
دار المعارف – سوسة – تونس
2000
تدمك: I.S.B.N: 9973-16-644-2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى أوّل الزرع ...
والدي الذي توفّي ولم أقرأ له
شعرا
إلى آخر حبّات العنقود
ابني إلياس لكي لا يضيع الشّعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأناملُ الشّمسِ التي في راحتي
هزّت جفونَ الأرض للشّفق
يا فرحتِي
قد تنْبُض الأوراقُ من قلقِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والشعر عند المولدي فروج ليس ترفا فكريا ولا هو استجابة لنرجسية رومانسية تعيش في برج عاجي بل رسالة في الحياة مسكونة بحب البلاد
* هذي البلاد أحبها / وتحبها مثلي البحار
يحبها الله الذي سوى/ بإتقان القداسة شكلها ....
أحبها وأكون متهما بها
لتكون موقد القصيدة (أكون متهما بها)
وبهذا الاتجاه يحافظ المولدي فروج على اتجاه ازدهر في فترات سابقة من تاريخ الشعر المعاصر ثم انشغل عنه البعض بضروب من التجريب، أو الإغماض أو الاختفاء وراء الأقنعة والأساطير في ارتباط وثيق بالذات في أزماتها الوجودية، إن المولدي فروج مازال يحس بالآخرين ويعتز بالانتماء إلى زمرة الشعراء الذين التزموا بقضايا الوطن ومشاغل الناس وأحلامهم بمجتمع فاضل تتحقق فيه أنبل القيم:
*كتبنا لنرفع بعض الرؤوس التي انتكست
ونؤسس فيها البساتين
نزرعها من سليل القوافي...
كتبنا لتمثال حي الحديد...
كتبنا القصائد في شكل إعلان حرب على الظالمين
ملانا الشوارع بالشعراء
سنؤمن بالشعر بوّابة الشعب
تنتصر الكلمات التي قد كتبنا...
كتبنا لهذي البلاد الجميلة... (جيل الشعراء)
وطبيعي ان تكون لغة المولدي فروج واضحة لا تلجأ إلى غريب اللفظ او بعيد الاستعارة، يدركها الداني والقاصي في الإلمام بالقول الشعري وطبيعي ان تحتفل هذه النصوص بحياة الناس وبالتفاصيل الصغيرة يؤثث بها المشهد الشعري ويكشف ما فيها من شعرية كاد يطمسها التداول:
*يفرك النادل المتثاقل عينيه ...
ماذا جرى للنساء؟
يسرّحن أزواجهنّ بلا قهوة وبلا قبلة في الصباح...(القهوة)
وتفتّق زهر القريحة والذاكرةْ...(القهوة)
*كلّ يوم أعود إلى زوجتي طافحا بالغضب
فالكتاب معي والجريدة منذ الصباح
تخلّف حبر المطابع في إصبعي
والسّجائر في شفتي واللّهب(ملل)
وإذا كان قطار حلق الوادي يطوي المسافة كل يوم مئات المرات منذ مائة عام تزيد. ويحمل من الأزواج والأحبة والعشاق ما يحمل فان المولدي فروج انتبه ونبهنا إلى إيقاعه ورأى فيه ما يكون مادة خصبة لقصيدة شعرية:
*طوى الرتل نصف الطريق
وراح يدقّ على سكّتين
وقلبي يدقّ على الرئتين. (قطار حلق الوادي)
ومن مظاهر الطرافة في شعر المولدي فروج انه استطاع ان يكون وريثا للشيخ الرئيس ولإبراهيم ناجي مع شيء من الامتياز يجعل القارئ يدرك وهو يقرا القصائد او يستمع إليها انها تحمل إمضاء شاعر طبيب يجيد تفحص الامور وتشخيصها وطبيب شاعر بدنيا الناس وبقيمة الكلمة:
*وفحصت المفاصل...
ثم أصغيت للقلب
فاحمرّ نبض الحياء على خدها
جسمها يوقد النار من غير حمّى
وسمّاعتي البارده
غربلت عشقها في الصدور (عيادة)
وإضافة إلى هذه اللغة الطبية المثقلة بالشعر، نجد عديد المصطلحات تتسرب الى النصوص فتزيدها رونقا (علاج، عيادة، وجع، الم، وصفة.)
وإذ يتنوع المعجم الشعري في ديوان " دعي الكلام ...لي"ويجمع السجل الوطني والاجتماعي والسجل العاطفي والوجودي فانه لا يقف عند حدود هذا العصر. وكيف للشاعر ان يكتب من ذاكرة بيضاء والقصائد تشهد ان المولدي فروج مثقل بميراث أدبي أحسن توظيفه فكانت بعض العبارات طافحة بعطر النصوص القديمة شعرا وحكاية وأخبارا وأحاديث:
*فهل كان لا بدّ لي من سلام
لأعلن حرب البسوس على ...كربلاء؟
*فوق مصطبة من خشب...
واقف مثل جلمود صخر...
لتقصّ عليهم تفاصيل هند وليلى
وكيف الملوك إذا داهمتها الشكوك (لاعب الغولف الخطيب)
*للبيت الاه يحميه
للبيت حجاب وضفائر من ذهب (البيت)
*روى شاعر ...أن لقمان قبل اختفائه...
و من كان مسكونا بالنصوص القديمة ليس غريبا ان يعشق الحكي، خاصة إذا ما كان كاتبا مسرحيا كالمولدي فروج له أعمال عديدة أخرجت للناس وهو رئيس جمعية مسرحية فكانت أدوات السرد حاضرة في النص الشعري تسعى إلى الاستفادة من طاقاتها التأثيرية في نصوص وفية لسنة الإنشاد بما توفر فيها من إيقاع خليلي و لغة واضحة سلسة و التزام بالتوجه الى الناس ومشاركتهم أحلامهم وملاحمهم اليومية :
*يحكى ان امرأة، قارئة الفنجان
طرحت... (الكذابون في الأرض)
· مقامة أهملها الهمذاني
· روى شاعر
ما تيسر من قصص المولعين بنبش الفضائح. قال:( لقمان)
ورغم كل ما التزمه شاعرنا من بساطة في التعبير ووضوح في الرسالة فانه لم يمنع نفسه من أن يشتغل على الصورة الشعرية فيثقلها بالمعاني حتى تكون كثيفة ومال أحيانا الى الرمز الشعري لا من باب التقية او التخفي بل من باب التجميل فالواضحات من الفاضحات في عرف القدامى والمحدثين، فجاءت مقامة الهمذاني أقرب الى عصرنا منها إلى القرن الرابع وليلى في" زمن لقتل ليلى" ليست الاخيلية و لا العامرية بل هي: " التي سرقوا نفطها
أشعلت قلبها لتضيء ويرتاح أحبابها
وقال المؤرخ:
فأمّة ليلى التي هزمت منذ خمسين عاما
بعدد الأصابع في الكفّ
لا..ليس يكفي.....لترتاح امتها
من حروب الإبادة. (زمن لقتل ليلى)
إن تجربة المولدي فروج أصيلة، تمتاز بثباتها واستمرارها وفية للقول الشعري وللقيم النبيلة، تؤمن بالبلاد والعباد . وبالشعر سبيلا يجعل الحياة جديرة بان تعاش. وهذه القصائد شهادة على أن الشعر جميل ويكون أجمل على السنة الحكماء. والمولدي "عامر" كما يعرفه أصدقاؤه وأبناء مدينته عامر بالحب للناس وللوطن. انه الشاعر الحكيم يثري المكتبة في تونس والعالم العربي بمختلف أشكال الكتابة. والشعر يبقى من أرقى هذه الأشكال بما يحمله من حسن الصياغة ونبل المقصد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يؤسس الملك مملكته ويبني الشاعر قصيدته. والقصيدة أفضل من المملكة لأنها لا تخون أبدا.
من حقك أن تسال الشعراء عن الحداثة وعن الشعر ولمن او كيف يكتبونه.
إن أكثر الأعمال إرهاقا للجسد والفكر هو الإصرار على فتح باب مفتوح فلماذا تسألني: لماذا تكتب الشعر؟
أنا لم أخلق لأكون ناقدا فأجيبك. أنا شاعر فهل يكفي؟ وأنا لا احتاج لناقد أو ناقل حديث، ولا احتاج إلى ناقر ينقر بأصابع مستوردة على شبابيك قصيدة تمانع في الانفتاح وتجاهر بدلالها. ولا احتاج كذلك إلى ناقم على قصيدة رفضت أن ترتدي جبة على غير قياسها. أنا لا ابحث إلا عن قارئ يجتهد لفهم الشعر فنتفق معا على شكل ما من الوعي الإنساني فهل يكفي؟
لي مملكة الجنون وحكمة العقلاء.
يعجبني الطفل الذي يحول الصلصال إلى لعبة. تعجبني لعبة الشعر ويعجبني أكثر ولع الناس بها.
قضيت أكثر من ثلاثين سنة في كتابة الشعر وعاشرته بصدق ومتعة وكنت كعاشق الحلم احبه ولا أستطيع تعريفه تعريفا يقنعني: اكتبه ثم اقرؤه فيترك في نفسي إحساسا مبهما ولذة غريبة وكأنها تنبعث من كائن خفي يتجسد في القصيد.
الآن اعرف ان الشعر حلمي في وضح النهار وغيبوبتي في قمة الوعي. وإن كتابته صعبة جدا لأنها تختزل الزمن فكأنها الزفة والحمل والولادة في نفس الوقت. وكأنها السجن تدفعك اليه قسوة العبارة الأولى وتخرجك منه الكلمة الأخيرة.
أحببت الشعر حبا مبهما وأعجبت بالشعراء ثم كتبته وقرأته. أصبح الجسر مرآة تنعكس عليها ذاتي. صارت العلاقة التي كانت تربطني بالشعر تربطني بالآخر وامتدّ القصيد جسرا نلتقي عنده في لحظة إعجاب
الباب لا يغلق على مصراع واحد. الشعر فعل خطيرو ممارسة صعبة فيه من الصدق والجرأة ما يزعج السائد والنقد أخطر عليه من السّياسيّين.
كنت اعرف أن قصائدي تمضي إلى مسالك وعرة، صخرية ورملية...وكان يكفي ذلك لان أتركها ترسم على الأرض هموم من عليها...وكنت أدرك الوجهة فاسميها وأفهم لغتها: هي لغة لم ينطق إنسان بأجمل منها. جمعت من البحار ستة عشر بحرا. فهل يكفي لأكون قطرة من كل هذه البحار؟ وما الذي يزعج البحار إذا أتيتها وحيدا؟
لم أقل احتاج إلى رفيق أو ناقد بل ربما يحتاج الناقد إلى شعري ليعرف لماذا لم أتوقف عن كتابة الشعر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خذْني إلى جبلِ الدُّعَاء
سيأتِي التَّائهون إلى الجَبل
وانْصبْ قبَابَ العِشْق
في عمقِ السَّماء
***
دعْني إلى وجَعي قليلا
ثم خذْ حبْر الفجيعةِ وارْتحل
قلْ للصِّغار تسلَّقوا حبْل الكلامِ
ولا تدعْ
رحِمَ الحبيبةِ للظَّلامِ
خذْني إلى زمنِ الفداءِ
سيَأتي التَّائهُون إلى الهُدى
وافرِشْ لهمْ جَسدَ القَصيد
وقلْ لهم
مُرُّوا كما شِئتُم إليْ
خذني إلى زمنِ اللِّقاء
وقل للوافِدين تصوَّفوا
في حضرةِ الشِّعر المُسيَّج بالوَفاء
...تسلَّحوا بالحَرفِ
إنّ الأرضَ ثابتةُ الخُطى
والأرضُ...
لا تحيَى على وتَدٍ وحيد
والأرضُ لا تخْضرُّ من نبْع وَحيد
والشَّمسُ تطْلعُ في الصَّباح
على بيوتِ الطِّين بالحُلمِ الجَديد
خذنِي إلى لهَبِ القصيد
لأصبَّ نارَ الحُبِّ
في أعماقِ أوْردة الجَليد
ونعيدَ في المِحرابِ دعوتَنا!
ألا صلُّوا:
لأرضِ الله والوطنِ الجَميل
صلُّوا لشمْس الدِّفءِ والأحلامِ
أو صلُّوا على قدمٍ تهبُّ إلى الأمامِ
خذني إلى برج يطل على الحمام
لأعيدَ مملكةَ القصيدِ
بلا ذئاب
وأعيدَ ترتيبَ الأزقَّةِ في البِلاد
ولنشْرعَ الأبوابَ
للشَّمس الجديدةِ والصِّحاب
خذنِي إلى بلدٍ
ـ كما ربِّي ـ
يصبُّ الشّعر في نُطَفِ البنَاء
فان ربَّ النَّاس...
كالبلدِ الجميلِ
على المنابرِ يقْتفي
أثَر القصيدِ بكمْ ولاءِ
والأرضُ تَنتظِر القوافِي
مثلما الأنْثى إذا...
طافتْ بها حمَّى النِّساءِ
* ترجمت هذه القصيدة الى عدّة لغات منها الفرنسية والإيطالية ونشرت مترجمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمنّيتُ أنْ أعلِن الحبَّ صمتًا
إلى امرأةٍ لا تحبُّ الكلامَ
إلى امرَأةٍ كم أحن إليْها
إلى صمتِ هامتِها في الزُّحام
أحنّ
إلى وقعِ أقدامِها كلَّما اقْتربتْ
أو مَشى ظلُّها قربَ نافذتِي
فمشى القلبُ
كي يفتحَ البابَ قدَّامها
وجرَى البابُ ملْتَحِفًا شوقَه
سابِقًا طرقَها
تمنّيتُ
لو قادنِي الصَّمتُ يوما
الى امرأةٍ من غَمام
تلوك الكَلام
ولا تفتحُ الشَّفتين
سوى لتقبّلَني
وهْي تعرفُ
كم اشتَهي قبلةً في الصَّباح
وعندَ المسَاء
أوسِّدُها القلبَ
حتى تنام
تمنيّْتُ
لكن امرَأتي...
كمْ تحبُّ الكلام!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذي البلادُ أحبُّها
وتحبّها مثلي البحارُ
يحبُّها الله الذي سوّى
بإتْقان القداسَة شكْلها
وأحبُّها...بالنّخلِ
بالإكليلِ
بالصّبحِ الجميلِ
أريدُها
ظلا يرافقُ هامَتي
ويظلّ يرسُمني الطّريق
أحبُّها حتى وإن سحَبوا المحبَّة
من حقولِ الأرضِ
أمنحُها الفُصول
حتى وإن سجَنوا العقُول
عن البلادِ ...أعيدُها
من بين أسلاك السُّجون
أحبُّها
حتى وإن نصَبوا الحراسةَ
خلف بابِ العشقِ
أو قتَلوا الرَّسائلَ...والرَّسول
أريدُها
تُفشي المحبّةَ قبْلنا
وتقولُ للبشَر الحسودِ يُحبّني
وأحبَّ فيه الصِّدق والغزلَ العنيدَ
يحبُّني...والأرضُ شاهدةٌ عليه
الورْد تفتحُه القصيدةُ
من يديْه
أحبُّها
وسأعلمُ الله الذي ألقاهُ
إني قدْ أتيتُ بها معي
في القلبِ متُهمًا بها
وأقولُ
إنِّي قد نذرتُ لها قولَ الرّسول
أقولُها
وليشهدِ الملَكُ الذي
تركَ البلادَ لحالِها
واندسَّ في شِعْري يسجِّلُ ما أقُول
أقولُها
وليشهدِ الله الذي
فتَح الطَّريقَ لغاصِبيها
إنني سأقولُها
وأريدُها
أمّا لتُرضعَني المحبّةَ في الصَّباح
وفي المَساء
تخبّئُها الضُّلوع عن الرِّياح
أريدُها طفْلي الوَحيد
يجيءُ من قلَق الولادةِ
مثل شمْسِ النّصرِ
من تعبٍ بعِيد
أحبُّها... وأكونُ متَّهمًا .... بها
لتكُون ...مُوقدةَ القصيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مالَها لا تنامُ على ساعدِي؟
مثل عادتِها
أترى ملّتِ الشِّعْر
ام هدهدتْها القصيدةُ
فارتاحَ جفنُ القصيدِ على جفنِها
ويدِي ارتجفتْ
وتوقَّفَ نبضُ الكلامِ
على ورقٍ ميّتٍ...
كم ودَدنا معًا لو سرحنَا على النَّهد
او لو تسرّبَ حبرُ فمِي
فوق جيدٍ
تعمّدَ بوحُ المجيءِ إلي
آه كمْ هي دافئةٌ صفحاتُ الجسدْ
أتساقطُ حرفًا فحرفًا على ورقٍ ميِّتٍ
فلتكونِي معِي جسدًا في جسدْ
سوفَ نعلُو معا فوْقَ هذا البلدْ
لا أحدْ
يترصّدُ غفوتنَا في النَّشيد
ويحْسبُ كم من قَصِيدٍ
كتبتُ بلا حبْرٍ
في صحوةِ الرُّوحِ
لما تحطُّ على الرُّوح ظمآنةً
فاحمّلُها أعذبَ البوْحِ
ثم أطْلقُها
لتعودَ إلى سكَناتِ الجَسدْ
عذبةٌ
لو تظَّلين نائمةً في دمِي
لن يدُقَّ القصيدُ
على بابِ حبٍّ جديدٍ
ولنْ يتجزّأ شِعري كمَا اعْتاد
نصْفين:
نصفًا إلى امرأةٍ في الوريدِ
ونصفًا إلى بلدٍ في القصيدِ
طالما أنتِ نائمةٌ
فيك أنتِ العبارةُ والأمنياتُ
ورائحةُ الصّومِ في كل عيدٍ
وفيك السّلامُ على بلدٍ
يستفيقُ إلى الشّمسِ في كلِّ
صبحٍ جديدٍ
طالما أنتِ نائمةٌ
المدى شاسعٌ...
.................وبعيدٌ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يأتِي المَطرْ
وينِزّ من ريحِ الشّمالْ
يَرْوي الخبَرْ
عطشَ الجنوبِ فلا يقالْ
يبْدو الحجَرْ
شوكًا إذا فقَدَ الرِّمالْ
يمضِي المطَرْ
وتظلُ تبكيهِ التّلالْ
نحنُ الشّجَرْ
أم نحنُ في الدُّنيا ظلالْ؟
أحلَى قمَرْ
ما كان يبدأُ من هلالْ
يفنَى العمُرْ
وتظلُّ تحملُني الجبالْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نادلٌ
يتثاءَب خوفًا من الواقفينَ إلى المنضَدةْ
والرؤوسُ اشرأبَّتْ
إلى موجةٍ من بخارٍ
هوتْ في فناجِينه الأفْئدةْ
يفرِك النّادلُ المتثاقلُ عينيْهِ
كيْ يسْتفيقَ
ويلعنَ شمسَ النّهارِ التي سرّبتْهُم
ويحتارُ...
ماذا جرَى للنِّساء؟
يُسرِّحنَ أزواجهنَّ بلا قهوةٍ
وبلا قبلةٍ في الصَّباح
تدور الفناجينُ في الأعينِ الشّاردةْ
وتدورُ السجائرُ
مثل الكلامِ الذي هادئًا يبْتدِي
كيفَ ضاعتْ يدِي
في الزُّحام على المنضدةْ
وفسحتُ طريقًا إلى قهوتِي...
.... باردَةْ
***
أينَ تلك التي تبعثُ الدِّفءَ في الحنجرةْ؟
وتفتِّق زهرَ القريحةِ والذّاكرةْ؟
والتي ...إذ تلامسُها الكفُّ
هبّتْ لها ممطرةْ
أينَ تلك التي كلَّما أبصَرتْ قلَمي
نطقتْ شاعرةْ؟
أخطأتْني إذنْ
فلمنْ
أفتحُ القلب والقافيةْ؟
أومأ النّادلُ المتشائمُ هذا الصّباح
على غيرِ قصْدٍ
وتمتمَ يا صاحبي...
قد سَرى خبرٌ في الشّوارعِ
لو عاودتْه الإذاعةُ
آه، تمنّيتُ يا صاحبي أن تمرَّ الإشاعةُ
للشُّعراءِ وينتصبَ الباعةُ
لو صحّ هذا الكلامُ...
هنا مكتبٌ
.... وهنا حاجبٌ
..................وهنا..........
فالمواعيدُ مثلَ الفناجينِ يختارهَا
والصُّكوكُ يرتِّبُها دفترًا
والشُّكوك يذوِّبها سكّرا
والمقاهِي التي عيَّرتْني أعيّرُها
وأغيِّرُها
مثلما غيَّروا قهوةَ الصُّبحِ
صارتْ...
وهذا الكلامُ بذنْبِ الإشاعةِ
في كلِّ ناحيةٍ حجَر الزَّاويةْ
فالمكاتبُ مقهَى، الشّوارعُ مقهَى،
الإداراتُ...
حتى الدّواوين والشّركاتُ
ففي كلِّ ناحيةٍ قهوةٌ للنّجاحِ
وأخْرى لمدِّ الجسورِ
وثالثةٌ تسقطُ الخَصمَ في الانْتخابِ
وفي حالكاتِ الأمورِ
وقهوتُنا العطرةْ
لا تفوحُ بخارًا
ولا تحتَسي سكَّرًا
وهي تكْتم أسرارَها
فإذا انْتقلتْ
لا تخلِّف آثارَها
وإذا شربتْ
سترَ الله أنصارَها ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تملك الشبر من أرضه
وفحصْتُ المفاصلَ
حتّى الزّوايَا تتبّعتُها
ثم أصغيْتُ للقلبِ
فاحمرَّ نبضُ الحياءِ على خدِّها
.... جسمُها
يوقدُ النَّار من غيْر حمَّى
وسماعتي الباردةْ
غربلتْ عشْقها في الصُّدورِ
وفي الأعيُن الشاردةْ
وانتهتْ ...
مثل نهْد تجعَّد في صدْر أرملةٍ
طفحتْ حيْرتي
ما الذي قادَها
كلّ يومٍ إلى مكتبِي
كل يومٍ
وما ملَّتِ الازْدحامَ
ولا يئستْ من علاجٍ تكرَّر حتّى
غَدا عادةً لا عيادةْ
***
وتمْتمتُ...
هل تشْعرينَ بشيءٍ؟
كما ألمٌ، وجعٌ،
أو كما تعبُ الجوعِ
هل تحسَدين النِّساء
وهل تحفظينَ بصدركِ عشْق الحبيبِ
وقوْل الطبيبِ
وهلْ...؟ ثم ...هلْ؟
تعشقينَ؟
فقالتْ: أجلْ
كنتُ عاشقةً
كنتُ أبصرُ وقْعَ النَّدى فوق نافِذتي
كنتُ مثل الخُطافِ
أطلُّ على بلدٍ نامَ في راحَتي
كنتُ أرضَعتُه الودَّ حتّى ارتَوى
ثم سويّتُ قدّهُ حتى اسْتوَى
كنتُ أمّا لهذا البلدْ
فإذا جفَّ نبْعُ الحنانِ
وحاصرنِي العمرُ
ما عادَ يحملنِي في البلادِ أحدْ
فاعْطني وصفةً
كي أعودَ إلى زمنِ العشْق
فالرّوحُ توّاقةٌ...... لاغتصابِ الجسدْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تراختْ يدَايَ على المقعَدِ
وقابلتها
وهِمتُ بفستانِها الأسودِ
ولم أدْرِ، لم أدر ما هزَّها
تعرَّتْ قليلا .... ولمْ تهتدِ
طوى الرَّتلُ نصْفَ الطّريقِ
وراحَ يدقُّ على سكّتينِ
وقلبِي يدقُّ على الرّئتينِ
وعيْناي مُغمضتانِ
على حلم في المضيقْ
تمنيتُ لو كان لي
في القِطار صَديق
لتمتمتُ للمرأةِ ابْتعدِي
ولكنّها أمعنتْ في التّحدِّي
تعرَّتْ بأكثرِ جدِّ
رأيتُ يدِي
فقَدتْ وعْيَها.
ثم ألقتْ ببعضِ الدّفاترِ في حِجْرها
مالَها...
لم تردَّ الدّفاترَ لي؟
هل أمدُّ يدِي؟
وهل أستجيرُ بما قِيل عن قلّة الأدبِ؟
فحدَّثتها...
عن زحامِ القِطار...
وتعريفةِ السّفر
توقّفَ ذاك القطارُ
نزلْنا على مهْلنا
ثم في منزلِي...
علمتُ.
لماذا...
تعرّتْ...
تمامًا.... تمامًا.... و لمْ تهْتدِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و جعلنا الدار قبة ندفن فيها أساطيرنا الحية
روَى شاعرٌ
ما تيسَّر من قصصِ المُولعِين
بنبْشِ الفَضائحِ والصّيدِ في الطّينِ
قال:
أتيتُ على حينِ فاجعةٍ
ومررتُ على مجلسٍ
قربَ صومعةٍ
فإذا شيْخُها حافظُ دارِ لقْمانَ
قال:
علَى حالِها في العراءِ
ومفتُوحةٌ للسّبيل أو الاخْتباءِ
فقدْ شابَ لقْمان من زمنٍ
غير أن الشياطينَ زارتْه
في كلّ عيدٍ
وقد أوهمتْه بأنْ لا يموتَ
...فصلَّى على كل يوْمٍ جديدٍ
روى شاعِرٌ
أن لقمان قبْل اخْتفائِه خلّى
فتاتَ الغُبارِ
على الدّارِ
يغْمرُها
والدَّفاترُ أرّخَها
والتّواريخُ علّقَها في سِلال
وغلّفها العنْكبوتُ
لكيلا يمُوت
***
روى شاعرٌ
أن لقْمان نادَى الذّيولَ
وجنّدَ أسْطول حِبرٍ
ومدَّد للنّارِ جِلْد الطُّبول
ليكْتبَ تاريخَ دارٍ
تهاوَتْ وكم مانعتْ في السُّقوط
وجاءتْ تواريخُ لقمَان
من صفْحتين:
فواحدةٌ لقصيدِ الأميرِ
إذا كانَ في العرشِ إرثٌ
من الشّعراءِ
وثانيةٌ لمديحِ الأميرِ
لمن وهبَ الشِّعرَ للأمراءِ
وتاريخَ لقمانَ من عسَلٍ
للذين استَكانوا وأدّوا السَّلامَ
ومن سُمّ أفْعى
لمنْ يتجرأُ مرَّ الكلام
روى شاعِرٌ ما رآه من الرُّعْب
في دار لقمَان قال:
فلمّا سرتْ في المدينةِ أخبارُ شؤمٍ
وتمْتم بعضُ الرّجال إلى بعضِهِم
لو نمرُّ إلى الدارِ
نفتكّ أبوابَها
ثم نحْتلُّها
ثم نرْسُمها بالزُّهور
تعجّبَ لقمانُ...
كيف النّعاجُ.... تثورُ؟
وصاحَ على النّاس
هبّوا إلى الدّار قد أُشْرِعتْ
للأمَان
وصلّوا بها واستبيحُوا الكلامَ
فلا عنكبوتٌ يبُوح بأسْرارِكم
.... لا غبارٌ
يدوّن آثارَكم
والجرارُ
سنُلجِمها كي تصُومَ عن البُوح
حتى الدّفاتِر
لن تحفظَ البصَمات
وان مسَّها الشُّعراء
***
جرى عسكرُ اللّيل
في الدّار
غربلَ أركانَها
ثم أطردَ سُكانها الباهِتين
وألجمَ فيها الكلابَ
وفتَّحها للصِّحاب
***
مضتْ سنةٌ ...ثم أخْرى
وبعضُ سنين
ولازالتِ الدّار يهْجرُها الناسُ
ماذا جرَى؟
قال لقمان:
لو أُنزِلُ غيْم السَّماءِ
وأطلقُ ليلَ العَراءِ
وأفتحُ باب الرياحِ
فإنْ طافتِ الرّيحُ بين مفاصِلِهم
واستكانتْ إلى الرَّعدِ آذانُهم
صرْت دفْءا لهُم...
صِرتُ أقبلُهم راكِعين
روى شاعرٌ تاهَ في الأرْضِ قال:
معي ما روتْه العجوزُ التي
قضّتِ العمْرَ بين التنصّتِ والاختباءِ
مضتْ سنتَان على دارِ لقمَان
والزائرونُ على حالِهم
يبْصرون وينْتظرون
روى شاعِر قال:
في لحظَتين
تمخضتِ الدّار وانسَحبتْ شمسُها
وخلَتْ واجهاتُ البيوتِ
من اللافتاتِ
ومرتْ إشاعةُ سوءٍ
عن الشّيخِ
عن شاعرِ الصّبيةِ المُولعين
بنبشِ الفضَائح والصَّائدين
إلى آخر القائمةْ
أنّ لقمان خافَ على الدّارِ...
إن تتغيرُ أبوابُها
أو تجيءُ الطريقُ بأحبابِها
أو تطلُّ الشّموسُ من الغربِ
خاف على الدّار لو ..
تتغيّرُ
يفقدُ أقفالَها...
أو يموتُ من الغُلبِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاجأتْنِي عزيزةُ
لمّا خَلا النّهجُ من أرْجلِ العابرِين
توقّفْ
لننظرَ في الطّير يأتي الشَّوارِع
حين يرَى النَّاس يبتعدُون
فقلتُ:
سنسْأل إحدى الطُّيور
إذا كان يُفزعُها المارّةُ الحاسِدون
وقالتْ عزيزةُ:
لا تُزعجِ الطّيرَ بالأسئلةْ
فالعصافيرُ إذ تعشَقُ خِلانَها
تكتُم أسرارَها
وتَسيرُ بعُشَّاقها القافلةْ
ثم تنْأى
لكيْ لا تَغَار القُلوبُ
فتصْطادها المِقصلةْ
***
ورأيتُ الطّيورَ تقبّلُ أحبابَها
فوقفتُ احْترامًا
لعصفورةٍ غافلتنا وضمّتْ
إلى صدْرها لستُ أعرفُ من
فعزيزةُ قد قبّلَتني لكيْ لا أرَى
ما جرَى
في الشَّجرْ
ثم قالتْ:
لنُسْندَ أكْتافنا للجُذوع
ونختلسَ العِشْق
من بين أغْصانِ هذا الشَّجَر
ورمتْ رأسَها
فشعرْتُ بقلْبيَ ينْزف تحْت الضّلوع
كعُصفورةٍ فقدَت حبَّها في المَطَر
وبكتْ
ثم همّتْ ببدْءِ الكَلام
فقبّلتُها مرَّة ثم أخْرى
وقلتُ:
تعالَيْ...كمنْ بَاشرتْ عِشْقها مرّةً واحدةْ
لكيْ لا نُضيعَ السِّنينَ نجرّبُ أحْبابَنا
لكيْ لا نخَاف
فإنَّ القصُور التي شيَّد الخوفُ أرْكانَها
سوف يأتِي عليها النَّهارُ
وتنهارُ
قالتْ عزيزةُ:
لو نخْتلي بالقلوبِ/ العقولِ
نُغربلُها من حسابِ البَشَر
ثم ندعُو الطُّيورَ إلى صفحةِ العُمْر
تُقرئُنا كيف نُوفي لأعْشاشِنا والشّجَر
كيف نبْني البلادَ بريشِ الحَلال
ونمنحُها الأجنحةْ
ونسيرُ بها فوق شمْسِ الرَّبيع
وفي اللَّيل نصْنعها من ضِياء القَمر
قلت: هاتِ يديكِ معي
رافقِيني لنرْسمَ شَكْلا جديدًا
لهذا الوطنْ
ونعْطي البلادَ جبِينا يُناسبُها
ونعيدُ الثّنايا إليْها
هممْتُ بتقْبيل عاشِقتِي
وهيَ قد دوَّنتْ من أنا
واسمَ أمي وما مِهنتِي
وطريقِي إلى البيتِ في كل يومٍ
وآثار جرحِ الجبينِ
وكم تحتوي العينُ من دمْعةٍ
وكم من رفيقٍ يلاطفُني في الطرِيقِ
وحتّى الطّيور التي شهِدتْ
...والخبرْ
مثلما تفْعل في العَاشق المُخْبرةْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مريضٌ...
وأعلمُ أن السّماءَ التي أمْطرتْني
الرِّداءَ الذي كان فوْقِي
الشِّتاءَ الذي زارَني
كلَّ أشيائِنا
أيقظتْ قلَقي
ولمحتُ دمِي بالحنينِ يفيضُ
رميتُ بدائِي على ورقِي
ثم في أعْينِ العابرينَ
مريضٌ
وها جسَدي مُنهكٌ
غارقٌ في لظَى عرقِي
من يردُّ على رعشةٍ أفزَعتْني؟
مريضٌ؟
ومن يُطْلعُ الشّمسَ من واجهاتِ الشِّتاءِ
المريضُ؟
فنحنُ المُصابونَ بالبَرْد
نسرعُ للشّمس مثل الْوبَاء
وعدْوى اللَّيالِي تُجمّعُنا
والمقاهِي التي مَزَجتْنا
دمًا بالنَّبيذ
مريضٌ
وأنتُم تزُورُونَني بالسُّؤال
على أيِّ حبلٍ أعلِّق حَالي؟
ألسْتمْ مُصابينَ مِثلي
وبِي؟
أما تحْلمُون بدافعَةٍ
عند بابِي
إلى نوبَةِ الغَضبِ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصَّباحِ
سأَرسُم في دفْتري وردةً
ثم أنثُرها للرِّياحِ
فيحْملُها النَّحلُ عند الضُّحى
شهْدةً
فالورودُ التي سَكنتْ دفْتري
من جراحِي
وهذا الصَّباح
سأبحثُ عن خبرٍ لا يُقال
كفتْوى لذبحِ الكلامِ
على الشّفتينِ
كأسبابِ صمتِ الرّجالِ
لأخْلي المَقاهي من المُخبرينَ
وأرسُمَ حرِّيةً للكلامِ المباحِ
وهذا الصّباح
سأَمضِي إلى شارعٍ لا ينامُ
أقبّلُ أحلَى النِّساءِ
وألقِي على العابرينَ السّلام
وأحكِي لهمْ
عن كلابِ الظّلام
تمزِّقُ أحْلامَنا...
...وهْيَ تأبَى النُّباح
وهذا الصّباح
أوزِّع أنْشودة للصِّغار
ونمضِي معا في اتِّجاه البِحار
لنرسمَ في الرَّمل مملكةً وقلاعًا
فإن جارَ فيها الأميرُ
أدِرنا على الجَائرين السّلاح
وهذا الصّباح
سأدعو إلى القلْبِ
شمْس الرَّبيع
وأطْعم طيْرا تخبَّأ في راحَتي
ثم أمنحُه الاخْتِيار
فإن شاءَ حطَّ على راحَتي
أو...
إذا أوْحشتْه الدّيَار...
أدارَ
إلى غربةِ القلْب
.... ضرْبَ الجَناح
وهذا الصّباح
سأرْفع رأسِي بشيءٍ من الكِبريَاء
فتونسُ
تِلك التي علَّمتني الخُطى
والتِي حيَّرتْني
وما داعبتْني
التي كلَّما نلتَقي خلسةً
كم تغرِّرُ بي
ثم تَتركُني للرّياحِ
وتونسُ تأمُرُني
أن أسِير برغمِ الجِراح
ككلِّ صبَاح
أزيدُ القصيدةَ بيتًا
وأعلنُ حبِّي
مؤامرةً ضدّ هذا النُّباح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملأ الخَمّارُ بطْنـي
زمهريرًا
وخـميـرًا
لـفظـتْـنـي حانةُ الحريّةِ
لـمـّا أصْبح الشِّعر شـــعـيــرًا
فـتمايلتُ يـميـنًا
ومشَى الرّأسُ يسَارا
شدّنِـي النَّخلُ
كما السَّكران إذ يلقَى نديـمًـا
فاعتدلْنا وضحِكنا …
ورأيـنَا الأرضَ قد مالتْ قلِيلا
خفتُ أن تصْطدم الأرضُ بـكأسِي
أو بـرأسـِي
خفْتُ أن ينْسكبَ البَحْرُ علينا
ويغطِّي شارعَ العُشّاق
أو يمحُو الـمـدينـةْ
فأعدتُ النّخل في حِضْني
وقلنَا: نحْن أعْلى
من صراخِ الموجِ من أعْـتـَى رِياح
نحنُ عصْفورانِ لكن
عندنـَا ألفُ جناح
نحْن أقـوَى …
وسنـفنَـى واقـفيْن
ملأ الخَمّار بطْني
من لهيبِ الخمْرتَين
من رحيقِ التّينِ
من روحُ الـدّوالِـي
واشتكتْ كأسِي من الفَوضَى
وقالتْ
سِرْ بعيدا
خُذ بقايَا التِّبغِ
أشْلاء الكلامِ
خُذْ سلامِي
وامسحِ الآثارَ من خدِّي
وكلَّ البصماتِ
ثم لا تـنسَ الذي قد قلْت عِندي
فلعنتُ الكأسَ
والـرأسَ
وأعلنتُ انفِعالي
سرتُ في النّهجِ قليلا
وسألتُ النّاسَ عن بيْتي
واسْـمي وتفاصيلَ حياتِي
ثم عن شعرِي وأكثر
علمتني سكْـرتِي سرًّا تجهَّرْ
حيثُما لاقيتَ كأسًا
أشرُبِ الخمْرَ .........وكــسِّـرْ …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّةً...زارَنا الطَّبلُ
من دونِ رغْبتِنا
لم يكنْ في المدينةِ عرْسٌ
ولا مأتمٌ
زارنا فجأةً
قبل أن يبْتدِي عندنا محْفلُ
فتجمهرتِ النِّسوةُ النَّاشِطاتُ
وجنّدنَ راقصةً
غير أنَّ التي أرْقِصَتْ
قد سرَى في مفاصِلها الشَّللُ
زارنَا الطّبلُ
صاح الصِّغارُ
على دَفَّتيه
سنفديكَ بالرُّوحِ فابْقَ هنا
وسنختارُ أحْلى الأغانِي
فمدَّ بجنْبيك واشتدَّ أكْثر
حتّى نرَى كيف نحتفلُ
كيف تشتَعلُ
...وبكَى
لمعَ الدّمعُ من وجْنتيه
ـ وأهلُ المدينةِ يدْرُون ـ
إن الطُّبولَ إذا مسَّها الماءُ
تبتلُّ
صاحُوا:
أيخذُلنا الطّبلُ؟
في ليلةِ العيدِ
فاسْتاء مِنهم وقال:
مللْت مواسِمَكم
ومرَاسِمكم
فالنِّعاجُ لها عيدُها
...والدّجاجُ
وللنّارِ عيدٌ كما الثّلجُ
والأقحوانُ
ومن رشحتْه الخلافةُ والتاجُ
حتى المساجِين والأُمرَاء
وبعضُ الرؤوسِ وكلُّ الذّيولِ
تأتي وتمضِي الفصولُ
وتترُك نسْلا يُحبُّ الطّبولَ
انا مُرهقٌ...تعبٌ
هل أقولُ...؟
***
زارنا الطّبلُ
لكن أهْل مدينتِنا غضِبُوا
نصبُوا
عوَضَ العُرسِ محكمةً للطّبولِ
ـ على شكلِ محْكمةِ المجْرمين
إذا انتهتِ الحربُ بعد هزِيمتِهم ـ
ونادُوا على المُذنبين الثلاثة
صرَّح أوَّلهُم للقضاةِ الوُقُوف
أنا واحدٌ مثلما تشْهدُون
فلا دَمَ في ساعدِي
كيف أسْعدُكم؟
دون تفضيلِ بعضٍ على بَعضِكم
فالمنصَّة في كِبرِ الكفِّ
تهْوي
إذا رًكبتْها ألوفْ
أنا مستعدٌّ لنيْلِ البراءةِ مِنكم
فهَل تأذَنون بضربِ الدّفُوف؟
زارَنا العدلُ والطَّبلُ
فانتشَر المُخبرونَ
وقادُوا العَصا
كي تبوحَ بأقوالِها
وقفَ الحاضِرونَ احْترامًا لها
سجَد البعْضُ
والبعضُ بالغَ في مدْحِها
والدعاءِ لها
بدوامِ الوُقوف
عنْدها ابْتسمَ الطّبلُ سُخرِيةً
وابتدَى بالسَّلام على الحاضِرين
و حيّى الجماعَة عمْدا
وأبْدى احْترازًا على هيئَةِ الحُكْمِ
لم تجئْ هكَذا ...
وكَذا ...
فلِذا ...
راحَ يرجو الحُضُور
تذوُّقَ طعْم العَصا
إنّما صرخةٌ
قطعْتْ نَفَس الابْتسامِ
اصْمتُوا
سيُصرِّح قاضِي القضاةِ
بأن العَصا
لم تزلْ تستجيبُ لواجبِها
فهي تهْوي على الطَّبل مثل العَجوزِ
إذا ما هوَت بالحَريرِ
على خدِّ ابْنتِها
وهيَ تعرفُ داءَ الطُّبولِ
وتعزِفُ لحْنا يدغدغُنا
ويناسبُ أذْواقَنا
إنّما الطّبلُ ...
رغم الخيانةِ
نعفُو عليه
لتمتدَّ أعيادُنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليَ الآن متَّسعُ الوقتِ
حتى أموت
سيقْتلني الحبُّ إن شاءَ
أو سأقرِّر فيه انتِحارِي
لي الآن كلُّ المَسافةِ
بل للمسافةِ بدٌّ من الاخْتصَار
مشى النَّبضُ في شبْهِ غيبوبةٍ
ثم ألقتْ عليّ الشَّوارعُ منديلَها
ودّعتْني البيوتُ
شَددتُ البلادَ إلى راحَتي
وانتفضتُ كما الأخْطُبوط
فهل كانَ لا بدَّ لي
أن أفارقَ عَقلِي
لكيْ لا يفارقَني وطنٌ عنكبُوت؟
روى عابِرٌ جرّبَ الموْتَ عشْقا
فقال:
هوَ الموتُ طعْم بِشاره
فمنْ لمْ يعاشرْ قصيدًا
لأقْسمُ أن الصّلاة عليهِ...خَسارةْ
كمْ مرَّة...!
يقْتادني خجَلِي القديمُ
إلى دمِي...
كمْ مرَّةً
نسِيَ المُؤرخُ ما رَمى
لمعلِّمِي...
كم مرةً صامَ الكلامُ
ولم يزلْ...
وجعَ اللِّسانِ على فمِي
لا يشتَكي قلمِي
ولا تهْوي القصائدُ من يدِي
فأنا الذي
شيَّدتُ مملكةَ الكلامِ
ولم يزلْ
بالصِّدق يعلُو فوقهَا علمِي
أنا
ألقيتُ في جسدِ العبارةِ
ـ بعد موْت ـ روحَهَا
وأقمتُ للنّسّاك مئذنةً
دعِي...
هذا المؤذنَ بالقصيدةِ يبتَدي
ودعِي القصائدَ إنني أعدَدتُها
عقْدًا...إلى بلَدي
إنني هيأْتها
مهدًا...إلى ولَدي
ليظلَّ في فلَك المحبّةِ
سابحًا يقْتاد بي
قل يا دمِي
إن الدُّروب إلى الحياةِ
تمرّ من قدمِي...
معِي
قل للبلادِ كم أحببتُها
فدعِي الكلامَ
دعِيهِ...لي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلَّ يومٍ أعودُ إلى زوْجَتي
طافحًا بالغضبْ
فالكتابُ معِي
والجريدةُ منذُ الصّباحِ
تُخلِّفُ حبْر المطابعِ في إصْبعي
والسّجائرُ في شفَتي...واللَّهبْ
والدَّفاترُ خلَّفتها للغبارِ
كل يومٍ أعودُ إلى زوجتِي
مشرئبًّا إلى قبلةٍ في المساءِ
لتمْسَحني من ضياعِ النّهارِ
ومنْ عطر بعضِ النِّساءِ
كل يومٍ
وما غضبتْ زوجتِي من سُكوتِي
تردُّ عليّ سلامًا
وما كنتُ بادرْتُها بالسَّلامِ
ولكنّها انْزعجتْ
بارْتباك الحروفِ على شفتِي
فاشتكتْ بِي...مساءَ المحبَّة...قالتْ
تعودُ بلا بسمةٍ...
مثل كلِّ نهارٍ
بلا قبلةٍ بعْد طولِ انتظارٍ
----
أنا كلَّ يومٍ
أعودُ على قابِ قوسيْنِ
من نوبةِ القلبِ والانفجَار
أرى الأرْض هاربةً من خُطاي
ومن حولِيَ الشَّمسُ
ترصُدها المقصلةْ
وأرى الرِّيحَ
تابتْ عن الجمرةِ الشَّاعلةْ
كل يوم أعودُ بلا رغبةٍ
في اجْترار الحياةِ
كما علَّبتْها الكواليسُ والشّائعاتُ
وبعض القوانينِ والوارداتُ من الأمْرِ
أَنا
كلَّ يومٍ أحنُّ إلى عالمٍ يسْتجيبُ
لأحلامِنا
ويفوحُ برائحةِ الشُّعراءِ
تسرِّحُ آفاقَنا من ضَبابِ الخُطبْ
كلّ يومٍ
أعود إلى زوْجتِي طافحًا بالغَضبْ
تستفزُّ الإذاعةُ عقلِي
وتكذِبُ تلك الجرائدُ في زعْمِها
أن ليلَى مضتْ
ومضَى عشقُها
من خيالِ العربْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كفٌّ على كفٍّ
...وما بدأ السَّلام
وتشابكتْ بين اليَدين الأصابعُ
تُحصِي الضَّحايا
أمْ تهبّ إلى السلام؟
* * *
كف على كفٍّ
تقاسمتا اللِّقاءَ بلا سَلام
من سوْف يَمضِي أوَّلا؟
نحْو الجليدِ يُذيبهُ
من سوْف يَطلع بالغصانِ
.... من الرُّخام؟
كفٌ على كفٍ
تبادلتَا المخافةَ في الزُّحام
من سوفَ يرْعى دائمًا
صقْرًا.... ويُطعمه الحَمام؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقُبلتِها
يطلعُ الوردُ قبل الرَّبيعِ
وتَهْوي النُّجوم احتفاءً
لقبلتِها
تَخْلعُ الأرضُ أحزانَها
و تنادي السّماءَ، السماءُ تطيعُ
وتجْري إلى الأفقِ الرّحبِ
تغْتاظُ من شفَةٍ إذ تُلاقي
حبيبتَها
فتُعجِّل نحو الغُروبِ
وترمِي بحُمرتها للشَّفق
فاذا ما تورَّطتِ الشّمسُ في قبلةٍ
ضيَّعت نفسَها في الظَّلام
***
لقبلتِها تتهيأ أشجارُ قرْيتنا
فتوشْوشُ للطَّير
كيفَ يصلِّي لها
ويؤدِّي السَّلام
وتصْرخُ في النَّاس:
قّبلتُها قِبلةُ العاشِقين
وحين يرَاها النَّخيل
يخبئُ تمْرهُ كي لا
تراهُ الشِّفاهُ
ويطمعُ في اللذّةِ المُستحيل
وأما أنا
أما أنا...
حين أذكرُ قُبلتَها
يتجمَّد حسِّي
ويغمَى على النَّبض في القلبِ
أشعر بالأرضِ تهْربُ من قدمِي
ودمِي
يتجمّعُ حول فمِي
يتاهَّبُ للذّوبانِ الجميلِ
أنا حين أذكرُ قبلتَها
أفقدُ الذَّاكرةْ
أضيعُ اتِّزاني
ويرتاحُ عقْلي من الانتظارِ
ومن كبرياءِ الرِّجال
أحسُّ
بأن السّنين بما حملتْ
من تجاربِ عمرِي تضيعُ
وأني فقدتُ الكلامَ
ولم يبقَ لي
غيرُ غمغمةٍ كالرَّضيع
أنا
كلما قبَّلتنِي...
.... أضيـــع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحكَى...
واللهُ عليم والشّعراءُ
أن امرأةً، قارئةَ الفِنجانِ
قرأتْ كفّ القريةِ
في زمنِ الكذبِ العُريان
يُحكى،
والله عليمٌ بالأنْواءِ
أن اللّيلةَ كانتْ بارِدةً جدًّا
فتدثَّرتِ القريةُ بالخوْفِ
لكنَّ البردَ سرَى
وتشابكتِ الأرجلُ بالأسْنانِ
قالتْ قارئةُ الفنْجانِ
وقد اجتمعَ البعضُ على فَخذيْها الآنَ
الآن...
الآن تغيَّرتِ اللّعبةْ
وتمازجتِ الألوانْ
ما أجملَ أن تسْقط في كفِّي الأسْماء
كتساقطِ حاشيةِ السُّلطان
فألاعبُها
وأداعبُها...
وأعلِّبُها
لأرى الدّنيا في كفِّ الشّيطان
يتغيّرُ شكْلُ الكذبةِ
لمّا يتغيّرُ وجْهُ الكذّاب
فالبحرُ كما نعرفُ لا يتغيَّر
والرّيحُ...يهادنُها البحرُ
كعادتِها تلهُو
بالورقِ الأصْفرِ
أحدُ الأمراءِ تذكَّر:
البحرُ.... هنا......أزْزْرقْــ.ــقْ
هزَّتْ قارئةُ الفنجانِ بِركبتِها
فتناثرَ بعضٌ وتعثذَر آخر
.......يا........أحمقْــ.ــقْ
البحرُ بلا لونٍ
خذ كأسا واملأْها
صافيةٌ، هادئةٌ، صادقةٌ كالأحْباب
البحرُ جميلٌ لكنّه كذّاب
هذا الفنجانُ يقول
طعْمُ الموتِ يحدِّدهُ الجَلادُ
والقمَر الشِّتويُّ تلاعبهُ الأعيادُ
لكنّ الزّهر سيعطشُ كالعادة
أحد الأمراءِ تذكّى
ما ذنبُ الزَّهْرِ
إن لمْ نجْعلْ للزّهرةِ فصْلا أحلَى؟
نحنُ سنجعلُ في الأرضِ...بِحارا أحلَى
وسنسْقي الصّحراء ولا نبْلَى
نحنُ هنا بالقريةِ أولَى
نحنُ هنا بالقريةِ أوْلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لنَا وجْهُ ليْلى الحنُون
وليلى … لهَا الأهلُ
لكنَّهم يرقدونَ
وأعينهُم
تُبصرُ النَّجمَ خلفَ السّحابِ
وترصدُ في حالِك اللّيلِ
نـمْلا
تسلّلَ من ثقْبِ بابٍ
وحين تُعذّبُ ليْلى
تُطيحُ العيونُ بأهدابِها
كي تمرَّ الكلابُ
***
ينامُون مثل الـ …
فعذْرًا …
إذا لم أقلْ ما يريدُ الكتابُ
أنا مُتعبٌ بالوَصايَا
أنا أسْتحـي
من ملامةِ ليْلى
وبعضٌ من العِشْق
قد يبتدِي بالعِتابِ
***
ينامُون مثْل الذِّئابِ
إذا اجتمَعُوا
حول حبَّةِ نمْلٍ
فما شبعُوا
ثم صاحُوا بحُرَّاسِ ليلى
أن اجْتمِعُوا كالنَّعامِ
ولا ترْفعُوا
قيْدَ أنْـملةٍ في الكلامِ
وإن عجَّ في الرِّئتينِ التُّراب
فليلَى التي سُلبتْ
والتي صُلبتْ
والتي قتلتْ مرّتين وما تعبتْ
تشتَكي للأحبّةِ
قد يـُسـرعُون إليْها
وقد يَطرقُون
على ألفِ بابٍ
لقد خِلْتُ ليلى
شفَتْ من حروبٍ قديـمةْ
وقد خِلتُها لنْ تموتَ
وتـتْرُك أحبابـَها في السَّرابِ
وإني أرَى قلبَ ليلَى
يُشدُّ كحبْلِ غسيلٍ
… على الرٍّافِدينِ
أرى عارَهم يتماوَج مثْل النَّخيلِ
أرى صمْتَهم
يتكلَّمُ كلَّ اللُّغاتِ
ويـفهمُ أحلامَ ليْلى
يُترجِمها للغزاةِ
أراهُم
يصلُّـون
من أجلِ حبْل الغَسيل
ليبقَى يشتدّ
حتّى تجفَّ الجلابيبُ من دمِ ليلى
ويعتصمَ الطَّامعُون بحبلِ العذابِ
ينامون مثل الجِرابِ
بعينينِ ذابلتينِ
بألسنةٍ من تُرابٍ
يُقيمون بالقربِ من دار ليْلى
على أهبةِ الاغْتصابِ
وينتظرونَ الغزاةَ
إذا مزّقُوا صدْر ليلَى
يهبُّون مثل الذّبابِ
***
وليلى يعزُّ عليها تشرُّدُ أطفالِها
في الصّحارى
فتطعمُهم ما تبقّى من الحبِّ
في صدرِها
ثم تخفِي الدُّموعَ
فلا يشعُرون بأوجَاعها
لم تقلْ جفَّ صدْرِي
وقد جفَّ قهرًا
ولكنّها كم تدَارِي!
***
مضتْ ليلةٌ من شِتاءٍ حزينٍ
وليلى التي سرقُوا نفْطها
أشعلتْ قلبَها
لتضيءَ
ويرتاحَ أحبابـُها
أشعلتْ خَصْلتين
وألقتْ أناملَها …
انتصبتْ كالشُموعِ
بكتْ …
وبكَى شمْعُ ليلى
… على دمعِ ليلى
… على بلدٍ من ضبابٍ
يجيءُ المؤرِخُ ضيْفا على أهْلِ ليلَى
يخيطُ لهم بالقياسِ
الصّلاةَ وحتّى اليَمين
ويفتِي لـهمْ
ما يحبّونَ في قتلِ ليلى
…….
وقد سكبتْ من دماءِ الشّهادةِ
ما يشهَدون
وقال المؤرّخُ:
لا … ليْس يكْفِي
فأمّةُ ليلى التِي هُزمَتْ
منذ خَمسين عامًا
بعدِّ الأصابعِ في الكفِّ
لا …
ليس يكفِي
لترتـاحَ أمّتها من حروبِ الإبادةِ
لا للشَّهادةِ
هذا زمانُ التشفِّي
وقال المؤرخُ لا …
ليْس يكفِي
فانّي أخافُ عليكمْ
من الغاضِبين
إذا انقلبُوا غاصِبـِيـن
سيغتصِبُون المحبّةَ من قلْبِ ليلى
يزفُّونـها وهي حُبلى
بـمليـونِ ليلَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للبيتِ إلَه يحْميه
للبيتِ حجابٌ
وضفائرُ من ذهبٍ
وكتابٌ
وطيورٌ تقتحمُ الأبوابَ
وتأتيه
للبيت اله يحميه
يُخرجُ من تحْت الرَّمل مياهًا تسْقيه
تتزاحم أكتافُ العطْشانين
على جنَّة رضْوان
ذيلٍ من نهْر
كأسٍ نسيَتْ شاربَها
مرَّ زمانٌ
والله يقيمُ الحجَّ تباعًا
والله يحبُّ التَّوابِين
خصوصًا من شُعراءِ الخَمْر
وحاشيةِ القصْر
وأصحابِ التّاجِ ومن يسْقي السَّكْرانين
والله عليمٌ
بالرّيقِ يشيحُ
والبئْرهنا
يعرفُها الجَبل الشَّاهد
قال الجبلُ الشّاهقُ
قوْمٌ طافُوا بالبئرِ وما اقْتربُوا
ورأَوْا ماءَ البئْر وما شرِبُوا
هذا الجبَل الشّاهد يذكُر
كمْ عامًا جاؤُوا
رجَموا الشّيطانَ وما تعِبُوا
بالفقرِ...عراة كالحجَر
ما إن أذِّن للقَول جهَارًا
حتى انْقلبُوا ضدَّين
نصفًا يرْكع للبيتِ ويحترِم
نصْفًا بالبيْت الأبيضِ يعْتصِم
هذا الجَبلُ الشاهِد يعْرفُهم
قلتُ لذاك الجبلِ الشّاهقِ
دعْهُم يأتوا الشِّعرَ حجِيجا
فرسولُ الشِّعرِ
يجيءُ البئرَ ويقتحِمُ
وسيبْني البيتَ من الأحلامِ
للشَّاعر بيتٌ يبْنيه
فالشاعِر يبْني بيتَ الحبِّ ويحترقُ
والنّاسُ، قطيعُ الله
دخلُوا بيتًا
ثم افْترقُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يكنْ شاعرًا فاقتَفَى أثري
كان مثلَ الرَّضيعِ الذي
جرَّبَ الخطْو فارْتطمتْ قدمَاه
يُحاول ثانيةً أن يعدَّ خُطاي
ليلقَى خُطاه
كنتُ كالنَّهر لا أعتني بالسَّواقي
لأن القصائدَ تأتِي لشاعِرها
كالرّوافِد قبل التَّلاقِي
فيحمِلها في اتِّجاهٍ وحيدٍ
لم يكنْ شاعرًا
فاكتَوى بالقَصيد
لم يكنُ يفهمُ الطَّيرَ...
لا دغْدغاتِ الرّبيعِ
وما كان يُدركُ أن الفِراخَ التي
ترفُضُ الطَّيرانَ تضِيع
وما كان يفْهمُني
غيْر أنه يقتَاد بي
فكأنَّ البِحار تلاقتْ على كَتفيْه
كأنَّ البراكينَ طافتْ بقامتِه
فارتمَى في مياهِ القصِيد
لم يكنْ شاعرًا...فاهتَدى
كان يمشِي ببطءِ الشّيوخِ
ويضربُ في الأرضِ طرْفَ العَصا
يتحسَّس أمكنةً للخطَى
كان منْبهرًا بالقصَائد حتّى العمَى
لم يكُن يتأمَّل شمْس الصَّباح
فما جرَّب الحبَّ يومًا
وما ساءَل اللَّيل عَن قمَر لا يَعُود
ولم يتعلّمْ متَى يوقظُ القلبَ
لامرأةٍ لا تنامُ
لم يكنْ شاعِرا فأضاع الكلامَ
بكَى حسرةً عن تلاشِي العبَارةِ
في الازدِحامِ
فلمْ يتعلَّمْ ـ كما يفعلُ الشُّعراء ـ
فيعلنُ ماذا يقُول
لم يكنْ يعرفُ المعجزاتِ
فشبَّهني بالرَّسُول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتَبنَا
وما همَّنا ولعُ القَارئِين
بما قد كتبْنا
ولا أعدمتْنا مُصادرةُ المُولعِين
بأوراقِنا فكتَبنا
لنرفعَ تلك الرُّؤوس التِي انتكستْ
ونؤسسَ فيها البَساتين
نزْرعها من سلِيل القوافِي
ونهْدي حبيباتِنا ما طلبنَ
كتبنَا
لكلِّ النِّساءِ اللواتِي
فقدْن الحبيبَ على حينِ ريحٍ
وقلنَا
لعلّ القصائدَ تأتِي على الجرْحِ
أو تتشرَّبُ حزْن السَّماء
وتزهرُ فوق الشِّفاهِ المديح
بما قد كتبْنا
***
كتبْنا
لساكبةِ الشّاي في غيْر مجْلسِها
والتِي باعتِ الابتِسامةَ
بالرَّغمِ عن نفْسها
والتي اغْتُصبتْ
والتِي انتصبتْ
شوكةً بين أضْلع حابسِها
***
كتبْنا لعُمال حيّ الحدِيد
وقد بدَّد الخوْف أحلامَهم
وابتنَوا منْبرًا للكلامِ بأوهامِهم
ثم زانُوه بالورد والأقحوان
ورشُّوه ماءَ الجبين
إلى أن تفتَّق نبْعُ الوَعيد
وصاحُوا: تعِبنا
كتبْنا القصَائد
في شكْل إعلانِ حرْبٍ على الظَّالمين
ملأنا الشَّوارع بالشّعراءِ
وبالغاضِبين
وغُصْنا إلى عمْق هذا الوطنْ
وقلْنا...
سنؤْمنُ بالشِّعرِ بوَّابةَ الشَّعْب
تنتصرُ الكلماتُ التي
قد كتَبنا
***
كتبْنا
لهذِي البلادِ الجميلةِ
ثم اصْطحبْنا الحمامَ
إلى كفِّها
فانتشتْ بالكلامِ الطُّيورُ
وغنَّتْ على وقعِها
فدعَتنا البِلادُ
إلى حضْرةِ الكلماتِ
وطافتْ عليْنا فناجينُها
ثم قالت:
ـ سأنجبُ للشِّعر جِيلا
يحبُّ القصائدَ مثل الحياةِ
يحبُّ الكلامَ الذي قدْ كتبْنا
ويأْلفُنا
ويؤلِّفُنا كتُبا
فوق ما كتَبْنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واقِفٌ...
فوقَ مصطبةٍ من خشبْ
واقفٌ مثْل جلْمود صخْرٍ
وتلك الرّقابُ التي بايعتْه
.........عِنبْ
***
واقفٌ
ليقصَّ عليهِم تفاصيلَ هِندٍ
وليلَى
وكيفَ الملوكُ
إذا داهمتْها الشّكوكُ
وهبّتْ على العرشِ نسمةُ خوفٍ
تعيدُ على الله محنَتها
ثم تنتخبُ الشَّعبَ دميتَها
وتديرُ اللّعبْ
واقفٌ
فوْق مصْطبةٍ من حطَبْ
والكراسِي تراختْ
وبعضُ المرافقِ رُدّتْ
على أهْلها في غضبْ
***
واقفٌ
فوق أعصابنا كالتّعبْ
ليؤلّفَ تاريخَنا
مثلَما شاءَ زيدٌ
وأومأ عمْر...وما قد كتبْ
واقفٌ
فوقَ مصطبةٍ من لهبْ
ينفخ النَّار تحْت البخورِ
يلقّنُ بعض البنَادِير
ضربَ الأكفِّ وحمّى الطّربْ
واقفٌ...إنما الحلقُ شاحَ
وماءُ الجبينِ انْسكبْ
والكرَاسي مُحنّطةٌ والمدَى شاسِعٌ
والصّدى راجعٌ
والحُضور انسحبْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تزوَّجتُها
عندما ذُقتُ طعْمَ النِّساءِ
وطعمُ النّساءِ
كمَا شهْدةٌ في الصّباحِ
وعندَ الظهيرَةِ...ماء
ولا، لنْ أبوحَ بطعمِ النِّساءِ
إذا حلَّ جوعُ المَساء
***
تزوَّجتُها ذات صمتٍ
وأخرجتُها من طوابيرِ أحلَى النِّساء
فحطّتْ على كتِفي كالحمامِ
وحطّتْ على القلْب أوزارَها
فهلْ كان لابدَّ لي من سلامٍ؟
لأعلنَ حرْب البسوسِ
على كربَلاء
***
تزّوجتُها
في هجيرِ الصَّحارَى
وكنتُ على عطشٍ
ثم جوعٍ...على تعبٍ
وانتظَارٍ
على شبْه غيبوبةٍ ثم عنْ غضبٍ
كان لا بدَّ للقلبِ من جرعةٍ
فارْتوَى
***
تزوَّجتُها
في صقيعِ اللّيالِي
وكنتُ على عجلٍ في الرِّياحِ
على رِعشةٍ وابتِلالٍ
على قابِ قوسَين من
موتةٍ في العراءِ
فكانتْ ليَ الدِّفءَ
في عنفوانِ الشِّتاء
تزوّجتُها
عندما حجَّ نحلُ الصِّبا
للصَّبايا
فصلَّيتُ... ثم اختصرتُ الدُّعاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن يمرَّ النَّهارُ بخيْرٍ
ـ تحدَّث أهل المدينةِ ـ
فانتشرَ الخبرُ الشؤم مثْل الضَّبابِ
تقولُ الإشاعةُ
إن المدينةَ سائرةٌ في اتِّجاهِ الخَرابِ
وإن الأوامرَ واضحةٌ
فعَلى الطّيرِ
أن يهجرَ أعشاشَه
وعليه انتشالُ الأغانِي القديمةِ
وعلى شجراتِ الشّوارعِ أن
تستردَّ الظِّلالَ
وتلقِي بأوراقِها
كي نَرى ما تخَبّأ بين الغِصانِ
ونُدرك في الحين أينَ سيمْضي الرِّجالُ
على الرِّيحِ تعريةُ الأرضِ من كلِّ ثوْبٍ
وذرّ الرّمادِ...ودفعِ السَّحابِ
على كل حالٍ
ـ تقول الإشاعةُ ـ
إن المدينةَ في كفِّ دبَّابةٍ
لنْ يجيءَ المساءُ كما اعتادَ
بالسّرِّ والسّترِ
فالأمرُ ليس بسيطًا
وألسنةُ الشّرّ
خاطتْ كما ينبغِي خبَرا من شظَايا...
ستَسْقُطُ بعضُ الرُؤوسِ
ـ فلا بأس ـ
تتأزَّم بعض النّفوسِ
ـ ولا بأس ـ
قد تتناثَر في كلّ نهجٍ ضحايَا
نُكللِّها بالزُّهور
وندفنُها
دون حاجتِنا لصلاةِ الجماعةِ
تقول الإذاعة
إن الأيادِي التي رسمتْ
فوق باب المدينةِ مشنقةً
ستقصُّ
وإن الذي خطَّ بالفحْم
أشياءَ ضدَّ الْـ...
يغصُّ
فنحْنُ سَنطعمُه الفحْم
أمّا الرّمادُ فيُنفَخُ في رئتيْه
على حدِّ زعْم الإذاعةِ
لن تُشرقَ الشّمسُ وجْه الصَّباحِ
كل الطّيورِ التي عشّشتْ في المدينةِ
طارت بأعشاشِها
فوق ريشِ الجناحِ
تعالى الصّياح
جرَى المُخبرونَ وحتّى الأئمة
والعاطلونُ وأحْلى النِّساء
ودبَّابةُ الماءِ
والآخرون
ففِي آخرِ النّهجِ
معركةٌ بين طفْلين
إذ كدّسَ هذا الصبيُّ كراريسَه
ثم همّ بإشعالِ نارٍ
وما كانَ يعلمُ أنّ المدينةَ
صارتْ على قابِ قوسَينِ
منْ انفِجارٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحدُثُ أحيانًا
أن تكْرهَني امرأةٌ
كانتْ تستمْتعُ بي وتردِّدُ أشعارِي
يحدُث أن تتْركَني في الحبِّ شريدًا
تتقاذفُني أفكارِي
ما أصعبَ أن تتركَني امرأةٌ
و أنا لم أكملْ رسْمَ أنوثتِها
في جسدِ الذِّكْرى
لمْ أَنقشْ قُبلتها الأولَى
تاجًا في أوّل مِشوارِي
***
يحْدثُ أن تهْجرني
وأنا لازلتُ أراها
تتراجَعُ نحو البابِ
وترْمي قامتَها في حُضني
وكأنَّ الغَيبةَ دامت أعوامًا
فأقبِّلها ...وأقول كلامًا
ما أرْوع أن ألقِي أسئلَةً دون جوابٍ
----
يحْدثُ أحيانًا
أن تتعرَى امرأةٌ من دفْئِي
ما أحزن أن يتعَرَّى الورْدُ
لأحْضَانِ البرْد
ولا غيمةُ أمطَار
يحدُث أن ترْميني امرأةٌ...
كالقشَّة في النّار
وأنا كنتُ سأمنحُها فلبِي
ودفاترَ أسْراري
كنتُ أقود الشَّمس إلى راحَتها
وأفتّحُ جنّات العِشقِ على وجْنتِها
وأروّضُ حِلمتَها
لتُزيحَ الخوْفَ مع الأزْرار
يحدُث...
أن تلقِيني امرأةٌ للرِّيح
كي تُسقِط نوَّاري
أم تكْسر عُنقودي الأخضرَ...
أو تخْصي أشجَارِي
يا للقسوةِ في امرأةٍ
تتركُني للعَار
يحدُث مرّاتٍ
أن ترْمي امرأةٌ في وجْهي
صورَتها
وتحطّمَ قارورةَ عِطري
أو تنسَى قرْب المرآةِ قِلادتَها
ما أضْيقَ بيتِي
حين الأشياءُ تحنُّ إليها
وتثورُ على وحْدتِها
فتحطمُ أسْواري
ما أصعبَ أن تتصرّفَ أشياءُ امرأتي
كالثُّوَّار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ من دفاتر العشق
إذا لمْ أكنْ بينكُم شاعرًا
سأرى الأرْضَ شاحبةً
مثلَ امرأةٍ لم تجدْ عاشقًا
***
أراكُم تمُوتونَ مِثل اليتَامى
بلا كفَنٍ
وبلا دَمعةٍ في الوداعِ
إذا لم أكن شاعرا
من يشبّه ارض القصائد بالوطن؟
إذا لمْ أكنْ شَاعرا
من يفتِّح صدْر الحبيباتِ في ليلِكم؟
من ينامُ، كدِيوان شِعري
على صدرِ عاشقةٍ،
والوِساداتُ
مَنْ غيْر شِعري يُوسِّدها
والبيوتُ...إذا غابَ منها
بخورُ القصيدةِ مَن سَيعطّرُها
فإذا لمْ أكنْ شاعِرًا
تستمرُّ الحياةُ
جحيمًا على وقْعِ شدَّتها
إذا لمْ أكنْ بينكم خبرًا
سأرَى الأرْضَ مُقفرةً
وأراكُم كما جثثٌ في الزَّوايا
بلا ضحكةٍ وبلا سهَر
و حكايَا
***
إذا لمْ أكنْ خبَرًا
كيفَ تَبدو الحناجِرُ؟
.... مشْلولةً
والشّفاهُ الجميلةُ؟
.... مغلولَةً
والعبارةُ؟
......مقتولَةً
فإذا لمْ أكن خبرًا
سوفَ تخْلو المقاهِي من المُخبرين
الشّوارعُ من عابِريها
السّماءُ تُغربلُ أمطارَها
والمؤرِّخُ والمخْبرُون
جميعًا...سينتحِرون
المذيعُ يبيعُ المَصاديحَ للرِّيحِ
والمكتباتُ تَصومُ عن البوْح
حتى قلوبِ الصّبايا
توزِّع أخْبارها في الغُبارِ
إذا لمْ أكنْ بينَكم خبرًا
لن تفُوحُوا لزوجَاتِكم
لن تبُوحوا لهنّ
بما يفتحُ الصَّدر نحْو الكلامِ
ويطرقُ ناصِيةَ الحبِّ
قبل المنَام
أنا إن صَمتّ
أصيرُ لكمْ من حديثٍ حرامٍ
3 ـ من دفاتر الانفعال
إذا لمْ أكن بينَكم حائِرا
من يزيحُ عن الأرضِ كابوسَها؟
من يؤجِج حمَّى السؤالِ؟
ويُهْدي الصِّغارَ فتيلَ الطُّموح
ويدفعُهم
نحو أعلى الجبالِ؟
***
ومنْ يسْتردُّ البحار إلى الرِّيحِ؟
من يمنح الناس شيئا من الانفعال؟
إذا لم أكنْ بينكُم حائرًا
تستمرُّ الحياةُ على مللٍ قاتلٍ
ثم لَن تجدُوا منْ يعَرِّي الخفافيشَ
يُقرئُكم...
وصْف تلك الكلابِ التي
آلفَتْكم نهارًا
وكانتْ تصرُّ على نهْشكم في الظَّلام
فإن لمْ أكُن ههُنا حائرًا
كيف تجْلو الحقيقةُ دون سُؤالي؟
وكيفَ تجيئُون ثم تمْضُون موْتَى على
حطبٍ؟
تملؤُون الشَّوارع َصمتًا
ولا ترفعونَ الرُؤوس اتقاءَ الإشاعةِ
لا تسألونَ عن الورْدِ إن ماتَ
دون شذَى
ثمّ تأتون زوجَاتكُم بالبشاعةِ
إن لمْ تكنْ حيْرتي بينَكم
ستبيتُ نعامتُكم في العراءِ