
قفا اللّعبة
مسرحية
الكتاب
قفا اللّعبة
المؤلف
المولدي فروج
***
الطبعة الأولى
الثلاثية الرابعة 2008
Isbn :978-9973-0-0623-3
***
...................................................................................................
لا يمكن استغلال هذا الكتاب إلا بترخيص ممضى من المؤلف
تقديم
منذ ألف وخمسمائة سنة تزيد و البيدق يشتكي. و يرجو و يناشد ويطالب بتمكينه من التراجع إلى الخلف مثل بقية القطع الأخرى...
مرّ الشطرنج من الهند إلى الفرس إلى العرب إلى الغرب و كان البيدق في كل محطة حضارية يحاول أن ينقلب على حظه التعيس ويشتكي إلى عامة الناس والأرستقراطيين عساهم يمكنوه من العودة إلى الخلف كلما داهمه الخطر.
لكنهم ظلوا يجودون عليه بالوعد بعد الوعد...
حتى جاءت هذه المسرحية فتعاطفت معه ومع كل بيادق الأرض و اتخذت من البيدق بطلا لها حتى تمكنه من فرصة لمواجهة الملك الذي لا همّ له سوى الفرار من كلمة :كش...مات.
المنظر : حرب طاحنة بين قطع الشطرنج تدور على واجهتين، الأولى ضد العدو المقابل و الثانية تدور بين قطع نفس التشكيلة . نركز مشاهدتنا على الحرب الداخلية بين قطع نفس التشكيلة.
نشاهد الفيل و الرخ و البيدق في شجار دائم.
الفيل :
ألا تخجل من نفسك أيها البيدق الحقير؟
البيدق :
أنا بسيط و لست حقيرا و لا اخجل من أحد ما دمت اعي وضعي و اعرف قيمتي و لكنني إذا أهنت أو خدشت في كرامتي انزع عقلي والبس شيطاني فأصبح أكثر خطرا و اشد خبثا مما تتصور أيها الزميل..
الفيل:
أتسخر مني أيها الجندي الحقير؟ تعتبرني زميلا لك؟ أم نسيت إنني ولي أمرك أرشدك و أوجهك و أملي عليك ما شئت من الأوامر؟
البيدق :
أف ...مللت من سماع هذا التبجح بقيمة لم تكتسبها بجهدك و لا باجتهادك و إنما ورثتها بالاحتيال والأنانية...كأنك سارق يفتخر بما سرق.
الفيل:
ابق حيث أنت...ها أنا أصدر لك أمرا لا تعصيه.
البيدق :
لي أمر آخر سأقضيه قبل أن أعود.
الرخ :
امكث حيث أنت .ألا تسمع؟
البيدق :
احتراماتي سيدي الرخ الجامد و لكن لن أغيب طويلا.أنا أستأذن فهل لي الحق في أن أستأذن لربع ساعة كما يفعل الجميع؟
الرخ :
ابتعادك قد يعرضنا للخطر و هذا في عرفنا جرم بل خيانة عظمى.
الفيل:
ألا ترى الفيل المقابل ؟
البيدق:
انه يهددني مباشرة و هذا ما جعلني أتهرب من ضربته و قد أعود بعد إن يغيّر تصويبته . قلت لك إنني اعرف قيمتي و لا طاقة لي بمواجهة ذلك الفيل الأسود .
الفيل :
أنا أحميك ...لن يجرا على المساس منك لأنني سأبتلعه ابتلاعا إن قتلك.
البيدق: اقترب لأحكي لك حكاية الثعلب والغراب.
الفيل :
اعرفها.
البيدق:
و حكاية الصرصار و النملة؟
الفيل :
اعرفها أيضا.
البيدق:
و حكاية السلحفاة و الأرنب...؟
الرخ:
هذه لا اعرفها ...فاحكها لنا.
الفيل :
لا وقت لنا لسماع تفاهة البيدق..أنا اعرف الحكاية وأدرك معناها ...سأحكيها لك فيما بعد.
البيدق :
لا بد ان أقص عليكما قصة...مثلا قصة الجندي والوسام.هل تعجبكما؟
الفيل :
أنا حقا لا اعرفها رغم أنني ديمقراطي و قد صرت ديمقراطيا منذ أن قرأت قصة العسكري بلا وسام. احكها لنا فربما نزعت عني صفة الديمقراطية هذه و غيرتها بوسام. الوسام أفضل و اخف من الديمقراطية.ولكن...
إياك أن تتلكأ في السرد لتكسب الوقت.
البيدق :
أنا جاهز لأحكي لكما قصة الجندي و الوسام و لكني سأجبر على السرد ببطء و على إعادة التفاصيل واحدا بعد آخر فالرخ بطيء الفهم وكثير التثاؤب..
( تمر الفرس على يسار الجماعة و هي تصيح )
الفرس :
يا أيها الجند انتبهوا جيدا ... الملكة سلبت...نحن في خطر...يا أيها الجند الملكة وقعت في فخ الطمع...مات معها الفرس والفيل الأيمن ...انتبهوا.
الرخ :
احك...يا بيدق ...لا يهمنا اسر الملكة ...سنحمي أنفسنا.
الفيل :
كيف تقول هذا يا رخ ؟
الرخ:
الم تقل انك ديمقراطي؟
الفيل:
و ما دخل طباعي في موت الملكة.
الرخ :
عليك ان تقبل بالرأي .انا قلت حقيقة...نحمي أنفسنا إلى حين يموت الملك و تنتهي الحرب. أنا لست ديمقراطيا ولكني أتمنى الموت بعد الملك ...لأموت حيا هل فهمت؟
الفيل :
بل سنجاهد ونقاتل و نصارع و نستبد.
الرخ :
احك أيها البيدق قبل ان تموت فداء غيرك...احك و لا تهتم...انه قانون اللعبة و لا تستطيع رد القضاء.
البيدق :
أراد رجل جائع أن يأكل فلم يجد لديه أي شيء...قرر أن يتقدم إلى العسكر حتى يضمن الحساء ففعل.. ألبسوه لباس الحرب و حملوه إلى الجبهة...و كلفوه بعمل عسير فخاف على حياته...
البيدق :
ذلك لب القضية ...قال الرجل في نفسه أيّهما اشرف الموت جوعا أم الموت من اجل الوطن؟
الفيل:
طبعا الشهادة اشرف.
البيدق :
و ما رأيك في الموت شبعانا من اجل الوطن؟
الفيل :
معقول.
البيدق:
نفس المعقول هذا جعل الرجل العسكري يطلب أكلا شهيا حتى يستجمع قواه و يقدم على مقاتلة الأعداء فلبوا رغبته و أطعموه من لذيذ اللحم و الثمار ثم أمروه بمواجهة العدو في أرضه.
الفيل:
طبعا نفذ الأمر خوفا من الاتهام بالعصيان.
الرخ :
بل بالقتل و رميا بالرصاص أيضا .
البيدق :
و في كل الأحوال سيمشي الى الموت .و لهذا فكر العسكري مليا و دعا إليه الموت .
الفيل :
كيف ؟
الرخ :
هل انتحر؟
البيدق:
لا بل فكر مليا مرة أخرى و قال في نفسه: لا يمكنني الذهاب إلى الموت و الوسام في يد القائد إنها معادلة صعبة الموت من أمامي والوسام خلفي فكيف امشي و بصري على الوسام؟
الفيل :
أي وسام ؟
البيدق :
القائد وعد العسكري بوسام . فإذا نجح في مهمته علق الوسام في عنقه و ان مات شهيدا علق الوسام على قبر الجندي المجهول...
- يصاب الرخ بنوبة من الضحك و يتبعه الفيل -
البيدق :
طبعا ضحكتما من بساطة تفكير القائد... لم ينتظر من العسكري أن يرفض ...و ببساطة ..
الفيل:
رفض العسكري.
البيدق :
بل طلب الوسام قبل الشروع في المهمة.
الرخ :
أنا بطيء الفهم و لذلك أسألك لماذا طلب الوسام قبل إتمام مهمته؟
البيدق :
الجواب سهل، أولا لان الجندي جوعان وليس له زاد يأخذه معه في مهمته فإذا ما اخذ معه الوسام باعه في الطريق واشترى به أكلا يكفيه طول السفرة و ثانيا إذا أسره العدو دفع الوسام فدية و استردّ حريته. أما إذا قتل...
الفيل :
يبقى قبر الجندي المجهول بلا وسام.
البيدق:
حقا أنت غبي..
الفيل :
أنا غبي يا حقير...تتجرا على شتمي و أنا ديمقراطي؟
البيدق :
لأنك تفكر من دون دماغ العسكري الجائع...الجوع يا غبي شيطان يسكن البطن فإذا ما انتفض نفض من صاحبه كل المبادئ وجعله يقتل ليأكل فهل تظن أن قبر الجندي المجهول يعني العسكري ؟ أنت حقا غبي بل اشدّ غباءا من أي مجنون.
الفيل :
لن اغفر لك هذه الشتيمة.
البيدق:
و ما ذنبي أنا إن دعاك الناس بالمجنون؟.
الرخ :
معك حق أيها البيدق فانا يسميني البعض قلعة و يسميني بعض آخر رخا و لا اغضب لأنني لست ديمقراطيا.والفيل يسميه البعض مجنونا و يسمه بعض آخر الفيل ..
البيدق :
تخيل يا صاحبي الرخ فيلا مجنونا....انه أمر مضحك جدا...
ــ تسمع صفارة الانذار فيرتعد الجماعة ــ
كش...
ــ يخيم صمت ثم نسمع وشوشةــ
الرخ :
اخرج عليها أنت.
الفيل :
و لماذا لا تندفع قبلي...ان الملكة العدوة تهاب ضربتك.
الرخ :
ابق مكانك لتحرس ظهري ...سأفعل.
الفيل :
إياك من الاندفاع نحوها ...ستقتلك و تبقي على الكش .
البيدق :
المهم ألا يموت الملك.
كش ...
ــ يتحول الرخ ليغطي الملك ــ
البيدق :
أرأيت أيها الفيل الغبي ؟ هربت الملكة من ظل الرخ ...هاجمها ان كنت شجاعا ...او على الأقل ناور قليلا حتى يرتاح الملك ويسترجع أنفاسه.
الفيل:
الأمر لا يعنيك...لست في حاجة إلى دروس في التضحية.
البيدق :
أنا سأتقدم لأقلب الموازين ...سأعرض نفسي إلى الخطر سأستفز العدو و أواجه ملكهم لأقول له: كش...ولا يعنيني ان مت بعدها أو أجبرته على التراجع المهم أن اسمعه صوتي...هكذا كــــــــِِِشششششش
الفيل :
كش من البيدق لا تعني شيئا.
البيدق :
ان الملوك لا يطيقون ان تأتيهم الشتيمة من الناس البسطاء...هذه حقيقة.
الفيل:
ستموت من اجل كلمة واحدة.
البيدق :
المهم ان أقولها في وجه ملك ...هكذا باعتداد وكبرياء.سأصبح عظيما أمام الناس لو تجرأت على الصراخ في وجه الملك.
الفيل :
و إذا قادك حظك إلى ملك غير ديمقراطي ...
البيدق:
لي خطة ....أتقدم انا و أنت تحمي ظهري لنزحزح الملك المنافس من مكانه فنجبره على تغيير الكرسي وعندها قد ينقلب عليه الكرسي بكش ثانية و ثالثة وربما مات خوفا فكن شجاعا.
الفيل:
هذا تهور و التهور عدو الشجاعة.
البيدق:
من رأى مجنونا جبانا؟ أنا لم اعرف مجنونا خوافا مثلك.كل مجانين الدنيا شجعان إلا أنت؟
الرخ :
الزم حدودك و احترم رؤساءك يا غبي.
البيدق :
بيدق غبي أفضل من مجنون جبان. اني سأجبرك على الإقدام يا أيها الجبان ...سترى ...
الفيل:
من أنت حتى تجبرني على فعل أي شيء؟
البيدق:
سأعريك يا أيها الديمقراطي القواد...سأتقدم في الرقعة و أجبرك على خوض المعركة فعندما تكون داخل الحرب تصبح شجاعا من حيث لا تدري..
اللوحة الثانية
البيدق :
لقد شهد على نفسه بالجنون أمامكما...أسجل هذا بالبنط الغليظ .
البيدق :
يريد أن يقتلنا الواحد بعد الآخر على غفلة من الملك...انه مخرب بل مجنون و الدليل انه يعلن رفضه لعودة الملكة.
الملك :
يا أطفالي...لا داعي للحرج و العراك ...و لا داعي للديمقراطية فهي لا تعني شيئا على الرقعة...القانون هو الفصل و انتم تفهمون ما معنى أن يسود القانون ...أنا أعلاكم قدرا وأكبركم قيمة و لكنني أنثني امام القانون وأمام طلباتكم و حقوقكم ...و الدليل انني قبلت زوجة جديدة تحت رغبتكم و ربما ما كنت ارغب فعلا في زوجة جديدة و لكن احتراما لكم ونزولا عند شهوتكم قبلت أن أتزوج للمرة الثانية و أنا على علم أن الملكة قد تعود ...و لا باس لن يكون هنالك صراع بين الضرتين فأنا متعود على الزواج مرات عديدة ...كم من مرة فقدت الملكة و عادت فتزوجتها مرة أخرى.
الفيل :
هذه هي الديمقراطية..
الملك:
بل انه قانون اللعبة...الديمقراطية شيء آخر ولا يمكن تطبيقه على الرقعة هذه.
البيدق:
هل سمعت أيها الديمقراطي المجنون...الديمقراطية شيء آخر و أنت تجهله ..
الفيل :
احتراماتي سيدي الملك أنا أريد أن أكون ديمقراطيا فكيف افعل؟
الملك:
انتحر...
الرخ ( بعد نوبة من الضحك )
مت لتكون كما تشتهي ديمقراطيا...
الفيل :
أيها الملك عليك أن تسمعني و إلا تخليت عنك في الوقت الحرج...و لا يعنيني موتك من حياتك...عليك ان تسمعني فأنا في هذه اللحظة اشعر بالغضب الشديد منك...و ربما جاءتني موجة الجنون فأخرجتني مني.
الملك :
القانون يجبرني على سماعك ..تكلم...قل ما شئت من جنونك و ...
الفيل :
أريد أن أتقدم إلى آخر الرقعة..
البيدق :
ممنوع عليك يا هذا.
الرخ :
يمكنه ذلك إن أراد أن ينتحر.
البيدق :
هذه القولة لي...أم أنت نسيت حكاية العسكري و الوسام؟
الرخ :
لا و لكن الملك لا يعلم بنهايتها...
البيدق :
أيها الملك أخبرك بأن العسكري الجائع تسلم الوسام وذهب في مهمة إلى آخر جندي في ذيل الأعداء و بعد أن نجح في مهمته ...وخيروه بين أن يعود بمن يريد من الأسرى باع الوسام و اشترى به أكلا كفاه طريق العودة سالما.. أفهمت أيها الفيل إن الحكاية لي...
الملك :
لا تذهب بعيدا في حديثك أيها الفيل و لن تستطيع أن تهددني فحياتكم جميعا مرهونة في يدي ...يعني إنكم على قيد الحياة ما دمت أنا حيا فإذا حانت كلمة كش/مات و مت أنا حان أجلكم جميعا فلا فائدة في الإلحاح و التبجح والادعاء...انتم في حاجة إلي و لا مزية لأحدكم علي...
البيدق :
أنا سعيد لان كلمة كش/مات لا تقال لي...
الرخ :
يحيى الملك..
اللوحة الثالثة
الفيل في جيئة و ذهاب يمسح الرقعة بينما نشاهد الرخ ينام في زاوية و قد ارتفع شخيره ...أما البيدق فهو مضطرب كمن يبحث عن فعل شيء ما و لا يقدر. يقترب منه الفيل.
الفيل:
أراك ترتعد فمن أي شيء أنت خائف؟
البيد ق:
هل ذقت طعم الموت يوما؟
الفيل :
لم يحصل لي الشرف..
الرخ ( يستفيق من نعاسه)
انه ازرق.
البيد ق : ( إلى الرخ)
سألته عن طعم الموت فأجبتني عن لونه.
الرخ :
و لو، طعم الموت و لونه شيء واحد.
الفيل :
ألم تكن نائما؟
الرخ:
كنت ، و سأعود إلى النوم كي استعد للحرب و مهما كان نومي ثقيلا فان كلمة الموت توقظني منه بسرعة.
( تدوي صفارة الإنذار فيستعد الجميع للحرب.نشاهد البيدق يحمل هراوة بينما يتسلح الفيل بمدفع)
الفيل :
لا تتقدم إلا بأمر مني...سأختبئ وراءك ثم إذا هاجمك العدو اقفز عليه.
البيدق :
بعد أن أموت ؟
الفيل :
طبعا بعد أن تموت أنت...
البيدق :
و لماذا أنا بالذات؟ لماذا لا يتكفل الرخ بتغطيتك ؟ انه سمين و يستطيع أن يحجبك كليا فاختبئ وراءه أفضل ...
الفيل :
انه القانون...
البيدق :
القانون ...القانون ألم أقل لك إن القانون متغير بحسب الحال ؟ و لماذا يظلمني هذا القانون الذي وضع ليحميك بي؟ لماذا يظل القانون يابسا مجحفا؟ الم يحن الوقت لنغيره بقانون لين يلائم المرحلة؟.
الرخ :
المنجنيق...اين منجنيقي لأضرب العدو من بعيد؟
البيدق :
أكملت حلمك يا كسول.؟
الرخ:
صفارة الإنذار قطعت علي الحلم...كنت احلم بأنني نائم . آه لعنة الأقدار على صفارة الإنذار قطعت علي اعز الحلم بالنوم ... الملعونة ...اعطني المنجنيق.
البيدق :
تسلح بمدفع ارض ارض وتقدم لتحمي الفيل...
الرخ :
لن اكسر دستور المملكة يا سيد...و لن أتحرك ما لم تتقدم أنت.
البيدق :
أف من الدساتير ...تتكئ عليها متى تشاء وتدوسها متى تشاء.
الرخ :
دستور الرقعة هو الفيصل فلا تبالغ في تعنتك و إلا شكوتك إليه...
البيدق :
لو قادني الحظ إلى من اخترع هذه الرقعة وسطرها لشنقته من أظافر ساقه اليمنى ...
الفيل :
انه عبقري...هل تدري ما فعل بملك الفرس عندما قدم له اللعبة التي جلبها من الهند.
البيدق :
لقد جعله يسخر من غباوته.
الرخ :
كيف لم يقص له رأسه؟
الفيل :
بل اخذ صابة القمح كلها و أبقاه مدينا له بصابة العام القادم.
البيدق :
يا رخ ماذا لو أعطيتك كل ما املك مقابل مليم في اليوم الأول و مليمين في اليوم الثاني وأربعة مليمات في اليوم الثالث ... و هكذا دواليك اخذ في اليوم ضعف ما قبلت بالأمس إلى آخر يوم في الشهر.
الرخ:
و تعطيني كل ما تملك؟
البيدق:
نعم و لا ابقي معي إلا نصيب اليوم الأخير من الشهر ذي الواحد و الثلاثين يوما.هكذا أشجعك.
الرخ :
لم افهم.
الفيل :
هذه تنتهي عند الواحد و الثلاثين فما بالك بالأربع والستين ،عدد مربعات الرقعة.
الرخ : لم افهم.
البيدق :
اعرف انك بطيء الفهم و لكنك قبلت اللعبة.
الرخ:
قبلتها عن فهم....تعطيني ما تملك و أعطيك في كل يوم ضعف ما أعطيتك بالأمس بعد أن تعيده لي.
الفيل :
و هل تدرك قيمة ما تعطيه؟
الرخ :
أف... إنها مليمات...
الفيل :
تبدأ بمليم و تنتهي بأكثر من ألف مليون...هكذا فعل جالب الشطرنج مع ملك الفرس ...حبة قمع في المربع الأول و حبتان في المربع الثاني و أربع في المربع الثالث وضعفها في الرابع إلى أن أتى على كل المحاصيل المخبأة في المخازن و لم يصل المربع الستين...
الرخ :
لا أصدقك.
( تأتي الفرس و كأنها تعود من مقدمة الرقعة )
الفيل :
أين كنت يا أيتها الفرس؟
الفرس :
في عرس..... كنت على وشك الموت فهربت.
الرخ :
هل تركت الملك وحيدا؟
الفرس:
استأذنته في المناورة من بعيد.
البيدق :
و هل علم بتراجعك إلى الوراء؟
الفرس :
طبعا ...انه امرني بذلك فالعدو يزحف بكل بيادقه المتبقية...إنها ستة بكاملها و لم يخسر في المعارك السابقة سوى بيدقين و بعض القطع الأخرى ...علينا بالانكماش حول الملك.
الرخ :
سأقترب من مساحة الملك و أنت أيها الفيل خذ مكانا مناسبا.إني ارتعد...ما أمر الحرب!
الفيل:
أنا بحوزتي سلاح الدمار الشامل...الصاروخ ...اقذفه من بعيد فيصيب كل من يدخل المرمى.
( تتراجع القطع إلا البيدق)
البيدق : ( يحدث نفسه)
هكذا إذن؟ يختبئ الجميع و أبقى وحدي في مواجهة ستة بيادق كاملة دون اعتبار القطع الأخرى...لا يهم....و ان تكسرت اللعبة ...ماذا يعني القانون أمام الموت؟ و ماذا يفيد الدستور إذا حل الأجل...سأفعلها.
الرخ ( صائحا)
قف مكانك أو تقدم.
البيدق :
سأجرب متعة العودة مثلكم.
الرخ :
إياك أن تخالف القانون...
البيدق:
أفضّل ان أخالف القانون على الموت أفهمت؟
الرخ :
سأشكوك إن فعلت...إني ارتعد يا أماه!
البيدق :
و تشكرني إن مت.
الرخ :
نعم...
البيدق :
أفضل أن تشكوني على أن تشكرني...
اللوحة الرابعة
الملك يترأس جلسة لمحاكمة البيدق يحضر الفيل بصفته الشاكي و الرخ بصفة الشاهد.
الملك : (بعد أن يضرب بمطرقته على الطاولة.)
اجب عن أسئلتي بدون مراوغة و إلا...
البيدق :
إلا معروفة مسبقا يا سيدي فهل أضفت إليها واو القسم...!
الملك:
ما اسمك؟
البيدق:
أنا رقم 2 على اليمين و الرقم المتبقي من ثمانية على الركح . أظن ان الأسماء لا تعنيك بقدر ما تهمك الخصال و الأشغال.
الملك :
أجبت بذكاء و سنخفف من حملك وزرا.
البيدق:
هل أستأذن في سؤال؟
الملك:
لك ذلك...
الفيل:
لا يا سيدي سيدحرجك بذكائه و بخبثه فلا تمنحه حق السؤال.
الملك:
لقد وعدته.
الرخ:
لا تعطه الأمان.
البيدق :
لست في حاجة إلى أمان من أي كان . أما إذا منحه لي ملك فلا أستطيع ردّه.
الملك:
قل ما عندك.
البيدق :
لا شيء...لا شيء سوى طلب واحد.
الفيل :
طلب التخفيف ينظر فيه بعد انقضاء نصف مدة العقاب.
البيدق:
و من أدراك إنني سأعاقب؟
هل نسيت ان الملك عادل في أحكامه؟ فكيف تتجرا أنت الشاكي بإصدار الحكم قبل سيد الرقعة . هذه إهانة لك يا سيدي و أنا لا أرضاها خصوصا من ذلك ...اخجل منك يا سيدي.
الملك:
أحسنت المديح و سننقص لك مثقالا من التهم جزاء لإجابتك الذكية فقل سؤالك.
البيدق:
في واقع الأمر ليس لي سؤال محدد و لكن مجرد اقتراح حتى تكون محاكمتي متماشية مع دستور الرقعة...فهل ستخففون من التهم كلما أعجبتكم الإجابة؟ هذا هو اقتراحي.
الملك:
طبعا .
الرخ:
أنا شاهد و رغم هذا فإنني لن اقترح على الملك أن يقلل من أسئلته.
الفيل :
هو سؤال واحد : لماذا أقدمت على التراجع وأنت تدرك ان دستور الرقعة يمنع البيادق من الرجوع إلى الوراء.
البيدق:
هل اجبيه يا سيدي.؟
الملك:
يمكنك ذلك.
البيدق :
هل ترضى يا سيدي لنفسك بان ينوبك مثل هذا المشتكي و لسان حالك يقول ان هذا المشتكي لا يحق له طرح الأسئلة و هذا الأمر يتنافى مع عدلكم فهل أجيبه و أساهم في تشويه عدلكم؟
الملك:
أحسنت يا هذا.
البيدق:
بدون طعم و بلا رائحة فاجعلها فواحة بقرارك.
الملك:
لقد أسقطنا لك تهمة. فلماذا تراجعت إلى الوراء؟
البيدق:
انا تلميذ نجيب احفظ الدرس و اجتهد لتطبيقه فهل يأذن سيدي بمثول الأستاذ مع تلميذه أمام القضاء حتى نتبين من منهما اصل الخطا ؟
الملك :
طرح مقبول بلا تنزيل في عدد التهم.
البيدق:
أنصفت نفسك و احترمت ضميرك العادل فهل تأمرني بنزع الخوف و أنت سيد المنصفين.
الملك :
جئنا بأستاذك حتى نقابل الرأي بالحجة.
البيدق :
( يسحب الفيل إلى امام الملك)
هذا الذي علمني و يدعي الآن انه ولي أمري الوحيد مستثنيا من أوامره أمر الملك نفسه.انه يتجرا على نيابتك حتى عندما يكون في نوبة جنونية ...هل ترضى بان ينوبك مجنون؟
الملك:
أيحدث هذا في رقعتي و أنا على قيد الحياة.
الفيل:
أنكر إنكارا تاما. و علينا بالشاهد.
الملك :
تكلم أيها الرخ.
البيدق:
انه نائم على الدوام ، كالقط الكسول يا سيدي فهل تقبل شهادته؟
الملك :
اسحبه من أذنه اليسرى.
( يمتثل البيدق فينهض الرخ مذعورا)
الرخ :
حكموا عليك بالإعدام أم بالشنق؟
البيدق:
بعدك إن شاء الملك.
الملك:
قل أيها الرخ على ماذا ستشهد ؟
الرخ:
على كل أعمال البيدق المهينة.
الملك :
مثلا...
الرخ :
هذا البيدق دائم العصيان. انه يرفض أوامر سيده على الدوام.
الملك: ومن هو سيده.؟
الرخ :
الفيل طبعا ...انه الوحيد الذي يأمره و يرشده و يعلمه و الحقيقة انه يدعي بأنه ولي أمره الوحيد.
البيدق:
يحيا العدل .لقد شهد شاهد من أهلكم فهل عرفتم الحقيقة؟
الملك :
معرفة الحقيقة في جانب لا تلغي حقيقة الجرم لان طاعة ولي الأمر ليست شمولية و لا هي سبب للخروج عن القانون . أنت أخطأت وستعاقب كما يعاقب ولي أمرك أي الفيل إذا ثبتت جريمته.
البيدق:
أرضيتني بعدلك أيها الملك العادل و أسعدتني بعقابك الشامل و أنا مستعد للاعتراف. لقد رجعت إلى الوراء وارتكبت جريمة كما ارتكب الفيل جريمة أخرى فهل من عقاب؟أدركنا بعقابك لنشمت في بعضنا.
الملك :
حكمنا عليك بالمضي قدما نحو طرف الرقعة.
البيدق:
اعرف البقية...و سأمضي إلى أخر الرقعة وعندما المس الخط النهائي يحق لكم استعادة من مات من رجالنا.
الملك:
لقد برهنت على ذكائك فاستعد لنا الملكة. إنني افتقدتها والرقعة في حاجة إليها فالحروب قادمة.
البيدق:
هل احكي لك حكاية الصرار و النملة قبل أن أنجز حكمكم؟
الملك:
اعرفها.
البيدق:
هل احكي لك حكاية الثعلب و الغراب؟
الفيل:
قلنا لك إننا نعرفها.
البيدق:
و حكاية السلحفاة و الأرنب؟
الرخ:
نعرفها أيضا فهات الجديد.
البيدق:
ملكنا لا يعرف حكاية الجندي و الوسام. أليس كذلك يا أيها الملك؟
الملك:
لا اعرفها فاحكها لنا حتى نرتاح من الدستور و القانون و نروح عن النفس في استراحة المحارب.
البيدق:
بل ستشاهد فصولها حيث أكون أنا العسكري.
البيدق يمشي بخطى ثابتة نحو الأمام ترافقه موسيقى عسكرية. نراه يرفع علما و هو يتمايل فرحا ، يتوقف أحيانا ليفكر في شيء ثم يواصل . يصل الخط النهائي من الرقعة ( في مقدمة الركح). يثبت العلم و ينظر إلى الخلف محييا.
البيدق(محدثا نفسه)
نموت نموت و يحيى الملك...و لماذا لا يموت الملك وأحيا أنا؟ لماذا هذه القسوة...انه قدري الأحمق يجعلني أول المضحين بأنفسهم من اجل الوطن...و أي وطن؟ من اجل الملك...يريد ان يسعد بملكته...لقد اشتاق إليها ولن تعود إلا بموتي أنا...ليتفضل بنفسه فيطلب يدها من جديد و يمضي إلى شهر العسل في الطرف الآخر من الرقعة...هكذا إذن؟
الفيل :
تقدم ...انزل على الأعداء...
الرخ :
خطوة أخرى ...لم تبق إلا خطوة أخرى وتعود الملكة..فأعدها...
الفيل : يكفي أن تسقط إلى الأمام و تعود الملكة.
الرخ:
لا تسقط هكذا ربما يعيدون إلينا فيلا أو فرسا عوضا عن الملكة فلا تختر غيرها ليحيا الملك و نحيا جميعا معه.
البيدق:
الجميع موعود بالعودة إلا أنا..لن أعود لأرى الملك .
.....
(تعم الفوضى و تختلط الأصوات...
يقبل الملك حانقا...و يتوقف خلف البيدق.)
الملك:
ما هذه الفوضى؟
الفيل:
وقع المحظور يا حضرة الملك.
الرخ:
ان البيدق ارتكب الخيانة العظمى. انه خان الجميع القانون و الدستور و الملك و الرقعة.
الملك:
هكذا؟
الفيل:
لقد نبهتكم إلى انه يخطط لانقلاب ما و هاهو يرفض أن لا يعيد إلى البيدق سوى بيدق مثله و في نيته أن يكسر القانون و يسمح له بالتراجع الى الوراء.
الملك:
تلك سياسة الأمر الواقع.
البيدق:
نعم يا حضرة الملك انقلب السحر عليك بالذات.فانقلبت أنا على القانون.. لا تغضب أيها الملك فلن يفيد تهديدك و لن تسمع لك أوامر و لن تملي علينا القانون ثانية.
يمكنك فعل كل شيء إلا تأجيل موتي في هذه اللحظة...موتي في هذه الحال أهون علي من قانونكم القاتل...
لقد أمرتك بالهدوء قلا تنفعل ...لن تفلح معي ولا مع من سأستقدم من البيادق...
كل بيدق تدفع به إلى الموت من اجل استعادة الملكة لن يسترد إلا آخر...زميل في نفس الرتبة و لن تهدا المبادلة حتى يجبركم على تمكينه من الرجوع إلى أول الرقعة...
هنالك يستطيع أن يقدم لكم بعض الخدمات...أما إذا ركبتم رؤوسكم فكل بيدق يسقط خلف الخطوط سيعيد بيدقا آخر وهكذا..هل أعجبك شكل الانقلاب أم نفكر في شكل أخر؟ أتمنى أن ....تدبر أمرك مع الفيل ، انه ديمقراطي لا يفهم الديمقراطية ...أنت قلت هذا...

صدر للمؤلف
ــ بالجرح على الجبين العربي / شعر
ــ وطن في قلبه و امرأة / شعر
ــ مرارة السكر / شعر
ــ زلة لسان / شعر
ــ دعي الكلام لي / شعر
ــ مدونة المبدعين في المهدية ج1 / تراجم
ــ مدونة المبدعين في المهدية ج2/ تراجم
ــ امتداد / شعر صوتي
ــ توقيعات / شعر صوتي
ــ الصدى أعلى من الصوت/مسرحية شعرية
ــ ترجمات من الشعر الإماراتي / ترجمة
ــ اتحاد الكتاب دليل مواقع / تراجم
ــ كأن العالم أعرج / شعر
***
ثمن النسخة: 3.000 د ت