاك الزيت التونسي وبعدم استيراد الفسفاط المغشوش. فليس غريبا إذن أن نرى الفرنسية تتخلف في تونس لتحل محلها الانكليزية والاسبانية وقريبا حتى التركية وفي اخر زيارة للكونغو سخر الرئيس الكونغولي من ماكرون وخاطبه بلهجة لا تخلو من الوعيد مؤكدا له ان المعاملات لا تكون الا الندّ للنّد. ويبدو أن ماكرون لم يحسن حتى استغلال مؤتمر الفرنكوفونية المنعقد في تونس في اخر دورة له فتكلم كثيرا ولكنه لم يقل شيئا ومرّ الملتقى بأقل جماهيرية من مقابلة في كرة القدم. وكان الفرنكوفيون يأملون في أن يروا المعسكر الفرنكفوني ينهض ويماري منظمة الكومنولث فيساعد منخرطيه من الدّول بمنحها قروض عند الحاجة وبفتح أبواب الاقتصاد البيني والجماعي. خلاصة فرنسا مع ماكرون بانت تعيسة فلم يلبث الرجل يرقص من موقف الى اخر ويناقض نفسه ويتراجع عمّا يقول بين عشية وضحاها فلم يسلم من السّخرية.
. مجلة المسار العدد 112 مارس افريل 2018