
مـــرارة الســكّر
الأخلاء - تونس - 1990
الإيداع القانوني عدد 016 الثلاثية الأولى 1990
كلمة أولى
الجمالية في الشعر
بقلم : الصادق شرف
من الأصالة إلى الحداثة:لست ادري لماذا أريد ان أطلق على هذه المجموعة للدكتور المولدي فروج وما فيها من قصائد( فراشة الشعر الجميل) ؟
لعل ذلك يرجع إلى ما لمسته جليا من تطور في امتلاك الشاعر القدرة على الجمع بين المواضيع الجادة والشعر الذي يثير الإعجاب إلى حد المفاجأة السارة بالقياس لما عرفته عليه من اهتمام بالموضوع دون الالتفات إلى الشكل المعماري للقصيدة العربية في مجموعتيه السابقتين.
و لربما يفهم من كلامي إن " الشغف بالشكل يتضمن رفضا للدعوة:أن يكون الأدب ذا محتوى جاد" كما نجد عند بعض الشعراء هزءا مكشوفا - بما تتوقعه التقاليد – في تناول الموضوعات (الخطرة) أو في التعبير عن عواطف لا تقرّها الأعراف.ومن بين ردود الفعل المعاصرة ضد هذا الاتجاه دراسة ( روبرت بوكانن) المدرسة اللحمية في الشعر(*)
إن التطور الذي لمسته في استعمال أدوات القصيدة العربية يدل على أن هذا الشاعر،من حيث لا يدري،امتلك ناصية الإيقاع بحكم ما له من إصرار أكيد على أن يكون شاعرا في مستوى الحداثة التي هي البرعم المنبثق من غصن الأصالة كأساس لكل بناء حضاري في جميع المجالات وخاصة في حلبة الفن والإبداع.
فالفنان مهما كان ضئيلا حجمه ، خفيفا وزنه لا بد أن تبقى له بصمة خاصة في الصراع العام لتجذير الإبداع ذلك أني عملت جاهدا لأتلاحم مع الشعراء الشبان من اجل الانطلاق بالشعر من الأصالة إلى الحداثة كفكرة آمنت بها لسلامة التطور.إن الأفكار ذاتها مسائل يسجلها التاريخ:تتطور و تتغير: تتصل بالحياة وبممارسة الفن والآداب ، ولا يمكن ان تفيد معالجتها في شكل المعادلات الرياضية : فنحن نجد عند النظر في معنى فكرة،إننا نهتم لا بمحض التحليل المنطقي بل بصورة أوسع بما كانت تعنيه تلك الفكرة إلى أناس بعينهم، كتاب، فنانين، نقاد، منظرين جماليين، في أوقات معينة من التاريخ...(*)
ولعل أهم ما يلفت الانتباه في " مرارة السكر" عنوانها الذي يوجه سبابة الاتهام إلى مهنة الشاعر كطبيب في انتقاء هذا الوسام لها في كبرياء الإنسان الذي يشارك في بناء وطنه على أنغام معاناة الفعل المؤسس لا كما كان عليه الكثير من الشعراء قديما وحديثا من مشاركة في النهوض بالوطن عن طريق الكلام،فحسب،والكلام الذي يتناقض مع الممارسة اليومية أيضا لبعض هؤلاء القوّالين الذين يكتبون عن معاناة الشرائح الاجتماعية وهم قابعون وراء زجاج إحدى مقاهي تونس المريحة ظانين ان بالكلام وحده أو بالكتابة وحدها يصنع التغيير.
التغيير يا سادة ينضج بالنزول إلى ميدان الفعل الواعي و العمل المنتج .وهذا كان ولا يزال ( الدعائية).ولن يزال شعارنا في الحياة:
نحن جيل لا ..و لن نؤمن إلا بالعمل ليس منا من يقلْ...قلت! و منا من فعل والدكتور المولدي فروج،أحد الأخلاء العاملين في الجنوب التونسي دون كثرة كلام ، فإذا تكلم قال:
فلي عملي/يعلمني الكبرياء
تعالوا اذا يملح الجرح فيكم
و يرتفع الضغط في دمكم (1) هكذا يخاطب أبناء وطنه معتزا بعمله،عاشق أضناه حبه لشعبه وترابه وتراثه والراية الحمراء ترفرف على تونس الجميلة .
فتونس إذ عمرت في دمي
عجوز أطلّقها ألف تطليقة...و أعود..
فراشا تعوّد حتى تعمّد لفح الفتيل
و كم يكتوي و يزيد(2)
على ضوء هذا الشعر الجميل لا يمكن النظر إلى :"مرارة السكر" بمعزل عن سابقتيها وإلا كنا كمن رفع جدران العالم الشعري عند المولدي فروج على فراغ ينهار ذلك العالم لمجرد هبة ريح.فلا يجوز للناقد ـ إذن ـ أن يصدر حكمه على هذه المجموعة ما لم يعايش الشاعر في تجربته الأولى انطلاقا من سنة 1981 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) موسوعة المصطلح النقدي، ص 313 ، 275 تعريب د.عبد الواحد لؤلؤة عن اللغة الانقليزية نشر دار الرشيد، العراق
(1)و(2) مرارة السكر ص 47وص 32 .
الإهداء
لمن أُهْدي قافيتِي ؟
للملِكة؟
لا...قد تمْلكني!
...سوفَ أهدي الشِّعر لممْلكتي
أبنائي:
رامي
ندى
و نادية
و إلى أبناء بلدي
المقبرية
مقدمة تاريخية
المهدية(*) مدينة تونسية تطل على البحر الأبيض المتوسط أسسها عبد الله المهدي الشيعي سنة 912 ميلادي وقد أرادها مدينة حربية لا مقرّ أمراء لذلك قلّت قصورها وكثرت قبورها. قسمها إلى نصفين : نصف تجاري داخل السور و هو ما يعرف اليوم بالمدينة العتيقة ونصف سكني يمتد إلى ما وراء السبخة ويسمى (زويلة) وبهذا التقسيم فصل المهدي التجار عن عائلاتهم في النهار وفصلهم عن أموالهم في الليل .
روي عنه انه قال متحدّثا عن العامّة: " فان أرادوني بكيد وهم بزويلة كانت أموالهم عندي فلا يمكنهم ذلك. وان أرادوني بكيد وهم بالمهدية خافوا على حرمهم هناك. وبنيت بيني وبينهم سورا وأبوابا فأنا آمن منهم ليلا ونهارا لاني افرق بينهم وبين أموالهم ليلا و بينهم و بين حرمهم نهارا."
عاشت المهدية حروبا صعبة وتنعرّضت لهجمات لحقتها برا و بحرا كما شنت بدورها هجمات عديدة في اتجاه المشرق و خصوصا مصر وفي اتجاه المغرب العربي.
حاصرها ابو يزيد مخلد ابن كيدان طيلة ثمانية شهور 944 ـ945 م في عهد القائم ولم ينسحب ابو يزيد الملقب بصاحب الحمار إلا بعد أن انتصر عليه ابو العباس.
و في عهد المعز ابن باديس الخليفة الفاطمي الرابع( 953ـ 975 م) دخل جوهر القاهرة سنة 969 م ثم التحق به الخليفة في جوان 973 م حاملا معه كنوزه وأثاث القصر و رفات أجداده معلنا بذلك قطع جذوره مع عاصمة الفاطميين التي عهد بها إلى بلكين ابن زيري.
مقدمة جغرافية
مدينة المهدية أو شبه جزيرة المهدية تأخذ شكل مثلث في اتجاه البحر قائمته 1500 م وقاعدته400 م وهي تنغرس في البحر بالطرف المسمّى راس إفريقيا وتمتد إلى السبخة و زويلة. وخلف راس إفريقيا في اتجاه البر نجد البرج ومرسى للسفن يسع 30 مركبا، و أما ما تبقى من الأبراج التي كانت تدعم سور المدينة فهو ما يعرف اليوم ب(السقيفة الكحلاء).
تلامس المهدية البحر بمقبرة كبيرة و تشقها ثلاثة طرقات تصلها بداخل البلاد والى جانب كل طريق مقبرة بحيث تصبح المدينة محاصرة بأربع مقابر.
و من هذا الحصار بالموت والمقابرتخرج هذه القصيدة" المقبرية"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) انظر كتاب " تاريخ شمال إفريقيا" شارل اندري جوليان، تعريب الأستاذين :محمد مزالي و البشير بن سلامة . الدار التونسية للنشر 1983 .
(* ) انظر كتاب " المهدية" تأليف محمد الحبيب حمزة. الدار التونسية للنشر 1979 .
ــ 1 ــ
سيقومُ عبْد اللهِ يسألُ عن صوابِهِ
ويموتُ - قبْله - في سقيفتِه الجوابُ
الآن يبتدئُ الخَرابُ
خلِّ المدائنَ وارْتحلْ
فالأرضُ ينقرُها الغرابُ
وأطلُّ من ثقْبِ المدينةِ جاهزًا
أعنِي -فقطْ - ثقْبَ المَدينة
فالبابُ أوْصدَه الشّهيدُ
والبابُ مرآةٌ تعاكسُني ... أنا
ويدِي حديدٌ
وهنا تفاجِئني الشّوارعُ بالبكَاء
ويمْطرٍني العسَاكر بالوعِيد
من أين أدْخلُني إلى امرأةٍ عنِيدةْ ؟
فالحضْنُ محتاجٌ لقسوةِ دفئِها
والقلبُ شرْيانٌ يسابِقني ...
لنادِبتي الوحِيدةْ
مَنْ لي بفاكهةٍ لأبْتدئَ القصيدةْ؟
هي والمدينةُ إرْثُنا
هي والمدينةُ حرثُنا
حلْمُ المعِزِّ بها يُعسْكر
في الحِصارِ
ذاكَ الحِمار
تغْريهِ فاكهَةُ النّساءِ
لكنْ قصائدَنا
ليستْ قصائدَنا الأخيرَة
بلْ إنّها سببٌ لنَا
لنسيرَ من قَبرٍ إلى بَحْر إلى بَشرٍ
.......إلى نبْضِ المدينة
مهديتِي!!
أدعوك: قارِئتي
و أدعُو الأهلَ غِرْبانا
أصارعُهُم على ذبْحِ القَصيدةْ
مرَّ المُتاجرُ من هُنا
والذّابحون تمهَّلوا وتَصارحوا:
ـ هاتوا سماسرةَ "الكذا"
كيْ أفتَدي حبِّي
و إن أوْفى...غَلطْ
من يشْتري دمِّي ليشربَهُ؟
أهْلي فقطْ
أهلي يُدغْدغُهم خَبرْ
يتجنَّد الصِّبيانُ في النّهج المُحمّل بالجَنائزِ
و النَّهجُ يعلن:
ـ من يمُوت يمرُّ نعشُه من هُنا
فهْو المَمرُّ الواحدُ
يتُها العجائز
سيفوتُ سكرانٌ بشعرِه شاردًا
تُرمَى الحِجارة فوقَ رأْسِه
ثم تنْهشُه الكِلاب!
و تنفَجرُ الإشَاعة
تعلُو على الجدْران لافتةُ الإدانَة:
(الشَّاعرُ المجنونُ بامرأةٍ يمرُّ
فتجمهرُوا...)
يأتِي النّشاز إلى السُّؤال
و حين أبْتدئ القصيدةَ بالسّلام على المقابِرِ
فالمقابرُ مِني تسْحبُ صوْتها
أحتلُّها...
حتّى تبادلَني السُّؤالَ مع السَّلام.
ـــ 2 ـــ
يعْوي عُبيد الله في شَكْل المَدينة:
ـ يا برجُ ما حَال السِّياحة؟
و اليَاسمينُ على الجبَاه
يعْوي عبيْد الله:
كنْ يا برجُ سورًا
ترْكتي: أرضٌ وجاهْ...
و أمتعةُ الرَّحيلِ إلى الحَياةْ
و أطلَّ عَبْد الله ثالثَة بِلا..
...و بِلا سِلاح
هل جرَّدوك؟
صمتٌ على المَقابرِ فاحِشٌ
و صَدى نُباح
هلْ عيَّرُوك؟
الكلّ سبَّح للإطَاعةِ سَاكِتًا
و الكل يشهقُ في النُّواح
تلك الجَماجمُ ضيَّعتْ أشْلاءها
و الملحُ لا يحْلو على حَلق الجِراح
مهديُّ يا...
مثْلي تَرى أصْل الخلافةِ لعبَةً
أم أنْت جرَّبتَ السِّياسة بالإلَه؟
و يقومُ عَبد الله مرْتخِيا
ترَى هل متَّ يا مَهديُّ
هذا وجْهك الأبديُّ
للبحْر أسرارٌ ولم يجِفْ
للبرْجِ أسوارٌ فلا تخَفْ..
لكنّ فيهم الذي ترَك التَّعالي
ماتَ يبْحث عن صَدفْ
في السّاعةِ الصِّفْر التي قد ضيَّعت ميزانها
و البحْرُ يأكل صائديه
كل المَواني...خَزَّزَتْ
إن تشْتهي سَمكًا
و تنظر ما لنَا تَرك الذُّبابُ
هل تشْتري شرَكًا؟
للصَّيد فِي عُمقِ السَّحاب
كم تشْتهي! !
أحْلى البَساتينِ اشْتِهاء
طَعمُ البِلادِ كما بِشارةْ
من ذاقَ فاتحةَ الغِلال
جَرى يُجنّد ساعِديْه
و يدقُّ عبْد الله في صَنمِ الخَراب:
ـ يا قلعَتي
هل تنْتَهي قصَصُ العَشيرةِ فجْأةً؟
هل ينْحني بُرْجٌ ليسْكنَه الغُراب؟
مهْديتِي!!
يا قبلةٌ أُولَى لها سَببُ
البحْرُ يلْقاني بِلا أجلٍ أمُوت
فكيفَ تَقْتلُني المَدينةْ؟
و البحْر هل ينْأى على قدمِ المُسافر؟
أو بلا أجل يفوتُ؟
و أنا المشيَّعُ بالقِلاع
أأموتُ منْهزمًا كما عنّي يُشاع؟
أأموتُ منتحِرًا؟
بلَى! أنا لن أخرَّ و لا أجَن
لا، لن يمرَّ عساكِرٌ بجنازَتي
فلسوْف تُرجِعُني الحُرُوب بلا كَفَن
فهنا سقيفَتنَا هنا ارْتفع القِلاع
و الأرضُ نمْلكها، أجلْ...حتّى القبُور
و البحرُ لِي
و يدي شِرَاع
ـ مهديُّ قفْ
هل جاءَك الخبرُ/ السُّرور؟
هذي المدينةُ عندمَا اندحَرتْ
هذي القصيدةُ عندما انتَصرتْ
فاح البخُور
ـ مهديَّتي !!
وقَفتْ كنادمةٍ على أمْر لعينٍ
خرّتْ لشاعِرها:
ـ ألا قلْ ما ترَاني؟
ـ سأراكِ سرْولَة تشيحُ بلا ظِلال
و أراكِ حُزنًا قابِعا في القَلبِ
كالحَسْناءِ يمْضغُها الرِّجال
ـ قلْ ما تريدُ أنا المدينةُ يا فتَاي
كفنٌ إليّ معي القَصيدةُ...
و لكلِّ مقبرةٍ جَديدة
ها رَابعُ الأكْفان للشُّرطيِّ
فالشُّرطيُّ إن لبِس الكَفَنْ
يحْيى الوَطنْ
و يموتُ من سكنَ البِلاط
تحيى البرَاءةُ والبذاءةُ
أحيى أنا
لأجرَّ فاجِعتي
إلى النّيران تغْسلُ بعض ذنْبي
ها ..معِي النّاظور يغْسلُه الّضبَاب
سأضِيءُ في تَقواكِ إن وجَب المَضِي
و خيالُ أفلاطونَ حلْم لن يَجيء
حتّى إذا ماتَ المُجاهد
حتى إذا ما جُنّ كلّ النّاسِ
فإلى التِي ما جاءَ هودَجُها أحنُّ
دقٌّ على الأبوَابِ داعَبَني
صوتٌ من الأحبَاب عذَّبني
آتِي المتاحِفَ أحتلُّها
بيدِي الغَضَب
هل كان يسْكنُها بَرابِر أم عَربْ؟
اسأل كما شئْت لن تجِد الجَواب
الكُلُّ ألوانٌ
تناكحَتِ الغُرابَة بالغُرابِ
نسْلٌ خليطٌ
بعضٌ من الإنْسانِ...آخرُ من ذِئَاب
و انْبُش جِبالك فالسَّماءُ خلِيطها
ريحُ الغُبار
و فاكهةُ التُّراب
سأدُور في فلَك المَواطنِ لاهثًا
كالكلْبِ يغْلبنِي الشَّهِيق
وأفرُّ من خجَلٍ يلاحِقني
ويخونُ خلانُ الطَّريق
وأظلّ أنْتظرُ المدينةَ والشَّراب
أمشِي إلى امْرأتي الحَرام
مهديّتي!
أتُرى قريبًا ينْتهي هذا الكَلام؟
ركعَتْ لنا والبرْج حضْن دافئٌ
ـ عدْ يا فتَاي
قلْ ما ترَى وكما تُريد
فالأرضُ أجْيالٌ ستبزُغ من جَديد
شيحٌ وعرْعَار ونوْعٌ من زَبيب
الأرضُ مهْملةٌ
كالسَّبخةِ الأخْرى
لها طعمٌ غَريب
فأرى قلْبًا توسَّده العَذاب
لا القمحُ يتْعبُ ـ بعْدُ ـ من تِجْواله
لا انْداحَ في قلْبِ الرّحى قُوتا
و لا مَن شقّ حارتَنا...وَلا...
حتّى لتلْعنه الكِلاب
و صبيّةٌ مفْطومةُ النَّهْدين
صامتْ ألْفَ عامٍ...
ألفَ عامٍ وما قدِم الخَطيب
الأرْضُ بورٌ خلْف حارتِنا
أنا وحْدي سأغْتصبُ الغَريب
و لتُزْهِر الصَّحراءُ إن القلبَ
يُسْكب في الشَّهيق
و لا رجُلٌ يُجيب
النَّهْد شقّ على القَميصِ
و القبلةُ الأولَى تُماطِلني
أجل...فلِمنْ أعضُّ مشاعِري؟
و ستَائري؟
لبستْ عباءَتها
و ذاكَ النّهْدُ في عامٍ
توعَّده الحَليب
ــ 3 ــ
أمدينةْ؟
أيُّهما أكْبر؟
اللهُ أم المُستنْصر؟
ـ خذْ وجَعَ النّاسِ إذا وجعُ النّاس تيسَّر
و اكتبْ ما شَاء...
يتمطَّى كرْسيُّ البَحْر
و قبْرٌ يتفرْعنُ حتّى يُخرِجَ
ما بلعَتْ أرْض
هل نفْترضُ التّاريخَ؟
ولا شجرٌ لا عَرْض
ـ يعْتذرُ الشِّعرُ عن الفَرْض
فتوقَّعْ أن يُهْديكَ الشّيطانُ
نهْديْن من الجَمرِ وقلْبًا
هل أجْمل ما يخْلقُه الشّاعرُ
...امرأةً شيْطانا؟
أسْتدْعي ذاكِرتِي طِفْلا
و أرصِّفُ رمْلي جَبَلا
من أيْن سأدْخُل نَفسي وأراكِ
تسِيرين وتسْرِين
كمَا فحْمٌ يتلهَّفُ للنَّار
افْتعلِي زائِرةَ القبْر
لأرى شيْئًا أفْعلُه
ماذا أفْتح فيك وهل أنْجَح؟
عذرَاء تجِيئين وكيْف؟
هل أجْمل ما يخْلُقه الشَّاعِر
امرأةً كالضَّيْف؟
تجتَرُّ قوافِيهِ ...تأْتِيهِ
كمقْبرةٍ تَخلعُ ميتًا...تبْلعُ موْتى
تُعجبُني الرُّمّانة
من أيْن أقشِّرُها؟
ظلُّ السَّبّورةِ يحجِبُ نافذةَ الخبَر
يُلمحُ وجهُ السّلطانِ وأنيابُ الجَلادِين
يتداركُني شِعْري
هل يَفتح شـ(ا)هيَةَ التّدوِين؟
فالتّاريخُ يطَأطئ رأْسَ البَشرِ المرْفوعَ
على لوحٍ مكْتوبٍ...
و الوطنُ المَغلوبُ
آخِر مهزلةٍ يتآكَل حتّى يرْتفعَ التّاج
كخُرطةِ مِشْنقة ...
هل نبدأْ؟
هذا تكْرارٌ قبْل التَّدريسِ مُمِلْ
الرُّمّانةُ فيها المهديةْ
هذي المسْألةُ الحاليةْ
تنتَظرُ الحلْ
من يقرأُ شِعرًا؟
من يبْتاعُ قصيدًا بقميصٍ؟
من يفتَح بابَ العَرشِ على خدِّ عُكاظ
أو يعْفسُ كالجُوعِ على صدْر بَنِيه؟
من يقرأ؟
أوَحيدًا أبْقى؟
مهجورًا كالقُبّةِ في الغَابةِ؟
ووحيدًا أقرأ أشْعاري
ترتدُّ على قلْبي كالسُّلْ
الصُّحفُ اليوميةُ عاهرةً ستظلْ
و أملْ
و أعودُ إلى امرأةٍ تسْتمتع بِي
ما ضرَّ إذا شَاختْ
حتى رأْسُ العمدةِ يرْشحُ بالأمْرِ
و لا يرْفُضها
يختلسُ النّظراتِ الشّهوانيةَ
ما بيْن النّهدينِ
وكان الحاجبُ من نفْس الثُّقْبِ أطلْ
ستقولُ امْرأتي: إنّي قمرٌ يبْحثُ
في المهديّةِ عن قِنْديل
امرأتِي قمرٌ أوْغَل في البعْدِ
قمرُ البدْوِ كما كَانوا
سِحْر قبليٌّ
أعرفُ هذا
وأنا متَّهمٌ بامْرأتِي
والعمدةُ قال:
ـ ذاك الشّاعر عكَّرَني
ديوانُهُ ضاجعَ بِنْتي
هل تلدُ ابنتُه الحبْلى بالشِّعرِ؟
قالتْ قابلةٌ:
ضاجَعها الشِّعرُ
هذا تقريرُ طبيبٍ شرْعيٍّ
اثبتَ بعد التَّحليلِ
بأنَّ الإحسَاسَ الشِّعريَّ جنينيٌّ
لو يسْكبُ في صدْرِ الفتيَاتِ
يسقطُ عرشُ الولاةِ
و يشاعُ
في بعضِ الأمْصارِ
الأفعَى أكلتْ أدبًا ملفُوفا
في شكلِ حجابٍ من خبَر سارِي
في مقْلةِ ضفدعةٍ، في رأسِ ذبابٍ،
في شعْرةِ ناموسٍ، في قلْبِ خليةْ
لكنْ وصلَ الخبَرُ الأجْوارَ
و الأفعَى انتَحرتْ غيْظا
و الخبَرُ المدْفونُ يباعُ
و يشاعُ...
أن الإخْشيديَّ ترأسَ عرْشَ الأدبِ العربِي
تعبَ الأستاذُ ولم يفْهمْ
فشل الوُسطاءُ ولم يفْهمْ
قال الشّاعرُ لمّا أيْقنَ
إن الكَافُورلا يَفْهم
إن الشِّعرَ شقُوقٌ في قدمَيْه
إن حاول دوْسَه
....يُدمِيه
ــ 4 ــ
هُنا في المدينةِ لا شيءَ غيْري
أعبِّئُ صدْري من الصَّبرِ حينا
ـ أتصْبرُ يا من طُعِنْت ؟
وصرتَ كمدفأةٍ للرَّمادِ
و أنْت الصَّدَى
شكّل العاشِقونَ الفَضيحةَ تلْو الفَضيحة
و ما في يديْك سِوَى
دفْتر وقَريحة
يُكسِّر قلبُك شِريانَه ويفرُّ
إلى أيْن تمْضي بحُزنِك؟
أنتَ الأخيرُ وسوْف تخِرّ
إذا ما سَرى خَبرٌ للنَّقابةِ
يُوحي بأنّك ثائِر
و زلْزلتِ الحافلةْ
و بعضُ الرِّجالِ أقامُوا احْتفالا
و كانتْ لزوجتِك الدَّمعةُ الفاصلةْ
و لم تبكِ
سرتَ
و فوقَ لسانِك صفْصافةٌ أينعتْ للرِّياحِ
و مثلك سنْبلة مثقلةٌ
أتوقِنُ حتّى الفجيعَة إن الكتابةَ سوطٌ؟
و للأهلِ صوْتٌ
و لكنَّهم عايَنوا شاعرًا
يستجِير بامْرأة من حَرامٍ
فماتَ و ما كانتِ القاتلةْ
و كمْ ركلَتهُم نساءٌ
......و ما انتَصَروا
و كم عاشرُوا الذلَّ
......و افتخرُوا
***
و لمّا اشْتكَى عُمدةُ الحيِّ للشَّيخِ
كدتَ تثُور على الشَّيخِ
رغْم التَّجاعِيد
و الشّيخُ شابَ، تلعْثمَ في ذِكْر
أحلامِهِ الفوْضويَّةِ
ينسِفُ آتيهِ مُتَّكئا بعصَاه
على رِزمةِ الأمْسِ:
ـ لا يا صبيّةْ
لك الحقْلُ والسّانيةْ
لك السّطلُ والجابيةْ
فللأرضِ طعمُ الغبَارِ
على شفةِ الرِّيح
للأرضِ سيْل الجَريحِ
و نحنُ ابتدعْنا لتونس فاكهةً
في عناقيدِها الداليةْ
و نحن نصَارعُ شمْسَ الجنوبِ
و ريحُ الشّمال ولا نسْتبدّ
و نحن الرِّجالُ...الجِبالُ التي لا تهدُّ
فقل: ما الكتابةُ يا شاعرَ المهْزلةْ؟
ـ اشْتهَاء
و قل: أين تاريخُنا؟
ـ انتَهى
لمن تونسُ الآن ؟ قلْ
ـ لبائعةِ اليَاسمين
لبعضِ النِّقابات
للمُومِساتِ؟
و تونسُ لوحةُ وردٍ وكم تشْتهيها القبلْ!
لمن تونِس الآن ؟
إن لم نَخفْ لكنةَ الشَّيْخ ...
قل:
ـ تجهَلُ المكتباتُ المقابر
إذْ ترْفعُ الأرْضُ أنْصابَها
و ترى جَحفلَ الشُّهداءِ كظِل
فسمّ بلادَك، تونسُ،هذي:
عجُوزًا
و طاعنةً في الشُّحوبِ
و لكنّها حينَ تلْمحُني عاشِقًا
تحْتمي بالمَساحِيق
لو أنها صارَحتْني
لجئتُ لها من رَحِيقي
و فجَّرتُ في وجْنتيْها الطُّيوب
و تونسُ تهرَب للغَزل المسْتحب
تمارسُ فيّ دلالَ الغَواني
و حين تَراني
أغارُ عليها تفِرّ
و ما كنتُ مجْنونَ ليْلى
" وليلى هنَا نشوَةُ الشُّرب
في آخر اللّيل "
هب: لا أتُوب
لأنّي أرى في شِفاهِك
نبْعا تعسْكر فيه المُلُوك
و في القلْبِ برْجُ حمَام
تحُوم عليه الشُّكوك
و ما خنْتِ...أعرفُ لكنّهم أرْغمُوك
و ها قد كبُرنا وأنت عجُوزٌ
فلا بدَّ أن تأخُذَ الخَمرُ طعْما
إذا نسِيتْها الكُؤوس إلى الخابيةْ
و لا بدَّ للتَّمر من نكْهة الشّمسِ...
شمسِ الجَنوبِ
إذا أحرقتْه وجفَّ
لتونسَ أغْنيتي وحديثُ المقَاهي
و أحْلى الكَلامِ المقفّى
فتونسُ إذ عمَّرتْ في دمِي
عجوزٌ أطلّقُها ألْف تطْليقة
و أعودُ
فراشًا تعوّد حتَّى تعمّدَ
لفْح الفتِيل
و كم يكْتوي و يزِيد !!
تسَائلني زوْجتِي في خُشوع الحَوامِل
ـ لمنْ تكْتوي؟
لمن يَطلعُ الصُّبح؟
ما دامَ لم ينْدملْ
في ظلامِك جُرحُ
يموتُ الفتيلُ وفي رئتَيْه
حنينٌ إلى الانْبهار
و ذات انْتظار
ترامَيتَ حتّى اكْتويتَ
و عدتَ كنادبَةٍ
ودّعتْ في المقابِر سرًّا حزينًا
و زارتْه في كلِّ عِيد
لمنْ تكتَوي وتزيدُ؟
فتونسُ هفْهفَة الحلمِ في مقْلتيْك
إذا ما أفقْتَ
أفاقتْ بقلبِك حسْرتُنا
جمرةquٌ أنتَ قد فاتَك الزّمْهرير
و لا تنتهِي
جمرةٌ ساءها الانتِظار
و قنبلةٌ تشْتهي الانْفجار
و تبْقىَ المَسافةُ للرِّيحِ
ألفَ نهَار
فلا نلْتقي
...كان أوَّلُنا للجِراحِ
و عاشرُنا للرِّياحِ
فقلْ: ما السِّلاح؟
أجبْني لمن تونِسُ الآن؟
ما عدتُ أفْهم شيئا بلا أسئلةْ
ستجْتثُّني من هَجير السُّؤال
و تصفعُني في تواريخِ بلدتِنا
...مقْصلَةْ
.....
هي التِّركَةُ الفاطميّةُ
و كلٌّ سيشهدُ في المحْكمةْ
لنا أو لهُمْ
لا يهُمْ
فحتّى السيَّاحُ استباحُوا إلى المظْلمةْ
لنرفعْ قضِيّتِنا
فالمُحامون لم يلبَسوا زيَّهم
بل بأكْفانِهم ساومُوا
أجبْ بعد:" ما اسْمُك طبْعا"
لمن ماتَ ألفُ شهِيد؟
لتحْيى
لنحْيى، ليحْيى،،،،،
ليحـْـــيى
سأسْتنْجدُ الآن بالعسْكر الفاطمِي
هي التِّرْكةُ الفاطِميةْ
إرْثٌ يبَاع ولكنْ يمَانع في الإنْهيارِ
فيا امْرأتي حانَ وقْت اخْتيارِي
هنا قمرٌ وسلامٌ هنا
وناظورُ مقْبرةٍ لا تَنام
...أنا
وأنت السّفينةُ وامرَأتي
أغازِلُها بحديثٍ مُدام
فتُوهمني أنّها تتلهّى بأشْيَاء أخْرَى
لتُوقعَني من جَديد
تمَاري دلالَ الكبيراتِ في بلَدِي
جَسدِي
يتعرَّى إلى النّارِ في مُقلتيْها
فترْفعُني فوْق نهْدينِ
كي أعْتلي
شاهِقًا شاهِقًا...
لا تكُنْ غيْرَ ما أشْتهِي
فاشْتهيني ولا تَنْتهي
ستمتدُّ ما بين أرْض ونجْم
ستربطُ بين الثَّرى...و الثّريَّا
تسدُّ المَنافذَ تطْرحُ أعلَى هضَابِي
لأسْتعجلَ اليوْم منكَ اخْضرارَ الصَّحارَى
أتيتُكَ قافلةً قاحلةْ
تشقُّ المدينةَ عاريةً عاريةْ
ــ 5 ــ
هل تنطلِي تلك الحِكايةُ في الزَّوايَا؟
أصْل الجوابِ إشاعةٌ
مرِضَ الوَليُّ
و عادَه الخوْفُ
قال المعزُّ لمُخْبريهِ: تفرَّقُوا
لا كأسَ لي حتَّى أعبِّئكمْ وصَايا
أصْل الخرَافةِ خدعةٌ
شَكرَ المؤرِّخُ
كلَّ ما كذِب الكِتابُ
الشَّاشةُ الصُّغْرى: نُباح
و الشّاشةُ الكُبْرى: الشّوارعُ والقُرى
ذيلٌ،صدَى كذِبٍ مُباح
هذي المدينةُ مُومِسٌ
لتبيع أهْلي في الزُّحامِ
كان الولِيُّ هناك مجْنونًا بحنْكتِه
و كان البَحْر يعرِف مدَّنا
و الأرْضُ تعْرفُ ما يُقال على المَنابرِ
نقْشٌ على وجْه الرِّياح
كل الجرائِد سمْسرَتْ
حتّى الوُجوه تقلَّبتْ
كان النَّشازُ قصِيدتِي
هلْ يغْفلُ الشُّرطيُّ؟
أيْقظْناه !
كم ورْدةً مِنْهم لنا سَرقَ الصَّبيُّ؟
ـ إيَّاك ...أوْصيْناه !
قلْ...يا قصِيدي
قل: كمْ نحبُّ النّاس!
و صبيُّنا المشبُوهُ أوصَلْناه ...
حتّى ألفَ عامٍ
ألْف عَام " بينَ قوسيْن "
القُرى يلْهي حدائقَها النّديبُ
على الزُّهورِ
تنْمو بها مع كلّ فاجعةٍ قصور
قل ما يطيبُ
- هل سَوفَ يمْضي الشَّيخُ في عالم البِلاد؟
ما عدتُ مطْلقًا!
كم شنَّ عزْرائيلُ من حرْبٍ؟
على صنْع البلادِ
ما عدتُ أومنُ أنّ برْدَ الموْتِ
آخِرَةُ العِبادِ
قل ما تريدُ
تلك المدينةُ أصْبحتْ قبْرًا ومهزلةً
لتمْثالِ الصّدِيد
لا الأرْضُ تعلمُ أن...
أنّ الله
صيَّرَنا العَبِيد
بَلدي تُحرِّكُه عَصا مجْنونةٌ من لكْنةٍ
فيعجُّ تصْفيقُ الذُّيولُ
أوّاه
من رَسمَ الإطاعةَ بدعةً !
اللهُ؟
غابَ عن المجَالس فجْأةً
أخليفةٌ؟
تكْبو القصائدُ عنْد بابِ الحقِّ
يصْفعُها الوعِيد
قلْ ما تَرى
و كمَا تُرِيد
الشَّعبُ لي....لأحبَّهُ
حتّى وإنْ نصَب المشَانِق
شنقَ القصَائد
وَلد اللُّصوصَ
كتَم المَوائدَ
راشَني...أوْ داسَني
يكبُو الجوَادُ، نعمْ، وينتفضُ العَبيد
ــ 6 ــ
بينَنا يخْتفي وطنِي
بيننا قصَّةٌ ...
ليسَ يَعرفُها السَّاسةُ الماكِرُون
لي الآن أحسَنُ ما يَملِك العَاشِقون
وطنٌ...
ليْس لي الشّبرُ من أرْضِه
وأعشَقهُ
وقارِئةٌ تحْتسِي الشِّعْر عنْدي
ويلْسعُني حبُّها المسْتميتُ
فمعذرةً إن نَسيتُ
كبعْضِ الرِّجالِ إذا أفرَطُوا في الوفَاءِ
أنا أمْلكُ الآن بيْتًا
و(رَامِي) الذي يَستفزُّ التَّعَب
آن لِي أن ألاعبَهُ...أن أداعِبَه
كلّما أمُّه انْشغلتْ بالغَضَب
قائلةْ:
ـ رجُلٌ عنيدٌ
ستموتُ مقهورًا...ومُحْتقرًا..
و أوْ...أوْ..
أو تُغرْبِلُك المَنافِع
و أقولُ لي:
يا أمَّ رامِي بلْ...و بلْ...
سأظلُّ محْروقَ الأصَابِع
و القلبُ نارًا كيْ أضِيء
ستَظلُّ أمِّي/بَلْدتي
ستظلُّ نادبتِي الوحيدةْ
مطرٌ سينزلُ في الخَريفِ على المَدينةْ
خبرٌ يجيءُ يدقُّ
شارعَها الوَحيد
العمدةُ المخْلوعُ يرْفَل بالحَدِيد
و يُقال لِي:
ـ ماتَ الوليُّ على المَنابِر
ذُبِح الخروفُ على المقَابرِ
و الشّعبُ في فلَك القَصيد
و يقومُ عبْد الله يتبَعُه الخَبر
و يعودُ من رَكبَ الحِمَار
و تعودُ تونِسُ من جَديد..
البرادعة ـ المهدية 1983 ـ 1985
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وطن العنب
مِنْ أيْن تأتِى الرِّيحُ
يا شجَرَ الشَّوارعِ
من أيْن يأتِيك الحَريقُ؟
هي الجُدرَانُ شاخصةٌ كجَاسوسٍ غبيٍّ
هي الحاناتُ يتْبعُها النّعيق
أيَا جاسوسُ... قِفْ
ــ ما اسْمُ الشّراب؟
عربٌ كعنقُودِ العنَب
كثُرَ العَصيرُ هنا كما نسْل الذُّباب
و الكأسُ شاربةُ الغضَب
الكأْسُ أوَّلُها انْتشَاء
الكأسُ آخرُها تعَب
شَجر الشَّوارعِ شاهدٌ
يرْمي بأجْيال الورَقْ
من أيْن يلْدغُه التُّراب؟
من أيْن يأتيهِ القَلق؟
سيمُرُّ قرْنٍ والسّكارَى في شغَب
سيمرُّ قرْن والبِلاد...
..........وطنُ العنَب
1988
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطيبتي
نامتْ وحيدةْ...
و بقيتُ كي أفْتضَّ ....فاتحةَ القصيدةْ
أيّهُمُّها..
إنّي دفعْتُ اللّيل قُرْبانا
لقافيةٍ عنيدةْ؟
إن بتُّ أُسكَبُ في الوَرقْ
هي نائمةْ
و فَمي به بعضُ السّجائر تحْترقْ
قالتْ:
ـ "...وكمْ أكرَه الشِّعرَ في غيْر ممْلكتي
ثم نــــامتْ
وحيـــــدةْ
و حين تفِيقُ الخَطيبةُ مثل القصيدةْ
فلا شيءَ يعنِيها سِوى
إنّها امرأتِي الوحيــــدةْ
1985
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقدة الكلب
كلّما ينْبحُ كَلْبٌ
وتتْبعهُ النابحاتُ
أشتَهي خِرقةٌ من حَياءٍ
لأرْسمَني شَكلَ حبْلِ غسيلٍ
لتلْك الطّيورِ الأبيّةِ
فمنْ ساءَها؟
يا إلَهَ العدالةِ حتّى الطّيورُ الأبيّةُ
تمسخُها قططًا وكلابًا؟ !!
لِم الشَّعْب ـ هذا القَطيعُ الذي
كمْ تورّطتُ فيه ـ يوَرِّطُني؟!
لماذا إذا قامَ في الأرْض كلْبٌ..
أصَابه داءُ النُّباح؟
لنا في قطيعِ المحبَّةِ طعْم الجِراح
لنا عقدةُ الكلْب
إنْضَحَكَتْ(*) في الكَلام
لنا عقْدةُ الكلبِ
و الكلبُ علَّمنا الانْحدار
و علَّمنا وِجبةً في الوَفاءِ/ الغبَاءِ
و حفّظنَا لكنةَ الببَّغاء
(*)كتب الفعل هكذا لغرض الصورة.
1988
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الالتقاء
يتُهَا المَرأة الرائِعةْ
عندما تغْضَبين
تقُولين أشْياءَ واضحةً في دَمي
لماذا سكَتّ
و لمَّا يزلْ صوْتك العذبُ
ينسج أغنيةً
من براءَة عصْفورة جائعةْ
يتُها المرأةُ الرائعةْ
لماذا لمَمت الحقيبةَ ؟
هل ترْحلين ؟
إلى توبةٍ عند حاشيةِ الصومعةْ
سألْهِمك الغضبَ السّاكن الآن فيّ
فلا حبَّ يجْمعنا قرْبَ هذا الوليّ
أمزِّقُ أحْلامنا
و الحجابَ
و أشْباح دينٍ
تآكلَ في لولب الفاجعةْ
يتُها المرأةُ المفزعةْ
عندما تغْضبين أحبّك أكثر
لأنّ القوانين
و السّجْن حتّى السّلاطين
كلّ سيَنْهار في لعِب الزوبعةْ
أنا...عندما تغْضبين
أرى وطَني شامِخا في الجَبين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن أكون وزيرا
أنا لنْ أكُون وزيرًا
و لن أغْلقَ البابَ في وجْه أمِّي
لأنّ التَّجاعيد في وَجْه أمّي
تصَادفني لوحةً في إطارٍ
على مكتبٍ في الوزارةْ
***
أنا لنْ أكُون وزيرًا
لأقْسم دهْرا ، على مَضَضٍ
أن أسِيرَ على وقْع منْ في الصّدارةْ
وأنتَخبَ الشَّعْب لي
ثم ضدِّي
و أدْخلَ في عُلبٍ لا تؤدِّي
و لا أشْتري حاجبًا يُرتَشَى
ليصنّفَ أهْلي
إلى موْعدٍ ليس يأْتي
أنا ...لسْت اخجَل منك تفاصِيل قُوتي
فلي عمَلي ...ويعلِّمُني الكبْرياء
تعالوْا
إذا يمْلحُ الجرحُ فيكُم
و يرتفعُ الضَّغطُ في دمِكُم
لستُ أعني إلى سائقِي
بل إلى شاعِر يشْتريكُم
بما في الوَزارةْ
***
أنا لنْ أفصِّل صدْري من أوسِمه
فالنّياشين تمْتصُّ شِعري
و هل تُصْنع الكلمةْ؟
من حرِيرٍ و من ذهبٍ؟
أو من الجنَّة القادمة
أنا مثلما اعْتدتُ في كلِّ ليلةْ
أزيدُ القصيدةَ سطْرا
و أمضي إلى امرَأة مُفعمةْ
***
أنا لا أحبُّ الكواليسَ والاجْتماع
فلي وطنٌ من قوافٍ...
و أسْلحةً من ورَق
و لي مخْبرون
.....و ألسنةٌ...وقلاعٌ
أنا ملك أصْدر الأمْر شِعْرا
و لكنَّني مَلكٌ من عَرقْ
أنا لن أكونَ وزيرًا
أنا شاعرٌ
و أظلُّ صغيرًا
1989
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملك و الرمانة
اشْتهَى ملكٌ
مثل كلّ الجياعِ
أكلَةً قَرويّةْ
كان لا بدَّ للملِك"المُتواضِع"
بيْن قوسَينِ
من حفْلةٍ دمَويةْ
كذبحِ خروفٍ ، كبحرِ بعيرٍ
و لا بدَّ للملِك المُتشعّبِ
( بيني وبينك) من مسْندٍ وحصيرٍ
***
ملكٌ يشْبه المُتطفِّلَ
هلْ يستحقٌّ الكرامةَ ؟
ـ لا فوْق ما يُستَطاع !
كانَ لا بدّ مِن فرصَةِ الاجْتِماع
و منْ جلسةٍ في الغُبار
أو إلى ظلِّ زيتُونةٍ ساحِليةْ
على صخْرةٍ
و لذا فكّر المُسْتشار
فلا بدَّ من حِيلةِ الاعْتذار
أو الانْتظَار
***
ملكٌ كالملاكِ
بَدينٌ ـ لكيْ لا أقُول كمَا الفيلُ ـ
لكنْ على غَير ما قدْ تظنُّون
يهوَى الحَراك
كادَ أن يُسْتضافَ إلى
كِسرةٍ...
و إلى لبَنٍ في خزَفْ
و اشتَهى...
ـ إنما...لا يليقُ بكمْ
مجْلسٌ في العرَاء
سلّموهُ هديَّتَكم فالأميرةُ حبْلَى
فمدُّوا إلى الملِك الضَّيْفِ رمانَةً
وضعتْها الأمِيرةُ في طبَقٍ من ذهَبْ
حجَبتها عن الرِّيحِ والشمْسِ
و العينِ
رشَّتْ على جانبَيْها البخُورَ
و همَّتْ بإشْعالِ نارٍ
و لم تغْفل القابلةْ
غير أن الهديَّةَ إذ غضبتْ
آخرَ اللَّيل
انْفجرتْ قُنبلةْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جنازة الولي الذي قد يموت
لكيْ لا أطِيل
و حتّى أوضّحَ وجْهًا من المسألةْ
كانَ شيخٌ يعمِّرُ في القريةِ النَّاشئةْ
...ثم مات
و كانَ يحِبُّ التَّعالِي
و يختالُ في هوْدج البركَات
تعثَّر بعْض الرِّجال بذيلهِ
حتى اسْتطالُوا
و قالوا:
ـ " هو اللهُ لولا وجُود الإلَه
...و كمْ كان في الجاهليّةِ من آلِهه ! !
إذنْ، فرَضا ،
انَّه أوّلُ ربٍّ تهادَى على الأرْضِ
آخِرُ من جاءَ بالفرْضِ
أوّلُ من جادَ بالخبْزِ والتُّوت
كيف يمُوت؟
و نحْن نزُورُه في الثّالثِ من كلّ أوت
وفي كلِّ عامٍ؟
و نرقُصُ حتى انْبلاجِ الصَّباحِ
فما قيمَةُ الأرْضِ من غيْر شيخٍ؟
و كيْف يشدُّ بأرواحِنا ويموتُ؟
و ان عجّ في رأسه العنكبوتُ
سنهْديهِ أعْمارنَا
ثم ما شَاء
من قسْطِنا في الجِنانِ
و نمْشي إلى الله
و هْو على رأسِ أوَّلنا
نطلُب أعْلى المناصِب والمنزلةْ
لكي لا أطِيلَ
و حتّى أوضِّح نفْسي من المسْالةْ
ـ لم يعُدْ بلَدي
يحْتَوي
شارِعًا،شاعرًا
حارةَ،
حانةَ
او رضِيعَا
بلا مهْزلةْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرثية الأصدقاء الأحياء
إلى كل الذين روّضهم الحاكم واقتادهم إلى حضيرة الحزب الحاكم
فتنكروا لمبادئ المسيرة
قفُوا...ثم مُرّوا
لم يزلْ حقْدُكُم يستَبدُّ بنا
و خيانتُكمْ تسْتمرُّ
و اسْحبُوا ظلَّكم من هُنا
ثم كالرِّيحِ مرُّوا
هنا امتدَّ ألفُ شهيدٍ
كما شجَرٌ لا يخرُّ
و قريتُنا...
دمُها يتخَثَّر فيكُم
و لكنَّ ترْبتَها لا تُذرُّ
و إن عجَّجَتْ في عيُونكمُ
سوفَ لا، لا تذَرّ
قفُوا...
سبِّحوا باسْم سيِّدكم
نكِّسوا الرَّأس كي تسْتَحوا
ثم هاتُوه زوْجاتكُم
ربَّما صار قِسّا...وليّا
ألا فاسْتعيرُوا كرامَتكم
فالكرامةُ في رهْطِكم
تستَعار ولا ....
تسْتـ....قرُّ
قفُوا ... ثم كالظِّل مرُّوا
لقد كان في البدْء
ريحًا
تعلِّمكم كيف تنفَتحون وإن
....تتعرَّوا
لقد كانَ في البدْء بعضُ احْمرارٍ
و كانَ لكم وطنًا ثم بيتًا
و تمْرًا
و كنتم تبِيعونَ نَخلةَ مرْيم
و تأتُونها راكِعين
و لمّا اسْتحال المَخاضُ
نذرْتم نعامتَكُم للعرَاء
و قلتُم:
ـ " ألا إن طَعم العَراء لمُرّ "
قفُوا جيّدا...جيِّدًا
ثم خرُّوا أمَامي
أنا شامخٌ دونَكم
شامخٌ مثل جلمُود صخْرٍ
وانتُم....حُطامي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موسكو منتصف الليل
هو الآن منْتصفُ اللّيلِ
ما عاد شيءٌ يُسامِرني
قَلِقٌ
فمتَى يفْهمُ الواقِفُون
أمام الحَواجِز...أوراقي العَربيّة
***
أنا الآن مُنهمكٌ بالسَّفر
و هل كان لا بدَّ من سفَر ؟
و تونسُ ما ودَّعتْني بمنْديلها
و لم تعْطِني حفنةً من تُراب
أنامُ على طعْمها
***
هو الآن مُنتصَفُ الليْلةِ الباردةْ
ألحُّ على الدِّفْء
أنجُو من الجُوع بالبسْكَويت
وأحْكي لهذا الجَسدْ:
ـ" انشَغلْ بالتأدُّب يا صَاحبي
وأدِّ التَّحيَّة جهْرًا
وفي طعْمها العَربيّ
لَنا بلَدٌ في جَواز السَّفر
وهل كان لا بدَّ لِي من سَفَر؟
وتونسُ ما علَّمتْني انْحنَاء
غيْر أنّي وكلِّي اشْتِهاء
الى وجْهةِ البَلد..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعترافات الفتى الصّوان
حجَرٌ...
حَجرْ..
ها نفَدَ الحجَر
و لم يزلْ في قبْضتي الإصْرارُ
و لم تزلْ قصُورُكم جراحًا
ينكَؤها الخبَرْ
هل أنزلتْ سماؤُكم سلاحًا؟
هل أمْطرتْ حجَر؟
لم انتظِرْ
وإنَّمَا رسَمتُها
فراشةً نفّاثةً
حربًا على كرَّاستِي
لم انفَجِرْ
ـ الوقتُ لم يحِنْ ـ
لكنَّني سألت عقْد أمِّي
لو تعرِفون سِحرَ عقْدِ أمّي !
مزّقتُه...رميْتُه
من واجِبي أن أقذِف الحجَرْ
فالحجَرُ الكَريم...في يَدي حجَر
والحجَرُ الصَّوانُ في يدِي....حَجر
وإنّني خلقْت للمقْلاع
عندما أشدُّ
عندما أشتدُّ
عندَها
أصيرُ صخْرةً تُجنّ ثم تنفجِرْ
ومثلها الضُّلوع
والأطرافُ
هذا جَسدي المكْبُوتُ...ينْفجرْ
شظيّةً..شظيّةً
لو نفدَ الحجَر
أهدُّ بيْتنَا لأوجِدَ الحجَر
أهد بيْتكم وحيَّنا
ليكثُرَ الحَجرْ
1980
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرارة السكر
منْذُ ألف صَباح..
زبدٌ وكلامٌ ولا أسْتَحي
فأطلُّ من القلْبِ من فجْوةٍ في الظَّلامِ
وأُوغِل في اللَّغْو
مِثْل الكِلابِ إذا أبْدعتْ في النّبَاحِ
مضَى نصْفُ قرْنٍ
وقرْيتُنا مثل ناعورةِ الرِّيحِ
تنتَابها يقْظةٌ
ثم تركُضُ حتّى إذا اكْتملتْ شُحنةُ الرِّيح
أو غيَّرتْ وجْهها اسْتنْجدتْ بالغُروبِ
هي الشَّمْس تركُضُ نحو الغُروبِ
هو العالَم الآن يفْنَى
هو الحُمقُ كمْ يتفَرْعَن فينا!
وقرْيتُنا اسْتعجَلتْ وهْمها
تمدِّدُ أحْلامَها بين ظِلّ وظِلّ
ــ أهذي الوَصية سيِدتي؟
ــ أبَدا أكَد الشيخُ كان يسَبِح
للخَلق والخالقِين
سنسْتقبِل اليَوم أحْلى الفصُول
سنزْرعُها الأرْضَ من جُلنَار و نَار
سيحْلو لنا البحْرُ
يمْشي لنا التَّمرُ
نذْبح بَعْض القَرابين
في لحظةٍ يسْتقيمُ المدَار
وهلْ هكذا يسْتقيم المَدار؟
****
هي ذي قرْيتِي
أمْطرتْ ذات قهْرٍ على غيْر عادتِها
أعلنَت كل تلك الكِلابُ
على غيْر عادتِها...
هُدنةً لاحْتضانِ المَطرْ
صمَتتْ للخبَرْ
ليلةً كاملةً
يشْتهيها اللُّعابُ
فكِدْنا نَرى قرْيتِي مقْبرةْ
كلّ تلك الكِلابُ/الذِّئاب
أبدعَتْ في الوَفاء
ثم مدَّتْ خياشيمَها
واسْتمرَّت ترَاقبُ ذيْل الرِّياح
ولمّا بدا أبْيضُ خيْط
تنصَّل من رَحِم اللّيلةِ المُظلمةْ
أوْغلَت في النّباحِ
ـ ـ ـ نحْن قلْنا الخَبرْ
واعتصَرْنا من السُّحبِ العابراتِ
...المطَرْ
****
هي ذِي قرْيتِي
غيْر أني نسِيت ...
آن أقولَ عن السُّكَّر المُرِّ شيئًا
... وأشْياء أخْرى...
نسِـــــــــــــيتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
امرأة الإقطاع
يُرْوى...
أنّ امرَأةً في قَرْيتِنا
أكلتْ حلْوى
في زَمنٍ غيْرِ مناسِب
في زمَنٍ زِفْتٍ
امرأةٌ لا تخْجَل حين تلُوك الحَلْوى
عارِيةَ الأسْنَانِ
لا تسْمعُ ما يُحْكى
عن تعَبِ الجَوْعى
في زمَن الرُّعب الإنْسانِي
***
امرأةٌ تأكُل في الشَّارِع
و أنا جائِع
أَلتهِم الغُلْبَ وأحلم بالألْوان
***
امرأةٌ تأكُل حلْوى
والأعْيُن تأكُلها
في زمَنِ الأطْمَاع
كانتْ تُغْري النَّاس بنهْديْها
و تبيحُ لعَينيْها
أن تعبَثَ بالشَّعبِ الكادِح
و تمارسَ فيه الإقْطاع
***
امرأةٌ لا شَعبيّة
تحتَرفُ الأكْل
و حرْبَ الأعْصَاب
تأكُل.....تأكُــل
ما أكْثر قسْوتَها
في زمنٍ محْشوّ بالأتْعابِ
امرأةٌ إقطاعيّة
لا يتزوَّجُها غيرُ العُمدَة
أو من يرْكبُ ظهْر العُمدةِ
في القائمةِ الرسْميّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الريح
ريحٌ!
لكِ الآن صَدْري فهيَّا اسْتريحِي
هي الأرضُ مقْفلةٌ بالضُّلوع
هي الأرْضُ شهْوتُنا
ولنا وطنٌ من شُمُوع
ومنهمكٌ في الجِراب
ريحٌ لتسْأَل ريحًا:
ـ هل الفصْلُ مشْكِلة؟
والبساتينُ مقْفلةٌ؟
والفِجاجُ مضِيقٌ؟
لك الرِّئتَان حرِيقٌ
لك الصَّدرُ مِجْمَرةٌ
إذ يُتمْتمُ قلبي
أزفُّ إلى القلْبِ نَوبتَه القاتلةْ
فلا الأرْض تقْتاتنِي لا السَّماء
ولا القبرُ يرْفعُني..كي أمدِّدَ نعْشي
فيا ريحُ لا تنْهَضِي
تكسَّرَ ظلُّ الجِدارِ على شقْفَتين
فلا تدْخُلي
نما الورْدُ فوْق الغُبار....
فلا تغضَبِي
فللأرضِ نِصفَان
مقْصلةٌ واحتقار
ومِجمَرة الانْتِظار
هي الأرْضُ نِصْفان لي فاسْتبِيحي
هي الأرْضُ صَدري
فهيَّا اسْترِيحي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإجهاض
لم يمُتْ كلُّ شيءٍ هنا
مضتْ سنةٌ ثم أخْرى
يضَاجِعنا قدَرٌ
يستدِلُّ بنا قمَرٌ (كَذبٌ)...و إشَاعةْ
تولدُ زيْتونةٌ خاشِعةْ
نلمْلمُ بعضَ التُّرابِ على جِذْعها
(كذبٌ: لا نحبُّ الزَّياتين بل زَيتَها)
سوفَ يكبُرُ جِذْعٌ
ويورِق فَرْعٌ
ونحْــلبُها
ثم نحْرقٌها
***
مضى نصْفُ قَرنٍ على عِشْقها
( كذبٌ: نحْن لا نعرفُ الحبَّ أصْلا)
هل نعيبُ على الأرْضِ ما كان قحْطا؟
هي الأرضُ تنْدب في مَسْخَره
مضتْ سنةٌ ، ثم في ذاتِ رِيح
نمتْ موْجةٌ واسْتقرتْ
على القصْرِ والمَقبَرةْ
مَضى وطنٌ من يَدي
مضَى ثم ...ما عادَ لي
كذبٌ ما كذبتُ عليكُمْ ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جبل بو قرنين
جبلٌ بقَرْنَين
كالرَّجلِ المخْدوعِ
لا يرَى شبَحًا
بلْ لا يرَى منْ
يدُوسُه في الفِراش
جبلٌ تضَاجعُه الطُّيور الوافدَاتُ
من خلفِ البِحارِ
فيُولَد ،أو فنُولَد، كالفَرَاش
جبلٌ جَبان
يتحدَّى الشَّمْس يحْجبُها
و يشرَبُ من دِماءِ الواقفَاتِ
من الشَّجرْ
جبلٌ يعمِّرُ في بلادي وما تعِبْ
جبلٌ نخيطُه للصِّغارِ
من الكَذبْ ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصفور الجنة
ولدٌ يسْتريحُ على كتِفي
ثم يسألُ أين البِلادُ؟
الطَّريقُ تؤدِّي إلى كُومةٍ من رمادٍ
تحْملُ الرِّيح رائحةً للكَلامِ
و قطًّا شقيًّا
و أخبارَ بعضِ النّساءِ...و لصًّا
***
توسَّدنِي ولدي للسُّؤال:
ـ هل ترَى لي مفرًّا؟
ترى هل تخيَّلتَ لي
موقِدا و مقَرّا
ـ لم تذُقْ بَعدُ هذا الوَطن
أزرَقَ...
أزرقَ....
ثم...
مرًّا.....
قال:أشْياء ممْكنة في رؤَاي
تسلَّقْ
ـ تثعبنَتِ الطُّرقُ الماكرةْ
واستفزَّ الحَنين خطَاي
تسلّحْ
تر الأرضَ قنبُلة...أو مدَارًا
فهل ولدِي ضاعَ مني اختيارًا؟
ثم أشعَل شمْعتَهُ البَاقيةْ
وهدَّم عرْشَ الظَّلام