ذاكرة النّار




ذاكرة النّار

 

1

في البدْءِ كانت النّارُ

للعاصفةِ ذاكرةٌ تحفَظ النّارَ وتعلّمها الاشْتعال

تُوقَدُ النَّارُ فتأكل أحْطابَها لِتَضْمَنَ حياتَها. وإذا أصابَها الموْتُ تدُورُ على أحْشائِها لتجْعلَ منها رمادًا تذْرُوهُ الرّياحُ وقُودًا للعَاصفةِ القادمة.

تتحاشى النَّارُ لسْعة الماءِ وصفْعَته وهي تفتخرُ بأنها من صُنعِ الإنْسان فقد بنى عليها حضارتَه.أما عدوُّها الماءُ فيتدفَّق من بطْن الطّبيعةِ ويقوم بدورةٍ في الفَضاء ثم يعودُ إليها وهكذا...

ملاحظة كان عليّ أن أسوقها منذ البداية: لا تُبْنى الثوراتُ الحقيقيّة إلا على النّار ولا ينجزها إلا أصحاب القلوب الغليظة.

 

هذهِ النّارُ قد أوقِدتْ منْ حجَرْ...

....وكانَ البِدائيُّ يبْني الحضارةَ

خَوفًا من الغَابِ

كان يُخَاتلُ غَدْرَ الذّئابِ

ويمْشي مع الشَّمسِ يعْبدُها 

ويموتُ بحبِّ القَمرْ

يُهَندسُ دبّابةً من صُخورٍ

ويخترعُ النّارَ

من قرْعِ خدِّ الحَجرْ

...لم يكُنْ مُسْتعِدّا

لِيَخْترِعَ النّارَ في الأرْضِ

لولا اعتِرَافِ السّماءِ

بِمِلْكِ المطرْ

 

2

فراخُ الحجلة لا تحبُّ الطّيران جماعاتٍ فما أن تفْقصَ البيْضة حتّى تنْفضَ نسَبها وتسْعى على الأرض بدون وجهةٍ.

نرى الطّيور الأخرى تهاجِر جماعاتٍ فنعْجب بها ولكنّنا لا نفعل مثلها.

مرَّت فصولٌ ولم نتعلّم من العواصفِ كيف نحضُن بعضنا فندفأ.وكان علينا أن نفترِقَ فتفرّقْنا وأن نختلفَ فتَخالفنا. غرّبَ من غرّب وشرّق من شرّق.

توالدنا فكثُر أحفادُنا وتوارثوا أحقادَنا.

حملنا عُرْينا وعارنا واستوطنَّا أرضَ الله.

هكذا كانت قبيلة  بنُو حِمْير تنثر العرب فُتاتا على كفّ العاصفة وتنتظرُ.

ظلّتْ تنتظرُ كأنّ الانتظار سمةُ العصر.

كأن الإنسان خلق لينتظر ولادتَه ثم موتَه.

حفْنَةٌ من غُبارِ الصَّحارَى

تجمِّعها هدنةٌ

ثم تنثرُها الرّيحُ

في كل ناحيةٍ فتنةً

و صدًى

هي ذي أمَّتي

فقأتْ بيضَها ورمت بالفِراخِ

لريشِ الحَرام 

...

وكانتْ بنُو حِمْير

تتهجّى الحروفَ وتنقشُها

في رخامِ العواصفِ

كالوشْمِ

كانتْ تـُخَبِّئُها تحْت خيْمتِها،

تعْتني بالخرافةِ

 وتوزّعُ بين الحَكَايَا النّقطْ

أمّةٌ من كلامٍ فقطْ 

تحطُّ القبابَ على صمْتها

وتحبُّ القصائدَ والسّحرَ

 في قَصَص الأمَراءِ

وتكْتُمُها

وتسيّجُ ممْلكة اللّغوِ

أمّا إذا نطَقَتْ

فتُوجِّهُ ألسِنَةَ الصّبْرِ نحو السّماءِ

***

 

كانتْ بنو حِمْير

قد أسدلتْ بابَ خيماتِها

واختفتْ في الظّلام

مرّتِ الرّيحُ والشّمسُ

أخرجتِ الأرضُ ما أخرجَتْ

من نفيسِ الحجارةِ

والنّفطِ

والأقحوان

نبتَتْ مدنٌ واستنارتْ فوانيسُها

والجبالُ الشّماليّةُ اخضرّ شاربُها

غيّرَ الطّيرُ من حولِها

.............ريشَه

ثم هاجَر مكتشفًا في الفضاء

.................رحابتَه

ثمّ طار إلى الله بحثًا عن العرْشِ

في العُشِّ

في ناصِياتِ السّحَاب

قبيلةُ حِمْير

لا تزالُ على بيْضِها

تحضنُ الأمراءَ

إلى أنْ يصيرُوا ملوكًا 

فان ملَكُوا الأرضَ واستوْطنوها

أقاموا القبابَ بأجْداثِ أسلافِهم

وبنو حِمير كانوا يجِلُّون أوثانَهم

ويصلّون للهيكلِ الحجريّ

وقد نحَتوه على شكْل ربٍّ

يناسبُ أحلامَهم  

دارتِ الأرضُ حتّى غزا الكافِرُون الصَّحَارَى

 رأوْا  أهلَ حِمير

يقتلِعُون الحجارةَ من وثنٍ

ثم يبْنُون منها قبابًا ومحرابَهُم

ويُصلّون من خِشْية الزَّمَنِ القادِمِ

كانوا يخافون

من خطوةِ الألفِ ميلٍ

فما أطلقوا سيْرَهم للمَدى

***

وما بُهِتَ الكافِرُونَ

***

وصارتْ بنو حِمير

مملكةً وقبائلَ تسْعى إلى فرقةٍ في البلاد

تنازعتِ الأرضَ

والعرضَ

والشّعرَ

والأمراءَ

تقاسمتِ الماءَ والملح

َوالغدْر

والثّأرَ

والادّعاءَ

وُلدتْ تونسُ ما بين ماءيْن

ناءتْ بألوانِها

حملتْ خيْمةَ الانتماءِ

وطارتْ بأحلامِها

وجمَّعتِ المُولعِين بأعْراسِها

كثرُ اللّغوُ من حولِها

والشّكوكُ تفشّتْ

كما انتشرَ الخَبرُ الشّؤمُ

بين العجَائزِ

توالدتِ الأسْئلةْ

من نكون ؟

وهل نحْن.... بَربَرُ أمْ

لوبيونَ

ايمزيغٌ

وأفْريقيونِ

وأحفادُ قرطاج

أم عربٌ

أسلَموا ثم خاطُوا لإسلامهم

ألْف فتْوى وطائفَة ومذاهِب شتَّى

وتونسُ ترْمِي عصاها على مذْهبٍ

مالِكيّ؟

حنفي؟

حنبلي؟

شافعي؟

أم تشيّع بربرها انحِناءً إلى الزّوْبَعة

***

3

هل نعيبُ على السهول سعيها إلى أن تُنْبِت العشْب والزّهر والشِّعر ؟ ولماذا  نتّهمها بالجدب؟

لم يقترف الطَّيرُ المهاجرُ ذنوبا حين بنَى أعشاشَه في قمّة جبلٍ آمنة.فلماذا لا نبارك حرصه على حماية فراخه؟

 

نَحْنُ عِشنا

على تَمرةٍ وحليبٍ

و جُعْنا

وبِعْنا التّرابَ

لنبقي على أرضِنا

وصِرنا نبايعُ في كل يوْم رئيسًا

لنرْفع جثّتَه المنكرةْ

فوق أعناقِنا

وكنا عصَرْنا القطيعَ

ليشربَ من جُبنِ شعبهِ حتّى ارْتَوى

ومُتنا ليحْيا

تعبنا وتعْتعَنا الخوفُ

حتّى سَرى بين أحْلامِنا اليأسُ

قُمنا على وجَعٍ

وسرى بيننا الخوفُ

منّا على حالنا

ارْتبكَ القلْبُ

ما بين موتٍ وشبهِ حياةٍ

وأوقفتِ الأرضَ دوْراتها

استوى شاعرٌ بيننا

أيقظَتْهُ السّباسبُ من موتِه

فاحترقْ

صاح في الناسِ

إنّي احترقتُ

وقال كلامًا على غيْر وزنِ السّوابقِ

في شعرنا

 

إذا الشّعبُ يومًا

...

شهيدًا أكونُ الشّهيد

وقال احترقتُ

من الغبنِ 

مِتُّ على غيْرِ عادتِكم

في الجنون

وكنتُ كما الشّعب دوْمًا يُريد

***

4

 

ركِب الخبرُ النارَ وشقّ طريقه في قلب الثّلجِ فأَحْرقَه وأيقظَ الياسمين فأينعَ.

قال شيوخ الدّين انه انتحر وأمرُه بيد الله

وقال شيوخ الدّنيا انه أساء لنفسه وأمره لا يعني المدينة

وقال الشعراء انه كتبَ هذه القصيدة بجسده الملتهب

 

وأفرَّ بالوطنِ المخبَّئِ في الوريدِ

إلى القصيدْ

و أقولُ إني ما احترقْتُ

و ما انتحرْتُ

 و إنما

لأعودَ نحوَ الصِّفرِ

من أصْل الخليقةِ والتُّرابِ

بلا كفنْ

هذي خُطاي

أعيدُها

نحْو انبلاجِ النّبضِ في روحِ الطّبيعةِ

و الهواء

لكأنّما

 

تتوالدُ الأزمانُ من ورقٍ

و من سفرٍ إلى قلقٍ

إلى حيثُ يصْرعُني الوَهنْ

كفنٌ وطنْ

لكأنما أَرْضِي التي تبكِي

على شيْبٍ يغلّفُ رأسَها

تبكي عليّ

الأرضُ نائيةٌ    ..... تمضِي بلا وهَنِ

و النفْسُ خاليةٌ    .......إلا من الوَطنِ

في القلبِ أغنيةٌ    .......حمّلتها شجنِي

***

 5

تُستقْبَل الدنيا بالبكاء،

صيحةٌ واحدةٌ تكفي لتنطلقَ الحياةُ،و هذا ضروري

وتُودَّعُ الدنيا بالبكاءِ،

شهقةٌ واحدةٌ تكفي، و هذا طبيعي

ماذا إذن لو رفض الرضيعُ البكاءَ واكتفى بابتسامةٍ؟

هل يستقيمُ الجسرُ ما بين اليمين واليسار؟

وماذا لو تمخّضت الأرض قبل أن تخرج من صدرها هذه البلاد؟

لماذا لا تبكي الأرض عندما تلد الجبال؟

 سأجِيءُ من وَسطٍ إلى أَقْصَى اليَمين

إلى اليَسار

و أعيدُ ترتيبَ الخُطى

انّي سأحْلمُ بالبلادِ حبيبتي

اني سأَفْتحُ حضْنَها

وسأُسْنِدُ الرأسَ إلى زِنْدٍ حنون

ماذا إذنْ

لو يطْرحُ الباكِي الرَّضيعُ

سؤالَه:

لوْ لم أجئْ تحت البكاءِ

ضحكتُ من فَرْطِ الشماتةِ

في الهُبوط

و تركتُ عُرْيِي آخرَ ما كسوْتْ

كنّا

صنَعنا الأرضَ من دَمِنا

و من وجعِ الحجَرْ؟

آه لو لمْ نضعْ

ـ كالنّملِ ـ

في هلَعِ الدَّبيب

النّملُ لا يهتمُّ بالأكْفانِ

يمضِي ليس يشغلُه الزّمنْ

وطَن كفنْ

يا...

 لو بنينا الأرْضَ من شَفقٍ

صنعنا الله من ألقٍ

سكبْنا من سماءِ الوهْم أنجمَها

و قلْنا:

أيُّها الإنسانُ كُنْ؟

كن تُونسيًّا ما استطعْتَ

لنا شعبٌ يُريد

كنْ ما ترى وكما اشْتهيتَ

اسْتنسِخ الأحقابَ من أذيالِها

أو ولّدِ الأقمارَ من عمقِ الفضاءْ

كن ما تشاءُ

وما تودّْ

أطلقْ لقاحَكَ للعواصفِ ثم خُذ

من نملِ هذي الأرضِ

بوصلةَ الدَّبيب

هذي جحافلُ شعبِنا تجتاح شارعَنا الوحيد

ورئيسُها المخلوعُ

يأكل حقده

كن ما تريدْ

وأدِرْ رياحَك للّقَاح

بلا محنْ

فالأرضُ، كفّ الله

هي رحمٌ ينوءُ بحِمْلِ ما يأتي

وطنْ

...اه  لو كنّا تسلّحْنا بِكُنْ...؟

 

فَرَضًا أموت

كَي يستقيمَ الفرضُ في الرأسِ أقولُ

سأفترضْ

إن الحياةَ بشمسِها وتخومِها

الإنسَ والإنسانَ

والبلدَ الذي يستوطنُ الشّريانَ

قهرًا

سوف يدفعُه النّزيفُ

لكي يموتَ على مِحَنْ

كلّ يموتُ وينتهي

عنقُ الزجاجةِ

والمشانقُ

 والرّصاصُ

 

 

 

وكل شيء تافهٍ

إلا الوطنْ

ولنفترضْ....

كلاّ يطيرُ ويختفي

الحاكمَ الطاغوت

والملكَ الحزين

أفعَى القَصُور

وبِنْتَها

والتابعينَ المُشبعين بسمّها

والاخطبوط

كلٌ يموتُ

ولنفترضْ قبل البدايةِ يا أخي

من قبل أن تأتي الشّراراتُ

 

 

 

التي قد أوقدتْ جمْر الحياة

من قبل كُن...

لا لم يكنْ... فرضًا أسوق

من قبل تلقيحِ الخَلايا

 لم نكنْ بعدُ هنا

سبقَ الظلامُ مجيئَنا

و تراجعتْ أسبابُ هذا العرش

 والملكوت

ولنفترضْ ان الحياةَ تدفقتْ

من قطرةٍ، أمِّ المياه جميعِها،

وتوالدتْ منها البحارُ بموجِها

وتحرَّكتْ نحو الترابِ

 

 

 

 

 

 

 

 

تزوَّجتِ الحجرَ الأصمَّ

تناسلا ذكرًا وأنثَى

وتحركتْ أولى العِظام

نزلتْ سماءُ الشّمسِ فانقشعَ الضَّباب

وسعى الجميع لحاجةٍ

الدّودةُ الصّغرى

ونحلةُ التّعْسيل

والنملُ المهاجرُ والنّخيل،

وصاحب الأنيابِ

والذّيلِ الطويل

لم توقَدُ النّيرانُ

لم نستخرجِ الإنسانَ من بشرٍ

كل سيختارُ مجيئَه

فالكلُّ حرّ كالهواء

كل سينحتُ التّاريخَ من ثلجٍ ونار

فتستوي روحُ الحياةِ على يديه

كلّ يرى

لوْنًا لِدنياه القصيرةِ والمدَى

لا رسلٌ تنوءُ بهمْ سَماءٌ

ولا كتبٌ  تؤلّفُها الفتنْ

كفَنٌ كفَنْ...

ها إنَّنا جئنا افتراضًا

من بزوغِ الضّوْءِ في صِفر الزّمنْ

 

صدفٌ تجيءُ وتمّحي:

الليلُ مندفعٌ....... في راحةِ الشمسِ

والله مرتفعٌ.........  بالجِنّ والإنسِ

إني لَمبتدعٌ........ يوْمي بلا أمْسِي

 لم افترضْ

هندستُ مملكةَ النّشيد

هيّجتُ ثوْراتِ الرّمالِ

على الجبال

وسحبتُ من جمْرِ المذلّةِ ما يجِبْ

لا بل دحوْتُ الأرضَ من نار وثلج

ثم جِبتُ الياسمين

ورميتُ للشّمْسِ الظّلامَ

ونفختُ روحَ الشِّعر في بلدٍ

لينْبنِيَ الكلام

يا أيّها الإنسانُ كُنْ...

كالجمرِ في جسدِ الأضْدادِ كُنْ

كنْ ما تريد...

واقدَحْ شرارَتَك الوحيدَةَ في السّماءِ

تَرَ النّجومَ تربَّعتْ

واتركْ لها وَلعَ التّلاعبِ بالسّحاب

كُنْ

ما تشاء

لا لستَ ادَمَ... قد مضى من بعد أن

ترك البلادَ لحالِها

أرضًا بلا ملكٍ

نجمًا بلا فلكٍ

لم نهْدمِ الأبراجَ 

قد بُنِيتْ

على أسُسٍ الخرابِ

يا آدم المخلوقُ من نَتِن التُّرابِ

يا ... يا ابنَه الكذّابَ قلْ:

إنّي بنَيتُ المُلْكَ من نُتَفِ اغتِصاب

و توالدَ الشّكْلان

فاتِحَة الحِساب

هلاّ إذنْ

شرّعْتَ أبوابَ الحياةَ على الجَريمَة

 

و دفعْتَ أقدامَ الضّحيةِ للعِقاب

يا ...يا ابنَه الكذّاب

كنّا قد منحْناك الأمانةَ

أرضًا وشمسًا ثم أقمارًا

وشكْلا للبِلاد

كنّا التقيْنا حولَ وعْدِ النّافِخينَ

على الرّماد

كنا اشْتهَينَا

ان تجمّعَنا الفُصولُ

بِريحِها وأرِيجِها

لكنها الرّيحُ السّمُوم

تمرّ من حلْقٍ

إلى حلْقٍ

 إلى شوكِ النُّخَاع

ارضٌ تعرّيها الرّياحُ وتشتَكي

بابٌ يُشرَّع في الصّباحِ

على الضِّباع

عارٌ تعافُه الأكْفانُ

والدّيدانُ

إن زحَفتْ عليك فانزاح الكفَنْ

وطنٌ وطنْ

سـقَـطَ الفَسادُ على الفَساد

سَقَطَ الكلامُ على الصَّدى

وتوالتِ الأحقابُ كي لا نلتَقِي

خوفًا على قطْع المخالبِ في الذِّئاب

حوّاءُ تبنِي عرشَها

وتعضُّ أفعَى

كي تفوزَ بسمِّها

وتخيطُ من قرطاج تاجًا للكِلاب

تاجٌ وعرشٌ من سراب

يتجاذبان أطرافَ الكفنْ؟

خطّانِ يا ولدِي ......مُدّا على بلدِي

والرّوحُ بينهما......تسْري بلا جسدِ

قلبي على وطنٍ ....يشقى إلى الأبدِ

 6

للحبّ ثلاثة وجوه.

للوطن ثلاثة أنواع من المحبّين:

الأول: يكفيه أن ينتسب للوطن حتى يحقّ له أن يأكل من لحمه وأن يشرب من دمه وأن يتغطى بجلده.

والثاني:يأخذ بالعقل ما يمنح بالقلب.

والثالث يضحّي من اجل بلاد لا يملك شبرا من أرضها وهو سعيد بذلك.

 

 

 

 

 

من قال:

 حوّاءُ البغِيّةُ قد تتوبُ

فقد كذبْ

من قال:

 آدم قد يشدُّ جموحَها  

قد كذبْ

من قال بينهما غضب؟

يتقاسمان الأرضَ

والأمطارَ

والقمرَ البعيد

يتقاسمان الحلمَ

حتى طلعة الشّمسِ الخجولة

والرّيحَ في عمقِ الفضاء

من قال : بينهما فتنْ؟

 

 

 

وهما كما زيتٌ ونارٌ

كيْ يُوارِي النّاسُ كِذْبهُما

يحتاج ذئبُ الغابِ

أحلامَ الثعالبِ والغراب

هلا ذكرْتَ الأرضَ كيف دخلتَها

حين تراختْ كلّ أعناقِ القطيع

....ركبْتَها

قد كنتَ فارسَها الذي

يأتي على عُسْر

من الزّمنِ الرّديء

ما كان ينقصُك الجواد

وجدتَ سرْجَك والرّكاب

ماذا تبقّى بعد كبواتِ الجواد ؟

 

 

 

أرضٌ بلا خطْوٍ يدلّ

على الظّلال

كفنُ السَّواد

ماذا ترى في قادمِ الأيّامِ قل...

زمنَ الشّماتةِ

والحِداد

يا أيّها الكَذّاب

بحرٌ مريرُ الملْح أعذبُ من سحاب

عطشٌ يشقّ الأَرضَ

أحْلى من سَراب

عشٌّ تؤثّثُه الطّيورُ إلى الرَّحيل

لأجملُ من خراب

 

 

 

 

 

 

 

هذي النّهاراتُ أمامنا

كنّا بدأناها بحلْمٍ جامحٍ

كنا بدأنا العدَّ من صُبْح إلى...

في آخرِ الأسْبوعِ ضيّعْنا الحِساب

لا بل نسينا سادسَ الأيام

إذ دهَم الضّباب

كنا مللْنا الحُزنَ واشتقْنا

إلى ضحكِ الصّحاب

يا...أيّها الكذّاب

هي ذي الشّهورُ تمرُّ و ...

تنتهي

شهرُ الثّلاثين سينتهي

عمرُ الكلابِ وإن يطُول

 

 

 

سينتهي

ويغيّرُ الثّعبانُ جلدتَه القديمةَ

إنّما

ليستْ تغيّرُ الأيّامُ طبعًا في الكلاب

فكلّها

في آخر الأسبوعِ يدفعُها اللّعاب

ماذا لو تعودُ إلى رحِم البدايةِ

كالجنين

شهيدُنا ما مات

بل ها هوذا

يَحْكي لأمِّه ما رأى

من بعْد أن تركَ الكفنْ

و سرى في بطْنِها

 

 

 

 

 

مثل الجنينِ و قال :

أمِّي

أنا قلقٌ

و مرتبكُ المفاصلِ والعروق

هذا الوحامُ يثيرني

و يشدُّ أعصَابي هنا

قلِقٌ أنا

في سجنِك الواقي

وموعودٌ بتطويلِ الخُطى

ومكبّلٌ

وأنا المبشّرُ بالصّدى

لا بدّ من،قبل الصَّدى،

 

 

بدءُ الكلام

فُكّي إذن هذا الوحام

تمخّضِي

مثل النّساء جميعهنَّ

يلدْن في ألَمِ الزّحام

أمّي

أنا قلقٌ على حمْل

يشدّكِ للوراءِ

بلا أمام

أمي

أخاف عليَّ من حبْلٍ يدور ويلْتوي

فالموتُ خلْفي

يقتفي

 

 

 

 

 

 

 

 

ريشَ الحَرام

أمّي ....أجيئك

في الدّماء؟

في وجعِ الولادةِ والبكاء

تبسّمِي

إني المبشّرُ بالفرَح

لكنني قلقٌ من القضْبان في

قفَصِ العَمى

 وسأخبطُ السّاقين

والكفّيْن حتى

أقطعَ الحبلَ الذي شدّ انتمائي للأنا

 

 

 

 

 

وأنا المبشّرُ بالبلاد

سأنتهي

في حضْنها

كالأرضِ بِكْرا أو مخضّبةَ الأكُفِّ

بعشْبِها

أو عاقرا وقفتْ بباب المستَحيل

فجاءها ألمُ المخاض

و لم تلدْ

لكنها اختطَفتْ وليدا في الظَّلام

أمّي سترضِعُني

 و تفْطِمُني البلاد

يا قسوةَ الجوعِ المؤجّلِ في اللَّبا

لو كانتِ الأنيابُ قد نبتَتْ

لأكلتُ جوعِي

 

مثل قطّتِنا التي التهمتْ صغيرَها

خوفًا عليه

وسعيتُ أصطاد البلادَ لآكلَ ظلّها

أمِّي أناخَتْ ثدْيَها

حتى ارْتفعْتُ

وظللتُ ارمُقها

وأوهِمُ... إني شبعْتُ

لو كانتِ الأنيابُ قد نبتَتْ

لمشيتُ مثل الحوتِ منتشِيًا

أنَّى سعيْتُ

لكنها أمِّي ...

رضعتُ أدعيَةً وخوفًا من صروفِ الدّهرِ

من ثورة الغضبِ البريءْ

خافتْ عليْ

 

 

 

 

مسكينةٌ خافتْ عليَّ

من التّذللِ الفطْريّ

خافتْ أن أشقّ عصَا الطاعاتِ

في البلدِ العصِيّ

 لو كانتِ الأنيابُ قد نبتَتْ

 قبل الرّضاعةِ

لجرحْتُ ثدْيًا لم يعلّمْني العناد

كنت انتظرتُ الأرضَ قادمةً فجاءتْ

و رأيتُ الشّمسَ طالعةً فلانتْ

ولمحتُ درْبي والمُنَى

فلِمَ البلادُ تقول إني

 

 

 

 

 

قد رضعْتُ حليبَها

وحنانَها

وسكنتُ في حضْنٍ تهيئُه اليّ

وتدّعِي

إني أسيرُ رضاعةٍ من وهْمِها

وعليّ طأطأةُ الجبين لِنعْلها

وعليّ صمتُ الخاضِعين

وتدّعي إني

تهجّيتُ الكلامَ بلوْحِها

كي يسْتحي صوتِي إذا وجبَ الكلام

أمِّي تلاغِيني

و تُلْجِمني البلادُ

أمّي تلاغِيني و يُبْكيني الرَّمادُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7

صام العقربُ منذ أن سكن قصْر الأفعى ليوهمَها بما ترضى.

بادلته المشاعر بالقناعة والرّضا.

و كان كلما ركبها وتهيّأت لقتله يحمل إليها حشرة  ليلهيها عن الفتك به.

 

 

 

 

 

 

سيصوم عن أحلام أهله

وسيسكن قلْب الثّرى

فترابُ ارْضِ الله

ما بين الصّحارَى

والجبالِ وسَهْلها

وترابُ أرضِ الله

ما بين الحيَارَى

والرّجالِ وأهلِها

تثِبُ الرّياحُ على التّرابِ

عجاجُها وغبارُها

والمطرُ السّراب

تثبُ  الثّعالبُ والذّئابُ

عناكبُ الأنْفاقِ والدّودُ الطّفيليّ

الكلّ يسري في الخراب

 

 

 

 

سقطتْ رؤوسُ النّار في ثلْجِ الصُّدور

رعشت ضلوعٌ

القهرُ يحْتقن الشّعوب

كنّا على عرشٍ

فأصْبحْنا نعُوشا لا تنَام

كنّا على حبّ

طويْنا أشْهُر العسلِ اللذِيذ

صرْنا.... تُعادي النّفسُ

فينا نفسَها

والحقدُ ينبُتُ في القلوبِ

قالت شوارعنا اللّعُوب:

 

 

 

 

 

مسكينٌ ذئبُ الشّارع

أقعَده الجوعُ

وحزينٌ هذا الثعلبُ

فكّر طولا عرضًا أسفلَ أعْلى

من سيموتُ الأولُ حتّى يأكلَه الثّاني؟

ماذا لو...

ــ قال الثعلبُ ــ

تلبسُ أنيابُ الذّئبِ دَهائِي

فالرّاعِي

أقْعده العمرُ

وتلاشتْ خلْف الخرفانِ قُواه

لو فكّرَ في أنْ يضربَنا

أو تسقطُ منه عصَاه

يضِيع

 

 

سار الأمرُ كما شاء الذِّئْلَبُ

ـ والذئلبُ هذا ذئبٌ،ثعلبُ في نفس الوقتِ ومن نفسِ الرّوح ـ

ماتَ خروفٌ والثّعلبُ لم يشبعْ

وأتى الذّئبُ على الباقي

لكنه لم يشبعْ

لم تبقَ سوى الشّاةُ العرجاءُ

قال الشيخُ:

أيّكُما أجْدرُ بالشّاةِ

وأيّكُما أسرعُ في الفتكِ بصاحِبِه

ليفوزَ بتلك "الغنْجاء الشّحْماء"؟

الحلُّ إذن ــ هَمسَ الشّيخُ إلى الشّاةِ ـ

أن يقتَتلَ الثُعلبُ والذّئبُ ــ

الحلّ إذن

أن نزرعَ فتنةَ قتلٍ بين الإِخْوانِ

بين البستانيِّ وأزْهارِ اللّوْز

وبين الأرضِ وبين فراشاتِ الأطْفال

وفراشاتُ الحقلِ

يقول الشارِع: ذنْبُها أنها حلمتْ بالرّبِيع

و كان عليها انْتظارُ الزُّهورِ

ستأتي الزّهورُ إلى حضْنِها

مثلما

 

 

 

 

 

قد يجيءُ الرَّغيفُ إلى عاشقٍ

أسْقطتْه المدينةُ

من قائماتِ البطالةِ

أو من قَطيع العشاءِ

لِيكْتفيَ بالحَساءِ

رُضابًا تقطَّر من فمِ زَائرةِ الليلِ

الفراشُ ينامُ إذا أنذَرَ الليلُ بالاقترابِ

وما كان يُجدي الفراشةَ

 بحثٌ عن الزَّهرِ

في زمنِ الجدْبِ

***

ذنبُها أنها تتعجلُ طرْقَ النَّدى

ذنبُها أنها لا ترَى

أين ترْمي جناحَ المَحبةِ

في زمنِ الاحْتواء

واحتوتْنا الشوارعُ

للمدنِ الحيةِ نبضُ الأزقةِ والشُّعراء

ولها في الشوارعِ أغنيةٌ لا تموت

نعيش نعيش لنَقْتلَ

في البلد الحيّةَ والاخطبوط

والاخطبوط  يوشوِش للصَّخر:

أيُّها الصَّخرُ خُذ بِيدي

أوْغَلَ البحْر في جزرهِ

 والسَّفينةُ قد شحَطتْ

أيها الصخرُ كُنْ ليِّنًا

وتشرَّبْ من البحرِ أحقادَه

ومن الرِّيحِ أعصابَها

واغْرِقِ الحقْدَ في زَبَدي

قبل أن تتعرَّى الرُّسوم

كانتِ الأرضُ متوجِّسَة الخطْو

تُدحْرجُ بيضتَها نحو حدِّ الصُّخور

كانتِ الأرضُ تتوسلُني أنْ

........

........أقودَ السّفينةَ

....حتّى ارْتضَيتُ

.......

ألحَّت شعوبُ المحبةِ

أن أتولَّى رعايةَ أحلامِها

فرضيتُ

زيَّنوا الأرضَ قدَّام خطْوي...مشيتُ

وما جئتُ غصبًا ولا خطأ إنما

سلَّمُوني السّفينةَ طوعًا

فحمّلتُها الطيرَ والعشبَ والنخلَ

والدالية

وحمّلتُها من قطيعِ ابنِ ادمَ

من يستحقُّ الحياةَ

فمِن كلِّ زوجيْن اثنينِ بل…

ذَكَرا ثم أنثى

وحارس ظلَّهما

كان لا بدّ لي أن أتَابعَ أنفاسَ بحَّارتي

و أسيِّج أقدامَهم

كان لا بدَّ لي

... أن أثورَ على الدُّودِ

حتى أَسُود

وأقتلعَ السُّوسَ حتى أسُوس

وأرمي بصنَّارتي

فأصِيدَ الدّسائسَ إن خاطَها البَحرُ ضدِّي

فلا تكترثْ أيها الصَّخرُ

إن دارتِ الريحُ

ــ دوامةً فوقَ أشْرِعَتي ـ

سوفَ أَخْفضُ للذُّلِّ أجْنحَتي

لأكون

أيّها الصَّخرُ خذْ بيَدي

قد  تعِبتُ من الانتِظارِ المقيتِ

وجنَّدتُ في الطَّيرِ أجْنحةً

وسَحبتُ النَّوارسَ

قد يجْدبُ الطقسُ

إني ثقبْتُ إلى الرِّيحِ أشْرعَتي

لتطيرَ إليّ وَبِي

ربَّما قامَ في البَحرِ موجٌ لقِيطٌ

وباغَتني خطرٌ

ربّما افْتضحَ الأمرُ أو طال خاصِرتي

سرطانٌ مُميت

أنا لا أريدُ اقْتتالَ النُّجومِ

على حضْرةٍ قمريّه

ولا ارْتضي قتلَ ربَّانِ زوْرقِنا

فأنا لستُ قرشًا

لأَقتاتَ من دَمِ أسْماكِنا الطيّبين

أنا

جئتُ من زَمَنٍ ليْس لِي

 إنّما

خِطْتُ منه الزّمانَ الذي أشْتهي

سوفَ أغتالُ كل القراصنةِ الغُرباء

وأقتحمُ الرّيحَ والمَوجَ والعاصفه

وسأملؤُها من قطيعِ السَّماكة

والبدوِ والطيِّبين

ومن لا لِسانَ لهُمْ

أيّها الصّخرُ خذْ بيَدي

فَيَدي الثّانيةْ

 أمْسكتْ بالسَّفينةِ

حتّى هوتْ

حرَّك الصَّخرُ شِدقيْهِ

لمّا رأى أن ربَّانَها

يستحيلُ إلى أخطبوط

أصابعُ كفٍّ على الصَّخرِ

والكفُّ تُلقي السفينةَ في القَاعِ

والأُخْطبُوط تعلَّم أن يركَبَ الرّيحَ

قبْل الخَريف

ولكنّه لم يهيئْ مراكبَهُ الكَافيةْ

وما كان يخْطرُ بالبالِ أن

تتجرّأَ نِسمةُ صيفٍ على

أن تتوّهَ قافلةً ماشيةْ

ولا أن تحرِّكَ في البحْرِ أخطارَه

وما كان يَدري

بأن الطفولةَ تخضرُّ في شاربِ البائسِين

على غير فصْلٍ

وان الطُّفولةَ من حُلمِها قد تشيبُ

وشبْنا

وفي لحظةِ الالتِقاء

تغنتْ حناجرُنا بالهتاف:

 

سترحلُ، ارحلْ بظِلِّك مِنَّا

...............و خذْ جبّةَ العارِ من عرْضِنا

سئِمناك من زمنٍ غيرَ إنّا

..............صَبرْنا على الشّيبِ في أرْضِنا

تناثرتِ الكلماتُ وطال الصّدى

كلّ طائفَةٍ شاردة

الصّدى امتدَّ في القاهرة

طال صَنعَاء

غنّت دمشقُ كما سمعتْ:

dégage...dégage

عادتْ لنا قَرْطاجْ

اسْتَيْقَظَتْ من حُلْمِنا

اسْتَيْقَظَتْ من حُزْنِنَا

ولمْ تَجِئْ من فوهَةِ المَدافِعْ

ولمْ تجِئْ من طَعْنَةِ الخَنَاجِرْ

لكنَّها الحَنَاجِرْ

لكنّها الأفْواجْ

صاحتْ بصَوْتٍ واحِدْ

dégage.....dégage

................

لن يحرَنَ الزمان ههنا

لن نُسْقط الرّاياتِ من أكفّنا

لن نُنْزلَ الشَّهيدَ من أكْتافنا

مادامتِ الأمْواج

صاحتْ بصَوْتٍ واحِدْ

dégage.....dégage

 

***

هكذا ابتدأ الحلمُ يا صاحبي

نرفَع الرايةَ الوطنيةَ كلَّ صَباحٍ

نجدِّد دَعوتَنا بسقوطِ الملكْ

خلسةً

نتصَفحُ أحلامَنا

خلسةً

نتبنّى لنا وطنًا يستنيرُ بثورتِنا

فنمَزقُ ذاكرةَ النّار خَوفًا على أرضِنا

صار تاريخُنا جَمْرةً

ثم صرْنا رمادًا

بلا ذاكِرة

نحنُ

نغتالُ آباءَنا

و نخاتلُ وجْعَ العصَا...

نرتبكْ

فالمدرّس كانَ وصارَ وأمسَى

بسيطًا

يقودهُ لوْنُ الرغيفِ

إلى ساحةٍ تحت سورِ المَلكْ

 

يسقُطُ الحلمُ يا صاحبي

 ونذوبُ

ونهوي مع النجْم

في نفقٍ في الفلكْ

سيعيش الملكْ

مثلما قال تاريخُنا

والمدرسُ والأولياءُ وفتْوى الشيوخِ

ودينُ السماواتِ والصمتُ في أرضِنا

وثغاءُ القطيعِ

يعيش الملكْ

ليقدّرَ أعمارَنا

ويعلِّبَ أفكارَنا

ويصبَّ حناجرَنا في النَّشيد

 

 

فإذا ما تجرأتِ الكلماتُ على نسْج معْنى

يشكْ.....

ويجنّدُ في اللّغةِ الوطنِيّةِ

حرْفَ الهِجاء

لينْسفَ بالكسْرِ والجَرّ أشْعارَنا

غير أنّا قلبْنا الدّساتير في لعبةٍ المَوتِ

إذْ بيدقٌ كان يكْفي لـ:كشْ

...................و مـــــــــــات

ومات

.......فعشْنا

...........وعشنا فمَات

يموتُ الملِكْ

اَوّلا ...ثمّ ثَانيَةً

 

 

 

 

 

 

 

 

ثمّ ثَالِثَةً

وأَخِيرًا  .....يمُوتُ المَلِكْ

أكلنا على عَرشِه الجُوعَ حتى ارتفعْنا

وبِعنا بلا فلْسَ

ريبتَنا للشّعوبِ الأخيرةِ في القاطرةْ

لم تكنْ لحظةً خاسِرةْ

لم يكنْ يتخيّلُ أنَّ الحديثَ الذي

قد تَسربلَ تحت الكَراسي

سيَقلِبُها

لم يكنْ يتحسَّسُ في شيْبةِ النّحْس

معْنى

 

 

 

 

وكان يُمزّق كلّ الحُروفِ

لألا تصيرَ لنَا نغْمةٌ للكَلامِ

نطَق الطفلُ فينا

تلعثمتِ اللّغةُ البِكرُ في فمِنا

ولَغَوْنا

ورتَّبتِ اللغةُ العربيةُ

كل الحروفِ

انتهى

أصْبحَ اليوْمَ في القَولِ معْنى

نُصدّر أحلَى كلامِ الشَّوارعِ

والاحْتراقِ

يشرَّعُ شبّاكُ مِصْر

 

 

 

 

 

وتفتح ُ نفسُ الطريقِ إلى ليبيا

والعراقِ

وسوريّةَ واليمنْ

وتشرِّعُ للقول آذانَها

إذ نَصيحُ البدايةَ

يرتدّ منها الصَّدى

إذا الشَّعْبُ غنّى

"إذا الشّعْبُ يوْمًا أراد

نرى الضّاد تطْوي المَدى

***

ألفٌ يتَصدرُ قافلةَ الجندِ

ويؤلفُ مُوسيقى العَسْكَر

والباءُ تنوءُ بتاءِ التأنيث

تَخْرطُها مِشْنفةً

 

 

 

للناشِزِ من ألفاظِ اللّغةِ البكْمَاء

الألفُ المُتجبّرُ يهرَب بالقَيدِ

يتوسَّط سينَيْن

ينتفضُ الواوُ

ويُسْقط ألفَ العسْكر

فتعمُّ الفوضَى

ينهارُ الوطنُ المتكسِّر

لا أحدَ يدْري

أنّ السُّوسَ تغلْغل في لغةِ المِنْبر

أنّ الغيْنَ تقاوم في بعض مسَاربها القَافَ

وتسْقطُها من:

اسْتقلالِ الأنْظمةِ اللّغويةِ

حتّى ينخرًهُ السُّوسُ

ويرفَعًها الخوفُ

 

...و تموتُ العربيةُ فينا

فنموتُ

بعضٌ منّا يفْنَى

حبًّا في البلدِ الأحْلى

الأرضُ لنا كفنٌ

لكن الرّايةَ أوْلَى

فالرّايَةُ نصْفُ الإيمانِ،

على حدّ كلامِ المِفْتي،

وأنا صرْتُ أصدّقهُ

حينَ يتُوبُ عنِ الشّدّةِ

أو يرفَعُ من شأنِ البلدِ

أو يقْبَل أن يرْفَقَ حبُّ الله إلى

حبّ الأوطانِ بلا عُقَدِ

 

 

 

 

 

 

لنا أن نفرّق بين المسافاتِ

أو نفترقْ

لنا أن نجرِّبَ كل الطُّرقْ

وإذ سار رأسُ القبيلةِ أوّلنا

ــ ونحن ننصِّب في كل يومٍ

خليفةَ رأسِ القبيلةِ

خوفًا من الوهْم والاتّهام

لنا أن نعمِّر في الأرضِ

ما عمَّرتْ في الجُسوم الخلايا

لنا أن نغيَّر مجْرَى المياهِ

لنا أن ننقِّطَ بعضَ الحُروفِ

ونرْفعَ في الذاتِ

حسْنَ النّوايا

لنا سببٌ لنحبَّ الحياةَ

 

 

لنا أن نموتَ

لهُمْ.....كأسُهُم

من خرابِ العدَم

فنحنُ

 على ضفَّتين

قد انقطعَ الجسرُ بينهما

فهوى الكلُّ

غرْقى

بأحلامِنا وبأحزانِنا

بزورقِنا والبلاد

غرقى بلا قشَّةٍ للنّجاة

بلا أملٍ في الحياةِ

ولكننا سوف نبقى كوشمٍ على الصّخْر

 

 

 

 

 

نبقى على حلمِنا / البَحْر

نُبقي على عودةٍ من بعيد

فأبعدُ من حقْدِهم حلمُهم

بالسّكات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ـ8ـ

وجه الكفن بياض وقفاه الجسد

وللموت لون واحد بطعم العدم

 

 

 

 

 

 

 

كمَا كان منتظرًا

لم يمتْ في البلادِ سوى

رجلٍ واحد

وكما بُرمِج الاحتفاءُ بموتَى المدينةِ

هذي الحكومةُ قد أصْدرتْ أمْرَها

وانتهَى

إنّه الحيُّ أولى من الميْتِ بالكفن

فإذنْ

صار من حكمةِ الحُكمِ أن

 يدفَن َالناسُ

ـ إن خيَّروا المَوْتَ ـ دون غِطاءٍ

ولو من قُماشٍ بسيطٍ

سَرَتْ في البلاد الفتَاوى

وأذِّن في الناسِ أن الحُكومَة َمحتارةٌ

بين عدْلِ السماواتِ والحاجة ِالدُّنْويةِ

وهي ـ كما كان منتظَرًا ـ 

 ترأفُ

بالنّادباتِ وبالباحثين عن الأجرِ

في السّيرِ قلْبَ الجنائزِ جهرًا

وبالمقْرِئين الذين يحبُّون دومًا صداقاتِ

أهلِ الفقيدِ

إذنْ صَدر الأمرُ فورًا

لألاّ يُكفَّنَ موتَى المدينةِ

فلْيضْربِ الناسُ عن مَوتِهم

لشهُورٍ

نؤجّلُ بعض الوفيّات ما ضرّ

لو نتغاضَى عن الآجله

 

 

 

 

 

أو نكوّن شِبْهَ فريقٍ

لينْظُرَ في المسألةْ

ثم إن الذي ماتَ بالرّغمِ عن حُكْمنا

واشْتَهى كفنًا

لا يَغطَّى ولوْ بحَصير

سيحملُ أوزارَ فِعْلتِهِ

تمْتمَ مفتِي الجنائزِ في السِّرِّ

يرحمُه الله

ما كان ينفعُ موتَه

لكنْ  لَوى عنُق القائمين على الأمْر 

وكان اشتَهى أن يموتَ

على العادة السائدةْ

 

 

 

 

 

 

 

بخورٌ وترتيلُ ما يتيسَّرُ من سُورٍ

وكلامٍ يؤثثُ حفْلَ الجَنازةِ

يا أيُّها النَّاس كان اشْتهى أن

يظلِّل في الأرضِ شِبرًا

و كان اشتهى

 أن يُمدِّدَ في الأرضِ

عُمرًا

 

هيّا ارفعُوه قليلا

ليعلُوَ فوق الجَميع

ويلقِي بظِلِّه شبرَا

...وألقوا بجُثمانِه المتيَبِّسِ جدًّا

على لوحةٍ من دمُوعٍ

ودقّوا المَسامير في النّعْش

 

 

 

حتى استَوى بقوائمِه الأرْبع

ثم نادى المغسّلُ في الناسِ

هذا القتيلُ اسْتوى

والذين يعِدّون للنّاس آجالَهم

آثَرُوا أن يُعدّوا المَنابرَ

فوْق النّعوشِ

هيّأ القومُ أكتافَهم للخُشوعِ

وفي غفلةِ من أمَامِ المقابِر

تُبْنَى العُرُوش

قفز الميْتُ 

فانْدهَش النّاسُ

إذ سألُوا بعضَهم

 

 

 

 

 

 

كيف يجرؤُ هذا الذي

قد تعرّى تمامًا

شاهرًا في الوجوهِ

بيمْناه

سبّابةً ثم وسْطى

 ولم ينتصرْ

زغردتْ في النِّساء عجوزٌ

فطفْنا بنَارِ العروبةِ كي تنتصِر

وقلنا

هنا تونسُ من بني حِمْير

 

 

 

 

 

جاءتْ

وما أسدلتْ خيمةً للتّخَفّي

ولا أيقظتْ فتنةً

إنّما طلعتْ من حديقةِ نارٍ

بثلجٍ يطيبُ كما زهرةٌ من غبارٍ

وها شعبُها الآن عادَ

إلى خيمةِ الانتماءِ و قال:.....

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9

 

لا بد أن تتزوج النار بالثلج ليولد الياسمين

يمْتدُّ عنق الياسمين ويفوح

يمتدُّ جذعُ الياسمين إلى أعماق الأرض

أصل ونسب

ما الذي يمنع الأرض من أن تفرّق عطر الياسمين وبتلاته على كل الحقول

كان ما كان يجب أن يكون

العطر حينما يضوع يصبح عدوى جميلة.....

 

 

 

 

الطّريقُ إلى ضفَّتيكِ

يُخامِرني الشّكُّ فيه

و تُرْقصُني الرِّيحُ  حتّى

لتُرْكعَني

و أكادُ ألامِسُ شيْبِي على البَحْرِ

أغْرقُ في الرَّمْلِ

حتى أصِيرَ كأرْجُوحةٍ بين ضدَّيْن

يا وَلعَ الأرْضِ

كيْفَ تضِيقين بي؟

فأنا ما سعيتُ إلى طعْن نفْسي

أنا ما زرعتُ الضَّغينةَ والحقْد

في أرضنا

ما وهبتُ إلى الرَّملِ حقْدا

 

 

 

ليمْضي غبارًا

وما كنتُ ألقيتُ للبحْر حقْدَ الجِمالِ

لكي يثْأرَ من ظالميه

أنا تونسُ يا حِمْيَر

أحْفظُ في الأرضِ حُبًّا كبيرًا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10

للتاريخ أوراق تينع وتذبل حسب الفصول وجذور تمتد لترضع من فصول الماضي.أما الأطفال فيأخذون من التاريخ صلصالا يعدّون منه لعبهم ليتسلّوا بقتل الوقت وليهربوا من كتابة تاريخهم الآتي.

 

 

 

 

 

 

منْذ عشْرينَ جِيلا

تُلاعِبُني الصُّدفُ العربيّةُ

كي لا أسْتقرَّ على حالةٍ

تونسُ دوْمًا معِي يا طرابلسُ

تونسُ تَعْتعَها اليُتْمُ مثلك

والرّؤساء

فكدْتُ

أعودُ إلى وجَعي

كادَ وجْهي يُجرِّح خدِّي

و جدّي يجنِّدني ضدَّ جدِّي

و أنتِ تمُدِّينَنا للرِّياح التي

تتَسلَّى بنا

ثم تفتَحُنا للجِرِاح

 

 

 

 

 

 

 

 

وكنّا على قابِ قوْسينِ

من فرْحةِ الرّافدين

غير أنّا اخْتلفْنا على نغمةِ الفرَحِ العربيّ

فسِرنا إلى الحُزنِ مبتهِجين

وصرْنا نعادي المحبَّةَ فينا

لنا فطرةٌ لا تليقُ بمن سوف يأتي

إلى ضفّةِ الفتَن السّابقات

لنا نعْرَةٌ قاتلَه

لنا قافِله

ستنوءُ بأحْقادِنا

زمنا قد يطُولُ

لكأنْ 

 

أرْبعةُ أبوابٍ لا تكْفي

فأناخَ  التّاتارُ مدافعَهم

بسَط الأتْراكُ جناحَ الذلِّ

على النَّهريْن

لم تبدُ حوافرُ خيْلِ المسْتعْصِمِ

لا وتَدٌ من خيمَتِهِ

لا ما يستُر جُبْنَه وهو  يجُرّ

سلاسِل خيبتِهِ

لا حنَّاءَ لبنْتِ هولاكو

لا حانةَ يَسكَر فيها أبو نُوّاس

 

 

 

 

 

 

 

 

مَرَّ  زناةُ اللّيل

على النَّهْدينِ

ضرَب الأكْراد خيامًا أخْرى للشَّهواتِ

تسابقَ نحْلٌ وذبابٌ وذئابٌ

و تدَاول كلُّ صَعاليك الأرْض

على ليْلى

ليْلَى تفتَح شهْوتَها

للبشْمرْكَة والأغْراب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11

للبيت اله يحميه

للشّاعر بيت يكتبه

للعنكبوت بيت يعدّ منه مصيدة

للنّار بيت تحميه بجمرها المحترق

للماء بيت تعتصر فيه الغيمات فتقطر ثم تمطر ثم

تبلّل النّار لتقتلها

 

 

 

يحْتاجُ البيْتُ إلى ربٍّ

يحْمِيه

يحْتاجُ قَطِيعُ الصَّبْرِ إلى راعٍ

يَهْدِيه

و إلى كَلْبٍ يحْرُسُه

و إلى ناقُوسٍ

في أذُنيْه

يحْتاجُ البيْتُ إلى عُنْوانٍ

و إلى صوَّانٍ

و إلى طُرُقٍ 

تأْتِيه

يحْتاجُ البَيْتُ إلى أسُسٍ

و إلى أكْتَافٍ من عسس 

و إلى أيْدٍ

تَبْنِيه

 

 

 يحْتاج البَيْتُ إلى جرْعَةٍ حبٍّ

و إلى رُوحٍ تَحضُنُ

جَنْبيْه

و أنا المُتشرّدُ...

 أنظرُ- حيْرانًا- في تونسَ

يتَقاذفُها  التّيه

تَذكر النَّارَ من أينَ جَاءتْ

وتحْفَظُ أبْوابَ تونسَ

احْتَطَبَتْ جمرَها ؟

...عِندما اصْطَدَمتْ بالرماد القديم

وسَعْفِ النّخِيلِ

خبَّأتْ ذاكرَةَ الارْتِحالِ

الثّنَايَا تشَابكَتِ الأرْجُلُ فيها

 

 

 

فلمْ تتَبيِّنْ

لِعَوْدَتها أثَرًا

تَاهَتِ القَافِلةْ

فمن أين جاءتْ قبيلتُنا؟

تَابَتِ البَوْصَلَه

إلى أين نلقي بأقْدامِنا

والمساربُ زيْف

المسِيرَةُ خوْف

صار

للرِّيحِ ذَاكِرَةٌ تُسْقِطُ الماءَ

من أَعْيُنِ اللّيلِ

سقَط الضّوءُ دمْعًا

 

 

بكَيْنَا

على قَدْرِ هِمَّتِنَا

وانْتَهَيْنا إلى الخَوْفِ،خفْنَا على بلدٍ

يتساقط من أعْيُن الشمْس

نارا

وذاكرة النّارِ تُوقدها الرِّيحُ

اللّواقحُ تجْتاح مفْترَقَ الطّرقاتِ

التواريخُ تَعْرضُ أخْبارَها

نسبٌ يتداخل في نَسبٍ

عربٌ لا تثُوبُ إلى عربٍ

بربرٌ

ربّما

ايمزيغ

 

 

 

 

 

 

 

 

وقرطاجُ لم تنسَ وجْهتها

هاهنا مفرقُ الطّرقاتِ

صرّةُ الأرض أو قلبُها

وتدٌ لتدورَ الظِّلالُ عليه

قلبُ تونس ينْبضُ في كلّ ناحيةٍ

لتدبَّ الحياةُ على ورق هاهنا

قلبُ تونس يبْكي على وجْهِها

والدّوائر تمْتدُّ

لم تتكلَّم ولم تنثُر القولَ عدْوى

غير أنّ الصّدى

قد يغطِّي الكلامْ

يحدثُ...

أن الرّوافد تمتصُّ من نهْرها

ثم تفتحُ في الأرضِ

 

 

 

 

 

 

مسْربها

وتثورُ الشَّرايين

يرتدّ منها النّزيفُ

التّواريخ تحفظ أوراقها

للخريف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

12

 

 

(فان أرادوني بكيد وهم بزويلة كانت أموالهم عندي فلا يمكنهم ذلك.وان أرادوني بكيد وهم بالمهدية خافوا على حرمهم هناك.وبنيت بيني وبينهم سورا وأبوابا فانا آمن منهم ليلا ونهارا لأني أفرّق بينهم وبين أموالهم ليلا وبينهم وبين حرمهم نهارا )"عن عبيد الله المهدي عندما أسس المهدية"

 

 

 

 

ترفعُ مصر خليفَتها

وتعرّيهِ حتى لتنطٍقَ منه العِظام

مدَّ المعزّ ذرَاعَهُ

أطْلقها في اتّجاه الغُروبِ لتمتدَّ أكثر

ساقَ الهِلاليّ ناقتَهُ

ثم غنّى الهلاليُّ أغنيةً

كان وقّعَها للخليفةِ

كي يَستحثَّ خُطى القافله

كانتِ الجمرة الثّانيه

سوفَ تأتي على الزّيتِ في بيتهِ

المعزّ يُسابق أيام نصْره

يسعَى إلى النّارِ حتى إذا احْترق العرْش

حوّل شُعلته البَاقيه

واسْتردّ إلى الخيلِ صهْوتَها

 

 

 

 

كان قد أنبتَ الرِّيشَ في القيْروان

ثم ربّى المَخالبَ

قال:

حيث تقبِّلُ وجْهَكَ

ثمَّة نارٌ

وعيْني على القاهِرةْ

تونسُ صارتْ كما الطَّعنةُ القاتلةْ

و خاصِرتِي طَعنتْها الخِيانةُ

تلك تونس لمَّا تزلْ

في الهَزيعِ الأخيرِ

 

 

 

 

 

 

تحنُّ إلى الزَّمنِ البربَريّ
وآلامُها تتراقصُ بالثّورة الأمِّ

قرطاجُ لمَّا تزلْ

تتهجّى الكلامَ الأخِير

تعلّمُ أطْفالَها القفْزْ فوْق الحِبالِ

لا بدّ أنْ يحْزَن زيتونُها

قبل أنْ ينْزفَ الغصنُ زيتًا

ولا بدّ منْ غَضبِ النَّار

تنتصِرُ النَّار بالزَّيْتِ

والزيْت يحفلُ بالجَمر

والشّرَرُ الأحمَرُ مثل الدَّمِ المتوهِّجِ

في جسدٍ كي تثُور السَّباسبُ

 

 

 

 

 

 

تنتفضَ الحَاشيةْ

لا بدّ أن تتَعلّم أغنيةَ الانْتحَار...

لكي تَستحِقّ الجنازةَ

آه لا أسْتحِي من خُطايَ

إذا فرَّقتْ بين أمْنيتنِي والبِلاد

بنيتُ ــ ولا شكّ ــ في دولتِي حُلمَها

وكبرتُ كما كبرَتْ...

واعتليتُ اعتليتُ الى أن

لمسْتُ السَّحابةَ

تلك التي حَملتْني إلى هاهنا

غيرَ أنّي أحنُّ إلى فكْرة عابِرةْ

 

 

 

 

 

وسأسْعى إلى الثأْر منِّي

و من نسَبِي

وأعيدُ إلى الرّأسِ تاجِي

وإذا خانتِ الخاصرةُ ـ فَعلتها ـ

سأرْمِي حصَاتي

وأسْقط كل العصَافير

أرْسلُ أوَّلَها في اتِّجاهِ البرابرةِ الخَائِنين

وألْقي بما يتبقَّى نُسورًا لتَقْتَحم

أسْوارَ عُصفورةِ القيْروان

ولا أستَحي

...قالَها

ثمّ ألقَى الخليفةُ في النّهر فزّاعةً

ليطيرَ الجَراد

 

 

 

...توزّعَ اسمٌ على الفاتحين بدون نسَب

عربٌ عربْ

عربٌ غزاةٌ

أزهر الحقدُ فوْق الخَراب

.....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

13

 

 

 

التّاريخ يكتبه المنتصرون في الحرب فإن لم تقع فيكتبه المحافظون على مناصبهم في السّلطة فان لم يفعلوا فالأدباء هم الذين يكتبون التّاريخ الصّحيح.

أما التّاريخ الجميل فيرسمه الشّعراء.

 

 

 

 

هل تَعودُ الخليَّةُ أدْراجَها

بعد شيْبٍ تملّكَها؟

هل تعودُ الحياةُ إلى أصْلِها

غيْمةً عابِرةْ؟

حينَما تُوقدُ النَّار في سُحُبِ الصَّيفِ

يصْعدُ المَاء محْتفلا

بالسَّماءِ

يبحَثُ عن نبْعِه

هَل يعِي المُتوسِّط أن خدّيْه

صيْدا وقرطاج

قد أمطَرا قبَلا

يشْتاق هذا إلى روحِ ذاك؟

 

 

وأن هناك

على شاطئِ بيْروتَ

مُتسَعا لانتظارِ القِلادةِ

قرْطاج هيّأتِ الياسمين إلى أمِّها

لتعيدَ إليها السِّنين

لم أكنْ كالحَزِين

على وشكِ الفرَحِ الممكنِ كنتُ

وطائِرة الرِّيح أصنعُها

من وُريْقات زيتُونتي العاليَةْ

و العواصفُ تعرفُ

من أيّ فصلٍ تجيءُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وكيف تقاتِلني لأمُوت

هذا الطَّريق مهيّأ         للموتِ في كل الجِهاتْ

كل البِلاد نحبُّها         كي نستحِقَّ بها  الحًياةْ

فلمَن سَتُغلق بابَها         ودمشقُ يَطرقُها الغزَاةْ

.........................

لا...لنْ يمُرّوا من هُنا

هذي بلادِي لن تموتَ بداخِلي

فأنا لها نعْشٌ لها التّابوتُ

إنّي لا أعِدُّ

جَنازةً لحبِيبتي

وأحادثُ صاحِبي

 

 

 

 

 

كانتْ تعدُّ العرْسَ لليَمنِ السَّعيد

كانتْ تُماري أخْتَها

وتمدُّ للحنَّاءِ كفًّا

ثم ألفًا...

هل هكذا كُنَا

نُسلِّم عِشقنا للرِّيحِ

نَخنقُ حُبَّنا بأظافِر الحقْدِ الدَّفينِ

أنا حزِين

هكذا أبْدو الحَزين

من أسْفلِ الدِّلتا إلى النّيلِ البعِيد

قُلْ ما تريد

لا ثورةٌ  تمْضي إلى  الزَّمنِ الجَديد

 

 

 

ولا انتفاض

قد يَفتح الأبوابَ أو تأتِي

إلى أصْل النَّشيد

الشَّعبُ هذا ما يُريد

من بعدِ قفْزتِه الغريبةِ

ماذا يريدُ وما

أصابَ الشَّعْب من غضبٍ

على أملٍ بعيد؟

لا وقتَ للتّاريخ حتى يَستديرَ إلى الوَراء

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عودي إذن

ها إنّني هيأتُ أوراقي

حقولَ الحبِّ

أقواسَ الفرح

عودي إلينا من حقُول الحُزن

إنا قد خلَعنا جبَّةَ الفِتَنِ القديمةَ

حتّى الجديدة

عدْنا برابرةً وناسًا طيِّبين

وكلُّ العاشِقين تبَادلُوا

ورْدا

وأغنيةً لتونسَ الأولى فقطْ

عودي وإلا سوْف نأتيكِ فُرادى

 

 

صادِقين ومُخلِصين

وثائِرين

عودِي فحبُّك لم يمتْ

وأنا سأكْتبُ قصَّة النّسبِ الأصيل

إنا هُنا

سنؤجِّل الأحْزان للزَّمن القَديم

ونعيدُ النّار للتاريخِ تأكُل حِقْدَه

ونقاتِل الفِتنَ القديمةَ

عمّرت من دونِ أسبابٍ

ولا جدْوى...

.....

وسأفتحُ الأبوابَ في وجْه الوَطَن

حتى تعُود النّار تأكُل جَمْرها

وتبدد الأوهَام منِ ورقِ الزّمَنْ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

14

كان على النّار أن تطهّر أعمالها وأن تكفّر عن ذنوبها وأن تصون ذاكرة الأغصان ولو في كفن من رماد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جئْنا ...

على وقْعِ الفجيعةِ نقْتَفي حَجرًا

يدُلّ السّائرين على الجدار

الماءُ شقَّ التِّيهَ في وَلعٍ

لينْفتِحَ المَسار

سقطَ الجِدار

تشرّبَ الحجَر العَصيّ ظِلالَه

لا وقْتَ للمَاء الذي

إن خانَ نبْعَه

كَي يعودَ إلى السَّمَاءِ

لا وقْتَ للنَّارِ التي ذابتْ رمَادا

كي تعودَ إلى الحَطبْ

اليومَ تأخُذُنا الحياةُ بِحُلْوِها

ومرارةِ الجُوع الذي قدْ ضيّقَ الصّحرَاء

في وجْه العرب

هذا الموقع فضاء يسع الجميع فلا تبخلوا عليه بدعمكم وبالتواصل معه خدمة للادب والفكر
Ce site web a été créé gratuitement avec Ma-Page.fr. Vous souhaitez aussi avoir votre propre site web ?
Inscription gratuite