باي باي هتلر
مسرحية ذات شخص واحد
مونولوج في ثلاثة فصول
الفصل الأول
|
|
المكان |
|
بهو انتظار في محطّة قطار يفتح على السكّة الحديديّة بباب صغير، إلى جانب الباب شبّاك لبيع التّذاكر وفي أعلاه ثبّتتْ ساعة حائطيّة قديمة، في الجانب الموازي عُلِّقت سلّة مهملات من اللّدائن، في المحطّة أيضا دكّة خشبية ليرتاح عليها المسافرون، وفي الجهة المقابلة للدكّة سلّة مهملات كبيرة الحجم. |
|
|
|
الزمان |
|
يستحسن أن يكون ليلا. |
|
|
|
المنظر |
|
الهادي يرتدي لباسا إفرنجيا ويضع على رأسه ما يشير إلى أنه عربيّ مثل (شاشية أو عقال أو عمامة) ) يُسمع صوتُ احتكاك عجلات القطار على السكّة متبوعًا بكبح فرامل، يتواصل الصّوت إلى حين يتوقف القطار تماما، ينفتح الباب الوحيد المطلّ على البهو فيدخل منه الضّوء ويبدو الهادي حاملا في يده حقيبة متوسّطة الحجم سوداء لا علامة عليها. يقفز من الدّرجة السّفلى من سلّم الباب ويمشي تجاه مقدّمة الرّكح (خشبة المسرح) متوجّسا، كأنّه يهرب من شخص يتبعه، يتوقّف فجأة لينظر باستغراب في الحقيبة، نفهم أنه أخطأ في الحقيبة، يتثبّت منها ويضعها على البلاط ثم يحاول أن يفتحها، وإذ لا يستطيع يسرع في العودة نحو الباب لكن ما إن يصله حتى يغلَق ويطلق القطار صفّارته وينطلق من جديد. يتراجع الهادي إلى أن يجلس على الدّكّة. يدقّ على الحقيبة بأصابعه ثم ينهض ليبحث في جيوب ملابسه عن أوراقه فلا يجد غير بعض النقود يشتدّ ارتباكه ويصاب بحيرة) |
|
|
|
الهادي |
|
أنا الهادي عرب الله، أعترف بأنني أصبت بمرض الإهمال أو الزهايمر المبكّر. اليوم أركب القطار لأوّل مرة في حياتي فأترك فيه حقيبتي وآخذ حقيبة غيري. لقد تعوّدت على ركوب الحمار حتى أيقنت عمق المثل الشعبي الذي يقول: من يتحمّل ركوب الحمار يصبر على ضراطه. ولكن هذا قطار وليس حمارا. يوم الجمعة الماضي لبست حذاء أحد المصلّين وتركت له حذائي القديم، عن حسن نيّة أيضا. وفي هذه المرّة كان ضوء القطار خافتا جدّا فاختلط عليّ الأمر. عليّ مستقبلا أن أطيق ضراط الحمار وظلمة القطار |
|
|
(يجلس ويضرب كفّا بكفّ معبّرا عن حيرته وأسفه) |
|
|
|
الهادي |
|
ماذا سأفعل الآن وقد فقدت أوراق هويتي؟ من أكون بلا أوراق؟ لا أحد، بل لا شيء. من يصدّقني إذا قلت إنني لا أملك ما يدلّ على اسمي ولا على نسبي ولا حتى على وطني؟ اللغة؟ أوهِ، العربية لغة تتكلّمها شعوب عديدة وبعض من الغربيين ينطقونها أفضل منّي بكثير بل يدرّسونها لطلاب الجامعات العربية، إذن؟ ماذا لو اعترضني أمن حدودي؟ هكذا أفضل، سأكون مثل المهاجرين بلا شرعية، أولئك الذين يسمّونهم في تونس الحرّاقة الذين يحرقون أوراق هويتهم حالما يطؤون أوروبا، هم محظوظون لأنهم يولدون كبارا حيث يتمنّون الحياة. لعلّ البوليس الدولي قد شرع بعدُ في البحث عنّي فالإدارة ستسارع في رفع قضية ضدّي بتهمة السّرقة أو الخيانة، ستفعلها وستأخذ قرارها بسرعة على غير عادة، وستصدر محضر تفتيش عنّي، هههه، فلتبحث عني وليبحث الانتربول عن الهادي عرب الله وأجره على الله (يضرب على الحقيبة) |
|
|
أنت أيتها اللعينة؟ هل فيك أوراق تفيدني؟ |
|
|
(يحاول فتح الحقيبة فلا يتمكّن من فتحها، يبحث في المكان عن شيء يستعين به، يمشي إلى سلّة المهملات ويدور في المحطّة حتى يعثر على مسمار. وبعد عدة محاولات تنفتح الحقيبة فيشرع في إفراغها: بدلة عسكرية، مرآة كبيرة الحجم، حذاء قديم، جوارب، كتاب سميك، معجون أسنان وفرشاة وصابون حلاقة وعلبة عطر ومقص أظافر وأشياء صغيرة لا أهمية لها مثل علبة بسكويت حبّات حلوى...يبعثر كل هذه الأشياء ويبحث في جيوب البدلة عن أوراق هويّة صاحبها فلا يجد شيئا. يتناول المرآة ويديرها وينظر في وجهه متأملا كمن يستنكر ذاته): |
|
|
|
الهادي |
|
غريب أمر صاحب الحقيبة، يحمل مرآة في هذا الحجم وحبّات حلوى صغيرة كالحمص؟ لا بد انه ضعيف البصر أو متعوّد على حلاقة ذقنه مرتين في اليوم، ربما، لا لوم عليه، إنّه عسكري. |
|
|
(يسند المرآة إلى الحائط ثمّ يعود إلى البحث مرة أخرى في جوانب الحقيبة لكنّه لا يعثر على شيء) |
|
|
|
الهادي |
|
عجبا؟ هو أيضا بلا أوراق هوية؟ أم إنّ أوراقه لا تفارق جيوبه. إنه أكثر ذكاء منّي ويبدو انّه يعرف كيف يسافر ويحتاط. أنا الآن قصبة تلاعبت بها الرّياح ورمتها في هذه المحطة المهجورة، حيث لا من ينتظر القطار ولا من يستقبل المسافرين، ولا حتّى من يقصدها لبيع الخبز الطّازج (ينظر أمامه عاليا وبعيدا). هل صادفكم رجل اسمه لا شيء؟ هل رأيتم رجلا من فراغ؟ لا أعتقد. صدّقوا من الآن أن بعض النّاس كأفٍّ وأنا أفٌّ كبير. (صمت قليل ثم يستدرك) |
|
|
|
الهادي |
|
أنا الهادي وسأبقى الهادي ولو بلا أوراق، الأوراق، تباع وتشترى وتحرق وتذوب في الماء أما أنا فكما أنا ثقة في النّفس وكبرياء، سأجد لمشكلتي حلا، وفي هذه المحطّة بالذّات سيولد الحل وليذهب القطار الى الجحيم. |
|
|
(يمشي ويجيء على خشبة المسرح مفكّرا ومركّزا، ثمّ كمن عثر على شيء ثمين يقفز غبطة) |
|
|
|
الهادي |
|
لن أضيع هذه الفرصة ... سأولد من جديد. سأختار لي اسما جديدا يناسب هيبتي وهيئتي، فالاسم الذي أحمله لا يعجبني لقد أبقيته احتراما لذوق والدي ومستواه لا غير، لم أقتنع به أبدا، الاسم الذي أحمله فيه خطأ لا أخلاقي، كيف أكون الهادي والهادي هو الله؟ لو كان اسمي عبد الهادي لكان أفضل. لا يهم إنها فرصة لا تأتي إلا نادرا وقد لا تأتي أبدا. شيآن لا يستشار المولود فيهما: اسمه وشيء آخر ... |
|
|
(يتردّد هنيهة ثم يتكلم بصوت منخفض وهو يدسّ يده بين ساقيه) |
|
|
|
الهادي |
|
الختان، لا يختاره الأطفال ولا يكتشفونه إلا عندما يبكون وينزفون. كيف سأتدبر اسما؟ كيف؟ الأفضل أن أكلف السيد جوجل بذلك. |
|
|
(يبحث في جيبه عن هاتفه الخلوي ثم يتفطن إلى أنه معلق إلى عنقه فيضغط على بعض أزراره فيشتغل ويحدث موسيقى، يغلقه بسرعة) |
|
|
|
الهادي |
|
فكرة أخرى: سأتنقّل بين النّاس وأحفظ الأسماء المتداولة، وسأختار الأكثر شيوعا حتّى لا أجلب الانتباه، سأفضل اسما خفيفا لا يتعدى ثلاثة أو أربعة أحرف، يكون سهل الحفظ والتداول ويستحسن أن يكون موجودا في لغات كثيرة، يُقرأ من الخلف والأمام إن أمكن. المهمّ ألا أكون غريبا هنا بل ابن بلد أصيل، ولن أترك للنّاس أن يظنوا أنني عربي، فان اكتشفوا ذلك سأقول إنني تاجر فلعلّهم يحبّون التّجار. |
|
|
(صوت خطى يصل من وراب الباب المطلّ على السكّة، يرهف السّمع تجاه الباب ثم يهرع نحوه، يفتحه وينظر خارج المحطة حيث السّكة الحديدية، لا يرى أحدا فينادي) |
|
|
|
الهادي |
|
أين أنا أيها المسافرون؟ دلّوني دلّكم الله على الشهادة يوم تموتون...لا أحد؟ أين أنتم يا عباد الله؟ لماذا هجرتم هذه المحطّة؟ |
|
|
(وهو يغلق الباب يتفطّن إلى وجود كتابة على أعلاه، يسحب هاتفه الخلوي ليشغّل الإنارة منه ويقرأ الكتابة. |
|
|
|
الهادي |
|
محطّة روما (يتراجع إلى الوراء ثمّ يتثبّت) ــ كلّ الطّرق تؤدّي إلى روما، من قالها؟ ولماذا لم يبيّنوا هل هذه محطّة النّزول أم محطّة الانطلاق، أغبياء لا يعرفون أنّ غبيّا مثلي سينزل هنا بلا دليل ولا إرشادات مكتوبة، هه، هل أنا بالفعل في روما؟ أين المسافرون إذن؟ أم هذه مجرد تسمية لمحطّة مهجورة؟ لا لا انّ روما أحرقتْ وها أنا أبحث عمّن أحرقها. يا للصّدف! أبحث عنها وهي قريبة من يدي بل في كفّي. |
|
|
(يسرع إلى الحقيبة يتناول الكتاب، يفتحه فيجد طيّ أوراقه صورة لرجل بشارب محصور عند أسفل الأنف يشبه شارب هتلر، يترك الصّورة دون اكتراث ويقرأ عنوان الكتاب كمن يقرأ خبرا بسيطا في جريدة، يتكلم بصوت منخفض) (يعيد القراءة بصوت مرتفع نسبيّا) |
|
|
|
الهادي |
|
كِفاحي، أَدُولْفْ هِتْلَرْ |
|
|
(يفتح الصّفحات الأولى ثم الأخيرة ويعود لقراءة المقدمة) |
|
|
|
الهادي |
|
سأقرأ هذا الكتاب، هو أنيسي وسيكون دليلي في بلد الغربة. (يقرأ) الكاتب: أدولف، تعني بالألمانية: |
|
|
(يفكّر قليلا ثم يتساءل) |
|
|
يعني إن الكاتب ألماني، الحمد لله أنه ليس من أهل روما. |
الهادي |
|
(يعود إلى الحقيبة فيأخذ الصّورة) |
|
|
|
الهادي |
|
هيّا أفصح عن سبب مجيئك من ألمانيا إلى روما؟ أنت صاحب الحقيبة؟ أنت عسكري إذن؟ هل كنت في مهمّة حربيّة؟ سأبيع سرّك إن لزم الأمر. (يواصل القراءة) أدولف تعني: الذئب النبيل |
|
|
(يضحك بسخرية): |
|
|
|
الهادي |
|
هل صادف أحدكم في حياته ذئبا نبيلا؟ ما هذا الاسم الغريب؟ أما هتلر فتعني بالألمانية الشخص الذي يعيش في كوخ ...نعم هذه معقولة ...هذه تشبهني فأنا نشأت في كوخ. سآخذ الصّفة الأولى أي النّبل وآخذ الثّانية كاملة ليصبح اسمي هِتـْـلَـرْ؟ يشبه هادي نفس الحرف الأول ونفس عدد الحروف. سأجرّب الاسم أيّاما ثم أقرر نهائيا. |
|
|
(ينتحي ركنا من خشبة المسرح ويشرع في القراءة السّريعة، يمسح بعينيه الصّفحات مسحا إلى إن يمرّ على كامل الكتاب، يعيده إلى الحقيبة ويختفي في الظّلام خلف الحاوية الكبيرة فيضع البدلة العسكرية وينظر في المرآة بعض الوقت، يسوّي شاربه ...ثم يمشي بعض الخطوات كما يمشي الجندي رأس الكتيبة، يتوقّف) |
|
|
اسْتَـــــــرَحْ...اسْتَــــــعِدْ، نكّبْ سلاحَكْ خُضْ |
الهادي |
|
(يدور ثم يعود إلى نفس المكان حيث المرآة فيحملها مقابل وجهه ويخطب مادا ذراعه إلى الأمام مقلّدا طريقة هتلر وصوته الرقيق نسبيّا) |
|
|
|
الهادي |
|
بيان رقم 1: الطبيعة هي التي تخلق قوانينها وأساليبها لتحافظ على بقائها، هذه هي الديمقراطية والعدل والمساواة مجمّعة ومن لا يفهم فالطبيعة قد أوجدت له بحرا. |
|
|
(يعود الى هيئة طبيعية ويسحب ورقة يقرأ منها. |
|
|
|
الهادي |
|
بيان رقم 2: إن الشّعب الذي يخسر الحرب لا يستحقّ الحياة، أنا بعثتني الطّبيعة لأطهّرها من الضّعفاء، أولئك الذين لفظتهم الطّبيعة لأنها تحبّ الأقوياء والأقوياء فقط ...هِهْ. |
|
|
(يتوهّم أن الناس يحيّونه فيردّ التحية كما يفعل العسكر، ثم يضع لباسه المدني ويعود فيجلس ويشرع في مقارنة نفسه بكاتب الكتاب أي هتلر فيعدّ صفاته بيده اليمنى ويعدّ صفات الآخر باليسرى يقول): |
|
|
|
الهادي |
|
يخلق من الشّبه أربعين ... لقد خلقني الله شبيها لهذا الرّجل إلا في شيء واحد؛ فأنا لست عدوانيا ولا أسعى إلى قتل الآخرين، نشأنا تقريبا النّشأة نفسها وتلقّينا التّربية نفسها. تربّينا على العصا، في المنزل وفي المدرسة، لا،لا أظلم أمّي ولا أتهمها ...أمّ هتلر كانت تنال من الضّرب ما لا تتحمّله الطّبول يوم العيد أما أمي فكانت أحيانا تتلقّى من أبي بعض الضّربات الخجولة. فأبي كان يبدأ باللّوم والتهديد والوعيد قبل أن يمرّ إلى سحب حزامه. (يقبّل الصّورة) أنت الشّقيق الحقيقي. لعلّنا رضعنا أيضا من ثديين متشابهين، أمّي شبيهة أمّك في تحمّل الضّرب وهذا ليس بالأمر الهيّن، بل هو نابع من الأصالة، أضربوهنّ...أو أضربوا القطّة. |
|
|
(يعود إلى الكتاب فيقرأ مقلّدا صوت هتلر) |
|
|
|
الهادي |
|
أما كنت أثير غضب أبي بالامتناع عن البكاء؛ كنت أشغل نفسي بعدّ الجلدات التي تهوي عليّ، أعجبتني اللّعبة واكتشفت انّها تغيض والدي فصرنا نتبادل العقاب. |
|
|
(يترك الكتاب ويمشي متذكّرا ثم كمن يخرج صوته من البئر) |
|
|
|
الهادي |
|
جئت إلى الدّنيا دفعة واحدة، كان ذلك في ليلة خريفية قاسية؛ أمّي، رحمها الله، صلّت جالسة على الكرسي ثمّ شرعت في إعداد فطور الوالد وأحضرت له أواني الشّاي. الأشغال التي تقوم بها كل يوم وبقطع النّظر عن حالتها وعن حالة الطّقس، تعلّمت كلّ شيء بالخوف والتهديد. في فجر ذلك اليوم لم تكمل واجبها على أحسن وجه. جاهدت نفسها وقاومت الآلام التي أحست بها فأعدّت لزوجها ما استطاعت. في الحقيقة حاولت أن تحافظ على بعض الجهد للقيام بالأعمال الأخرى كتنظيف الزريبّة ورشّ الحَبّ للدّجاج وتفقّد بقايا الحيوانات. أبي رأف بها هذه المرّة فلم يضربها واكتفى بتأنيبها وبتمتمة كلام لم تسمعه أمي جيّدا ولكنّها فهمت أنه من قبيل الشّتم والسّبّ. |
|
|
(يجلس على الدكّة متعبا حزينا كأن الذكرى أصابت قلبه، يصمت برهة ثم يعود بعد أن يطلق تنهيدة عميقة) |
|
|
|
الهادي |
|
مضى ذلك الزّمن بخيره وبشرّه. في ذلك اليوم الصّعب، ثبّت أبي العربة على ظهر البغل ثم أشار إلى العنزة بيده فقفزت برشاقة على العربة وتبعها الكلب وسار فريق النّعاج خلف الجميع يعزف ثغاءه من الجوع. وقفت أمي وسط الحوش، فكّرت في منع أبي من الخروج إلى الحقل فالرّيح الباردة تنذر بالمطر...هي تعرف الرّيح وتحسن قراءتها، لكنها لم تطلب من والدي البقاء في المنزل، عزّة نفسها منعتها من ذلك. خرج والدي ولم يمض وقت طويل حتى عاودت الآلام أمّي واشتدّ هبوب الرّيح وبدأ المطر قطرا ثمّ انهمر غيثا. لم تستطع المسكينة الخروجَ إلى الزّريبة، فكّرت في الاستنجاد بجارتها فمنعها وابل البرد المتساقط من السّماء، دفعت الباب وصاحت بقوّة |
|
|
(يحاول أن يقلّد صيحة أمّه فلا يستطيع وينفجر بكاء) |
|
|
|
الهادي |
|
أحاطت العاصفة بالمنزل، ومض البرق واستقرّت السّحابة السّوداء على الزّريبة وانهمر شلال الماء وأطلقت أمي صيحتها الأخيرة فانْدفعتُ بين كفّي جارتنا (يستدرك) جارتنا تتّهم أبي بغلظة القلب، فهو لم ينتظر وصولي وترك أمّي تقاوم ألم الولادة وحدها، وتضحك إذ تقول: انه يحبّ عنزته أكثر من ابنه، في الحقيقة أبي يحسن معاملة حيواناته ولم ألمحه يوما مشهرا عصاه ولا مادّا يده على واحد منها، كان يحبّ العنزة ويفضّلها على بقية القطيع لأنها تعلّمت أن تجرّ العربة نيابة عن البغل، وتساعد مالكها على جمع الطماطم بأسنانها دون أن تلتهم ولو حبّة منها...هي تعرف أن أبي يحبّ الطماطم أكثر من كلّ شيء. وكانت تبدو في نظره قنوعة: تأكل ما يتوفّر بدون شرط ولا دلال، لذلك أحبّها ولم يذبح طيلة حياته عنزة لأنه لا يحتمل أن يرى جلدها طبلا تتداول العصيّ على قرعه. |
|
|
(يعود إلى الكتاب فيتصفّحه بسرعة ثم يتناول هاتفه الخلوي ويطلب رقما ويكلّمه) |
|
|
أنا؟ ألم تعرفني بعد؟ ألا تعرف اسمي؟ أنا هتلر (يصيح) هتتتتلرْ (يبدو أن المكالمة انقطعت فيواصل متحدّثا) آلو...آلو (ثم في ناحية من الخشبة). قطَعَ الخطّ من شدّة خوفه من اسم هتلر. (يعود إلى هاتفه من جديد فيطلب آخر ويشغّل الكاميرا) |
الهادي |
|
|
الهادي |
|
نعم، نعم سيدتي؟ أنت حبلى، لاحظت ذلك، توأم إن شاء الله أو ثلاثة دفعة واحدة لترتاحي...لا لست الإسعاف، سيأتيك أكيد...اصبري كما صبرت أمّي يوم ولادتي. أنا...أنا هتلر... |
|
|
(يبعد السّماعة عن أذنه من فرط صيحة المرأة. يغلق هاتفه وقد أصابته نوبة من الارتباك) |
|
|
|
الهادي |
|
ما بها؟ المسكينة سمعت اسم هتلر فسقطت مغميا عليها، يا إلاهي؟ إذا ماتت سيحمّلونني المسؤولية، هل ماتت صدفة أم قتلها اسم هتلر؟ الأفضل أن أغادر المكان قبل أن يكتشفوا أمري. (يهم بجمع أمتعته في الحقيبة ثم يتراجع قائلا) أنا لا أخافهم. هتلر كان قويّا وسأكون مثله لأستأهل اسمه. أشبهه حتى في الفشل الدّراسي؟ هو أيضا أطرد من المدرسة لكسله وسوء سلوكه...هه، قد نتشابه ولكن سلوكي كان مرضيّا، مرّة واحدة، ظنّ المدرّس بي سوءا وعاقبني، اتّهمني ولم يترك لي فرصة للتّعبير عن براءتي. ولو فعل لعاقب نفسه وأطلقني. المدرّس لا يخطئ أبدا، هكذا تعلّمنا، نحن التّلاميذ نتحمّل كل الأخطاء التي تقع على رأس المدرسة حتى الحشائش التي ترميها الرّيح في ساحتها، وكذلك قطرات المطر والطّين الذي يعلق بأحذيتنا، نحن أيضا مسؤولون عنه. هكذا تسير الحياة في المدرسة ولم نحتجّ ولا حتى استطعنا مرة واحدة أن نعبّر عن قلقنا من هذه الأوامر. |
|
|
(يتوقف ليستردّ أنفاسه فيطلق زفرة كأنّ به حزنا دفينا ألقاه من قاع الصّدر) |
|
|
|
الهادي |
|
ــ اييييييه، ما أحلى تلك الأيّام! رغم مرارتها كانت حلوة، كنت أجلس إلى جانب عائشة وكانت أنفاسنا تتعانق من حولنا ولا أحد من زملائنا تفطّن إلى ذلك، كان معلّمنا مركّزا أنظاره على الجهة التي نجلس فيها: كأنّه كان بانتظار وقوع شيء مهمّ، أو حدث جلل، كنّا أنا وعائشة نتابع الدّرس بانتباه شديد وكلّما فاجأ المعلم أحدنا بسؤال وجد الإجابة فزال شكّه. يومها زلّ الانتباه بعائشة فاختطف مدرّسنا تلك اللحظة وألقى عليها سؤالا خاطفا ليختبر تركيزها. تلكّأت المسكينة ولم تجب فقررتُ إنقاذها ...قرّبت شفاهي كثيرا من أذنها إلى أن كاد فمي يلاصق خدّها ووشوشت لها الإجابة وقبل أن أنهي الكلام كانت كف سيّدي المدرّس قد هوت على عنقي فارتطمت شفاهي بخدّ عائشة وأخذتني قشعريرة لم أذق طعمها أبدا...كان ذلك الإحساس الغريب والجميل كافيا لشدّ النّفس عن البكاء بل لم أشعر بأيّ ألم وكم وددت لو زادني المعلم ضربات أخرى آه... (ينتشي بالذكرى فيبتسم ويمسّح على وجهه) مضى ذلك الزمن الجميل بخيره وبشرّه ومنذ ذلك اليوم أحببت الضّرب واقتنعت بأنه أحد أسباب النّجاح (هنيهة من الصّمت قبل أن يعود) |
|
|
|
الهادي |
|
أشعر بحسرة على تلك الأيام. كنا نلتقط المعلومة من مدرّسنا كما تلتقط العصافير الحبّ من أفواه أمهاتها، كنّا نتصايح رافعين أيادينا طلبا للإجابة على كلّ سؤال صعب وكانت الإجابة على الأسئلة الصعبة تساوي جائزة فوريّة: حبّة حلوى أو قطعة بسكويت، لم أنس النّحو والإعراب وأتذكر كيف نزلت زمرّدة على كفّي عندما قرأت الإعراب بفتح الألف، زمرّدة هذه هي عصا المدرّس التي قدّها بنفسه من أغصان الزّيتون وحافظ عليها في محفظته، يتنقل بها في كل مكان، مضى ذلك الزّمن بخيره وبقواعد الصّرف والتّصريف ولم أكن بارعا في هذا ولا في ذاك، ما زلت أقرأ شعار معلّمنا الذي كتبه على طول السّبّورة في اليوم الأوّل من السّنة كتبه طولا وعرضا حتّى يقرأه الذي على اليمين والذي على السّيار وباللّون الأحمر: قال الشيخ دي كارت: فَكْرِ...نُوا أو لا فكر..انتم. فأنتم مفكّرون كالفكارين التي تفكّرُ بلا دماغ. ومادام الفكْرُ من الفكرون فأنتم مفكّرون تتفكّرون ولا تتنكّرون. |
|
|
(يصمت بعض اللحظات ثم بصوت خافت مطبوع بالخجل) |
|
|
|
الهادي |
|
إلى اليوم أخطئ في النّحو والصّرف ولا أحسن صرف الأموال ولا تصريف النّاس. كنت أحفظ فقط جدول الضّرب وأحسن اختلاق طريقة أو حيلة لأستعين بها على حفظه عن ظهر قلب ولم أتفطّن إلى أن الضّرب ضرب ولو كان بالأرقام... هكذا كنا نتلقى التّربية على قواعد سليمة صحيحة إلى أن دخلت علينا منصّات التّواصل الاجتماعي بلغات الهواتف النّقالة فازدادت ظروف المدرّس سوءا وأصبح بدوره يتلقّى الضّربة تلو الضّربة دون أن يقدر على ردّ الفعل أو حتى الاحتجاج. كنا في ذلك الزّمن نقف للمعلّم الذي كاد أن يكون رسولا (يتناول هاتفه الجوال فيشغله ويفتح أحد الروابط ويقرأ) ــ قُمْ للمعلِّمِ وفِّهِ التّبْجِيلا .... كادَ المعلّمُ أنْ يكونَ رَسولا. رحم الله الشاعر أحمد شوقي. |
|
|
(يعيد إسكات الهاتف الجوّال ويمشي ويجيء على خشبة المسرح كأنّه يبحث في ذاكرته عن شيء ثم يصيح) |
|
|
|
الهادي |
|
ــ والآن، هايْ هِتْلَرْ يا هادي؟ ماذا ستفعل بعد أن خسرت بلدك وأهلك؟ ماذا ستفعل؟ ستتركها على الله؟ ...طيّب اتركها على الله اترك للزّمن أن يختار فعلته، اترك للتّاريخ أن يقرّر الآتي، وأن يقودك نحو المجهول، أنت تكره التّاريخ ...ولعلّك كنت ضحيته في يوم من الأيام، نعم كنت ضحية اهمالي للتاريخ. |
|
|
(يتوقف عن الكلام فجأة، يمشي إلى الحقيبة وينتحي إحدى الزّوايا فيغيّر ملابسه بأخرى ثم يتفقّد المكان كأنه يتحاشى المارين أو السّامعين) |
|
|
|
الهادي |
|
الاحتياط واجب. أنا لم أكن ضحية التّاريخ بل كان التّاريخ ضحيّتي وأنا سأدخُله وأقيم فيه رغما عن أهله وأوراقه. |
|
|
(يرتاح على الدكّة قليلا ثم يمشي إلى ناصية الركح) |
|
|
|
الهادي |
|
أما حكايتي مع التاريخ فلن أنساها أبدا. سألني المعلم مرّة. |
|
|
(يقلّد صوت المعلم): |
|
|
|
الهادي |
|
من أحرق روما؟ |
|
|
صمتّ في البداية لكنّه أصرّ وألحّ وأرغمني على الإجابة فقلت له بكل عفوية وصدق: لست أنا يا سيّدي. ولم أدْر ما هزّهُ. استنجد بزمرّدة وكان قلبها من خشبٍ، وكان يدلّلها فيلفّها في غطاء صوفيّ سرعان ما تتخلّى عنه اذا قابلتها كفّي. |
|
|
(يحاكي تلقي الضرب فيميل يمنة ويسرة متحاشيا ومراوغا) |
|
|
|
الهادي |
|
وتقرّر أن أمثل أمام مجلس التأديب. يومها عدت إلى منزلنا محمرّ الوجه منتفخ الكفّين، أجرّ قدميّ جرّا كالجندي المهزوم في آخر المعركة. حالما وصلت ورميت بمحفظتي أمام أمي سمعنا طرقا خفيفا على الباب ...جرت أمي لتفتحه فإذا بعائشة تندفع نحوي وتحضنني كما تحضن أخت أخاها بعد غياب طويل... ياهْ مضى ذلك الزمن ببراءتنا وبحبّنا، لم تحتمل أمّي هذا المشهد. (يحاكي صوت أمّه) أيتها الملعونة؟ ماذا تفعلين؟ اتركي ابني منشغلا بدروسه، إنّه لا يفكّر فيك أبدا ولن يتزوّجك ولو انقلبت الأرض على السّماء، هيّا اخرجي من هنا، قلّة حياء بنات العصر. |
|
|
(يطلق زفرة طويلة ويمشي مطأطئا رأسه ثم يقف بكل اعتداد) |
|
|
|
الهادي |
|
خرجت عائشة وعلى كتفيها كل أحزان الدنيا، مكسورة الخاطر والجناح، مشت بعض الخطوات ثمّ استدارت واستنجدت بما تملك من قوّة وصاحت في وجه أمّي: (يحاكي صوتها) الهادي بريء يا خالة، لم يحرق روما، صدّقيه، لم يحرقها ولم يحرق قلبها. وصرخت أمي في وجهي: ــ حرق الله قلبيكما معا، مَن غيرُه يفعلها؟ ــ أنا يا أمّي أحرقت روما؟ أنا؟ ـ طبعا أنت؟ الآن عرفت وَلَعك بالكبريت... قطعته من المنزل قطع الله دابرك ودابر عائشة، وها قد انكشف صنيعك وأحرقت روما .... أخبرني يا صاحب الفعلة لمن روما هذه ومن أمّها؟ |
|
|
لم تنتظر منّي جوابا بل انهالت على ضربا ... |
|
|
(يعنّف نفسه على طريقة أمّه حتّى يسقط أرضا ثم ينهض من جديد) |
|
|
|
الهادي |
|
إن الضربة التي لا تقسم ظهرك تقوّيه، قالها عمر المختار، وأنا تعوّدت على الضّرب فصارت عندي قدرة كبيرة على تحمّل الأذى، أمّي من جهة والمدرّس وزمرته من جهة أخرى، هؤلاء شبعوا ضربا فأحالوني على مجلس التأديب ويبدو أنه قرّر طردي وأرسل برقية جلب إلى البوليس الدّولي. أما أبي فلا يضرب وإنّما يجلد بحزامه الجلدي... أبي، أبي؟ (مقلدا صوت والده) ماذا تريد منّي يا فرخ؟ أتمنّى أن تذهب معي إلى دار جارنا لتخطب عائشة فأنا أريدها على سنّة الله ورسوله وقد شاورتها في الأمر فطلبت مهرها صندوقين من الطماطم... لا غير، وإنّ الفُروخ على أمثالها تقع ولقد وقع الرّاس في الفأس أو العكس. (بصوت والده) ــ صندوقان من الطماطم لا أكثر ولا أقل؟ ــ نعم يا أبي .... أبي هذا لا يحسن إضاعة الوقت ولا يترك لي فرصة الهروب. |
|
|
(يسحب الهادي حزامه وينهال على جنبيه ضربا إلى أن يسقط أرضا وهو يتألّم. بعد برهة ينهض متأوها ليغني) |
|
|
|
الهادي |
|
مَمْشُوطْ غْمَارْ.... يَا سَالِفْ عائْشَهْ مَمْشُوطْ غْمَارْ طَيْرِ الغِرْبَانْ صفِقْ مَا طَارْ يا سالف عيشهْ اثْنِينْ بْنَاويتْ يمْشُوا بالرَّنَّه منْ بيتْ لبِيتْ على سَالِفْ عِيشهْ مدهونْ بالزّيتْ في لونه نرْجَى ليل مع نهارْ يا سالف عيشة. (1) |
|
|
يومها، حزنتُ كثيرا لأنّ أمّي لم تطلبْ من أبي أن يفكّ عن ضربي، حتّى خِلْت أنها تشجّعه، لذلك أسرعتْ فجلبتْ الحبل ليربطني به إلى باب المنزل الخارجي ويعرضني على أهل الحيّ موثوقا ومعاقبا، فقد يهابه الصّغار ويحترمه الكبار لقسوته وشدّته في تربيتي. والى اليوم لم أستطع أن أتخيّل كيف أنّ أمّا تسمح لغيرها بضرب ابنها ويومها اكتشفت أن القطة أحنّ على صغارها من أمّي. في ذلك الوقت، وأنا على تلك الحال، اختارت أمّي أن تخبره بطردي من المدرسة وبأنني أحرقت روما فردّ عليها متوعّدا ومهدّدا: |
|
|
ــ إن آجلا أو عاجلا سيأتيني صاحب روما ليشتكي وسترين ما أنا فاعِلٌ به. |
|
|
عندها فقط أيقنت أن لا فائدة في مكوثي بتلك الدّيار وأنني غريبٌ في أمة تداركها الله كصالحٍ في ثمود. حملت حقيبتي وارتحلت، وراوغتهم جميعا: فلا أحد يخطر بباله أنّني سأمتطي القطار إلى وجهة لا أدريها، واكتشفت متعة السّفر الى وجهة لا أدريها. وها أنا أبحث عمّن أحرق روما. (ينادي) ــ يا ناس أرجوكم دلّوني على من أحرقها، يا قوم، يا مؤرخين يا كتبة يا مدرّسين من أحرقها أحرق الله قلبه، يا ناس...أريد اسمه فقط لأعْلم به الجهلةَ فقط المعلّم وأمّي وأبي وربّما المدير وإن لم يتّهمني، ولا يهمّني سبب الحرق؛ تلك مسألة داخلية وأنا حفظت عن الديمقراطية الطبيعية أنّ التدخل في أمور الآخر يجب أن يكون مبرّرا. |
|
|
(يخفت صوته رويدا رويدا إلى أن ينقطع. يبدو عليه التعب فيتقدّم زحفا نحو الحقيبة ليتناول الكتاب ويقرأ بعض الفقرات بصوت مرتفع): |
|
|
|
الهادي |
|
من لا يستحقّ الحياة لضعفه لا يحقّ له التّواجد. لا مكان للأعشاب الطفيلية وسط الأزهار. على النّار أن تأكلها. والنّار اختلقها الانسان القويّ ليقهر بها الطبيعة. ولنذكر أن الجراد يموت متّهما بضعفه. إنّ الأرض خلقت لتحمل البحار والغابات ويجب أن تعمل بقانون الغاب وأن تسمح للحوت بأن يأكل الأسماك. وإلا لم يعد معنى لكلام الجدود ومن لا جدود له لا وجود له، ألم يقولوا: حوت يأكل الحوت وقليل الجهد يموت؟ أنا أرسلتني الطّبيعة لأساعدها على تنقية العنصر البشري من الضعفاء. عليّ إذن أن أجمع ما يلزم من العتاد، عليّ أن أهاجم الآخرين قبل أن يهاجموني، عليّ أن أفتك من الناس كل ما أرى أني أحق به منهم. حبّ الامتلاك غريزة وحبّ السّيطرة سلوك طبيعي فلماذا يعيبهما الناس عليّ؟ حبّ الذّات والأنانية قاسم مشترك بين المخلوقات جميعا فلماذا أحرم منهما؟ أنا الآن في حاجة إلى قوةّ لأفرضها على الآخرين. لقد عشت طول حياتي مقهورا وضعيفا. اختبرتني الطبيعة ثم دربتني على الشدّة ثم أطلقتني على الضعفاء. |
|
|
(يرمي الكتاب جانبا وتبدو عليه الحيرة فيدور حول نفسه) |
|
|
|
الهادي |
|
هل أكون كما أراد هتلر؟ قاهرا ولا مقهورا، ظالما ولا مظلوما ضاربا ولا مضروبا. كارها ولا محبوبا، حاقدا وحاسدا، وحشا لا يعرف لمشاعر المحبّة شكلا. |
|
|
(يرنّ جرس الهاتف فيتناوله ويردّ على الطالب) |
|
|
|
الهادي |
|
ــ مرحبا، أنا، لا، لم أعد الهادي. اشتريت اسما جديدا لائقا وصالحا. نعم...من السّوق السّوداء، سأجرّبه لمدّة شهر فإن لم يعجبني سأغيّره بآخر. اشتريته بقيمة صاحبه... هتلر. نعم هتلر ... إنّه حاكم ألمانيا سابقا ولم يكن ألمانيا بل نمساويّا. نعم ...نعم...بعد أن أحرق روما...لا ...لا تكنْ غبيّا مثل أمي، نيرون هو الذي أحرق روما...نعم لقد كان مجنونا بعظمته ...لم يكن متواضعا. نعم أحرق نفسه مع مدينته ... هل تسألني عن أحوالي أم تريد منّي درسا في التّاريخ؟ يسمّونها سياسة الأرض المحروقة، فعلتها الكاهنة المسيحية في تونس عندما داهمها بنو هلال فأحرقت الزّيتون من حولها واحترقت دولتها، نعم، هذا صحيح قبيلة بني هلال كلّها هتلر، متوحّشة، لا تعرف الحضارة، تزرع الخراب حيثما حلّت، في داخل كلّ واحد منهم هتلر صغير بطبع حيوانيّ متغطرس، لا يعرف للنّهب ولا للنّهش حدّا...تريد اسما يشبه اسمي...لا يمكن، هتلر واحد لم يجُد الزّمان بمثله، فهمتك؛ تريد أن تفجّر في نفسك طبعك الهتلريّ الدّفين، أيّها الأعرابيّ اللّعين ما ينقصك عن هتلر إلا أن تتقمّص اسمه. اسم هتلر اشتريته من متحف المحطّة ...في المدينة نعم في مدينة لا أعرف اسمها. ربما تكون روما ...هتلر كان عدوانيّا وشارب دماء ... اشتريت اسمه مؤقّتا ...سيساعدني على فهم نفسي وتخطّي عذابات الماضي ... نعم نعم لقد تعبت ...أنا في حاجة إلى الثأر من الجميع، الهاتف، سينطفئ، ابق معي ...لا تغلق الخطّ |
|
|
(يدور في المحطة بحثا عن مصدر الكهرباء حتى يجده فيوصل هاتفه به وهو يقول): |
|
|
|
الهادي |
|
هذا البلد منظّم يحترم مواطنيه ويفكّر في مصالحهم في كل مكان. |
|
|
(فجأة يصاب بنوبة من البكاء، فيغلق هاتفه ويتواصل بكاؤه إلى حدّ الشهيق. عندما يرنّ جرس الهاتف من جديد، لكن الهادي يتجاهله ويبحث في الحقيبة فيخرج منها مسدّسا. يتواصل رنين الهاتف إلى أن يفتحه الهادي ويفتح معه االكاميرا ويردّ على الطّالب) |
|
|
|
الهادي |
|
أهلا، هل تراني جيّدا، لم أتغيّر حتى بالاسم الجديد، لا يا حبيبي، لست مجنونا لأنتحر، لا تخف، سأطلق النّار دون ارتكاب جريمة سأقتل الحقد الذي استوطن صدري ...لم أستطع تحمّله يا صاحبي ...سأقتل هتلر الذي في داخلي وفي داخلك أيضا سأخلّصك منه، داخل كل واحد منّا هتلر يجب التخلّص منه...سأعود لأرى أبي سأتزوج عائشة وسوف نربّي أطفالنا على المحبّة والصّدق والسّلوك الحسن، سأعود ...في أوّل قطار قادم من الجهة المعاكسة. ماذا تقول؟ أبي مات؟ وأمي أيضا؟ قمتم بدفنهما جنبا إلى جنب، شكرا لكم. ربّما يحبّان بعضهما ميّتين على الأقل، كنتم مجبرين على دفنهما دون انتظاري، شكرا لكم على أيّة حال. عائشة تزوّجت؟ وأنجبت؟ إذًا كلّ شيء انتهى بالنّسبة لي، لن أعود إليكم، كنت سأفعلها لأنجب أطفالا وأجعلهم للثأر من صناديق الطماطم، فغايتي نبيلة وغاية الطماطم ذليلة. سأبحث عن عمل في هذه المدينة، يمكنني امتهان الحراسة فأنا لا أملك شهادات ولا حتّى أوراق. باي باي |
|
|
(يفتح الحقيبة ويثبت الصّورة على البدلة العسكرية ثم يوجّه فوهة المسدّس، يتراجع بعض الخطوات ويطلق النّار مرة واحدة وينهي كلامه): |
|
|
|
الهادي |
|
باي باي هتلر... |
|
|
(يسمع صوت القطار واحتكاك العجلات الحديديّة على السّكة يسرع نحو باب المحطة وهو يشير مودعا، يتوقّف قدّام الباب، يرمي بالحقيبة داخل القطار. ويتراجع إلى الوراء، يمضي القطار ويشرع في تغيير المكان الى ما يشبه مسكنا فيفكك الحاوية الكبيرة الى سرير ويحكم باب المحطة بحيث لا يمكن فتحه الخ) |
|
|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)أغنية من التّراث التّونسي |
|
الفصل الثاني
|
المحطّة وقد تحوّلت الى ما يشبه ساحة تطلّ عليها بعض الأبواب والشبابيك، فوانيس معلقة على الاعمدة تنير المكان بنور خافت، في الجهة المقابلة مقعد خشبي يرتاح عليه المسافرون. يمكن وضع علامات اشهارية لمنتوجات تجارية على الجدران. نلمح شباكا كتب أعلاه: مشرب، وبابا يدل على انه لقاعة غسيل وكشكا لبيع الصحف وموزعا آليا. كل الأبواب والشبابيك مغلقة. |
المنظر |
|
بعد منتصف الليل. |
الزمان |
|
(يدخل الهادي يسبقه صوته وهو يعلو شيئا فشيئا الى حين يتوسّط الخشبة. يجلس الهادي على المقعد الخشبي ويغوص في التفكير بعض اللحظات ثم يقفز كمن عثر على شيء مهمّ) |
|
|
وأخيرا لقيتها. أين كنت أيتها الجميلة العصيّة العنيدة؟ أين اختبأت في أعماق الدماغ؟ لماذا أضعتني دهرا ولم تنقذيني؟ لا يهمّ. يقول المثل المستورد: أن تصل متأخّرا خير من ألا تجيء، ويقول المثل الوطني: المليح يبطئ دائما. تعالي، انزلي، انصبّي بين كفّيّ. أيّتها الحبيبة المنقذة. |
الهادي |
|
(يضع يديه على رأسه ويحاكي اعتصار دماغه كأنّه لينزل منه شيئا غير مرئي. يسحب كفيه على عينيه ثم يوهم بأنّه أخرج شيئا ما يضعه أمامه ويتوجّه اليه) |
|
|
شكرا على الحضور أيتها الفكرة الجهنّمية العظمى، هكذا لن أضيع ولن أضيع أحلامي ولا أدواتي. (يفتح الحقيبة) الأفكار تولد في الرّأس وتحمل في الحقائب. وهي معروضة دائما للبيع والشراء ولكنها لا تحمي نفسها عندما يقصدها اللّصوص. (يشرع في اخراج أدواته معلّقا على كل واحدة) هذه عناصر هويّتي. ما دمت بلا اسم ولا لقب، أو لنقل كالمولود الجديد في انتظار اسم. أنا لن أنتظر أن يمنحني النّاس اسما يعرفونني به. قد يفعلون ذلك بناء على صفة يصنعونها من لوني أو شكلي أو قامتي أو من طريقة كلامي او حتى من مشيتي، لن اتركهم يفعلون وسأكون الشخص الوحيد في العالم الذي يسمّي نفسه بكلّ حرّية وبشفافية ودون أوامر من أي كان. (يسحب مطرقة من الحقيبة) أنا أحمل هذه فأنا البنّاء (ثم يسحب فأسا) وإذ أحمل هذا سيسمّيني النّاس الفلاح (يسحب كتابا) وأمّا إذا كان بيدي هذا الكتاب فأنا المربي الذي يعلّم الصبيان القرآن الكريم، ههههه هذه ليست مضمونة فقد أكون في بلاد لا يعرفون الله وقرآنه (يصيح وقد أوشك على الدّخول في نوبة هستيريّة) يا ناس يا ناس أين أنا؟ اين أنتم؟ بل من أنتم؟ ومن أنا؟ أيها الناس، من الأفضل أن ترشدوني (يهدأ قبل أن يواصل) أشياء كثيرة لا اسم لها ولا حتّى لغة، الموسيقى مثلا تصلح لي شغلا فهي لا تحتاج الى اسم او لغة، الرّقص أيضا، لكن يلزمه موهبة. الدّيمقراطية لا شروط لها ولا لغة، إنّها ممارسة إنسانية عالمية، سأفتح دكّانا لبيع الديمقراطية، وإذا تعذّر سأبيعها على قارعة الطّريق. وما العيب في ذلك؟ ستكون بدعة وسأسمّى الديمقراطي أو هتلر الديمقراطي، اسم حصلت عليه باجتهاد شخصي. |
الهادي |
|
(يحمل حقيبته من جديد ويغادر يتبعه نزول الظلام على الركح، ثم يعود من الجهة الأخرى للخشبة يسبقه صوته وهو يغني. وعندما يعود الضوء نلمحه يرقص على إيقاع خفيف يصنعه في الحين) |
|
|
أنا هُنا، أنا هنا اسمي معي، في أضلعي أما شوارع التّعب خالية من الطّرب جئت إليها بالغِناءْ اسمي معي في أضلعي أضعت في الماضي النّسب أنا هنا، لست أعي جاء القطار أو ذهب |
الهادي |
|
(يتوقّف عن الرّقص، يجلس على المقعد الخشبي ويفتح حقيبته ويخرج منه المرآة يسندها على ظهر المقعد، يتأمّل في وجهه الظاهر في المرآة، ثم يحدّث نفسه) |
|
|
هادي، يا هتلر القديم. يا شقيقي، يا توأم الرّوح، نحن نتقابل ولا نتقاتل. نتكامل ولا نتكاسل، الدنيا تتحرّك على شيئين متناقضين، كل الأشياء لها اضداد، كل ما نراه مبني على التضاد، الدنيا تقف على ثنائيات. حتّى أنا الذي هنا وأنت الذي هناك، كلنا نعيش على ثنائيتين، واحدة غائبة بلا اسم ولا لقب، والأخرى حاضرة الهادي وهتلر...وفي هذه الثنائية أسرار الدنيا مجتمعة، فنحن الخير والشّر والانسان والحيوان والماء والنّار والقديم والحديث والميت والحي والمعروف والمجهول والجهر والسّر والحزن والفرح والحب والكراهية والجنة والجحيم والغطاء والعراء والامام والوراء وانت أيها الوجه المقابل في المرآة أي من الوجهين الصحيح وأيّهما الخاطئ ومن منهما الصادق ومن الكاذب، الحقيقي والمزيف. أي منكما الهادي وأي منكما هتلر؟ أنا سأختار. |
الهادي |
|
(يقوم بحركات مقابل المرآة لا معنى لها يكررها كالمجنون إلى أن تأخذه نوبة هي مزيج من البكاء والضحك. ثم يسحب لوحة ويثبت عليها بعض الاوتار ليعزف عليها ويضرب على اللوحة محاولا إيجاد إيقاع لغنائه) |
|
|
أنا هنا، وحدي أنا أخيط من حزني غناءْ هل تفهمون أنّني، أضعت اسمي من فمي فلتطربوا، ولترقصوا، غنّوا معي نادوا معي اسمي الذي في أضلعي فربّما يعود لي ولا يعي جاء القطار أو ذهب |
الهادي: |
|
(يفكّك الحاوية الكبيرة ليجعل منها منضدة (كونتوار) ثم يجرّ المقعد الخشبي ليجعله سريرا يضعه أمام باب المحطّة ليمنع فتحه) |
|
|
بيان ختامي: أنا هنا فالهنا ملكي، ومن فكّر في اخراج الهادي من هنا فليقتل هتلر، وهذا أمر مستحيل، إنّ الطبيعة لا تأبى الفراغ وهي التي القت بي هنا لأعمّر الهنا. لماذا يسمّون هذا المكان محطّة؟ لا أحد ينزل فيها ولا أحد يركب منها فلماذا يتوقّف فبيها القطار؟ |
الهادي |
|
(يخفت الضّوء رويدا رويدا من حول الهادي وهو يغنّي وينخفض صوته حتّى يتلاشى ويعمّ الظّلام. وحين يعود الضوء فجأة نراه يجمع نقودا وضعها المارّة أو المتطفّلون في صحن أمامه، يحسبها، ثم يطوي الأوراق منها ويدسّها في جيب سترته أما القطع المعدنية فيلعب بها في الفضاء قليلا ثم يمشي إلى الموزّع الآلي. يدفع في احدى فجوته بقطعة نقدية فتشتعل بعض الازرار، يتثبّت في بعضها ويضغط على الزّر المقابل، تشتغل الالة محدثة أصواتا فيها من الموسيقى ما يجعل الهادي يطرب فرحا. يمدّ يده إلى خانة أسفل الموزّع فيسحب قهوة ساخنة سرعان ما يشربها ليعود الى الالة فيدفع فيها ببعض القطع النقدية ويضغط على الزرّ المقابل، يسمع أصواتا كأنها صادرة عن أدوات طبخ ويسحب من الخانة السفلى سندويتشا ملفوفا في ورق أبيض وزجاجة كوكاكولا. يجلس على المقعد الخشبي ويشرع في الاكل محدّثا نفسه من حين لآخر. |
|
|
هذه الحكومة تفكّر في شعبها؛ إنّها حكومة تخاف الله وتخاف النّاس فوضعت الأكل على الطريق العام ومكّنت الجائعين منه. إنّ في هذه البلاد حكمة تقول: إن جُعت غنّ، ولا تسلْ من أين تنزل عليك الأموال، وكيف تفتحُ أمامك المقاهي والمطاعمُ. طبعا لا بدّ أن تكون حكومة منتخبة تشتري الأصوات بمالها لا بمال الشعب. حكومة هذا البلد تفكّر في الاحياء والاموات فهي تعرف كيف تسعدهم بأموالهم وتحصل على مال الاغنياء فتطعم منه الفقراء وتشتري به أصوات الاغبياء. هنيئا لهذا الشعب. سأشرّفه باختيار اسم منه، سأمشي في الشوارع مرهفا السّمع حتى أعثر على أكثر الأسماء تداولا، لا بدّ أن يتنادى النّاس بأسمائهم. (يقترب من دكان الغسيل يحاول قراءة الارشادات وتطبيقها فيخلع سترته ثم سرواله يرمي بهما من خلال نافذة صغيرة يمسك بمقبض الباب، يعود الى قراءة الارشادات، يفكّر بعض اللّحظات، يعود ليلبس سرواله وسترته ويدفع ببعض القطع النقدية في الثقب المخصص. تشتغل الالة محدثة أصواتا مختلفة، يتقدم ببطء نحو الباب الجانبي للألة، يحيّي الجهة المقابلة ويختفي وراء الباب، تمرّ لحظات نسمع خلالها أصوات غريبة تنتهي بثلاث نوتات (نقرات) يخرج بعدها الهادي من الباب المقابل. ينظر في نفسه فيتفاجأ بأن بدلته صارت بلون واحد بعد أن اختفى اللون الآخر ويجري الى المرآة لينظر في وجهه فيعجب إذ يراه صافيا مائلا الى البياض) |
الهادي |
|
حكومة هذا البلد حكومة نظيفة تماما، لا تحبّ المتلوّنين من النّاس وهي تعطي المواطن الحق في اختيار اللّون الذي يرغب فيه وتشجع على النظافة وتسخّر الآلات لتنظيف النّفوس والهندام كما ينقّى الثوب الأبيض من الدّنس. في الداخل سحبت مني الالة قلبي فنظّفته وحكّته بورقة من الألومينيوم المقوّى ثم أعادته مكانه. واقتطعت كفّيّ فقشّرت جلدتهما وفركتها بالماء والصّابون وبالجفال وبسائل آخر ثمّ اعادتها الى مكانها بدون ألم ولا وخز بل تجعلك تشعر بدغدغة منعشة، الا العطر، إلا العطر، آ، هذا لا يحصل عليه الواحد الا بالرّشوة، نحن نسمّيها رشوة أما الآلة فتسمّيها تشجيعا او خدمة زائدة. الآن، يمكنني أن أسمّي نفسي السّيد النظيف. وما ينقصني الا العمل. سأبحث عنه وسأعرف الطّريق إليه، وحتما سأصل. |
الهادي |
|
(يتوجه الى الكشك ويتناول جريدة من حزمة الجرائد الموضوعة على الشباك. ويعود الى المقعد ليتصفح الجريدة) |
|
|
(وهو يطوي صفحات الجريدة) رياضة، رياضة أخرى، أيضا، الموتى يرحمهم الله، أخبار المحكمة والجرائم، عروض زواج، (ينشرح) وجدتها هي هنا، عروض الشغل (ينهض ليقرأ) شركة متعددة الاختصاصات ترغب في تشغيل شاب وسيم يصلح لبيع العطورات في المقاهي والحانات المطلوب (يضرب على العمود في الصفحة بقفا يده) لا ينفع لست وسيما بما فيه الكفاية. (يواصل قراءة العروض) شركة وطنية ترغب في انتداب سائق. (يتوقف عن قراءة العرض) إدارة في وسط المدينة ترغب في انتداب حارس ليلي بلا شروط، يرجى الاتصال بالشركة مباشرة للمحاورة، ملاحظة هذا الخبر خال من الفيروسات ولا يحتاج الى رشوة فكل المعطيات سيسجلها ويعالجها الحاسوب حسب تطبيقة معينة. |
الهادي |
|
(يقتطع الهادي الصفحة، يتثبّت من العنوان ثم يطوي الصفحة ويدسّها في جيب سترته...يفكّر قليلا ثم يعود للورقة من جديد ويسحب هاتفه الخلوي ويطلب رقما) |
|
|
نعم، السيد المدير، سأكون عند حضرتك بعد طيّ المسافة الى ادارتكم. لا أعرف أين ولكنّني سأصل، إنّني قريب جدّا. لا اعرف عنواني تحديدا، لم أحفظه بعد، حديث السّكن في هذا المكان. اخترته لأقترب من إدارتكم. سلام |
الهادي |
|
(يعيد هاتفه الى جيب سترته ثم يفرغ الحقيبة في الحاوية ولا يستبقي معه الا المرآة ويغادر) ظلام |
|
الفصل الثالث (*)
|
بهو فسيح في إدارة تطلّ عليه أبواب المكاتب وبعض الشّبابيك، في زاوية من البهو الذي يحتلّ الرّكح (أو خشبة المسرح) سرير يستعمله حارس الإدارة للرّاحة والنّوم وبجانب السّرير منضدة صغيرة عليها ساعة منبّهة، في حين نرى الهاتف معلّقا في أحد الحيطان. يبدو البهو مزينا ببعض اللّوحات وبإطارات للإرشاد والبيانات الإداريّة مثل: الإدارة في خدمة المواطن، أنا موظف نظيف ألتزم بخدمة المواطن ممنوع الرّشوة والارتشاء. الابتسامة نصف الخدمة. |
المكان |
|
|
الزمان |
|
ليلا (مع طلوع الفجر) |
|
|
|
الشخصية |
|
الهادي عَرَبَ الله، يعمل حارسا ليليّا في الإدارة فيبيت في البهو. |
|
|
|
المنظر |
|
يبدو الهادي عرب الله ممدّدا على السّرير غاطّا في نوم عميق عندما يرنّ جرس الهاتف المعلّق، ودون أن ينهض الهادي يمدّ يده إلى المنبّه ليُسكته، غير أن الرّنين يتواصل. عندها يفهم أن الرّنين صادر عن الهاتف فيمشي نحوه متثاقلا متثائبا، يرفع السّمّاعةَ ويتكلّم: |
|
|
|
الهادي |
|
السّلام عليكم.... |
|
|
(لا يردّ أحد فيواصل) مرحبا، صباحكم أو فجركم طيّب. |
|
|
(يسمع ضحك صادر عن السّمّاعة ولا يسمع أي كلام، يبعد عرب الله رأسه عن الهاتف متحاشيا قوّة الضّحك الذي يعلو شيئا فشيئا، يعود إلى السمّاعة): |
|
|
|
الهادي |
|
من فضلك، كفَّ عن الضّحك وإلا ستجبرُني على قطع المكالمة. |
|
|
(يزداد الضّحك قوّة حتى يصبح قهقهة. ويعود عرب الله إلى مخاطبة الصوت مرة أخرى): |
|
|
|
الهادي |
|
أعتذر لك، صبّحتُ عليك وكان أولى أن أفجّر عليك فالفجر لم ينقضِ بعدُ. يكفي إذن ضحكا وإلا ستضطرني إلى أن أفجّر الخط على سمعك. |
|
|
(يعيد السّمّاعة إلى مكانها وما إن يضعها حتى يرنّ الهاتف من جديد. يتردّد الهادي في رفعها بعض الوقت ثم يمشي إلى الهاتف فيرفع السّمّاعة ويتكلّم): |
|
|
|
الهادي |
|
ها... هداك الله وقررت أن تتكلّم، أم أنت مصرّ على جنونك. |
|
|
(يعود الضحك من جديد. فيغضب الهادي ويترك السّماعة تتدلى في خيطها ويغيب خلف باب من الأبواب ثم يعود بمقص في يده ويتوجه مباشرة إلى الهاتف فيقصّ الخيط ويترك السّماعة تسقط على الأرض. يصمت لحظات ثم يمشي مرتاحا نحو مقدّمة الركح): |
|
|
|
الهادي |
|
انتهى ...الحمد لله. ارتاح الهاتف من ضجيج المتكلم والفضل يعود الى المقص هذه الآلة الرّهيبة، رحم الله صانعها. لقد ترك عملا ينفع النّاس ويسكن به الجنّة. المقصّ منذ بداية التّاريخ أخذ مكانه اللائق...عند الملوك وعند الشّعوب البسيطة، أما أنا فبضربة واحدة أراحني من صخب الطّالب الرّكيك، قصصت الخيط فقطعت الخطّ... جميلة هذه ... نزلت في المكان المناسب. |
|
|
(يعود الهادي عرب الله إلى سريره فيجلس ويضع رأسه بين كفّيه كمن يرتاح من تعب كبير، يطلق زفرة ثم أخرى ويتمدّد من جديد مستعدا إلى النّوم لكنّه لا يمكث إلا لحظات ليقفز واقفا، يمشي ويجيء في الرّكح ممعنا في التفكير ثم: |
|
|
|
الهادي |
|
ماذا أصاب العالم؟ ماذا جرى للناس؟ من زلزل الأرض تحت قدميّ؟ يطلبني واحد من أولئك القوم ليسمعني ضحكاته؟ أنا، أنا أستقبل يومي بضحكة؟ كيف حدث هذا؟ بل لماذا يحدث؟ أفتح سمعي ونظري على الضحك؟ إنّه حدث جلل، أمر يحدث مرّة واحدة في العمر، شاءت الصّدف فحدث هذا الشيء الخطير أوْ وَقَـــعَ... أنا المواطن البسيط الذي يحرس الإدارة في الليل ثم يتحوّل مع الصّباح إلى عون استقبال، أعرض على الموظّفين ابتسامة عند الاستقبال فيردّون عليّ بعدم اللامبالاة، وأوزّع البشاشة على المواطنين الذين يقصدون الإدارة لشأن ما فيبادلونني بالكشّة والنشّة والاحتقار.... لماذا لا يردّون عليّ بمثل ما أخاطبهم به؟ لماذا لا يحترمونني مثلما أحترمهم؟ أنا أكثر الموظفين تواجدا في هذا المكان وقد قضيت سنين عديدة متفانيا في عملي، احترم الجميع، أقدّر النساء أوّلا والرجال ثانيا والصّغار مثلهم، لقد تعوّدت على نفس الكلام ونفس الحركات حتى أصبحت مثل الرّجل الأوتوماتيكي هكذا (يتحوّل إلى عون استقبال آلي يفتح أمامه الباب ويحني له الطربوش وينحني تماما ويمدّ ذراعه وهو يقول: تفضّل بالدخول، المدير في انتظارك سيّدي |
|
|
(يمدّ كفّه مقابل الضيف الوهمي ثم يدخلها في جيبه كأنما هو بصدد استلام رشوة ويضيف متوجها إلى الداخل) |
|
|
|
الهادي |
|
شكرا سيّدي زاد الله في مالك وثبّت أعمالك. |
|
|
(يعود إلى هيئته الطبيعية ويواصل:) |
|
|
|
الهادي |
|
مرّت السّنون وأنا على هذه الحال حتى امتلأت ذاكرتي بعبارات معينة ظلّت تتداول على سمعي حتى خلتها قوتي اللفظي الذي عليّ أن أتناوله، لم تختلف هذه العبارات اليوميّة كثيرا: اسمعْ، انتبهْ، أسكتْ، اذهبْ، تعالَ، أسرعْ، امشِ، اخرجْ، تحرّكْ، اخجلْ، هذه كلّها أوامر ونواهي. أما الكلمات الأخرى فقد تجيء حسب مزاج السيّد مسبوقة دائما بحرف اللام الناهية: لا تسمعْ، لا ترَ، لا تقلْ، لا تفعلْ ولا تمشِ إلى هناك وأنت لا تعلم بشيء ولا تردّ عليهم ولا تضحك أثناء العمل ولا تتركهم أمام الباب أبدا أبدا لا تتركهم ... |
|
|
(يمشي قرب أحد الأبواب فيفتحه ويتظاهر بأنه يمنع أحدهم من الدخول) |
|
|
|
الهادي |
|
لا، من فضلك، أمنعك من اقتحام الإدارة، المدير قال لي قل لمن يسأل عني إنني لست هنا، في اجتماع مطوّل قد لا ينتهي إلا غدا فابق قدام الباب إلى الغد. |
|
|
(يغلق الباب من جديد ويعود على السّرير ثم يقفز مجدّدا كمن تذكّر شيئا مهمّا) |
|
|
لن يمرّ هذا اليوم الذي صبّحت فيه على ضحكة مرّ الكرام ولا سحابة صيف، بل سأجعله سحابا مرعبا ومرعدا وسأنزله مطرا نافعا على كل الشعوب، المبادرة والشّجاعة. |
الهادي |
|
(يجمع أشياءه ويحوّل السّرير على مكتب والمنضدة الى كرسيّ ويضع أمامه على المكتب مصاديح عديدة استعدادا لإلقاء خطبة) |
|
|
|
الهادي |
|
كم كنت غبيّا، نعم أقولها عاليا علوّ همّتي، كنت غبيّا فلم أعوّد نفسي على شيئين أساسيين: الضحك لتعويض ابتسامة الاستقبال والرفض لأتعلم قول لا... |
|
|
(يضع عدة كراس أمام المكتب ويجلس مقابلها ويلقي بمطوية فتبدو للناظر كتابة بالبنط الغليظ: عرب الله يعقد ندوة صحفيّة. يشرع في توزيع الكلام على الصحفيين الحاضرين الوهميّين) |
|
|
|
الهادي |
|
أسألكم سؤالا واحدا: هل من المعقول أن أفطر على ضحكة؟ أجيبكم: ربّما في كوكب آخر وبشروط مغايرة أيضا، فالضّحك المجاني عندما يكون بلا سبب يصبح من قلة الأدب. هكذا تعلّمت. إذن، ونظرا لأنّ اليوم الذي صبّحت فيه على ضحكة يوم غير عادي فمن الواجب أن أدخله إلى التّاريخ وأن أسجّله باسمي في حقوق الملكية الفكرية ولهذا دعوتكم ولا أريدكم متفرّجين سلبيّين، دعوتكم لهذه النّدوة الصّحفية التي سأعلن فيها عن قرارات هامّة، فكونوا على قدر المسؤولية وفي مستوى الحدث الذي لن يتكرّر، فكأنّه عثرة من عثرات الزّمن، وأذكّركم بضرورة تقديم المؤسّسة الصّحفية التي تشتغلون لفائدتها وأن تتحاشوا طرح السؤال المطروح سابقا وان تحترموا الوقت وهذه نقطة مهمّة جدا....وأنبّهكم: لا تضحكوا بل اكتفوا بالابتسام قبل أن اسمح لكم بذلك. |
|
|
(يمشي وراء المكتب ويشرع في ترتيب المصاديح فيتفقّد جاهزية بعضها ويضرب على أخرى لتحدث صوتا ويضحك في أحدها فيسمع ضحك في مضخم الصوّت. يجلس عرب الله على الكرسي فيتراءى له أن المصاديح تحجب عنه الرؤية فيقف على الكرسي: ويتكلّم) |
|
|
|
الهادي |
|
هكذا أبدو أوضح، ويمكن للجميع مشاهدتي... أعتذر فالصّوت لا يصل جيّدا، مصاديحكم ليست على أحسن حال. أنتم اشتريتموها من الصين؟ صحيح؟ إنّها سلعة صينية ...لا يهم سأحاول. |
|
|
(يعود إلى الجلوس ثم يقف من جديد ثم يعتلي الكرسي ثم المكتب حيث يثبّت وقفته): |
|
|
|
الهادي |
|
هكذا أتواصل معكم من علوّ أفضل. أبدأ بك أنت (يشير إلى أحدهم) أنت يا صاحب الذّراع القصيرة...أنت يا قصير القامة طويل العمر تفضّل ...لا لا تسأل، سأجيبكم جميعا قبل أن تسأل، سأريحكم جميعا من مشقّة الطّرح. أنا جمعتكم اليوم لأعلن على اليوم العالمي للضّحك. |
|
|
(ضحك وضوضاء تنبعث من هنا وهناك لكنّها لا تمنع الهادي من مواصلة الخطاب). |
|
|
|
الهادي |
|
في الحقيقة عندما أفطرت على ضحكة لأوّل مرّة في حياتي، فكّرت في دخول موسوعة قينيس للأرقام القياسيّة وقرّرت أن أدخل التّاريخ وأقطن في التّاريخ فلا أغادره أبدا، ولا يمكنني القفز فقد أسقط من الخطوة الأولى لذلك اخترت أن اقطع المسافات خطوة خطوة وأن أتسلّق السّلّم درجة درجة وسأبدأ في الحين، الآن وهنا، فانقلوا جيّدا، انقلوا، انّه خبر حصريّ وأنتم تلهثون دائما وراء الحصريّ لتبيعوه بأعلى الأثمان. لا أخفي عليكم |
|
|
(يتوقّف مفكّرا كمن يريد أن يخبرهم بشيء سرّي فيتردّد ويهمّ بالكلام ثمّ يتراجع. يعيد العملية مرّات حتّى نفهم تذبذبه ثمّ يقدم) |
|
|
|
الهادي |
|
هذه ستبقى ما بيننا .... لا تنقلوها عنّي خوفا من إيقاظ ألسنة السّوء لأن بعضها لا يرضيها العجب العجاب ولا تبحث الا عن القطار الذي يتخلّف في الوصول ولا يهمّها إلا تعرية أخطاء الغير. |
|
|
(ثم إلى الجمهور) |
|
|
من منكم يحمل لسانا كهذا؟ الأفضل أن يقرّ بذنبه قبل اقترافه، وأن ينتبه إلى ضرورة نقل الخبر بأمانة، نعم الأمانة التي سوّدت وجه الغراب... انتبهوا إليها أنت (يشير إلى أحدهم غاضبا) أنت، لماذا ترفع إصبعك هكذا كأنك تعلّق على تغريدة في الفيسبوك. اسحب يدك وأدر أصابعك في كفّك فأنت في حضرة مخترع يوم الضّحك. |
|
|
(يهدأ بعض اللّحظات ويدير رأسه يمنة ويسرة قبل أن يواصل) |
|
|
|
الهادي |
|
اللهم ألهمني سعة البال وقدرة على تحمّل استفزاز المستفزّين |
|
|
(ثم إلى الصحفيين الوهميّين) |
|
|
|
الهادي |
|
الكلمة التي تقال بفلس لا يمكن استرجاعها ولو بألف. |
|
|
(ثم فجأة يشير الى ناحية من الركح) |
|
|
|
الهادي |
|
انت، نعم أنت، سألتني عن اختراع الفكرة؟ نعم الفكرة أم الاختراع الفكرة أم الحضارة، أنا فكرت في أن أبدأ من هنا والآن، من هذا الشّارع الذي سأغيّر اسمه ليصبح شارع الضّحك وهذه السّاحة التي أمامكم سأسمّيها ساحة الضّحك وسأجعل في رأس الشارع صورة .... |
|
|
(يتردّد ثم يسال): |
|
|
|
الهادي |
|
أنت، لم أسمعك |
|
|
(يمطّط طبلة أذنه ويومئ إلى الأمام بأن يرفع صوته، يبدي امتعاضا لأنه لم يسمع، يحاول مرّة أخرى |
|
|
|
الهادي |
|
آ،آ ،فهمتك تريد صورة جمَلٍ وقد انشقّ شاربه بفعل الضّحك، فكرة، سـأرى. |
|
|
(من جديد يشير إلى آخر): |
|
|
|
الهادي |
|
أنت، ماذا قلت؟ نضع صورة قرد يلعب بكبّة صوف ليُضحكَ المارة... لا أنا أرفض السّخرية من الحيوان وأنا هنا لأدفع عنّي سخرية النّاس ولعلّ القرد يرفض السّخرية منه. |
|
|
سأرى ذلك فيما بعد، أما الآن فسأعلن عن اليوم المحلّي للضّحك وهو في نفس الوقت اليوم الجهوي للضّحك، وبما أنّ وطننا العربي يفتقد إلى يوم للضّحك سأجعل من هذا اليوم يوما عربيّا للفرحة والضّحك. بل لماذا لا أفكر في عرضه على الأمم المتحدة ليصبح يوما عالميا للضّحك؟ مثل الأيام الأخرى كيوم المرأة ويوم الطّفل ويوم الأمهات وعيد الشغل. لكل شيء يوم عالمي فللمسرح يوم وللشعر وللموسيقى وللرقص وللمخدرات وللتدخين، حتى المرض جعلوا له يوما عالميا والمرض صغيرا كان أو كبيرا يصيب الإنسان بالحزن والكآبة. فلماذا لا أبادر أنا الهادي عرب الله بإنشاء يوم للفرحة؟ سأحصل على تأييد الجامعة العربية قبل كلّ شيء. وسأذهب رفقتكم أنتم معشر الصحفيين إلى مقر الجامعة لتقديم المشروع بحثا عن تأييدها وأرجوها أن تتبنّى المسالة فأعضاؤها قد ملّوا من نكد الاجتماعات ومن سوء النّية ومن التّراشق بالألفاظ النّابية ومن الصّراخ كلما تعلّق الأمر بمسالة عربيّة كبرى. (يبتعد عن المصاديح ليقول بصوت منخفض): في الحقيقة الشّعب العربي ملّ من وجوههم العبوسة (ثم متوجها الى أحدهم): أنت، نعم أنت ماذا تكتب؟ قلت لكم بيني وبينكم يعني لا تمرّروا هذا الكلام إلى عامّة الناس. فعامّة الناس لا ينبغي أن يعرفوا الكلام الخاص. وعليكم أن تحجبوا الخاص عن العام وإلا تداخلت الأمور واختلط السّري بالعلني ... اكتبوا إن شئتم: الشّعب يريد الضّحك السعيد أو الشّعب العربي ملّ من خاتمة البيانات الختامية التي لم تتغيّر منذ إنشاء الجامعة العربيّة...ولو انني أفضل أن تبقى فهي تحمل عبارات جميلة مثل: سجّلنا تطابق وجهات النظر ورجعنا إلى منازلنا فرحين مسرورين. أنا أريد السّرور والفرحة ولو مؤّقتا. الآن سأنطلق، دقّت ساعة الحسم، إلى الجامعة العربية من يدلني عليها؟ خذوا مصاديحكم ولا تتركوا ظلالكم هنا. |
|
|
(يتنقل على الرّكح مستوقفا في كلّ مرّة شخصا وهميّا يعترضه). |
|
|
|
الهادي |
|
سيّدي، سيّدي هل تدلّني على مقرّ الجامعة العربية؟ لا تعرف؟ أعرف أنك لا تعرفها ولكن على الأقل تمنّيت أن تعرف إنها موجودة، عفوا تعرف إنها على اليسار... لا تعترف بها؟ تلك مسألة أخرى. |
|
|
(يمشي بعض الخطوات ويتوهّم مارّا آخر): |
|
|
|
الهادي |
|
من فضلك دلّني على الجامعة، من هنا؟ نحو الأعلى؟ ثم الأسفل؟ شكرا سأمشي إليها (يواصل حتى يتوهّم مارّا) يا سيّدتي، أين الجمعية العربية...؟ لا...لا أريد جامعة الدول العربية ولا الجامعة التي تدرس العربيّة، قالت نحو اليمين. |
|
|
(يبدو عرب الله متعبا فيرتاح على الكرسي، نفس الكرسي الذي انطلق منه، يتنفّس ملء صدره): |
|
|
|
الهادي |
|
وألان يا هادي؟ تعبت من أجل الوصول إلى أوّل المحطّات ولم تصل، لا أحد يدلّك فمن سيؤيّدك ومن سينتصر لمشروعك، ستبقى موزّعا هكذا بين اليمين واليسار وبين أعلى وأسفل ..لا لا ... |
|
|
(يبدو وكأنه يترنم بحثا عن موسيقى ثم يشرع في الغناء): |
|
|
|
الهادي |
|
آه...عربٌ عربْ اسمي موزّعٌ كدم القتيل على القبائلِ كلّها من أين أبتاع لذاكرتي نسبْ آهْ ...آهْ عربٌ عربْ آهه، إنّي قسوت لأنني مثل المحبِّ خطيئتي إنّي أعاتب من أحبْ آه عربٌ عربْ إنّي نويتُ بضحكتي أن أن أريح عروبتي من كلّ آلام الغضبْ عربٌ عربْ |
|
|
(يخيّل للهادي أنه يستمع إلى تصفيق وتصفير فيتقدّم إلى ناصية الرّكح ويحيي الجمهور): |
|
|
|
الهادي |
|
شكرًا، شكرًا سأعيد بعد وقت من الرّاحة، سأفرضُ الفرح والضّحك بالإقناع لا بالعنفِ ولا بالمسكنةِ، سيسعد جميع النّاس بمشروعك يا هادي سيفرح الصّغير وخاصة الولدان، نعم لماذا يبكي المولود حالما يُولَدُ؟ سأترك له فرصة البكاء ففي ذلك جدوى كبيرة. البكاء الأول يساعد على إغلاق الفجوة في القلب. سأترك الرضيع يبكي إذًا ثم ما إن تنتهي نوبة البكاء الأولى حتى أضحكه، نعم سأفعل سأضحك جميع النّاس سأدفعهم إلى قهقهة جماعيّة إن لزم الأمر، يكفي نكدا يكفي حزنا، (يعود إلى المكتب فيزيح المصاديح ويديره فتبدو عليه يافطة صغيرة كتب عليها: مكتب المدير. يبتعد الهادي عن المكتب بعض الأمتار ثم يسرع فيقابل الكرسي ويحيّي الجالس الوهميّ) |
|
|
|
الهادي |
|
تقديري واحترامي كما في السّابق، هذه استقالتي من العمل، سيّدي المدير، أرجوك لا تلحّ عليّ فقراري لا رجعة فيه. |
|
|
(يسحب من جيب سترته ورقة على المكتب مقابل الكرسي.وهو يشير إلى الجالس الوهمي بالسّكوت يبتعد عن المكتب بعض الأمتار ثم يعود ليوجه كلامه إلى الكرسي): |
|
|
|
الهادي |
|
سيّدي عدت إليك ولا إلى العمل لأطلب منك أن تستقيل مثلي وترافقني في عمل جديد. لا تتخذ موقفا سلبيا قبل أن تتأكّد، سأترك لك فرصة التّفكير، أدعوك إلى الانضمام إلى مجلس إدارة شركة أسستها هنا (يشير إلى رأسه) وقريبا سأمرّ إلى التّنفيذ. أنت مدعوّ إلى القبول مبدئيّا. أما الشّركة فستكون خفيّة الاسم وبلا رأسمال، لماذا تستغرب؟ لا حاجة لها بأموال للصّرف، هي قائمة على الرّبح فقط، وهي مختصة في صنع الضّحك، نعم تطوّر العالم وعلينا أن نواكب هذا التطّور قبل أن يفوتنا قطار الحداثة... نعم الضّحك يُعلّب ويباع ويستهلك في كل الأحوال. أعطيك مثالا متداولا: اعتاد الرؤساء أن يكوّنوا مجالس للتّرفيه عن النّفس ويحدث أن يضحك رئيس أو مسؤول كبير في الدّولة فتبدو أسنانه الستة والثّلاثين مزدحمة في غير انتظام فيضحك منه الحاضرون، فيغتاظ فيطردهم، فكّرنا في المسألة وعلّبنا الضحك وسوّقناه إلى الجميع بحيث يمكن لأيّ كان أن يفتح جهازه وينقر على بعض الأزرار حتى يشبع ضحكا، كل هذا في التّطبيقة. أنا انتهيت من رسم كل الخطوط، ولم يبق الا أن تمضي مثلي على استقالتك ثم ترافقني حالا إلى مقر الشركة... جهّزت لك مكتبا قريبا من مكتبي، أنا سأكون رئيسا مديرا عاما وأنت ستكون رئيسا مديرا شهرا.... أضحكتك رئيسا مديرا شهرا؟ تبدأ برئيس مدير شهر ثم شهرين ثم ثلاثة وتكافأ بالترقيات حتى تصير رئيسا مديرا عاما مثلي ...تضحك؟ اقتنعت بأن صناعة الضّحك سهلة جدا...لا يهم، سأتركك على قول المثل: إذا بكيت، ستبكي وحدك، وإذا ضحكت سيضحكون عليك، هذا رقم هاتفي الخلوي وهذه بطاقة المقابلة وهذا عنوان موقعي على النت، وأنا في انتظار اتصال منك. |
|
|
(يضع بطاقة على المكتب ويبتعد بعض الخطوات ليحدث نفسه): |
|
|
|
الهادي |
|
من أين أذهب إلى الجامعة العربية؟ جامعة بلا عنوان يحفظه النّاس والشّوارع،الطّرقات لا تعرف كيف تمضي الى الجامعة فما بالك بالمارّة...آ، تذكّرت...هيه... تلك الأحجية التي كنّا نغنّيها لنستدل بها كلما استعصت علينا أمور وما كنّا نعرف أصلها ولا حتّى اللّغة التي تنطق بها، كنّا نقولها ونعدّ كلماتها بأصابعنا فإذا وصلنا إلى آخر كلمة تحدّد رأينا. |
|
|
(يغنّي وهو يعدّ على الأصابع) |
|
|
|
الهادي |
|
تُوحِي،تِثْنِي، تِثْلاثَهْ ــ تُرْبَعْ، تُخْمُسْ، تِسْدَادَه ـــ السَّيْبْ النَّيْبْ رْدُقْ العَشْرَة بَفْ، نحَاسَة تَغْلِي بِالمَاءْ لَخْضَرْ ــ حِشْ ومِشْ واطْلَعْ يَا قرَيِّدِ العِشْ (عندما يقول آخر كلمة (أي العشْ) يكون إصبعه متوجّها ناحية ما فيصيح): |
|
|
من هنا إذن، |
|
|
(يدور من حول المكتب فيسحب المصاديح ويشرع في وضع أعلام الدول العربية حتى يختفي خلف المكتب هنيهة ثم يعود بورقة يختمها بختم الجامعة، ثم يتناول أحد المصاديح ويقرأ: البيان الأخير: بيان الفرح والسّعادة والضّحك) |
|
|
|
الهادي |
|
وبعد فإننا نحن الجماعة المجتمعين في الجامعة الجامعة لأحلامنا وأحلام شعوبنا، نعبّر عن تضامننا وتأييدنا وتبنّينا وانتصارنا لمشروع الهادي عرب الله، معتبرين انه هدفنا الأسمى ما دام يعمل على إسعاد الأمّة وإضحاك جميع المواطنين بدون استثناء. إن الفرح لا يستثني أحدا وإنّ الضّحك نعمة ميّزنا الله بها على سائر مخلوقاته فلماذا نحرم الإنسان منها. وإننا نكلّف السّيد صاحب المشروع الهادي عرب الله بالمتابعة والإشراف على المشروع الإنساني العظيم. إننا نقترح على منظمة الأمم المتحدة أن تخصص اليوم العالمي للضّحك وأن تعلن عنه ونلحّ عليها ونناشدها أن تسمّيه باسمه، ونحن، كما عهدتنا منظمتنا، نتكفّل بجميع مصاريف الأتعاب.... |
|
|
(يتوقّف بعض الوقت كأنما يتراجع أو يتأهب للتّراجع ثم يواصل) |
|
|
|
الهادي |
|
عجبا سيدفعون الأتعاب إلى الأمم المتحدة، وأنا؟ ما هو نصيبي؟ كيف أبيع هذا الاختراع بالمجان؟ لا يا سادة، سأبيعه بالمزاد العلني وقبل أن يستحوذ عليه السّماسرة والحكام، أفاجئهم ببيع اختراعي كما فاجأتهم به ولولا المفاجأة لخسرت الحرب. |
|
|
(يقفز على المكتب ويتناول مصدحا وبفتح باب المزاد) |
|
|
|
الهادي |
|
ضحكة بكر كلّها براءة، كأنها الضحكة الأولى للرّضيع من قال عليّ ثمنها؟ الافتتاحي ألف دينار ... ألفان ... ثلاثة لا تتزاحموا عندنا ضحك لكلّ مناسبة ... من قال أدفع...خمسة آلاف...أنت نعم .... هي لك |
|
|
(يضحك ضحكة طفل صغير تجاه أحد الموجودين أمامه ثم يعود إلى المزاد بأكثر حماس ولهفة... |
|
|
|
الهادي |
|
على بركة الله افتتحنا ويا فتّاح يا رزّاق يا نوّاب يا مشرّع الأبواب اجعلها سوقا حامية وأكفّا عامية. يا .... يا من أوصاني على طعم السّعادة يا من طلب منّي فرحة .... هبّوا كلّكم ...تزاحموا، لا بأس واخلقوا حول السّلعة العظيمة ازدحاما عظيما .... |
|
|
(يصمت ثم يبتسم ببطء ثم يضحك) |
|
|
|
الهادي |
|
هذه آخر صيحة، موضة آخر زمن، ضحكة امرأة فرحانة بنفسها لم يمض على زواجها أكثر من أسبوع، (متوجّها إلى أحدهم) تريد ضحكة الصّباحية؟ تلقينا فيها طلبا قبلك، سنعمل على إحضار أخرى... خذ هذه إن شئت ... خذها بنصف الثمن حتى تأتيك الثّانية: واحد، اثنان، ثلاثة، مبروك عليك الضّحكة. |
|
|
(يغيب في عمق الخشبة بعض الوقت، يعود حزينا مطأطئ الرّأس، ينظر أمامه ويطيل النّظر بحثا عن شيء ما، يضرب كفّا بكفّ متحسّرا ثم يفزع) |
|
|
|
الهادي |
|
من يريد ضحكة صفراء؟ من يريد؟ إنها تنفع في الإدارات. من يريد أن يتخلّص من طلبات الموظّفين أو المواطنين عليه أن يجهّز إدارته بالضّحكات الصفراء، عملة يوميّة يجب توفيرها للمواطن. |
|
|
أمّا هذه فلمن فقد أسنانه ...إنها تقارب الابتسامة ... الثّمن الافتتاحي دينار فقط ... يبدو أن صناعتها سهلة أو انّها متوفّرة أكثر من الطّلب...لا يهمّ، تحتاجونها حتما وستطلبونها. نسيت أن أنبّهكم وأوصيكم ... انتبهوا جيّدا ومرّروا الوصيّة الى بعضكم حتى تصبح علامة لسلعتنا. إنّ ضحكنا الذي نبيعه وابتسامنا كلّه قابل للخزن. نعم لا تستغربوا بل ويخزن في كل الأمكنة وفي كل الأواني وحتّى على الرّفوف وفي الخزانات، تعالوا فانظروا ...اصمتوا قليلا. |
|
|
(يدور بالمكتب فيفتح أحد أدراجه ثم يماري سحب شيء منه ويرفع بكفّه إلى فمه كأنّما يفرغ فيه شيئا ما ثم ينفجر ضحكا، وبعد أن ينتهي): |
الهادي |
|
|
الهادي |
|
أرأيتم؟ هذه الضّحكة قديمة جدّا حتّى أن رائحتها تغيّرت... لا لا تظنّوا أنّها أصبحت كريهة. لكنها أصبحت قويّة نسبية. هل تفهمون ما معنى رائحة قويّة؟ يمكنكم صناعتها أيضا، اتركوا الورد في المزهريّة وقتا طويلا ولا تتركوا الشّمس تلمسه ولا حتّى تمرّ من جانبه. ثم أغمضوا أعينكم، هكذا... واشتمّوا رائحة الورد القويّة.... كأنّها رائحة مخدّرة. |
|
|
(تتسارع حركاته وهو يسلّم الضّحكات لشارين وهميين ويستلم منهم النقود حتى يفرغ فيقف في أول الرّكح ويضرب كفّا بكفّ كأنه يعبّر عن حزن عميق) |
|
|
|
الهادي |
|
لم يبق عندنا إلا ضحك البكاء، لا تسخروا منه فإنّه مهمّ ونافع جدّا بل وضروري لرفع الحزن كلّما أصابتكم مصيبة عافاكم والله وحماكم من المصائب، وقتها تتناولون كمّية قليلة من الضّحك الحزين وفي وقت وجيز يتحوّل مأتمكم إلى فرح. نحن لا نغشّكم لذلك أقول لكم إن هذا الضّحك بلا دموع. هل نسيتم المثل الشعبي الذي يقول: كثر الهمّ يضحك... لقد حرصنا على وضع قليل من هذا الهمّ في ضحك الحزن وكما تلاحظون لقد تهافت عليه الجميع ولم يبق منه إلا القليل. فكأنّ الناس أصبحوا أكثر حزنا من قبل وكأن الضّغط أصبح عامّا لهذا نعدكم بإحضار كمّيات أكبر. |
|
|
(يرنّ هاتفه الجوال فيفتحه ليتسلّم إرسالية. يقرؤها بصوت عال مبديا استغرابا) |
|
|
|
الهادي |
|
كيف؟ الجامعة سترفق التفويض بعقد عليّ أن أمضيه في ظرف وجيز عجبا، سنرى ماذا يحمل العقد. |
|
|
(يغلق هاتفه ويمشي إلى المكتب ليتمدد بعض الوقت، نراه يعدّ على أصابعه، |
|
|
ثم يتوجه إلى الهاتف المعلّق على الحائط فيعيد ربط الخيط الذي كان قد قصّه سابقا وما إن يبتعد خطوتين حتى يرنّ جرس الهاتف. ينظر إليه دونما مبالاة لكن الهاتف يواصل رنينه حتى يثير غضب الهادي عرب الله فيعود مسرعا إلى الهاتف فيرفع السّماعة ويعيدها إلى مكانها ليتوقف الرّنين. يعود الهاتف إلى الرّنين ثانية، يقف عرب الله مترددا) |
|
|
|
الهادي |
|
لماذا لا تكون الأمم المتحدة هي التي تصر على طلبي؟ قد يكون الخبر وصلها، الجامعة العربية مجتهدة في إيصال المقترحات إلى الأمم المتحدة. هي بيني وبينكم لا تنفع إلا في رفع الحديث، في شكل بيانات، أو لعلّ هنالك طلبيّة في كمّية من الضّحك... الناس متعجلون تعلّموا كثيرا من اللّهفة على السّلع حتى المتوفّر (يتواصل رنين الهاتف) لا يعرفون الصّبر...هذا الهاتف أفقدني الصبر. |
|
|
(يضع قبضته على السماعة هنيهة ثم يرفعها ويرد على الطّالب): |
|
|
|
الهادي |
|
تفضّل، نعم، أنت على الخط الصّحيح، التّسليم على عتبة الباب ...ألا تفهم؟ نحن لا ندخل إلى البيت حاملين الضّحك... نسلّمك سلعتك أمام الباب .... آ ...فهمت تريدها في الجنازة ...عندكم ميت.... تطلب منا أن نضحكه...نعم سنعلّمك كيف تتعامل مع مثل هذه الأحزان... عندنا ضحك الجنائز. سنحضر لك الكمية اللازمة، سنعلمك بالهاتف بالتفاصيل. أنبّهك من الآن ضحك الجنائز لا يروّج كالضحك الآخر، إنّه يمزج بالبكاء ...يعني نبكيكم ثمّ نضحككم ثمّ نبكيكم ثم نضحككم من جديد، وتخيّل أنت المشهد هكذا، يمكنكم اجراء تربّص في الضّحك المأتمي... |
|
|
(يفتعل نوبات من الضّحك والبكاء ثم يصمت هنيهة ويعود إلى الكلام في الهاتف) |
|
|
|
الهادي |
|
المهم أن تدفعوا التّكاليف مسبقا... سنحدّد لكم ثمنا مشجّعا لأنكم حريف جديد. نعم...سلام (يضحك بصوت عال) هاهاها |
|
|
(يتوقّف عن الضّحك فجأة وتبدو عليه علامات الاضطراب فيضرب بسبابته على رأسه) |
|
|
|
الهادي |
|
ضحك بلا أدب قلّة سبب، ما أحلاها مقلوبة، سأروّجها، إنّها تُضحك. أليس كذلك يا ناس؟ سأفتتح بها فئة من الضّحك أسمّيها على بركة الله الضحك بالمقلوب...سأبحث في المسألة وأجمع أضحوكات متشابهة في الرّنّة والمعنى مثلا: البعير يدلّ على البعرة ...أو يشيح شعره ويشيب ريقُه.... سأبحث وسأنجح...لا أستسهل الضحك بل سأعلي من شأنه فهو ترجمة السعادة وهو علامة الفرح يدفع الفرحان إلى القفز حتّى تهتزّ أوداجه ويرقص. الضّحك حجر الأساس في الهناء والسّعادة. لذلك تبنى الحياة على الصيحة الأولى التي يفتتح بها المولود حياته ثم يتعلّم الضّحك وكم يسعد والداه عندما يضحك. هل رأيتم أحلى من ضحكة الرّضيع؟ لا أعتقد |
|
|
(يحاول أن يماري ضحكة الرضيع فلا يقدر) |
|
|
|
الهادي |
|
معذرة لم أقدر على ضحكة الرّضيع، إنّها صعبة للغاية وحذقها يستوجب مجهودا كبيرا وتمارين عديدة واسمحولي الآن أن أنسحب لبداية التمارين. فقد فاتني هذا الأمر وأخاف أن أعجز عن مجابهته. |
|
|
(فترة من الظلام نسمع خلالها طرقا عنيفا على باب وعندما يعود الضوء نشاهد الهادي ممددا على سرير. ونسمع جرس المنبّه، يقفز الهادي من السّرير ويمشي لفتح الباب. يتوقف في منتصف المسافة ليردّ على الطارق) حاضر (يفرك عينيه متعجّبا) ألم يكن بإمكانك أن تنتظرني حتّى أنهي حلمي؟ كم كان جميلا، أفسدته عليّ. |
|
|
(يتواصل الطّرق فيسرع إلى فتح الباب) |
|
|
ظلام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * هذا الفصل انتجته جمعية مسرح المغرب العربي ضمن مسرحية :ضحكة وافية لنفس الكاتب باللهجة العامية ، من اخراج مختار مبروك سنة 2005. |
|
