
الإهداء
إليكم
إلى كل الواقفين متفرجين ...
بلا ادوار
أهديكم حكاية بلا رأس
لتكونوا رأسا لها
الشخوص
ــ الصحبي
ــ البرّاح
ــ الشرطي
ــ النّائحة
ـــ امرأة
ــ رجل
ــ الملك
ــ المذيعة
ــ آخرون
اللــــــــوحة الأولى
تدور أحداث المسرحية في ساحة عمومية ينفتح عليها مقهى شعبي.. المقهى مغلق دائما و في ساحته بعض الكراسي و المناضد. وحده الصحبي يجلس إلى منضدة كأنه إذاعي .يدير مصدحه يمنة ويسرة ثم يتكلم)
الصّحبي:
أيها الإخوة الأعداء، يا سكان الأرض الجدباء.......... يا أعزائي المستمعين الصّم أخاطبكم في لحظة من لحظات التجلي والاختلاء بالذات إنها لحظات قليلة، تجيء بها الصدف عندما يصحو فيها الضمير المتكلم وينتفض فلا تفوّتوا فرصة الانتباه والاستماع لان مناسبة الصراحة قد تتبخر في أية لحظة وقد نصاب جميعا بانقطاع التواصل الخارج دوما عن إرادتنا...أيها الأعزاء...
(يسمع صوت الطبلة قادما)
أعتذر لكم عن هذا الصوت القادم من خارج نطاق ضمائرنا انا اعرفه جيدا انه صوت الباطل (يشتد الصّوت رويدا رويدا إلى أن يدخل البرّاح ضاربا على طبلته)
البرّاح :
أيّها الناسُ، يا أهلَ الوطن الغالي يا سكّانَ البلدِ الخالي.يا أبناءَ عمومتي و أخوالي...
الصحبي
أيها السّامعون الصمّ يا سكانٌ بلا وطنٍ إنني أخاف عليكم و منكم، إنني لن اكذب و قد فعلت سابقا، و لن أغالطكم و قد أكثرت من قبل،و لن أمدكم بالأخبار الزائفة و كم تعمدت،إن هذا المصدح لم يعلمْني سوى صناعة الزّيف...
البراح:
يا أيّها النّاس يا إخوة الوطن الغالي يقول الملك العالي...
الصحبي:
وهذا المكان لم يعلمني إلا إشاعةَ الكذب عند طلوع الفجر. هل تعرفون ما معنى أن أكذب باكرًا ؟ يعني بكل بساطة إنني أقضي الليل في انتظار الأمر باختلاق الإشاعة ثم اقضي النهار منتظرا أن تنطلي الحكاية. كنت أسعد عندما أرى كذبتي تستوطن العقول فتصدّقها. إنني لم أكن إلا بيدقا خادما للسان الملك.
البراح:
أيها الناس، يا ذرية الملك الصالح، سارعوا وتجمّعوا و إذا تجمّعتم فاسمعوا و إذا سمعتم فعُوا و إذا وعيْتم فتفرّعوا...أيّها الناس انتبهوا إلى ما أقول و لا تسهوا عن شيء...
الصحبي:
كنت في البدء أتظاهر بالغباء فأنقل الخبر إلى الناس و اعلق بقول يدغدغ السلطة فتعلق إلى عنقي مصدحها الذهبي.
( يندفع بائع جرائد ركضا فيضع جريدة على كل منضدة و يمدّ بواحدة إلى الصّحبي فيتناولها و يتركها جانبا أما البراح فما إن يمده بالجريدة حتى يلقي بها على الأرض بينما يواصل الصّحبي )
و كنت أنسب الخبر إلى مصادرنا، هكذا أو إلى شاهد عيان أو إلى مواطن أو إلى مسؤول رفض ذكر اسمه. كل هذه الخزعبلات تعلمتها من رؤسائي مباشرة ومارستها و أنا كالمكره.
البراح:
هل أيقنت الآن أن الصحافة أصبحت لا تساوي فلسا؟ انظر كم ألقى هذا البائع من نسخة و مضى فرحا كمن تخلص من عبء ثقيل.
الصحبي: (ملوّحا بالجريدة في الفضاء)
هذه الجريدة توزّع بالمجان. وراءها مؤسسات استشهارية كبرى...أنت لم تفهم بعدُ الحداثةَ في الإشهار و الإخبار.
البراح:
الطبلة... أيها الناس...
الصحبي:
أيها الناس ستعيشون أسوا فترات حياتكم مع هذا الحاكم، ستعودون مئات السنين أو آلافا منها إلى الوراء و هذه الطّبلة ستعوض الإذاعة وهذا الوهم سيعوّض الحقيقة والرّجعية ستعوّض الحداثة و الجهل سيعوّض العلم وإن المرض سيمتزج بالموت ليحل محله ولن تتمكنوا من التّفريق بين مريض و ميت وستضيعون عمرا كاملا في السؤال هل مات أم مرض؟ و لن تجدوا الجواب بل ستعاقبون عن سؤالكم كما عُوقِبْتُ.
(يصبح صوت الصحبي مشوشا إلى أن
ينقطع تماما، نراه ينزع الخوذة من على
رأسه و يلقي بالمصدح جانبا)
البراح :
و لماذا لا تهتمون بي؟....هل لأنني عودتكم على الأخبار الذابلة؟ و ما كنت بقادر عن فعل ذلك...و لو... هل تمطر بلادكم في كل فصل؟ قديما قيل: الحرث على الدوام والصابة لا تأتي كل عام.
يا أيها الناس ...يا أيها الصحفي المُتــَ ....
الصحبي:
باع...الصُّحفي باع المتاع
(ثم إلى جهة أخرى)
علّمومني كل شيء... كل شيء حتى الانتحار مجازا و أرضعوني الغباء بل أرادوني أن أكون أغبى من المصدح وعندما فكرت في الرفض جندوا ضدي الأقلام الحقيرة و المصاديح و الألسن لتكيل لي التهم بعدد نجوم السّماء و تبدع في وصفي بشتّى النعوت كل ذلك لأنني رفضت الغباء وقررت أن أعرّي بدل التّغطية,
البراح:
كان عليك أن تغطّي و أن تقول الحقيقة كاملة و كما يراها فاعلها،و رغم كل ما فعلت فإنني أحترم عملك حتى و إن كنت منافسا شريفا لي.
الصحبي:
اطمئن...أنا بعت المتاع و قلت الوداع لمهنة المتاعب. سأختار شغلا آخر ، قد يستهويك يوما فتسعى إليه أيضا.
البراح:
تعرف جيدا أنني لا أثق بك مطلقا. أنا أرفض كل مشاريعك حتى و إن صبّت في مصلحتي
الصحبي:
و لماذا يا صاحب المبادئ؟
البراح:
لأن مصلحتي مع الحاضر و لا شأن لي بالقادم، لا تعنيني مشاريعك المستقبلية التي ستقودك إلى الإفلاس و هذا أكيد.
الصحبي:
عموما سأهتم بحقك في المواطنة... بحقوق الناس....قلت هذا لإعلامك فقط.
البراح
ستفتح مغازة لبيع و إصلاح حقوق الإنسان؟ جراحة تجميل و تجارة رابحة...لا بأس.
الصّحبي:
هيا....اندثر أو انتحر بعيدا.
البراح:
عجبا تنهرني؟ هل عندك عمل أهمّ من سماع ما جئتك به من أخبار؟.
الصّحبي:
أنا منذ اليوم سأرتبط بالانترنت وسأنشغل بالتعليق عن حرّية التعبير في كامل أنحاء المعمورة.
البرّاح:
لا خير في... من يتعرّف على حاله من خلال الآخرين بل و لا خير في... من يسمع أخباره على السنة عابرة للبحار سافرْ، سافرْ إلى واقادوقو وجئنا بالخبر الصّحيح. أنت مثلي تقتات من الخبر و تعيش من نقله... أنت زميل عزيز و مواقفك لا تقلقني أبدا. نحن نأكل من أجنحة الرّيح يا صاحبي لو وعيت.
الصحبي:
أنا طوّرت أدواتي و دخلت عوالم أخرى بأجنحة أكبر و بمجاديف أقدر على الإبحار. سأحمل العالم في كفّي و أجعله رهن التيار هل تفهم هذا الكلام؟
البراح:
أنا من يسوق التّيار و يوجهه.
الصحبي:
العالم تغير يا حبيبي، الطرق الإخبارية البالية لم يعد لها مجال...انه عصر المعلومة العابرة للقارات وفي لمح البصر.
البراح:
تبقى الطبلة عنوان أصالتنا معبرة عن حالتنا وهي أعلى إيقاعا و أكثر إبداعا من الانترنت.نحن قوم تجمعنا الطبلة...
الصحبي:
و تفرقنا العصا... على حدّ قول العلامة.
البراح:
الريح لا تصفّر إلا في الجعاب الفارغة و أما الطّبلة فلا تتكلّم الا بالعصا و هذا جميل عندما يكون الضرب متناسقا...عموما قمت بواجبي و أعلمتك.
الصّحبي:
إذن واصل طريقك
البراح:
سأفعل، سأفعل. و سأخبر الناس المهتمين بأخبار سيدنا و بآخر ما جدّ في القصر و لن يعيقني موقفك.
الصحبي
هل عندك جديد من أخبار الملك؟ و تمارس التعتيم؟...الحمد لله انك اعترفت بذنبك .إن شئت ألا أفضحك و ألا اتهمك بالتلاعب وبالاتجار بالأخبار فقل ما الأمر و اسمح لي أن أفوز بالسبق الصحفي و أن تفوز أنت بثقتي....ما به الملك؟ هل تزوج مرة أخرى؟.
البراح:
لا...
الصحبي:
هل مرض؟
البراح :
ربما
الصحبي:
هل تعب؟
البراح:
ربما...
الصحبي:
لا تتلاعب بربما و بلا... فأنا سأتهمك بتسريب خبر ما من تحت ربما سأقول مثلا انك أعلنت موت الملك... ما رأيك؟.
البراح:
و لماذا تصر على أن تكون قوادا...عينا ساهرة مثلي؟
الصحبي:
ما دمت تصر على إخفاء الخبر و تحرمني من تفجير قنبلة عنقودية في الشبكة العنكبوتية...هكذا بالبنط الغليظ: الملك يموت.
البراح:
تتّهم مولانا بالموت؟
الصّحبي:
يا أحمق، تلك كلمات نسوقها على الصفحات الأولى من الجرائد أو في عناوين الأخبار ثم عندما نحرر المقال أو الخبر نقول مثلا...يشاع إن الملك قد يموت أو يحكى أن في بلاد الاكس بيكس أراد ملك أن يموت ففكر في الانتحار أو الانضمام إلى العسكر في أيام الحرب المخسورة... ونكثر من قَدْ وربما و لعلَّ و من الممكن ويُحتمل و يشاع و حسب مصادر موثوق بها و روى شاهد عيان و جاءنا الآن وهكذا . هذه ألاعيب نمرر بها الخبر المشؤوم بسرعة و كما قلت لك إن الخبر الغريب يجمع الكثير من السامعين من حوله.
البراح:
يا أيها النّاس
(يواصل و هو يغادر الرّكح يعترضه شرطيان ، رجل و امرأة، يدفعان بامرأة فتسقط على الأرض)
المرأة:
أقسم إنني كنت على نيّة حسنة...لم اقصد السّخرية من أحد ...معذرة.
الشّرطي:
(يشدّ البراح من طبلته و يختطف منه العصا و يضرب بها المرأة)
الصّحبي:
عيب ...لا يحق لك ضرب امرأة أمام العامة.انه عمل غير قانوني و لا هو يليق بشرطيّ مثلك.
الشّرطية:
لقد أساءت إلى المملكة باستخفافها بنا جميعا.
البرّاح:
و ماذا ارتكبتْ من جرم؟
الشّرطي:
قلت لك لقد أساءت إلى المملكة و إلى عاداتنا وتقاليدنا في الحزن.
الصحبي:
لم افهم...هل لنا تقاليد في الحزن؟
الشرطي:
(يضرب المرأة و يعدّ)
1...2...3 هذا على الحساب حتى نتفق على العقاب.
الصحبي:
اترك المرأة و حالها. و إلا أجبرتني على التدخل.
الشرطية: قلت لك إنها تستأهل. لقد...
المرأة:
لم ارتكب أي ذنب و لا نية لي في ارتكابه.
الشرطي:
و هذه الحناء التي في ساقيك؟ أليست دليلا
قاطعا على المجاهرة بالشماتة.
البراح:
آآآآآآآآ فهمت
الصحبي:
و ماذا فهمت يا فهيم؟
البراح:
فهمت ما لا يعني أحدا سوانا نحن.
الشرطي:
كان البراح قد اعلم الناس بالتزام الحزن المؤقت في انتظار أن نتبيّن المرض من الموت. لكن هذه المرأة أقدمت على صبغ ساقيها بالحناء.
الصحبي:
لقد صدق البراح إذن ...هو تعمّد إخفاء خبر يخص الملك و هذه المرأة جاهرت به و لهذا تريدان معاقبتها...
البراح:اتركيها...سأتولى الأمر بنفسي.
ظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام
لــــــــــــوحة 2
البراح :
يا أيها الناس...يقول الفصل 1234 و المنقح في يوم 22من شهر ذي القعدة و كذلك المنشور في الرائد الرسمي بتاريخ 1.2 من شهر ذي الوقفة في الصفحة الخامسة والثلاثين من الواد الأول ما بين السطر 12 و21و المراجع لنفس الغرض من طرف ملك البلاد ان ملك البلاد هذا الذي ورث الحكم طبقا للفصل 2582 مرة أخرى عن أبيه الذي ورثه بدوره في شهر الثورة العارمة عن كبير الملوك(يصمت) أف ما أطول هذه الديباجة.
(يندفع رجل هربا من الشرطي، .يتوقف البراح عن الإعلان و يمد بالعصا إلى الشرطي)
البراح:
انه يستأهل.
الرجل:
لعنك الله، أنا أستأهل الضرب ؟
البراح:
طبعا...طبعا لقد تعبت من الصّياح و لم يستجب أحد لنباحي فلتُفْتح أذنيك بالعصا.
الرجل:
و لكنني لم أفعل شيئا شيّنا.
البراح:
تضرب كي لا تفعل شيئا شينا...من باب الوقاية و الوقاية خير من العلاج على حد قول الحجاج.
الشرطي:
و أنت أيها البراح اللعين ألا تستحق الجلد هكذا لأنك وراء هذه المصائب.ألم تتعمد إخفاء الخبر و تكليفنا بعمل زائد؟.
البراح:
الإخفاء اقل ضررا من الإفشاء و هذا الذي تراه أمامك أفشى سرا أو حاول إفشاء سر بجوابه عن سؤال من الممكن أن يطرحه عليه مارٌّ.
الرجل:
لم يسألني احد عن أيّ شيء
الشرطي:
ها أنا أسألك الآن...لماذا طليت منزلك وأنت تعلم أن الاحتفالات ممنوعة إلى حين؟.
الرجل:
ما قمت به هو مجرد إعداد للاحتفال بزواجي ابني البكر.فهل مجرد الاستعداد يعد جريمة؟
البراح:
خذ نصيبك من العقاب. ما دمت قد فكرت في الاحتفال.
الشرطي:
(محدثا نفسه)
هنالك شيء ما يدبّر في النهار في غفلة عن عيون الليل... بعض يعلم و آخر لم يفتح أذنيه...حتى أنا أصبحت مهددا بالاكتفاء بالفرجة و الحال ان لا شيء يمر من أمامي دون ان اعلم خريطة طريقه.. سأرمى في خانة الهامش إذا لم أنجح في توريط البراح .
البراح:
اختصر و كثّف... الملك...ما به؟هل عندك
الشرطي:
و لماذا تذكر الملك هكذا جافا حافا ؟
الرجل:
نقول مولانا
الشرطي:
اسكت
الرجل:
أنا لا اسكت ما دام مولانا الملك في الميزان. خاصة و أنا اشتمّّ تقريبا،.. تقريبا مرضه.
البراح:
من أعلمك؟
الرجل :
أو ربما ما....
(يسرع البراح الى الرجل ليمنعه من مواصلة الكلام)
اسكت لا تقلها و الا ...يا أيها الناس الفاهم يفهم والجاهل يجهل والسائل يسال و العاقل يماطل...إن الملك
الرجل:
مات...
البراح:
أتقول هذا في الملك؟
الرجل:
و هل الملك لا يموت؟
البراح:
هذا ادعاء و تسريب أخبار زائفة وهذا أيضا افتراء و كذب و قلة حياء و تجرأ و تهجم وتحامل و طرق على أبواب السجن و حجز للإقامة في الزنزانة...
الرجل:
ألم تقل لنا إن الملك...
البراح:
لم اقل إن الملك مات
(يدخل الصحبي وعلى ذراعه حزمة من جريدة)
الصحبي: (إلى البراح)
هذا لا يعنيكم ، أنا مار في سبيل حالي.
الشرطي:
ما وراءك يا صاحبي
الصحبي:
أنا الصحبي
الشرطي:
طبعا أعرفك و أنت صاحبي الصحبي وهذا لا يهم. ما وراءك من أخبار؟علمت انك غيرت مكان عملك.
الصحبي:
و غيرت اسم الجريدة التي شغّلتني. سميتها:وصلنا الآن و هي ستنشر إلى حين يقع منعها.
الشرطي:
هكذا بكل بساطة، تمنع الجريدة منذ صدورها، يا رجل أنت تتهم الحكومة بالمجان و هي التي منحتك رخصة النشر.لماذا تضع نفسك منذ البداية في صفّ المعارضة؟ انخرط في العمل و نظّف من الداخل إن نويت الإصلاح.
الصحبي:
الصحافة في نظر هذه الحكومة حرام وستضع قانونا لتجريم نشرها و الكتابة فيها و لقراءتها أيضا. الأعمال الفكرية في نظر حكومتك يا... من أعمال إبليس...هل رأيت إبليسا ينهى عن المنكر؟ ستراه قريبا عندما تصبح طاغوتا في نظرهم. سيأتي دورك في الحكاية بل و قد تصبح رأس الحكاية.
الشرطي:
حكاية بلا رأس.
الصحبي:
عندما يموت الملك أو يصبح الملك خليفة ستعرف الحكاية من أساسها إلى رأسها.
الرجل:
هل كتبت شيئا عن مَرَوْتِ الملك؟
الصحبي:
ماذا قلت؟
الرجل:
لا شيء... غير أن كلمة مرض تعثرت في كلمة موت في فمي فخرجت كلمة مروْت.
الصحبي :
سكوت البراح دليل قاطع
البراح:
اوف...لم تفهموا...لم تفهموا
( تدخل النائحة مولولة و منتحبة تضرب على رأسها و تندب خديها )
الصحبي:
كفي عن النواح و قولي ما وراءك؟
(تشير النائحة إلى البراح بيدها و هي لا تقطع نواحها)
البراح:
اعرف.نعرف...تعرف...هي وحدها تعرف...هيا قولي ...أفصحي و إلا...
النائحة :
و لماذا تسألني أنا؟ الم تخبرهم ؟ ألم تعلم الناس في المدينة؟
الصحبي :
لا انه لمّّح فقط و لم يصرح
النائحة:
انه مثلها...اقصد مثل طبلته لا يتكلم إلا بالضرب فعليكم به ان أردتم
(يهم ثلاثتهم بتعنيف البراح و يظلون يدورون به إلى أن يفلت منهم و يواصل الضرب على طبلته)
البراح:
أيها الناس ...يا أهل البلد ...
انتظروا خبرا
سرا...يتفجّر
خبرا يخرج كالعنبر ...
اسود ...اسود لكنه ...
كالعطر إذا يتبخر
أو كأريج الزهرة ينثر
الصحبي:
إذن فهو خبر محزن...اسود كالعنبر
البراح :
إن الملك في حالة....
الصحبي:
ها قالها...يكفي يكفي لقد فهمنا إن الملك في حالة ...إذن هو على فراش......
البراح:
الحمد لله
الصحبي:
أتحمد الله على مرض الملك أو موته؟
البراح :
لا لم تفهم و لم اقصد ما فهمت...كدت أقول الحمد لله انك نطقت بها ...انك قلت إن الملك مريض.. أو ما...شابه... ما.....قلت
الصحبي:
ما...ما ...ما هذا النشاز...انطق و تكلم بلغة مفهومة و قل جملة مفيدة.
البراح:
لقد خانني الصوت.
النائحة:
كلانا نشتغل بأصواتنا فأنا نائحة أتقاضى أجرا عن البكاء و الصياح والعويل و...تمجيد الميت أحيانا و ها أنا وجدت شغلا ظرفيا أو...يعني عن...و أنت مثلي تشتغل في الصياح ...يعني ...توصل الأخبار إلى عامة الناس...
الصحبي:
أنا و عامة الناس ...نبقى على حافة الملعب لنلتقط الكرات الضائعة.
النائحة :
بالعكس، أنت رأس الحربة تسجل الأهداف.
البراح :
و من لا يعرفك من المستمعين...لا ...لا انك في درجة أعلى من درجة البراح توصل الخبر عن طريق المذياع...أخبارك تذاع في الهواء... لكن خسارة لقد فقدنا صوتك.
الصحبي :
أريد خبرا يقينا ماذا جرى للملك تحديدا.
البراح:
لا أجيبك لأنني لا امتلك إلا احتمالا..مجرد احتمال أن يكون الملك شبعانا بمعنى مريضا جدا.
الصحبي:
و أنت أيتها البومة ؟ هل تمتلكين يقينا؟
النائحة:
أنا أحمل احتمالا، مجرد احتمال و لو إنني أرجح أن يكون الملك قد أوشك على الموت.
الصحبي:
بدليل...؟
النائحة:
لقد طلب مني أن اشرب الزيت.
البراح:(يضرب على طبلته)
الزيت...الزيت.بدليل الزيت...و لماذا تشربين الزيت إذا لم يكن لتسريح الحبال الصوتية حتى يصبح نواحك مؤثرا يدخل إلى الأعماق فيثير النفوس و يبكيها؟...هذا رأس الحكاية والزيت هو الخيط..أقول إن للحكاية رأسا.
الصحبي:
و ما دليلك على أن الملك مريض جدا.
النائحة:
انه كذاب...كان يريد أن يقول مات
البراح :
لا يمكن أن نبكي و ندمي خدودنا في الإذاعة. نحن نحترم مهنة الآخرين و نحترم المستمعين.
الصحبي :
أرى إنكما تتسابقان في توصيل خبر ما مع الحرص على إخفائه...
النائحة:
لا دخل لي فيما ينشر أو يقال...يأتي دوري بعد حصول المكروه أي بعد إن يصل الخبر إلى العامة و أدعَى إلى تأدية الواجب.
الصحبي:
علي أن أفك هذه الشفرة....بين المرض والموت بون شاسع فأيهما سيتقبله الناس... ماذا لو رميتها في كف الحظ... تعالي أيتها النائحة اقتربي...زيدي اقترابا... وشوشي في أذني.
(تهمس النائحة في أذن الصحبي كلاما لا يسمع)
الصحبي:
فهمتك...و أنت أيها البراح..اقترب... اخبرني سرا ماذا أصاب الملك؟ موت أم مرض؟ قلها سرا.
(يمتثل البراح فيهمس في أذن الصحبي الذي يواصل)
الصحبي:
علي أن أفرق بينكما بالقرعة أفضل.
البراح:
ذلك اسلم. من يتحمل المسؤولية؟ أنا أم النائحة؟ هيا نتراهن ومن يربح الرهان يخرج من لعبة الاتهام تماما و لا جنح عليه...أنت مثلا ماذا تختارين؟
النائحة :
اختار الموت....
البراح:
و أنا قبلت بالمرض. سنرى كلمتي هي الأصدق و رأيي هو السديد.
( يخفي كل من البراح و النائحة يده خلف ظهره في حين يدير الصحبي الرهان )
الصحبي:
المفرد أو المثنى ...لك الاختيار
النائحة:
المفرد...لأنه مذكر
البراح:
و أنا المثنى...she for me
(يرفع كل من الاثنين يده و يعد الصحبي الأصابع ويجمع ثم يعلن النتيجة)
الصحبي:
المجموع بالمفرد إذن فالنائحة رابحة.
النّائحة :
معناها إن الملك مات.
( يقفز البراح ويضرب على طبلته بعنف)
البراح:
لا أرضى و لا اقبل
الصحبي:
و لكنك قبلت الرهان
البراح:
و هل من المعقول أن أضع حياة الملك محل رهان؟هذا عقوق بل هذه جريمة و تهجم على شخص الملك. أنا اكتفي بأن أقول مرض ...
الصحبي:
لنتفق معا. من فوق الطاولة لا من تحتها.علنا جهارا تمنحني الخبر و أتعهد بنسبته إليك بل و أضع صورتك على الصفحة الأولى من جريدة : وصلنا الآن.
البرّاح(مرتعدا)
أبدا... مستحيل،لا أريد إقحامي في هذا الخبر فأنا لا أقوى.
الصّحبي:
إذن فالخبر صحيح.
البرّاح:
ربما...ذهب في اعتقادك ان الخبر صحيح أو ذهب في ظنك ما ذهب.هذا لا يعنيني.
الصّحبي:
تكلم...بماذا كلفت؟ بماذا أوصيت...ماذا طلب منك أن تقول... أعد بالضبط ما تلكأت في قوله منذ حين.
النّائحة:
بل قل له كم دفع لك حاجب الملك
البرّاح:
لقد أوصاني الوزير بقول ما قلت...وكلفني بإعلامكم بما أعلمتكم و بنشر الخبر الذي نشرت فماذا تريدون مني؟ أنا أديت واجبي...
الصحبي :
هل هيّأ الوزير نفسه لشغور طارئ؟
البراح:
المنصب قد يتغيّر
الصحبي:
لعل وربما و تقريبا و من الممكن و يحتمل يشاع ان الملك مات (إلى النائحة) انطلقي أنت ماذا تنتظرين.
النائحة:
ليس في يدي أية وثيقة أو إعلام رسمي ولكن لعل و ربما و عسى. علي أن أتدرب قبل كلّ شيء وأستعدّ للعمل.
الصحبي:
مثلما كان يفعل جل الشعراء القدامى..
البراح:
مات عثمان فكأنني أفطرت في رمضان. أعرفها . قالها شاعر لم يُحْضرْ رثاءًا.
الصحبي :
أيتها النائحة ،هبي أن الملك مات فرضا يعني... او على سبيل المثال و الاحتمال انه اشتهى أو قرر أو بدا له أو خيّر أن ينجح في أن ينتحر حتى الموت.
البراح :
حتــــى الموت مفهوم و جميل.فرضا تدعي أن الملك انتحر حتى الموت معناها قلت إن الملك مات
الصّحبي:
يوما ما سيموت. لا بد أن يموت . رحمه الله.
البرّاح:
تلك قضية أخرى.ماذا نسمي الملك الجديد.
الصّحبي:
رئيسا
البرّاح:
و إن لم يكفه الاسم
الصّحبي:
نسميه وليا
البرّاح:
لن يرضى أبدا
النّائحة:
لن يرضى بأقل من خليفة...أنا أفهم في السّياسة مثلكما تماما منذ أن بدا الملك يلتقي مع عزرائيل و بدت الشّكوك تنتقل من أذن إلى أخرى و ترشح هذا و ذاك بدأ الوزراء يتدربون على كلمة :خليفة
الصّحبي:
و هذه الطامة الكبرى
البّراح :
على رأسك وحدك نحن نعيش تحت مظلة من يحكم، ملكا كان او رئيسا أو وليّا أو خليفة المهم أن يحكمنا احدهم.
الصّحبي:
شعب بلا حاكم خير له من حاكم ظالم. المهم ان يموت او يمرض الحالي لنرى ...و آنت أيتها النائحة هل أنت متأكدة مما قلت؟
النائحة (بعد ان تسحب ورقة من جيب سترتها):
لا...لن يموت
بل و كيف يموت
يشد اتزان البلاد
و يمنح عطفا و حبا لكل العباد
و يطعمنا الخبز و التوت
كيف يموت؟
و كيف يموت
و نحن نزوره في كل عام
و نرقص أو نتعاطى الحرام
و كيف يشدّ بأرواحنا في الخيوط؟
و مثل الجميع يموت
....... أنا لا أطيق الكلام المقيت
الصّحبي :
و إن عجّ في رأسه العنكبوت....
ما ذا تقولين؟
إن عجّ في رأسه العنكبوت هل تمنعين ملك الموت ان يزور ملك البلاد. هل تستطيعين أن تتدخلي بين الملكين؟
النائحة:
سنعطيه أعمارنا ثم نجعلها في يديه
سوارا من الذهب الخالص و الياقوت
كي لا يموت.
الصحبي :
انك امرأة اخطبوط...افهم
البراح:
ماذا لو نتفق و نخرج جميعا من هذه الورطة. و ندعي أننا سمعنا خبرا طائشا مفاده أن الملك لم يمت و لكنه مرض.و نتبادل الشهادات فتشهد معي واشهد معك و يشهد احدنا لصالح الآخر و هكذا نوزع دم الخبر على الشاهدين.؟
الصحبي:
فكرة رشيقة و ذكية و لكن الطبلة سبقتك.
البراح:
اعتدت أن اضرب الطبلة بغير قصد و لا خبر. مجرد تمارين أقوم بها تحسبا لكل عمل. إننا على أبواب شهر رمضان و علي أن أجرب طبلتي.
الصحبي :
و اذا ضربوك
النائحة:
نهددهم بالشّكاية بهم، نهددهم بحقوق الإنسان و بمحاولة انتزاع الاعتراف تحت التهديد.
البراح :
اتفقنا إذن على أن الملك لم يمت و لكنه مرض ...أصيب بتوعك خفيف اجبره على الراحة بعض الساعات لا غير.
النائحة:
من أعلمك بمرض الملك؟ أجب صراحة إن كنت على ثقة و تود أن نصدقك و نمشي معك في هذه الخطة.
البراح:
اوه...اعترضني خادم القصر و كان في طريقه إلى الصيدلية و في يده وصفة طبية لإحضار الأدوية....
الصحبي:(صائحا)
ذلك مربط الفرس. الوصفة.... من سرب هذه الوصفة إلى عامة الناس قبل أن تعلم بها الصحافة ؟ إنها دليل المرض،عنوان الإصابة ...إنها وثيقة تفضح مرض الملك وهذا في عرف المملكة إجرام و في عرف الطب تسريب للسر المهني.هذا باب لكتابة أربع صفحات في جريدة وصلنا الآن..
البراح:
صحيح، علينا ان نهتم بإخفاء الوثيقة.
النائحة:
اعرف الملكة جيدا ستنسى الذي سرّب خبر المرض و تتهم الذي سرّب اسم الدواء المكتوب في الوصفة.
البراح:
هل يعقل هذا ؟ نتهم من قرأ الوصفة و نبرئ من قال ان الملك مريض؟
النائحة:
نعم...لان خبر المرض لا يحدد طبيعة المرض ولا خطورته و لا حتى تأثيره على صحة الملك و لكن قارئ الوصفة يفهم الداء من الدواء و هذا رأس آخر للحكاية.
ظـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام
لــــــــــــــوحة 3
ضوضاء في الساحة و فوضى في الظلام. هذا يحكم غلق الباب و ذلك يجري و الآخر يخربش على الحائط ويكتب كلاما. شعارات ترفع و لافتات تحمل ... كأنما الناس في مظاهرة.
يخرج من بين المتظاهرين البراح و يتوسطهم كالخطيب:
البراح :
أيها الناس ، أيها الجمع الكريم ، يا خير ما جادت به الأمة و صنعته البلاد ان الملك سيموت و من كان يحب الملك و من كان يبايع الملك و من لا يستطيع الحياة بلا ملك فعليه ان يبحث له عن ملك آخر او ...
الشرطي:
إن الموت حق.هل بالفعل مات الملك ؟
الصحبي:
أفي الأمر شك
البراح :
يموت الملك ...
المجموعة
يموت الملك...يموت يموت يموت الملك
البراح:
و بماذا مات الملك؟ هل قرأتم الوصفة؟
الصحبي:
هات الخبر اليقين قل لنا بالضبط ماذا حصل... لم نفهم منك قولا صحيحا...هل مات الملك أم انه ينوي الموت أم يفكر فيه؟.
البراح:
لم يمت بعدُ و لكنه سيموت ان لم نجد وصفة الدواء انتظر و افهم ثم فسّر للآخرين. الملك اقصد ملك هذه البلاد
(تدخل امرأة تحمل على رأسها خوذة إذاعية تتكلم في مصدح محمول إنها المذيعة)
المذيعة:
بيان رقم 1
يقول الملك: نحن لم نسع إلى السلطة و لم نرغب فيها و لكنها رغبت فينا فسعت إلينا و رمانا الشعب في الصندوق فزرعنا الشرعية فيه فأينعت وحان قطافها قطفناها و ما دمنا أولياء أمر هذا الشعب فإننا نتمسك بالولاء إلى أمره.
البراح:
أنت بالفعل برّاحة حداثية.
الصحبي:
وجه من صحافة العار.
المذيعة:
بيان رقم 2
يقول لسان الملك عن طريق وزيره المختار عن طريق مستشاره الدبار عن طريق ناقل الأخبار إلى آخر العنعنة إن للملك يفضل أن يختار بنفسه الشعب الذي يليق به على أن ينتخبه الشعب وهو غير مستعد في التفريط في أمانة منحها له الشعب وهذه سر العلاقة الجدلية بين الحاكم والمحكوم.
البراح:
يعني حتى اذا مات الملك فالبيان ينوبه.
الصحبي:
أكملي أيتها الصحفية الألمعية.
المذيعة:
بيان رقم 3
ان الملك يترفع عن الحوارات البيزنطية و هو يسخر وقته للتفكير في القضايا الجوهرية التي تمس شعبه و انه يهتم بجوهر المرض و لا يهتم بالعوارض ولهذا فهو يذكركم بالقيام بواجبكم.
(تغادر المذيعة)
الصحبي:
فهمت...ان الملك مريض و هذه البيانات إنما قرئت علينا لإخفاء جوهر الموضوع و لكي تقطع الطريق أمام المهرولين الى السلطة.
البراح:
لهذا السبب علمت ان الملك يتعالج عند طبيب من وراء البحار و منحه الوصفة ثم رجع الطبيب الى بلده...و في لحظة اختفت الوثيقة...اقصد الوصفة أو سرقت او أتلفت في إطار مؤامرة تحاك ضدّ بلدنا لأنه نجح...
الشرطي:
مات العصفور في كف قاتله فمن حمل الوصفة؟
البراح:
لا احد يدري....كل ما في الأمر انها اختفت
الشرطي :
إشاعة...مجرد إشاعة مغرضة تحاك ضد بلدنا الآمن...هنالك دول لا تريد لبلدنا النجاح في أي شيء ...حتى في قتل أبنائه ...
البراح:
كنت اعتقد مثلكم إنها إشاعة و تعمدت إخفاء الأمر حتى تمر العاصفة و التأويلات و تنام الريح و لكن أرى ان الخبر قد فاح وان القطار سيهرب و لذلك ركبت...هذا لبّ ما في الأمر...
الشرطي:
هذه شماعة جديدة.. لماذا تمشي مباشرة الى المؤامرة يكفي من هذه العقلية. لقد سئمنا سماع هذه الاسطوانة المشروخة. كل الحكومات التي لا تنجح ترمي فشلها على مؤامرة تحاك من وراء البحار
البراح :
لكن المؤامرة موجودة...لقد علمت منذ وقت ان موت الملك مشروع يخطط له من الخارج منذ زمن
الصحبي :
لماذا؟
الشرطي :
اذا كان الأمر صحيحا فلأن ملكنا نجح في ترويض شعبه و في سياسة البلد بكل هدوء و ديمقراطية
الصحبي:
ههههه هذه جديدة نغمة الديمقراطية... انت تحرث في البحر عندما تتحدث عن الديمقراطية في بلد نظام الحكم فيه ملكية كمن يتحدث أيضا عن الديمقراطية في الحكم الشمولي. لا يحك جلدك غير اظفرك...كلما تعثرنا قي سيرنا نرمي سقوطنا على حجر وضعه الآخرون. لكن بما أن البوليس أصبح يتكلم لغة الشعب فهذا شيء يبشر بالخير.
البراح:
المؤامرة موجودة
الصحبي :
ما دليلك على وجود شيء من هذا القبيل
البراح:
و ما دليلك على انه لا يوجد.؟ هه ...كل الدول الصغيرة تدار شؤونها من وراء البحار...
الشرطي:
كذبة كبرى تخدم مصالح الذين يقفون وراء البحار ،هؤلاء لا يعرفون الا مصالحهم ولا يمكن ان يكونوا أكثر حرصا منا على بلادنا...
الصحبي:
لكن حاكم بلادنا ابتلع البلاد و أهلها ...الشيء الذي قد...أقول قد...يدفع بأهل البلد إلى الاستنجاد بالغير، بالاستقواء بالغير على الحاكم الجائر.
الشرطي:
بالاستعانة بحاكم جائر لا يعرف إلا امتصاص دم الشعوب. هذا أمر غير معقول
البراح:
ليست كل الدول امبريالية و لا كل الحكام جائرون هنالك ناس و دول مستعدون للمساعدة...
الصحبي :
هكذا...لوجه الله
البراح:
نعم ...لوجه الله
الصحبي :
دلني على واحدة
البراح :
تلك الدولة الشقيقة الكبرى ألم تساعد شعب أختها الصغرى فأمدته بالمال و السلاح ليقاوم حاكمه.
الصحبي :
لوجه الله؟
البراح :
من اجل وجه الله...
الصحبي :
نفس تلك الدولة تساعد الحاكم على التنكيل بشعبه... لوجه الله أيضا....هل تعرف لماذا؟
البراح :
لم افهم
الصحبي :
لن تفهم شيئا و ان عشت قرونا...
البراح:
لماذا؟
الصحبي :
لأنك عربي علاوة على انك مسلم...لو كنت مسلما من بلد آخر لاختلف الأمر وفهمت الدين و الدنيا أما أن تكون عربيا ومسلما فهذا صعب
البراح:
أيها الناس انقسموا فورا ...عن طيب خاطر وإلا فستقسمون....إلى نصفين العرب في جهة والعرب في جهة أخرى...هذا أفضل لكم...تريدني ان امرر هذا الأمر
( تعود المذيعة بنفس الشكل)
الصحبي:
افعل
المذيعة:
بيان رقم 1 مكرر
يمنع منعا باتا ما يلي: الاحتفالات و إقامة الأعراس و ختان الأطفال و يمنع وضع الزينة و التعطر و مضاجعة النساء إلى حين يتبين المرض من الموت.
(تدخل النائحة باكية)
النائحة:
انا لن اسكت على صنيعكم هذا... تتهمون الملك بالمرض او بالموت و بعضكم يتاجر بهذا الخبر...
الشرطي:
ماذا قلت؟و من تقصدين؟
النائحة:
قلت إن البراح يتاجر بمرض الملك.... لقد سمعته يقول شيئا من هذا القبيل و أظن انه تقاضى أجرا على عمله...و هذه المذيعة أيضا.
البراح:
هل سمعتني؟
النائحة:
طبعا
البراح:
لماذا تشربين الزيت إذا لم تكوني على علم بما قلت ؟ هل من باب الشماتة في الملك؟
النائحة:
أنا سمعت بمرض
الشرطي:
وهذه جريمة في حدّ ذاتها.فليس من السهل أن تسمعي بموت الملك.و مجرد نقل الخبر من أذن إلى أذن أو حتى من الأذن إلى العقل هذا يعد جريمة...حتى وان مرض الملك بالفعل فيجب ألا يصل الخبر...انه أمن لدولة.
النائحة:
حتى إلى راسي.
الشرطي:
نعم...إذا مرض الرأس فان كامل الجسد مهدد بالموت و نحن نخاف على المملكة من العدوى و ربما قد يكون المرض مستقدما من الخارج بنية هزّ الأمن و بث البلبلة والإضرار بالاقتصاد الوطني و قذف البلد بكامله على الحائط هكذا شماتة وتشفيا
البراح:
ربما
الشرطي
إذن فما على كل وطني إلا أن يخفي الوثيقة اقصد الوصفة للمحافظة على امن الناس.ـ
الصحبي:
عندي فكرة
الشرطي:
قلها فربما أفادتنا
الصحبي:
قتل المريض يقضي على المرض.
(يصاب الشرطي بالدهشة و يصمت مفكرا )
ظــــــــــــــــــــــــــــــــــلام
اللـــــــــــــوحة 4
جلبة في الساحة و ضوضاء. الناس في جيئة وذهاب و حيرة هذا يلصق مناشير على الحائط والآخر يتبعه فينزعها.
(تدخل المذيعة من جديد)
المذيعة:
أيها الشعب الجميل الحليم الكريم السليم يا سكان الأرض المهجورة أيها الأصدقاء الأعداء، الإخوة المنافقون، يسعدنا تلاوة البيان الختامي المختوم من الملك نفسه.
البراح:(وهو يعترضها)
أيها الناس العظام أيها الزبائن الكرام
المذيعة :
لقد قرر الملك الرجوع إليكم و اخذ رأيكم والاحتكام إلى مجلس شوراكم تمشيا مع نهج التحاور والتشاور في كل صغيرة وكبيرة.انه قرر أن يستفتيكم في مرضه أو موته . سيكون الاستفتاء سريا فمارسوا حقكم كما لم تمارسوه أبدا و ادلوا بأصواتكم كما لم تدلوا بها أبدا واصدحوا بآرائكم كما لم تفعلوا أبدا أيها الناس.و هذا الصندوق أمامكم فضعوا فيه آمالكم و أحلامكم و صوتوا بنعم للمرض أو بنعم للموت.
النائحة:
بماذا تجيب إذا يسألك الجزار
هل تذبح بالموسى
ام بالخنجر
هب انك أعمى
بل أنت الأعمى
هل يمكن أن تختار
بين الأسود و الأسود
البراح:
الطبلة هي الأساس أما هذه الأخبار المزعجة فهي تؤلم الرأس عليكم بما أقول و لا خير في الإذاعة بدعوى الحداثة إن الحداثة إشاعة و البدعة في النار بأهلها ومبدعيها.وقد أراحكم و أراحنا الملك من صحافة العار و من ذلك الصحفي المجنون.
(يبدو في ناحية من الركح رجلان يتهامسان في الظلام).
الأول:
خذ هذه فردة الحذاء و عندما تمدنا بورقة المرض نعطيك الفردة الثانية.
الثانيّ:
لقد منحتك كلمتي و لا تراجع...أقسم لك أنني لا أتمنى غير الموت للملك قتله الله و قاتله الاقوياء.
الأول:
لا قسم في العمل و لا ثقة في السياسة ... الانتخاب عدوّّ الأخلاق.
الثاني:
و هل تظن إنني سأفضل المرض؟ ذلك إن
انتخابي سيكون سلبيا بل إن صوتي
سيذبحني و أنا لا انتصر إلا للموت.
الأول:
و إذا دفعوا لك أكثر.
الثاني:
لا صوت أغلى من الآخر
الأول:
في الصندوق يتساوى صوت الفقير مع
صوت الغني و يتساوى صوت الجاهل مع
صوت العالم
الثاني:
لا عدل إلا في الصندوق.
الأول:
صدقت و لكن لن أمنحك الفردة الثانية إلا بعد اختبارك.
(يمضي الرجل و يُقْدم آخر فيقتطع الأول الواقف دائما ورقة نقدية يقصّها إلى نصفين ، يسلم الرجل الثاني نصفا ويستبقي عنده النصف الآخر)
الثاني:
ما معنى هذا؟
الأول:
عندما تأتيني بورقة المرض أمنحك نصف الورقة الثاني...إنها فلوسي و لا لعب مع المال.
الثاني:
حسنا أتفهّم قصدك.هيا...هيا.
(يشرع الناس في الاصطفاف أمام الصندوق ويمارسون عملية الانتخاب صامتين و بعد أن ينتهوا)
الشرطي:
أيها الناس ...أهنئكم بالقيام بواجبكم على أحسن وجه .لقد بينتم اليوم و للعالم اجمع أنكم أهل للمواطنة و أنكم تستأهلون أن تعاملوا كمواطنين من الدرجة الأولى. كيف لا و انتم أنجزتم بكل هدوء و تحضر انتخابات ديمقراطية و شفافة و نزيهة.
الصحبي:
عجبا ...تقول هذا؟
الشرطي:
و ما العجب؟ انه عملي
الصحبي:
كنت سمعت منك عكس ما تدعو إليه الآن.
الشرطي:
نحن نتغير في كل يوم والنتيجة لا تهمنا بقدر ما يهمنا ترسيخ المواطنة و النزاهة والصدق و الثقة و الثبات على المبدا.معذرة يا صديقي اعرف انك متألم جدا لإحالتك على التقاعد الإعلامي.و لو انك جنيت على نفسك
الصحبي:
جنيت لنفسي و جنيت على الرأي العام.
البراح:
رأي عام أو رأي عامين الصندوق هو الفيصل. هذا هو الذي يمنحنا شرعية الكلام والتباهي بالديمقراطية.
الصحبي:
لا يفتح الصندوق إلا بعد الاختبار للتأكيد إن كنتم بحق صادقين. اعتبروها مجرد لعبة و امتحان.. اختبار ابيض ..نجرّب...
الشرطي:
لا يهم، سنفعل أخذا بخاطرك و طريقتان أفضل من طريقة واحدة.
الصحبي :
بل لاختبار المصداقية و الثقة.
الشرطي:
نحن واثقون من نفس النتيجة.
الصحبي:
إذن لنبدأ التصويت برفع الأيدي أولا، أيها الناس من منكم صوت لموت الملك؟
(لا احد يرفع فيواصل الصحبي)
من منكم وضع ورقة المرض رأفة بالملك.
(يرفع الجميع اياديهم)
إذن فلنفتح الصندوق ونتأكد.
البراح:
أرأيت؟ كلهم يتمنون الحياة للملك. انه عزيز عليهم ويرضون به مريضا...المهم أن يبقى.
(يفتح الشرطي الصندوق و يشرع في فرز الأوراق)
البراح:(يحسب)
الموت 1
الموت 2 ...3....4
(يصاب الشرطي بحيرة و يبدو وجه البراح متجهما فيواصل بصوت متقطع)
الموووووت...الموت مرة أخرى
(يتواصل فرز الأصوات و لا يسمع غير الموت ينتفض البراح)
البراح:
حتى أنا؟
الصحبي:
حتى أنت منافق.
البراح:
لقد خذلتموني ...أنا وضعت المرض
الشرطي:
وضعت مرضا فصار موتا هذا أمر عادي. (تسمع أصوات قادمة من بعيد ...تقترب الأصوات أكثر من الركح حتى تصبح واضحة يهرع الجميع خارج الركح لاعتراض الجنازة)
الأصوات:
الله....لا إلاه إلا الله و الله اكبر الله اكبر و لا حول و لا قوة الا بالله....
الله ...لا الاه الا الله و الله اكبر و لا حول و لا قوة الا بالله...
(تمرّ الجنازة إلى الباب المقابل للركح وتغادر بنفس الدعاء....تدخل النائحة وخلفها امرأتان)
النائحة:
لمن تركتنا ؟
المرأتان:
لمن ؟ لمن
النائحة:
سنمرض حتى تتعافى
المرأتان:
نحن نمرض من أجلك
النائحة:
و نبكي
المرأتان:
لتضحك
النائحة:
و نحزن
المرأتان:
لتسعد
النائحة:
و نموت
المرأتان:
ليحيا الوطن
النائحة:
لا يبقى لنا وطن إن مات الملك.انه البلاد والوطن.و هو العَلَم و الأرض و الحياة.
( تعود أصوات الجنازة مقتربة من الركح فتسرع النساء إلى ناحية و يبقين يترصّدن المشهد. يدخل الرجال بنفس الطريقة)
الرجال:
الله....لا إلاه إلا الله و الله اكبر الله اكبر
و لا حول و لا قوة إلا بالله....
(يقف الرجال أمام النعش و يستعدون لأداء الصلاة يخرج الميت رأسه من تحت القماش ويتفحص المكان جيدا ثم يجلس دون أن ينتبه إليه أحد.عندها يصيح)
الميت :
من أنتم؟
(يصاب الجميع بالرهبة و يفرون من أمام الميت في حين يقفز هو و يحاول اللحاق بهم)
الميت:
أين أنتم؟ أين أنا؟ يا أمير ...يا خدم ...عجبا مالي ألبس هذه القطعة من القماش؟ إنها تشبه الكفن... عجبا، هل أنا حقا متّ؟ (يصفع نفسه) أحس...أتألم إذن فأنا موجود....
من يدري؟ ربما أنا ميت و أحس وأتألم ربما.ولكن أين الآخرون...حتى الذين سبقوني إلى الموت؟هل تسمعون؟ يا أحياء..يا أموات هل تسمعون؟ يا وزير...
( يطل الشرطي برأسه فيدفعه البراح في اتجاه النعش)
البراح:
انه يناديك...
الشرطي:
قد يقتلني.إن الميت لا يتحكم في أفعاله ولا يهزم أبدا...اذهب أنت فربما غلبته...
البراح:
انه يقصدك ...يا وزير
الصحبي :
أنا لم أكن وزيرا لأحد
البراح:
و أنا أيضا
الشرطي:
انه يعرفك ...بل قد يكون كلفك بإذاعة خبر مرضه و ها هو قد مات بعد مرض.و هذا معناه انه سيدرك موته وسيشكرك على ما قمت به.
(الميت يبحث و يدور في الركح مناديا)
الميت:
يا قوم... يا ناس أين انا...بل من ان..إني
ابحث عن نفسي فمن يعرفني؟ اني رجل مثلكم انس من خير الجنس فأين انتم.؟
البراح (إلى الشرطي):
انه نسي نفسه..لم يعد يفهم
الصحبي:
تلك مخلفات المرض.. يبدو انه لم يمت و إنما فقط مرض في عمق روحه...تقريبا في قاع الروح و لهذا منذ أن خرج من ذلك القاع انبهر بالوجود فأصيب بالجنون و أنكر نفسه.
البراح:
علينا أن نماريه و نجاريه و نشركه لعبته...إنها فرصتنا
الشرطي:
فرصة ماذا؟
البراح:
فرصة السخرية منه ...لن تتوفر لنا فرصة أخرى.علينا أن نلاعبه و نساعده على المضي قدما في الجنون.
الشرطي:
بل إنها فرصة لإعادته إلى رشده.
( يصيح الميت من جديد)
الميت:
أيها الناس أيتها الحاشية...أين أنت يا أم البنين؟
( يشرع البراح في قرع طبلته فيتجمع الناس فيأمرهم بالصمت و الفرجة دون كلام يدور الميت بينهم سائلا) ـ
الميت:
من أنتم؟ من أنا ؟ أين ؟(يقترب من الشرطي) من أنت...يا هذا
الشرطي:
أنا هذا...
الميت:
كيف؟
الشرطي:
نعم أنا هذا...و أنت عرفتني فناديتني باسمي...أنا اسمي هذا و أنت ذلك.
الميت:
أنا الملك...ألم تفهم.
الشرطي:
ربما...و لكن أنا هذا لا اعرف لوطني ملكا سوى الأسد.
الملك:
أنبهك لا تكذب و لا تخدعني
( ثم إلى البراح) وأنت قل لي من أنا؟
البراح:
أنت...أنت
الميت:
من هذا أنت؟
البراح:
أنا يا صديقي من لم تلده أمك أبدا .تحديدا من لم تلده غير أمي، تلك الرقطاء الملساء الجميلة الطويلة الجراية السباقة اللحاقة السريعة البديعة...أنا الذئنب يا حبيبي
الميت
:من؟
البراح:
الذئنب
الميت:
تقصد الذئب أو الذنب؟
البراح:
بل اقصد الذئنب. لي أنياب الذئب وأضراس الأرنب...آكل كل شيء فأنا كالش ألتهم الأخضر و اليابس و لا أرحم أحدا من فرائسي. هكذا خلقت لأكون وليس لي ذنب فيما افعل.
الميت:
من أنجبك؟ يعني أنت ابن من تحديدا؟
البراح:
أنا لم أنجب نفسي بل أنا مزيج بين الذئب و الأرنب كما قلت لك بين الأنياب والأضراس و هذه مستلزمات العيش في هذا العصر الصعب و المتقلب عليك أن تمزق لحم منافسيك قبل أن تمضغه ليسهل ابتلاعه.
الميت :
فهمت..(إلى آخر) و أنت؟ من أكون في نظرك.
الشرطي:
أنا يا صاحبي خلاصة زيجة غريبة بين غريمين وافدين من وراء البحار يختلفان في كل شيء إلا في قتل الآخر ، قتلها هكذا لوجه الله ...دون أكلها
الميت:
ما اسمك؟
الشرطي :
أنا الأفرب
الميت:
تقصد أنت عصارة زيجة بين الأفعى والعقرب، تلسع من يقرب و تظل تتبع من يهرب.
الشرطي:
دفاعا عن النفس... أنا لا ألسع إلا من حاول اعتراض سبيلي أو نافسني في مركز أو زاحمني أو خاصمني على شيء...أسعى دائما إلى تخويف الآخر لأحوز احترام وتقدير المجموعة و أسحق و أمحق خصومي بصمت. أتمسكن إلى أن أتمكن و حتى إن تمكنت فأنا أبدو دائما لطيفا متعقلا بل و أحيانا أجعل من نفسي عمودا في الصحراء تقف عليه الطيور لترتاح.
الميت :
ضيفة عليك.
الشرطي:
طبعا تتوسد عطفي و حناني و تثق في لتأتمن على نفسها عندي.
الميت:
وكيف تحصل على قوتك؟ ألا تجتهد وتعمل أم أنت تعيش عالة على غيرك؟
الشرطي:
أنا يا هذا لا أحتاج إلى كثير من الطعام...أنا صبور و قنوع و لا احفر مكانا آوي إليه ، كله سواسية عندي إما تحت الحجر أو في الجحر الذي حفره غيري المهم...
الميت:
ألا تخجل من صنيعك هذا،ألا تكف عن التواكل؟
الشرطي:
إن الله خلقني هكذا بدون أظافر و لا مخالب وسخر لي طعاما يأتيني. فإذا سعيت إليه اعترضني و إذا وقفت سقط في فمي. أفهمت يا هذا.
الميت :
وأنت أيتها الجميلة الفاتنة
النائحة:
أنا القطلب
الميت:
ما هذه الأسماء الغريبة؟ هل انقلبت الدنيا؟
النائحة:
لا و لكن انقلب الأمر عليك واختلط الماء بالزيت في دماغك فلم تعد تفهم شيئا و لا تعي ما يدور من حولك و لا تقدر على التفكير أو هكذا يشاع ويقال في مملكتنا
الميت :
كل كلامك لخصته في كلمة مملكتنا...ويا ليتك قلت مملكتك لأنني أنا الملك
النائحة :
اذا كنت فعلا ملكا فقل لي من أنا؟
الميت :
جارية ، أنت إحدى الجواري الجميلات ...
النائحة:
بل أنا القطلب.تزوجت أمي القطة الرقطاء بالكلب الأرقط فأنجباني و سمياني قطلب
الميت :
لماذا سميت هكذا؟
النائحة :
أنا اصطاد لوجه الله خلافا للقطط و في خاصية الاستماع و التجسس على الزملاء وبالتالي أمتلك سرعة رهيبة لنقل الخبر... ولهذا انتخبت على رأس المخابرات العامة ولي فضل لا يقل أهمية عن الأول وهو الوفاء...أنا وفيّ مثل أبي الكلب أتبع مولاي حيثما أمرني و لا أعض إلا متى خفت...نعم عندما أجوع أنبح و عندما أخاف أعض كبقية الكلاب الأخرى. فهمت يا هذا ؟
الميت :
أنا لست هذا ...
النائحة:
يبدو انك لاشيء أو ربما تكون زيرا أو لا تستأهل اسما و قد تكون معاقا، معدما ، ضعيفا ،شيخا ،هرما.
الميت :
عجبا؟ تسخرين مني ؟
النائحة:
على أية حال نحن في زمن الصراحة نستطيع أن نقول إلى الأسد يا أبخر
الميت :
أنا الأسد...صحيح ؟ أنا الأسد؟فمن أنتم؟ و أنت (إلى المرأة الثانية)
المرأة:
أنا يا ...أيها العاجز...أنا الدجلب تزوج الثعلب دجاجة فأنجبتني ...يعني أنا مزيج من الدجاجة والثعلب.
الميت:
كيف؟ كيف يمكن أن يلتقي الثعلب بالدجاج ويبقى الدجاج حيا؟ كيف؟و في مملكتي؟
المرأة:
أوفففففف في عصرنا هذا لا مكان للمستحيل، انه عصر النفاق...النفاق في كل شيء في شؤون الدين و الدنيا.في البدء كان يغلب عليّ طبع الدجاج...تألمت و سكت عن الضيم ورضيت بما يرشّ لي من شعير أو فتات خبز و حدث ما حدث...
الميت:
أووووه
المرأة:
( مواصلة غير عابئة بملاحظة الميت)
وعمت الفوضى فاستنجدت بطبعي الثاني وانقضضت على نفسي ألتهم الدجاج الذي في داخلي كما يفعل الثعلب بل صرت ثعلبا و قد مات فيّ التدجين و التدجيج
الميت :
اووووه
المرأة :
كان لا بد إن يموت ...و إذن عليه أن يموت من اجل شيء ما و لا أن يفعل مثلك تموت هكذا كالحمار الأجرب بلا قصد موتا غبيا بلا فائدة.
الميت :
أنا لم أمت
المرأة :
بل أنت ميت الآن و قد علمنا بموتك منذ وقت وهجرك الذين كانوا طوع يديك فانتخبنا ملكا آخر ليحكم بيننا و ليحكمنا.
الميت :
أنا ملك البلاد و سابقي كذلك
المرأة:
أنت لم تعد تتحكم في شيء سحبت منك كل الصلاحيات لأنك عشت زمانك عالة على البلاد جميعا لا تكلف نفسك حتى مشقة البحث عن عمل أو قوت...أنت طفيلي و ستموت طفيليا...
الميت :
طبيعة الوظيفة... قدري أن أفكر في العامة والخاصة و أن أفكر بدلهم.يعني يرتاحون من وجع الدماغ و يلقون بمشاكلهم على عنقي ...تلك الوظيفة صعبة للغاية
المرأة:
اتركها لغيرك ما دامت صعبة عليك.
الميت :
انه سؤال مهم انظروا أيها الحمقى واسمعوا إجابتي لان الحكم لذيذ يستهوي الرجل والمرأة. انه ملفوف بسحر الغلبة والتطويع... الإنسان مجبول على تطويع الطبيعة والآخرين... انه يسعى بذلك إلى فرض الذات فلا لوم بعد اليوم على أي حاكم إن تشبث بالحكم...بل اللوم كل اللوم على الرعية التي تحاول أحيانا أن تسقطه من الكرسي و هي تدرك انه لا يستطيع أن يتخلى عنها لان الرعية في آخر المطاف جزء من الكرسي ها هاه هاه هل فهمتم أيها الأغبياء؟
الصحبي:
هل فهمتم أيها الأغبياء أصل الحكاية؟
الشرطي:
فهمنا الحكاية إنها بلا رأس.
الصحبي:
و أين رأسها.
الشرطي:
أكله السوس، ....سوس السياسة.
الميت:
إذن اذهبوا إلى الجحيم أيها الأغبياء الضعفاء... اذهبوا وحدكم هكذا عراة حفاة مهزومين و تذكروا دائما أنكم منحتموني الحكم طوعا لا كرها فتذوقوا نتيجة صنيعكم...لا تلوموا أنفسكم لأنكم خلقتم في دائرة الطاعة. لا تستطيعون العيش خارجها...
(يفتح المقهى فنرى النادل يصفف المناضد ويضع الكراسي من حولها)
النادل:
انتهى الحزن أيها الموتى،و ظهر هلال العيد صغيرا.دعوه يكبر و لو ببطء و لا تتزاحموا على الإمساك به...شهر واحد من الصوم يكفيكم وعمر واحد من الجوع يكفيكم اتركوا القمر يغمركم بشيء من نوره فقد تطلع الشمس بنور ساطع وهّاج.فإن لم تجئ فقودوها من شعاعها. إنكم قادرون على فعل كل شيء فلا تبخلوا بالفعل... الفعل المرافق للكلام,و ستؤلفون الحكاية من جديد لكن،حكاية برأسها و فكرها لا حكاية بلا رأس كما صنعتهم.
انتهـــــــــــــــــــــــــــى