المولدي فرّوج
البرادعة
في التّاريخ والذّاكرة
دراسة توثيقيّة
الكتاب: البرادعة في التّاريخ والذّاكرة
الصنف: دراسة توثيقية
الكاتب: المولدي فرّوج
الطبعة الأولى :2024
الناشر: دار الوسام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بنقل أي شيء من الكتاب الا بعد موافقة خطية من المؤلف
شـــكر
نشكر كل من أمدّنا بمعلومة أو بخبر اعتمدناه في قراءة التّاريخ
شكر خاص الى السّادة:
ــ الحبيب بن فضيلة: المهدية
ــ حامد البوزيدي: قصور الساف
ــ عيسى الشوباني: البرادعة
ــ الهادي غمّام: رجيش
شكرا على ما تفضّلتم به من معلومات أثرت الكتاب
1 ــ بلا مفاجأة
يوم الأربعاء 16 فيفري سنة 1938 خطب الزّعيم الرّاحل الحبيب بورقيبة في أهالي البرادعة قال: إن وجبت عليكم التّضحية فلتضحّوا، وإن أوقفوني في يوم ما فلا تتردّدوا في التّظاهر ففي ذلك الوقت ستجد فرنسا نفسها أمام شعب مصمّم على الدّفاع عن مصالحه فتتجرّد من أسلحتها وتجبر على الانحناء(1). كلمة بورقيبة هذه تجعلني أقول إنه كان يدرك أن أهالي البرادعة كتب عليهم التضحية والتظاهر؟
قد لا يجد القارئ في هذا الكتاب قصّة مكتملة الشّروط، متداخلة الأحداث، مشوّقة، تهزّ مشاعره وتشدّه إليها. وقد يبحث فيها عن خيال خصب، شاسع، يسرح فيه ويتفاعل معه فلا يجده، لأنّ هذا الكتاب لا يروي حكاية من الخيال ولا قصّة من النّوع البوليسي، وإنّما يسعى إلى أن يكون شهادة اعتراف لكلّ من ضحّى بما استطاع من أجل الآخرين، ولكلّ من عمل بجهد واجتهاد طيلة نصف قرن ونيف. يسوق الكاتب هذه الشّهادة لتبقى في الذّاكرة الجماعية وصمة شرف على جبين البعض وادانة مبطّنة "لطيفة" لبعض آخر وخاصّة لتكون وقودا للمرحلة القادمة وتحريكا لسواعد أجيال المستقبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب محمد الصّياح: Habib Bourguiba ma vie mon œuvre p51
هذا الكتاب ليس سيرة فرديّة لبطل ولا سيرة جماعيّة لشعب، بل هو سيرة مكان، مرآة ينعكس عليها تاريخ قرية صغيرة نبتت بين تخوم التّين الشّوكي والصّبّار في أحراش السّاحل التّونسي، كانت في البدء صغيرة في حجم الكفّ، منازل كأعشاش طير مبثوثة بين الزّياتين يغطّيها الغبار برداء الحزن ويزهيها المطر، قبل أن يستطيع جيل من أجيالها أن يحملها على أكتافه ويصعد بها نحو الأعلى، متحدّين في مسيرتهم أشواك الأيّام ونتوء الصّخور في الجبال الوعرة. هذا الكتاب شهادة صادقة وشاهدة على نفسها إمّا بمنطق الاستنتاج أو بحجّة الوثيقة.
حاول الكاتب أن يسرد عليكم حكاية القرية بتجرّد وبكامل الصّراحة والموضوعية فلم يمدح ولم يقدح ولم يشتم ولم يتّهم ولم يجامل ولم يتحامل، وإنّما وضع النّقاط على الحروف ووضع الطّرابيش على رؤوس أصحابها وذكر الشّخوص بأسمائهم وعرّى أفعالهم الجميلة منها والسيّئة. وقد حاول أن يكون متسامحا ايجابيّا قدر ما يسمح به المجال، فتغافل عن عديد الأفعال المشينة وترك للزّمن شرف محوها من الذّاكرة. ولولا محبّة هؤلاء النّاس والقرية، لما غامر بإنجاز هذا المؤلّف، ولولا حرصه على اخراجهم من كهف النّسيان الى دائرة الضّوء لأقبر قلمه ونام على جنبه المريح فأراح واستراح. نحن نؤمن أنّ من شيم الزّمن أن يسمح للمخطئين بمحو ذنوبهم وتحسين أفعالهم، فلماذا نحرمهم من فرصة لتدارك حالهم؟ لذلك تغاضيت عن بعض الأخطاء واكتفيت بتشريف المخطئين بذكر أسمائهم. أنا أعتبر أن الجذب إلى الوراء يزيد السّائر نحو الأمام قوّة وقدرة، وإن الضّربة التي تصيب الظهر تؤكّد للمشّاء أنّه يسير في الصّدارة. فشكرا للجميع من القلب ومن الذّاكرة، وليطمئنوا فنحن لا ننوب التّاريخ، ولا نفتح بابا للمحاسبة، ولا ننصب محكمة لنقاضي النّاس على أفعالهم المشينة. ولكن من حقّ الآخرين والاجيال القادمة خاصّة أن يطلعوا على الحقائق وأن يميّزوا بين النّاس. وقد يلومنا البعض ممن يعتبرون أنفسهم قد ناضلوا من أجل القرية على أننا أهملنا أعمالهم. نقول لهم شكر الله سعيكم، كنتم تسعون للحصول على كرسي هنا أو هناك في البلدية أو في الشعبة الحزبية وإننا لا نعتبر هذا نضالا بل انتهازية. ولنا عليكم مزيّة إذ لم نشهّر بكم ولم نفضح نواياكم في نضالكم المزيّف خالص الأجر. رغم اننا نملك من الوثائق والتسجيلات والحجج ما يكفي لكشف مواقفكم. وان مزيّتنا الأخرى أننا لم ننشر إلا قليلا من هذه الوثائق، لأننا نعتبر ان الجميع قد خدم البرادعة بما في ذلك قوى الجذب الى الوراء والبارعين في الدسائس والوشايات والخيانات، نعتبر هذا طبيعيا ولا يخلو منه مجتمع. مزيتنا أيضا أننا حاولنا أن نجد لهم أعذارا ومزيّتهم علينا أنهم بمواقفهم هذه زادونا تحدّيا واصرارا. وكم أتمنّى ألا يستكثر عليّ أحد كبر المساحة التي هيّأتها لنفسي داخل الكتاب وألا يتّهمني باختلاق بطولات لألعب دورها، فالأمر عاديّ جدا لأنّ الكتابة تفرض على صاحبها نصيبا من النّرجسيّة تكون مثل التّوابل في الطّعام، وأنا لا أنكر أنني رسمت سيرة البرادعة من خلال سيرتي وكتبتها بأحرف الذّات فليعذر القارئ لي هذا الادّعاء وقليلا من هذا الكبرياء.
2 -المكان صاحب السّيرة
تـَو نَعْــشقِـكْ والقلبْ شُورِك ناَدى
هَـزْ البـرادعة، رجْــها وزَلْـزِلها
هُم يعــــرْفُوني دِرْت فيــكْ عبَاده
وكِلـمـِــةْ السّوْ نا عِشْت نِتــحمِّلها
ومِن قال قـبْــلي لا نْبِي في بْـلاده
سكـِّـــرْ البــاب وما بقَـى ما نْقُول(2)
أختار أن أبدأ بهذا المقطع من قصيدة كتبتها باللّهجة العامّية لعدّة أسباب: أوّلها أنني أسعى من خلالها الى تحديد المكان جغرافيا وتاريخيا، وثانيا لأنّني أومن أن الابداع أنبل وأصدق وسائل الإبلاغ. وأنّ اللغة التي يتكلّمها النّاس هي حمّالة تاريخ لا يمسحها الزّمن.
عندما ولدت لم أجد شيئا في البرادعة يدلّني على نسبها إلا اللّغة العامّية التي يتخاطب بها النّاس ويتواصلون، فالعربيّة الفصحى نتعلّمها بشقاء ونجعلها لتحرير المراسلات وبقية الكتابات، وهي اللّغة التي يستعملها الباحثون في شتّى الميادين وخاصّة في البحث عن الأنساب حيث ما زلت متأرجحا، باحثا عن نقطة ضوء بين الحقيقة والافتراض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) انظر ديوان هذا كلام في الريح دار الوسام للنشر ص 22
والبحث عن النّسب يحتاج الى نبش في أعماق التّاريخ، لا يحسنه الا ثلاثة: المؤرّخ الذي يجتهد ليسجّل استنتاجات تكون أحيانا ضعيفة أو أفكارا قد لا تصلح لشيء، والعسكريّ الذي يربحُ الحرب بعد أن يكسب المعركة الأخيرة، والكاتب الذي يبدع نصّا أدبيّا يحكي فيه بصدق وحسن نيّة عن المكان الذي أنتج فيه نصّه وعن الزّمن الذي كان شاهدا على ولادة النّصّ. وتبقى أجمل كتابة وأصدق شهادة تلك التي ينجزها المبدع في نصوصه الأدبية لأنّه يخطّ التّاريخ في الذّاكرة من خلال القاسم المشترك أي اللّغة. اللّغة أداة تعبير وحمّالة معرفة. وهي مبحث نحتاجه في كلّ الزّوايا المظلمة، تمكّننا من العبور إلى البعيد ومن العثور على دليل مضيء في النّفق. التّاريخ يمتدّ كالسكّة، لا بداية لها ولا نهاية، نحن لا نعرف منها غير المحطّة التي نقف فيها في انتظار قطار الزّمن القادم، يأتي فيتوقّف للحظات في هذا المكان الذي أسمّيه البرادعة ثم يحملنا في الذّاكرة ملتحفين برداء التّاريخ.
يحدث أن ننسى ما فات أو لم يحن، الا المكان الذي وجدنا فيه أنفسها، ننسى لون القطار وكراسيه وسائقه وعدد المحطّات التي يتوقّف فيها، وننسى وجه قاطع التذاكر وصاحب المقهى المتنقّل داخل القطار، وصوت الواقف في الباب يعرض السّجائر على المسافرين، ولا ننسى محطّتنا الأولى، فهي الذّاكرة والبصمة وهي الهاجس الذي يحملنا ويسير بنا أماما. وها أنا أبحث في ذاكرة التّاريخ عن المحطّة الأولى ولا أملك غير أسلحة اللّغة. الأساطير والحكايات والخرافات بعضها لا يصدّقها عاقل، سأهملها عمدا وسأحاول الاعتماد على ما توفّر لي من كتب ومراجع. وسأستنطق المكان حتى يفضح نفسه ويبوح لي بأسراره، سأحاوره محاورة لا تحتاج الى تأويل أو احتمال، فالمكان يتكلّم إذا أحسنّا سماعه.
هذا المكان الذي أروي سيرته لم ينزل من الفضاء دفعة واحدة في شكل قطعة منفردة وإنما هو امتداد لنفسه في الجغرافيا والتّاريخ، وله جذور متصلة بمحيطه. ورثنا فيه بدون شكّ عن سكّانه القدامى نصيبا منهم في شكل تراث مادّي ونصيبا آخر يسّميه الباحثون تراثا لا مادّيا يتداوله النّاس في حكاياتهم وأغانيهم وهو لا يقلّ أهمّية عن التّراث المادّي بل يعتبره البعض أكثر صدقا ودقّة. إذ يمكن أن يُفقدَ الزّمانُ المكانَ كلَّ شيء، تذوي الأشجار وينهار البنيان ويتحوّل الى غبار تذروه الرّيح، ويمكن أن يَخلو المكان من أهله ولا يبقى من سكانه الا نفر من طيور تهاجر مع خيوط الشّمس نحو الأفق البعيد وتعود مع غروب الفصل الموالي. للتّاريخ ذاكرة من صخر ولي ما يلزم من مناقير. أريد فعلا أن أجد بداية أو نقطة انطلاق لحبل الكلام، سأدفعه على سكة الكتابة وسأحاول قدر الإمكان ألا أعتمد على الخرافات والأساطير. أنا على ثقة كبيرة في اللّهجة التي استعملها سكّان البرادعة الأوائل، فهي الدّليل الصّحيح على أصلهم وفصلهم وحسبهم ونسبهم وانتمائهم. وأنا أكره القفز في المجهول لذلك سأعوّل على اللّغة التي وجدتها متداولة بين النّاس، ولن أبحث في لغة عمرها أصغر من عمري، تستعمل كلمات التّعويم والتّهويم، لأن الكلام المطروح على الأرض خير شهادة على الذين مرّوا من هنا.
يحدّثنا الدكتور محمد حسن أستاذ التّاريخ الذي لا يردّ عليه كلام، عن قاعدة يعتمدها المؤرّخون في تفسير نشأة المدن والقرى. يقول الدكتور وهو أيضا أصيل قريتنا: إن البرادعة شكّلت ضلعا من أضلع كرة رصفة (sphère ruspa) التي تتكوّن من طبسوس وجمّا (المهدية قديما) وريجيسيوس وسلّقطة والعالية والشّابة والجم غربا. وكانت هذه الأماكن البحرية ما عدا الجم، يسكنها في العهد الفينيقي بحّارة وتجّار وبعض من العامّة، وكانت كلّما تعرّضت مدينة منها الى غزو خارجي هرب أهلها الى داخل البلاد في اتّجاه الغرب وأقاموا غير بعيد عن مدينتهم الأم (مسافة 5 كلم). وهكذا نشأت البقالطة بعد أن تعرّضت طبسوس الى عدة غزوات ونشأت قصور الساف بعد سقوط سلّقطة وهروب أهلها ونشأت البرادعة بعد أن هوجمت العالية وخرّبت.
لكن كيف أحدّد نسب السّكّان الحاليين. وهل تواصل إعمار المكان ما بين الفترة البونيقية والحاضر؟ لا دليل لدينا على تواصل الحياة في هذا المكان بين العصرين الفينيقي والروماني وبين العصر الوسيط. ونحن لا ندّعي بحثا تاريخيا فلذلك الشأن أهله. يقول الدّكتور محمد حسن إن القصر الذي عثر عليه مؤخرا والذي استعمل كرباط، يعود الى القرن الثاني عشر وقد وُجدتْ فيه نقود كتب على وجه واحدة منها بالخطّ الكوفي: المُلْك لله وحده. وفي القفا كتبت عبارة الجند(2). وعثرنا في منشورات عديدة أخرى على أن قصر العالية الممتدّ على مسافة كلم كامل قد يكون تأسس في القرن الرابع قبل الميلاد. كما عثر في المكان على لوحة فسيفسائية قياس 8/8 أمتار تجسّم قصرا لأحد النبلاء وأخرى تجسّد صيّادا بزيّ روماني بصدد الصّيد في بحيرة النجيلة. وإننا نأسف للجريمة التي ارتكبتها السلط المحلية قبل 20 سنة تقريبا حين أقدمت على هدم برج نكولا.
|
صورة1: برج نكولا في العالية |
ويجمع مؤرخون أن للعالية تاريخا ثريّا وحافلا الى درجة أنه يستحق إقامة مركز تفسيري لدراسة الأحقاب التي مرّ بها المكان. ففيها تتجمّع حضارات ثلاث (بونية، رومانية وفاطمية) يمكن للإنسان أن يراها بالعين المجرّدة في الوقت نفسه. فقد عثر في قصر العالية على الأدوات التي يستعملها الجند للأكل،
أدوات من العهد اللّوبي وأخرى عربية ووجدت فيها نقيشة منقولة عن امرأة من الأسرة الحاكمة هي أم سسّو ابنة المنصور تأمر فيها بفعل شيء ما (هي أول نقيشة لقائد عسكري). الا أنّ الحفريات قد توقّفت منذ 2020 لقلة الاعتمادات المالية المخصّصة لها.
|
صورة 2: من كنوز العالية |
أمّا السّكّان الحاليّون للبرادعة فيرجّح أن يكونوا مزيجا من القبائل الوافدة على تونس ومن الأمازيغ وأيضا من أولئك الذين قدموا من الغرب واستوطنوا السّواحل. ويرجّح أيضا أن بعضا من هؤلاء الأمازيغ قد نزحوا من الجبال عندما هاجمهم بنو هلال فبنو هلال عرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) د.محمد حسن كتابه الجغرافيا التاريخية في افريقية (ص 151)
والعرب، خلافا للفينيقيين والرومان والاغريق، يخافون البحر ويفضّلون العيش في الصّحراء والوهاد يرعون ماعزهم وابلهم ويقطعون الطّرق التي تمرّ منها. رغم أن سكّان المدن السّاحلية التّونسيّة كانوا في صراع مع أهل البادية وسكّان الجبل الأمازيغ، وكانوا يرحّبون بالغزاة من رومان وفينيقيّين وأسبان اعجابا بحضارتهم وطمعا في مساعدتهم على صدّ هجومات البربر واسكات ثوراتهم العديدة. وعندما نزل الهلاليّون بوحشيّتهم وجوعهم طاردوا سكّان الجبال والأرياف من الأمازيغ وأجبروهم على الهروب الى مشارف البحر وقد يكون نفر منهم قد سكن البرادعة وغيرها من القرى المتاخمة للبحر وهذا ما يفسّر تجذّر اللغة الأمازيغية.
فاللغة التي يتكلّمها أهلها منذ قرن على الأقل هي أمازيغية مثل: النّوالة والكسكسي والسفنارية والبسيسة والروينة والغنجاية والطاجين والشلاغم والهجّالة والترّاس والعزري والغشّير والشنتي والفزغول والبندير والقيطون، والقرجومة والبلوطة والكرومة والعتروس والعلوش والببوش والبرشني والفلوس والزرزومية والجرمالة والشكارة والشطيح والتبروري والتخليلة والشلاكة والقشابية وحتى البلعوط. كلّ هذه الكلمات المتداولة بكثرة امازيغية وما زالت متداولة في الجنوب التونسي وفي بعض القرى وحتى المدن. كذلك نجد بعض الأسماء ما تزال متداولة بيننا وهي من أصل أمازيغي مثل مايا وكنزا وباديس،
ثم ماذا لو سألنا وشما من الوشوم التي تضعها النساء في قريتنا وقد ورثنها عن أمهاتهن؟ أمي، مثل كثير من نساء القرية، كانت تحمل على الجبين وشما وآخر على الذقن وثالثا على الكفّ. كل تلك الوشوم تحمل رسوما أمازيغية جميلة وتدلّ على معنى؟ فمن اين جاءت بها أمّي إن لم تكن من تقاليدنا.
وحتى نتعرّف أكثر عن أصل سكّان البرادعة الحاليين بحثنا في مصادر كثيرة وحاولنا أن نقرّب فيما بينها وأن نذيب بعض الاختلافات في التحاليل والاستنتاجات. وأهم هذه المصادر هي ــ كتاب محمد حسن «المدينة والبادية في العهد الحفصي "الصّادر سنة 1999 عن كلية العلوم،
ــ كتاب "عروش تونس" لمحمد علي الحباشي الصّادر عن سوتيميديا 2016،
ــ كتاب أوقاف عزيزة عثمانة للدّكتور الشّيباني بن بلغيث الصّادر عن مكتبة علاء الدين 2006.
ــ كتاب ارنست بيليسيي دي راينو قنصل فرنسا بسوسـة "وصف الإيالة التونسية " الصادر بباريس سنة 1853.
ــ كتاب الهادي التيمومي: كيف صار التونسيون تونسيين في طبعته الخامسة الصادر عن دار محمد علي الحامي (2022).
ــ صفحة تاريخ تونس ومدنها والعادات والتقاليد وبعض المجلات المحكّمة.
ــ مجلة كان التاريخية عدد45 سبتمبر 2019
ــ دفاتر الأرشيف الوطني الخاصة بأحباس عزيزة عثمانة 1861.
ــ ولم ننس رحلة التّيجاني ولا رأي ابن خلدون.
وقد خلصنا الى ما يلي:
تنتمي البرادعة الى قبيلة المثاليث واسمها الأصلي قبيلة" بنو علي" وهي احدى القبائل المتفرعة عن قبيلة "بنو سُليم التي قدمت من نجد تحت قيادة الرّجل الصّالح عامر بن جمعة في القرن الثالث عشر. فلمّا أقاموا في نفّات جنوب قابس توفي عامر وآلت القيادة الى ثلاثة هم مراح ونجم وبطّاح، تفرّعت عنهم ثلاثة عروش: أولاد مراح وأولاد نجم والبطاطحة. انضموا سريعا الى ثلاثة عروش أخرى كانت تستوطن المكان، هي عروش مرعي وزيد ونصر وبعضها من أصل أمازيغي مثل أولاد مرعي والحكايمة والبدارنة. وهكذا أصبحت المثاليث مساديسا. يتوزع كل سدس إلى عروش حسب ما ورد في الدفاتر الخاصة بأحباس عزيزة عثمانة بتاريخ 1861حيث وردت عبارة "برادع بمعنى عروش". ونقرأ في موقع تاريخ تونس ما يلي "انقسم المثاليث إلى ستة برادع فأولاد زيد وأولاد نصر من برادع الشمال ينتمون لقيادة المهدية أما أولاد مراح والبطاطحة فإنهم يعيشون جنوب سبخة الغرة والجم أما المراعية وأولاد نجم فإنهم يحيطون بصفاقس من كل النواحي. و قد كتب ارنست بيليسيي في كتابه "وصف الإيالة التونسية: تتوزع هذه البرادع على النحو التالي: أولاد مراح وأولاد نجم و البطاطحة و المراعية وأولاد زيد و أولاد نصر الذي يضمّ (الجواودة ـ الحكايمة-العبابسة-أولاد صالح-أولاد حمزة-أولاد مطر-البرادعة-الرشارشة -أولاد يوسف (الحنيشات /التواير).
يمكننا التأكيد أذن على أن اسم البرادعة جاء بتأنيث في النّطق لكلمة بَرَادِع. ونذكّر بأنّ العرب لا يحبّذون الوقوف على السكون الا عندما يسبقه سكون آخر. فالبرادع التي تنطق برادعَه هي فرع من فروع القبيلة مثل العمارة والبطن والفخذ أو البرانس والبتر كما أورد ذلك الهادي التيمومي(3) وأكده ﻣﺤﻤﺪ ﺻﻼح ﺣﻘّﻲ في مقاله اﻟﻨّﺸﺎط الإﻗﺘﺼﺎدي ﻟﻘﺒﻴﻠﺔ اﻟﻔﺮاﺷﻴﺶ في ﻧﻩﺎﻳﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﺘّﺎﺳﻊ ﻋشر و ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﻌشرﻳﻦ المنشور في ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘّﺎﺭﻳﺨﻴﺔ. اذ يستعمل كلمة برادع بمعنى عروش.
بقيّة الحكاية أثّثتها هجمة بني هلال، فمنذ حلولهم أصبحت تونس رسميا بلادا عربيّة، يعني منذ أن وصل جراد هذه القبيلة المطرودة من قبل الخليفة الفاطمي في مصر، وتلك حكاية أخرى طريفة وعنيفة مرّ عليها من الزّمن ما يقارب الألف سنة، حلّ بنو هلال بهمجهم وهرجهم ليفرضوا اللغة العربية على التّونسيين من أمازيغ وقرطاجنين ويونانيين وفينيقيين وبعض العرب الذين وصلوا مع الفتح الإسلامي.
أما الاسم القديم الذي عرفت به البرادعة فهو بدون شكّ البْحِيرة، وهو الموجود في الخرائط القديمة ومازال أهلها
يطلقونه على التّظاهرات الّثقافية والشّعارات الاشهارية وحتى
التّجارية. وهذا الاسم أي البْحِيرة هو نسبة إلى بحيرة (النجيلة) التي تتوسط الأرض الصّحرواية (القرعة) التي تفصل البرادعة عن البحر وتمسح قرابة 1500 هكتارا تنبت فيها الحلفاء وعشب حامض يسمّى الحماضة، تأكله الإبل. هي أرض رملية تصلح أيضا لزراعة البطّيخ (واسمه عند الأمازيغ الدّلّاع) والشّمام (أي البطّيخ) والشّعير. ترتبط البحيرة بالبحر الأبيض المتوسّط عن طريق نفق (المَمْشَى) محفور في بطن الهضبة على طول 560 مترا. تعلوه فتحات محدثة للتهوئة..
|
صورة 3: النجيلة ومدخل الممشى |
هذا النّفق حفره الرّومان للحماية ولصيد الأسماك، ففي الشّتاء تتجمّع مياه الأمطار وتأخذ طريقها من سيدي علوان ووادي باجة وتشقّ البرادعة برافدين لتنصبّ في البُحيرة وتنتهي الى البحر عن طريق الممشى، تسبح الأسماك فياتّجاه ماء الامطار وتتكاثر وتكبر. فاذا حلّ فصل الصّيف وتناقصت مياه البحيرة وانحصرت في الوسط، تشحط البحيرة وتنفصل عن البحر وتبقى الأسماك سجينة المكان يصطادها النّاس بالغرابيل وبالشّباك.
|
صورة 4: البحيرة وبئر برادع على الخريطة القديمة |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3) الهادي التيمومي، كيف صار التونسيون تونسيين ص 110
في بداية فترة الاستعمار استقرت بعض عائلات المعمّرين في العالية مثل عائلة دولاص وعائلة لوتوس وعائلة جيل وأنطوني دومير وانضم إليها تونسي من أولاد عبد الواحد من قصور الساف (شهر بودبوسة). تقاسمت العائلات الأملاك الفلاحية من أراض وأعناب وزيتون. فأما المعمر لوتس فقد شغل مدير مدرسة سيدي علي المحجوب ومدير مكتب البريد في المدرسة نفسها حيث خصص 4 قاعات للتدريس وقاعة للبريد. وباع نصيبه من الممتلكات الفلاحية الى أولاد بوكر. كما باع دولاس أملاكه الى دار التومي.
وأما بودبّوسة فقد تزوّج من فتاة فرنسية من تلك العائلات، ويروى أنه تجنّس للغرض، وأنجب منها ولدا سمّاه حبيب فيليب وبنتين احداهما اسمها عائشة. تزوجت عائشة من عائلة بن نجيمة من قصور الساف. فلمّا مات زوجها صار النّاس ينعتون أملاكها بهنشير المدام (نسبة الى أمّها الفرنسية) اهتمّت عائشة بأملاك أمّها التي كانت تضمّ معصرة للخمور الى أن قررت الحكومة التونسية الفتيّة تأميم الأراضي. وبما أنّ مدام عائشة تحمل الجنسية التونسية فلم تنتزع الحكومة منها شيئا. بعد حركة التأميم الفلاحي غادر أغلب المعمّرين العالية وعادوا الى فرنسا فتركوا خلفهم 84 هكتارا من الأراضي المشجرة عادت في اغلبها الى الدولة.
ثم سكن المنطقة أولاد الرّجيشي ويرجع وصولهم الى بداية الحماية. اشتغل جدهم صالح بن علي بن سالم غمام خمّاسا عند أولاد التومي. أنجب ثلاثة أبناء هم محمد وحسن وأحمد. اشتغل محمد وهو شاب بهنشير معمّرة فرنسية اسمها ماتيلد جان لوفي وكانت تقطن في حمام الأنف صحبة زوجها. وربط معها علاقات طيبة فكان يزورها في حمام الأنف على درّاجته ليحمل اليها بعض الأسماك والغلال من عنب وتين وغير ذلك. سنة 1925 قررت ماتيلد بيع هنشيرها الذي يمسح 68 هكتارا بالمزاد العلني. وتمّت البتّة في حانوت أولاد اللّخمي في قصور الساف تدخّلت ماتيلد لدى السمسار ليفوز محمد الغمام واخوه حسن بالبتّة فتوقفت المزاد عند 15 ألف فرنك، دفعا ثلث الثمن حاضرا وتركا البقية أقساطا الى غاية 1928. استقر محمد الغمام في العالية وتزوج وزوّج ابنته هناء لمحمود حمّاد من البرادعة. كوّن أولاد الرجيشي تعاضدية للصيد البحري.
بعد الاستقلال عرفت المنطقة عدم استقرار في حدود العمادات والمعتمديات ما جعل الشيخ عبد المجيد الشريف عمدة البرادعة في السّبعينات يطلق اسم النجيلة على البرادعة الجنوبية سعيا منه الى تثبيت الحدود الجنوبية الشّرقية لمشيخته والى التأكيد على أنّ البحيرة أرض تابعة للبرادعة. وقطع بذلك أطماع القرى المجاورة في تخطّي الحدود المرسومة سابقا.
كان رسم الخرائط يعتمد على الآبار والمعابد ولا يعطي أهمّية كبرى للتّجمعات السّكنية لذلك وجدنا في أقدم خريطة اسم البحيرة على بعد 8 كلم من قصور السّاف في حين ذكرت نفس الخريطة أن "بئر برادع" يقع على بعد 5 كم من البحيرة ويفهم من هذه التّسمية أنّ البئر ملك جماعي للعرش فاسمها المتداول "بئر الأماس" يقصد منه أنّ البئر ليست ملكا لشخص معيّن بل هي ملك لعرش أولاد موسى.
ومهما يكن من أمر فإننا سنهتمّ بالمكان الذي عاش فيه أجدادنا وآباِؤنا وكان شاهدا على طفولتنا وصبانا.
مازالت صورة البرادعة القديمة راسخة في ذاكرتي، منقوشة كما لو أنها في الصّخر. أذكرها بتفاصيلها الصّغرى وبأحداثها الكبيرة، ما زالت حومتنا في جنوب القرية تحيط بها وتخترقها تخوم التّين الشّوكي فتخلق فيها ممرّات للناس وأخرى للحيوانات وتسيّج المنازل وتؤوي أقنان الدّجاج.
الصّورة التي أحملها عن الحيّ هي التي أراها من خلال ذاكرتي مرتسمة على الواقع، عشرين منزلا لا غير متشابهة في علوّها ومساحاتها، تتناثر هنا وهناك. المرآة تعكس الماضي على صفحة الحاضر وأنا أتهجّى اللّوحة فاصلة فاصلة. سأحكي لكم في هذا الكتاب عن رحلتي في المكان ومن خلاله. لم أكن وحدي بل كنت أمشي منذ الخطوة الأولى مع الأتراب والأصحاب. كبرنا معا وبنينا حلما ورديّا مشينا نحوه معا وامتدّت أيدينا الى بعضها وتعانقت فحَملنا حُلْمنا وفجّرنا منه واقعا اسمه البرادعة. وكان لي شرف تدوين هذه الرّحلة في هذا الكتاب.
3 ــ أتهجّى المكان
تبدو الصّورة التي أحاول استرجاعها من الذاكرة ضبابيّة، أضعها على طاولة التحميض في قاع الذّاكرة وألصق ما يتناسب إلى ما يناسب على طريقة البيتزل لأحصل على صورة مزدوجة ثم أطلب منها أن تقودني بنظرة عجلى الى أوّل خطواتي، سأكتفي بها.
في هذا الرّكن وبين تخوم الهندي أرى صخر الذاكرة منقوشا فأتتبع خربشاته متصفّحا ومكتشفا. وأرى حومتنا كأنّها أعشاش طير متناثرة بدون نظام بين الزّياتين، تحيط بها وتسيّجها صفوف التّين الشّوكي الذي نسمّيه الهندي ويطلق عليه كبار الحومة: سلطان الغلّة نظرا لأهميته، فالنّاس يجدون فيه طعاما لذيذا في الصّيف وعلفا لحيواناتهم، وفي بداية الخريف تصنع منه النّسوة المربّى (الرُّبُّ) ويدّخرنه للشّتاء، وعندما تجفّ جذوعه تصبح بدورها قوتا لنيران المواقد. أمّا المنازل فهي مبنية بالأحجار الرّخامية التي يقتطعها الرّجال من هضبة الهنشير المطلّة على الحيّ ويفرزون منها الكبيرة مدحيّة الشّكل ليجعلوها لبناء الجدران وأما اللّخاف (الأحجار الرّقيقة) فيصفّفونها على أعمدة الزيتون ويجعلون منها سقوفا للبيوت قوية ومتينة. وكان النّاس يساعدون بعضهم البعض على البناء فلا يتسلّمون أجرا وإنّما يكتفون بالفطور. بل كأنّي بهم يتداينون الجهد والأتعاب فيدعون بعضهم بلا حرج إلى المساعدة، أشكال تضامنية ورثوها عن أجدادهم، يسمّونها التّويزة. وكانوا لا يشترون شيئا الا الأدوات الحديدية، فكل ما يحتاجه البناء مستخرج من المحيط الطبيعي كالحجر والتربة والحطب وأعمدة الزيتون وحتّى بقايا العصف المأكول(السّفاف). النّاس يعوّلون في معاشهم على الطّبيعة. وبالخصوص على ما يمكن خزنه كحبّ الزيتون والخضر والبقول، وكان سكّان الحي يتساوون في الفقر، فحتى الزياتين التي تحيط بحومتنا كانت في أكثرها على ملك بعض العائلات من المهدية وقد تبيّن لنا أن فلاحي المهدية اشتروها من أجدادنا بالشّجرة أو بربع الواحدة. يعني ذلك أن العمليّة تمّت في بدايتها برهن ربع أو نصف زيتونة مقابل لتر من الزّيت أو القمح أو الشّعير. ثم يتغيّر الرّهن إلى بيع. ومع مرّ السنين تواصلت عمليّات الرّهن والبيع الى أن صارت حومتنا محاطة بغابة من الزّياتين لا يملك آباؤنا منها إلا القليل، حتى اعتقد البعض أنّ سكان الحومة الأصليين هم في الحقيقة "خمّاسة" عند العائلات المهدوية.
روت لي أمّي انها، عندما كانت حبلى بي، اشترت قطعة أرض وراء منزلنا تحوي أربع أصول زيتون بعشر لترات من القمح كانت خبّأتها لأيام النفس، فأعطتني فكرة عن قيمة القمح والشّعير في سنوات الجدب والجوع منتصف الخمسينات.
يمرّ قطار الذّاكرة بكثير من المحطّات ولا يحفظ عددها أو عدد أبوابها ولا حتّى لباس قاطع التّذاكر أو لون التذاكر، لكنّ الذّاكرة تستطيع أن تثبّت خصومة عنيفة يقوم بها الرّاكب مع سائق القطار مثلا. يهمّني القطار الذي يتخلّف عن موعده كما يهمّني القطار الذي يحافظ على مواعيده ويقف في كافّة المحطّات.
وسوف لن أهمل المحطّة الأولى ولا الأخيرة أو الحالية التي منها أكتب هذا الكلام. اقول فقط إنّنا في البرادعة شهدنا على النّصف الثّاني من القرن العشرين، فتحنا أبصارنا منذ فجر الاستقلال وعشنا على ضوء الفتيل الزّيتي وعلى نور المصباح البترولي وتنقلنا على الدّواب وشربنا من ماء الغدير، ورعينا شياهنا وّطمشنا" الزيتون الذي يتركه الفلاحون خلفهم وبعناه بالثمن البخس. ثم كبرنا فعرفنا المذياع والكهرباء والتلفاز. وفي اخر المرحلة فوجئنا بأكبر المعجزات التي عرفها الانسان منذ ظهوره على الأرض وهي الانترنت والكلوناج وها قد صار الذكاء يصنع. إنّنا محظوظون جدّا وفخورون بالانتماء الى كل هذه المراحل. ومن حقّنا أن نشهد على مرحلة الانفجار الحضاري كاملة، شهادة لا تحتمل الطّعن فيها.
4 ـ متساوون حتى في الفقر
سار بنا الوقت سريعا وكبرت مع أطفال الحي ولم نكن نفكّر في صعوبة الحياة، كنّا معجبين بطريقة عيشنا ولا نهتمّ بها. ولم نكن نأمل في أحسن ممّا نحن عليه لأننا كنّا متساوين في الفقر لا نفهم معنى للتكبّر أو التفاخر. فالغني من سكان الحي يملك زياتين أكثر من غيره أو له قطيع من النّعاج وبعض الحيوانات الأخرى مثل الحمير والجمال؛ البقر لا يربّيه الناس لأنه يحتاج الى مراع سقوية خصبة. أما نصيب الجهة من الامطار فقليل بالكاد يكفي لملء الفساقي التي تحفر في الأرض لتخزين الماء. وعندما يتواصل انحباس المطر ويجفّ ضرع السماء، وكثيرا ما يجفّ، نلتجئ الى الابار القليلة في الجهة فنقصدها يوميّا لنجلب منها حاجياتنا من الماء. تمرّ السّنون على الحيّ عجافا وقلّما تأتي الصّابة، فشجر الزيتون لا يثمر الا مرّة كل سنتين أو ثلاث، وقد تمتدّ سنوات العقم كلّما تخلّف المطر ومرّت سحب الخريف مهرولة في اتّجاه الشّمال او البحر شرقا.
لم نكن نفهم لماذا بنى أجدادنا هذا الحيّ في مواجهة سيل لا يقوى على صدّه. فالوادي الذي يجمع مياهه من سيدي علوان ومن وادي باجة يصبّها في البحر. وعندما يصل إلى مشارف البرادعة يتفرّع الى نصفين: نصف يأخذ طريقه شرقا فيمرّ على وسط القرية ويرتمي مباشرة في القرعة والنصف الثاني يتّجه جنوبا فيمرّ على حيّنا ويلتقي النصفان ليكملا زحفهما نحو البحر. وكان النّصف الذي ينزل على حيّنا مهدّدا متوعّدا يزرع الرّعب ويحمل معه التّربة والأوحال ويفقر الأرض من حولنا. أذكر تلك الليلة التي فوجئ فيها النّاس بهجوم مباغت للوادي فتجمّع الرّجال على صياح النّسوة وهبّوا بما توفّر لديهم من معاول وأسحية يصدّون بها تيّار المياه ويغيّرون مجراه و لم ينقشع الرّعب الا مع طلوع الفجر فوقف الجميع ينظرون الى آخر أذيال التّيار وهو يجرّها في اتجاه القرعة حيث يستجمع حجمه من جديد ثم يندفع من خلال الممشى ليرتمي في البحر فتتكوّن من أمام الممشى نصف دائرة بلون التّراب تعطيه لونا أجمل من زرقته.
في الهضبة المطلّة مباشرة على الشاطئ حفر النّاس آبارا سطحيّة لا يتجاوز عمقها مترين او ثلاثة أمتار. نسمّيها عيونا حسّية، ماؤها عذب يصلح للشّرب. كنّا بعد السّباحة في البحر نتجمّع حول احدى العيون، ينزل أحدنا مثبّتا ساقيه في جوانب العين حتّى لا يسقط فيها فيمدّنا بالماء فنستحم الواحد بعد الاخر قبل العودة الى منازلنا. وكنا في سنين الجفاف والعطش نقصد تلك العيون لنملأ قلالا نضعها على الاحمرة ونقطع بها الخمسة كيلومترات التي تفصل حيّنا عن البحر.
عندما كبرت وقرأت مقدمة ابن خلدون عرفت لماذا أصرّ الرّجل على نعت الجنوب بالتخلّف وعلى أنّ الحضارة سوف تبنى في الغرب. فهمت هذا فعدت الى الجغرافيا لأجد حيّ الحاج سعد الذي ولدت فيه جنوبيا هو بدوره ومن أفقر الأحياء.
وليس من الصعب على كل ناظر في الأرض وما عليها أن يتأكد من أن الحياة صعبة في الجنوب فالقارات الجنوبية فقيرة ومتخلفة وجنوب كل قارة أفقر من شمالها وجنوب المتوسط بائس خلافا لشماله وجنوب تونس صحراوي تصعب الحياة فيه وكذلك جنوب البرادعة، حتى أنني كتبت مرة مقالا في جريدة الراي عنونته: وحتى في البرادعة، الجنوب محروم، وقد كنت أعنى الحي الذي أقطن فيه. هذا الحي منفصل عن وسط القرية حيث المدرسة والجامع ومكتب البريد بفدادين من الزياتين والتّين الشّوكي تمتد على مسافة كيلومترين. وليس من الصّدف أيضا ان يكون المنزل الذي استقبلتني فيه القابلة الكفيفة مسعودة جنوبيا فقيرا، تتزاحم من حوله أحطاب الزريبة وتتداخل مع التّين الشّوكي لتصنع له شكلا يتماشى وطريقة عيشنا ويطيب فيه العيش رغم صغره فهو ليس أكثر من بيت وحيد سقفه من أعمدة الزيتون وجدرانه من الحجارة التي اقتلعها والدي من الهضبة المتاخمة للحي(الهنشير) والى جانب البيت الذي نبيت فيه ثمة ما نسمّيه "النّوالة" أي مكان الطّبخ، يحوي موقدا من الطّين (الزّحّافة أو الكانون الكبير) والأثافي وبعض أدوات الطّبخ القليلة. أما الفضاء المحيط بالمنزل فهو زريبة للشياه وللجمل والحمار ولا ننسى الكلب الذي يعدّ من أهم سكّان المنزل رغم انه ينام فوق سطح البيت صيفا وشتاء دون قلق، يحرس الجميع من عل. ولا يسمح أبي بالنّوم الى جانبنا الا للقطّة او للنّعجة إذا ما بشّرت بالوضع.
هذا هو حيّنا الني يسكنه عرشان أولاد عبد الله واولاد الحاج سعد. والذي كنّا نتقاسم الحياة فيه كاملة من شجرة التين الى فدان الفول الى اخر قطرة ماء، وكنا إذا خاف أحد على خروف أو شاة من الموت ذبحها وفرّق لحمها على العائلات دون أن يستشيرها في الشّراء فالجميع يتقبل لأنه يعلم أن الاستخلاص مؤجل الى الحصاد أو جني صابة الزّيتون. ويعتقد البعض أن ردّ اللحم على أصحابه عار ونذير شؤم، ثم إن أغلب العائلات لا تأكل لحم الضأن إلا بمناسبة أوفي مثل هذه الحالات. وكانت تكتفي بتربية الدّجاج لأنها غير مكلفة، وقد تربّي الأرانب في حفر بجانب المنزل تكون عادة مطامير مهملة بسبب قلة سنين الصّابة أو الانجراف إذ لم يهتد آباؤنا بعدُ الى طرق الري بجرار الفخار التي ابتدعها الرّومان. الأرانب يتكفّل بها الأطفال عادة لأنها لا تحتاج الى رعاية في الحقول وإنما الى جلب الحشيش. أما الخرفان فتربّى للبيع في أسواق المدينة. ويبدو ان الناس في كل الاحياء كانوا على نفس العادات التضامنية يقتسمون لحم الذّبيحة.
الأعراس في البرادعة شبيهة بالمهرجانات، تدوم عادة أسبوعين أو أكثر، تبدأ بحجبة العروس: يذهب أهل العريس الى منزل أصهارهم حاملين معهم السّميد والزيت والحمص وكل ما يحتاجه إطعام ضيوف العرس وهذه الحركة تسمّى: صبّان الطعام. وينتهي حفل الحجبة بوضع الحنّاء على شعر العروس وفي هذا إشارة الى التزامها بالاحتجاب داخل منزلها فلا تخرج إلى أشعّة الشمس. تتواصل السّهرات في المنزلين أيّاما: ففي منزل العروس تأتي البنات كل ليلة يغنّين ويرقصن ويتبادلن الحكايات، وفي منزل العريس يكون الحفل أكثر حيوية إذ يستدعى الغنّاية كلّ ليلة، تتكوّن فرقتهم من ثلاثة رجال يتولّى أحدهم (الاديب) انشاد الشّعر فيما يشكّل الاثنان "السّعفة" فيتولّيان ترديد اللّزمة مكتفين بالعشاء وتناول الشاي طيلة السّهرة. وقد أنتجت البرادعة كثيرا من الغنّاية نذكر منهم الهادي فرّوج المختصّ في الصّالحي والجحافي وعلي فرج صاحب الصّوت الرّنّان وبنعيسى المبروك المعروف بنفسه الطّويل وعبد الله الفضاخ المختص في الارتجال وعمر بن عمار صاحب الإنتاج الغزير وأما كبيرهم وأوّلهم فكان حسين بن رجب السّافي الذي سنعود اليه لاحقا. وكنت مولعا بالحضور في سهرات الأعراس: أستمع الى "الادبة" وأعجب بهم، ولعلّ ذلك الاعجاب كان من أحد الأسباب التي جعلتني ادرّب أذني على إيقاع الشّعر فكنت أردّد كل ما بقي راسخا في الذّاكرة وقد أجبر نفسي على تعويض عبارة سقطت من الذاكرة.
قبل يومين من ليلة الزفاف تحتفل العائلتان بالكسوة وتبدأ الاحتفالات بها منذ العشية: يمشي أهل العريس ومن رافقهم من الرّجال والنّساء والأطفال في موكب حافل يتقدّمهم الطّبال والزّكار الى دار العروس حاملين معهم الحليّ والملابس وخروفا أو خروفين أو أكثر. تذبح الخرفان ويتعشى الجميع في دار العروس ويسهرون على انشاد الغنّاية الذين يلتحقون بالسّهرة. وفي المقابل يكون منزل العريس خاليا الا من شيخ يحرسه وكلب يؤنسه. وفي الليلة الموالية ليوم الحطابة هذا، يحتفل العروسان، كل في منزله بالحنّة، حيث تؤثث السّهرة في منزل العريس فرقة وترية او عيساوية وتوزّع المرطبات ويدعى للعشاء كلّ من جاء باكرا. وكنا، نحن الأطفال، نتجنّد لقضاء بعض الشؤون حتى نتمكّن من الاندماج في الحركة الكبيرة ونفوز بصحن الكسكسي واللّحمة وبعض المشروبات ولن يتجرّأ أحد على نهرنا، وإن فعل لن يسلم أبدا من اللّوم.
أمّا في منزل العروس فينتصب "المحفل" ويُنتظمُ صفّان واحد للمتزوّجات وآخر للعازبات، واحد على يمين العروس والثاني على يسارها، وكلّهنّ يرتدين اللّباس التقليدي ولا يسمح لأية امرأة أن تعتلي مسطبة المتصدّرات إلا باللّباس التقليدي. ولا يختلف لباس العازبات عن المتزوجات إلا بالقوفيّة التي تلبسها المتزوّجة فقط.
أما يوم الزّفاف فيجهّز الهودج منذ العشيّة ويقصد منزل العروس، يسير الجمل ببطء والحوذي الى جانبه؛ رجل من كبار القوم يظل يتلاعب بعصاه ليفصل بموكبه النسوة اللائي يمشين أمام عينيه والرّجال الذين يسيرون خلف الجحفة. ولا يسمح بالاقتراب الا لصاحب البندقية الذي لا ينفك يحضن بندقيّته ويقفز ويتلوّى ممسكا بها جيّدا ومردّدا بعض الكلام الذي لا يكاد يفهم، غير انه يقصد التغزّل بها. وكان الهادي فرّوج من خلف الهودج يتغنّى ويبدع في غناء الجحافي فتردّ عليه أخته عائشة من الجهة المقابلة فيمنحان المشهد روعة وجمالا.
...........................
وقد شاءت الصدف ان أشهد آخر هودج في البرادعة كان ذلك منذ أكثر من 50 عاما، في زفاف جارنا صالح عامر سنة 1969. يومها جهّز أهل العريس الجمل والحوذي واستدعى النّاس وصاحب البارود والغنّاي والأصحاب والأقارب ومشينا جميعا الى دار العروس على بعد كيلومتر من الحيّ. ولكننا صدمنا برفض العروس ركوب الجمل متعللة بعديد الأسباب فأحضرت سيّارة للتّو حملتها الى منزل زوجها. وعاد الجمع بالهودج في حفل شارعيّ بهيج ولا أحد تابع السّيّارة. انتظرنا سنة 1974 حتّى نرى السّيد محمد النّعّاس أوّل من يتشجّع فيحدث ضربة مسرحية على ركح المحافل في البرادعة ويفتح أمام النّاس بابا ظلّ لطول السّنين مغلقا. حدّثني بعد نصف قرن من زواجه قال: هزّني اندفاع الشّباب إلى فعل شيء بديع، فكّرت في القيام برجّة نفسيّة في عائلتي المحافظة فلم أجد فرصة أحلى من فرصة الزّفاف. تحدّثت في الأمر مع خطيبتي عائشة فخافت في البداية واستكثرت الأمر وتوجّست من ردّة فعل من حيث لا تتوقّع. ولمّا أدركتْ أنّني مصرّ على فعل ما قررته لم تمانع وأبدت موافقتها. وفي يوم الزّفاف غادرت الحلاق في موكب من السيّارات واتّجهت مباشرة، ودون اعلام مسبق إلى منزل العروس، توقّف الركب ونزلت من السّيارة يسبقني الحلّاق ليفسح لي الطّريق أمام دهشة النّساء وفرحة الفتيات. وجدت العروس وقد انتهت من التّجلّي، مددت اليها يدي فمدّت يدها وتبعتني. لم تجد النّساء بدّا من إطلاق زغاريدهنّ. أركبت عائشة الى جانبي وطاف بنا موكب السّيارات القرية من الشّمال الى الجنوب ثم توقفت السّيارة أمام منزلي فأخذت عائشة من جديد وأدخلتها إلى مكان جلوتها وعدت الى صفّ الرّجال أمام دكّان الحلاق. وبدأ الكلام يسري مثل كرة الثّلج فاعتبرني البعض متهوّرا وقال آخر أن لا أخلاق لي الا قلّة الأدب وأضاف ثالث إنّها بدعة ومن الضلال أيضا. وقال أصدقائي من الشباب المشجعين أن الضّرورة اقتضت تكسير الحاجز وتحطيم المحرّم ولا بدّ من أن يفعلها واحد ليبقى صاحب الفضل. وفي نفس السياق كان البحري المانع أوّل من رفض عرض قميص عروسه ليلة الزفاف وخرج الى النساء الواقفات أمام الباب فأطردهنّ وزاد فامتنع عن كشف جهاز العروس فناله من الشّتم ما ناله.
5 ــ التعليم والشّومارا
يسير بي المكان ويزداد سرعة مع الوقت. المكان جميل بطبعه وبالطبيعة التي أتقنت هندسته. الحي، هذا العشّ الصّغير الذي وضعته أيادي عصافيره وأحسنت بناءه ظلّ على حاله لعشرات السّنين أو لعشرات العقود قبل أن تنزل عليه أشعّة الحضارة فتضيئه وتبعث الدّفء فيه. لقد أبطأ الشباب الذين غادروا القرية سواء للعمل أو لمواصلة الدّراسة عن تغيير المكان، وهذا أمر طبيعي فالإعمار يحتاج الى وقت طويل والى ادّخار وهؤلاء الشّباب فضّلوا في البداية أن يؤسسوا حياتهم خارج القرية، لانعدام الفرص.
نخرج من حيّ الحاج سعد الجنوبي لنقصد مدرسة البرادعة ، ونقطع كيلومتر من طريق ترابيّ مرصّف بالحصى الصّلبة التي لا نستطيع المشي فيه حفاة أو حتى بأحذية البلاستيك التي نلبسها بحساب حذاء واحد في السّنة، حدّثونا عن هذا الطريق المرصوص بالحصى فقيل لنا أنه يبدأ من سلّقطة جنوبي قصور السّاف (طريق العجلة) ويتفرّع الى طريقين أحدهما يتواصل غربا في اتّجاه سيدي علوان والثّاني يشقّ البرادعة ويمرّ من أمام مقهى عسيلة حيث المدرسة المؤقتة ذات القسمين ثم يتفرع وينعرج عندما يصل مخبزة الخال الحبيب المانع وهي مخبزة القرية الوحيدة ثم يتواصل ليصل سيدي بوزيد غربا وصفاقس جنوبا، تسلكه الكارات ذات العجلات الكبيرة التي تصنع من اللوح وتغلّف بالحديد. كنّا نتحاشى السّير في هذا الطريق هربا من أحجاره النّاتئة ونخيّر عليه مسارب ترابية رطبة تتثعبن بين تخوم التّين الشّوكي. كنّا نهرب من وخز الحجر إلى وخز الأشواك، نمرّ بعدة منازل متناثرة تحرسها كلاب تقضي يومها ممدّدة في المسالك، لا تغادرها الا بعد ان نصيبها بحجر فتهرب نابحة مستنجدة بالكلاب البعيدة فتردّ عليها. وتعلّمنا الاحتياط فصرنا لا نقطع المسافة منفردين.
كانت البرادعة -المركز عبارة عن بعض المنازل المتناثرة في شكل أحياء تتوسّطها أراض مهملة تركها أهلها بورا بدون حرث ولا عناية فصارت لا تصلح الا للعب الكرة، نبتت فيها هنا وهنالك بعض أشجار الزيتون وأشجار التيزغة مختلفة الألوان. كنا نتحاشاها هي أيضا ونراقبها الى ان تنضج ثمرتها، نمرّ من أمام جامع سيدي عبد القادر وبالقرب من بعض الدكاكين في اتجاه المدرسة وكان دكان العم الهادي المانع الذي نسمّيه (برندو) أكبر دكاكين القرية بل الوحيد الذي يستعمل ثلاجة تشتغل بالبترول السائل لتبريد المشروبات اذ لم تعرف القرية لذّة الكهرباء بعدُ، فلمّا فرض التعاضد على الدّكاكين في بداية السّتينات لم يرضخ برندو وتشبّث بوحدانية متجره. في تلك الفترة كانت وزارة الثقافة تعرض الأفلام السينمائية في مختلف انحاء الجمهورية. وكان يصلنا نصيب منها: تحل بيننا سيارة الوزارة منذ العشية فتختار مكان العرض وعادة ما يكون اما حائط المدرسة المطلي باللون الأبيض أو قفا الجامع. وكان مدير المدرسة البشير الحمروني يتولّى جلب الافلام. وكنا نتجمع شبابا وكهولا، رجالا ونساء، نفترش الأرض ونستمتع بالمشاهدة. أذكر فيلم أم عباس وخليفة الاقرع وبعض الأفلام المصرية.
المدرسة هي الشيء الذي يجمعنا ويعرّفنا على بعضنا ويمكّننا من ربط علاقات سرعان ما تصبح صداقات وكانت كرة القدم، متنفّسنا الوحيد وفرصتنا لخلق المنافسات وصنع البطولات. تجمعنا الكرة وقد تفرّقنا أيضا، فإذا فرّقتنا فليوم واحد نعود بعده معتذرين وباحثين عن الاعذار لبعضنا.
تأسست مدرسة البرادعة كأول مدرسة فرنسية-عربية في القرية، وكان الفرنسي بلنشار (blanchard) أول مدير يعيّن فيها خلافا للأمر المتعارف عليه، ففي زمن الاحتلال كانت الإدارة والتدريس يوكلان الى من يبني المدرسة فيما تتكفّل فرنسا بصرف راتب شهري له. أما هذه المدرسة فقد تبرّع بأرضها المرحوم خليفة سعيد. وقد أمدتنا السيدة نعيمة العمري مديرة المدرسة والسّيد الحبيب الهمّامي مشكورين بصورة لدفتر قسم السّنة التحضيرية للمدرسة محررا بتاريخ 14 أكتوبر سنة 1936 من طرف المدير ومعلّم التحضيرية السيد بلنشار مع ملخص للنّصوص القانونية المنظمة لكيفية الاحتفاظ به للمناداة والأعداد. وبدفتر السّنة الثانية التي يتولى تدريس تلاميذها السيد إبراهيم حمودة. ويرجح أن تكون المدرسة قد فتحت أبوابها سنة 1934.
|
صورة 5: دفتر القسم سنة 1936-1937 |
وقد استقينا من الدّفتر قائمة التلاميذ المسجّلين في السّنة المدرسية 1936-1937.وما شدّ انتباهنا هو ورود اسم أوّل فتاة تدخل المدرسة في البرادعة وهي حَمِيدة حّمودة واسمها في العائلة زهرة. أما بقية التلاميذ فنورد أسماءهم حسب الترتيب الابجدي: بشير حمودة، بلقاسم حاج مفتاح، حمودة الحمروني، حَمِيدة (زهرة) حمودة، سالم ملايلي، سالم النباح، سالم بن فرحات، الشافعي بن سالم، صالح الحمروني، صالح حمودة، صالح رحومة، الصياح حمزة، عبد الله السافي(علي)، عبد المجيد الشريف، العلواني رجب، علي العياط، علي عبد الله، عمران النباح، العيادي معروف، محمد السلامي، محمد حسن، محمد سعيد، محمد صالح العياط، محمد ناصر الطرابلسي، محمود إبراهيم، الهادي الشوباني، الهادي بن فرحات.
هي مدرسة كبيرة تفتح على طريق رئيسي يربط بين سيدي علوان والبرادعة. لها هندسة معمارية جميلة تشدّ النّاظر اليها بطول شبابيكها وعرض جدرانها. أما في الدّاخل فساحة تتوسّطها خصّة تحيط بفسقية لجمع الماء. تشتغل الفسقية بمضخة يدوية تدفع الماء عبر انابيب نحو منزل السّيد المدير ونحو مطبخ المدرسة.
على الباب الخارجي للمدرسة قطعة رخام كبيرة كتب عليها اسم المدرسة باللغة الفرنسية (ECOLE DE BRAADA) وكان يقصد مدرسة البرادعة ولا البراعدة. ظل هذا الخطأ واضحا ولم يتجرّأ أحد على إصلاحه إلا بعد ثمانين سنة تقريبا.
في أيامنا المدرسية الأولى كنا ننتظم على فوجين حسب البرنامج الذي سطّره لنا السيد محمد بن صالح مدير المدرسة، رجل أنيق يشبه في وقفته ومشيته وفي حمرة وجنتيه الرّجل الافرنجي. ورغم لطفه البادي على وجهه فإنّنا كنّا نهابه منذ ان تحرّكت اقدامنا في المدرسة بل كنّا نخاف أن يلتحق بنا في الحي ليرى إن كنّا نضيع الوقت في اللّعب وليستمع الى أمّهاتنا يشتكين له هرجنا وقلة اعتنائنا بدروسنا. نشأنا على الخوف من المدرّس وقادنا هذا الخوف الى التشبّت بالدّراسة. لم أدر من رافقني الى المدرسة في أوّل يوم، الثّابت أن لا أمي ولا أبي أضاع يومه في مرافقتي. ولعلّني ذهبت مع أطفال الحيّ. كل ما أذكره أن السّيد المدير أرجأ التحاق فصلنا بالمدرسة الى حين تكون القاعة حديثة البناء جاهزة. كان ذلك شهرين بعد دخول الأقسام الأخرى.
|
صورة 6: مدرسة البرادعة في الستينات يمين الصورة علي سعيد والثالث على اليمين عمر النعاس والثاني على اليسار محمد بن صالح |
تفطّن معلّمي محمد السّعداوي الى أنني تلميذ غير عادي فكان يشجّعني تشجيعا لا مثيل له وكان كثيرا ما يمنحني هدية كلما أجبت على سؤال صعب أو أحسنت القراءة. الهدايا كانت في أغلب الأحيان ريشة او لوحة أو قطعة صابون معطّر أو علبة معجون لتلميع الحذاء وكنت أخجل من هذه الهدية ولا أستطيع ردّها على معلّمي لأنني لا ألبس حذاء لا في الصيف ولا في الشّتاء بل صندلا من البلاستيك، فكنت أبيع علبة المعجون الى العم برندو وأشتري بثمنها خبزة وسكرا او أي شيء يصلح للأكل. كنت أشعر طوال السّنة انني التّلميذ المدلّل من طرف معلّمي وكذلك من السّيد المدير ولم أكن أخجل من الفقر فآتي باكرا لاصطفّ مع بقيّة التلاميذ أمام السّيد علي سعيد (علي بو شنّة)، طبّاخ المدرسة، لآخذ كوب من الحليب السّاخن الحلو. ولعلّ أجمل ذكريات التلاميذ قد تعلّقت بهذا الكوب السّحري. إنه الحليب الذي يصل الى مدرستنا دقيقا في علب صفراء ناصعة كتب عليها: هدية، لا يباع. لم يمنعني العم علي أبدا من تناول كوب الحليب لكنّه لم يسمح لي الا مرة واحدة طيلة السّنة الأولى من تناول وجبة غداء في مطعم المدرسة. هذه الوجبات مخصّصة للتلاميذ الذين يقطنون أبعد مني وخاصة أولئك الذين يأتون مشيا على الاقدام من الرشارشة.
في نهاية السنة الأولى فاجأني معلمي محمد السعداوي بأن أمرني بعدم الخروج وبالانتظار في القسم فامتثلت خائفا مرتعدا. وكذلك فعل مع تلميذة من قسم اخر هي زهرة الشوباني. بقينا معا في القاعة حتى دخل علينا السيد محمد بن صالح ومعه المنجي خنفير، مدرّس زهرة. أخذوا مكانهم الى جانبنا على طاولات وأمرني معلمي بالوقوف أمام السّبّورة وطلب منّي أن أقرأ بصوت مرتفع نصّا من كتاب القراءة للسّنة الثالثة كان قد حمله معه. ثم أملى عليّ السيد المدير بعض الكلمات بالعربية وبالفرنسية مثل papa، bien، mal، devoir وأملى عليّ فقرة من درس عنوانه: محمّد وأبوه. ثم طلب مني أن أكتب مليون ففعلتها بالأرقام وبلسان القلم.
بعد أيام تسلّمت دفتر الامتحانات فقرأت ملاحظة السّيّد المدير: يرتقي مباشرة الى السّنة الثّالثة. لم أعر المسألة اهتماما كبيرا لكنني رأيت الفرحة كبيرة في عيني أمي وعلى فم أبي.
وفي المدرسة كنت أتنافس على المركز الأول مع بعض من أصدقائي مثل زهرة الشوباني ومحمد الشمّاري وعبد الله التريكي وكنت في كلّ الأحيان أفوز بالمرتبة الأولى.
كنا لا نملك أقلاما ولا طبشورا ولا نشتري الا المخلاة. في الحقيقة تخيطها لنا أمهاتنا بأيديهنّ من أطمار الملابس المهملة وقد تقتضي قِطعُ القماش أن تكون المخلاة بألوان متعدّدة لكنّها زاهية في نظرنا. كان التعليم مجانيا ومتوزّعا بالعدل بين التلاميذ إذ قلّما يشتري تلميذ كتابا من ثلاثة كتب كنا نعتمدها كتاب القراءة وكتاب اللغة الفرنسية وآخر للحساب. وفي آخر كل سنة نعيد الكتب الى السيد المدير ليسلّمها بدوره الى تلاميذ السّنة الموالية وكان يوصينا دائما بالمحافظة عليها فلا نكتب فيها شيئا ولا نحلّيها بأية رسوم. وكنّا نعول كثيرا على الدّرس الذي نتلقاه في القسم وعلى بعض المراجعات في العشيّة. أما إذا نزل الظلام فتمشي كتبنا الى النّوم لأن ضوء الفوانيس البترولية لا يساعد على القراءة وثمن الشّمع لا يقدر عليه جميع النّاس وقلّما يوفّره العم محمود الهلالي صاحب الدكّان الوحيد في الحي، ولهذا الرّجل فضائل كبيرة على السكّان، فهو يوفّر الضّروريات، كالملح والسّكّر والشّاي والبترول والتّبغ ولفافاته والنّفّة والفحم وأشياء قليلة أخرى. ويقوم بعمليّات مقايضة تضاعف ربحه فيشتري من الحرفاء ما يعرضون عليه مثل البيض والشعير وغير ذلك مقابل بعض الموادّ. وكان يتولّى حلاقة الأطفال أيضا قبل عودتهم إلى المدرسة، وكان يخصّص لكل عائلة صفحة من كرّاس البيع مع تأجيل الدّفع بالرّغم عن شعار كتبه على ورق من الكرتون وعلّقه مقابل الباب: الكريدي لا، لكنّه لم ينفّذ شعاره هذا خوفا من هرب الحرفاء بالرّبح وبرأس المال إلى عطّار آخر وفي آخر كل منتصف الشّهر (الكانزة) يحمل كرّاسه ويسبق عمّال الحضيرة إلى مكان الاستخلاص، يقف غير بعيد عنهم منتظرا أن يتقاضى العامل "الشّومير" أجرته ليمرّ أمامه فيدفع ما عليه من دين ويأمر العم محمود بفسخ القديم وبفتح صفحة جديدة. وقد لا يمرّ الا يوم واحد أو يومان حتى يشرع من جديد في تعمير الصّفحة الجديدة وهكذا يدور الجرّار.
وكان لدور الحضيرة شأن كبير في المجتمع القروي في البرادعة، ولعله يتشابه مع بقية القرى أيضا، فالعمل في الحضيرة مضبوط بنظام الافواج ولا يمكن لأي كان أن يفوز بشهر متواصل من العمل الا إذا كان من أقارب الشيخ او من الطّارقين على أبواب المعتمدية المفتوحة على الرشاوى العينية خاصة (زيت أو عسل أو لوز الخ) لأن السّيد المعتمد كان بمثابة الوالي بل أكثر اطلاعا على ما يجري في القرى وانه لا يتوانى على ترسيم أسماء وهمية أو موتى في الحضيرة تتسرّب أجورهم من تحت الملفات وتبيت في جيوبه. أما ما زاد عن الأجر كالفرينة أو علب السّردين أو الزّيت النّباتي (زيت الحاكم) فيأمر بتوزيعه على العمد وعلى اذيالهم. والغريب أن الجميع على علم بهذه الأمور ولكنهم يتعاملون بقاعدة: كول ووكّل. اما عامّة النّاس فيعتبرون التكرّم على المعتمد (المسؤول) واجبا وطنيا. وكان أغلب العمّال يعانون من الامراض الساّرية في تلك الفترة رغم محاربة الدولة لها ونجاحها في القضاء على بعضها. وعلى سبيل الحجّة فإن معدّل الأمل في الحياة كان لا يتعدّى الخمسين عاما. لذلك عندما كبرت وجدت أكثر أندادي يتامى. وكان العمل في الحضائر هو بمثابة الشغل القار، يعود على صاحبه بأجرة تصرف له كل نصف شهر ومعها ما تيسّر من مواد استهلاكية أخرى. ونشير إلى أن هذا البرنامج كان ذا مردودية عالية ساهم بشكل كبير في تنمية المنطقة فشجّر الأراضي القاحلة وأحدث مزارع سقوية في ترجقة، وأنشأ الغابة المطلّة على البحر وجهر الممشى الذي يربط القرعة بالبحر أكثر من مرّة ولم تتوقّف أشغال الجهر نهائيا إلا بعد أن حدثت الكارثة، روى لنا الدكتور سالم سعيد الحادثة قال: في يوم 30 جوان من سنة 1960 ولمّا كنا بصدد تسلّم دفاترنا المدرسية وجوائزنا وصلنا خبر مفزع لم نقدّره ولكننا جرينا مع النّاس وصحنا معهم، قطعنا الكيلومترات الأربعة التي تفصل وسط البرادعة عن الممشى ونحن نتبادل الخوف والبكاء دون أن نفهم شيئا، وعندما وصلنا علمنا أن كتلة من الصّخور الطّفلية سقطت على الرجال فمات البعض و من بينهم جارنا المرحوم الهادي بن العلواني سعيد (العبروق) وهذا ما زاد من حزننا. وأصيب آخرون في الحادثة مثل عبد الحميد المانع الذي كسرت ساقه وذراعه اليمنى. وروى لي الدّكتور محمد السّافي الذي حضر الواقعة أيضا أن المكان شهد فاجعة أخرى تمثّلت في سقوط كتلة من التفزّة فماتت أم هاني من حومة السوافة، ولعلّ تكرّر الفاجعة جعل نساء القرية يدوّنّ الأحداث في أغنية ظللن يتداولنها في الأعراس إلى أن امّحت من الذّاكرة. تقول أغنية الشّومارا ويعني عامل الحضائر (chômeurs):
يا خدّامِ الشّومَارَى
يا خدّام الشّومارى عشرة ما قدّوش مرَا
تعدى حْيادي
فاتِ النجيلة وزاد شبْ لغَادي
وانا انَّادي
عيوني تراختْ بالعجاجْ وغبارَه
الحيْ وشَرعَه
ما ريتْشي مفطومْ ينسى ضَرعَه
نشق القَرعَه
ويعود خالي بيه تمْلا دارَه
يا خدّام الشّومارا...
ومن الصّدف ما يستأهل التّدوين ومن القصص ما يروى ومن الأغاني المحلّية ما يصلح لبناء التّاريخَ في ذاكرة النّاس. عبد الحميد المانع الذي أصيب في الممشى هو نفسه يصبح موضوع حادثة أخرى حظيَت بالاهتمام والغناء في المناسبات: ففي يوم من أيام جني الزيتون استضاف والده محمد المانع صديقا له (من عائلة حمزة المهدوية) كان في طريقه من الرّشارشة الى المهدية. تعشّى الضيف ونام في منزل صديقه محمد وعند طلوع الفجر ركب الرّجلان الكارة وأخذا مكانهما فوق أكياس الزيتون. وكان محمد المانع ينوي أن ينزل في قصور الساف ليشتري ملابس الختان لابنه عبد الحميد. وعلى بعد نصف كيلومتر من قصور الساف تمايلت الكارة بفعل كثرة الحفر في الطريق الترابي، ويقال أن محمد المانع قد أخذه النعاس فهوى، ووقعت رأسه تحت عجلة الكارة فتوفّي في الحين. وكما هو الحال في كلّ مناسبة ألّف حسين بن رجب السافي شاعر القرية قصيدة سرعان ما انتشرت بين النّساء وصارت تغنّى في كلّ المناسبات بإحساس وحزن عميقين، وكانت النّساء لا يخجلن من الغناء باكيات بل يعتبرن ذلك من مآثر الميت يعبّرن من خلاله عن التّعاطف مع أهله.
وقد حصلنا على بعض من هذه الأغنية من المرحومة ونيسة زوجة الحبيب المانع وأم البحري تقول:
بالله نوحِـــــي يا عينيَّ واذرفوا الدّمعَات
على حبيبي ليعزْ عليّ محمّد المانع ماتْ
***
نايْ راقِدْ وسمِـــعْت العِيطَة قالوا مْحمِّد المانعْ مات
قالـوا قِتْــــــلاتَه الكرِّيطـــَه طلـعْتْ نِجْري ونِلهَاتْ
حــــتّى صـــــبّاطي خَلِّــيته جريتْ على ليّ الشّقّات
كي وصلتْ لْوجْهَه وعرّيته لقيــــتْ الرّوح طفــَاتْ
***
نوحي يا روحي على سيدِكْ،
كان عشيرِكْ، كان ودِيدكْ،
الْخزْمة فُرْطِتْ من ايدك
وضيّعْت الخطواتْ
***
طلّي يا زينبْ، باباك ...
هاهو جابْ الكسوة وجاك
(والكسوة هي كسوة الختان التي كان سيشتريها المرحوم لابنه)
أربعة أيّام فقط تلخّص العام الدّراسي، أوّلها يوم العودة في غرّة أكتوبر من كلّ عام ثمّ يوم اختتام الثلاثي الأول والثاني وأهمّها اليوم الذي نتسلّم فيه الدّفاتر في أواخر شهر جوان وهو اليوم الوحيد الذي نترافق فيه عائدين الى منازلنا، يقودنا حبّ الاطّلاع وتهزّنا مشاعر مختلفة، فالبعض فرح والبعض حزين وقد لا يسلم الرّاسبون من العار والشّماتة ممّا يثير الغضب وحتى الاشتباك بالأيدي والرّمي بالحصى وقد يسيل الدّم لكنّنا نخفي هذه الأشياء خوفا من أمّهاتنا. فكنّا سرعان ما نسامح بعضنا بل ونخطّط معا لامتصاص غضب آباء الرّاسبين باختلاق أسباب لا يصدّقها عاقل ولكنّنا نتشبّث بها فإذا ما أكّدها الجميع زرعنا الشّك في الأولياء الغاضبين.
لا أحد يشكّ في أن مناهج التعليم التي وضعتها حكومة الاستقلال كانت ناجحة، أكّدت جدواها في خلق جيل بل أجيال من المفكّرين شكلوا نخبة ما بعد الاستقلال وقادوا البلاد في مجالات عديدة رغم ضعف الإمكانيات المتوفّرة. وكان لمجانية التعليم واجباريته دور مهمّ فنحن، في حيّ الحاج سعد نعيش الفقر ونمارسه في كل شيء إلا في التّعليم، نجح أغلبنا في تخطّي المرحلة الابتدائية وبعضنا حصل على شهادة البكالوريا وقليل منّا انتهى به المطاف الى اقتلاع الدّكتوراه. وقد شجّعنا التساوي العادل في الفقر على النّجاح. ولم يكن يفرّق بيننا الحسد بل العكس، كنّا نفخر بمن قدم فكرة جديدة أو كتب جملة بلغة سليمة أو بمن أجاب بذكاء على سؤال صعب. البعض مازال يذكّرني ببعض الكلمات التي كتبتها وعرضتها على معلّمي فأكّد أنها تشبه الشعر. وهذا ما جعلني أتساءل إن كنت شاعرا منذ ذلك الوقت دون أن أدري؟ مازال صديقي عبد الله التريكي يذكّرني، كلّما التقينا، بفقرة من إنشاء كتبتها بالفرنسية وأشاد بها معلّم الفرنسية المرحوم عبد الحميد الشتيوي، أما المناسبة فلم تكن درسا في الإنشاء ولا نسخا من كتاب آخر. كان يوما مشهودا كأنه يوم الحشر، استعدّ له تلاميذ الفوجين فتلاميذ الفترة الصّباحية لم يعودوا الى منازلهم واصطفّوا الى جانب سور المدرسة وخرج المعلّمون ووقفوا أمام الباب، الجميع في انتظار حدث ما، لم تكن زيارة وزير أو مسؤول رفيع في الدّولة فلم ترفع لافتة ترحيب واحدة ولم يحضر صاحب الطبلة والزكّار. كنّا نحسن اختلاس الكلام الطّائش فنمرّره من أذن الى أخرى ونزيد عليه ما سمح به الخيال. استطعنا ان نختطف من هنا وهناك ان سيّارة كبيرة، أكبر من شاحنة الباشي التي يركبها عامّة النّاس، ستصل من سيدي علوان وستقف أمام مدرستنا. وقال آخر إن أسطولا من السّيّارات سيفتتح الطّريق التّرابي الرّابط بين سيدي علوان والبحر وسيقف أمام مدرستنا. وظلّ الكلام يزداد ويتوالد بين الألسن حتى سمعنا أزيز محرّك يقترب من المدرسة فهجنا ومجنا وتعالت أصواتنا وكثر الصّياح والصّفير وملأنا الطّريق ولم يستطع العم علي، طبّاخ المدرسة، منعنا ولم يفلح المعلّمون في إبعادنا عن الطّريق، وفجأة أطلّ المدير فنفخ في صفّارته التي نعرف صوتها فنزل علينا جلباب الصّمت فجأة وازداد صوت المحرّك قوّة. وتسمّرنا في انتظار هذا المكوك الأرضي حتى أطلّ وجه الحافلة مسبوقا بأصوات متتالية للمنبّه كأنّها الزّغاريد وكأنّ الحافلة تدشّن خطّها الجديد بالفرحة. كان بالفعل يوما مشهودا استفقنا فيه على أن القرية أصبحت مرتبطة بالعالم الخارجي بشكل منتظم. إذ لم نعرف إلى حدّ ذلك التّاريخ أكثر من سيّارة أجرة للمرحوم صالح الدرويش أو سيارة خليفة مينو. وكانت بعض الشّاحنات الصّغيرة (الباشي) تتولّى نقل الرّكاب الى قصور السّاف المحطّة الأقرب لكلّ الاتّجاهات.
كان ذلك في بداية الستّينات وكان "المهندس" الشّاف المولدي جادّا في تعبيد الطّريق الرّابط بين البرادعة وقصور السّاف معوّلا على الحصى الرخامية الصّلبة التي يجمعها النّاس ويبيعونها الى أصحاب العربات فيحملونها بدورهم الى حيث وصلت الأشغال. وكنّا نتابع الجرّارات والآلات الثّقيلة بإعجاب شديد فنبطئ في العودة الى منازلنا.
على صعيد آخر، برزت مدرسة البرادعة بنتائجها الممتازة في امتحان السيزيام ومناظرة الشّهادة. يروي لي الدكتور محمد السّافي أن سنة 1963 مثلا شهدت حصول التّلميذ محمد علي الشّريف على جائزة ولاية سوسة في امتحان السيزيام وكانت ولاية سوسة تضمّ سوسة والمنستير والمهدية والقيروان وفي سنة 1964 تكرّرت الحكاية معه شخصيا. وعده مدير المدرسة بأنه سينوب المدرسة ويتسلّم الجائزة ثم سرعان ما نكث وعده وأعلمه عن طريق الكاتب العام للشّعبة الدستورية المعلم المرحوم عبد الله الحاج حسين بأن التلميذة زهرة الشّوباني (ابنة رئيس الشّعبة) اختيرت للمهمّة وكانت آنذاك في السّنة الثّالثة او الرّابعة. وعلم التلاميذ وغضبوا وأحسّوا بالإهانة وتجمهر بعضهم ومنهم الصّحبي زهمول والمختار نوير ومحمد السّافي نفسه، أحدثوا بلبلة أمام المدرسة ورشقوا منزل المدير بالحجارة. ونادى المعلّم محمد السّعدواي السّافي فأمره بالكفّ عن احداث الشّغب ووعده بأن يمنحه جائزة أكثر قيمة من جائزة الولاية غير أن المعلّميْن سالم الزقناني والمنجى خنفير هدّدا أمّ السّافي برفت ابنها من التّعليم. فاتّصلت بالمرحوم العلواني الحاج صالح (الخال) وكانت له حظوة عند إدارة المدرسة فأنهوا الموضوع.
تلاميذ المدرسة الابتدائية لا يعرفون الراحة مطلقا ففي ساعات الفراغ كانوا يتجمعون على أكداس الحجارة في البطحاء المجاورة للمدرسة ليراجعوا دروسهم تحت رعاية وحراسة من أكبر التلاميذ في قسمهم.
جبل أهالي البرادعة منذ عهد على حبّ العطاء والمساهمة في كلّ ما يبني الصّالح العام وينجزه، فهم تبرّعوا بالأرض لبناء المسجد ولبناء المدرسة الكبرى ثم منحوا الأرض للبريد ليبني مركزه ولوزارة الشؤون الاجتماعية لبناء روضة ولوزارة الشباب والرّياضة لإقامة دار للشباب ولوزارة الداخلية لبناء مركز الحرس وللمجلس البلدي لبناء حيّ تجاريّ تتوسّطه السّوق الأسبوعيّة ويملأ واجهته قصر البلدية. وكان سكّان البرادعة قد فسحوا المجال واسعا أمام الطّريق فأتاحوا له فرصة ما كان يحلم بها ليتوسّع ويشقّ القرية. ويبدو أنّه الطريق الوحيد في الولاية الذي عبّدَ كلّيا بالحصى الرّخامية التي يرصّ بها بلاط المنازل عادة. ولعلّ هذا الكرم القديم سمح للبرادعة بأن تضع خططا مستقبلية تبني من خلالها مدينة عصريّة بدأت بهذا الطريق الشاسع الذي تمدّد من أوّل القرية وراح يزيل من أمامه تخوم التّين الشّوكي والصّبّار والأشجار والأشواك النّاشزة لتشيّد على جانبيه بنايات جديدة وتتفرع عنه طرق وأنهج تبشّر بنظام تهيئة حديث وتعطي للمدينة المستقبلية شكلا هندسيا جميلا عموده الفقري هذا الطّريق الممتدّ من الشمال الى الجنوب على طول خمسة كيلومترات كاملة، والذي يتوقّف في منتصفه ليشكّل دائرة كبيرة ستصبح فيما بعد قلب مدينة لا يوجد مثيل له في كامل الولاية فهو عبارة عن نقطة التقاء تنطلق منها جميع الاتجاهات: قصور السّاف، سيدي علوان، الرّشارشة، زردة، والشّابة. هذا الرّسم يمنح وسط البرادعة إمكانية كبيرة لصنع مدينة مستقبلية.
|
صورة 7: وسط البرادعة حديثا |
وصل الطّريق المعبّد اذن الى البرادعة في بداية السّتينات فوصلت معه حافلة النقل العمومي وبدأت أنسام الحضارة تهبّ علينا وبدأت البنية التحتية تتشكّل، فأزيح الشوك والزيتون من وسط القرية وانتصبت السّوق الأسبوعية وكان أول من افتتحها علي جابر الذي أصرّ على إقامتها فحمل صبيحة يوم سبت بعض الصناديق من الخضر: فلفل وطماطم وبطاطا وبصل ووضعها في الجهة المقابلة للمقهى. وراح يصيح على النّاس أن تعالوا الى السوق فأثمانها أخفّ. كان ذلك سنة 1962 تقريبا. وغاب حمار البيّاع الذي كان يأتي بالرّسائل البريدية فيضعها في دكان العم الهادي (برندو). تكفّلت الحافلة بهذا العمل فصارت تحمل البريد الى القرية وصرنا ننتظر سفرة منتصف النّهار التي تتوقّف أمام مكتب البريد فيطلّ مصطفى خصومة ليختطف من الخلاص رزمة الرّسائل فنترك كراسي المقهى ونحيط به صامتين مستمعين بانتباه شديد إليه وهو يقرأ على مسامعنا بصوته العالي أسماء المحظوظين أصحاب الرّسائل والحوالات. وقد يدفعنا التّطّفّل الى حشر أنوفنا في بعض الارساليات. المقهى الوحيد في البرادعة يديره العم عيفة، ذلك الرّجل الطّيب رحمه الله، كان يحبّ التّلاميذ حبّا جنونيّا وكان لا يشترط عليهم الاستهلاك مقابل جلوسهم في المقهى بل وقد يصبّ لنا قليلا من القهوة (فلتر) مجانا، إلا في حالة طلبنا منه أن يفتح المقهى فجرا لمشاهدة مقابلات محمد علي كلاي في الملاكمة. ففي هذه المرّات كان يشترط علينا استهلاك القهوة وقد يطالبنا بتناول أكثر من مشروب ويهدّدنا بغلق المقهى قبل انتهاء المقابلة. وكنّا نحترمه ونحبّه ولا نتحيّل عليه أبدا.
وأنا في السّنة الخامسة استشار المدير محمد بن صالح والدي في أن يمكّنني من اجتياز امتحان السيزيام في نهاية تلك السّنة ونبّهه إلى أنني لن أحصل على منحة المبيت فملفات طلبِها تعمَّر في منتصف السّنة الموالية. فرفض أبي واعتذر ومررت الى السّنة السّادسة. في بداية تلك السّنة أبهرنا معلّمنا المرحوم عمر النّعاس بصوته الجوهري حتّى صرنا نطلب منه في آخر كل حصّة أن يُسمعنا بعض الاناشيد وكان يستجيب لطلبنا دائما ولعلّ هذه الميزة قادته إلى أن ينهي مسيرته اماما خطيبا. للسّنة السادسة قيمة وحظوة عند التلاميذ والمعلّمين والاولياء، فهي سنة التحوّل من المدرسة الى معاهد المدن وقد تمهّد الحصول على شغل بالنّسبة للتلاميذ الذين يحصلون فقط على الشّهادة ويخفقون في السّيزيام. تبدأ الاستعدادات من أوّل السّنة. طلب منّا معلّمنا عمر النّعّاس أن نذهب الى المهدية جماعة ووجّهنا الى السّيد الهادي خواجة المصوّر المشهور ليأخذ لنا صورا شمسية حتّى نرفقها بملفّ الترشّح لمناظرة السيزيام. فتجمّعنا وركبنا الحافلة وكأننا في رحلة استكشافية لأن أكثرنا لم يعرف مدينة المهدية من قبل ولم يجرّب متعة ركوب الحافلة. يروي لي صديقي عبد الحميد سلامة أن أحد أقاربه حمله الى المهدية على قصبة دراجته الهوائية، مسافة 22 كلم ذهابا ومثلها إيابا، نصفها طريق ترابية قطعها عبد الحميد وهو يشد اتّزانه على قصبة الدرّاجة من أجل الصّورة الشمسية. ثم تكفّل معلمنا بإحضار الصّور. وكانت تلك السّنة سنة العزّ والدّلال والتّشجيع. كان مدرّسونا يدفعوننا دفعا الى النّجاح ويعدّون أنفسهم للتّفاخر بنا ولا يخفون خوفهم من فشل البعض.
وكان مدرّسي عبد الحميد الشتيوي لا ينقطع عن التأكيد على أنني سأكون شاعرا إذا ما واصلت على نفس المنهاج وكان يشجّعني على كتابة الشّعر بالفرنسيّة ومنحني جائزة قبل أن تنتهي السّنة الدّراسية. ما كنت أتصوّر أنني سأقرأ كتاب أزهار الشّر لشارل بودلار في تلك الصّائفة. فعلتها تقديرا للجائزة التي منحها لي معلّمي.
في تلك الفترة كنّا نجري امتحانين: امتحان الدّخول الى التعليم الثّانوي (السيزيام) وامتحان الشّهادة. فمن نجح في السّيزيام يتوفّر له خياران حسب عمره فإن كان عمره يسمح له بالتوجّه الى التعليم الثانوي الطويل يلتحق بأحد المعاهد الثانوية وان كان عمره يفوق الـ 15 سنة يتوجّه نحو التعليم الثانوي القصير أو الاعدادي. أما من أخفق في الحصول على السيزيام ونجح في نيل الشهادة فيلتحق بمدارس تكوين الحرس الوطني أو الشّرطة.
قبل يوم واحد من اجراء امتحان الشّهادة في مدرسة القشلة (سيدي مطير) في المهدية حملنا معنا قفافا جهّزتها لنا أمّهاتنا وملأنها بأنواع كثيرة من الأطعمة (زيت وكسرة وبيض وزيتون وبسيسة) وانتظرنا الحافلة في مركز البرادعة، كنا أقل من عشرة: أنا وأخي الهادي وحمادي الميزوري وحسن عمر وعبد الحميد لحول. التحق بنا عبد العزيز قعلول فقادنا الى منزل يسكنه أبوه وأنزلنا جميعا ضيوفا عليه لليلة واحدة.
كان اختبارا طريفا: نجلس فرادى ويتولّى المعلّم اختبارنا في الإملاء والضّرب والتّصوير أو القراءة. وينتهي كل شيء في الصّباح.
اما نتائج السيزيام فتنشر في الجرائد وتذاع على أمواج الإذاعة الوطنية فيسمعها الذين يمتلكون مذياعا ولم أكن منهم. انتظرت اليوم الموعود حتى وصل فتدبّرت الأمر وركبت درّاجة هوائية وانطلقت الى قصور السّاف لشراء جريدة. في منتصف الطّريق اعترضني محمد ابن عمي(لازور) على درّاجة هو أيضا. لم يكن يحمل جريدة معه ولكنّه صاح من بعيد: سكّارة يا ولد عمّي، لم تنجح، طلبت منه أن يوضّح لي وأن يخبرني بالنّاجحين من مدرستنا فلم يرغب في التّوقّف وواصل طريقه ودعاني الى العودة بإشارة من يده فلم أعد وواصلت في اتّجاه قصور السّاف مشدودا إلى كلام ابن عمّي ومدفوعا الى استجلاء الحقيقة. اقتنيت جريدة ورحت أبحث في العمود الذي نشرت فيه أسماء الناجحين من تلاميذ مدرستنا بحثت طويلا، أعدت القراءة، تركت الجريدة جانبا ثم لم أحتمل البقاء فعدت من جديد إلى العمود، كثيرون هم الذين نجحوا في نيل شهادة السيزيام عبد الحميد سلامة ومحمد حمزة ولطفي فرحات والسّلامي النّباح وعبد الله التريكي وزهرة الشّوباني وعبد الحميد لحول وحسن عامر والعربي بن عامر وآخرون نسيتهم. ستكون أكبر فضيحة في المدرسة: الأول فيها لم ينجح، سيكون وقع الفشل قاسما بل لعلّ التأويلات تطال المدير او المعلم، ولن تسكت الألسن. أخذت نفسا طويلا وعدت مرة أخرى لأتصفّح الخطوط خطّا خطّا...ياه...ما أغباني أبحث عن اسمي الذي نسيته، نعم، نسيت اسمي الجديد: المولدي فرّوج. لقد كان اسمي محمد عامر، منذ أن دخلت الى السّنة الأولى وأنا أحمل اسم اخي الذي مات قبل أن أولد. هي عادة متداولة في القرية: إذا مات صبيّ تنادي العائلة من يجيء بعده باسمه حتى لا تنسى الفقيد. أمّا الاسم المسجّل في دفاتر الحالة المدنية فهو المولدي وأما اللّقب العائلي فهو عامر غير أن الموظّف في المعتمدية اختطف لقب فرّوج الذي التصق بالعائلة بالتداول فدوّنه في آخر السّلسلة حتى صار الاسم الكامل المولدي بن علي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله عامر الفرّوج وأغلق الملفّ على هذا اللقب وبقي ملتصقا بي الى بداية التسعينات عندما تمّ اصلاحه. الاسم أمامي في وادي النّاجحين غير أن المولدي وردتْ في سطر والفرّوج وردت في السّطر الموالي. قفزت فرحا كمن انتشلته يد من الغرق. أعدت القراءة لأتأكّد من نجاحي. طويت الجريدة وركبت درّاجتي ولم أدر كيف التهمت المسافة التهاما. وجدت أمّي جالسة على عتبة البيت وقد نزل عليها رداء من الحزن سميك. لا بدّ أنها علمت. أعلمها "لازور" بأنني لم أنجح. أكّد لها ذلك، هو نفسه لم يتفطّن الى أنني صرت المولدي فرّوج ولم أعد "محمد عامر". صحت في وجهها: نجحت يا أمّي، نجحت فما لك حزينة؟ لم تصدّق المسكينة فرُحتُ أرجّها بقوّة وأصيح نجحت والله نجحت ورحمة محمّد. هي تعرف أنني لا أكذب إن أنا أقسمت برحمة محمد. وبدون مقدّمات أطلقت زغرودة كانت كافية لأن تجمع من حولها زوجة عمّي وجاراتها. أقدم أبي وبدون مقدّمات ولا أسئلة اختطف الخروف السّمين وذبحه. وفي اللّيل انتصب الحفل وحضر الغنّاية بدعوة من عمّي الهادي. ثلاث ليال ونحن على تلك الحال، العشاء والسّهرة وشرب الشّاي ومشروب الرّمان الأحمر واالرّوزاطة. وانتهت الليالي الثلاث بتقديم التّهاني. أمي فقط تتسلّم الهدايا وهي في أغلب الأحيان بعض نقود تدسّها النساء في كفّها فتحسبها وتخبّئها وقد تضيفها إلى الرّصيد السّابق لصاحبتها في انتظار أن تجيء فرصة التهنئة فتعيد الهدية-الدّين الى صاحبته.
تفرّق الجمع ولم يبق في المنزل من الضّيوف سوى عمّي، حمل معه برّاد الشّاي وجلس الى جانب أبي تحت المسقّف أمام البيت. وبعد أن أفرغ كأس الشّاي في فمه قال:
ــ اسمع يا علي خويا، نجح محمّد (وقصدني أنا ولم يقصد ابنه) وأنت في حاجة اليه، يجب أن ترتاح، لقد أكل النّاس صحّتك ولا بدّ أن ترتاح، يكفي ما قمت به ليكبر الأطفال. سأرى مع أبناء الرّجّيشي فربّما يقبلونه للعمل عندهم، مع ابني عبد الله.
صمت أبي وبقي واجما يلوك كلام عمّي ويتخيّر الكلام المناسب:
ــ لا تكلّف نفسك هذا الأمر، محمد ابني سيواصل تعليمه.
انتفض عمّي وقطع حديث أخيه الأكبر:
ــ لن تجد المال اللازم، فمصاريف الدّراسة كثيرة لن تقدر عليها.
قطع أبي الحديث بدوره بأن طلب من محدّثه أن يصبّ كأس الشّاي الأخير.
وبعد أن غادر عمّي المسقّف ناداني أبي وقال:
ــ أراك سمعت كلام عمّك، ستواصل تعليمك إلى أن نبيع سقف البيت ونبيت في العراء. سأتدبّر ملازمك وكل ما تحتاجه.
رأيت بعض الدّموع تتلألأ في عيني والدي. لم أتعوّد أبدا على مشاهدة دموع أبي فاحتضنته لأمنعه من البكاء ولكنّه غافلني وبكى. تركته وانصرفت مرتعشا ونمت باكيا من الفرح وباكيا من الحزن.
رافقتني أمّي غداة دخولي الى المعهد الثّانوي في المهدية. حملت معي حقيبة الأدباش والتحقنا بالمبيت المؤقّت وهو طابق علوي لمنزل خلف السقيفة الكحلاء، أعلمونا أننا سنقيم في هذا المكان في انتظار أن تنتهي الاشغال في مبيت المعهد، أحضروا الأسرّة بدون حشايا فافترش التلاميذ شيئا من أغراضهم وناموا. أمّا أنا فحملتني أمّي إلى الحاجة فاطمة التي تقيم صحبة زوجها في البرج الأثري بالمهدية حيث يتولّيان حراسته. قدّمتني أمّي لصديقتها وأوصتها برعايتي كلّما سمحت الظروف بذلك. وأوصتني بأن أقضّي عطلة نهاية الأسبوع عند الحاجة فاطمة فهي لم ترزق بأطفال. استأنست بي وأحبّتني ودللتني وصارت تدعوني إليها وتحضنني كما تحضن أي أمّ ابنها. صرت أشتاق إلى المبيت في البرج لأستمع الى صوت البحر وهو يلطم الصّخور والمقابر التي انتشرت بينها، وصرت مولعا بكتابة الشعر كلما سهرت على سيمفونية البحر.
لم نكن كثيرين في المعهد الثانوي بالمهدية في سنة افتتاحه، فالذين سبقونا الى التعليم الثّانوي درسوا في مدرسة ابن شرف بالمهدية وأغلبهم وجّهوا الى المنستير أمّا الذين جاؤوا من بعدنا فتوجّهوا الى المعهد الثانوي بقصور السّاف حديث البناء.
مرّ الوقت سريعا وجرّ وراءه السّنوات، نسيت خلالها قرية البرادعة وأهلها وصرت لا ألتقي مع الأصحاب الا في الصّيف. لأن عطل منتصف العام نستغلّها إما لمساعدة العائلة في جني الزيتون أو في رعي شياهنا وجمع الحشيش وتكويمه احتياطا.
|
صورة 8 : فريق الحي |
نسيت أن اذكّركم بأنّني عندما أتحدّث عن نفسي إنّما أنا أتحدث باسم الآخرين فنحن نتشابه وقد عشنا الحياة نفسها.
ومع بداية العطلة الصيّفية كنّا نتوجه إلى مكتب العمدة لنسجّل أسماءنا علّنا نظفر بنصف شهر(كانزة) من العمل في الحضائر. هو في الحقيقة عمل بسيط إما في تمشيط أشجار الزيتون وتنظيف حواشيها أو سقي بعض المزروعات من حول بئر "ترجقة" الذي يستعمل للرّي. وكنّا نتهافت لنيل فرصة العمل لكسب بعض المال نستعين به لشراء ملازم الدراسة. أذكر أنني بكيت أمام مكتب العمدة عندما لم أجد اسمي ضمن الفائزين بكانزة فناداني أحدهم وسألني: ابن من؟ نظر ذلك الرّجل الى العمدة وأشار اليه بتسجيل اسمي ففعل. وسمعته يقول: إنّه تلميذ ناجح، أبوه حدّثني عنه. ولم أكن أعرف إن كان الرّجل يعرفني بالفعل أم إنه رقّ لحالي.
|
صورة 9: 1967 ع.شاوش ،ب المانع وم الطيّب و فرّوج |
6 ــ الاستعمار والمشايخ والشيوخ
في البدء نوضح أن المقصود من المشايخ هم العمد والمقصود بالشيوخ هم شيوخ الطرق الدينية كالصوفية وحافظي الزّوايا. عملت فرنسا على استغلال الصنفين فجعلت من شيوخ الدين دعاة ترحيب بالاستعمار في الجزائر كما في تونس وما ظهور فرق السطنبالي الا ردة فعل عن موقف المبشرين بالاستعمار.
لم يكن التّاريخ صادقا مع أجيالنا حين أقفل الباب على كلّ ما يجلب الإساءة الى الأمة الإسلامية والعربية معا وتجاهل الحقائق التي رأى أجدادنا أنها لا تفيدنا في شيء بل ان الكذب على التّاريخ أكثر منها فائدة. وطُلِب منّا أن نقدّر الأسلاف بجهلهم وحقدهم وأخطائهم ونطيع أحاديثهم أحياء وميتين ونصرّ على أنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان. وإذا كانت أخطاؤهم واضحة فعلينا أن نبحث لهم عن أعذار.
وتختلف المفاهيم وتكثر المواقف بخصوص دور المشايخ ودور الذين انخرطوا في الشعب الدستورية التي تكوّنت بعد الاستقلال. ذلك ان البعض يعتبرون أنفسهم قد أفادوا قراهم ومدنهم وساهموا في بنائها بينما يعتبرهم آخرون وصوليين وانتهازيّين بل وخونة حصلوا على امتيازات لأنفسهم ولم تستفد منهم قراهم قيد أنملة. فهم خدموا المستعمر ثم الحزب الحاكم ولم ينفعوا بل انتفعوا فلا يمكن أن نعتبر العضوية في الشُّعب الدستورية مكسبا لأي منطقة لأنها في نهاية الأمر خلية يستفيد منها الحزب الحاكم سياسيا ومادّيا أيضا، يأخذ منها ولا يمنح أهلها شيئا. وأنا هنا لا أضع نفسي موضع الحكم ولا المقيّم وإنّما أروي سيرة المكان وأهله وللقارئ أن يعمل العقل. وهذه الحكاية قد بدأت من هنا بإيجابيّاتها وسلبياتها.
كان تعيين المشايخ يخضع للأمر العلي الصادر في 30 جانفي 1905 والذي يحدد طريقة اختيار الشيوخ اذ تجتمع جماعة أعيان المشيخة بحضور الخليفة أو الكاهية وينتخبون 3 أفراد من بين المترشّحين. تعرض أسماؤهم على السلط المحلية (القايد والمراقب المدني) ثم ترسل قائمة المترشحين الى المقيم العام مرفقة ببطاقات ارشادات حول كل مترشح وبالضمانات (أي قائمات الضامنين وقيمة ممتلكاتهم ونوعها بالنسبة إلى كل مترشّح)
يكلّف الشيخ بخمس مهام أساسية هي (4):
1ــ الوساطة بين جماعته والسلطة الجهوية والمركزية.
2ــ مهمّة الإخبار لفائدة السلطة الجهوية والمركزية بإعلام القايد والخليفة والكاهية أولا بكلّ ما يطرأ داخل تراب مشيخته
3ــ مهمة استخلاص الجبائية والضرائب
4ــ ضبط الحالة المدنية.
5ــ دعوة الشبان الى القرعة العسكرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(4) مشايخ التراب للأستاذ كمال جرفال ندوة مجلة القلعة 2014).
توضيح
عندما أصدرنا النسخة الأولى من كتاب "البرادعة سيرة المكان" التي اعتبرناها نسخة تجريبية لامنا البعض واتهمنا بأننا تحاملنا على المرحوم الشيخ الطّيب الشّوباني بل وافترينا عليه كذبا وبهتانا. نقول لهؤلاء إن المرحوم الشيخ الطيب شخصية عامة مهمّة وكان محلّ جدل ونحن لم نتحدّث مطلقا
عن شؤونه الخاصة وحاولنا مرارا أن نتغافل عن بعض الجوانب التي رأينا أنها نسيء اليه فلم أذكر ظلما كان قد سلّطه على والدي حتى لا "نشخص" الأمور. لكن التّاريخ هو التاريخ، لا يرضى التّزييف ولا يقبل التّحريف وهو أمانة على أعناقنا. حرصنا على إيصال هذه الأمانة فعدنا الى الأرشيف الوطني أكثر من مرّة فوجدنا 198 كاملة وثيقة تهتم بالشيخ الطيب ما يعني أن الرجل كان بالفعل شخصية عامة وهامّة. كيف لا وهو الشيخ الذي ظل على رأس مشيخة البرادعة لأطول فترة قبل الاستقلال وبعده. اذ حكمها لمدّة 27 سنة تزيد: من 30 ماي 1927 الى 8 جوان 1954 تاريخ اغتياله. وبطبيعة الحال لا يمكن لأي كان أن يحكم طوال هذه المدّة دون ارتكاب أخطاء ومظالم ودون أن يتعرّض الى اتهامات وشكاوى. نعرض فيما يلي قصّة البرادعة مع المشايخ كما وجدناها في دفاتر الأرشيف الوطني:
ــ الوثيقة رقم 3 بتاريخ 4 اوت 1908: يتفق أعيان البرادعة على اختيار فرج بن محمد بن فرج مسلّم شيخا عليها، لكنه اعتذر عن القيام بالمهمّة بعد أن وعد.
ــ الوثيقة رقم 8 بتاريخ 25 أوت 1908 يتحوّل الاختيار على العلواني بن صالح بلحاج علي حمزة.
ــ تولّى المشيخة حمودة بن حمودة وعلي بن بلقاسم بن حمودة حسب أمر محمد الناصر باشا من سنة 1913 الى سنة 1918.
|
صورة :10 وثيقة تعيين الشيخ علي بن حمودة |
ــ بعدها تولى المشيخة حمودة بن حسين حسب وثيقة 22 الى16 جويلية 1925 حيث عزل و وقع تغييره:
- ثم جاء دور حسين بلحاج خليفة بلحاج مفتاح في جويلية 1925 حسب الوثيقة رقم 23 لكن هذا الشيخ لم يطع أوامر فرنسا فوقع عزله بعد ان اعترض على أعوان الجندرمة الذين أرادوا حجز بندقية صيد من أحد المواطنين فعزل بتاريخ 13 جانفي 1927 حسب الوثيقة رقم 150 من دفاتر الأرشيف الوطني.
|
صورة :11 وثيقة عزل الشيخ حسين |
وبداية من هذا التاريخ دخلت البرادعة في منعرج متقلب حيث ترشح الى المشيخة سنة 1927 كل من: الطيب بن محمود الشوباني وسالم بن سعيد بلحاج إبراهيم حسب الوثيقة رقم 7 بتاريخ 13 ماي 1927وصالح بن علي بلحاج معروف. انحاز كاهية قصور الساف الى الطيب الشوباني. ووجدنا في بطاقة الارشادات المحررة في 11 ماي 1927 ان سالم بلحاج إبراهيم يفوق منافسه في الممتلكات وفي درجة العلم فالشوباني المولود سنة 1892 يجهل الكتابة والقراءة ولا تتعدّى ممتلكاته 27 ألف فرنك. الا أن أباه محمود الشوباني شغل خطة عدل في سيدي علوان الى حدود 1909 وإنه شارك في الحرب الى جانب عسكر فرنسا وحصل على وسام الحرب ولذلك فقد وقع الاختيار عليه شيخا على البرادعة في 30 ماي 1927 (وثيقة رقم 9)
وأكّد لنا الحاج عيسى الشّوباني أن ممتلكات الشيخ الطيب كانت بالفعل قليلة لم تشجّع الفرنسيّين على تعيينه شيخا مما دفع أباه الى بيعه عشرين من أصول الزّيتون ليزيد في ممتلكاته. وما إن تسلّم المشيخة حتى بادر بشراء 100 هكتار من الأرض ضمّ اليها 600 هكتارا من أملاك البائع (؟) وبمرور الوقت أصبح يمتلك نصف غابة البرادعة تقريبا.
|
صورة :12 بطاقة ارشادات |
تعرض الشيخ الطيب الى اتهامات عديدة وحررت ضده شكاوى كثيرة منها:
ــ وثيقة 18 مؤرخة في 23 سبتمبر 1933 فحواها شكاية رفعها المقطوف الحمروني والعلواني بلحاج احمد وحسين بن علي التريكي واخرون ضد الشيخ الطيب لأنه لم يتخذ موقفا من الحاج علي بلحاج عبد السلام الذي ادعى في خطبة أنه أفضل ما خلق الله وأفضل من الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وعوض ان يساندهم عمد الى سجن خمسين نفرا منهم في مخزن غير لائق.) ملاحظة في هذه الوثيقة فقط ذكر اسم شيخ العالية(
ــ وثيقة رقم 38 مؤرخة في 16 جوان 1926 (قبل ان يتسلّم الشيخ الطيب المشيخة رسميا) شكوى رفعها حسن بن بلقاسم الذي سجنه الشيخ يومين لأنه تهجم لفظيا على محمد بن إبراهيم الصغير وعيّره بكونه مشوّه حرب.
ــ وثيقة رقم 68 بتاريخ 15 ماي 1945 شكوى ضدّ الشيخ الطيب مرفوعة من طرف الامام الخطيب عبد الله بلحاج حميدة يتهمه فيها بارتكاب عدة مظالم.
ــ وثيقة رقم 94 بتاريخ 18 ديسمبر 1945 يتهم فيها مواطنون من البرادعة الشيخ الطيب بفساد عملية انتخاب مجلس المشيخة (الشرطية).
ــ وثيقة رقم 96 بتاريخ 25 مارس 1946 وفيها يتهم مواطنون من البرادعة ومنهم عبد الله بلحاح حميدة الشيخ الطيب بتدليس نتائج انتخاب مجلس المشيخة.
ــ وثيقة رقم 97 مؤرخة في 30 جويلية 1945 رفعها مواطنون ضدّ الشيخ الطيب يتّهمونه فيها بتعيين مجلس الشرطية الجديد دون انتخاب ودون اعلام المجلس القديم وبانه اختار أعضاءه من ذوي السوابق مثل محمد بن علي كرشود الذي اثار غارة على اللاجئين في فترة الاحتلال (انظر لاحقا) ومنهم من اتّهم بالتجارة في السوق الأسود (الدخان)
ــ وثيقة رقم 99 بتاريخ 30 جانفي 1953 شكوى مؤيدة بملف ضدّ الشيخ الطّيب بتهمة الاضرار بأملاك الغير مرفوعة لدى المقيم العام مع احترام التسلسل الإداري.
|
صورة: 13 شكوى ضد الشيخ الطيب |
هدده الفلاقة بالقتل ونفذوا فيه تهديدهم فاغتالوه رميا بالرّصاص في سيدي علوان في يوم سوق وأمام النّاس، حدث ذلك يوم 8 جوان 1954 على يد مجموعة حسن التّلّيسي. وأمّا من أطلق الرّصاص فهو بن مزلّم حسب ما روى لنا عيسى الشوباني مضيفا أن هذا الأخير قام بكثير من الاغتيالات وعمليات القتل وآخر ضحاياه ابنه. سجنته السلطة الفرنسية الى أن مرض وفقد البصر فأفرجت عنه ليموت بعد خروجه من السّجن. تُرِك الشّيخ الطّيب ملقى على الأرض حتّى جاء أهله فحملوه ودفنوه بجانب منزله بأمر من التليسي.
أما تكريمه من طرف المقيم العام فقد تمّ في 6 جانفي 1955.
والشيخ الطيب، رحمه الله، كان ككل المشايخ قد جعل لنفسه خدما في شكل "صبايحية" صغار يتولّون جمع الضّرائب. نذكر منهم المرحوم علي المانع، المسمّى "خديم الشيخ"، كان الخديم يركب حصانه ويقصد المواطن المطالب بدفع المجبى، فان امتنع يربطه من يديه الى سرج الحصان ويأمره بالمشي خببا حتّى يصل به سجن الشيخ (ماكينة التريكي) فيودعه هناك إلى أن يجيء أهله فيدفعوا الضريبة والكفالة.
|
صورة 14: نظير من الشكاوى ضد الشيخ الطيب |
بقيت البرادعة دون شيخ حتى اضطر اعيان القرية الى امضاء عريضة رشحوا فيها محمد بن المقطوف بن بريك الشوباني الى منصب المشيخة. أمضي على العريضة الكاتب العام لنقابة الفلاحة ورئيس الشعبة الدستورية وأعضاء من الشعبة مثل الحبيب المانع وعبد الملك بن سالم بن سعيد والعلواني بن عثمان وحسونة بن حسن السافي وغيرهم. وكان ردّ الوزارة سريعا غير أنها عيّنت العلواني بن صالح بلحاج علي شيخا على البرادعة. وتتالت الأسماء الشيخ فرج بن عبد القادر فالشيخ عبد المجيد الشريف وعبد الله مسلم وعثمان االقرزون وتوفيق لحول والمولدي الشوباني وفتحي الخنيسي وحلمي الصغيّر.
ومن عادة الشيوخ في تلك الفترة وفي كامل الايالة التونسية أن يبتزّوا المواطنين ويجبروهم على دفع 100 فرنك كاملة مقابل الاعفاء من التجنيد (تماما مثل التعيينات الفردية) في عسكر فرنسا واستطاعوا أن يجمعوا أموالا كثيرة يدفعون قسطا منها للمستعمر ليثبّتهم في مناصبهم. ووضعوا أيديهم على ما استطاعوا من زياتين ومن أوقاف عزيزة عثمانة جاء في كتاب أوقاف عزيزة عثمانة للدكتور الشيباني بن بلغيث" عندما خصّت المحبّسة عروش المثاليث بامتيازات لم يتمتّع بها غيرهم في المغارسة والمساقاة استأثر المشايخ بآلاف الزياتين.
والغريب في الأمر أن الشّيخ الطيب الشّوباني ابن الفقيه محمود الشّوباني كان لا يحسن القراءة ولا الكتابة بالفرنسية لذلك فقد بادر بتعيين الشاعر حسين بن رجب السّافي كاتبا خاصّا له. حسين بن رجب السافي أوّل شعراء البرادعة اشتهر بهجائه السّاخر لكلّ من يقيم حفلا أو زردة، وكان يفرض على صاحب العرس أن يستدعيه ليهجوه أمام النّاس فإن لم يفعل قال فيه هجاء لاذعا وتكون التّهمة ثابتة ومدعّمة. وكانت حياة هذا الشاعر بدورها حافلة بالأحداث التي تشدّ الناس وتعطي شهادة صادقة عن حال البلد. يعلم الجميع أن العالم عاش أزمة اقتصادية بدأت سنة 1936، كانت الشّعلة التي أوقدت الحرب العالميّة الثّانية. شاعرنا لم يهمل الحدث فكتب قصيدته الشهيرة: عام ستة بعد ثلاثين وظلّ النّاس يتداولونها إلى اليوم، مما يقول فيها:
ردّوا الاخبار.... قالوا هَانا في لَدْراك
جماعة بدّار...... قالولي قتلْها البرَّاك
الخِدمة قُدمار.... لا ثمّة هاتْ ولا هاك
ما تسْمعْ جار .... ولا ثمْ خوك ولا بابَاك
غلّوا الأسْعار.... شعير وقمح وهكذاك
يا بو الأزْهار...شِدَّه عندك هَونُه جاك
خالف بيمين.... مالميَّة يسيّب عشرين
عام ستّة بعد ثلاثين يا مُسْتمعين
الأُمة جِملَة مَدرُوكين...
بنات الفَميلة...تِمشي حفاية عالكَيَّاس
بعدْ التِّبْديلَة... ونيسْ وخلخالْ ومِقياسْ
ولاتْ ذليلة... مَكشوفة قُدّام النّاس
لابْسَة جرْتيلة تقولش جَرْدْ متاع حلاسْ
في نهارْ وليلة رجليهم ولّتْ مقباسْ
حمرْ منفُوخين ما صابوشي بيهم وينْ....
اعتمدنا على قصائد للشّاعر في تحديد تواريخ بعض الأحداث التي عاشتها القرية، وقد روى لنا ذلك ابن أخيه المرحوم الفرحاني. وأكّده الدّكتور محمد السافي وأضاف أن شاعرنا كان مهتمّا كثيرا بالواقع وبالوقائع التي تدور من حوله فكان بمثابة المثقف العضوي الذي لا يترك مأتما ولا عرسا دون الكتابة عنه ارتجالا او صناعة، وكان يلقّب باسم شيخ الشّباب لأنّه كثير التردّد على حانوت برغل حيث يسهر مع الشّبان وكان يمتعهم بأشعاره وبغنائه ويحظى بمحبّة وتقدير كبيرين خلافا لعرفه العمدة الذي كان يتنقّل مصحوبا بالحماية وكانت علاقة الشّاعر طيبة جدا مع بعض يهود كانوا يقطنون في حي السوافة ويتبادلون المحبة والاحترام مع بقية النّاس.
ولد الشاعر حسين بن رجب السّافي في سنة 1889 وتعلّم القراءة والكتابة في الزّوايا. وفي 1928 انخرط في الحزب الحرّ الدّستوري التونسي قبل أن يصبح اسمه الحزب الحرّ الدّستوري الجديد سنة 1934، وساهم في تأسيس أوّل شعبة دستورية في الجهة في ثلاثينات القرن الماضي مع الرحوم صالح الدرويش صاحب سيّارة أجرة (لواج) والمرحوم المقطوف كرشود الذي يعتبر شيخ المناضلين الدّستوريين في البرادعة فهو الذي استقبل الزّعيم بورقيبة وخبّأه في منزله ومكّنه من القاء خطبة من على برميل من الحديد أمام زاوية سيدي عبد السلام في وسط البرادعة (ذكرناه في البداية). وأثناء القاء الخطبة كان بعض من الجندرمة واقفين قريبا فتقدّم السيد بلانشار، مدير مدرسة البرادعة وراح يترجم خطاب بورقيبة للفرنسيين ترجمة مغلوطة حتى لا يثير غضبهم. وعندما كان المرحوم المقطوف كرشود يجهّز الحصان لبورقيبة عضّه الحصان من ذراعه عضّة بالغة فوضع قميصه ضمادة على الجرح وأصرّ على ابعاد بورقيبة والهرب به.
زار الزعيم بورقيبة قصر هلال في الستينات فذهب المقطوف كرشود لاستقباله واقترب منه وناداه: أنا متاع الحصان يا سي الحبيب، نسيتني فنظر اليه بورقيبة وردّ: هذي تتنسى؟ ومن ذلك الوقت أكرمه بإسناده جراية ظل يتمتّع بها طول حياته.
ومن المتناقضات أن يكون محمد كرشود أخ المقطوف على علاقة جيّدة مع عائلة الشوباني فتزوّج منهم المزوغية وكان يتظاهر بعدم الاهتمام بالشأن الوطني ويمارس الفروسية حتى قيل فيه:
كَرشودُ خــــــــلّوه يعيش عايــــشْ في غاَبِة رجّيش
غدَاه كِسْره، التِّرْدِيدة * عِيشْ*
والزّرْقَة * في الطّرْحْ صعيبة
***
ما يَكرَهش الي كَرهوهْ وما يَعْنى بلّي باعُوه
انسابه والمقطوف خُوهْ
ما سدّوشْ عليهْ زريبَة
(التّرديدة وجبة بين الغداء والعشاء، العيش هو عصيدة من دقيق الشعير والزرقة هي االفرس)
ومن ناحية أخرى كانت علاقة الشيخ الطيب بالشاعر حسين بن رجب طيبة رغم اختلاف الرجلين، فالشيخ الطيب عمل مع إدارة الاستعمار بينما كاتبه من أنصار بورقيبة وعضو شعبة دستورية. ولم يسلم الشّيخ الطّيب من هجاء كاتبه الشّاعر، فقد عيّره بأمّيته وبأنّه استطاع أن يحصل على المشيخة بالرّشاوى والهدايا والتزلّف للفرنسيّين. ووصفه بالعمى. وأمّا الخدم والقوّادون فقد اتّهمهم بالذّلّ وبالدّعارة. يقول في احدى قصائده:
عازِمْ مِتْحزِّم مسّقِّدْ
مِتْفقّد داخلْ بالوهْرَة .... جاي نْشوف الطّفلة زُهْرة
حتّى جُوني زوز بْناتْ.... ويغنوا ع الحِيوَانات
الشّيخ الأعْمى دار مْرايات... هُمّا يغنُّوا ونايْ نجرِّد
***
ورمضانة أمِّ الأتْرَام.... تِخدم في يْهودي غَشّام
كلْ يوم تزيد لقدّام .... تسوِّك وتكحّل بالمِرْود
قالت نفْعل كل حْرام... وما نُطلبْ صُبّة في مِزْود
عازمْ متحزّم مِسّقد
أوردنا هذه النماذج من الشّعر لنؤكّد على أن البرادعة عرفت باكرا حركة إبداعية جريئة سخرت من المستعمر وممن يمشي في ركابه.
غير أننا نستغرب كيف أن شاعرنا لم يؤرّخ حادثة "غورة اليهوديّ رغم أهمّيتها ففي سنة 1941 ولمّا كان أحد اليهود الأغنياء هاربا من سوسة في طريقه الى صفاقس، مرّ بالقرب من منزل محمد كرشود في آخر حومة من البرادعة، نزل عليه مجموعة من رجال الحيّ فسلبوه أمتعته (ملابس ومؤونة وذهب وغير ذلك). وكانت ردّة فعل المستعمر كبيرة وقاسية اذ هجم على أهل حي دار شوشان فحملهم نساء ورجالا الى السّجن وزاد فحمل بعضا من رجال حي الحاج سعد مثل محمد عامر(كازوز) والهادي الفرّوج. أمّا الشيخ الطّيب فكان يأمر خدمه بتفتيش المنازل ركنا ركنا لاسترجاع المسروق فغنم منه النصيب الأوفر.
ولقد عثرنا في الوثيقة رقم 97 في ملفات الأرشيف الوطني أن الذي قاد الاغارة على اليهودي هو محمد بن علي كرشود، صهر الشيخ الطيب. ولذلك جازاه الشيخ بالعضوية في "الشرطية" وكان من عادة المستعمر أن يثير اغارات الفقراء على الأغنياء حتى يتمكنوا من دفع ما عليهم من ضرائب.
عرش الشّوباني لم يتوقّف عند الشيخ الطّيب بل لعلّ هذا الأخير قد أساء الى أهله بالطريقة التي قتل بها. لقد أنتج رجالات عدّة برزوا في مختلف الميادين وكانوا أهل علم وجاه وتقدير من طرف المحتل وحتى بعد الاستقلال فمحمود الشوباني، كبير العدول في المنطقة كان يتولّى مهمّة عدل اشهاد في البرادعة وسيدي علوان والرشارشة والغضابنة مجمّعة. وليس غريبا اذن ان يتدرّج حسين ابن محمود الشوباني في التعليم الى أن يتخرج محاميا بل لعلّه أول المحامين في عمل المهدية (الولاية) وهذا الشيخ الطيب الشوباني يسلم "ّشهادة مدرسية" بخطّ يد كاتبه الشاعر مفادها أن حسين بن محمود الشوباني كان من أهل العفّة والصلاح في جامع الزيتونة. مؤكّدا على حسن سيرته. ولم تنفع هذه الشّهادة في توقيف المحامي عن العمل ولا في صنع نهاية سعيدة لهذا المحامي فأصيب بمرض عقلاني وصل به الى صفع القاضي أثناء مرافعة في المحكمة فعوقب. ويذكر أنّه كان رسّاما مبدعا. ومن عرش الشوباني برز أيضا النّاصر الشوباني في ميدان الصّحة العسكرية والعلواني الذي اهتمّ بالمحاماة ومحمد بالفلاحة والطّاهر بالتّعليم وامتدّ المشعل إلى أبنائهم فنجحوا في ارتقاء السّلم الاجتماعي بالدّراسة. ولا بدّ أن نحكي عن محمّد الشّوباني الذي عرفته رئيسا للشّعبة الدّستورية، تولاها لسنين عديدة. وكان صديقا حميما لنا معشر الشباب، يجالسنا في المقهى ويحبّنا رغم اختلافنا سياسيّا. كان الصّورة الدّالة على الحزبيين بأشكالهم وأصنافهم وكان يستجلب عمّال الحضائر وسكّان الغابة ويحملهم كما تحمل النّعاج على الجرّارت يوم انتخاب أعضاء الشعبة ليفوز دائما، وكان بهذا يضرب مثلا للسّياسي الماهر الذي يفوز بأصوات الفقراء والأغبياء وبأموال الأغنياء ليصرفها في ضيافة الوزراء. فتذبح الخرفان فدية للشّعبة وتزغرد النّساء فرحات مسرورات بهذا الجاه والحظوة التي نزلت على رؤوس أعضاء الهيئة (أعضاء الشّعبة الدّستورية يسمّون أنفسهم أعضاء الهيئة).
|
صورة :15 شهادة في حسن السيرة |
حتّى صار المسؤولون الجهويون لا يعترفون بالبرادعة الا من خلال هذه الضّيافات التي يقدمها لهم محمّد الشوباني. وصاروا يعملون على تثبيت اسمه عند أهله في القرية وعلى الرّفع من منزلته بينهم وهم لا يعصون له طلبا إذا قدّمه في اجتماع ولا يعصون له أمرا. وكان بعضهم يحتاط من الإساءة اليه تحاشيا لما قد يسبّبه له من حرج إن هو رفع أمره الى السّلط العليا، لقد فعلها مرّة مع أحمد القديدي مدير جريدة العمل الناطقة باسم الحزب الاشتراكي الدّستوري حين اشتكاه الى الأمين العام للحزب رغم علاقة النّسب التي تربط بينه وبين القديدي كان ذلك على إثر افتتاحية في الجريدة كتبها القديدي وشبّه فيها الشّوباني بالمسمار الصّدئ الذي يريد أن يستولي على المجلس البلدي بالتدليس رغم أن الجميع يدرك كيف تتمّ العملية الانتخابية الصّورية داخل الشعبة. ذكر لي عبد المجيد أحمد أنه أشرف على مكتب انتخابات تشريعية، وبعد عملية الفرز تبيّن لهم أنّ نسبة الحزب الحاكم من الأصوات فاقت المائة بالمائة.
وفسّر لنا المرحوم الفرحاني أنهم أدلوا ببعض الأصوات نيابة عن أصحابها خوفا من أن يدنّس الصّندوق بأصوات الشّيعيّون (يقصد الشيوعيّون) أمثال ابن أخي محمد وكان يقصد محمد السّافي أو محمد ولد علي عبد الله (أنا) والبحري ابن الحبيب المانع والعتروس. هذا نظير من الانتخابات "الدّيمقراطية" التي كانت تتمّ في كامل الجمهورية.
مرّة أخرى يناصر نور الدين حشاد والي المهدية الشّوباني أمام النّاس. حدث ذلك عندما أشرف حشاد على مؤتمر شعبة البرادعة (1976-1978). كان الاجتماع ساخنا والحضور غفيرا. ردّ الوالي على مواطن اشتكى من تصرف محمد الشوباني بأن قال له: صبّ على رأسك سطلا من الماء حتّي تشفى من مشكلتك مع السيّد رئيس الشعبة.
هكذا كانت السّلطة تعامل الذين يعارضون محمد الشوباني باعتباره الممثّل الشّرعي والوحيد للبرادعة عند الحزب الحاكم. وقد توارث عرش الشوباني هذا الجاه. وكان المرحوم محمد الشوباني يحظى بمحبّة كبيرة وكان يجلس معنا نحن الشّبّان ليشاركنا لعب الورق (belote) ويحترمنا فنحترمه ولا نتكلّم في السّياسة مطلقا. وكأننا نعترف باختلافنا ولا نتحرّج ولا نكنّ لبعضنا عداوة، على الأقلّ ظاهريّا، وهذه ميزة أخرى عرفناها في البرادعة، ترانا نتجادل كالأعداء فإن أشرف أحدنا على الوقوع في الضّرر نسينا اختلافنا وناصرناه باعتباره ابن البرادعة، حتّى أن المرحوم محمد الشوباني فاتحني في موضوع خلافه مع أحمد القديدي وطلب مني أن أرفع المسألة إلى جريدة الرأي. ثم تدبّر الأمر مع الأمين العام للحزب.
وفي الحقيقة فان عرش الشوباني كان يضمّ عرشين: الغني المناصر للسّلطة والفقير الذي تعتبره السلطة معارضا لها ولهذا السّبب عاقبت السّلطة عائلة العلواني بن بوعزيز الشوباني (السّردوك) سنة 2005 فلم تكرّمها كأفضل عائلة محدودة الدّخل نجح أبناؤها السّتّة في دراستهم الجامعية ثلاثة منهم بشهادة دكتوراه. وفضّلت عليها عائلة المرحوم الهادي الصّغير مدير المدرسة المتقاعد وعضو الشعبة التّجمعية.
عرفت البرادعة اهتماما بالتعليم كبيرا رغم الفقر وضيق الحال. وكان النّاس يتعاونون ويتقاسمون تكاليف الدراسة.
العلواني فرج البدوي من عائلة بسيطة في البداوة التحق بجامع الزيتونة في تونس لمواصلة تعليمه، كان أهل الحيّ يجمعون له المؤونة ليحملها معه في كل موسم دراسي. أتمّ تعليمه بهذه المساعدات كأنّه ابن الحيّ بأكمله. وعيّن مدرّسا في بنزرت وأنجب عشرة اطفال. كان يزور البرادعة في كل عطلة مدرسية. وكنّا نرحّب بالسّيارة أكثر من ترحيبنا بالعائلة ونعجب بطريقة تشغيلها بالكنرك (manivelle). وصرنا نحفظ رقمها المنجمي 2222 تونس22. أصيبت السّيارة في حرب بنزرت برصاصة على ناصيتها فوق البلّور الأمامي وفتحت فجوة في السقف. لم يشأ صاحبها أن يغلقها وخيّر أن يتركها للذكرى. ويروى أن أحد أطفال المرحوم العلواني (الحبيب) قد سقط من السيّارة عند إصابتها فجرت اليه امرأة فرنسية وأخذته معها ثمّ أعادته الى عائلته بعد أسبوع.
يسير بنا المكان ويتوقّف في السّتينات. هذه العشرية شهدت في كل أنحاء العالم أحداثا مهمّة: ثورات هنا وانتفاضات هناك، انتشار الأيديولوجيا واشتداد التطاحن بين المعسكرين الشيوعي الشّرقي والرأسمالي الغربي وتفجّر الوضع في فلسطين بعد الاعتداء الثلاثي على مصر إثر تأميم قناة السويس، وحدثت انقلابات وثورات شعبيّة عمّقتها الطّبيعة بأن وزّعت الجفاف وفرضت المجاعة على كثير من الشعوب. شهدت تونس محاولة الانقلاب التي قادتها مجموعة من العسكريين والمدنيين يتقدمهم عبد العزيز العكرمي، ووقع فيها أيضا حل الحزب الشّيوعي التونسي متّهما بالمشاركة في الانقلاب، واندلعت حرب تحرير بنزرت وتزوّج الرئيس الحبيب بورقيبة من وسيلة بن عمّار وشهدت أيضا بداية تجربة التعاضد، وحلّ الجراد ومعه الجفاف الذي شمل البلاد كافة، فتمطّطت الطّوابير أمام مخازن ديوان الحبوب للفوز بكيلة من الشّعير أو الحنطة. وصار من الصّعب على العائلات الحصول على عُشُر لتر من زيت الصّوجا أو زيت اللّوح. وتحرّكت بعض الهمم في الشّباب فأعلنوا رفضهم لتلك الحالة وفتحوا لأنفسهم باب النّزوح إلى تونس العاصمة والتحقوا بمن سبقهم للإقامة في رادس وفي سيدي داود والمرسى وفي الحفصية حيث استقرّ أولاد اللَّص ومعروف وإبراهيم كرشود وغيرهم. اشتغل الشّباب في الدّكاكين وفي الشّوارع حيث كانوا ينتصبون لبيع النظّارات الشّمسية ومقصّات الأظافر وعجين تلميع الأحذية وأشياء صغيرة أخرى، ونشط بعض منهم في قطاع البناء واهتمّ علي البدوي واخوته بصنع الكنتول في سيدي داود وصار مقهى القيروان في نهج باب الجزيرة يعجّ بأبناء القرية القادمين منها والعائدين اليها وكلهم يركبون سيّارات الأجرة من محطّة: "قراج اللّوح" في نفس النّهج.
ولم يكتب لتجربة التعاضد أن تنجح رغم أنها جاءت كردّة فعل على الرّأسمالية الامبريالية فأيقظت أيديولوجيا البروليتارية. وقد وجدت في هذا الشكل من الاقتصاد التضامني وسيلة لتجميع النّاس حولها. الا أنّ كثيرا من العوامل الداخلية والخارجية عملت على إفشال التجربة وبثّت الشكوك في النّاس فأشيع بينهم أن الدولة ماضية في افتكاك أرزاقهم وتجميعها تحت جناحها فباعوا حيواناتهم وقطعوا أشجار الزيتون وجعلوها فحما. والدي لم يشذّ عن القاعدة فقطع زيتوناته وباع ما يملك من شياه بأرخص الاثمان؛ نزل سعر الشّاة إلى بعض المئات من الملّيمات. وأفرز الوضع في تلك الفترة تجّار المرحلة وأكثرهم من ألمسؤولين في الشعب الدستورية أو من العمد، كلّهم بدون استثناء استغلّوا الاشاعات واشتروا الأشجار والحيوانات بأبخس الأثمان مدّعين بأنّهم إنما ينفّذون أوامر السّلطة بتجميع الممتلكات في تعاضديات. ولم تقتنع أمّي بكل ما يدور من حولها واستبقت الأمر فجعلت تعتني بكل أشجار الزيتون التي اقتلعها والدي وباعها حطبا وكانت تحمل الماء على ظهرها لتسقي ما تفتّق من جذوعها المبتورة وتحمي الأغصان الخضراء اليانعة وتستعين بي في حمل المسحاة وفي جمع الاشواك لتقي بها شجيراتها من الضّرر.
وتنتهي فترة التّعاضد بفيضانات جرفت وهدّمت من حيّنا البيوت القديمة التي وجدها الوادي في طريقه من سيدي علوان ووادي باجة نحو القرعة وبوّابة البحر أي الممشى.
وحلّت مواسم الهجرة نحو الشّمال فنزح الرّجال مرغمين الى المدن الكبرى بحثا عن فرص العمل، واستقرّ كثير منهم في العاصمة. فخلت القرية من شبابها ولم يبق فيها الا العاجزون عن المغامرة. في الشتاء يرافق والدي بعضا من شباب الحيّ الى المهدية أو البقالطة ليعملوا في قطاع البناء، أما في الصّيف فيعود الى القرية ليجمع محاصيله من الشّعير أو القمح وينتهي به الوقت الى قطع الأحجار من الهنشير، الهضبة المطلّة على حيّنا. ليبيعها للجرّارات بأبخس الأثمان حتّى يوفّر لي مصاريف العودة الى المعهد. وكان يحرص دائما على أن يكون جهاز المبيت حاضرا حتّى لا أشعر بالفقر، كنت أقرأ في نظراته حرصه الكبير على نجاحي وكنت أفهم أنه لا يريد أن أشعر بالنقصان أمام زملائي. وقد أدركت هذا عندما رأيت بعض دموعه تسقط على خدّ عمّتي فائزة. كان يومها مارّا بسرعة بالقرب منها فاستوقفته وسألته عن سبب عجلته فقال لها إنّه لم يجد من يشتري الحجر ومحمد (يقصدني أنا) سيعود الى المعهد في العشيّة. صمتت عمّتي وقد صدمتها لهفة أبي ثمّ أسرعت ونزعت فردتي خلخالها ومدّتهما إليه:
ــ خذ يا سِيدِي، اذهب إلى م. محمود وخذ منه ما تريد وليبقِ الخلخال عنده رهنا. احتضنها أبي، وكنت أقترب منهما ببطء ولم أفهم شيئا غير أنّني لمحت بكاءه من بعيد. ومازلت الى يومنا هذا أشعر بالخجل من تلك الدموع فأبي لم يدّخر قطرة من عرقه. فلماذا يبكي؟
سار بنا الزّمان والمكان وبدأت البرادعة ترشّ شبابها ورجالها هنا وهناك وامتدّت أيادي الشبان لتطلب أيادي الفتيات من داخل البلاد وحتى من الخارج ونشأت أسر مختلطة ساعدت على إعطاء وجه آخر من المدنية ودخلت عادات أخرى سرعان ما تقبّلها المجتمع القروي.
أمّا على المستوى السّياسي فلم نسجّل أحداثا هامّة في تلك العشرية عدا توغّل الطغمة الدّستورية التي استغلت برنامج التعاضد وحالة الجفاف لتلتفّ على أملاك البسطاء وتلهف دوابّهم وأشجارهم. تمّ ذلك أحيانا بالزيتونة الواحدة أو بربعها وصارت الشاة تأكل أختها أي تباع ليتوفّر العلف للأخرى.
7 ــ مواسم الطيران
لم تكن فترة التعاضد سيئة على جميع المستويات بل وفّرت قفزة للفلاحة لم يكن الفلاحون الصّغار قادرين على القيام بها في غياب تدخّل الدّولة. فحفرت الآبار العميقة لسقي المزروعات والأشجار المثمرة فكان نصيب البرادعة حفر بئر"ترجقة " وربط القرية بقناة الماء الصالح للشّراب ووضعت حنفية عموميّة في وسط المركز تمهيدا لتوزيع القنوات على الاحياء.
وفي هذه الفترة أيضا بدأت الهجرة الى فرنسا، بدأت بالعمّال وسرعان ما التحق بهم الطلبة والتلاميذ فاستقبلوهم وفتحوا لهم الطريق نحو الدراسة مشجعين وصاروا يتقاسمون فترات الشغل. من الذين سبقوا وساعدوا الطلبة نذكر على الشوباني والعتروس وحمّودة وسالم مبارك. وما هي الا سنوات قليلة حتى بدأت بقرة فرنسا تدرّ حليبها وبدأت سماء الشمّال تنزّ وتنزل الفرنكات على رؤوس يتامى الفقر. وبدأ وجه القرية يتغيّر ببطء فنبتت مبان عصريّة وانتشرت في عدة أحياء. وصارت السيّارات ذات اللوحات المنجمية الأوروبية تجول طريق البرادعة الوسط وتدخل الاحياء فتستفزّ الشباب وتوقظ فيهم الرّغبة في الرّحيل حفاة مترجّلين.
بدأت سيرة المكان تأخذ مكانها في ذاكرة التّاريخ وبدأت الحياة تدبّ في البرادعة وتأخذ شكلا آخر وتعطي طعما ألذّ. لقد اعتاد النّاس في كلّ مكان تقريبا أن يماروا بعضهم.
وفي اعتقادي أن أحسن جيل أنجبته البرادعة هو جيل النّصف الثاني من القرن العشرين أي جيل الاستقلال وما يليه. هذا الجيل المخضرم عاش التّحول السّريع للقرية وجرّب مختلف الأنماط الحياتية فسكن في البداية في بيوت سقفها من أعواد الزيتون وعوّل على الوسائل التقليدية في الزراعة وتحويل المنتوجات الغذائية وتصبيرها ولم يعرف لا التلفزة ولا المذياع الا سنوات بعد الاستقلال ولم يضغط على زرّ الكهرباء بل أنار لياليه بالفانوس الذي يشتغل بالبترول الأزرق ولم يفتح الحنفية ليتدفّق منها الماء بل أخرجه من بطن الأرض أو من الفسقيات ولم يركب السيارة الا بعد أن ملّ من ركوب الحمير والكارات.
كنّا في المهدية، أنا وعبد الحميد سلامة وعبد الحميد لحول والعربي بن عامر ومحمد الميزوري واخرون نملأ الدّنيا نجاحا، ولم أدر كيف استرجعت من ذاكرتي كلمات سيدي عبد الحميد الشتيوي وتشجيعه لي وايمانه بأنني سأكون شاعرا فعدت الى قراءة زهور الشّر لبودلار وأعدت ترتيب ما كتبت وراجعته وزينته واضفت اليه بعض ما حفظت من الكلمات الجديدة فاستوى أمامي قصيدا بجسده الأبهى وقلت لنفسي: لماذا لا أسلّمه لأستاذة الفرنسية؟ وكانت من الأخوات اللائي ترسلهنّ الكنيسة للتّدريس في الدّول النّامية. كنّا نحبّها جميعا، الأخت سوتي (Melle Sautet) سلّمتها القصيدة. بعد أسبوع تقريبا نادتني وقبلتني وشجّعتني وطلبت منّي أن أقرأ القصيدة أمام زملائي ثم سلّمتني كرّاسها الشّخصي لأخطّ فيه ما كتبت ففعلت بكل سرور. ولم تخبرني بأنّها سلمت القصيدة إلى السّيد عمر سعيدان مدير المعهد الا بعد أن نشرها في مجلة السّراج التي كان يديرها ويطبعها في سوسة. كانت أول قصيدة تنشر لي.
Mon village
S’étalant au flanc d’une petite colline
Mon village, ce nid au cœur des oliviers
Et dans mon cœur il se dessine
Comme une étoile qui vient s’y étinceler
****
Bradàa , mon âme et ma mère que j’aime
Vient de m’allaiter de ses propres seins
L’amour de sa terre de ses hommes et femmes
Et de tous ceux qui au ciel tendent la main
****
Bradàa , que nous portons âme et foi
Nous lui serons fidèles éternellement
Et elle empruntera la meilleure voie
Tracée par la sueur de ses enfants
ثمّ صارت تناديني Monsieur de Bradaa بعد أن كانت تناديني المولدي الصّغير وكانت تحبّني حقّا.
ومع بداية السّبعينات سرت نسائم المدن الشّمالية واكتسحت عادات الغرب بلادنا وانخرطت قرية البرادعة في الحركة وتسارعت الأرجل نحو المستقبل وتزاحمت على سلّم الحضارة. نزح كثيرون وهاجر آخرون وشكّلوا صنفين من المهاجرين: الصّنف الأوّل تكوّن من عمّال البناء والحضائر والفلاحة وهم الذين انقطعوا عن التّعليم وانخرطوا مرغمين في سوق الشغل، هؤلاء ركبوا البحر وحطّوا رحالهم في صقلّية واشتغلوا في الفلاحة واستقرّوا هناك كوّنوا صداقات مع أبناء البلد الصّقلّيين ذي الطّباع والعادات المتشابهة، ما ساعد التونسيين عموما في الاندماج السّريع في المجتمع الطّلياني. قسم آخر من البرادعية من اليد العاملة المختصة الذين تخرّجوا من مدارس التّكوين المهني واصلوا طريقهم نحو شمال إيطاليا ووجدوا لهم شغلا في المعامل والمصانع وفي قطاع الطرقات والميكانيك وآخرون قادهم البحث عن حياة أفضل إلى ألمانيا وبلجيكا ولم يسلم بلد أوروبي من أقدام البرادعية. وسرت بين الناس إشاعة تقول أن إيطاليا ترحّب بالتونسيين ولا تشترط على البرادعية تأشيرة دخول بل تحضر لهم السّكن في عائلاتهم (وفي الحقيقة فإن البعض من الصقليين يسمحون للتونسيين بالسكن في المنازل التي يبتنونها من اللّوح خارج المدن، يهربون اليها عند الزلازل) فتهافت النّاس على استخراج جوازات السّفر، واستفاق الوسطاء في استخراج الجوازات مثل إبراهيم كرشود وعلي البدوي و الياباني وغيرهم حتى صار ثمن استخراج الجواز أضعاف ثمن التذاكر والاختام المطلوبة ولا أحد اشتكى من الرّشاوى ولا من التّسويف خوفا من أن يُضمّ اسمه الى قائمة الممنوعين من الحصول على الأخضر. وكثر عدد البرادعية الذين اختاروا الاستقرار في صقلية وصارت لا تخلو منهم مدينة. وقد وزّعوا شغلهم حسب الفصول وحسب تقلّبات الطّقس، بعضهم يشتغل في قطاع الصّيد البحري وبعض في الفلاحة وآخر في البناء واقتحموا التّجارة بأنواعها وتواجدوا في الأسواق الأسبوعية يبيعون الملابس والأواني وتجدهم مرة أخرى يبيعون الأسماك في السّوق البلدي. في فصل الصيف يلتحق التلاميذ والطّلبة بأهلهم في صقلية للفوز بأيام من الشّغل في جني العنب خاصة، ولا يعودون الى تونس الا بعد أن يقتسموا مع أهل البلد محاصيل الصائفة من الفلاحة وبعد ان يجمعوا ما يكفيهم سنة كاملة من مصاريف الدراسة.
الصّنف الثاني من المهاجرين ضمّ المتخرّجين من المعاهد الثانوية الذين لم يلتحقوا بالكلّيات في تونس وبعضا من الذين أتمّوا دراستهم الجامعية. هؤلاء فضّلوا السّفر الى فرنسا، تدفعهم أحلام الدّراسة وتتهيّأ لهم صور الشهادات العلمية فالتحقوا بكلية باريس 7حيث درس محمد السافي مثلا وباريس8(محمد الهمامي) و توزّع الطلبة البرادعية على بقية الجامعات الفرنسية في باريس ونانت ومونبيليي وغيرها، ولم يجدوا بدورهم صعوبة في البحث عن العلم والعمل، فقد احتضنهم أبناء القرية الذين سبقوا الى هناك للشّغل وكان محمد المانع قد بادر باستقبال القادمين من البرادعة الى فرنسا ثم جاء دور الاخرين ففتحوا شققهم على ضيقها للوافدين من بعدهم مثل محمد السّافي الذي ما إن حلّ في باريس حتّى بحث عن أبناء قريته فوجد عبد الله العلواني فأكرمه وأحسن ضيافته ثم دلّه على الهادي مفتاح (حمّاد) فتولّى مساعدته على الترسيم في الجامعة فنجح ونال الشّهائد الكبرى من الاجازة الى الدكتوراه ونذر نفسه بدوره لمساعدة الوافدين من البرادعة فقدّم لهم جميل الخدمات ومنهم الهادي سعيد الذي ساعده على استعادة جواز سفره المسحوب وسجّله في الكلّية. ودرج البحري المانع (الذي سنسمّيه فيما بعد الخزرجي) على نفس النهج فساعد القادمين من بعده على إيجاد العمل والسكن وكراسي الكلية. وهكذا حصل أغلبهم على شهادات علمية مكنتهم من الاندماج السّهل في المجتمع الفرنسيّ. يذكر المنصف العتروس أنّه انتقل من مرسيليا الى باريس صحبة صديقة له قدّمت له المساعدة اللازمة حتى التقى ببعض أصدقاء الدّراسة وبآخرين من البرادعية فشجعوه على مواصلة تعليمه رغم عدم حصوله ولو على الجزء الأول من الباكالوريا أي ما يعادل السنة الخامسة ثانوي. فوفّروا له دروسا ليلية أهّلته الى أن يشارك في امتحانات الدخول الى كلية باريس ـ دوفين التي كانت تسمح لغير الحاملين لشهادة البكالوريا بالتّرسيم فيها بعد نجاحهم في هذه الامتحانات. وتطوّع محمد السافي الى اجراء امتحانات اللغة (فرنسية وانجليزية) عوضا عن المنصف العتروس وتطوّع الطّاهر الصغيّر لإجراء امتحانات الرّياضيات، عندما رفض الهادي سعيد القيام بالمهمّة بعد وعده. ونجح المنصف في الامتحانات والتحق بالكلية وقضّى فيها 5 سنوات حصل على شهاداته. ثمّ شرع في اعداد أطروحة الدكتوراه تحت اشراف المهندس محسن بلحاج صالح غير انه لم ينهها لأسباب ثانوية أخرى.
وها هو عبد الرزاق حمزة المعروف باسم فرج يغادر تونس سنة 1979 وفي يديه شهادة بسيطة في التأهيل المهني (C.A.P) اختصاص كهرباء. استقبله ابن عمّه البحري المانع ووفّر له السّكن وساعده على مواصلة تعليمه فأحرز شهادة الباكالوريا ثم انخرط في الشغل وأنهى مسيرته بأن أنشأ شركة خاصة متعددة التّقنية ونذر نفسه بدوره لمساعدة الآخرين فوفّر الإقامة لذاكر النّعّاس ثم صار يستقبل الأطباء الوافدين على فرنسا لغاية القيام بتربصات فكان الدكتور ناصر بالحاج وعلى الهذيلي وعبد الوهاب مرجان وعلي ساسي.
وتكاثر أبناء البرادعة وصاروا يلتقون كل أسبوع في منزل أحد منهم فيتدارسون أوضاعهم ويتدبرون أمورهم. ويخوضون في السياسات التونسية والعالمية. وضمّت القائمة محمد السّافي والبحري المانع ومحمد الهمامي والهادي مفتاح وعثمان حمودة والمولدي حمودة ومحمد كرشود. وكانت تصلنا منهم الكتابات في السياسة وبعض الأموال لنساعد بها الطلبة غير الممنوحين. وسرعان ما غادرهم الهادي سعيد بقدوم حسن الجطلاوي.
وهذا عبد الحميد السّاحلي يحلّ في باريس سنة 1984 فيستقبله الحبيب البدوي الذي وفّر له السّكن قبل أن يقطن مع محمد الهمّامي أيضا وأمّا البحري المانع فكان عليه أن يساعد ابن بلده حميد السّاحلي في إيجاد شغل ونفّذ. ولعل المساعدة التي لقيها عبد الحميد السّاحلي من أبناء بلده زرعت فيه حماسا لمدّ يد المساعدة والمساهمة في جمع التّبرّعات لمرضى الكوفيد في تونس وللانخراط الى جانب البحري في الجمعية الفرنسية-التونسية للتضامن الصّحي Solidarité Franco Tunisienne de Santé ليوفّر العديد من الآلات الطّبّية الى الجهة. ثمّ بادر بإنشاء حساب على منصّة فيسبوك بتاريخ 2 افريل 2022 سمّاه nous entre ثم bradàa forever bradàa solidaritéو كلها فضاءات للمساعدة والمساهمة في العمل الاجتماعي ودعا اليه ذاكر النّعّاس وانخرط فيها عدّة شخصيات بردعية ووضع للمجموعة هدفا ساميا ألا وهو خدمة الآخرين. وبدأ فعلا في التحسيس للعمل الجماعي.
وحتى نأخذ فكرة عن حجم الكتلة البرادعية في باريس أحصينا من حي البداوة باعتباره من أصغر الاحياء 11 شابا كلهم درسوا في الجامعات الفرنسية وكانت تجاربهم موفقة جدا مثل محمد البدوي(فتاح) واخوته الحبيب والناصر ورضا فبعد أن حصلوا على شهائدهم الجامعية حتى حصلوا على شغل ومنهم من أنشأ شركة خدمات ونجح. كما أحصينا 128 مواطنا يعيش في خارج البلاد (أغلبهم في ايطاليا) مقابل 65 مواطنا فقط خيروا الاستقرار في الحي.
....................
ومع مرور الوقت تغيّر وجه البرادعة وخلقت المنازل الحديثة لأنفسها أنهجا وطرقات شاسعة لتفعل في المحيط ما فعل الطريق الرئيسي في القرية وتضع اللبنة الاولى لمثال التهيئة لمدينة ناشئة. ورجع بعض أبناء القرية بصفة نهائية إلى البرادعة فأسسوا مشاريعهم واستقرّوا بعائلاتهم. بين أهلهم من بينهم علي الشّوباني و عبد الرزاق الشّماري الذي أنشأ محطة بيع الوقود ( طوطال برج عريف ،المهدية) وحاز ثقة الناس فاشتهرت المحطة بحسن خدماتها وأقام محمد البدوي ( فتاح) معملا لتحويل العلف في غابة البرادعة ونجح هو بدوره نجاحا باهرا.
8 ــ السّوق الموازية بين البرادعة وايطاليا
يسير المكان كالتّاريخ على سكّة الجغرافيا ويتوقف أحيانا لا ليعطل نفسه وانما ليتخيّر لأقدامه موقعا. هي الجغرافيا تخفض أجنحة الذّل الى التّاريخ وهو التاريخ يتحول ليحرّك معه الجغرافيا وهي البرادعة موطنا ومواطنين تستعدّ لأن تقتحم ذاكرة التّاريخ وتحفر فيه مشيئة أهلها، نعم مشيئة الناس وهمّتهم تنفذ في الرّخام وتثبّت جذورها عميقا. أما الزمان فهو بداية السّبعينات التي أينعت من الارض اليباب واستفاقت فدفعت وراءها ستينات القتل والجفاف والجوع والكوارث التي فرضتها الطبيعة على النّاس انتقاما من الجميع بشرا وشجرا وحيوانات. انتهت الستينات على أنغام الموت وأَنشدت البلاد انشودة الحياة وكان لزاما على الحكومة ان تمنح الناس نفسا جديدا وفرصة تعيد من خلالها الأمل في تحسن معيشتهم والثقة في حكّامهم وأضاءت الطّريق لتستقبل به السّبعينات فكان الانفتاح الاقتصادي.
تزايد عدد المهاجرين من البرادعة الى إيطاليا وانتظمت بينهم معاملات عديدة ونشأت شبكات للعمل والتّجارة وانتصبت في الضّفّتين، واستطاع عمالنا بإيطاليا أن يحقّقوا ما عجزت عن تحقيقه الحكومات المتعاقبة في البلدين، والطّريف في الأمر أن العمّال بادروا بوضع مقاييس وضوابط لسوق المنتوجات وسوق العملة فالألف ليرة إيطالية لا يمكن أن تفوق ثلث الدينار التونسي عند الصّرف المباشر وقد تصل الى نصف الدينار عندما يقع استغلال العملة للتجارة في المواد المنزلية او في الأثاث. ويقدّر ثمن البيع لكل البضائع بثلاثة أضعاف ثمن الشّراء، فالبضاعة التي تشترى بدينار يجب أن تباع بثلاثة دنانير: واحد لرأس للمال وواحد للمصاريف العامّة وثالث للرّبح. وانتظمت سوق متكاملة أملتها الظّروف والحاجة. وكأن الغاية من هذه السوق هي المحافظة قدر الإمكان على أموال المجموعة وعدم تشتيتها خارج مسارها. تنتقل الأموال من يد الى أخرى والكلّ يربح. تبدأ الحلقة من إيطاليا وتتواصل في سلسلة متينة متكاملة قوامها الثقة والأمانة. وكلّ من تخوّل له نفسه الأمارة بالغش أكل أموال النّاس تأكله الألسن وتغلق في وجهه الأبواب بشمع الفضيحة وتمزيق العرض ونشره. تنطلق السّلسلة من النّقطة الصّفر: نحن في اليوم الأخير من العمل أو اليوم الأول من الخلاص. يتقاضى العامل في الفلاحة او في البناء أجرته كاملة من الطلياني، يستبقي ما يكفيه من تكاليف العيش ويذهب الى التاجر ابن البلد، الذي غالبا ما يكتري غرفة في الاوبارج في بالارمو أو في تراباني بالقرب من الميناء من حيث تنطلق البواخر في اتّجاه حلق الوادي، يفتح التّاجر غرفته لأبناء البلد ليشتروا ما يريدون من البضاعة. كان علي البدوي يوفّر السّلع للجميع وقد يمنحهم ما يشاؤون من بضاعة حتّى وإن أجّلوا الخلاص إلى ما بعد البيع في تونس، وكانت الثّقة عملة رائجة يتداولها البرادعية بينهم. ينزل العائدون الى تونس في ميناء حلق الوادي حيث تنشأ سوق ثانية عملتها الرّشوة والتّدخّلات، فأعوان الديوانة منتصبون بالمرصاد وقد يجبرونك على نزع حذائك الجديد لأنّك لم تذكره في قائمة البضاعة. وتشكّلت مجموعة من الوسطاء بين المسافرين وأعوان الديوانة، وصار الجميع يعرف أي المشروبات يفضل صاحب النقالة وصاحب الدفتر وصاحب الخرج. العنوان الوحيد الذي يعرفه الجميع هو أن تدفع قبل أن تجبر على الدّفع. فئة واحدة لا يهتم بها أعوان الديوانة هم الطلبة. هؤلاء يحظون باحترام كبير بل بتشجيع الاعوان لهم فلا يدخلونهم بيوت التفتيش ولا يكثرون من الأسئلة. يعرفون جيدا محدودية تجارتهم.
ينشط الوسطاء بين المسافرين العائدين ببضاعتهم الى الوطن وبين أعوان الدّيوانة وتنتهي غالبا بالاتّفاق والتّراضي وفي صمت وسرّية. الجميع يعرف الدّواليب ويمارسها وينخرط فيها ولكنّه لا يعرف بدايتها ولا الخيوط التي تديرها. كلّ شيء ينفّذ تحت شعار "سرّي للغاية" وفي بهو الديوانة يصطفّ أصحاب الشّاحنات الصّغرى (الباشي) في مشهد يوحي بأننا في محطّة نقل "لواج" يتدبّرون أمورهم مع الجميع، يقرضون العائدين المعاليم الموظّفة عليهم من طرف الديوانة، فيضمنون معلوم حملهم وبضاعتهم الى البرادعة. وتنطلق القافلة: شاحنة خلف أخرى يرافقهم الدّعاء لهم بالوصول سالمين متستّرين عن انظار شرطة المرور والحرس المتوثّب على الطّريق لافتكاك نصيبه، وان لم يكن عينا فعلب السجائر او قوارير الويسكي ولا تسلم حتى الشّكولاتة والتّفاح والموز وحلوى الأطفال وقد يغلق باب الرّشوة على أموال يدفعها صاحب الشّاحنة ويسترجعها من أصحاب البضاعة.
وبعد ان يؤمّن صاحب الباشي نقل العامل العائد يتّفق معه على ثمن البضاعة التي جلبها معه، ويخصم الأموال المصروفة (معاليم ديوانية ومعلوم نقل الرّاكب وبضاعته)، تتمّ هذه العملية على نسق مرّتين في الأسبوع حسب برنامج الرّحلات البحرية من بالارمو أو تراباني. ثمّ تنطلق رحلة العودة من البرادعة في اتّجاه العاصمة، ففي فجر يوم وصول الباخرة يحمل صاحب الشّاحنة البضاعة التي اشتراها الى حرفائه ويسلّمها لهم في منازلهم بعيدا عن أعين المراقبة. وقد يستغلّ الشاحنة كسيّارة أجرة فيّركب معه المسافرين الى صقلّية من جديد، هؤلاء ينزلهم في مقهى القيروان. ويركب الطلبة عند عودتهم الى كلّياتهم، وكان معلوم التنقل دينارا واحدا يتسلّمه صاحب الشّاحنة قبل أن يشغّل المحرّك. وهكذا يكسب الجميع وينتفع.
نشأت حركة موازية أخرى تسمّى "دور القعود" أي صغير الجمل. يتمثّل هذا الدّور في الآتي: يطلب من "القعود" السّفر الى إيطاليا على حساب أحد التّجار وغالبا ما يكون من أصحاب الشّاحنات. فيدفع له ثمن تذكرة الباخرة والإقامة والاعاشة. ويعود بكل البضاعة التي يتسلّمها من التّاجر المستقرّ في إيطاليا مع قائمة مفصّلة وبأثمان متّفق عليها بين الجميع. وعندما يعود القعود سالما غانما يعطيه عرفه أجرة الثلاثة أيام التي قضّاها في السّفر. وبرز في هذا الباب في البرادعة كل من: حسن حمزة ومحمد قعلول وعبد المجيد عسيلة ورمضان رويس والمنصف قعلول والاخوة البدوي وفرج المانع وعبد المجيد حمزة وآخرون. ومن الجانب الآخر نجد علي البدوي وأولاد العمّاري المموّلين الرئيسيين للسّلع.
ومن الطّبيعي أن تشرئبّ الأعناق وتستيقظ الأعين لتراقب هذه العمليّات وتجلب انتباه أعوان الدّيوانة الذين لم تهبّ عليهم رياح الرّشوة ولم تبلّلهم أمطار المزايا والهدايا فبدأ الهمس واللّمس والايعاز والإخبار. وفي الجهة الأخرى أيضا بدأت المزايدات بين العائلات في البرادعة وانتشرت النّميمة بين النّساء، وأثمر الحسد كثيرا من البغضاء والدّسائس والادّعاء وسرى داء التّوريط والتّشفّي وتكاثرت التّهم وانعدمت الثّقة في فترة ما، وتحرّكت روح الخوف في أنفس الأعوان فأصبحوا يتهرّبون من مراقبة بضاعة البرادعية حتّى لا يتّهموا بالتستّر على مخالفات زملائهم. وطلع الخبر سلّم المسؤوليات فأمر رؤساء المصالح بالقيام بحملات ضدّ كل جواز سفر يحمل الانتماء الى البرادعة وصاروا يحتجزون بضاعتهم ويفرضون عليهم معاليم مرتفعة ويطالبونهم أيضا برخص التّوريد والتّصدير في حركة تعجيزية. يذكر أنه وفي احدى المرات جاء الامر بتوقيف كل البرادعية العائدين من إيطاليا في مركز الأمن وحجز بضاعتهم. في تلك الليلة بالصدفة كان رئيس مركز الحرس الوطني بالبرادعة السّيد رمضان من العائدين من إيطاليا فاحتار عون الديوانة وأحرجه الأمر فالرّجل لم يكن أصيل البرادعة وقد لا يكون مستأجرا للقيام بمهمّة فلم يتجرّأ العون على توقيفه بل اكتفى بحجز بضاعته نكالة فيمن أرسله في خطة "قعود" رغم أنه لم يكن كذلك.
في نفس الليلة تمكّن عبد المجيد عسيلة من استباق الأوامر فتدبّر أمره واستطاع أن ينجو ببضاعته و"قعدانه وجماله" وبلغ أمره بعض المسؤولين فأوقفوا شريكه في السّفرة محمد القعلول وقادوه الى القرجاني. ولم تدم عملية البحث عن عبد المجيد فمن الغد وعندما جاء باحثا عن زميله التقطوه والحقوه الى غرفة الإيقاف. ولم تدم هذه الرّجّة طويلا حتى ألقي القبض مرة أخرى على عبد المجيد والهاشمي حمزة وكلفته هذه الضربة حجزا لوسيلة النقل (الباشي) لمدّة ثلاثة أشهر. لم تتوان الديوانة عن تتبّع التجّار فترسل خلفهم أعوانها ليستقدموا البضاعة من خفايا المنزل ومن الطّابونة ومن الفسقية اذا اقتضى البحث. ويقضّي التّاجر العقوبة ويدفع التخطئة من ذيل المرابيح كما يقول ويقوم من جديد. عبد المجيد عسيلة شكّل لوحده نموذجا ناجحا، وإن لم يكن الوحيد، قضّى مسيرة نجاح واضحة بدأها بالتّجارة وطوّرها بأعمال أخرى متنوّعة حتّى صار رجل أعمال محترم شعاره الثّقة والأمانة ومثله فعل النّاصر وحسن حمزة وغيرهم كثير. ولم تدم هذه الحالة من عدم الاستقرار طويلا حتى انسكبت أشعّة المحبّة ونزل غيث الودّ على التّجّار وعاد إليهم "شهد العقل" واتّضح للجميع أن لا فائدة في الإيقاع ببعضهم البعض بل الفائدة الكبرى في أن يحموا أنفسهم ويتصارحوا ويعملوا على إنقاذ بعضهم، وتمّ لهم ذلك بعد معاهدات شفويّة وقسم على الشّرف بأن يعملوا كلّ من جهته على الايقاع بأعوان الدّيوانة لتهديدهم وابعادهم. وتمّ لهم ذلك فصاروا يستعينون بكشّاف الطريق يسبق قافلة الباشي المحمّلة بالبضائع ويكشف لهم نقاط تواجد الدّوريّات ويبلغهم بالإشارة.
شكّلت تونس العاصمة في مرحلة من المراحل همزة وصل بين البرادعة وإيطاليا، يتوقّف فيها المهاجرون إمّا لاستخراج او لتجديد جواز السّفر أو لبيع بعض ما زاد على الحاجة. وكانوا يتجمّعون في مقهى القيروان ليتبادلوا الأخبار والتّوصيّات. أمّا من رغب في البحث عن المستقرّين في العاصمة فيزور ورشة حمّادي خصومة، تارزي في نهج سوق هراس في وسط العاصمة. هنالك يلتقي الموظفون أمثال النّاصر الشوباني والمولدي عامرو الياباني (بن إبراهيم) وحسن الجطلاوي (قبل هجرته الى فرنسا) والبشير حمزة. وبين هؤلاء وأولئك نشط بعضهم في صرف العملة والاقتراض بالرّهن والتعامل بالرّبا في أوضح صورة.
وسوف لن أنسى أن هذا المكان أنقذني يوم حاصرتنا الشّرطة (البوب) ونحن في مسيرة طلابية كانت انطلقت من باب الخضراء ومشت ضدّ اتّجاه السيّارات في نهج المنجي سليم، هنالك ومقابل ساحة محمد علي نزل علينا البوب وحاصرنا بهراواته وكلابه وسيّاراته. جعلت لي مخرجا بين الحوانيت حتّى دخلت أحدها وأنا أشد طفلا صغيرا أمام دهشة أمّه لتمويه البوليس. وما ان غادرت المغازة حتى أسرعت الى ورشة حمادي خصومة فأمر لي بصندويتش و تركني لأبيت في الورشة وانصرف.
انتعشت السّوق المالية في البرادعة ودبّ المال وتكاثر وتحرك قطاع البناء والفلاحة وعمّ الخير على السّكّان المحلّيين وانتعشت سوق اليد العاملة. وكان أوّل ما شدّ انتباهنا أنّ الشباب سعوا في البداية إلى استرجاع أشجار الزّيتون التي كان أجدادهم قد باعوها الى المهدويّين، وصار الملاكة المهادوية لا يجدون خدامة ولا خمّاسة ليعتنوا بأشجارهم بل لا يجدون حتى من يساعدهم على جني الزّيتون فأجبروا على بيعها بدءا بالمحاذية للعمران وصولا الى الغابة. ولعلّ التوقّف في هذه المسألة هامّ بالنّسبة للتّاريخ فالجميع يعرف أن ولاية المهدية بقيت متخلّفة عن بقية ولايات السّاحل رغم طول شواطئها وتنوّع مجالات التنمية فيها. يرجع هذا الى عقلية الاقطاع التي توارثها الفلاحون وعملوا على إدامتها طمعا في أن يطول لهم الجاه فرفضوا تحديث المدينة ووقفوا ضدّ إحداث نزل للسّياحة وضدّ كليات للتّعليم العالي ولم يسع وزراؤها الخمسة الذين تزامنوا في السّلطة على إقامة مصانع بل كان همّ الجميع الإبقاء على الطّابع الفلاحي للولاية والإبقاء عليها غابة زياتين لهم ومنتجعا يعودون اليه لقضاء العطل. وحاولوا بكلّ الطّرق أن يبقى سكّان الرّيف طوع أيديهم يشغّلونهم في حرث الأرض والاعتناء بأشجار الزيتون ويكلّفونهم بجني الصّابة مقابل أجر يحدّده نادي التّعارف الخاصّ، هذا النّادي المفتوح للخاصة الى سنة 2020، لا يسمح لمن دبّ وهبّ من العامّة بالدّخول اليه أو الجلوس ولو لتناول قهوة فيه، أسّسه أعيان المهدية ليديروا من خلاله الحياة العامّة للمدينة فيحدّدوا أجرة العمّال ويوصوا بعضهم بالخدّامة المعاقبين حتى لا يشغّلوهم، وكانوا يمارسون عليهم سلطة الاقطاع التي ورثوها بدورهم عن أجدادهم. أمّا كبار الفلاحين فكانوا يتحكّمون في رقاب النّاس وبطونهم، وكانوا يستغلّون الخدّامة في شؤون عدّة حتّى أنّ واحدا منهم اقترح على والدي أن يدخل بزوجته التي طلقها ثلاثا ليتمكن، شرعا، من الزّواج بها من جديد، لكنّ والدي رفض أن يمثل دور "التّيّاس" فوقع الاختيار على رجل ثان اسمه: ع. ز فدخل، رحمه الله، بالزوجة، وباتت عنده ورفضت العودة الى زوجها القديم وأنهت حياتها في الغابة مع زوجها.
وكانوا إذا استأجروا عمالا من الرّيف في حضائر البناء يستبْقونهم ما شاؤوا من الوقت، فاذا ما أصرّ أحدهم على طلب أجرته للعودة الى عائلته يسأله صاحب الحضيرة عن مجموع أيّام العمل وعن الأجرة كاملة ثم ينادي أحد الخدم فيحضر له لباسا بسيطا يبيعه إياه غصبا وبثمن مضاعف لثمنه.
روى لي صديقي عبد الحميد سلامة قال: كان أبي رمضان عمارة رحمه الله، على علاقة شغلية بواحد من الحمزاوات الذين يملكون زياتين كثيرة تحيط بحيّنا، ويبدو أنّ والدي كان مدينا له ببعض الأموال ولم يستطع دفع ما عليه أو لعلّه تأخّر كثيرا في الخلاص فبقي صاحب الدّين يترصّد والدي حتّى التقى به في السّوق الاسبوعية في المهدية، وكأنّه كان على علم بأنّ والدي سيحملني الى السّوق لشراء ما يلزمني من جهاز السّكن في المبيت، كان ذلك في أواخر صائفة 1968، كنت أمشي إلى جانب والدي وكانت أمّي خيرة وخالتي حبارة في رفقتنا. وكنت أحمل في يدي حقيبة من الكرطون المقوّى أفتحها كلّما اشترى والدي قطعة من الجهاز فأودعها فيها وأغلقها وأشدّها إليّ وأنا في قمّة الفرحة وكأنني أملك مغارة علي بابا أتنقّل بها مزهوّا بين النّاس. ولم نتفطّن إلى أن أحدهم كان يتبعنا ويترصّدنا. وعندما اكتملتْ الحقيبة نزل علينا رهط واختطفوها مني وحجزوها، حدثت جلبة وصارت فوضى وعراكا وصراخا وكانت خالتي تصيح بقوّة ولا تتوقف حتّى التفّ كثير من المتطفّلين والحزّازة وقدم البوليس وعاين حزني الشّديد على خسارة حقيبة جهازي الذي لن يسمح لي بالدّخول إلى مبيت المعهد بدونه. ولم أعرف كيف انتهت الحكاية إذ يبدو أن الشرطة أخذت على والدي التزاما بالخلاص.
كانت الهجرة قد ساهمت مساهمة كبيرة وأساسية في نهضة القرى وفتحت على شباب الرّيف باب الرّزق. فجلبوا معهم أموالا كثيرة وظّفوها وأحسنوا توظيفها في بناء مدينة عصرية وساعدوا بعضهم خصوصا في بداياتهم في الهجرة ونجحوا بفضل الثّقة التي اتّسموا بها في كلّ الميادين وسارعوا إلى شراء الأراضي والعقارات في المهدية في مشهد يثبت أن التّاريخ لا يعيد نفسه وإنّما يثأر لنفسه. وانقلبت الآية فأصبح الفلاح المهدوي يبيع الأرض التي ورثها عن أجداده في المهدية إلى شباب البرادعة ليقيموا فيها عقارات ويثبّتوا فيها أصولا تجارية وانخرطوا هكذا في الحركة الاقتصادية في المهدية فأفادوا واستفادوا.
وعلى المستوى الاجتماعي برزت ظواهر عديدة منها أن الشاب البرادعي يسعى قبل كل شيء الى بناء منزل منفرد قبل أن يتزوّج ونتيجة لهذا فإنّ الطّلاق بات نادر جدّا. والظّاهرة الثانية أن البرادعة أنتجت الكثير من الإطارات التي عملت في مفاصل الدولة او استقرّت في الخارج. والظاهرة الأخرى تتمثّل في أنّ النّساء يستبقين من البضاعة المورّدة من إيطاليا التّجهيزات الجميلة والثمينة لمنازلهنّ وخاصة إذا كانت بعض التّجهيزات قد تعرّضت أثناء النّقل لبعض الخدوش لا تكاد ترى غير أنّها تؤثّر على ثمنها تأثيرا كبيرا يشجّع صاحبها على ابقائها لنفسه.
مرة اغتاظ االبوليس الإيطالي في ميناء تراباني وغضب فأمر التونسيين بالوقوف في صفّ واحد فخالفه البرادعية وبقوا مع المسافرين الاخرين وأعاد الإيطالي أمره صائحا:
ــ tunisini qua (التونسيون من هنا)
فرد عليه بعضهم:
ــ noi berdyno e no tunisini
نحن بردعيون ولسنا تونسيين. فانطلت الحكاية على العون.
9 ــ عقرب الرّيح يتخلّى عن تتبّعنا
كنّا نستعدّ لاجتياز الجزء الأوّل من البكالوريا سنة 1971 وهو ما يعادل السّنة السّادسة من التّعليم الثانوي وجاءنا الخبر اليقين ليحطّ من عزائمنا ويصيبنا بالإحباط. التجأت الحكومة الى إعادة انتشار جيش الأقلام فبعد أن أخفقت في توجيه المنقطعين عن التّعليم وهم في سنّ مبكّرة نسبيّا لا تسمح لهم لا بالعمل ولا بالجندية، فكّرت وخرجت بقرار يقضي بتمطيط مدّة التعليم الثّانوي الطّويل بطبعه فأضافت اليه سنة سابعة واعتبرت الجزء الأول من البكالوريا هدية للدولة على اجتهادها وكان علينا اذن ان نرجئ فرحتنا بالباك الى سنة أخرى. وانا في تلك السّنة تعرضت لظلم كبير من أستاذ الرياضيات الفرنسي سيّء الذكر(Bauer) ظلمني منذ الدرس الأول من أجل ضحكة وتمادى في ظلمه ولم يكن بالإمكان لا الشّكوى بالأستاذ ولا حتى مجرّد الاحتجاج، قرارات الأستاذ لا يمكن رفضها من طرف التّلميذ وهي تعدّ في ذلك الوقت من المحرّمات حتّى وان كانت كل الحجج تدين الأستاذ، حتى وان كان ظلمه للتلميذ واضحا لا غبار عليه. كان هذا الأستاذ يصرّ على حرماني من النّجاح. في الوقت نفسه كانت أستاذة الفرنسية السيّدة توربان (Mme Turpin) متشدّدة خاصة في اسناد الاعداد على الانشاء. في الثلاثي الأخير أعطتنا موضوعين للامتحان واحدا من عندها وتركت لنا حرّية اختيار الثاني. فاخترت هذا الأخير وحررت رسالة خياليّة من تونسي الى صديقه الفرنسي يدعوه فيها الى زيارة العالية والاستمتاع بأحسن شاطئ في الدّنيا. وفي الحقيقة كانت الرّسالة شهادة محبّة ضمنيّة لتونس لذلك أشادت بها الأستاذة لأنها أصابت هدفين في نفس الوقت: الصداقة بين شباب العالم ومحبّة الموطن. وبما أن الموضوع كان حرّا فقد جعلتُه في شكل قصيدة "مضروبة بالسفود" في 16 عشر بيتا من الشعر الفرنسي الصّحيح.
Oh ! Si tu viendras, chez moi à Bradàa
Tu porteras le soleil au fond de tes bras
Tu verras les faisceaux de sa lumière
Dessiner des polygones dans la mer
Oh !si tu viendras mon cher
أعجبت الأستاذة بالقصيدة ومنحتني أكبر عدد في حياتها المهنيّة (حسب قولها) أي 16 من20 ونادتني لأكتب لها القصيدة في كرّاس ذكرياتها، وحدّثت عنها أستاذ العربية محمد علي الفهري الذي كان بدوره يشجعني على الكتابة والاعتناء بالشّعر العربيّ أيضا.
ورغم اعتراض بوير فإنني انتقلت الى السنة السّابعة دون اسعاف. وكانت مشكلتي قد تسببت في خلاف بين هذا الأستاذ واستاذة الفرنسية التي أشادت باجتهادي وأما أستاذ العربية فأشار الى الظلم الذي تعرضت اليه. ومثله فعل أستاذ الفيزياء فقال: أرى من الغرابة ان يكون التلميذ الأول في مادة الفيزياء هو التلميذ الأخير في الرّياضيات. ان في هذا الامر ما يدعو للشكّ. ويذكر ان بوير غضب مما وصله من تلميح وتجريح. ومن ذلك الوقت ساءت علاقته بالإدارة ولم يبق في تونس سوى سنة أخرى.
في تلك السّنة، صارت اللّخبطة عامّة في البلاد، تسبّبت فيها السّنة الاضافية وأصابت كثيرا من المعاهد فلم تجهّز القاعات الكافية ولا الإطار اللازم فكان أن وقع تحويل عشرة تلاميذ من المهدية الى معهد مساكن وكنت من بينهم وحصلنا على شهادة البكالوريا من السّنة الأولى. كنّا تقريبا سبعة من البرادعة اكثرنا في شعبة العلوم والرّياضيات.
نجحت انا وعبد الحميد سلامة ومحمد حمزة ومحمد مسلّم وحمادي الشماري والطاهر الوصيف وعبد الله التريكي وجميعنا من التّعليم العمومي إلا حمّادي الشماري الذي لم ييأس فبعد سنوات من المحاولة تدبّر خلالها شغلا تقدّم بصفة مترشّح حرّ ونجح ليعطي درسا في الإصرار والمثابرة.
في تلك السّنة الأولى من نظام الّسبع سنوات التي كنت ضمن فئران تجاربها كان النّاجحون يجرون امتحانا شفويّا. بعد أربعة أيّام من الإعلان عن النّتائج في الإذاعات وعلى أعمدة الصّحافة. شددنا الرّحال الى العاصمة. ولم أدر لأيّ سبب لم أنسّق مع بقيّة النّاجحين من الأصدقاء. ربّما أخذتنا هستيريا النّجاح أو ربّما خفنا أن يبعثر الامتحان الشفوي أحلامنا فالتزمنا بالمراجعة طيلة الأيام الثلاثة التي سبقت يوم الامتحان.
ركبت سيّارة الأجرة فأنزلتني في "قراج اللّوح" في نهج باب الجزيرة. لم أقصد مقهى القيروان كما يفعل البرادعية الاخرون، اليوم لست منهم. نزلت واتجهت شرقا، أعجبني نهج روسيا فمشيت، رأيت من بعيد ما يشبه محطة فقلت: لا بدّ أن أجد حافلة توصلني الى المدرسة الصّادقية. لم أتعوّد على ركوب التاكسي أو لعلّني كنت خائفا منه فقد يكون سائقه متحيّلا فيطوف بي في المدينة لتكون السّفرة مكلفة. ومن يدري لعل النّقود التي معي لا تكفي، وأخيرا وصلت الى محطّة برشلونة، قرأت اسمها على قطعة من النّحاس مثبّتة على جدار لبناية عالية. سألت الأوّل ثم الثّاني وثالثا وأخيرا توكّلت على الله واعتمدت على قدميّ: مضيت في النّهج الذي أشار اليه مرشدي الأخير ودخلت في المدينة العتيقة التي وصفها لي. وأخيرا وقفت أمام جامع الزّيتونة. كنت أسمع عنه الكثير من الكلام، معلّمي زيتوني ومدير مدرسة البرادعة وبعض من أساتذتي كلهم زيتونيون. سألت أوّل المارّين عن المدرسة الصّادقية، أشار بإصبعه: انها تلك التي أمامك. كنت على بعد أمتار قليلة من بابها، يفصلني الطّريق عنها، لم أشأ الاقتراب من بابها الخارجي وفضّلت التّركيز والنّظر في جمالها ودقّة هندستها. لا بدّ أن نترحّم على من أسسها منذ قرن تقريبا وهو خير الدّين التونسي، شكرا لك أيها الرّجل الوطني. أنا الآن في باب بنات سأمشي على اليمين في هذا الاتّجاه، مشيت وكنت أقرأ جميع الإشارات حتى وصلت ساحة باب سويقة، أخيرا وجدت نزلا: نزل العيّاشي. ياه...من لا يسمع بنزل العيّاشي؟ الوحيد الذي يتداول اسمه في البرادعة حتّى صار مضرب الامثال. وجدت الباب مفتوحا، عرفت فيما بعد أن كلّ النّزل تترك أبوابها مفتوحة في اللّيل والنّهار. في الصّباح أخذت الطريق مشيا على اليسار حتى وصلت.
انتظرت حتّى مثلت أمام لجنة من ثلاثة أساتذة وأجريت امتحان الشفاهي وفي العشية نودي علينا بمكبّر الصّوت من شبّاك في الطابق العلويّ وأعلمونا بأننا نجحنا. وما هي الا ساعة تقريبا حتّى تفرّق ذلك الجمع الغفير الذي جاء من أطراف البلاد ليتوّج نجاحه في البكالوريا.
ولم أكن وحدي ضحيّة التّغييرات في نظام التعليم الجامعي بل عاش عبد الحميد سلامة ومحمد حمزة وحمادي الشّمّاري نفس الحظ فكانوا آخر دفعة من نظام السنة التّحضيرية. وكانوا أوّل الطلبة البرادعية الذين درسوا علم الصّيدلة ونجحوا فيه. فمحمد حمزة الذي تخطّى السنة التحضيرية (SN1 option pharmacie) منذ الضّربة الأولى فقد تمكّن من متابعة دراسته في فرنسا ليعود في آخر المطاف الى تونس بشهائد عليا فيفتح له مخبرا في العاصمة بعد أن اشتغل في المستشفى العسكري. وفي السنة الموالية لسفر محمد حمزة أي سنة 1975 فتحت كلية الصّيدلة في المنستير أبوابها فالتحق بها عبد الحميد وحمادي. فأمّا الأول فأنهى دراسته في فرنسا حيث حاز مرتبة عليا في الكلية والمستشفى إلى أن أحيل على التقاعد. وأما حمّادي الشّماري فقد فتح لنفسه صيدلية في سيدي علوان.
سبعة سنين وسبعة فصول صيف هي حصيلتنا من فترة اليفوع قضيناها مجبرين في البرادعة. منذ أوّل يوم من العطلة نفكّر في جمع الأموال اللّازمة لمشروعنا الرياضي الذي سنملأ به الصّيف، وهو الكرة الصّفراء العظيمة، كرة تجمّعنا وتبعث فينا روح المنافسة وتعلّمنا الودّ والمحبّة، نحبّها ونحبّ بعضنا من أجلها ويعجبنا ارتطامها بالأرض وهو يحدث رنّة لا مثيل لها. وكنا نحرص ونحافظ عليها أملا في أن تكفينا لكامل العطلة الصّيفية. وكنّا نتوزّع الى فريقين ولا نغيّر التّركيبة الا نادرا أو عندما نتبارى ضدّ فريق من الأحياء.
ومن أجل هذه الكرة نجد أنفسنا مجبرين على القيام بحملة تنظيف للبطحاء الكبرى في الحيّ فنزيح قشّ السّنابل الذي تركته الجاروشة وننقّي المكان من الحصى حتى تلين تربته. وقد نفعل نفس الشيء مع مكان آخر نختاره قريبا من المراعي، بين حقول الزيتون حتّى نستطيع مراقبة الشياه أثناء المباراة. وإذا لم يجد أحدنا مساهمته في ثمن الكرة فنمكّنه من سلفة حتّى يتدبّر أمره مع أمّه فتوفّر له ما استطاعت من حمص مطبوخ يبيعه في سوق سيدي علوان. وكم كانت تعجبنا الفكرة فننخرط جميعا في بيع الحمص والسّجائر ونجعل منها فرصة للعمل الاشتراكي، نلتقي فجرا، مع طلوع النّجمة كما تأمر أمّي فنحمل معنا طاسا من الحمص الفائح برائحة الكمّون وكأسا من البلّور نكيل به للشارين وأوراقا نطويها حتى تأخذ شكل القمع فيسهل افراغ الكأس فيها. وسرعان ما نتخلّص من سلعتنا فنعدّ الفائدة ونعيد رأس المال إلى أمهاتنا لنعود في الأسبوع الموالي معجبين بهذه التّجارة الشّريفة النّظيفة.
أمّا في أيام الحرّ فكنّا نقصد البحر: نتجمّع ونحمل معنا ما تيسّر من خبز الشّعير والكرة وكلبا من كلابنا (لست أدري لماذا كنّا نصرّ على أن يصطحب واحد منّا كلبه، نأخذ واحدا فقط حتى لا تنشأ بين الكلاب معارك) كنّا نمرّ على حقول البطّيخ والشّمّام فنأخذ واحدة من هذا أو ذاك دون ضرر ولا خجل ولا حتى شعور بارتكاب سرقة. وكنّا لا نتفارق الا في الليل وقد نبيت ضيوفا عند واحد منّا وننام فوق سطح منزله. كوّنّا جمعية حيّ تمارس كرة القدم وشملت الجمعية: المولدي فروج ومحمد الطيب البدوي ومحمد البدوي (فتّاح) وعبد الرزاق عبد العزيز (الشّاوش) ومحمد مبارك وعبد الحميد الميزوري والحسين مبارك والمنصف عثمان وأحيانا البحري المانع ومفتاح عثمان. حققنا انتصارات كبيرة على بقية الاحياء وعلى جمعيات من خارج القرية مثل سيدي علوان واولاد صالح والرشارشة. وكنّا أحيانا نبيت ليلة المقابلات المهمّة في ضيافة البحري المانع في مخبزة خالنا الحبيب، وكأننا فريق من المحترفين يسهر ليعدّ مباراة اليوم الموالي.
كنّا أصدقاء بحقّ، كبرنا مع بعض ولم نفترق الا على أعتاب العشرين من العمر عندما شاءت الجامعة والعمل والهجرة. وبقينا على محبّة لبعضنا رغم الظّروف.
عندما دخلنا الجامعة التقينا ببعض من سبقنا من أبناء القرية مثل الهادي سعيد وسالم سعيد في الجامعة والسلامي النّبّاح ومحمد فطّوم ويونس الفرادي في أمكنة شغلهم. ومرّة أخرى يضربني الحظّ بقسوة وترميني الصّدف المؤلمة. لقد صدر قرار حكومي يقضي بالتنقيص من سنوات الدراسة في كلية الطّب من 6 سنوات الى 5 على أن يشرع في تنفيذ البرنامج في السّنة الموالية. فتحت كليتان جديدتان للغرض واحدة في سوسة والأخرى في صفاقس. ونحن؟ لماذا إذن نحشر في السّنة التّحضيرية؟ وتعالت أصوات الزملاء مطالبة باحتساب تلك السّنة كأولى سنوات الطب. ورُفض طلبنا وانطلق موسم الإضرابات عن الدروس وحتى عن الامتحانات. وزادنا تعقيدا الذكرى الثانية لمؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس المنعقد في قربة سنة 1972 وأحداث 5 فيفري التي تكوّنت على إثرها الهياكل النقابية المؤقتة. قلّة قليلة (الانتهازيون الذين لم يخل منهم زمان ولا مكان) انهوا السّنة الجامعية بالنجاح وانتقلوا الى السنة الأولى ليلتقوا مع الناجحين الجدد في الباك. بقينا أكثر من 600 طالب راسبين في مكاننا مجبرين على اعادة الترسيم في السنة التحضيرية ونجح منا قليل وانتقل بنجاحه الى السنة الأولى لننهي ثلاث سنوات في واحدة. المفارقة أن الطلبة المطرودين من تونس بعد فشلهم عادوا بعد سنتين ليلتحقوا بالسّنة التي تسبقنا؛ كليات الجزائر احتسبت السّنة التحضيرية.
بحثنا عن أبناء القرية فوجدناهم بأعداد كبيرة، بعضهم يعمل وبعض يتابع دراسته. صرنا نلتقي لغاية أو بدون سبب، التحق بجلساتنا بعض ممن لم يدخلوا الكليات وخيّروا الشغل مثل عبد الباقي النّعّاس والشاذلي الحمروني وعبد السّلام بن طاهر وغيرهم هؤلاء انتدبوا معلّمين في التعليم الابتدائي وآخرون حصلوا على وظائف.
وكان عمّالنا في إيطاليا يتوقّفون في العاصمة فنلتقي بهم وقد تتأخّر الباخرة فيؤجّلون سفرهم وقد يقضون عندنا بعض الليالي حتى في المبيت الجامعي. وكانوا يشجّعوننا على المجيء الى إيطاليا في العطلة. فعلناها وصرنا نرتحل الى صقلّية في كلّ صائفة بحثا عن العمل الموسمي. وهذه حكاية من تلك الحكايات: قصدت في احدى المرّات اجريجنتو جنوب صقلّية بعد أن بلغني أن العمل متوفّر فيها ونزلت ضيفا عند البحري مسلّم ومجموعته والتحق بي عبد الحميد سلامة وحمّادي الصغير ووصل عبد السلام حمزة ومحمد الحبيب المختار رحمه الله. كنّا نقوم باكرا الى مقهى الشّمس (bar del sole) ولم نفز بأيام كثيرة من العمل فالتّونسيون أصبحوا غير مرغوب فيهم في تلك المدينة بعد أن قتل أحدهم ابن بلده وفرّ من إيطاليا وقررنا أن نغيّر المكان؛ ارتحلنا ليلا الى قلعة المنسي (Cala Monaci) على بعد 11كم من اجريجنتو. كنا أربعة من البرادعة أنا المولدي الطالب في الطب وعبد الحميد سلامة الطالب في الصيدلة ومحمد الحبيب المختار الطالب في الهندسة والتقينا هنالك بحمادي الصغير الناوي وهو معلّم في البرادعة. الطريف في الحكاية أن شرطة المكان هي التي وجدت لنا عملا وأسكنونا في بيوت لائقة، تلك التي يجعلونها خارج المدينة للالتجاء اليها إذا ما أصاب منطقتهم زلزال. عملنا جميعا عند نفس العائلة فأحسنوا الينا وأطلقوا علينا أسماء يستطيعون نطقها فأنا سمّيتُ نفسي: مودو وعبد الحميد فرنكوا أما حمّادي فسمّوه دجو. وكانوا كل يوم يوفّرون لنا الاكل (عجين المكارون). لمدة أكثر من شهر ظلوا يحملون الينا العجين الى مقرّ سكنانا حتى أيام الرّاحة أو المطر. اشتغلنا في جمع اللّوز حتى أدركتنا العودة الى الجامعة فعدنا الى تونس ومعنا بعض الأموال وبضاعة بعناها الى تجّار البرادعة. وكم كنت قاسيا على أهالينا في إيطاليا فكتبت فيهم شعرا هو أقرب الى الشتيمة والهجاء نشرت مطلعه فيما بعد في جريدة الرأي وقلت فيه:
لو يقدّر ربي وتســافر وتفوت حلق الواد
ماذا تلقى عرب تساكر راهم مـــوش عبـاد
استنينا في البار للمغرب حتى طلّوا جماعة يعرب
سليّــم والساسي والطيب والبحري وحماد
هكّــــــه البرادعية تنسب والبــاقي حُـسّاد
هـــــــزونا بالعــــين ورُّونا عَملوا الحِسبَة مقرونة
مرْكوا في الكَرْني ماعْطونا وزادُوا في العدّاد
ضيــــــافتنا ساعة بلا مونة وفاضل في البرّاد...
وكنّا لا نستحي من العمل في كل الميادين وكنّا نصبر ونكابر ومازالت صورة الانتظار ماثلة أمام عينيّ، وقفت صحبة محمد مبارك تحت شرفة منزل العرف الطلياني ننتظر أن يستفيق ليحملنا على سيّارته للعمل. ساءته حالنا فنظر اليّ وقال: انظر الى العالم الثّالث كيف ينتظر رحمة العالم الأول. آه على tiers-monde.
وفي الشّتاء لا نقطع صلتنا ببقرتنا الحلوب فنخرج اليها في رحلات تجارية. ومن لم يكن معه رأسمال يمكنه أن يكون "قعود" فيفوز بالرّحلة وبأجر معقول.
واستمرّت علاقة البرادعة بإيطاليا وتوطّدت العلاقة بزواج كثير من الشباب بفتيات من صقلية وانجبت أطفالا غاية في الذكاء وتلك نتيجة الزواج المختلط.
أما عقرب الرّيح فهو شرطيّ يقظ على الدّوام، منضبط، سريع التّخفّي والانقضاض، فطن يشمّ المعارضين شمّا فيتبعهم مثل كلب الصّيد ويظفر بهم مهما أحذقوا الاختباء، يختلف عن زملائه الطّيبين الذين يخطئون ويصيبون، يظلمون ويعدلون، وأمّا التّسمية فقد ألقيتها عليه بعد بحث وتفكير وقراءة معمّقة في هيئته ومشيته ونظرته، كان إذا مشى أمال رأسه ثم مطّط عنقه وفتح عينيه ليوسّع في مجال بصره فكسب مشية معوجّة لا مثيل لها، وبمرور الوقت صار يمشي متمايلا دون أن يسقط وصارت ذراعاه تتأرجحان من حول عموده الفقري الذي أصابه اعوجاج، فبدا للنّاظر إليه من الخلف كعقرب الرّيح. وعقرب الرّيح هو فصيلة من العناكب لها جناحان دائريّان يساعدانه على الإسراع في جريه ومن فرط سرعته يعتقد النّاس أنّه يطير ويسابق الرّيح.
كان عقرب الرّيح في انتظاري أمام دار الثقافة ابن خلدون وكأنه على موعد معي. لم أتفطّن إليه وهو يتبعني إلا عندما عرّجت على نهج يوغسلافيا (الذي أصبح يسمى نهج راضية الحداد) تبعني عقرب الرّيح وانقضّ عليّ بسرعة كما تنقض سحلية على حشرة. ثم شدّني من حزامي من الخلف وقال: امشي ساكت، بوليس.
لم أتكلم وامتثلت للأمر. سار بي حتى وصلنا أقرب مركز الأمن أجلسني أمام مكتبه وشرع في تحرير محضر لم أعرف لأي غرض ولأي تهمة. ثم ترك لأحد زملائه أن ينهي استنطاقي. مرّ أحدهم من أمام المكتب وسلّم على العون قائلا: صحّة سي خالد. فعرفت اسم العون. تثبّت في بطاقة تعريفي ثم قال:
ــ انت من البرادعة؟ ها نحن جاران؛ فأنا من عميرة. ثم طمأنني قائلا: لا تخف، أمور روتينية، نريد أن نتأكّد من أنّك طالب وتشتغل في الصّحافة ولسنا ندري في أي جريدة فأنت تكتب هنا وهناك، تكتب شعرا قبيحا. ولقد ورد اسمك في جريدة الحبيب وهي جريدة تنوي أن تكون معارضة رغم انها تحمل اسم الحبيب. قلت إن المقصود هو صاحبها الحبيب الجوادي ولا يعنيني كثيرا خط الجريدة بقدر ما يعنيني الجانب الثّقافي فيها. فأنا لا أفهم في السياسة. فردّ عليّ بإجحاف: ما زلت صغيرا. ثم أمرني بالمغادرة بكلّ أدب.
ما إن خرجت حتى التقيت الشّاعر عبد الرؤوف بوفتح وكنّا حديثي العهد بالتّعارف إذ لم يمض وقت على لقائنا الأول في حانة محطة تونس للقطارات، وقد ظلمته يومها عندما قلت له: لن تكون صديقي لأن ما بيننا عداوة الجوهر فأنت بوليس وأنا مواطن بسيط. ردّ عليّ قائلا: ستندم يوما على كلامك هذا يا مولدي فأنا سأخيّب ظنك فيّ. وبالفعل ندمت عندما عرفت عن قرب طيبة عبد الرّؤوف. أعلمته بما حدث لي مع عقرب الرّيح فطمأنني وبيّن لي أن زميله ذاك مكلّف بمتابعة الطّلبة الرّيفيين، وأنت منهم ولست الوحيد من ريف المهدية. لا تخف ولا تكن مطمئنّا فهو صيّاد لا يريد أن يعود بأيد فارغة وان اقتضى الأمر يشتري فريسته ليوهم رؤساءه بأنّه ماهر في أداء مهمّته. عموما سأرى إن أضاف إليك من عنده شيئا يورّطك. ثق بي لن أتركه يفعل فطمئن أبناء قريتك، هذا وعد منّي ستثبته الأيام لك. لأنّني ريفيّ مثلك، ثمّ طلب منّي أن أمشي إلى مقهى النّسيم؛ قال: في الرّكن الذي على يمينك وأنت تعتّب الباب يجلس ثلاثة شبّان، يبدو أنّهم طلبة ريفيّون مثلنا، اطلب منهم عود كبريت لتشعل سيجارتك ثم قل لهم بهدوء أن يغيّروا المكان فالبوليس يتابعهم.
هكذا يا عبد الرؤوف؟ ولماذا لا تفعلها أنت؟
قال: أخاف أن يتفطّن عقرب الرّيح الذي يتابعهم إلى أنني وراء تشريدهم. إنّه لا يرحم وقد يورّطهم باطلا فافعل أرجوك رأفة بهم. فسارعت في القيام بالمهمّة وعلمت فيما بعد أن المحاولة نجحت فقد طارت العصافير وخرجت من مجال بصر الصّيّاد وتركت القفص فارغا.
يدخل عقرب الرّيح إلى مقهى المغرب ويصعد إلى الطّابق الأوّل حيث كنت برفقة بعض الأصدقاء من القرية: العربي بن عامر ومحمّد فطّوم وعبد الرحمان الشتيوي ويونس الفرادي. وكنّا بصدد جرد الحسابات: نضبط المبالغ المالية التي كنا جمعناها في ذلك الشهر من أبناء القرية. لا نجبر أحدا على المساهمة غير اننا كنا نجبر الطلبة بإلحاحنا على اقتطاع دينار ونصف من منحته الشّهرية. نجمع المنح ونوزّعها على أبناء القرية الذين لا يتمتعون بمنحة أو الذين حرموا منها لسبب أو لآخر. في ذلك الوقت كانت الإدارة تمنع المنحة عن الطلبة الناشطين سياسيا والمحرّضين على الاجتماعات والاضرابات. تضمن المبالغ التي نرسلها ستّين وجبة من الطعام ومعلوم المبيت في كل شهر. والحقيقة أننا كلّما قصدنا موظفا من أهل البلد لا يردّنا خائبين. أما قائمة المنتفعين فشملت بدورها عددا كبيرا من الطلبة (محمد الشماري، عبد الحميد سلامة محمد الميزوري وغيرهم)
|
صورة 16:وصولات الحوالات الى الطلبة |
وصل عقرب الرّيح مصطحبا أحد زملائه ونظر إلى الكرّاس الذي أمامنا ولم أفهم كيف تفطّن الى أن الكرّاس لا يحوي دروسا ولا مقالات بل هو شبه دفتر ندوّن فيه أعمالنا كأسماء المتبرّعين والمقدار المتبرّع به وأسماء الطلبة الذين نقرّر أن نمدّهم بمنحة وحتّى مداولاتنا. وبسرعة اختطف الكرّاس. بينما كنا نحن نسلّم أوراق هوياتنا إلى زميله. أمرنا بأن نتبعه ساكتين فامتثلنا، مشينا من شارع فرنسا حيث مقهى المغرب. وكنت أتوسّط الشّرطيين كمجرم وقع في قبضة المصيدة فيما كان أصدقائي يمشون خلفنا، فجأة توقفت وقلت لعقرب الرّيح:
ــ ببساطة وقبل أن نعقّد الأمور، نحن من نفس القرية، البرادعة، قرية فقيرة، نحاول أن نعين أصدقاءنا الطلبة غير الممنوحين فنرسل إليهم ما تيسّر من مال نجمعه من الموظّفين أو الشغالين على قلّتهم، من أبناء القرية أيضا. وحتى تصدّقني. إن ذلك الشخص، وأشرت إلى العربي بن عامر، هو زميل لكما، فإن كان في الأمر عملا إجراميا ما كان ينظمّ إلينا وأما يونس الفرادي فهو أحد أقاربي وهو عون في الحماية المدنية يعني زميلكما أيضا. وتفاجأت بأن عقرب الرّيح إنسان بأتمّ معنى الكلمة؛ له مشاعر وأحاسيس. قرأت في عينيه المرعبتين نظرات الحزن والرأفة. لم يتكلم بل سحب العربي بعيدا عنّا وتثبت من أنه بالفعل بوليس مثله. عندها عاد إلى انسانيته وقال: صحيح، عملكم بريء أمّا القانون فيمنع جمع المال بهذه الطريقة. ولهذا أنصحكم بتغيير هذا الكراس بكنش صغير مثلا لا يجلب الانتباه وأن تمنحوا لبعضكم الثقة في التصرّف خير من تدوين شيء يدينكم. لا تتركوا بصماتكم ولو في عمل خيري. ثم حمل معه الكراس ومنذ ذلك اليوم قررنا تغيير المكان إلى ستوديو 38 وعوضنا الدفتر بأجندا صغيرة. وحيّنّا أسماء المتبرّعين والمقادير وقد ضمّت القائمة المنقولة الى المذكرة أسماء كثيرة
ومن حسن الصّدف أننا كنّا دفعنا كل ما في الخزينة ذلك الأسبوع إلى عبد الباقي النّعاس ليقتني تذكرة الطائرة إلى موسكو لدراسة الطّب. كان ثمن التذكرة يومها 250دينارا وهو أكبر مبلغ سلمناه الى واحد من أبناء القرية.
في سنة 1979 طلب منّي محمد البدوي(فتّاح) أن أجد له مكانا للسّكنى في تونس فهو قد قرّر مواصلة الدّراسة في العاصمة بعد حصوله على ديبلوم السّادسة ثانوي في الاقتصاد وعليه أن يدرس سنة أخرى تكون بمثابة معادلة شهادة البكالوريا. وكنت متحمّسا ومشجّعا له فقدم الى تونس وأنهى السنة بالحصول على شهادة أهّلته لمعادلة الديبلوم مع البكلوريا في نفس الاختصاص. سافر فتّاح بعد ذلك الى فرنسا لمواصلة دراسته الجامعية فاحتضنه خاله سالم مبارك وساعده. بعد سنين التحق به اخوته الحبيب ورضا وناصر ومحسن واتبعوا نفس النهج أي مواصلة الدراسة.
10 ــ أسماؤنا الأخرى
لا أذكر جيّدا من كان وراء إطلاق أسماء حركيّة على أفراد مجموعتنا. أذكر فقط اننا اتفقنا على استعمال محدود لهذه الأسماء وعلى ألا نتنادى بها علنا في الشّارع ولا في ملعب الكرة بل نكتفي بذكرها في المراسلات البريدية فقط. توزّعت هذه الأسماء على الأعضاء المهمّين سواء القاطنين في تونس او الذين في الهجرة. فمحمد السّافي المقيم في فرنسا هو العصفور والبحري المانع الخزرجي وسالم مبارك امبراطور المعيز والشاذلي الحمروني مدير التنمية البشرية بالبرادعة والمولدي فروج مدير نيابة الفوسفاط بالبرادعة ومحمود عبد العزيز (chef de bande de l’homme)
كان البريد يصل القرية في حافلة النّقل العمومي، يستقبله مصطفى خصومة العون الوحيد بمكتب البريد. عرف أسماءنا الحقيقيّة والمستعارة وواصل على نفس الطّريقة وفي السّرّية.
وكنا نتجمّع أمام المكتب في انتظار رزمة البريد التي ما إن ترميها الحافلة حتى يتقبلها مصطفى، ويشرع في المناداة على أصحاب الإرساليات بصوت عال. وكلّما ورد اسم لأحد من مجموعتنا تلكّأ في قراءته ورمى بالرسالة جانبا. وكنا لا نتسلّم الرسائل أمام النّاس.
ولم يكن أبناء القرية القاطنين في فرنسا بخلاء بل كانوا يساعدوننا على إعانة طلبتنا غير الممنوحين. وكانوا يكتبون لنا عن الحركة اليسارية في المهجر وفي تونس ويتواصلون ويتفاعلون معنا بل ويسعون لزرع الوعي فينا بالتشجيع وبرفع المعنويات، وكانت تصلنا منهم بعض الكتابات عن الايديولوجيا والبروليتارية وأفكار ماو وغاندي وماركس ولينين. وكان الشاذلي الحمروني همزة وصل بيننا وبين أصدقائنا في فرنسا. أحسسنا في ذلك الوقت بأننا لم نكن وحدنا وأننا مسنودون من طرفهم ما جعلنا نثق في اقتراحاتهم بل ننفّذ كلّ ما يطلب منا فعله باقتناع وبدون شكوك. أذكر اننا حوصرنا في القرية واشتممنا رائحة البوليس تغمر الطريق من حولنا وتبلّغ عنّا، ورأينا ظلالهم تتبعنا وأيقنّا أنّهم بصدد احضار برامج للإيقاع بنا. سيكون ذلك حالما نعود في عطلة الصّيف الى البرادعة فقد جرت العادة أن تنفّذ السلطة مشاريعها الظّالمة في الصّيف عندما يكون التلاميذ ورجال التّعليم في راحة ويكون اتّحاد الشّغل متراخيا. استشرنا اصدقاءنا سرّيا فردّوا علينا بأن نتحرّك. كان لا بد من فعل شيء يبعد عنّا التّهم، ويخفّف الضّغط المسلّط على كل أبناء البرادعة القاطنين في العاصمة، الطّلبة والعمّال والموظّفين. نصحونا بفعل شيء مهم قادر على جلب الانتباه وعلى زرع الشّكّ في البوليس بأن المواطنين الساكنين في البرادعة ليسوا ساكتين بل إنهم يتحركون في السرّ، وبأننا أبرياء من تهم السلطة المحلّية. يجب أن ننقل الحرب الى أرض الأعداء، هكذا نربح المعارك واحدة بعد أخرى ونسجّل الاهداف. جاءتني مراسلة من الخزرجي تحكي عن العصافير وعلى ضرورة إيقاظ النحل للسع البضراطين (وكنّا نطلق صفة البضراط على المخبر) طُلب مني أن أعود إلى البرادعة لتدبّر المسألة. اختارني الجميع لأوصل الكلمة الأمانة الى البرادعة فتنقلت اليها وقصدت منزل مدير التنمية البشرية الشاذلي الحمروني. فتح الباب وسلّم ثم أشار بعينيه إلى عوني حرس (عبد الحميد وآخر) كانا يجلسان إلى ظل صفصافة أمام مقهى جابر، فتركته وانصرفت راكبا دراجتي الهوائية كأنّي لم أكن حريصا على إطالة الحديث معه. أسندت الدّراجة على عتبة المقهى ودخلت. لم أتناول شيئا ولكنني غادرت المقهى مسرعا من بابه الخلفي والتقيت بالشاذلي وأبلغته باقتراح الجماعة. طمأنني ووعدني بأنه سيتصرّف. تركته وعدت من النّهج المحاذي إلى أن وصلت أمام العونين فحييتهما ثم ركبت دراجتي دون أن أنتظر ردّا على تحيتي. ارتبكا ولا أشكّ في أنّهما أصيبا بالإحباط.
بعد مدّة قاد الشاذلي الحمروني عمليّة هدم سور السّوق الأسبوعية. وبلغنا أنه بادر منذ العشيّة بانطلاق التّحرّك فعلّق أوراقا مقتطعة من مجلّة المنار (المحسوبة على الإسلاميين لإبعاد التّهمة) ومناشير ضد السّلطة على مكتب العمدة مساء ذلك الخميس، وقد أحسن اختيار اليوم المناسب لأنه يعرف ان مكتب العمدة يظلّ مغلقا كامل يوم الجمعة، فالعمدة يحضر الاجتماع الأسبوعي مع معتمد قصور الساف. وهكذا تبقى المناشير مثبتة على المكتب يوما ونصف اليوم. والجميل أن تلك المعلّقات تكون عادة ممضاة من طرف جهات لا ينتمي اليها أحد منا كالاتجاه الإسلامي والجمعية القرأنية ولذلك لم نتّهم أبدا بأننا وراء تلك المناشير. في الليلة الفاصلة بين الخميس والجمعة قامت مجموعة من الشّبان بقيادة الشاذلي الحمروني بهدم جانب من سور السوق. بينما تكفلت مجموعة أخرى بتلهية حارس الحوانيت (العم الطّيب). ولم تغفل السّلطة عن اتهامنا وطال البحث والاستقراء ولكن بدون جدوى. فسجّلت العملية ضدّ مجهول.
مباشرة بعد العملية وعند عودتي الى البرادعة دعاني صديقي يوسف عثمان الموظّف في الولاية الى سهرة خمرية في منزله. وكان المسكين على "حسن نيّة" مستضيفا عونين من الحرس واحد اسمه عبد الحميد والأخر لم أبحث عن اسمه، حضر الاثنان بالصّدفة وعلى حسن نيّة أيضا. كان العون الذي لا أعرف اسمه يطوف ويطوف كالقمح حول قلب الرّحى باحثا عن بصيص كلمة تضيء له وجه من قاد عمليّة هدم سور السّوق ومن علّق المناشير. كان يطوف ويقطع السّهرة ذهابا وإيابا باحثا عن ابرة في كومة من الخيوط. وكنت أمدّ له الطّعم فيضيء لحظة ثمّ يختفي. وكنت معجبا كثيرا بهذه السّخرية منه. واضب صديقي يوسف على دعوتي مرّات ومرّات حتّى نطق عبد الحميد ليلة حانقا في وجه زميله قائلا له تحت وطأة السّكر:
ــ أسكت أنت، هذه المرّة أنا من يتحدّث إليه (يعنيني أنا) أنت تأتي كل مرّة فتسكر ولا تفوز بمعلومة واحدة.
وتمالكت نفسي وأوهمتهما بأنني لم أتفطّن حتّى لا أثير الشكوك فينقطع حبل السّكر بينهما. لا أحد منهم يدرك أنني أحتاط من هذه الجلسات فأهيئ نفسي وأستعدّ لكلّ طارئ، ولا أحد منهم يعرف أنّ تناول الحلوى أو الشكولاتة يحمي شارب الخمر من السّكر، فكنت أملأ جيوب سترتي وأغيب لحظات في بيت الحمّام فآخذ نصيبا منها وأعود الى الجلسة متماسكا وكأنني لم أتناول شيئا.
ولم يتفطّن صديقي يوسف عثمان إلى أنني أترك خلفي كثيرا من ورق الحلوى الا بعد سنة تقريبا فسألني عن السّرّ في ذلك فأجبته بأنّني فعلا أحمل معي ما أسدّ به رمقي حتى لا أحرجه في إحضار شيء نتناوله مع الخمر.
جاءني عون حرس إلى المنزل وطلب مني رسالة وصلتني من المدعو الخزرجي، وقد وصلت على غير عادتها مفتوحة، رغم أنّ بعضهم قد حاول غلقها من جديد لكنّه لم يفلح، تظاهرت بأنني لا أعرف المرسل وأنني لم أفهم منها شيئا مهمّا، فيها كلام بالألغاز قلت انه لا يعنيني فأهملتها، ألحّ العون في طلبها متعللا هو أيضا بأنّ الرّسالة لا تعنيه وقد تعني شخصا آخر ولهذا يجب عليّ تسليم ما ليس لي إلى من يهمّه الأمر ففعلت، وعند عودتي إلى تونس مررت بزغوان ومن هناك أرسلت إلى نفسي رسالة أخرى من خزرجي مقيم في تونس. ثم عدت بعد مدّة فتسلمتها من البريد في البرادعة وفتحتها ثمّ تعمّدت إضاعتها قرب مركز الحرس وكنت كتبت فيها شيئا غامضا لكنه يدحض ما ورد في الرّسالة الأولى.
...............................
سنة 1974 سكنت في المبيت الجامعي باردو 2، كنت أشارك في الأمسيات الشعرية وأحضر كافة الحفلات التي تنظمها الهياكل النقابية المؤقتة التابعة للاتحاد العام لطلبة تونس.
حضرت لحسن الحظ أو لسوئه معركة كبيرة دارت بين مجموعة من الطّلبة وعدد من البوب (فرق التّدخل) استعمل فيها الطلبة أحجارا رخامية حادة هي بقايا سور المبيت مبعثرة بالقرب منه، وكنت شاهدا على هزيمة شنيعة للبوب فلم يستطيعوا الا الهرب من وابل الحجارة بعد ان استعادوا زميلين لهم حاصرهما الطلبة في زنقة أمام المبيت.
لا أحد منّا تكهّن بعودة البوب للانتقام من الطلبة، ففي الليل، وبعد أن آوى الطلبة الى غرفهم، فوجئنا بالمبيت محاصرا بالبوليس من كلّ الجهات. فكّرنا في المغادرة ولم نفعل. صار الحصار شديدا وصارت محاولة الهرب قفزة في المجهول وقد تكون جلابة تهم، تعالت أصوات البوليس من مكبرات الصّوت أن الزموا غرفكم ولا تحاولوا الخروج إلا بإذن من الأمن، كنت في الغرفة 217 صحبة صديقي أحمد عمارة، في انتظار البوليس. لبست جاكيت من الجلد تحسّبا للبرد من إثر الأمطار التي تهاطلت في الصّباح. وضعت 5 دنانير، هي كل ما أملك في جيب صغير في ملابسي الداخلية. وما هي إلا ساعة حتى طرق أحدهم الباب صائحا متوعّدا بألفاظ نابية أن افتح الباب خير من أن نفعل بك ما نفعل. لم أتباطأ في فتحه خوفا من أن يخلعه البوليس. وما إن سحبت الباب إلى الداخل حتى استقبلني أحدهم بضربة بالعصا أصابت الترقوة اليسرى من كتفي. أحسست بألم كبير وبالدم يسيل. وأيقنت أنني أصبت إصابة بليغة ولم أقو على رفع ذراعي وتألّمت كثيرا لكنني كتمت ألمي. سمعت العون يقول وكأنه يلوم نفسه:
ـ هكة، لا ترتاحوا ولا تخلونا نرتاح، تلزونا على الضّرب.
اقتادونا صفّا الى ساحة المبيت. وقفت وراء صديقي أحمد عمارة. كان المسكين ينظر الي وعيناه تدمعان. كان يهمس أن اصبر يا مولدي. فجأة رأيت عونا يشير اليّ ويدعو زميله:
ــ انه هو، انه هناك. انقض عليّ العون، وركلني بساقه ومن حسن الحظ انه لم يصبني بركبته على أسفل البطن وانما بفخذه فأسقطني على الأرض وسحبني لاقف من جديد ثم دفعني أمامه الى وسط السّاحة. سألني عن اسمي ولقبي وعن الكلية التي ادرس فيها، سخر منّي كما اشتهى ثم أمرني أن اقرفص وسط بركة من الماء. فامتثلت ساكتا وشعرت بالماء يصعد مع الملابس نحو الظهر حاملا معه بردا شديدا. بعد نصف ساعة من البلل أمرني أحد الاعوان بالصعود الى السّيارة، تثبّت في أوراقي جيّدا. بطاقة المبيت، بطاقة طالب، بطاقة ركوب الحافلة ثم طلب منّي بطاقة التّعريف فسلّمتها له. سألني إن كنت فعلا من البرادعة فأجبت بالإيجاب ومن ولاية المهدية. قال: وهل تعرف عامر المسعي؟ قلت له إن كان الشّخص المقصود تاجر النّحاس وصاحب رخص التّوريد والتّصدير فهو جاري وتربطني بأسرته علاقة نسب. ثمّ كتب اسمي على ورقة صغيرة وأعاد إليّ أوراقي كاملة. وهمس لي: اطمئن. جلست على كرسيّ السيّارة الحديدي فوجدته أرحم من بركة الماء. ثم قادونا وكنا سبعة او ستّة طلبة الى مستشفى شارل نيكول حيث قدم لنا الأطباء بعض العلاج، ثم أعادونا الى سيارة الشرطة. وبعد ساعات عادوا بنا الى المبيت. وجدت المسكين أحمد في انتظاري حزينا مرتعدا من كثرة خوفه علي.
التقيت بخالي البشير حمزة فرويت له الواقعة وكيف أنّ اسم عامر المسعي شفع لي عند عون البوليس وجعله يطمئنني وكاد أن يعتذر لي فقال البشير حمزة وكان على علم بعوالم المسعي: عامر المسعي رجل أموال وأعمال كسبها من رخص التوريد والتّصدير التي حصل عليها بشكل أو بآخر. الثّابت أنّ أغلب رجال السّلطة من وزراء ومسؤولين كبار يتقرّبون منه لنيل شيء من أمواله. فلعلّ ذلك العون يجد فرصة للحديث عنك وقد يتّخذ من اسمك مدخلا للحديث أو اثباتا لخدمة قدّمها لك لا لشيء الا لأنّك من قرية سي عامر أو جاره.
في السّنة نفسها ألقي القبض عشوائيا على كثير من الطلبة مثل الهادي بلحاج محمد رغم انتمائه الى احدى شعب الحزب الحاكم وقادوهم الى السّجن وكان من بينهم الهادي سعيد وهذه شهادته كما كتبها نوردها ففيها دليل آخر على مساعدة البرادعية له، قال:
حكم عليّ في 20 أفريل 1974 بالسّجن سنة على إثر المشاركة في مظاهرة طلابية. صدر إعفاء في حقّنا من طرف الرئيس بورقيبة في 25 جويلية من نفس السنة، رجعت الى مدارج المدرسة القومية للمهندسين بتونس ENIT الا انني اصبحت مضايقا من طرف الأمن فقررت صحبة أحد الأصدقاء " محمد الصحبي الجابري " الهجرة الى خارج تونس. توجهنا الى ليبيا أين مكثنا 4 أشهر حيث التقينا المرحوم الحبيب سعيد (لاطو) الذي احتضننا هو والعروسي بن رباح كما التقينا المعلم منصف الحاج صالح (بو ستة) وكان يدرّس في ليبيا فساعدنا أيضا. بعد ذلك توجهنا الى إيطاليا أين مكثنا شهرين. ثمّ توجهنا الى باريس فوصلناها في جوان 1975 أين احتضننا البحري البدوي(المانع) والمرحوم علي الشوباني اللذان كانا يقطنان معا وقدما لنا المساعدة اللازمة (اقامة و اكل و شغل). الى ان تعرفنا على اصدقاء اخرين وواصلنا الطريق وكنا ننشط في الاتحاد العام للطلبةU.G.E.T. تحصلنا على الإجازة فتعاقدنا مع سفارة الكوت ديفوار للتدريس هنالك أين قضيت 8 أعوام ثم عدت الى تونس في جويلية 1987 صحبة زملاء اخرين فقدمنا مطالب للالتحاق بوزارة التربية التونسية. في سبتمبر تم تعيين اصدقائي ولم يقع تعييني فتوجهت الى وزارة التربية للاستفسار فلم اتحصل على إجابة مقنعة ولما عدت الى البرادعة اعلمت اخي العلواني وبدأت أشك في ان السبب سياسي. فاعلم اخي العلواني ابن اخ محمد الصياح (وزير التربية آنذاك) الذي كان زميلا له في الادارة الجهوية للتجهيز بالمهدية. استفسر هذا الأخير قريبته التي كانت تعمل في ديوان وزير التربية فأكدت له أن الأمر سياسي وعلي أن أنخرط في الحزب لتتمكّن من مساعدتي. فانخرطت مرغما في الشّعبة. ورافقني ابن أخ محمد الصياح الى الوزارة حيث التقينا قريبته فقدمت لها بطاقة الانخراط في الشعبة فتم انتدابي على الفور. ثم جاء تغيير 7 نوفمبر 1987 فآمنت بما جاء في البيان وانخرطت عن قناعة في التّجمع وتم انتخابي عضوا باللجنة المركزية. ثم بعد ذلك انحرف المسار وكنت من المنتقدين لهذا الانحراف داخل هياكل التّجمع مما تسبب في عدم تزكيتي في الانتخابات الموالية للجنة المركزية. جمدت نشاطي في الحزب الى ان تم حلّه سنة 2011 .
11 ــ جريدة الرأي والصّورة المنعرج
في شهر ديسمبر 1977 ونحن في أحد المقاهي في العاصمة طاف علينا شاب فسلّمنا إعلانا بقرب صدور جريدة اسمها الرأي. جريدة حرّة معارضة للسّلطة تتكون هيئة تحريرها من وزراء استقالوا احتجاجا على بورقيبة. وكانت الساحة آنذاك في غليان كبير. بلغت المعارضة للحاكم أشدها وعمّت كل القطاعات، كل شيء ينطق ضد السّلطة من المقاهي إلى دور الثقافة إلى اتحاد الشغل. كتبت قصيدة انتقدت فيها السلطة وكل الحكام العرب، قصيدة عمودية مطوّلة ورميتها في صندوق البريد المعلّق على باب مقرّ الجريدة. وانتظرت العدد الثاني فصدر في الأسبوع الأول من شهر جانفي 1978 وفيه القصيد بإمضاء: المولدي فرّوج / البرادعة وكم كانت فرحتي كبيرة ولو كانت البرادعة تحسّ وتشعر لشاركتني فرحتي. كيف لا وهي ترى اسمها مكتوبا في أكبر جريدة معارضة في تونس، الجريدة الوحيدة التي تطبع مرّتين في اليوم الواحد. تشجعت وحملت قصيدا آخر وجريت الى صندوق بريد الجريدة فنشر في العدد الموالي مع اشارة تحت القصيد كتبها رئيس التحرير: لماذا لم يزرنا الشاعر في مقرّ الجريدة؟ فقصدتها. عندما دخلت على رئيس التّحرير السّيد أحمد الكرفاعي وجدته قد قصّ القصيدة الأولى من الجريدة ووضعها أمامه تحت بلور مكتبه. كان عنوان القصيدة بالجرح على الجبين العربي وهو نفس العنوان الذي حملته مجموعتي الشعرية الأولى التي ستصدر سنة 1981. اذكر ان السيّد أحمد الكرفاعي قد فرح بي كثيرا وقدّمني الى الشاعر الطّاهر الهمامي قائلا: هذا ابن البرادعة، قرية من معتمدية قصور السّاف، يعني إنّه من بلدي. فرحت كثيرا وزادتني فرحا وسعادة دعوة السيد رئيس التحرير إلى البقاء قريبا منه ومن الجريدة، المهمّ أنني وجدت لي موطئ قدم خارج القرية. أما الطّاهر الهمّامي فناقشني في القصيدة وأشار إلي بعض الهنات و لاطفني كثيرا وشجعني على الكتابة ودعاني إلى المشاركة في أمسية شعرية تنتظم في دار الثقافة ابن خلدون ويوم حضرت الأمسية، خاف علي من الدساترة الذين قد يشوّشون علي لاحراجي فجعلني بينه وبين الشاعر الحبيب الزّنّاد وأوصاني برباطة الجأش والشجاعة.
|
صورة 17: عضويتي في جريدة الرأي، أم المشاكل |
الأيام التي سبقت انتفاضة الخميس 26 جانفي سنة 1978 كانت ساخنة جدا، تكاثرت فيها الصراعات واستوطنت خاصة في دور الثقافة والمراكز الثقافية. أسّست بدوري نادي الشّعر في النّادي الثقافي الطاهر الحداد وكانت ترأسه الكاتبة والصحفية جليلة حفصية.
أعود إلى الرأي. طلب مني أحمد الكرفاعي، أن التحق بالجريدة لأساهم بكتابة الشعر أو بتعليق على الأخبار التي تنشرها الجريدة في الصفحة الثانية والثالثة تحت عنوان: أنباء وأضواء، كنت أحرّر تعليقا ساخرا للأخبار التي تصلني وأنشرها في هذا الرّكن. أوصاني الكرفاعي بعدم التدخل في شؤون الجريدة الأخرى الا إذا دعيت لإبداء الرأي وكان يؤكد على أن أكتفي بالسماع والمشاهدة. وكنا نجتمع كل يوم خميس بعد ان يصدر عدد الجريدة فنقيّمه ونشرع في اعداد العدد الموالي. وكنت سعيدا جدّا بالانتماء الى جريدة الرّأي لأنني سأستطيع نشر كتابات تهتمّ بالبرادعة. وكان لي ذلك في مناسبات عديدة.
مكنتني تجربتي في جريدة الرأي من معرفة خفايا كثيرة أفادتني في حياتي وأخرى جعلتني أندهش لما يحدث في عالم السّياسة. ولا أنسى ابدا ان المرحوم أحمد الكرفاعي كان حريصا جدا على أن يعلّمني السّياسة وأبجديات الصّحافة وسلّمني كتبا مهمّة تعلّمت منها مهنة الصّحفي، وفسّر لي كيف يمكنني أن أستغلّ الظّروف السّياسية المناسبة لنشر كتاباتي. كان المرحوم حسيب بن عمار بنفسه يطلب مني أن أمدّ الجريدة بالنّصوص "الحرشة" كلما كانت السّلطة منشغلة بمحاربة تيار من التيارات المعارضة، فتعلّمت اغتنام الفرص وكسب المساحة ونشرت القصائد التي ما كانت تمرّ لولا الظروف التي نشرت فيها، فاكتسبت بذلك أحقية نشرها في كتابي الاول بالجرح على الجبين العربي، الذي كان بدوره نشر بمحض الصدفة وباستغلال الفرصة؛ فعندما تسلم محمد مزالي الوزارة الأولى أراد أن يجمع من حوله الوجوه المعارضة وأن يستدرجها الى مناصب سياسية مدّعيا انه سيفتح بها شارع الديمقراطية واسعا، وأن يمنح بعض الحرّيات ومنها حرّية التّعبير، فمحمد مزالي أديب وصاحب مجلة الفكر الحكومية. قدّمت كتابي الى مجلة الاخلاء لنشره فلم يعترض صاحب الدار الصادق شرف بل رحّب بي خاصة إن دفع كتابي للنّشر صادف يوم تعيين البشير بن سلامة وزيرا للثقافة وقد علم الصادق ان قرابة نسب تجمعني ببن سلامة.
ساعدني انضمامي الى جريدة الرأي على ربط صداقات مهمّة، وعلى الاطلاع على السّاحة السّياسية؛ أذكر مثلا ان المرحوم محمد مزالي الوزير الاول هاتف الباجي قائد السبسي وهو في جريدة الرأي وكان اليوم جمعة ودعاه الى أن يلتحق به في الحكومة. استشار الباجي حسيب فقال له أجّل المسألة. وسمعت مزالي يقول للباجي:
Pourquoi pas maintenant ?
وبالفعل التحق الباجي قائد السبسي بالحكومة في خطة وزير معتمد لدى الوزير الأول ثمّ شغل مناصب أخرى، ومنذ يومها لم ألتق به.
التقيت في جريدة الرأي بمبعوث من إذاعة الثّورة العراقية كان قد جاء في مهمة صحفية وزار جريدة الرأي فاقترح علي حوارا إذاعيا فوافقت ورغم انني خيبت ظنه بجهلي للحركة الشّعرية العراقية فانه، بعد أن قرأ كتابي الاول، أبدى اعجابه بما فيه من توجه قومي مكشوف وفهم انني قد أكون شابا قابلا للاستقطاب ضمن حركة البعث. اقترح علي أن أنشر كتابي الثاني في العراق. ولم أبْد اعتراضا على اقتراحه ولا موافقة بل أرجأت الأمر لمزيد التّركيز.
في الفترة نفسها أعلمني عبد الرزاق حمزة، أحد أبناء البرادعة، أنّ النّفاتي، وهو أيضا من البرادعة، سيقدمني الى أصدقاء له من سوريا فاشترطت على عبد الرّزاق أن يكون حاضرا معنا ليكون شاهدا على ما يمكن ان يحدث فقد يكون صديقنا النفاتي صادقا في نواياه باحثا لي عن منافع، خلافا للبعثيين فسمعة حزب البعث السّوري سيئة في تونس في تلك الفترة مقارنة بالبعث العراقي. التقيتهم في مطعم الليدو في العاصمة وشربت يومها خمرا لذيذا أبيض. اقترح علي الوفد المتكون من ثلاثة سوريين ان أتواصل معهم، فكتابي بالجرح على الجبين العربي يرْشح بالنفس القومي وعليّ تأكيد ذلك النّفس على أرض الواقع وعلي إذن ان أتواصل مع البعثيين في سوريا وان أسافر إلى هناك لطبع كتابي الثاني. ثم طلبوا مني ان أتقبل منهم بعض الكتابات التي يكتبها الشباب (مثلي) لتوزيعها في الجامعة التونسية وبالمقابل يتولّون هم توزيع مقالاتي وأشعاري في الجامعات السّورية، هذا حسب قولهم طبعا. فكّرت مليّا وقررت أن أخيّب ظنّ الجميع بمن فيهم النفّاتي وكان يشتغل موظفا في بنك في العاصمة ونهضت مودّعا وأنا أقول ملخصا المسألة في كلمة واحدة: لم نتفق.
بعد أسبوع تقريبا، وفي اجتماعنا الدّوري في الجريدة عرضت على الهيئة ما دار بيني وبين الوفد العراقي وبيني وبين السّوريّين واستشرتهم في الأمر فقالت راضية الحداد، صاحبة مطبعة التصفيف التي تطبع النّسخة الصفر من كل عدد: لا أوافق ولا يمكن أن أسلّمك لأيديهم. انا سأتكفل بطبع الكتاب. وقال أحمد الكرفاعي:
ــ أنا من اكتشف المولدي فرّوج وأنا أول من دعاه الى الالتحاق بعائلتنا وأنا أثق به عند اعداد أنباء وأضواء وأنا في نهاية المطاف وفي آخر الكلام أحبّ الأصيل الذي لا يغيّر قشرته حسب الأحداث والمولدي فرّوج، كما تلاحظون يمضي قصائده باسم قريته: البرادعة ولكلّ هذا سأتكفّل باختيار الغلاف وبإخراج الكتاب.
وتمّ الأمر وكان كتابي وطن في قلبه وامرأة أوّل كتاب تنشره دار الرأي(المؤسسة المغاربية للنشر)، تلاه كتاب محمد بن صالح دروب الغجر وكتاب المنصف المرزوقي: لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المرّيخ. وأطلقت الجريدة حملة دعائية للكتاب على صفحاتها فاشتهر بسرعة مما جعل وزارة الداخلية تقتني النسخ كاملة من الموزع مسعود. فنشرت الدار طبعة ثانية في وقت وجيز، وفتحت الجريدة استفتاء لاختيار أحسن مجموعة شعرية تصدر سنة 1982 في تونس فكانت: مجموعة وطن في قلبه وامرأة.
وصادف أيضا ان تنخرط أسرة تحرير جريدة الرأي في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان لتساهم في ترشيح أحد أعضائها وهو المنصف المرزوقي لرئاسة الرابطة. فكان بدوره أن حشر في حديثه عن حق الشعراء في النشر والفوز بالجوائز وذكر ما تعرّضت اليه مجموعتي الشّعرية الأولى من ظلم عندما رفض وزير الثقافة البشير بن سلامة قرار اللجنة القاضي بإسناد الجائزة لكتابي ليحولها من قريب الى مقرّب.
وأذكر أن السيد هشام بن سعيد أمدني بخبرين قال انه استقاهما من الهادي البكوش سفير تونس في الجزائر في ذلك الوقت. نشرت الخبرين بتعليق قصير وبأسلوب ساخر. بعد أيّام أقامت الجريدة فطورا في نزل أميلكار احتفاء بصدور كتبها الثلاثة. وكان الهادي البكوش حاضرا في النزل ربما بالصّدفة. رأيته يسلم بحرارة على حسيب بن عمار فتعجبت من هذا الودّ الذي يجمع الرّجلين وهما يعادي الواحد الآخر في الظاهر. والأكثر غرابة ان حسيب بن عمار عندما قدّم المجموعة الى الهادي البكّوش خصّ هشام بن سعيد بتقديم خاص: نقدملك السّيد هشام بن سعيد، فردّ السّفير: تشرّفنا وكأنه لم يسبق أن عرفه ولم يمده بأخبار. التقطت اللقطة لأنها أعجبتني.
.......................
تسبّب لي انضمامي الي جريدة الرّأي في مشاكل عديدة. ولعلّ أهمّها ما تعرضت له في كلّية الطّب، فعندما نظّم بعض الطّلبة اضراب جوع في بهو ادارة الكلية احتجاجا على ظلم، طلبت من بوبكر الصّغير سكرتير الجريدة ارسال مصوّر الجريدة الى الكلية. ومن سوء الحظّ ان الصّورة التي نشرت ظهر فيها الشّلبي بلكاهية والأستاذ الزريبي. بلكاهية هذا هو أستاذي في مادة الصّيدلة وهو من الرّاسخين في ركاب السّلطة. اعتقد بلكاهية انني قصدته للتشهير به أو لزرع الشكوك حوله عند السّلطة، وكان دستوريا ورئيس الغرفة الفتية الاقتصادية. أجرينا امتحانات جوان ولم أكن من الناجحين في مادة الصّيدلة، فقبلت الأمر وقلت ان الامر عادي ولكن أعلمتني زميلتي عربية انها دخلت مكتب شلبي بلكاهية ولاحظت ورقتي على مكتبه منفردة، وزدت غرابة أنّ اسمي لم يرد في قائمة الحاصلين على شهادة الصّيدلة ولا في قائمة المؤجلين الى دورة أخرى. قصدت مكتب الأستاذ فوقف في الباب وقال لي: ورقة امتحانك عندي، لن أضيعها، أنت لم توفّق في الحصول على الشهادة. ارتقيت الى السنة الخامسة مع تأجيل في مادة الصيدلة وحصلت على كل الشهادات. وفي آخر السّنة تسلمت شهادة ختم الدّروس الطّبية. وغمرتني فرحة الحياة اذ سأصبح طبيبا واتقاضى مرتبا. عدت الى البرادعة، فوجدت برقية في انتظاري نصّها: المرغوب منك الاتصال بالإدارة فورا مصحوبا بشهادة ختم الدّروس الطّبية. ظننت ان الإدارة جادّة في تنظيم دورة اختيار الأقسام التي سنقوم بها بالتّربص الداخلي. إلا أنها استرجعت الشّهادة وحجزتها وأعلمتني بضرورة الحصول على شهادة الصيدلة. نزلت علي المصيبة الأكبر والتزمت بالصّمت والصّبر. وانتظرت الدورة الموالية فاجتزت الامتحان مرة أخرى ولم أنجح وجاءت الدّورة الأخرى ولم أحصل على الشهادة وتتالى الإخفاق وتواصل سنة ونصف السّنة ولم يظهر اسمي لا في قائمة النّاجحين ولا في قائمة الفاشلين. بدا لي ان اسمي سحب من الكلية وأبقي عليه في قائمة المدعوين الى امتحان الصّيدلة فقط. خامرني الشّك وبدأ بعض الأصدقاء في التّحرّك دفاعا عني. تكوّنت مجموعة تزعمها صديقي محمد الطيب اليعقوبي (شهر عمار). واتصلوا بالإدارة للاستفسار وهددوا بالإضراب وبمقاطعة الترسيم. وبدأ التنفيذ حين وقف صديقي أمام شبّاك التّرسيم وأمر الكاتب بأن يغلق الشبّاك ويعلّق التّرسيم. وصاحت مجموعة الطلبة الموجودون في بهو الكلّية: أوقف التّرسيم حتى تصفّى مشكلة زميلنا فرّوج. كان ذلك في سبتمبر 1983. أخذت الإدارة تهديد الأصدقاء مأخذ الجدّ، فجرى كاتب الإدارة الى الكاتب العام وشغلت الهواتف ودار الكلام بين المسؤولين الكبار فعلم العميد ورئيس لجنة الامتحانات وبسرعة جاءني كاتب وأعلمني بضرورة الاتصال بالأستاذ شلبي بلكاهية وفتحت معه جبهة أخرى للحرب بدأت بمعركة جديدة بأسلحة مكشوفة وأهداف واضحة.
أمدّني بلكاهية بورقة وأمرني بالذّهاب الى أستاذنا عبد المجيد شرّاد منسّق طلبة مستشفى الحبيب ثامر الذي انتمى اليه. فقصدت عبد المجيد شرّاد. وكان هذا الأخير الطّبيب الخاص لوسيلة بورقيبة زوجة الرّئيس. رفض الإمضاء بالموافقة. رجوته فأصرّ على الرّفض وقام ليطردني من مكتبه قائلا
Sortez, c’est mon service
Non je ne sors pas, vous êtes notre coordinateur, vous devez nous défendre
نهض من مكتبه ومدّ يده فدفعني. وعندما أبديت صدّا رفع يده ليصفعني فأمسكت بها، ولم أدر كيف ارتمت يداي عليه ومسكته من ربطة عنقه ورحت أرجّه رجّا وأشتمه وأسب الجلالة ثم بصقت على وجهه وهو يصيح: يا عبد المجيد، يا عبد المجيد. عندما وصل عبد المجيد هذا وهو رئيس الممرّضين وجده يبحث عن نظارته التي أسقطها على البلاط. وأقدم أصدقائي وهرّبوني على أيديهم. عدت الى الكلّية وقابلت الأستاذ عبد العزيز غشام رئيس لجنة الامتحانات وقتها وحكيت له كل شيء بالتفصيل واعترفت له بأنني أشبعته سبّا وتعنيفا وانني فقدت أعصابي من كثرة القهر فطلب مني ان أحرّر له رسالة توضيحية مفصلة ففعلت. وسلّمني مكتوبا وأمرني بوضعه عند سكرتيرة عبد المجيد شراد أوان دفعه من تحت باب المكتب.
قرّرت الإدارة تمكيني من اجراء امتحان فردي يوم 14 اكتوبر 1983. الكلّية تخصص لي دورة امتحانات. غريب كل ما يدور حولي. كيف أمكنها ذلك؟ ربما من وضوح القهر والظلم الذي تعرضت اليه. بدأه استاذي ورئيس الغرفة الاقتصادية الفتية وأتمه استاذي الطبيب الخاص لوسيلة بورقيبة. وجاء اليوم الموعود فذهبت إلى قسم أستاذي المحترم شلبي بلكاهية الذي سمّيته في موضع آخر بوشلبيّة تحقيرا له.
أملى علي خمسة أسئلة ومضى الى عمله في القسم الذي يرأسه. ثم عاد بعد اقل من ساعة فامسك بالأوراق وطواها على بعضها كما لو أنّه يرفض أن يقرأها، وقابلني في الكرسي أمام مكتبه وقال.
ــ في بالك، صندوق التعويض تنحّى.
ذهلت لهذا الكلام وتمالكت غضبي وكتمت خوفي وقلت:
ــ ما في باليش. فقال
Ça m’étonne. الدوسي عندك في جريدة الرأي. اسمع راني نعرفك مسخّن راسك برئيس التحرير من قصور الساف يعني ولد بلادك
في لحظة استوعبت الحكاية، لقد قرأ اسمي ضمن أسرة تحرير الرأي في قسم اجتماعيات ولم يخطر بباله انه وضع هنالك للتّمويه فقط فاعتقد بالفعل انني صاحب مكتب في الجريدة ولي ملفات. فقلت:
ــ لاهي في الامتحان اما يا سي شلبي راه ماعنديش بيرو في الجريدة وما عنديش ملفات، والي وصّلّك الخبر غلطك. أنا نكتب كان الشّعر. ونعاون في الجريدة وقت انجم فقال:
Tu connais bien ta pharmaco et je peux t’inviter avec la 4ème Année.
باش نهينك اما... يزّيك...
هكذا تكلّم شلبي...هذا ما قاله سيدي، أستاذي...باش نهينك...انها الإهانة واضحة وصريحة.
في لحظة انهارت أمامي صورة الأستاذ المحترم. ما أبخس السّياسة التي تربّي حقد الأستاذ على تلميذه البسيط! ما أوقحك أيها الزّمن الزّفت تجبرني على احتقار أستاذي! فاكتفيت بكلمة واحدة قلت: ما انجم نقول لك كان بارك الله فيك سي شلبي. أما بابا لتو يُسْكن في بيتْ عُود. يسّنّى فيّ نتوظّفْ.
اعتصر قلبي مرارة وحزنا على والدي الذي شبع صبرا وانتظارا بقدر ما شبع بلكاهية شماتة...
هل شبع مني شماتة فاكتفى وقال يزيك؟
وما هو احساسه بعد أن تأكّد أنه ظلمني؟ لا أعتقد انه ندم فهؤلاء الرهوط لا يحملون المشاعر الإنسانية. السّياسة سوس ينخر قلب من يتعاطاها.
وقبل أن أفتح الباب ناداني وسألني؟
ــ الأن انتهت مشكلتك معي فهل يمكنك أن تحدّثني بإيجاز عن سبب اعتراض عبد المجيد شرّاد على تمكينك من فرصة التدارك؟ حدثني بصراحة ولك منّي الأمان فكلّ الزملاء استغربوا من موقفه ولا أحد يعرف السّبب. وأعدك أنني لن أخبرهم أنك مصدر المعلومة، قلت:
ابن السيد شرّاد يدرس معنا، ونحن ندخل امتحان علم الأمراض pathologie، أهمّ مادّة في السّنة الرّابعة، نادتني ممرضة في قسم امراض المعدة وأعلمتني بأن موضوع الامتحان هو التّليف الكبدي cirrhose du foie وقد سمعتْ الدكتور الهاشمي العياري يملي نصّ السؤال على عبد المجيد شرّاد الذي تكفّل بكتابة السؤال بخط يده ووضعه في ظرف وأغلق الظرف. مرّرتُ المعلومة الى الزّملاء أمام القاعة.
وحالما دخلنا أمر شرّاد أحد زملائنا بفتح الظرف وبكتابة نصّ السؤال على السّبّورة وقال:
Voilà c’est démocratique, personne ne connait la question.
وتفاجأ شرّاد بضحكنا وسخريتنا وشكّ في الأمر وأيقن أننا وقفنا على كذبه. وكانت النتيجة أن حصل ابنه على معدل 39,40 من 40. ويبدو أنه أيقن أنني وراء كشف كذبه فرصدني، هذا كل ما وقع. تفضل الأستاذ شلبي بشكري ووعدني بكتمان الأمر لكنني قلت له إن شرّاد لا يخيفني.
12 ــ البرادعة من فنّ المخبرين الى انشاء بلدية
يسير بنا المكان ببوصلة دقيقة، وبخطى ثابتة ونحسب ان البرادعة نجحت في مسيرتها وان كانت بلا برمجة مسبقة. الخط الوحيد الذي رسمه التاريخ لها هو ما خطّته أيادي أهلها بماء الحبّ والوفاء. تغيّر كلّ شيء وأزيحت الأشواك وتخوم التّين الشّوكي وبدأت القرية تأخذ شكل تجمّعات عمرانية تمركزت حول الطّريق ثم جعلت لها أنهجا وممرّات ومنعرجات وبعض السّاحات. ومع مرور الوقت تقاربت البنايات والتجمعات وانتظمت في شكل أحياء تفصل بينها طرقات شاسعة ولم يعد ينقص غير انتصاب المؤسسات العمومية وأهمها البلدية. كنت في طريقي الى المركز حين اقترب مني الفرحاني ليقتسم معي الطّريق. التفت يمنة ويسرة كأنه ليأمن شرّ المتطفّلين وهمس في بداية حديثه ثمّ تكلّم وقال: أنت لا تعرف أنّ أطفالي نفروا عنّي واختاروا الحياة بعيدا في أوروبا، وقد كنت فرشت لهم الأرض سعادة وهيأت لهم بيوتا ليسكنوا فيها هانئين. أنا لا أستأهل هذا الإهمال. انا ناضلت وكسبت من نضالي هذه الممتلكات، لم أسرق ولم أسط على أحد، فلماذا لا يقدر أطفالي هذا الكسب الذي جاء بالتّعب؟ أبوك تعب هو أيضا من أجل أن تنجح، انا أحترمه من أجل ذلك وأحترمك أنت لأنّك تعلّمت النّضال من أجل البلاد ومن أجل البرادعة، البلاد برجالها ولن تنهض البرادعة من ضعفها الا بك وبأمثالك، أعرف أنّ الحكومة ليست راضية عمّا تقومون به وهي تدفعنا دفعا لأن نوشي بكم وهي جادّة في اختلاق الفرصة لتوريطكم، افهمْ جيدا ما أقوله لك، نحن لا نرضى لكم ضررا، يطلبون منا أن نتابع خطواتكم ويكافئوننا على ذلك، نحن مدركون انكم لن تتصادموا مع السّلطة مجانا، ولن ترفعوا السّلاح ولن تبيعوا بلادكم. كل ما تستطيعون فعله هو توعية النّاس أو الدّفاع عن قريتكم أولا ثم تونس ثانيا ولذلك نحن لا نحطّ من عزائمكم. لا تسلني كيف نخاتل الحكومة في شأنكم وفي ذلك نضال حقيقيّ، نعرف كيف نقنعهم ولو بصعوبة. أنا الآن ذاهب الى اجتماع عام للشّعبة، ينتظرون مني جوابا عما كتبته ضدّهم في جريدة، هل هذا صحيح؟
أجبته: أي نعم كتبت مقالا عن البرادعة في جريدة الوحدة وهي جريدة معارضة ولم أكتب مقالا ضدّهم. أنا جلبت انتباههم الى قريتنا وكان عليهم أن يشكروني لأنّني لا أفتري ولا أكتب من فراغ. وليس للحكومة حقّ في أن تتّهمني بأيّ شيء؟ مشكلتها عميقة يا سي الفرحاني، مشكلتها في كيفيّة تفكيرها وضيق مجالها فهي لا تفكّر الا في الكرسي، ولا شيء غير الكرسي وكل من يلفت انتباهها الى شأن عام أو يطلب منها حقّا متّهم، بماذا؟ بحبّه لموطنه او بلاده؟ هذه عقلية الحكام السّذّج.
واصل الفرحاني: لا عليك أخبرَني أحدهم أنك كتبت كلاما مقلقا في شكله أما مضمونه فهو دفاع عن القرية، لذلك أنا أشجعك حتى وان أبديتُ العكس مدّعيا. تركته يفرغ قلبه من الصحيح والخاطئ ثمّ سألته: وهل ترى في المنشور عيبا؟ فأجابني بأنه لم يطّلع على الموضوع أصلا وإنما أخبروه به، فقلت له إنّ البرادعة تستحقّ أن تكون بلدية حتى تسهر على تأطيرها وان تكون معتمدية حتى تباشر التنمية فيها. فشدّني من ذراعي ليستوقفني وفكّر بعض اللّحظات ثم تنهّد وضرب بيده على رأسه كأنه ليستفيق من غيبوبة أو ليطرد غيمة من الغباء حطّت على ناصيته وقال: الآن فهمت لماذا يصرّ محمد الشوباني على ألا يفكّر أحد في احداث بلدية.
ــ لكي يدوم له المجال والجاه، أعرف ذلك.
قال الفرحاني: ان الشّوباني ينفّر الناس ويهدّدهم بأن البلدية ستجبرهم على دفع مزيد من الضّرائب ولا تفيدهم في شيء، وهي ستمنعهم حتّى من بناء سور لمنازلهم او زرائبهم الا بالتّرخيص، وأمّا أنا فلن أطمع لا في التنوير الكهربائي ولا في الماء الصّالح للشّراب الا إذا صارت البرادعة بلدية فمنزلي منعزل كما تعرف وبعيد عن الحي.
وجد الفرحاني نفسه بين أمرين فمن ناحية يتمنّى أن تقرأ السّلطة المقال وأن تثار حوله حلقات النّقاش في البرادعة وخارجها وبين أن يهمل الموضوع ويمنع عن التداول بين النّاس فالسّلطة توصي أذيالها ومخبريها بتمييع المطالب وعدم الاكتراث أملا في أن ينساها المواطن. أما الفرحاني فتمزّق أيضا بين المصلحة العامّة وبين المصلحة الخاصة.
وتحت تاُثير نشوة الحماس التي بثّها فيه المقال باح لي بالسرّ الذي جعله يفاتحني في الموضوع قال:
ــ رئيس الفرقة في المهدية احتار من الاسم، المقال نشر باسم المولدي.ع وانت معروف بالمولدي فرّوج فالتجآ لسؤالي عنك. فهل تريدني أن أنفي أم أأكّد؟
نظرت اليه بإشفاق فحزّ في نفسي خوفه وتذبذبه وخيّرت أن أنقذه من نفسه ومن أسئلة أعرافه، ورويت له الحكاية من صدفتها الى انتشارها وطمأنته بأنّني بالفعل صاحب المقال ورويت له القصّة كاملة قلت: يقطن صديقي عبد السلام بن عامر في شقّة في لافيات بالعاصمة وقبل أن يخرج للعمل دخل بيت الحمام وكان فيه موقد لا يزال جمره مشتعلا، ولم يتفطّن المسكين حتّى أغمي عليه وسقط، وعند سقوطه ارتطمت ذراعه بالشباك المطلّ على الشّارع فتكسّر البلور وسال الدّم على أحد المارّة فنظر الى مصدر الدّم فرأى عبد السلام يصارع بحثا عن الهواء من خلال البلور المهشّم وقد تدلّت ذراعه عارية من الفتحة فاصطحب مارة آخرين وهشّموا الباب وحملوا عبدالسلام الى مستشفى شارل نيكول وكنت بالصدفة في العمل في الاستعجالي فقمت بالواجب، وقبل أن يغادر لمح على طاولتي كتابة لم أكملها، سألني إن كانت مقالا لجريدة الرّأي فقلت: نعم، أعجب صديقي بالعنوان وأصرّ على نشره في جريدة الوحدة وعلى أن يكون ممضى بالمولدي عامر ولا بالمولدي فرّوج.
بقي الفرحاني مزبهلا ولم يجد كلاما ليشكرني أو ليعاتبني عليه فصافحني وقال ان في البرادعة كثيرا من الصّادقين، وفيها أنواع مختلفة من النّاس فالمخبرون أنفسهم ينقسمون الى أنواع فمنهم من يخبر لينقذ البلاد او العباد من عمل اجرامي ومنهم من يفتري ويورّط غيره من جرّاء الحسد أو الكره لوجه الله. قلت له إنني كنت منذ أيام في مركز الحرس لاستخراج جواز السّفر. وكنت وحدي أمام المنضدة وأمامي عون واحد ولم يكن في المركز سواه فنحن في يوم أحد، شرع في تعمير مسودّات الجواز ثم دخل إلى المكتب المجاور وعاد بأوراق أخرى وواصل عمله ثمّ توقّف عن الكتابة وطلب أحدهم في الهاتف وسمعته يقول له:
ــ بيجو 504 عسلية اللون رقم لوحتها المنجمية كذا وكذا، غادرت البرادعة في اتّجاه قصور السّاف منذ 10 دقائق فقط. وعندما أعاد السّماعة سألته: بربّك، كيف لمحت السيّارة بتلك التفاصيل وأنت أمامي منذ نصف ساعة أو أكثر؟ فضحك كثيرا وقال:
ــ في الحقيقة، ومنذ خمس دقائق تقريبا، مشيت الى المكتب لا لأحمل أوراقا أخرى، كما توهمت، وإنما ذهبت لتقبّل المعلومة من النّافذة، أفادني بها عابر سبيل وفاعل خير. أرأيت كم هي سهلة؟
كان حواري مع الفرحاني، أوّل ردّة فعل صريحة من أحد المقرّبين من السّلطة (أو مخبريها) وكان المسكين متأرجحا بين وجاهة المطلب وبين أمر السّلطة، أيقنت صعوبة الأيام القادمة فقد نجبر على خوض المعركة من عدّة واجهات.
تركته يلتحق باجتماع الشعبة وقصدت صديقي محمد الدّرويش وقد تركت عنده جريدة الوحدة ليوم 8 اوت 1983 فأعدنا قراءة المقال وحكيت له عما دار بيني وبين الفرحاني.
وكان هذا المقال أوّل مطالبة رسمية بإحداث بلدية ومعتمدية.
|
صورة 18 : أول مقال للمطالبة ببلدية وبمعتمدية (1983) |
آلو... هنا مسؤول؟ هنا البرادعة.
سيّدي المسؤول تحيّة طيبة، نتمنّى أن تولينا اهتمامك بعض الوقت فلقد انتظرناك طويلا في القرية ولم نر طيفك. وقريتنا، أعزّك الله، لها من الأسماء الكثير ولكنّها واحدة وحيدة في عزلتها. فحتّى الخريطة تلاعبت بها كما شاءت فتارة تدعوها بحيرة وتارة برادعة وتارة نجيلة والى الان لم يعدل ديوان قيس الأراضي موازين التّسميات.
نحن في البرادعة من ولاية المهدية نرى القرية تكبر وتكبر وتتمدّد في اتجاه البحر، ومثال التهيئة العمرانية خير شاهد على كبرها. وكنا ننتظر منك التفاتة اليها علك تأمر بتقريب السلطة منها وبلا مركزية الإدارة، فيرى مواطنوها قريتهم تتمتّع ببلدية ومعتمديّة. ولتعذرنا ان كان مطلبنا غاليا لكن ماذا نقول وقد حملت في كنش المسؤولين وعدا بذلك منذ السّبعينات وقيل للمواطن سوف لن ترحل الى قصور الساف لقضاء أدنى الشؤون الإدارية وسوف نريحك من إضاعة الوقت؟
لعلّ المناسبة تسمح بأن نذكّر بأن إحداث عمادة ثانية لم ينفع المواطن البسيط في شيء فلم يجْنِ من عمادتين الا ما يجنى من صراعات هامشية.
نذكّر ان مواطني البرادعة هم الذين أحدثوا المدرسة الأولى وتبرعوا بالأرض لبناء المدرسة الثانية وبالمسجد الكبير ومنذ سنتين تبرعوا بمكان لوزارة النقل والمواصلات حتى يشجعوها على إقامة مركز حديث للبريد وعلى اراحتهم من الهاتف الوحيد والمعطب في أغلب الأحيان، ولكنّ الوزارة تغافلت عن هذه الهبة، وان المستوصف يعمل بنسبة ستّ ساعات في الأسبوع يعني ذلك لا أكثر من 13 يوما في السنة. المولدي.ع
بادر محمد الدّرويش بنشر مجلة الأوساط الثقافية فكانت أوّل مجلّة تصدر من ولاية المهدية. أسّسها في البرادعة ودعا الى اسرة تحريرها سالم سعيد والمولدي فروج ومحمد نجيب بوجناح وكانت فرصة حقيقية للتعريف بالبرادعة وبكفاءات رجالها في الثّقافة، ولسوء الحظ تعرّض محمد الدرويش الى خيانة من أحدهم فتوقّفت المجلّة عن الصّدور وصارت سببا لمعاناته.
|
صورة 19 مجلة الأوساط القافية لمحمد الدرويش |
..............................
لست أعرف كيف استطاعت هذه القرية المرميّة في تخوم التّين الشّوكي أن تجد لها مكانا في قلوب أهلها؟ ولماذا وصل بي الأمر إلى أن أغامر في أحيان كثيرة بمستقبلي وبحياتي من أجلها. وكان لي شرف المشاركة الوافرة والأساسية في أن تصبح بلدية. يعتبر الاعلام لسان حال المستضعفين ومحاميهم، يدافع عنهم ويعيد لهم حقوقهم التي تنتزع ظلما منهم، ولعلّ مقالي في جريدة الوحدة هو أوّل مقال يتعرّض لهذين الموضوعين ويطالب السّلطة بتركيز بلدية ومعتمدية في البرادعة وإن لم ينجح المقال في تحقيق نتيجة مباشرة وحينيّة فإنّ له شرف الخوض في الموضوع ووضع الطّلب على الطاولة وعرضه على غسيل الاعلام ليعلم به النّاس وليعرف المسؤول أن مواطنين في منطقة اسمها البرادعة سيلتجئون يوما ما الى اختلاق سبل محرجة للحصول على مدينة تتحقق فيها احلامهم.
في جويلية من سنة 1983، قبل أيام من صدور مقالي في جريدة الوحدة اتفقت مع صديقي محمد الدرويش على تأسيس مهرجان سمّيناه مهرجان البحيرة، وأعددنا برنامجا ثريّا وقائمة في المشاركين كل في النّشاط الذي يحبّذه. وشملت المسابقات كرة القدم والشّطرنج وتنس الطاولة والعدو الرّيفي والدّراجات الهوائية ولعب الورق (belote). وأمضى معنا محمد الشوباني رئيس شعبة البرادعة الشمالية وسجّل اسمه في مباريات لعب الورق ودفع مساهمته المالية وانضمّ الى احدى المجموعات، وشرع حمّادي عسيلة في جمع الأموال فاصطحب معه محمد الحمروني (سمنجة) ودارا على الحوانيت بسطل لجمع بعض التبرّعات وتوصّلا إلى جمع ما نستحقّ من مصاريف.
اقترح علينا حمادي السّاحلي برمجة سباق للأحمرة وتكفّل بالاتّصال بالفرسان واتّفق معهم على المشاركة، وأعدّ البرنامج واختار مضمار السّباق وأحضر الجوائز وحضر أربعة شبان في الموعد، كلّ يركب حماره، وأكّدوا التزامهم بشروط المسابقةّ، وفي اللّحظات الاخيرة غيّر المشرف على السّباق المضمار من طريق البحر الى طريق قصور السّاف، أي جعله في الطريق الرئيسي، وحضر جمهور غفير جلب انتباه الحرس. كنّا على وشك إعطاء إشارة الانطلاق عندما قدم الحبيب كوكب صاحب مقهى جابر الذي اختير لنقطة الوصول، على متن دراجته النّارية وطلب منا ان نعطي ضربة البداية لانطلاق السباق فقد شاهد سيّارة الحرس متّجهة بسرعة نحو منزل رئيس المركز وستأتي به لا محالة، فأعلنّا الانطلاق. وعندما وصل رئيس مركز الحرس وجد الأحمرة تتسابق وتتلاحق في الطّريق فلم يستطع إيقافها واكتفى بأن دعا المتخلّف في السّباق إلى الذّهاب مباشرة الى مركز الامن، أكمل الشاب طريقه كما أمره رئيس المركز، وعندما اقترب من المركز اهتدى الى نهج ضيّق محاذ له لا يتسع الا لراكب أو مترجّل واحد فأطلق الصّبيّ العنان لحماره وهرب. ولم يجد رئيس المركز الشّجاعة للجري خلفه او للحاق به.
|
صورة 20+21 سباق الأحمرة |
أمّا نحن فأخذنا مكانا لنا في المقهى ، جاءنا محمد الاشهب وكان رئيس شعبة البرادعة الجنوبية حديث العهد بالرئاسة فبدأ في استفزازنا واتّهامنا بأننا نقصد بعملنا هذا أغراضا سياسية، واذ لم يفهم موقفنا واجهته بالتأكيد على اننا بالفعل نقصد اشياء سياسية، تلك التي في تفكيره، واتّهمته بالحسد وبالفشل، وعيّرته بأن الوزراء الخمسة (ابراهيم خواجة، البشير بن سلامة، محمد الناصر، الطاهر بلخوجة، رشيد صفر) الذين قدموا منذ أربعة أشهر الى البرادعة في حملة انتخابية فلم يجدوا جمهورا مثلما وجدته الاحمرة، فصدم الاشهب بهذا الكلام ومضى، أما العمدة عبد الله مسلّم فكان جالسا أمام مكتبه يتحدّث الى حمّادي الحمروني فما إن علم بالتفاصيل حتّى أرسل في طلب ورقة "وزيري" وشرع في تحرير تقريره ضدّنا. بعد دقائق بعث رئيس المركز، رمضان، في طلبنا فذهبنا أنا وسالم سعيد وعلي الشتيوي وحرّر محضرا في شأننا. ولم نصرّح باسم منظّم سباق الأحمرة وأكّدنا على ان السّباق كان خارج البرنامج الرّسمي. والطريف في الأمر أن الحمار الفائز هو حمار العمدة عبد الله مسلّم الذي لم يخجل ابنه أن من طلب المكافأة (علف للحمار). ومن الغد استدعى المعتمد سالم سعيد وحمادي الساحلي وعبد المجيد أحمد وهددهم بالإيقاف ثم قال لحمادي الساحلي: "إلّي يعطينا كفْ نعطوه عشرة" وأما أنا فسافرت الى جريدة الرأي وأعلمت حسيب بن عمار بما وقع ونشرنا كلمة في الصفحة الثانية من الجريدة قلنا فيها إنّ المؤتمرات الدستورية لم تجمع من النّاس ما استطاعت جمعه الأحمرة.
بعد سنة أي في جويلية 1984، أخذت على عاتقي تنظيم مهرجان البحيرة بصفة رسميّة. وكنت في ذلك الوقت عضوا في هيئة جمعية المسرح بقصور الساف. وكنت أعرف أن البشير بن سلامة، وزير الثقافة سيفتتح ككلّ سنة مهرجان قصور الساف-سلّقطة. مسرحيتنا تلك السّنة هي" بين الجد والهزل". خططت لمقابلته وأعددت سيناريو نجحت فيه، وانتظرت الوزير في باب دار الثقافة وعندما وصل مصحوبا بالمعتمد جمعة الشّاوش مددت له يدي مصافحا وسلمت عليه بالاسم لا بالصفة:
ــ عالسّلامة سي بشير.
ــ أهلا مولدي.
ــ سي بشير عنّا مشروع مهرجان في البرادعة، تنجّمش تتفضّل في حفل الافتتاح او الاختتام.
ــ شوف مع سي جمعة وانا حاضر.
وأيقنت انني سجّلت الهدف في مرمى جمعة الشّاوش بتحكيم من الوزير نفسه، واتّصلت بالأصدقاء وكتبت مطلبا باسم السّيد والي المهدية عن طريق السّيد معتمد قصور الساف وسلّمته الى عبد المجيد أحمد باعتباره عضوا مكلّفا بالثّقافة في شعبة البرادعة الجنوبية. وكوّنا لجنة من: سالم سعيد والمولدي فرّوج وعلي الشتيوي وحمادي بلحاج صالح(بوستّة) وحمادي عسيلة و عبد الفتاح الصّغير. وشرعنا في اعداد البرنامج فطبع محمد الدّرويش بطاقات الاشتراك والمساندة وتكفّل صديق لي اسمه محمد عبد الرّحيم باستخراج مطويات لاصقة مجانية. واتصلنا بعمالنا بالخارج فأعدّوا لنا ميداليات وكأس جلبها لنا محمد الشتيوي وساعدونا بالأموال وجاد علينا الاهالي بما استطاعوا. وجاء يوم الافتتاح. فاتفقنا على أن يتكلّم محمد الاشهب وأوصيناه بالاكتفاء بالتّرحيب بالضّيوف دون الخوض في السّياسة أو الالتجاء إلى ضرب الدّفّ وأعددت كلمة المهرجان وقرأتها على اللجنة ووافقت عليها.
|
صورة 22 : الدورة الأولى من مهرجان البحيرة |
كلمة الدورة الأولى من مهرجان البحيرة بالبرادعة
باسم الله الرحمان الرحيم،
حضرة السيد عمر العتيري والي المهدية، حضرة السيد محمد دمق المعتمد الاول، حضرة السيد جمعة الشاوش معتمد قصور الساف السّادة والسّيدات ضيوف الدّورة الاولى من مهرجان البحيرة بالبرادعة نرحّب بكم جميعا ترحيبا ثقافيا لائقا.
إن هيئة المهرجان المتكوّنة من شباب متحمّس للعطاء تشكر السّيد والي المهدية على قبوله الاشراف على الدّورة التأسيسية للمهرجان. ويسعدها أن تذكّر بأنّها اصطدمت بعدّة مشاكل وحرّر في شأنها محضر في مركز الحرس بتهمة تنظيم مهرجان بدون رخصة، ولكنّهم برهنوا هذه السنة على صدق نواياهم في تحريك بلدتهم وفي انشاء مهرجان يجمع ولا يفرّق ويقدّم ولا يؤخّر فحصلوا على رخصة القيام بهذا المهرجان وذلك بعلم السيد البشير بن سلامة وزير الثقافة الذي أبدى مشكورا موافقته للمولدي فروج وذلك بحضور السّيد معتمد قصور السّاف. وكان لهذه الموافقة خير دافع لهيئة المهرجان فأعدّت برنامجا ثقافيا بحتا وحاولت الابتعاد عن كل ما من شانه ان يتدخل في الشؤون السّياسية التي لها مناسبات أخرى وذلك لأن الهيئة متكونة اساسا من شباب وان شئتم من فسيفساء سياسية مختلفة ولكنها متفقة على حب البرادعة والنهوض بها.
سيدي الوالي ،ان بلدتنا تستحقّ أن تحظى بالتفاتة من طرف الدولة على الاقل لتشجع أهلها على مواصلة العطاء فهم تبرعوا بكامل الأرض الموجودة امامكم لفائدتها حتى تبني سوقا أسبوعية و غيرها، و بالتالي فان هيئة المهرجان و نيابة عن كل سكان البرادعة يتطلعون الى احداث بلدية في البرادعة و هذا هو حلمهم و مطلبهم و لا نعتقد ان المطلب بعزيز على الدولة فهو لن يضرّ أحدا و انما سيضيف الى البرادعة امكانات لتزيد في نهضتها و لتتحسن و لتبني مدينتها على أساس منظم .و هم ينادون بكلمة واحدة : البرادعة بلدية ،فساعدونا سيدي الوالي على تحقيق هذا الحلم.
ولقد حرصت هيئة مهرجان البحيرة على تقديم فقرات ثقافية ممتعة فيها الطّرافة والمسابقات فبرمجت سباقا في الدراجات ومقابلات في كرة القدم ومحاضرات في التراث وفي تاريخ المنطقة وبرمجت سهرات في الشعر وفي الفكاهة واسكاتشات وأيضا في الفروسية وفي الألعاب الأخرى كالشطرنج مثلا. كما عملت الهيئة على جمع التبرعات من اهالي البرادعة الذين نشكرهم بالمناسبة على مد يد المساعدة ولولاهم لما أمكن انجاز اي شيء. أما شكرنا الكبير فنرفعه أمامكم الى ابناء البرادعة العاملين في الخارج والذين امدونا بالمال والميداليات وشجعونا فالف شكر لهم.
سيدي الوالي ختاما نتمنى ان ترفعوا صوتنا الى السيد إبراهيم خواجة وزير النقل والمواصلات الذي سيزور المهدية هذه الأيام ليدعم مطلبنا.
ويشرفني ان أقرأ عليكم قائمة اعضاء هيئة مهرجان البحيرة
ــ مدير المهرجان: سالم سعيد
ــ منسق ومقرر: المولدي فروج
ــ أمين مال: حمادي عسيلة
ــ المسابقات: حمادي بالحاج صالح (بوستة)
ــ التراث والتاريخ: الهادي (عبد الفتاح) الصغير.
ــ التكريم ومنح الجوائز: على الشتيوي
ــ والقائمة مفتوحة لكل من يريد المساهمة. والسلام
عن هيئة المهرجان: المنسق المولدي فرّوج
|
صورة 23: افتتاح مهرجان البحيرة 1984 |
استقبل الخيالة موكب الوالي عمر العتيري والمعتمد الأوّل محمد دمّق ومعتمد قصور الساف جمعة الشاوش وسط زغاريد النّسوة وقرع الطّبول. وما ان اعتلى الوالي المنصة حتى انتصبت حليمة وتشبّثت بعادتها القديمة وتلبّست بمحمد الشوباني فتناول المصدح وراح يكيل للحزب الدستوري المدائح ويثني على الدّستوريين من شباب البرادعة الذين أقاموا المهرجان وسهروا اللّيالي الطّوال وناضلوا وزادوا في نضالهم إرضاء للسيّد الوالي وتنفيذا لبرنامج ثري سهر على اعداده السّيد معتمد قصور الساف الذي يحبّ البرادعة ولم يكن تشجيعه لنا خافيا على أحد. وكان كلام الشوباني مرفقا ببعض التّصفيق بإمرة من أناس كلفوا بالاستصفاق، همس لي سالم سعيد مدير المهرجان واستشارني في الانسحاب والمقاطعة فاتفقنا على ضرورة الرّدّ ورفع الالتباس ووعدني بأنّه لن يتركني وحيدا وسيتحمّل مسؤوليته كاملة بصفته مدير الدّورة. انتهى محمد الشوباني من خطبته ومرّر لي الكلمة لأقرأ كلمة المهرجان فتصدرت المشهد وقلت: قبل أن اقرأ كلمة المهرجان بودّي أن أرفع بعض الالتباسات. هذا المهرجان أنجزناه بلا حزب دستوري وبلا معتمدية وبلا أيّ دعم من الدّولة وان أعضاء الحزب قد ركبوا القطار بعد أن طوى كامل الطريق فلم نشاهدهم الا اليوم، ولسوء حظ الحزب ان العضو الوحيد الذي لم يقم بدوره كما طُلِب منه هو ممثله داخل هيئة المهرجان وها انني أطلب منه ان يفنّد كلامي، أليس كذلك يا سي عبد الفتاح الصغير، وقد كلفت بإعداد مداخلة عن تاريخ المنطقة ولم تفعل؟ ثم يا سي محمد الشوباني. لماذا لم تذكر فضل عمالنا بالخارج الذين دعّمونا. قاطعني الشوباني: نسيت، فأجبته بل قل تناسيت بالقصد. عندما كنت أتكلم، كانت الزغاريد تناصرني ولم أدر من أوعز الى النساء ليزغردن فيزداد المشهد حماسة، وواصلت: اذن هذا المهرجان قامت به مجموعة من شباب البرادعة من اتّجاهات مختلفة، لنَقُلْ مثلا انها فسيفساء سياسية. عندها انتفض الوالي ونهض مشيرا على بإنهاء الكلام وقال:
Le courant ne passe pas.
ــ ما هذه الكلمة؟ فسيفساء سياسية؟ ماذا تقصد بها؟ ومن أين أتيت بها؟ فقلت له: ان المهرجان ثقافي بحتا وانا حررت مطلبا في اقامته وسطّرت كلمة ثقافي بحت وسلمته الى المعتمدية عن طريق الشعبة الجنوبية فقال: لم تصلني المراسلة فأجبته: تتحمل الشّعبة المسؤولية. لكنه تمادى في الكلام للرّدّ عليّ بغضب، قبل ان يمنحني الفرصة لقراءة كلمة المهرجان التي ركزنا فيها على المطالبة بإحداث بلدية وهي النقطة التي اثارت حفيظة محمد الشوباني حيث ردّ: ستصبح عليكم أداءات وقيود البناء والرّخص الأخرى. قلت: وستفقد كثيرا من الجاه في القرية وسيكون لنا رئيس بلدية ليفتكّ منك الأضواء. وتشنّج الوالي ومنعني من الكلام واحتكره ثمّ أنهى الحفل بأن أمرنا باختيار 40 منّا للحضور الى الولاية لمواصلة الحوار. وأمرنا بمواصلة المهرجان وانصرف. وبعد ان تعدّى ركبه حي السوافة عاد المعتمد جمعة الشاوش للاجتماع بهيئة المهرجان فجلسنا للتّحاور والمحاسبة. قال المعتمد متوجها الي بالحديث: انت تقصد اشياء سياسية. فنفيت ذلك وحاججت البقية باننا اتفقنا ان يتكلم محمد الأشهب لا محمد الشوباني وأن يرحّب بالضيوف ترحيبا ثقافيا بحتا. وكنا سننسحب ونعلن حلّ اللجنة لولا رفع الالتباس، فجأة قفز عبد الفتاح الصغيّر وتوجّه بالكلام الى المعتمد ليؤلّبه عليّ وقال: سيّدي المعتمد ها "الخراوات" هذا يكتب علينا في جريدة الرّأي، تمالكت نفسي لأبدو أكثر عقلانية وطيبة وهدوءً منه وقلت: أنا لا أستطيع أن أردّ عليك فأنت مربّي ومدير مؤسسة تربوية، وأنت سيّدي مثال من المفروض أن يقتدى به أعضاء الشّعب الدستورية، فسكت وأجهش بالصّمت وعقد لسانه. وأحسّ بأنّني أحرجته وانتصرت عليه بهدوئي وبتعقّلي احتراما للحضور، وتحرّك المعتمد وأراد أن يبعد عنه الاحراج فمال بالحديث الى موضوع آخر، قال: نحن نعتقد أن شباب البرادعة كلّه دستوري فسارعت برفع يدي وقلت:
ــ أنا، أنا لست دستوريا، ولا أنوي أن أكون دستوريا وإذا كان الدخول الى الجنّة ببطاقة الحزب الدّستوري فأنا ذاهب الى جهنّم مرفوع الرّأس.
لم يجد المعتمد الكلام ليردّ عليّ وخيّل لي أنه اقتنع بكلام عبدالفتّاح الصغيّر وأنني بالفعل (خراوات) فخيّر ألا يمشي معي أبعد من ذلك.
عدت إلى منزلي في سيدي مسعود في المهدية وعندما وصلت وجدت في المنزل قريبتي نجيبة بن يوسف ومعها زوجة محمد دمق. وكانتا قد جاءتا لتهنئة زوجتي بالزّواج، فطلبت مني الزوجة ان أرافقهما الى منزل محمد دمق القريب من مسكني، فلمّا فتح الباب الخارجي لمحني فتفاجأ وناداني وجلست معه في الصالون وامر لي بكأس شاي، قال:
انت محظوظ جدّا هذا اليوم، لقد تكلمت أمام الناس ممّا جعل النّسوة يزغردن، أنت لا تتخيّل الصّبر وطول البال ورحابة الصّدر التي يجب على المسؤول ان يلجأ اليها وهو يستمع إلى نساء يزغردن فرحات بكلام شاب ثائر بكل شجاعة وجرأة في وجه مسؤول. إنّه أمر لا يحتمله الوالي ولا غيره، ولولا الجمع الغفير لبتّ هذه الليلة في السّجن. ورغم انني مثل السّيد الوالي نوافقك على كلامك ودفاعك عن القرية فإننا نلومك لأنك تكلمت أمام الناس والناس خليط غير متجانس وقد يكون بينهم شباب طائش، فماذا لو رشقوا الوالي بالحجارة مثلا؟ على من نلقي اللّوم والتّهمة؟ انت تكلّمت بعقل وطالبت بحقّ وثمّة من لا يرى الا العنف. لهذا كان عليك ألا تتكلم بتلك القوّة.
ثمّ طلب منّي أن أروي له تفاصيل الحرب الأهلية التي وقعت بين البرادعة وقصور السّاف ليلة زفافي لأنّ زوجته لم تحسن نقل الأحداث. فقلت له إن المعركة أشعلها ناس من خارج العائلة، تماما كالمرتزقة لا تهمّهم الا المعارك. وقد جعلوا لها أسبابا غير موضوعية بتاتا فهي مجرّد اختلاف بين تقاليد الاحتفال بالزواج بين البرادعة وقصور الساف.
وكالعادة قصدت تونس ووضعت حكاية المهرجان على مكتب حسيب بن عمار. طمأنني وعدت الى المهدية فوجدت دعوة من الوالي للحضور عنده، فقد تفطّن الى انني لم أحضر مع الاربعين الذين جاؤوا لمحاورته في الولاية واستقبلهم ولاطف محمد الشوباني الذي بكى حسرة على الشباب في البرادعة الذي لم يعد دستوريّا وسأل عنّي وبهذلهم بالتسويف. جلست قبالته فقال لي كلاما كثيرا وقال انه لم يكن يعرفني ولكن وصله عني كلام سيّء وهو متأكد من انني مواطن صالح لا همّ لي سوى تقدّم قريتي وهذا أمر جائز ومعقول وان الوالي يفرّق بين الدّستوري الانتهازي وبين المواطن الصّالح. ثم سألني عن مشاكل القرية فأعلمته أولا ان المستوصف ليس فيه دورة مياه، تعجّب للأمر ولم يصدّق كلامي وتناول الهاتف وكلّم المعتمد وسمعته يؤنّبه ويأمره بالإسراع في الانجاز. ثم تحدثنا عن البلدية فوضع يده على تمثال مصغّر من الرّخام للرئيس بورقيبة وقال: لا أحد سيدوم، فهذا رئيسنا فعل كل شيء ولكن يا حسرة تقدم به العمر. وما دمت بدوري لست دائما هنا فلن أترك المهدية قبل أن تصبح البرادعة بلدية. وعدني بأن الوزير ابراهيم خواجة سيزور الولاية بعد أسبوع وانه سيطلب منه بإلحاح أن يعمل على تركيز بلدية في البرادعة، فمناطق ولاية المنستير المجاورة كلّها بلديّات. وهذا الشيء يثير الشّكوك ويزرع عدم الثّقة في نزاهة الدّولة. ثم ودّعني مشجّعا وأوصاني بأن أتلهّى بعملي فالشّعب يعاني من الأمراض وهو في حاجة ماسّة الى أمثالي. لم تمض الا أيام كثيرة حتى أعلن على أن البرادعة بلدية.
عيّن المرحوم محمد الميزوري المتفقد العام للشؤون الاقتصادية رئيسا للبلدية لأنّه كان محلّ ثقة الجميع، يتمتّع بالهدوء والعقلانية، ما أهّله لكسب الاحترام منذ تولّيه رئاسة المجلس. وكانت البدايات صعبة نسبيّا غير أنّه تمكّن من ترويض بعض الأعضاء المتصارعين على نيابته. ولم تثنه استقالات الغاضبين منهم على الثّبات وواصل وحقّق ما يستطيع. ولم يكن حظّ المنصف الحاج صالح الذي خلف الميزوري سعيدا إذ ما إن تمكّن من النيابة الثّانية، رغم التزامه السّابق بالاكتفاء بدورة واحدة، حتى فقد الانسجام داخل المجلس البلدي وانقسم الفريق الى قسمين: مع المنصف وضدّه. وصارت الأمور تدور بالدّسائس والنّفاق. ورغم تلك المصاعب فإن منصف بلحاج صالح حقّق الكثير من المكاسب الى الجهة منها بناء قصر لائق للبلدية في وسط المدينة وتجهيزه كما ينبغي وتعصير خدمات البلدية ورقمنتها واحداث شارع البيئة كما ساهم أيضا في بعث النادي الأولمبي بالبرادعة. والطريف في الامر انه حقق هذه الإنجازات رغم ضعف الإمكانيات المالية للبلدية.
ولعلّ الحادثة الآتية تعطينا فكرة عن العلاقات بين الاعضاء:
في عطلة الربيع من السنة الثانية من الدورة الثانية نظمت البلدية رحلة الى الجريد التونسي، وكنت من بين المشاركين فيها الى جانب بعض أعضاء المجلس البلدي مثل سالم سعيد والمنصف والكاتب العام للبلدية محمد الربيعي. وتغيّب عامر فطّوم وحسن حمزة وآخرون. وكنت شاهدا على أن ف.ع رحّب بحفاوة بالكاتب العام وأركبه في سيارته ليصبّ له ما قد دار بين أعضاء المجلس البلدي في غيابه. ومقابل الوشاية راح يسبّ ويشتم كل البرادعية مؤكّدا على أنه ليس منهم وأن الكاتب العام أشرف الخ...عندها أيقنت مدى نذالة الشخص وتخيّلت حجم المعاناة التي يلقاها رئيس البلدية في العمل مع مثل هكذا أعضاء. حدّثت الفرحاني عن المسرحية التي قام بها ف.ع أمام الكاتب العام فنقلها بدوره الى بقية الجمهور.
|
صورة 24 : كلمة مهرجان البحيرة = المطالبة ببلدية |
3 ــ عودة الجمر من رماد الرأي
لم تقف معاناتي من وراء جريدة الرّأي عند الحدّ الذي ذكرت سابقا بل امتدّت وتعاظمت حتى صارت مسلسلا مأساويا بطله عبد المجيد شرّاد طبيب زوجة الرئيس وسيلة بورقيبة، وضحيته المولدي فرّوج وحتى أصبح أستاذي شراد مسكونا بهاجس اسمي وصرت بالنسبة له كابوسا مرعبا. وصار يتصيّد الفرصة للتّشفي مني. وحانت الفرصة الأولى يوم اختيار أقسام التربص الداخلي. وما زاد في حقده انني انتخبت عميدا للأطباء المقيمين والداخليين. ورغما عن أنفه نجحت بعد جهاد كبير. وناقشت أطروحة الدكتوراه وكانت حدثا، لكنني سرعان ما علمت ان السلطة لن تقبلني في القطاع العمومي فقررت أن افتح عيادة في سيدي علوان. اخترت هذا المكان لقربه من البرادعة التي لي فيها عديد المرضى وكانت زوجتي تشتغل أستاذة في معهد المهدية. ولم يبق الا أن أبحث لي عن أموال لفتح العيادة. اتصلت بمحمد البدوي(فتاح) وأعلمته بأنني قادم الى باريس للبحث عن آلات طبّية فرحّب بالفكرة. نزلت في مطار مرسيليا عند اخي عز الدين ثم ركبت على متن القطار السّريع الى باريس فاستقبلني فتّاح ووضع لي برنامجا مكّنني من معرفة أهم المعالم الباريسية فأنا أزور فرنسا لأول مرّة. ولم ينس أن يحملني للمشاركة في مسيرة نظّمها اليساريون ضدّ اليمين الفرنسي وقراراته العنصرية، وكم أعجبتني تلك المسيرة فهي لا تشبه مسيراتنا التي نقوم بها في شوارع تونس عندما كنا طلبة، مسيراتنا يؤثّثها الصّراخ والصّياح والسّبّ والشتيمة والهرب والضّرب والعصيّ والحجارة والرّكض والتعثّر والسّقوط والصّدام والاصطدام. ومسيراتهم شكل آخر، إنها عبارة عن حفل، فيها الرّقص والغناء والاكل والمشروبات وطبعا فيها حملة الشعارات يمشون بانتظام وباحترام فرفعت مع النّاس الشّعار الذي أعجبني وصحت معهم:
Nous ne voulons pas du pain…avec monsieur le Pen.
اقتنيت آلة تصوير بالأشعّة للعيادة وبعض الأدوات الضروريّة الأخرى. وتكفّل البائع بإرسال البضاعة بالباخرة. دفع فتّاح الأثمان كلّها وضمّنها في فاتورة واحدة وترك لي المجال شاسعا والأجل طويلا لخلاص ما عليّ. أما بقية الهدايا والملابس فحملتها معي.
فتحت عيادتي في سيدي علوان وحضر حفل الافتتاح أصدقاء كثر من البرادعة. وأصرّ المنصف بلحاج صالح على أن يكون أول مريض أفحصه بعد أن سجّل ودفع معلوم العيادة.
|
صورة 25: البرادعية يحضرون حفل افتتاح عيادتي |
نجحت في عملي في البداية وكسبت ثقة المرضى، ولم ينقطع نشاطي الثقافي ولا كتاباتي في الصّحف، وساهمت في تأسيس نادي السينمائيين الهواة بالبرادعة وقد عقدنا الجلسة التأسيسية في عيادتي في سيدي علوان حضرها بالأخص الدكتور محمد السّافي الذي تكفّل بإحضار القانون الأساسي لرابطة نوادي السينما وتسجيل نادي البرادعة فيها وحضر الهادي سعيد وقمنا بعرض أحد الأفلام عن المقاومة في السلفادور وناقشناه في دار الشباب بالبرادعة. استدعي بعده الهادي سعيد من طرف المعتمد اذ كان وقتها عضوا حديثا في اللجنة المركزية للحزب ولامه المعتمد (على حدّ قوله) لأنه دعّمنا وشارك معنا، وأعلمونا بحلّ النّادي. وكفى المسلمين شرّ القتال والمثقّفين مشقّة البحث وعناء النّشاط.
بعد مدة من النّجاح، حدّثني العم رمضان، ممرّض في مستوصف سيدي علوان، كان يعرف والدي جيّدا ويقتني منه ما يحمل الى السوق الأسبوعية من بيض ودجاج، نبّهني الى أن الوضع ليس على ما يرام وأن السّلطة ممثّلة في معتمد المدينة غير راضية عني، وأنه يتوجّب علي ألا أغلق الباب على امرأة منفردة ونصحني بالتفكير في فتح عيادة في مدينة أخرى. أخذت بنصائحه وأفشلت المحاولة الاولى التي قادتها امرأة من زالبة ثم محاولة أخرى للزّج بي في إخفاء قتيل تعرض للعنف في البعاجلة (قريبة من سيدي علوان) لكنّني سارعت بكشف المسألة من اللحظة الأولى ولم أترك لهم الفرصة بل سعيت الى كسب ودّ المتآمرين.
تتسارع الأحداث وتسرع الأيام وتكبر البرادعة على وقع اتساع خطواتها وتمضي قدما في اتجاه المدنية وتخبط بالأعضاء الأربعة لتجد سرعتها.
شكلت الثمانينات من القرن الماضي منعرجا كبيرا في تاريخ القرية. ولعلّ بعض الوقائع شكّلت وقودا لتلك النهضة. تقول الاحداث الآتية من قصور الساف أن طرفا إداريا في المعهد الثانوي عيّر التلاميذ البرادعية بريفيّتهم ونعتهم بالعربان. وانتقلت الحكاية من تلميذ الى وليّ وانتشرت في المقاهي ونصبت لها الكراسي وأصبحت إهانة متعمّدة من طرف إدارة معهد قصور السّاف: كيف يسمح لنفسه بأن يتّهم البرادعية (العربان) بأنهم وراء الاضراب الذي نفّذه التلاميذ. وقال بعض إنّه شرف ندّعيه وإنّ البرادعية أهل انتفاضات وثورة وقال اخر: اننا سنواصل الاضراب ونطالب ببناء معهد في البرادعة وقامت الدّنيا ونسي النّاس لبّ الحكاية وتلهّوا بنتيجتها: الدّعوة الى بناء معهد، وتسارع النّاس كلّ يريد أن يكون هو المتبرّع الأوّل بالأرض حتى نشبت بعض الخلافات حول المتبرّعين: كل يدّعي بأنّ أرضه أفضل لبناء معهد. علمت السّلطة ووجدت نفسها مجبرة على احتواء الغضب الذي سببته إدارة معهد قصور السّاف وعلى تهدئة الخواطر وارضاء النّاس وانتهى الامر بإقرار المكان وببداية جمع التّبرّعات لبناء مدرسة ثانوية على الأقل.
|
صورة 26: المطالبة بمدرسة اعدادية |
في الحقيقة يسعى شباب البرادعة ان يصعّد الأمور ويثير البلبلة كلّما جدّ خلاف بين البرادعة وقصور السّاف وذلك قصد جلب انتباه السّلطة وخلق أسباب تؤكّد على وجاهة المطالب وحتّى تبدو البرادعة مظلومة، رغم أن الجميع يدرك أنّ أهالي قصور السّاف على علاقة طيّبة جدّا بأهالي البرادعة، وهم أصدقاء وأنساب، بل إن كثيرا العائلات تتوزّع بين الجهتين مثل عائلات الغراد أو الجميل أو الحلاوي أو بن فطيمة أو بن زينب أو بن لطيفة وغيرهم. كلّ هؤلاء متوزّعون مثل سكّان برلين بين دولتين متنافرتين زمن الحرب الباردة.
واستجابت الدّولة لكثير من المطالب وفي فترة قصيرة لم تتعدّ سنة أو سنتين صار للبرادعة مركز بريد عصري وتوزّع الهاتف على الصّيدلية ومركز الحرس الوطني وعيادتي الطبّية المؤقتة وكان لي شرف الحصول على صندوق بريد رقم1 في مركز البرادعة، وبسرعة أيضا تلاحقت المؤسسات العمومية للانتصاب كروضة الأطفال التي انشأتها وزارة الشؤون الاجتماعية ودار الشباب ثم نادي الشّباب.
14 ــ السّابع من نوفمبر أيضا
يوم السّبت 7 نوفمبر 1987 سمعنا بخبر ازاحة الزعيم الحبيب بورقيبة على يد رئيس وزرائه زين العابدين بن علي. ورغم معارضتي الشديدة لبورقيبة فإنني تأسّفت لخلعه بتلك الطّريقة المهينة. ولكنني تقبلت المسألة كما تقبّلها اليسار عموما. ولم نشمت بل قلنا لعلّ الظّروف شاءت أن تمشي بهذا الوقع وأن واقع البلاد المتردّي والتضييق على الحرّيات وغياب الدّيمقراطية كلّها عوامل من شأنها أن تقودنا إلى مثل هكذا نتيجة، إذن فإزاحة الرئيس حتميّة مادام لم يعزل نفسه.
يوم الثلاثاء 10 نوفمبر فوجئت بقدوم عبد الحميد الحرس الذي كنت نادمته في منزل يوسف عثمان، ظننته جاءني سائلا مرّة أخرى عمّن قاد عمليّة هدم سور السّوق، استقبلته ورحّبت به ورافقته الى مقهى في سيدي علوان على سيّارته R16، أعلمني بأنه أصبح رئيس فرقة إرشاد في المهدية ولم يعد مجرّد عون حرس. ثم غيّر حديثه وصار يسألني عن أصدقائي وزملائي في النّضال ضد الحكومة وأسئلة أخرى متضاربة ولا هدف لها إلا جوسسة سخيفة لا تصدر إلا عن متربّص في الاستعلامات لم يتعلّم بعدُ كيف يستقي المعلومة. وفهمت طبعا أنه جاء بلا هدف معيّن ولكنّه يحاول أن يوقع بي. لا أخفي أنني سخرت من الطريقة التي تحدّث بها، ولم أمنع نفسي من احتقاره والسّخرية منه. علّمني أحمد الكرفاعي أن أتحدّث بكبرياء كلّما ناقشت عون أمن وأن أقزّمه قدر الإمكان لأبدو أكبر منه شأنا، فأفرض عليه احترامي أو على الأقل أن يهابني. فعلتها مع معتمد قصور السّاف وأعدتها مع عبد الحميد، ظننت أنّه فهم الدّرس ثم صارحته بالقول:
ــ اسمع يا عبد الحميد، قبل أن تخون الماء والملح الذي تناولناه معا، لا أحد يضمن مكانه ولا حاله، لكن لن تستطيع الحصول على ما جئت من أجله، معذرة إن أنا خيّبت ظنّك، وإنّ أكبر شيء تستطيع فعله هو إضافة نقطة سوداء في ملف أسود، ولهذا سأتركك وضميرك إن أنت أخذته معك، اكتب ما شئت وتخيل ما شئت، لا تخيفني هذه الأشياء الحقيرة. ويبدو أن كلامي أصابه في المقتل فبيّن لي سبب مجيئه قال:
في الحقيقة، أنت خارج اللعبة تماما ولكن يمكن أن تدلّنا على صديق الشاذلي الحمروني، عندنا شك في شخص التقاه في فرنسا. هذا الشخص ارتبط بالشاذلي وصار يمدّك بمعلومات وبأسرار وبنصائح تنجو بها في كلّ مرة وهو الذي أعلمك بأن هاتفك مراقب. فاغتنمت الفرصة وهاجمته قائلا:
ــ تقول إن هاتفي مراقب، شكرا على المعلومة. سأخبر عرفك وسأشكر الأمن الذي في خدمة الشعب. ارتبك المسكين ولم يجد ما يقول ورجاني ان أنسى الزّيارة أصلا.
وكانت الصدفة قد صنعت مفعولها ولم يكذب عبد الحميد ولكنه أخطأ في طريقة البحث عن المعلومة. ففي الحقيقة عندما كان الشاذلي الحمروني في فرنسا في تربّص لتدريس المعاقين التقى بعون أمن يبدو انه كان هو ايضا في تربص مهني فتصاحبا. وصارا يتحدّثان في مواضيع شتّى. وقال الشّرطي للشّاذلي إنّه حرّر محضرا ضدّ طالب من البرادعة، فهم الشاذلي أنني المعنيّ بالأمر وأكّد له الشرطيّ ذلك، وصرت موضوعا مهمّا لحديثهما وصار الرّجلان صديقين وصار الشاذلي يستعين به لرفع المظالم عني ولمدّه ببعض النّصائح التي يمرّرها بدوره الي، ويبدو أنّ الرجلين التقيا في الفترة التي سبقت السابع من نوفمبر وفهم الشاذلي الحمروني ان هاتف منزلي تحت السّماع، وتأكّدت من الأمر عندما هاتفني أخي من فرنسا ولم يتم الرّبط بي ولكن رصيد البطاقة قد نقص فاستفسر من عون البريد فأجابه بأنه سمع الخطّ قد فتح على طريقة الموزع standard ولهذا نقص الرّصيد فنبّهني الى أن هاتفي مرتبط بخط آخر، وبدأت أترصّد إلى أن وصلت مكالمات مشبوهة، فأعجبت باللّعبة وقررت مهاجمة السِّمّيع، صرت أطلب بالهاتف صديقي حمادي الشماري، صاحب الصيدلية في سيدي علوان، وما إن يرفع السمّاعة حتى أطلق سيلا من الشتيمة والسّباب مستعملا أقبح الألفاظ ومتوجّها بها الى السّيد القابع للتنصّت عليّ من خلال هاتفي وناعتا ايّاه بالكلب القوّاد وغير ذلك من العبارات. هذه الطريقة أيضا أوصاني بها أحمد الكرفاعي، ولكم أعجبتني هذه المواجهة الهاتفية لأنني متأكد من أنها ستحطّ من عزيمة العون المكلف بالسّماع وستجعله يشكّ في انني اخترقت حاشيته ومن ثمة سيهابني وقد يتحاشى مواجهتي. البوليس يحترم الأذكياء ويخافهم ويشعر بالنقص إذا انتصر عليه أحدهم، ولعلّ لقصيدة جنازة الولي الذي قد يموت نصيبا كبيرا في وضع هاتفي تحت التنصّت، فالشّاذلي الحمروني كان قد ذكر لي ذلك وأوصاني بعدم نشر القصيدة نظرا لخطورة ما فيها، فهي موجّهة الى المحتفلين بعيد ميلاد الرئيس الحبيب بورقيبة. أقول فيها:
جنازة الولي الذي قد يموت
لكيْ لا أطِيل
وحتّى أوضّحَ وجْهًا من المسألةْ
كانَ شيخٌ يعمِّرُ في القريةِ النَّاشئةْ
...ثم مات
وكانَ يحِبُّ التَّعالِي
ويختالُ في هوْدج البركَات
تعثَّر بعْض الرِّجال بذيلهِ
حتى اسْتطالُوا
وقالوا:
ـ " هو اللهُ لولا وجُود الإلَه
...وكمْ كان في الجاهليّةِ من آلهة!!
إذنْ، فرَضا،
انَّه أوّلُ ربٍّ تهادَى على الأرْضِ
آخِرُ من جاءَ بالفرْضِ
أوّلُ من جادَ بالخبْزِ والتُّوت
كيف يمُوت؟
ونحْن نزُورُه في الثّالثِ من كلّ أوت
ونرقُصُ حتى انْبلاجِ الصَّباحِ
فما قيمَةُ الأرْضِ من غيْر شيخٍ؟
وكيْف يشدُّ بأرواحِنا ويموتُ؟
وان عجّ في رأسه العنكبوتُ
سنهْديهِ أعْمارنَا
ثم ما شَاء
من قسْطِنا في الجِنانِ
ونمْشي إلى الله
وهْو على رأسِ أوَّلنا
نطلُب أعْلى المناصِب والمنزلةْ
لكيلا أطِيلَ
وحتّى أوضِّح نفْسي من المسْالةْ
ـ لم يعُدْ بلَدي
يحْتَوي
شارِعًا، شاعرًا
حارةَ، حانةَ
او رضِيعَا بلا مهْزلةْ.
***
أصدر بن علي أمرا إلى المندوبيات الجهوية ومنحها الضوء الأخضر هدية تمكّنها من انتداب احتياجاتها من الإطارات دون الرجوع الى الوزارات، وفتح الباب أمام الجميع فطلبت من صهري الهاشمي قعلول أن يتقدّم نيابة عني بمطلب انتداب في الصّحة العمومية في الجنوب حيث لا تعرفني المندوبيات باسمي الجديد المولدي عامر فرّوج. فحرر المطلب وقدّمه، وانطلت عليهم فجاءني الرّد ايجابيا وطُلب مني الالتحاق بمركز عملي في رمادة وإعداد ملفّي لرفعه من طرف المندوبية الجهوية للصّحة في تطاوين الى وزارة الصّحة. طبعا دون المرور بوزارة الداخلية لأخذ رأيها، بعت العيادة وانتقلت الى الجنوب فبقيت في تطاوين حيث اندمجت بسهولة في مجتمعها الطّيب، واعتقدت أن الأمور هدأت وان الأمن استتبّ عندي وان السّلطة أغمضت عيونها عني.
عدت الى المهدية، بنقلة، وتمنيت ان أنعم بالاستقرار وأن أبتعد قليلا عن السّياسة لأهتمّ بالشّأن الثّقافي وأواصل الكتابة والنّشر وأنضمّ إلى الجمعيات الثّقافية. لكن لعنة الرّأي ظلّت تتبعني، وعداوتي مع التّجمع ظلّت تكبر وتنمو حتى بدأت في الاثمار فهؤلاء الاصدقاء انخرطوا في التّجمع وهجوتهم شعرا، وفي العمل ظلّ التّجمع يترصّدني رغم حرصي الشديد على عدم ارتكاب اية زلّة في عملي. كنت أحاول دائما ألا اتغيب، فخلال سنوات عملي لم أنعم بعطلة مرضية واحدة الا عندما أجريت عملية جراحية استوجبت الاقامة في المستشفى، هذا الممرّض سالم في مستوصف التلالسة حيث باشرت العمل منذ عودتي من تطاوين يصرّح لي، لغاية في نفسه، انه عضو في احدى الشعب الدستورية، حاول أن يكيد لي وأن يورطني لكنه ورّط نفسه وورّط الشعبة التي ينتمي اليها فأنصفني والي المهدية ومكنني من نقلة الى المهدية.
ظلت البرادعة تسير معي حيثما ذهبت. دعيت الى ملتقى الأدباء العصاميّين بسوسة حيث أنجزت أوّل ورشة شعرية تقوم على استنطاق النّص وتصنيفه لا نقده. وفي السّنة الموالية قرّر المشرفون عليه أن يكرّموني على هذا المجهود فحضرت حفل التكريم وقال مقدمي إنني مولود في مدينة المهدية ودرست في كذا وكذا، وعندما دعيت لتسلّم شهادة التّكريم أخذت الكلمة وأصلحت ما ورد على لسان من قدّمني وقلت إنني ولدت وكبرت في البرادعة، وعندما نزلت من المنصّة اعترضني رجل وقد بان عليه الكبر قال:
ـ اسمع يا ابني لقد كبرت في نظري عندما وضّحت أنك من البرادعة ولم تستعذب ما نسب اليك، فأنت ريفيّ صادق وأنا درّست في مدرسة البرادعة وما زلت أحب تلك القرية. فكن على حبّها هكذا ولا تحقرها فهي التي أنجبتك وكبرت في أحضانها فاتركها كبيرة في عينيك مثلما كبرت في نظري الآن. وقال الان تستحقّ التكريم مني وقبّلني، عذبة هي صفاوة الانتماء.
في سنة 1995 صدر عن مؤسسة سعود البابطين معجم البابطين للشعراء المعاصرين في ستة مجلّدات وقد ورد اسمي في الصفحتين 494 و495 وقد حرصت على التأكيد في سيرتي على ذكر قريتي فكتبت: ولد عام 1955 في البرادعة. ووضعت في أسفل السيرة عنوانه: ص.ب 1 البرادعة وكأنني أشركت البرادعة في التّعريف بي فاخترت للمعجم قصيدتين الأولى مرارة السّكر والتي قلت فيها:
هي ذي قريتي
غير أنّي نسيت
أقول عن السّكّر المرّ شيئا
وأشياء أخرى...نسيت
ثم وفي القصيدة الثانية مرثيّة الاصدقاء الاحياء قلت:
...واسحبوا ظلّكم من هنا
ثمّ كالرّيح مرّوا
هنا امتدّ ألف شهيد
كما شجرٌ لا يخرُّ
وقريتنا، دمُها يتخثّرُ فيكم
ولكنّ تربتَها لا تُذرُّ
هذه القصيدة كتبتها في الأصدقاء الذين هرولوا الى خانة التّجمّع وانخرطوا فيه، فاعتبرتهم ميتين ورثَيتهم وكانت صدمتي كبيرة لخسارتهم ولانسلاخهم عن حركة التّحديث التي كنا نقودها معا في البرادعة، خسرتهم القرية وخسرت نضالهم فما إن دخلوا حتّى أدمجوهم في منظومة الحكم وصاروا يستغلّونهم للدّعاية الحزبية وللزّينة كملابس الإشهار في الفيرتين.
أثّر فيّ موقفهم وأصابني بالإحباط. هذا ما جعلني أقسو عليهم في نهاية القصيد فأقول:
قفوا جيّدا، جيّدا ثمّ خِرُّوا أمامي
أنا شامخٌ دونكمْ،
شامخٌ مثل جُلْمُودِ صخْرٍ
وأنتمْ حُطامي
وأرفقت القصيدة بواحدة باللّهجة العامّية سلّمتها إلى الفنّان الملتزم محمد بحر فأحسن تلحينها وأداءها واستدعيت لحضور حفل في مهرجان المدينة بتونس العاصمة سجّلته قناة (A.R.T) وبثّت القصيدة كما غنّاها محمد بحر وألقيتها بصوتي. تقول القصيدة
حجرة الناظور
يا حجْرَة النَّاظُورْ
حِيطِكْ تهَدِّمْ عَ الذّْرِيع والرَّمْلَة
شُوفي الزّمان يدُور
والبَحْر يَلعِب عَ الصّْخَر ويمْلى
يا حجرةِ الناظور فاش تفَكِّر؟
عُمْر التَّعَب يطول بيك وبيّ
انْتِ تضوِّي والظلام يسَكّر
وانتِ تردي الرّيح ع المهدية
يا حجرة النّاظور هاني مثيلك
كي تْخَالْفُوا الأحباب عَ الحرية
-----------
كنتِ تشِدِّي الحيط وتعَلِّيه
بين القبور الميْتة والمُوجَة
كنتِ تشُقِّي الليل وتضَوِّيه
وتوَنْسِي البحَّار وقْت حروجه
حيطِك تعبْ وتهدِّم
وتفرْقوا الأَحباب حجْرَة حجرة
البعض ولَّى يَحْلم
دخَل البحر وقال درْجة بدرجة
والبعض خاف الريح لا تتبرم
كتف يديه وقال ما أحلي الفرجة
يا حجرة النَّاظُور
كل الحبايِب راحُوا
والِّي بقَى م السُّور
تقاسموه وارتاحُوا
وَقْت الزمان يدُور
نتسلحوا بسلاحه ////
نظمت مؤسسة البابطيين حفلا في العاصمة جمعت فيه شعراء المغرب العربي الذين وردت أسماؤهم في المعجم وسلّموا كلّ شاعر نسخة منه. وبعد شهر تقريبا وصلتني رسالة فيها ملفّ كامل يدعوني فيها مرسله إلى الكتابة عن "سبط الرّسول "علي ابن أبي طالب وأنهم قرؤوا عنّي في المعجم ما جعلهم يقتنعون بي، والغريب في الأمر أنّهم أثنوا على البرادعة وذكروا في الرّسالة الزّوايا الموجودة فيها مثل سيدي عبد السلام وسيدي عبد الله، وقد شكّكت في الأمر ولم أتفاعل مع الرّسالة، وما زاد في الغرابة أن الرّسالة وصلت ممضاة من باعثها: الخزرجي، ولم تدم الحيرة طويلا إذ جاءني عون من مركز البرادعة يطلب الملفّ وقال إنّ رئيس المنطقة شخصيّا على علم بالرّسالة وإنّه يطلبها لمتابعة البحث ثم سألني عن سرّ إقحام اسم البرادعة في الرّسالة؟ وإلى يومنا هذا لم أجد جوابا على سؤال العون ولكنّني سلّمته الملف. ولم أفهم علاقة الخزرجي هذا مع اسم الخزرجي الذي أطلقناه على البحري المانع.
الطّريف في الحكاية أن العلاقة التي كانت تجمعنا، نحن شباب البرادعة يصحّ فيها ذلك المثل الشعبي الذي يقول: معيز وسلات، من بعيد يتصايحوا ومن قريب يتناطحوا، فنحن نختلف ونتصادم في الكلام ونضع بعضنا في مواقف سياسية لا نحسد عليها ولكن، إذا ما صار الأمر جدّيّا أو أصبح المستقبل محلّ شكّ أو إذا صار رغيف العائلة في الميزان، فإنّنا نتغيّر ونتصاحب ونخاف على بعضنا ولا نعطي أصدقاءنا الى أعدائنا. وإذا ما فسدت تلك العلاقة فلا يكون افسادها الا من أجل منصب سياسي ما. عندما رغبت في النّقلة من تطاوين الى المهدية كان المنصف بلحاج صالح حاضرا فرافقني الى مكتب رئيس ديوان كاتب الدولة للصّحة الهادي مهنّي الذي كانت تربطه به معرفة متينة ولم نغادر المكتب الا بعد أن وعدني كاتب الدولة بالنقلة. وبعد شهر من ذلك اللقاء تمّت العملية.
عندما قرّر اول رئيس للبلدية المرحوم محمد الميزوري الانسحاب رغب في الترشّح لخلافته كلّ من المنصف بلحاج صالح وسالم سعيد والهادي سعيد وعبد الرزاق الشّمّاري وصعب الاختيار على المعتمد فاستدعاهم واتفق معهم على أن يتولّى كل واحد منهم دورة وعلى أن ينطلق العدّاد من يد منصف بلحاج صالح وأن يفسح المجال أمام الاخرين للترشّح لمجلس النّواب. ولكنّ منصف تراجع عن الاتفاق ورشّحه الحزب أربع مرّات متتالية فلم يغادر الكرسي إلا بعد أن أزاحته الثورة.
وليس غريبا أن تكون الأحزاب وراء افساد العلاقات بين الناس فهي لا تعمل على تنمية القاعدة وانما على تنمية القمّة أي مركز النفوذ في السّلطة وفي الحزب، خلافا للمستقلّين الذين يناضلون من أجل تنمية "قريتهم" إذ ان حبّ العطاء للبرادعة يوحّد القومي والشيوعي والماوي والاشتراكي، أما الأحزاب أو الاتجاهات السّاعية الى الحكم فالتنمية لا تعنيها بل إن همّهم الأول هو الاستيلاء على مفاصل الدّولة. بعض يعتبر أنه ملك للبرادعة وبعض آخر يعتبر البرادعة ملكا له، وهنا الفرق. وكنّا على علم بالتحركات التي تقوم بها حركة الاتجاه الإسلامي في السّر مركّزة في نشاطها على استقطاب التلاميذ في المعاهد الثانوية واعداد ملفّات شخصية لهم تسبقهم عادة الى الجامعة ليتولّى آخرون استقطابهم حالما يحلّون بينهم، أما في البرادعة فيجري استقطابهم عن طريق النشاط الكشفي وفي بطاحي كرة القدم وحول الصّيام الجماعي وصلاة الصّبح التي ينظمونها قبيل المباراة. وقد ألقت السلطة القبض على بعضهم وحكمت عليهم بالسجن. وبما أننا لم نلاحظ منهم لا من بعيد ولا من قريب ما ينفع البرادعة او ما يدعو الى تنميتها فاننا أهملنا التوسّع في نشاط الحركة الإسلامية في البرادعة بل بالعكس كنا شاهدين على ان الاتجاه الإسلامي ظل يخدم تنظيم الاخوان خفية الى ان ظهرت حركة النهضة من بطن الظلام وكشّرت عن مقاصدها، وكانت الأطياف الفكرية تناقش المسائل السياسية والاجتماعية في المقهى وفي اللقاءات الجانبية وتستثني من حلقاتها الاسلاميين لأننا نؤمن بأن الحوار بين الأيديولوجيات ممكن أما بين المدني والديني فهو مستحيل.
وطبيعيّ جدا أن تنشأ صراعات بين هذا وذاك من أجل نيل كرسيّ في الشّعبة او فيما أعلى منه. أما المنتمي الى الاتجاه الإسلامي فهو لا يعترف بالوطن أصلا ولا بالموطن وانما بدولة الخلافة: يقوم شيخ من الاتجاه بتأدية البيعة الى الخليفة في مصر (بداية الثمانينات). هؤلاء لم يعتنوا مطلقا بمصلحة البرادعة وكانوا ينشطون في السّرّ وتحت أوامر تأتيهم من الخارج. لذلك تعمّدت في هذا الكتاب تقسيم البرادعية الى أربعة أصناف: صنف أوّل ضمّ المواطنين البسطاء الذين لا همّ لهم الا العمل والجهاد من أجل لقمة العيش وتحسين وضعهم الاجتماعي فلا يعتنون كثيرا بالسّياسة. صنف ثان يشمل المتحزّبين الذين يعملون لصالح الحزب الحاكم غير مهتمّين بمشاكل النّاس الحياتية ولا بازدهار القرية أو انحطاطها. صنف ثالث متكوّن من الإسلاميّين(الخوانجية) الذين يعملون طول الوقت على استقطاب الشّباب وتجنيدهم واعدادهم لخدمة دولة الخلافة الوهميّة وللجهاد بالرّوح والمال من أجل اعلاء اسم الاخوان. والصنف الرّابع هو الذي جمعت فيه الطلبة والتلاميذ وبعض الشّباب الذين ظلّوا يناضلون من أجل قريتهم ومن أجل إرساء الديمقراطية والحرّية متسلّحين بالمبادئ العالمية التي انتشرت في بداية النصف الثاني من القرن العشرين. هؤلاء الذين أتشرّف بالانتماء إليهم. لم يسلموا من الواشين والقوّادة والمفترين سواء من الدساترة او الاخوان. لقد ذكرت في معرض حديثي شهادات حيّة طالتني شخصيّا وهذه شهادة تسلّمتها من البحري المانع المناضل في صلب اليسار التونسي يقول: شاءت الصّدف أن أتزوّج من ظلامية لأنّها وعدتني بالاحترام المتبادل لمذهبينا. وتفاجأت يوم 26 أكتوبر سنة 1979 بتلغراف يصل الى مقرّ اقامتي في باريس باسم زوجتي مرسل من طرف فاطمة (طالبة من عميرة) تأمرها فيه بالعودة سريعا الى المنستير فامتثلتْ دون أخذ رأيي. ومنذ ذلك الوقت اشتعل الضوء الأحمر أمامي وبان الأمر واضحا واكتشفت أن لزوجتي قائمة من الإسلاميين على رأسهم الحبيب المكني وزوجته وطبيب من المكنين وزوحته. حاولوا هؤلاء استدراجي للانضمام إليهم متعللين بان عمر ابن الخطاب وعلي ابن ابي طالب كانا اشتراكيين ولكنني رفضت. وأمام إصرار زوجتي على العودة الى المنستير كلما طُلب منها ذلك ودون استشارتي كان لا بدّ من أخذ القرار. وكانت المفاجأة العظمى يوم 16 أوت 1982 نتيجة لوشاية الظلاميين. فبعد يوم واحد من وصولي الى تونس جاءني عون أمن الى منزلنا في البرادعة وأخذ منّي جواز سفري وأمرني بالاتصال بوزارة الداخلية. وبدأت رحلة العذاب لتطول أسبوعا كاملا في المساءلة والاذلال والتحقيق قبل أن يعيدوا اليّ جواز سفري ويطلقوني للعودة الى فرنسا بتدخل من صديق قديم من بنّان يعمل في الداخلية هو ب.ب
.....
دار الجرّار ومشى الزّمن على هذا الوقع. ففي الانتخابات البرلمانية التي وقعت سنة 1989 ترشّح إبراهيم الصّغير عن دائرة المهدية في قائمة معارضة كنت من بين أعضائها مساندة. وعندما كان يقوم بحملته الانتخابية بين أهله في الغابة ما بين سيدي علوان والبرادعة وقعت بينه وبين معتمد الجم مشادّة كلاميّة قام على إثرها المعتمد عبد الوهاب المسعودي بصفع إبراهيم الصّغيّر.
وحتّى يبرهن التّجمع على أن قائمة إبراهيم الصّغير غير مرحّب بها بين أهله أجبروا أخاه على استقبال قافلتهم في آخر يوم من الحملة الانتخابية، كنت يومها شاهدا بالمناسبة على أنّ القافلة حلّت في سوق البرادعة وفي السّاحة العامّة واستعملت مضخّمات الصّوت بحضور معتمد قصور الساف بلقاسم... في سيارته الشّخصية (Peugeot 504 beige) حتى يتخفّى عن الأنظار وقد لاحظت ذلك، متهكّما ومنتقدا، الى رئيس مركز حرس البرادعة، ثم سارت القافلة الى حيّ أولاد الصغير في الغابة حيث كان من المفروض أن تستقبل بالزغاريد والاحضان، ونحروا عجلا ثم قدّموا لحمه الى الضيوف فلم يستطع أيّ منهم أكل قطعة واحدة إذ أنّ اللحم المقدّم كان نيئا. وتفطّن أحد المرافقين فأسرع لجلب فطور المعتمد من قصور السّاف. كانت هذه الصّفعة الملفوفة بالسّخرية والاحتقار التي تلقّاها التجمّع أمرّ من الصفعة التي تلقّاها إبراهيم من المعتمد وابتلع المشاركون في القافلة مرارة المقلب وعادوا مهزوزين مهزومين.
ويروي التّاريخ أن أولاد الصّغير كانت لهم حكاية أخرى مع صبايحية الباي في أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر، وصل ثلاثة عساكر ليطلبوا المجبى من أولاد الصغير فاستقبلوهم وأعدّوا لهم فطور الضيافة، ووضعوا أمامهم قصعة الكسكسي واللّحم فالتفت أحدهم الى شيخ في الدّوار طالبا منه أن يتولّى أهل الدّوّار اطعامهم، فامتثل المسكين وهمّ بإطعام الضيف لكنّ هذا الأخير تمادى في إهانة مضيّفه فطلب منه أن يحضر النّساء لإطعام رجال الباي، عندها تجمّع أهل الحيّ وأطعموهم بالعصي والحجارة والسبّ والشتيمة...وقد ألفتّ الحكاية في أوبريت تحت عنوان: طَرْقْ الصِّيدْ، أخرجها المرحوم ناصر كسراوي ووزّعتها شركة زاد للفنون ثم تحولت الى فلم بعنوان "رزق البي ليك أخرجه الحبيب المسلماني وانتجته شركة I.F.M وعرض في افتتاح أيام قرطاج السينمائية سنة 2017.ووقع تكريمي في المهدية على كتابة نصّه.
حدّثني السيد مفتاح العيّاط وقد كان كاتبا عاما للجنة التنسيق بالمهدية في فترة انتخابات 1989 قال إن الأمين العام للتجمع عبد الرحيم الزواري أوصانا باحتقار وهرسلة المعارضين الذين ينوون الترشح. ولعلّ هذه التّوصية هي التي شجعت المعتمد على صفع إبراهيم الصّغير.
................
في 14 أوت 1995 نجحت السلطة في الإيقاع بي. كانت مشاركتي في أمسية شعرية في النادي الثقافي بسيدي مسعود بالمهدية القطرة التي أفاضت الكأس وهيّجت السّلطة للتّحرّك ضدّي. كان الحضور كبيرا من بينهم كاتب عام لجنة تنسيق التجمع وبعض المعتمدين والقضاة. أمدني علي الزقاني، رحمه الله، بورقة طلب فيها أن أقرأ فقرة من قصيدة المقبرية وأن أتوقف عند مقطع:
هل كان يسكنها برابر ام عرب
اسال كما شئت لن تجد الجواب
الكل ألوان
تناكحت الغرابة بالغراب
بعض من الانس وآخر من ذئاب
وانبش جبالك فالسّماء خليطها
ريح الغبار وفاكهة التّراب
من الغد جاءني المندوب الجهوي للثّقافة المرحوم الهاشمي عطية الى منزلي وأبلغني ان الجماعة غضبوا من شعري وانهم اعتبروه استفزازا. فأجبته بانه أخطأ في العنوان فقد جاء الى منزل شاعر لا الى منزل راقصة ليملي عليها النوبة التي يحبّ وان عليه وعلى الجماعة ان يتقبلوا شعري غصبا او أن يمتنعوا عن الحضور في الأمسيات التي أشارك فيها. مضى يأكل غضبه كمن يضمر شرّا.
في تلك الفترة نشرت قصيدة في جريدة الأخبار بعنوان: "الأصفار "سخرت فيها من الحكّام العرب الذين تواطؤوا مع أعداء الأمّة ضدّ العراق، وتفضّل الشاعر عبد الله مالك القاسمي الذي كان يشرف على صفحة تداعيات في الجريدة بتقديم جميل برّر فيه اقدامه على نشر هذه القصيدة. وزادت جريدة الشّروق فنشرتها وكذلك فعلت جريدة الثورة الجزائرية واحتفي بها نادي الادب في عنّابة في الجزائر ودعتني إذاعة المنستير لتسجيلها دون أن تذيعها.
كنت أقضّي عطلة الصّيف في منزلي في البرادعة. وكنت أمرّ بعد العمل في مستوصف شيبة او السّعد على منزلي في المهدية فأتفقده قبل أن أعود الى البرادعة. في الأسبوع الأول من أوت لاحظت أن هاتف منزلي معطّل فاتّصلت بإدارة البريد في المهدية فأعطتني يوم 14 أوت موعدا لإعادة الخطّ. مررت، بعد العمل على الإدارة واصطحبت عون الإصلاح الى منزلي، شرع في معالجة الهاتف ثم طلب مني أن أبقى في الشّارع وأن أمسك بآلة هاتف أوصلها بالمجمّع المثبّت على حائط بجانب منزلي ففعلت ودخل هو الى المنزل. وبعد دقائق كلمني من هناك وأعلمني ان الأمور على ما يرام. شكرته وانصرف.
ومن الغد مررت كالعادة على منزلي بعد العمل، وفتحت الباب الخارجي فاعترضني هواء بارد كأنه يتأتى من مجرى رياح، مشيت في البهو فوجدت بطاقتي الصّحفية ملقاة على البلاط، عجبت للأمر، مررت مباشرة الى غرفة النّوم فوجدتها في فوضى، كل محتويات الخزانة مكدّسة على السّرير، علبة لوضع الحليّ موضوعة بعناية على حافّته، فتحتها فوجدت فيها خاتما من النّوع الرّفيع (شيشخان). أسرعت الى الصّالون فبدت لي عملية السّطو جلية: لقد سرقوا محتويات المكتبة الصّغيرة: الأوراق والكتب وبعض الملفات. وأخذوا معهم أيضا أشرطة قديمة (أشرطة العزوبية) فيها أشعار قديمة وأغان ملتزمة، والغريب ان "السّارق" لم يحمل معه شريطا واحدا من الاشرطة الجديدة ولا كاسات فيديو.
تفطنت إلى أنهم سرقوا كيسا مهمّا، فيه ملفّ وأوراق كثيرة ونسخ من قضايا تعلقت بصديق قديم اسمه م.ح. عادت قصّته المثيرة الى خاطري بسرعة: هذا الصّديق عرفته في الكلّية قبل أن ينقطع عن الدّراسة ويلتحق بوزارة الدّاخلية. تدرّج في الرتبة حتى حاز على كتفيه النّجوم وصار ملازما (أو ما شابه). اختلف مع وكيل الجمهورية حول مسألة تعلّقت بزيارة الوزير الأوّل الى مكان ما، ثمّ وأثناء منع الجولان بعد أحداث 26 جانفي 1978، ألصقت به تهم باطلة قادته الى السّجن. وكان وراءها خصمه وكيل الجمهورية. أعدّ صديقي ملفّا فيه من المؤيّدات الكثير وفيه حقائق واضحة عن ظلم القضاة له وفيه أسرار كثيرة تهمّ أمن الدولة في تلك الفترة وفيها أيضا أحكام متضاربة بين الصّفحة والأخرى كأن يصرّح القاضي أن من بين التّهم اغتصاب فتاة قاصرة سنّها دون العشرين، ثم تطوي الصّفحة فيتبيّن لك أن الفتاة الضّحية عمرها 23 سنة وأنها تعوّدت على ممارسة البغاء وأقدمت على الإجهاض أكثر من مرّة. أرسل صديقي م.ح إليّ ملفّه كاملا وطلب منّي أن أكتب رواية يكون هو بطلها وباسم مستعار. فأعجبتني الحكاية وشرعت في كتابتها حتى تجاوزت السّبعين صفحة. حدّثت الصديق الصادق شرف مدير دار "الاخلاء" فوافق على نشر الرواية على فصول. قرّر القضاء أن يخلي سبيل صديقي وأن يعيده الى عمله وفي درجة أعلى فبحث عنّي وطلب مني اعادة الملفّ. فوعدته بأنني سأعيده اليه بعد أن أنتهي من كتابة الرّواية وأنني لن أحرجه لا في العمل ولا في عائلته. وأوصاني بالمناسبة أن أكفّ عن كتابة الشعر ضدّ السّلطة. ودار بيننا ما يدور بين خصمين أو بين رجل من السّلطة ومعارض لها. المهمّ أننا قطعنا الاتّصال منذ ذلك الوقت إلى أن اقتحم منزلي.
تركت المنزل كما هو وتوجّهت الى مركز شرطة الزّهراء بالمهدية فرافقني رئيسه وعون آخر للمعاينة. سألني عن السّرقات فأجبته بأن السّارق أخذ كتبا وأوراقا غير مهمّة وبعضا من أشرطة الذّكريات، فابتسم وقال: وهل تسرق الكتب؟ فأضفت: هذا الواضح الى حدّ اللّحظة وسأتثبت، وخرج فتبعته فلما تعدّى باب المنزل سألته: يا سيّد، إنك لم تسألني عن اسمي فأجاب مستدركا كما لو كان يعرفه مسبقا: ما اسمك؟ فقلت: سأحمل اليكم نسخة من بطاقة التّعريف وقائمة في الأشياء المسروقة. ولم أفعل، مرّ وقت ولم أفعل. قصصت الواقعة على عبد السلام حمزة فأكد لي أنّه في عشية 14 أوت أي قبل ليلة السّطو على منزلي، كان جالسا صحبة عبد المجيد أحمد في المقهى عندما مرّت سيارة مشبوهة أركبت المرحوم الطيب (أخ عبد المجيد) غابت قرابة نصف ساعة أي الوقت الذي يلزمها لتصل منزلي على بعد كيلومتر تقريبا، ثم عادت لتنزل الطّيب، فالتفت عبد السلام الى عبد المجيد وقال له: هوّنهم هزّوا الطيب خوك ورجعوه محصّن مضمّن.
وبعد قرابة الشّهر دعتني وزارة الثقافة الى تسلّم جائزة الدولة للشعر التي فاز بها كتابي: مرارة السّكّر (هكذا) واقتنت ألف 1000 نسخة منها، هكذا أيضا رغم حسد الكائدين الصّائدين في برك التّهم الكاذبة. (يا للعجب!) ويا لاستفاقة ضمير السّلطة! فمن قال إنّ السّلطة لا تشجّع على الابداع؟ ومن قال إنّها لا تعترف بأخطائها إذا ما ظلمت مواطنا؟ من قال إنها لا تكفّر عن ذنوبها؟ ها هي إذن تثبت عكس ما نعيّرها به. ولكنّها قد تخجل من الاعتراف. إنّها كالزّوج الذي يريد أن يعتذر لزوجته دون كلام.
وايقنتُ أن السّلطة من حَلْفاء لا ترطّب الا بالتّخويف والضّرب على قفاها. واتّخذت من هذه الفكرة قاعدة، ولم يثنني تزلّفها واغراؤها هذا على مواصلة كتابة الشّعر والمقال على الشّكل نفسه. وأطلقت عملية البحث حتى صادفني علي الحاج أحمد، ممرّض اشتغل معي لسنين طويلة في المستشفى فأعلمني أن شرطيا من جهتنا يشتغل في تونس أخبره، متودّدا له أنّهم(؟) هبطوا على منزل صديقه المولدي فرّوج ولم يجدوا شيئا ذا أهمّية. تأكدت مرة أخرى أن العملية تمت بتخطيط من عون البريد المزيّف الذي أصلح الهاتف وترك الباب الخلفي للمنزل مفتوحا وان رئيس مركز الشّرطة كان على علم، وان العونين قدما الى البرادعة واصطحبا الطّيب الى منزلي ليتأكّدا من انّني أبيت في البرادعة في عطلة ذلك الصّيف، وان الطّريق مفتوح الى اقتحام منزلي في المهدية.
غير أن السّلطة لم تنم فبعد سنة تقريبا أو أكثر بقليل تعرّض منزلي الصّيفي في الحاجب على بعد 5 كلم من المهدية إلى الخلع. وفي هذه المرّة فتّشوا حتى لعب الأطفال التي في المنزل. وكالعادة لم يعثروا على شيء مهمّ. لم تفهم الحكومة الى يومنا هذا أنّني لا أترك حجّة لها ولا بصمة ولا حتّى بقايا سجائر تستطيع أن تعرف منها بصمات المدخّنين. ولم تفهم من تصرّفاتي اليوميّة أنني أحفظ كل شيء في دماغي. وأنني اتعاون مع ابليس للنّيل من الحكومة من أجل افتكاك بلادي من مخالبها.
تجنّد الحزب الدّستوري الجريح بعد هزيمته الشّنعاء في انتخابات بلدية الشّابّة وأرجع سبب هزيمته الى "أناس لا وطنيينّ" من ملّولش فقرّر ابعاد هؤلاء من مجال نشاطهم، ليظلّ ناصعا. وكانت النتيجة أن تصبح ملّولش معتمدية مستقلّة عن الشّابّة وتحرم البرادعة.
|
صورة 27: المعتمدية التي حوّلت |
15 ــ المهدية وكيف ترحب بالغريب
هذه جمعية النّاشئة الأدبية تنظّم أمسية شعرية في ظلّ شجر الشّارع، أمام مقرّها. دعتني فيها الى إلقاء الشّعر الى جانب منصف الغشام وطلب مني بعضهم قراءة فقرة من قصيدة المقبرية الواردة في مجموعة مرارة السّكر وهي قصيدة اشتهرت كثيرا واختيرت من بين المعلقات العشر في كلية الآداب بالقيروان من طرف بعض أساتذة العربية فيها ومنهم الدكتور محمّد البدوي، ويبدو ان شيئا ما حدث في نفس المنصف غشام أو إنّه انقلب في تفكيره أو همس أحدهم في دماغه فقام ليلطم شعره على وجهه ويشتم الشيطان الذي قادني وأطرده من جنّة المهدية وقال بصريح العبارة:" انت من البرادعة، يعني من عرب المهدية، يعني أيضا أنك دخيل على المهدية وليس لك الحق في الكلام عنها لا شعرا ولا نثرا". فاجأني كلامه وأصابني الذّهول والخجل والنّدم والإحباط والمرارة وشعرت بقسوة الاحتقار وذلّ الغريب في مدينة ليست لي. وكانت الصّدمة كبيرة عليّ فلم أجد كلاما مهذّبا ولا عنيفا لأردّ به عليه، وبقيت واجما منتظرا أن يتكفّل حديث أو كلام أو ضحك لإخراجي من زحمة المشاعر. حتّى تشجّع صديقٌ لي من أصدقاء الدّراسة (محمود بوبكر) وتكفل بالرّدّ بغضب على المنصف غشّام، ومثله فعل آخرون فردّوا عليه ردّا مناسبا يشفي الغليل. وكان من بين الحضور وزراء سابقون من المهدية لم أتبيّن أسماءهم من خلف الجباب البيضاء المتشابهة. أما المرحوم الهاشمي عطية، رئيس جمعية النّاشئة الأدبية فقد أبدى تأييده للمنصف وبارك تهجّمه عليّ بل وقد يكون وراء تدخّل الشّاعر فهو صاحب الدّار والدّاعي الى الأمسية. علم الكاتب المرحوم عبد المجيد عطية عم الهاشمي، فهاتفني وأنا في المستشفى وطيّب خاطري وطمأنني بأنني لن أحصل على الجنسية المهدوية فالعنصرية وليدة الجهوية. ثم أمر ابن أخيه رئيس الجمعية بتنظيم ندوة الهدف منها رفع اللّبس وإرساء مناخ من الثّقة والهدوء في المهدية. استجاب الهاشمي عطية لأوامر عمّه فنظم الندوة في نزل المهدي ودعا اليها بعضا ممّن كتبوا عن المهدية ومنهم أستاذي الرّوائي حسن نصر. وجهّز الهاشمي عطية المنصف العماري والحبيب مبروك وكانا عضوين في لجنة تنسيق التّجمع في المهدية وجنّدهما لمهاجمتي. غير أنه فشل في حربه إذ أنني استعددت كما ينبغي وكلت الصّاع صاعين.
ويبدو ان الهاشمي عطية لم يستوعب الدّرس واستمرّ في عدائه المجاني لشخصي. ففي سنة 1999 وعندما أردت تأسيس فرع اتحاد الكتاب بالمهدية اعترض وأوصى دار الثقافة والمكتبة الجهوية وحتى جمعية الناشئة الأدبية بعدم قبول فرع الاتحاد ولو كعنوان بريدي. استشرت المنصف بلحاج صالح، رئيس بلدية البرادعة في الأمر فرحّب ووعدني بتوفير مكتب للفرع وبتخصيص منحة سنويّة للتّسيير. فعرضت الأمر على رئيس الاتحاد المرحوم الميداني بن صالح فلم ير حاجة لذلك وخيّر أن يكون مقرّ الفرع في مركز الولاية، فاضطررت الى تأسيسه في نادي التعارف بسيدي مسعود ولم يحضر الهاشمي عطية وقد كان وقتها المندوب الجهوي للثقافة. فرفعت الامر الى المرحوم الميداني بن صالح فتصرّف فيه وأقيل الهاشمي عطية من المندوبية والتحق بالعمل في تونس، ولم يهدأ حقده عليّ، ففي أوّل نشاط وطني يقوم به الفرع دعونا اليه إدارة المطالعة العمومية ممثّلة في السيدة شريفة سماوي وحضرت معها الكاتبة نافلة ذهب. رافقهما الهاشمي عطية في نفس السيّارة ويبدو أنّه كال لي من الشتائم الشيء الكثير لذلك أوصتني الكاتبة نافلة ذهب بالحذر من هذا الثعبان.
.....................
عيّن محمد الأمين العابد واليا على المهدية وفي الأسبوع الأول من حلوله دعاني وعبر عن اعجابه بشعري الذي سمعه مرتين في صفاقس. وشجعني وأكرمني ورفع من شأني فتكفل بطبع الجزء الأول من مدوّنة المبدعين في ولاية المهدية وأسكت بعض الأصوات الدستورية التي كانت تناصبني العداء. لكن هذا الموقف لم يمنع رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي من حرماني من صنف الاستحقاق الثقافي فعندما قدّم له صلاح الدين بوجاه قائمة اتحاد الكتاب المقترحة لنيل صنف من أصناف الوسام. وقد جرت العادة على ان يسند الصنف الرّابع منه الى كل عضو ينتخب في الهيئة المديرة للاتحاد. فعندما قدم بوجاه القائمة وقد تصدّرها اسمي التفت بن علي الى عبد الحميد بوسلامة مستشاره الثقافي وسأله: هذا ما هو متاع جريدة الرأي؟ فأجابه بإيماءة من رأسه بالإيجاب. وبالتّالي سحب اسمي. وعندما علمت كانت سعادتي أكبر من الأوسمة جميعها وحمدت الله.
في انتخابات 2004، ذهبت الى مكتب الاقتراع لأنتخب فوجدت "المجوجم" مجنون التّجمع، وجدته يضع الأوراق في الظّروف نيابة على المواطنين الذين يكتفون بالإمضاء في الدّفتر، وكان يمنعهم من الوصول إلى الخلوة، غادرت المكتب دون ان أدلي بصوتي فناداني رئيس المكتب فامتنعت. ركبت سيارتي وتركت الباب مفتوحا ومزّقت بطاقة الناخب الى 16 قطعة ونفخت عليها فصادفت الارب محمد الميزوري، صديق من البرادعة. سألني ماذا أنا فاعل فأجبته بأن الدّيمقراطية المزعومة خسرت صوتا. مضى في سبيل حاله، وبعد 3 أو 4 أشهر وجدت في صندوق بريدي بطاقة ناخب وقد كتب عليها: تعويض.
ولم أذكر له شيئا حتى أواخر صيف 2010. سألته هل سيترشّح لرئاسة بلدية البرادعة، وكنت جالسا مع عبد السّلام الغراد فأجابني بأن بعضهم رغبوا في ترشيحي وزاروني في المنزل أكثر من مرة ليطلبوا مني ذلك، فقلت له: والله تكذب. فأجابني بكل صراحة: والله نكذب، ما ثم حد يلحلحوا بيه بل العكس هو الصحيح.
لا أنكر عضويتي في الرابطة التونسية للدفاع على حقوق الإنسان وانضباطي في العمل وانتخابي كاتبا عاما لنقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان للصحة العمومية بولاية المهدية، كلّ هذه العوامل منحتني حماية وحصانة لم أطلبها بل توهّمها المسؤولون الجهويون. ولعل عضويّتي في الهيئة المديرة لاتحاد الكتّاب هي التي أبعدت عنّي شرّ المناشدة. ذلك أن التّجمع والمقرّبين من السّلطة شرعوا في جمع الإمضاءات ليناشدوا بن علي للترشّح مرة أخرى. ولكنني رفضت أن أمضي في الورقة التي قدمها اتحاد الكتاب أيام رئاسة الشّاعرة جميلة الماجري، التي لم تفرض على أي عضو أن يمضي في عريضة المناشدة وتركت لهم حرّية الاختيار. وزدتُ فرفضت المناشدة في ورقة وصلتني من مدير مجمع الصّحة الأساسية بالمهدية مجدي بالحاج طاهر، حملها إلي السّائق إبراهيم وسلّمها لي أمام المرضى وكنت يومها في مستوصف الزّهراء، قرأت ديباجتها التي جاء فيها: نحن إطارات وأعوان الصّحة بمجمع الصّحة الأساسية بالمهدية نثمّن مجهوداتكم.... ونناشدكم للترشّح لانتخابات الرئاسة. همست له بكل لطف ان احملِ ورقتك وانطلقْ فطلب منّي امضائي بعدم الموافقة فأطردته لاعنا شاتما، ما جعل بعض المرضى يهدئون من غضبي ويلاطفونني خوفا علي من ردّة فعل السّلطة.
ومع مرور الوقت صارت الحرب معلنة بيني وبين التّجمع. وكانت فرصة الانتخابات البلدية القطرة التي أفاضت كأس العداوة بيننا ففي أكتوبر سنة 2010 انضممت الى قائمة مستقلة في بلدية البرادعة. فالعديد من التجمّعيين وخاصة الذين تم اقصاؤهم من قائمات التجمع عاهدونا بأنهم سيصوتون لها نكالة في التجّمع. تواصلت مع الدكتور سالم سعيد فأكّد لي أنه أراد أن يكون في قائمة مستقلة ولكنه عدل عن الامر تحت التهديد فخيّر أن يدعّمنا، واتّصل بي حمادي الحمروني ليعلمني أنّ أغلبية المواطنين يدعمون القائمة المستقلّة، رفض المنصف الحاج صالح التخلّي عن ترشّحه لفائدة واحد من أصدقائه الذين سبق أن اتّفق معهم على التّداول. كلّفت بالتّواصل معه فلم أنجح في ثنيه عن موقفه. واسمحولي أن أحكي لكم فصلا مما عانيت، أنا مجرد عضو في القائمة وأترك لكم فرصة تخيل ما عاناه رئيس القائمة الاستاذ وجدي الشوباني وتذكروا أنه يترشّح ضد قائمة الحزب الذي كان المرحوم أبوه أحد دعائمه في البرادعة.
أعود مرة أحرى لأتحدث عن عرش الشوباني الذي أحدث جدلا وما زال وكان له تأثير كبير على تاريخ البرادعة، توارث الشوابين الجاه والفعل السياسي وكذلك العلم منذ فترة الاستعمار. وقد سبق أن تحدثنا عن محمود الشوباني وحسين الشوباني والشيخ الطيب والدكتور الناصر الشوباني رحمهم الله جميعا. وسأفتح الضوء قليلا على فترة ما بعد الاستقلال التي لعب فيها المرحوم محمد الشوباني دورا رئيسيا عندما ترأس لمدة طويلة الشعبة الدستورية ثم شعبة التجمّع في البرادعة وقد تعرّض لعدة مشاكل داخل الشعبتين وهو ما يتناقض مع ما كان يلقاه الرجل من محبة معنا عندما كنا نجالسه رغم اختلافنا السياسي. ولعلّ الخلاف الصّعب قد لاقاه من العائلة فهذا صهره أحمد القديدي يدخل معه في شجار انتخابي وفي مهاترات وصلت الى الأمين العام وخرجت على أعمدة الصّحف. نجح الشوباني بخبرته في ابعاد القديدي. أما انتخابات البلدية لسنة 2010 فقد كانت أصعب اذ في هذه المرة ظهر لاعب محترم يحوز بدوره احترام ومحبّة الكثيرين فهو من ناحية ابن محمد الشوباني ومن ناحية أخرى مدعوم من طرف المعارضة (المستقلين) وهي المرة الثانية التي أرى فيها شابا من البرادعة يقف ضدّ والده لنصرة الاخرين. فعلها المرحوم الشاذلي الحمروني عندما كان يأمره أبوه بمراقبة الشباب وهم يجمعون صابة اللوز فكان يمنحهم نصيبهم خفية وهذه المرة فعلها المحامي وجدي الشوباني الذي تشجع فقرر أن يترأس قائمة مستقلة ضدّ تجمّع "أبيه"، جمع فيها كثيرا من إطارات البرادعة وهذه حدثت لأول مرة:
تكوّنت القائمة على النحو التالي: وجدي الشوباني (محامي: رئيس) عبد السلام حمزة (معلم) المولدي عامر شهر فروج (طبيب) سمير الصغير (طبيب) محمد السافي (أستاذ جامعي) محمد سعيد (أستاذ جامعي) المنصف العتروس(مهندس) فتحي زهمول (أستاذ تعليم ثانوي) حسن حمزة (أستاذ تعليم ثانوي) ناصر حمزة (أستاذ تعليم ثانوي) الناصر العتروس (معلم) عبد العزيز سعيد (معلم)
|
صورة 28 : القائمة المستقلة في انتخابات 2010 |
ورغم ايفاء القائمة بكل الشروط فقد تلكأت البلدية في منح الأعضاء بطاقة ناخب ووصل الامر الى التهديد برفع قضية استعجالية فسلمهم المعتمد وصلا لينفتح عليهم باب المضايقات والهرسلة والضغوط وقد وصل الامر الى تهديد رئيس القائمة تهديدا مباشرا واعلموه هاتفيا يوم 19 افريل بان القائمة لم تقبل دون مزيد من التوضيحات ومن الغد وقع اعلامه بان القائمة رفضت من طرف الولاية فتقدم محامي القائمة الأستاذ حاتم فرحات باذن على عريضة وبعد الاطلاع على الملف قررت المحكمة الابتدائية بالمهدية رفض المطلب. هكذا كانت اطوار مسلسل الظلم الذي تعرضت له القائمة المستقلة ولعل من أحد أسبابها كون رئيس القائمة المحامي النشيط هو ابن السيد محمد الشوباني الأب الشرعي للشعبة الدستورية في البرادعة. وهذا فصل من المسلسل تأكدت لجنة التنسيق من أنّ القائمة المستقلّة في البرادعة ستحقّق فوزا ساحقا. لذلك شرعتْ في محاولة ضربها او ثني أعضائها عن التّرشح، وكنت من بين المستهدفين. اتصلت بي هاتفيا (ج ج) من هاتف لجنة التّنسيق وطلبت مني ان أراجع موقفي فأرجأت الجواب. إلى أن قابلت مسؤولا كبيرا في الأمن (ح.ق) وأعلمته بالمكالمة التي وصلتني من لجنة التنسيق فطمأنني وشجّعني على ردّ الكلام بأقسى حدّة ان لزم الامر، وجاءت المكالمة الثانية من نفس المرأة(ج.ج) وفي نفس السّاعة. أعلمتني أنها زارت البرادعة واحتدّ النقاش فطلبت منها ان تمدّ السماعة لعرفها مصطفى بوبكر الكاتب العام للجنة التنسيق لأسمعه نصيبا فرفضت وقطعت المكالمة. بعد يومين او ثلاثة هاتفني الممرّض سالم التومي الذي يعمل معي في نفس المستوصف ونقل إليّ مباشرة من البرادعة رحلة البحث عن سحب القائمة المستقلة فقد ذهب إليها صحبة فرج بلحاج وجميلة في زيارة لإنقاذ التجمع وراح ينقل لي تحركات بلحاج واتصالاته بالناس طمعا في سحب القائمة وتوقّفوا في قصور السّاف حيث أصهاري وطلبوا من أحدهم ان يؤثّر عليّ لأنسحب. ثم اتصلت لجنة التنسيق بعدة أصدقاء لنفس الغرض ومنهم عبد السلام الغراد والشاذلي عزابو وحتى الهاشمي عطية نفسه. وعندما يئسوا كانت المكالمة الأخيرة بيني وبين ج.ج. هددتني بأن لي ثلاثة أطفال على أبواب التّخرّج من كلّية الطب وعليّ ان أبحث لهم عن شغل فالدولة التي لا أعترف بحزبها لن تشغلهم فدخلت في هستيريا من الشتم وسب الجلالة والتفوه ببذيء الكلام ولم اترك لها فرصة الرّد وصحت في وجهها انه ينبغي قصفها وقصف الماخور الذي يسمونه تجمعا للفاسدين قبل أن يصير فسادهم خطرا على أبنائنا. كانت هذه اخر معركة مكشوفة ضدّ التّجمع. ضمّت قائمتنا اسم محمد سعيد فاختلط الأمر على المعتمد وتعجلوا رفض القائمة بتعلة أن محمد سعيد تجمعي. إلا أنهم تفاجؤوا بوصول الدكتور محمد سعيد الأستاذ الجامعي من الكاف.
|
صورة 29 : محضر معاينة للدفاع عن القائمة المستقلة |
|
صورة 30: محضر معاينة في رفض القائمة |
16 ــ الثّورة التي أيقظت فكرة المعتمدية
ما إن حضرت الثّورة حتّى انتفض الشعب التونسي من تحت الرّماد انتفاضة المكبوت. وأبدع في الاحتجاجات ضدّ كل شيء وضدّ نفسه إذا لزم الأمر. وصار الاحتجاج مدعاة للسّخرية والتّندّر. وانتشرت العدوى بسرعة رهيبة وغزت المدن وانتهت الى القرى والأرياف وحتّى الأماكن المعزولة. وأصابت البرادعة في صميم شبابها المعطّل عن العمل.
سعدت مثل جميع النّاس بالثّورة وكنت مستعدّا لمبايعة ابليس شريطة أن ينقذ البلاد من براثن بن علي وأصهاره الذين طغوا واستبدّوا. وعندما اقتربت معمعة الانتخابات بحث عنّي الدكتور منصف مرزوقي وكلّمني صديق لنا في جريدة الرّاي اسمه الحبيب المخ ليقترح عليّ تمثيل حزب المرزوقي في المهدية فرفضت ووقع تعييني رئيس أكبر مركز انتخابات في 2011 وهو المركز الذي جمع غير المسجّلين وكان من بينهم عدد لا بأس به من البرادعة.
لاحظت عدة اخطاء وتجاوزات فرفعتها الى اللجنة الجهوية المستقلة للانتخابات.
ومن جملة ما اقترحت طريقة جديدة للانتخابات بعثت بها الى الهيئة العليا فأشارت علي بتوجيهها الى لجنة التشريع في مجلس النواب فأرسلتها ولم أتلقّ ردّا ايجابيا فسّرت لهم طريقة الورقة الدّوارة ودورها في تدليس الانتخابات فوعدني برفع المسالة الى الهيئة العليا، ولم يتوصل الى اقناعها بحذف الخلوة من العملية الانتخابية، وكانت الهيئة العليا أعلنت عن فتح مناقصة لاقتناء خلوة بطول 180صم وعلو 60 صم تلك التي وصفتُها بالداموس الذي يخفي الناخب عن الأنظار، وعندما يئست من اقناعهم بأن الانتخابات بالشّطب أو بالرّسم لا تحتاج الى خلوات تحجب النّاخب وتمنحه فرصة التّدليس، نشرت مقالا في جريدة الصّريح بتاريخ 1 اكتوبر 2014 تحت عنوان: الطريق الى انتخابات مدلّسة، وبعد ان نشر المقال أبطلت الهيئة العليا للانتخابات طلب العروض وعوّضت الخلوات بأخرى اقل علوّا جعلتها في حدود 30صم بحيث لا تحجب الا يد المقترع عندما يقوم بعملية التصويت.
.............................
وقع حلّ المجلس البلدي في البرادعة ووقعت استشارات كبيرة تولّى خلالها زايد كرشود رئاسة النّيابة الخصوصية فاستبشرنا به خيرا وناصرناه وشجعناه بالكلمة الطيبة. ولكنّ البعض شكّك في نزاهته وبدأت الالسن في قيلها وقالها. وكانت علاقتي به صافية. استشارني في الانضمام الى الحزب التقدمي الديمقراطي (PDP) فنصحته بالتريث وبالتنقّل بخطى ثابتة على ارض السياسة الزّلوق. في صائفة 2014 ناداني ليعلمني انه اختار حزب الاتحاد الوطني الحر وانه سيكون رئيس قائمة. ومرّة أخرى نصحته بضرورة التّركيز وبأنّ الوطني الحر لا مستقبل له لأنه لم يقم على مبادئ وانما على برامج استثمارية في السّياسة. لم يكن يثق بي أو هكذا خيّل الي وتشبّث برأيه. ومنذ ذلك التاريخ أيقنت أن الرجل لا يصلح للسّياسة ولم ينضج عوده بعد. وكان يمكن أن يستثمر طيبته وحسن أخلاقه ليبني مستقبلا سياسيا لائقا غير أنه تعجّل المناصب. تركته لرأيه وتواصلت علاقتنا فاترة.
في جانفي 2016 أصدرت الحكومة مشروع توزيع جديد للمناطق يقضي بإدماجها ضمن البلديات والغاء المجالس القروية، بدأت باستشارة النيابات الخصوصية في الموضوع. أمدّني زايد كرشود بنسخة من المشروع فوزّعته سرّيا على بعض الأصدقاء، وتزامن ذلك مع انتشار ظاهرة الاحتجاجات على انعدام التّنمية ووصلت الى البرادعة ودغدغت المعطلين عن العمل.
في 23 أفريل 2016 فتح المنصف الشوباني، أحد المعطلين عن العمل والناشطين في المجتمع المدني، صفحة على الفاسبوك سمّاها "البرادعة معتمدية" وضمّ اليها كلا من: عايدة سعيد، حسني إبراهيم، بشية سعيد، نعيمة العمري، ناجح كرشود، وليد القرزون، بلال حمودة، فدوى الدرويش، فتحي مفتاح، سهام الزبيدي، سيرين بن عمارة وعلي معروف.
|
صورة 31: أول صفحة للمطالبة بمعتمدية |
اتصل بي المنصف الشّوباني واقترح عليّ الانضمام الى مجموعة الشّباب لتشجيعهم ولتقديم النّصيحة فوافقت بكل سرور وانخرطت معهم في تحرّكهم، وبقيت على تواصل دائم مع المنصف يستشيرني في كلّ الخطوات. وكان يتصدّى للأصوات المشكّكة في تحرّكات الجيل السّابق ويردّ على التّهم بنشر بعض الوثائق القديمة التي أمدّه بها. اتفقنا على تنظيم جلسات بدأناها في مقهى المشموم في قصور السّاف، حضرها: المنصف الشّوباني وحسني إبراهيم وتوفيق فتحي عبد العزيز وعلي معروف وعلي الصالحي وبلال حمودة،
اقترحت على المجموعة ان نركّز تحرّكاتنا من أجل المطالبة بتركيز معتمدية في البرادعة فتشجّعوا وقد كان بعض منهم قد تدارسوا المسألة سابقا. فعقدنا للغرض بعض الاجتماعات في نفس المقهى وانضم الينا ناصر العتروس وشرعت في اعداد ملفّ المعتمدية بالاعتماد على مجمل الشروط التي بمقتضاها تُحدث المعتمديات. وتكفّلت مجموعة الشباب بتنسيق من المنصف الشّوباني بجمع الامضاءات على عريضة أعددت ديباحتها بعناية، وتجنّد لذلك كل من عايدة سعيد، حسني ابراهيم، نعيمة العمري، بلال حمودة، علي الصالحي، سيرين بن عمارة، علي معروف، رؤوف مسلم، آمنة الخنيسي، وفي ظرف 10 أيام تقريبا أمدّوني بقائمة المواطنين الذين أمضوا على العريضة وعددهم 1001 مواطنا. رفضت النيابة الخصوصية ومكاتب الأحزاب الامضاء فلم نهتمّ بذلك كثيرا وأرسلت نسخة الى يوسف الشاهد وزير الشؤون المحلية آنذاك ونسخة الى والي المهدية مع الاعلام بالوصول بتاريخ 1 جوان 2016.
من متساكني بلدية البرادعة البرادعة في 1 جوان 2016
عريضة الى:
السيد وزير الشؤون المحلية المحترم
تحية تليق بالمقام وبعد،
نحن الممضين أسفله متساكني بلديّة البرادعة التّابعين إداريا الى معتمدية قصور السّاف
من ولاية المهدية نتقدم الى جنابكم بعريضتنا هذه راغبين في احداث معتمدية في البرادعة حتى يتسنى لها مواكبة ما تشهده من تطور منذ انشائها في بداية الثمانينات.
ويسرنا ان نحيطكم علما بان أهالي البرادعة كان لهم شرف بناء مدينتهم خطوة خطوة فهم تبرعوا بأراضيهم لإحداث كل المرافق العمومية من معاهد ومدارس ومراكز للبريد وللحرس الوطني وكذلك للبلدية وهو سعداء بهذا العطاء على مرّ التاريخ.
ونحيطكم علما أيضا ان احداث معتمدية في البرادعة كان مبرمجا سنة 1992 لكن مشاكل سياسية صلب الحزب الحاكم حالت دون تحقيق هذه الأمنية وتحلينا بالتعقل والصّبر وقد آن الأوان للمطالبة بحقنا في إدارة تتولى الشأن في مدينتنا التي تزخر بالإطارات العليا وقد عرفت بذلك.
ان بلدية البرادعة تستحق أن تصبح معتمدية فهي تعد 13000 ساكنا باعتبار مواطنيها القاطنين في الخراج وتحتل المرتبة 181 من جملة 282 بلدية في الجمهورية قبل أن تضاف اليها 3 عمادات جديدة بعد التحوير الترابي للبلديات الصادر في الرائد الرسمي رقم 602 بتاريخ 26/5/2016 وهي بذلك تسبق خمس معتمديات في ولاية المهدية من حيث عدد السكان القاطنين في المناطق البلدية.
نتمنى أن تعملوا على تحقيق رغبة مواطني البرادعة في أقرب الآجال والسلام
ــ تصلكم صحبة هذه العريضة امضاءات المواطنين وعددها 1001 امضاء.
|
صورة 32 : العريضة الأولى الى وزير الشؤون المحلية |
|
صورة 33:نسخة من العريضة الى والي المهدية |
ووضعت نسخة أخرى في مكتب الضّبط بالولاية مع ختم المكتب وسلّمت الوصلين الأصليّين إلى المنصف الشوباني تقديرا لحماس الشّباب. وعندما أعيد توزيع البلديات وألحقت الغضابنة رسميّا بالشّابة بعد احتجاجات قام بها مواطنوها، اغتنمنا الفرصة وشجعنا هذا الانفصال لأنه يخدم وضعية البرادعة بتحييد قصور الساف، وأحدثنا حركية على منصات التواصل الاجتماعي. ثم ارسلنا الى الوزير مذكرة أخرى:
من متساكني بلدية البرادعة البرادعة في 4/ جوان / 2016
السيد وزير الشؤون المحلية
حول المطالبة بتركيز معتمدية في البرادعة
سيدي تحية تليق بالمقام وبعد،
كنا وافيناكم في عريضة مضمونة الوصول بتاريخ 1/6/2016 هذا نصها:
نحن الممضين أسفله متساكني بلدية البرادعة التابعة إداريا إلى معتمدية قصور الساف من ولاية المهدية نضم أصواتنا و إمضاءاتنا إلى العريضة التي أرسلت إلى السيد وزير الشؤون المحلية و إلى السيد والي المهدية بتاريخ 2/جوان/2016 و التي تضمت1001 إمضاء تطالب بإحداث معتمدية في البرادعة حتى يتسنى لها مواكبة ما تشهده من تطور منذ إنشائها في أوائل الثمانينات...
...ان بلدية البرادعة تستحق ان تصبح معتمدية فهي تضم 5 عمادات بعد التحوير الترابي للبلديات الصادر في الرائد الرسمي تحت رقم 602 بتاريخ 26/5/2016 ليفوق عدد سكانها 20.000 نسمة.
وبعد أن حصلنا على امضاءات عمالنا العائدين من الخارج في العطلة حررت عريضة ثالثة ارسلتها تكملة للسّابقتين وحفاظا على الحبل على الجرّار.
من متساكني بلدية البرادعة البرادعة في 15 جوان 2016
عريضة إلى:
السيد رئيس الحكومة
المحترم
تحية تليق بالمقام وبعد،
نحن الممضين أسفله متساكني بلدية البرادعة التابعة إداريا إلى معتمدية قصور الساف من ولاية المهدية نضم أصواتنا و إمضاءاتنا إلى العريضة التي أرسلت إلى السيد وزير الشؤون المحلية و إلى السيد والي المهدية بتاريخ 2/جوان/2016 و التي تضمت1001 إمضاء تطالب بإحداث معتمدية في البرادعة حتى يتسنى لها مواكبة ما تشهده من تطور منذ إنشائها في أوائل الثمانينات.
ويسرنا ان نحيطكم علما بان أهالي البرادعة كان لهم شرف بناء مدينتهم خطوة خطوة فهم تبرعوا بأراضيهم لإحداث كل المرافق العمومية من معاهد ومدارس ومراكز للبريد والحرس الوطني وكذلك للبلدية وهم سعداء بهذا العطاء على مرّ التاريخ ومستعدون للتبرع بالأرض الصالحة لبناء المعتمدية.
ونحيطكم علما أيضا أن إحداث معتمدية في البرادعة كان مبرمجا سنة 1992 لكن مشاكل سياسية صلب الحزب الحاكم حالت دون تحقيق هذه الأمنية. وتحلينا بالتعقل والصبر. وقد آن الأوان للمطالبة بحقنا في إدارة تتولى الشأن العام في مدينتنا التي عرفت بإنجابها للإطارات العليا في البلاد.
ان بلدية البرادعة تستحق ان تصبح معتمدية فهي تضم 5 عمادات بعد التحوير الترابي للبلديات الصادر في الرائد الرسمي تحت رقم 602 بتاريخ 26/5/2016 ليفوق عدد سكانها 20.000 نسمة.
نتمنى ان تعملوا على تحقيق رغبة مواطني البرادعة في أقرب الآجال والسلام
تصلكم صحبة هذه العريضة دفعة من إمضاءات المواطنين.
ووسعنا دائرة نشاطنا وحاولنا تشريك أكثر ما يمكن من النّاس، واتصلنا برئيس النيابة الخصوصية واقترحنا عليه مشروع مهرجان يضمّ البرادعة والحسينات والرشارشة تدعّمه البلدية من خلال جمعية صيانة المدينة. وعدنا بذلك مجرد وعد. صار عمل المجموعة مكشوفا فأسال لعاب المهرولين الى الانتخابات البلدية والتشريعية. وتهافتت الأحزاب، كل يطمح الى كسب تأييد المجموعة لكن غاياتهم انكشفت. فظهر على السّاحة خاصة الهادي سعيد وعزالدين الجميل ورمضان رويس كل لا يخفي معارضته لفكرة المعتمدية ويريد تحويل الوجهة للمطالبة بالتنمية (في الحقيقة كانت تقودهم الرغبة في الفوز في الانتخابات البلدية المقبلة). وما كانوا يفهمون أن التنمية تمرّ أساسا على المعتمدية. وازدادت مواقفهم شدّة عندما علموا أن مجموعة الشباب تهدّد بمنع توزيع بطاقات ناخب وبتعطيل العملية الانتخابية القادمة. ولم نحصل منهم ولو على امضاء يتيم في العرائض الثلاث.
حاول زايد كرشود جاهدا أن يحوّل وجهة المجموعة الى رصيد انتخابي قابل للتوظيف في التشريعية. اجتمع مع بعض الشباب في مقهى كرنيش رجيش استثنى منه منصف الشوباني وفريقه المطالب بالمعتمدية ودعاني الى الحضور فما إن وصلت حتى شككت في الأمر وانسحبت.
وفي نفس المكان حضر سامي الشرياق ووعد بتأييد المجموعة وبتشريك نادي العاب القوى الذي يترأسه بنجاح باهر في الأنشطة المبرمجة التي لم تنجز، أما محمد السافي فقد حضر معنا اجتماعا واحدا ثم سارع بتكوين جمعية للتنمية أنجزت أنشطة ثقافية في المدينة كان لها أثر طيب ولم يتخلّ تماما عن المجموعة وبقي على اتصال بالهياكل المدعّمة مثل فرع الرّابطة للدفاع عن حقوق الانسان.
عشت مع الفريق أياما مرّة زادتها مرارة آراء الذين يجذبون الى الوراء ويسعون الى الحطّ من العزائم والى تعطيل المسيرة فانتصبوا حجر عثرة في الطّريق وكانت الحوارات معهم تلقى أحيانا شكلا من أشكال الحدّة. تداولنا حالاتهم حالة بحالة ودرسنا شخصياتهم وأعددنا لهم خطّة مهادنة وتقليم أظافر. وألقينا الى البعض سنارات الطّعم فابتلعوه في هدوء. وحيّدنا الجنود الذين انتدبوهم ليكونوا رؤوس حربة يبيّضون بهم وجوههم. فصار بعضهم محل تندّر وسخرية واحتقار. استثنت المجموعة عبد الرّزاق الشماري لأنّه اختار الصّمت والنظر من بعيد لذلك فكّروا في دعمه لرئاسة البلدية بعد أن تأكّدوا من هدوءه وصدقه وعقلانيته. لكنّه لم يكن متحمّسا بما فيه الكفاية ولم يتواصل بجدّية مع المجموعة فتركوه ينسحب قبل السّباق، وحتى نسكت موجة المعارضين لتركيز المعتمدية نشرنا كلمة مهرجان البحيرة لسنة 1984 التي طالب فيها البرادعية بإحداث بلدية رغم اعتراض البعض آنذاك. وأكّدنا أنه لو لم تقع تلك الاضطرابات في المهرجان لما حصلت البرادعة على بلدية. ولقد أعاد التّاريخ حركته ليلقى موضوع المعتمدية الحظّ نفسه فيثير معارضة الأحزاب والساعين الى المجلس البلدي خوفا من أن تنافسهم على المناصب وتحرمهم من الوجاهة.
استدعانا الوالي محمد بودن وحضر الجلسة محمد السافي والمنصف الشوباني وعائدة سعيد وحسني إبراهيم والمولدي فروج ورافقنا بالصدفة المحامي رمضان حمزة. وكنا مستعدّين أحسن من الوالي لهذا الاجتماع، فأعددنا اجابات على أسئلته المحتملة: تعلّل الوالي بقلّة العمادات التي ستلحق بمعتمدية البرادعة فأخبرناه أن معتمدية الشّابة لا عمادات لها الا السّعفاة وكذلك صيادة وبوحجر ولمطة وبيّنا له شروط تركيز المعتمديات فقد تبيّن لنا أنه يجهلها.
صار لزاما علينا أن نخوض حربا بمعارك أربع. فالأولى ضدّ السّلطة للمطالبة بإحداث معتمدية، والثانية نخوضها ضد الشّق الوصولي الذي لا غاية له الا كسب الانتخابات، والثالثة أيقظها شق يريد أن تكون الغضابنة من بلدية البرادعة وكنّا نرى عكس ذلك فالإبقاء على الغضابنة تابعة لمعتمدية قصور الساف سيجعل بالضرورة العالية بشاطئها تابعة أيضا لقصور الساف احتراما للامتداد الترابي ولهذا الغرض نشطنا على منصّات التواصل الاجتماعي لندفع بجيراننا الغضابنة الى الالتحاق بالشابة والمطالبة ببلدية خاصة، أما المعركة الرابعة فقد خضتها وحيدا في قصور الساف ضدّ الأصوات التي لا تريد التفريط في البرادعة. وفي الحقيقة لم تكن معركة شديدة نظرا لعلاقاتي الطيبة مع العديد من رجالات قصور الساف فلي فيهم اصهار ونشاط ثقافي كبير. واقتنع الجميع بأن احداث معتمدية في البرادعة من شأنه أن يريح قصور الساف من عبء ثقيل يمتد الى الحسينات والرشارشة. وحاولنا رغم تلك المواقف المؤسفة أن نكون ايجابيين فتغاضينا عن التشهير بالقوّادين والمخبرين الذين أضروا بالبعض.
واذ لم نتصل بتجاوب من الحكومة برمجنا التّصعيد، فاجتمعنا ثلاث مرات في مقهى المشموم ورابعها في مقهى الصّيد في قصور الساف وقررنا اعلان العصيان المدني عوضا عن الاضراب العام لأنّه أشدّ ضراوة واهانة للسّلطة. وهددنا بمقاطعة الانتخابات ومنع توزيع "بطاقة ناخب" وبعدم السماح لمكاتب الانتخاب بفتح ابوابها.
وتكفل منصف الشوباني بإعلان المعتمد والوالي بالتحرك السلمي، وتحرّكت كتيبة العصيان: المنصف الشوباني، علي معروف، علي الصالحي، الهادي الشتيوي، الخال، عامر الصفاقسي، رؤوف مسلم، حسني ابراهيم، محمد الطيب البدوي، نزار الشوباني، وداد عبد العزيز والحسين معروف. وقادت جمهور المواطنين الى الطريق الرئيسية الرابطة بين المهدية والشابة. كان ذلك يوم الأربعاء 22 فيفري 2017.
|
صورة 34: التخطيط لتنفيذ العصيان المدني |
|
صورة 35: البرادعة تشارك في العصيان المدني |
17 العصيان المدني
وحان العصيان وسارع بعض الشّباب الى قطع الطّرق المؤدّية الى البرادعة وكذلك الطّريق الرّابطة بين الشّابة (صفاقس) والمهدية. وجيء بالبوب (فرق التّدخل) ونصب محمد الطيب البدوي خيمة للاعتصام (اقتلعها الامن دون العثور على اسم صاحبها) وأخذت المسألة منحى تصعيديا جنّد له الشباب جميع أهالي البرادعة. وأغار الأمن فجرا على مكان الاعتصام فأوقف بعضا من الشباب. وأصدر الوالي بيانا مغالطا لتهدئة الخواطر فلم نتقبّله واتصل بنا معتمد قصور الساف داعيا الى فتح الطريق والجلوس الى طاولة الحوار، غير ان هذه المحاولات باءت كلها بالفشل وفي النهاية اتفقنا على ان تكون الجلسة مشفوعة بإمضاء محضر تلتزم فيه السلطة بالعمل على إحداث معتمدية والى إعطاء البرادعة ما تستحق من فرص التنمية. وقد خيرت المجموعة التي نظمت مظاهرة العصيان ان تدعو الى الحضور والمشاركة في امضاء عقد الاتفاق بعض المواطنين لتوريطهم في الحركة رغم أنهم لم يشاركوا لا من بعيد ولا من قريب في التحركات والاستعدادات السابقة ورغم ان بعضهم كان يعارض الشباب وينتقدهم ونذكر منهم مثلا عبد العزيز عسيلة وعزالدين الجميل واحمد بن سالم وتم الاجتماع في المعتمدية يوم 26 فيفري 2017.
|
صورة 36: الاحتجاج بكل الطرق |
وتكونت لجنة للمتابعة برئاسة ناصر العتروس وضمت منصف الشوباني وهيثم بن عمر ومحمد الشماري. وتكفّلت أنا بإعداد ملفّ متكامل سلّمته الى ناصر العتروس ليتولّى متابعته مع معتمد قصور السّاف وارساله الى وزير الداخلية عن طريق الوالي.
|
صفحة 37: محضر الاتفاق ص1 مع السلطة |
|
صفحة 38: محضر الاتفاق ص 2 مع السلطة |
ولم يشارك المهرولون الى الانتخابات ولا الاحزاب في الاحتجاج فاتهمهم المحتجون بالوشاية التي ورّطت الشباب فأوقفهم الامن ولم يطلق سراحهم الا بعد امضاء محضر الاتفاق.
أما زايد كرشود وإحقاقا للحق فقد كتب على صفحته بالفيسبوك رسالة الى رئيس الحكومة يدافع فيها عن البرادعة وعن المهدية غير انه لم يتطرق الى الموضوع الرئيسي وهو المعتمدية. ومما جاء في الرسالة المفتوحة: "نعم البرادعة تنتفض لتطالب بالتنمية العادلة وبالتمييز الايجابي وبالشروع في تنفيذ المشاريع المؤجلة منذ 2011 كالمنطقة الصناعية والمستشفي المحلي وتحسين البنيية التحتية وملعب بلدي وتفعيل مشروع المنطقة السياحية"...
وكان زايد في ذلك الوقت حديث الاستقالة من حزب الاتحاد الوطني الحر (20/1/2017) قبل أن ينضمّ الى حزب نداء تونس الذي تمّ في 2/12/2017.
بعد ثمانية شهور من الصّبر على صمت الحكومة، ورغم التذكير المتواصل الذي قامت به هيئة المتابعة قرّر شباب الحراك تنظيم اضراب عام. أعلم المنصف الشوباني والي المهدية بتنظيم وقفة احتجاجية سلمية. واجتمعنا كالعادة في مقهى قصور الساف لإعداد الترتيبات الأخيرة وأحضرنا الشعارات التي سترفع. تغيب عن هذا الاجتماع رئيس لجنة المتابعة ناصر العتروس.
ونجحت المجموعة في استقطاب كثير من المواطنين وتقرر الاضراب العام وأغلقت المعاهد والمدارس أبوابها ودفعت بالتلاميذ الى المشاركة. غير أن الأحداث تواترت وبرزت التناقضات وانكشفت المواقف:
ــ استقالة أربعة أعضاء من النيابة الخصوصية
ــ تخلي لجنة المتابعة عن مهامها احتجاجا على تلكؤ الحكومة.
" نحن أعضاء اللجنة المشتركة المكلّفة بمتابعة تنفيذ بنود الاتّفاق المبرم بين ممثّلين عن أهالي البرادعة والسلط الجهوية ونوّاب الجهة بمجلس نوّاب الشعب، بإشراف والي الجهة يوم اجتماع فكّ العصيان المدني بتاريخ 26 فيفري 2017 في معتمدية قصور الساف. يؤسفنا أن نعلمكم بتخلّي أعضاء اللجنة عن المهام الموكولة إليها وترجع أسباب هذا التخلّي إلى تعطّل بنود الاتّفاق وعدم مدّنا بأي جواب
-البرادعة في 16 أكتوبر 2017-(ورد الخبر أيضا في قناة نواة)
وتزامن هذا الاحتجاج مع انطلاق الحملة للانتخابات البرلمانية وصارت المناسبة سانحة للراغبين في التّرشح الى مقاعد المجلس البلدي فحضر بعضهم وتكلموا في الناس الواحد بعد الاخر وعبّروا عن عدم موافقتهم عن الاحتجاجات وحاولوا ثني المحتجين عن مواصلة حركتهم واقناعهم بأن المعتمدية ليست أولوية وبأن حضور التلاميذ لدروسهم أهم وأجدى من انشاء معتمدية ووصل بهم الامر الى حدّ تهديد الشباب بأنهم لن يجدوا من يدافع عنهم كما في المرّة الاولى (المرة الفايتة لقيتوا من خرجكم والمرة هذي...موش مضمونة)
عارضهم كثير من الحاضرون بالتصفير والهتاف وانتشرت مداخلاتهم في الفيسبوك قبل ان تحذف بفعل فاعل وحفظنا نسخة منها. ولم ينسوا كعادتهم أن يحضروا يوم تدشين المعتمدية بل وأخذ بعضهم الكلمة وادعى ان المعتمدية جاءت بفضل نضالاتهم.
18-وسائل الاعلام
|
ص39: الحرب الإعلامية تنجح |
كثيرة هي وسائل الاعلام التي تابعت مختلف مراحل التّحرّكات وحصلت على استقالة أعضاء من النيابة الخصوصية وحتى استقالة هيئة المتابعة التي أعلنتها بعد رفض السّلط تنفيذ الاتّفاق بتصريح لوزير الشؤون المحلية قال فيه إنه لا يرى ضرورة لإحداث معتمدية في البرادعة. وفيما يلي مقتطفات من التغطية الإعلامية التي رافقت التّحرّك.
1 ــ الإذاعة الوطنية
قصور السّاف: البرادعة تعلن العصيان المدني (صور)
تعيش منطقة البرادعة التابعة لمعتمدية قصور الساف من ولاية المهدية شللا تاما بعد إعلان الأهالي اليوم العصيان المدني تنديدا بما اعتبروه تهميشا للمنطقة وإقصائها من المشاريع التنموية وفق ما أكدته مراسلة الإذاعة الوطنية نادرة بن اسماعيل.
.17 octobre 2017
البرادعة ولاية المهدية: اضراب عام وعصيان مدني
دخل أهالي البرادعة في اعتصام مفتوح حول مطلب المعتمدية اليوم الثلاثاء جميع المقاهي والمحلات والبلدية ومكتب البريد بمدينة البرادعة مغلقة.وأمهل الاهالي الحكومة مدة يومين على أقصى تقدير للاستجابة لمطلبهم المتمثّل في إحداث معتمدية
3 ــ الشروق
يوم 26 - 02 - 2017
المهدية: فكّ اعتصام أهالي "البرادعة" وفتح الطريق بالقوة العامة:
قامت الوحدات الأمنية بالمهدية فجر اليوم الأحد بفكّ اعتصام أهالي منطقة "البرادعة"، وفتح الطريق الجهوية رقم 82 الرابطة بين قصور الساف، والشابة على مستوى منطقة "العالية" بالقوة العامة.
4 ــ إذاعة صبرة
أكد معتمد قصور الساف التابعة لولاية المهدية، حسن البريني انه تم التوصل الى اتفاق مع اهالي منطقة البرادعة، تم بمقتضاه فك الاعتصام. ويتضمن الاتفاق عدة نقاط أبرزها احداث معتمدية، واحداث منطقة صناعية وميناء تجاري. المتابعة لمراسلنا.
5 ــ حقائق اون لاين
شهدت منطقة البرادعة التابعة لمعتمدية قصور الساف من ولاية المهدية ظهر اليوم الأحد 25 فيفري 2017، مناوشات بين محتجين وقوات الأمن مما أدى الى استعمال الغاز المسيل للدموع لتفريقهم وفق ما أفاد به الناطق الرسمي باسم قوات الحرس الوطني بالمهدية. …... ويواصل أهالي منطقة البرادعة اعتصامهم لليوم الرابع على التوالي مطالبين بالتنمية والتشغيل وإحداث معتمدية بالجهة.
6 ــ بلادي نيوز
البرادعة: فتح الطريق بالقوة وإيقاف عدد من المعتصمين
تم فجر اليوم الأحد، فتح الطريق الوطنية الرابطة بين معتمدية الشابة ومركز ولاية المهدية، وتحديدا على مستوى منطقة العالية، باستعمال القوة من قبل قوات الأمن وفقا لما أوردته جوهرة أف أم.
7 ــ شمس أف أم
أعلن أهالي منطقة البرادعة من معتمدية قصور الساف في ولاية المهدية، اليوم الأربعاء، عن بداية العصيان المدني في الجهة ووجهوا بيانا لوالي الجهة في الغرض…كما ستنطلق حملة لسحب كل بطاقات الناخبين ومنع فتح أي مكتب إقتراع في المنطقة وسيبقى العصيان مفتوحا لحين تحقيق مطالب الأهالي.
8 ــ جوهرة أف أم
شهدت اليوم الخميس منطقة البرادعة من معتمدية قصور الساف احتجاجا للأهالي مطالبين بدورهم بتسريع إحداث معتمدية البرادعة. من جانبه، أكد والي المهدية محمد بودن في تصريح لمراسل الجوهرة أف أم في الجهة، أن الولاية أوفت بتعهدها الذي تضمنه اتفاق 26 فيفري 2017، وقامت بإرسال ملف فني متكامل حول مطلب احداث المعتمدية
9 ــ موقع نواة
...موافقة رئيس الحكومة بعد اجتماعه بنوّاب الجهة والوالي على النظر في مطالب الأهالي وتفعيلها “في أقرب الآجال”. كما تكوّنت في الإبّان لجنة متابعة محليّة، وهاهي تتخلّى اليوم، بعد مرور 8 أشهر، عن مهامها. فالحصيلة بقيت صفر.
حاجة ماسّة لتقريب المصالح والخدمات
في قلب الوقفة الاحتجاجية أمام مقرّ البلدية، التقينا وداد عبد العزيز، ناشطة محليّة أخذت الكلمة لتعبّر عن غضب الأهالي والشباب بالمنطقة وعزمهم على التصعيد “نحن لن نتفاوض هذه المرّة، ولن نجدّد المطالب، بل نحن هنا اليوم لنُلزم جميع الأطراف وممثّلي السّلط الجهوية والمركزية بالتطبيق”. هذا وقد جاء ردّ رئيس الحكومة واضحا فيما يخصّ إحداث معتمدية بالبرادعة بأنّه “مطلب غير وجيه”.
وسط تجمّع التلاميذ والمواطنين، حاولنا تجاوز الاحتقان والأبواب الموصدة نحو المصالح البلدية. وقد فضّل أعوان الإدارة في مكاتبهم الالتزام بالهدوء وعدم التورّط مع سلطة الإشراف ولا الانحياز لصالح الأهالي. أمّا أعضاء النيابة الخصوصية، فأربع منهم أمضوا استقالتهم بتاريخ الاثنين 16 أكتوبر 2017 مقدّمين الأسباب نفسها على لسان بقيّة الأهالي.
أراض ذات صبغة سياحية بلا سياحة
لم يسلم أعضاء لجنة المتابعة المتخلّين من كلّ محاولات التضييق والتخويف، كما أنّ بعض الأطراف السياسية بالجهة حاولت التلاعب بالحراك وتوظيفه وهو ما أكّده لنا المواطنون الذين صرّحوا أنّه مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية انطلقت المزايدات لصالح الحسابات السياسية الضيّقة، مشيرين، “تحاول الأحزاب التلاعب بمطالبنا، ولا وجود لنوّاب الجهة خارج المواعيد الانتخابية" تجدر الإشارة إلى أنه بالتزامن مع الإضراب العامّ بالبرادعة تنطلق الدورة البرلمانية الرابعة،
وشاء الحظ والقدر أن أحضر حفل تنصيب اول معتمد للبرادعة كان ذلك يوم 23 فيفري 2022 وكأن التاريخ أبى الا أن يذكّرنا باعتصام 22 فيفري 2017.
|
ص 40: يوم تدشين المعتمدية كان لنا شرف الحضور |
19 ــ على سبيل الخاتمة
سار بنا المكان من تخوم التّين الشّوكي إلى البلدية، إلى المعتمدية واستنارت شوارع المدينة وتعالت بناياتها ووجد أهلها نعومة الحياة في مدينتهم ومازالوا مصرّين على تقديم ما يملكون لفائدة البرادعة، وقد بان ذلك جليّا بتعاضدهم خاصّة عندما أصيبت البرادعة بداء كورونا. شأنها شأن بقية الجهات. وبرهن أهل البرادعة مرّة أخرى على أنهم يحبّون بعضهم ويتآزرون رغم الاختلافات التي تطرأ من حين لآخر بين هذا المسؤول او ذاك وبين وجهات النظر.
ورغم أن بعضهم قد تفنّن كما شاء في التزحلق السّياسي ورغم كل هذا القفز من هضبة إلى أخرى فإن الخيط المتين الذي ظلّ يشدّ جميع النّاس ولم ينقطع هو حبّ البرادعة. وقد بيّنّا كيف إن بعض الجاذبين إلى الخلف والذين يلقون الحجر في الغدير الصّافي إنّما كانوا بصنيعهم هذا يزيدون المشّائين الى الأمام إصرارا وحماسا، لأنّ الجميع يتصرّف بدون حقد ولا كراهية.
لقد عاشرت شخصيا اجيالا كثيرة واختلفت مع كثير من الناس وتناقشنا بشدّة وبحماسة ولكنني أشعر بأنني لم أخسر صديقا واحدا بل كنت كلما ناقشت أحدهم زدت اقتناعا بأن المحبّة هي التي تضمن حسن العلاقة وبأن الودّ يديم العشرة، وأيقنت أن حسن النّية هو الفتيل الذي يضيء درب الجميع، وان البرادعة هي الثّدي الذي أرضعنا وجعل منّا خير أناس أنجبتهم تونس...مع الاعتذار لبقية الشّعب. وقبل أن أختم أودّ لو ذكّرت القراء والحكومة بأن البرادعية هم الذين بنوا مدينتهم ووضعوها على عمودها الفقري القويّ، فقد تبرّعوا بالأرض وساهموا في البناء: من الجامع الكبير الى مركز الامن، الى المدارس والمعاهد ودار الشباب ونادي الشباب ومركز الحرس الوطني والحي التجاري ومركز البلدية والسوق الأسبوعية ومركز البريد وروضة الأطفال وحتّى مقرّات الجمعيّات... كلّها من أملاك البرادعية سلّموها الى السّلطة ليساعدوها على إقامة مدينة حديثة، فكان طبيعيّا أن يطالبوها بنصيبهم من التنمية وباحترام الحكومات المتعاقبة لهم.
وكأنّ السلطة تصرّ أبدا على الخطا فعمدت إلى تعيين معتمد شابّ لا خبرة له ولا دراية بتسيير إدارة معتمدية شابّة مثله. ولذا فلا غرابة أن يدخل المعتمد في صراعات مع الإدارات المحلية ومع المواطنين فانقطع حبل الودّ والتعامل مع البلدية مما عجّل بتغييره بالسيد نجيب العايدي.
20- ملحق
مشايخ (عمد) البرادعة منذ بداية القرن الماضي
(حسب ما توفر لنا)
العلواني بن صالح بلحاج علي حمزة، حمودة بن حسين حمّودة وعلي بن بلقاسم بن حمودة (1913-1918)، الحاج حسين بلحاج خليفة بلحاج مفتاح، الطيب الشوباني (1927-1954)، فرج بن عبد القادر، عبد الله حاج مفتاح، عبد المجيد الشريف، عبد الله مسلم، عثمان القرزون، توفيق لحول، المولدي الشوباني، فتحي الخنيسي، حلمي الصغيّر.
قائمة في مديريّ مدرسة البرادعة منذ تأسيسها
Mr blanchard ، Mr libratti، رمضان الدنقزلي، الهادي حمزة، يوسف الفقيه، حسين حمودة، الطاهر الظريف، محمد الظريف، بشير الحمروني، محمد بن صالح، محمد حمامة، محمد بن سالم، محمد حمامة، احمد البكوش، البشير الجربي، محمد بوهلال، الهادي بن رحومة، حامد المشرقي، عبد الفتاح الصغير، بنعيسى حمزة، محمد قريع، شعبان حمزة، عبد السلام طاهر، فرجاني الدّرويش، الصّحبي مفتاح، حمادي الحمروني، نعيمة العمري، الصادق السبوعي، النّاصر العتروس، نعيمة العمري
المجالس البلدية للبرادعة
المجلس البلدي الأول (من 1985 الى 1990)
محمد الميزوري، عبد الفتاح الصغير، محمد الشوباني، سالم سعيد، محمد الاشهب، حمادي الحاج صالح، محمد الدرويش، عبد المجيد معروف، حمادي الشماري، منوبية بلقاسم، عائشة النعاس.
المجلس البلدي الثاني (من 1990 الى 1995)
محمد الميزوري، حمادي بلحاج صالح، محمد الشماري، الهادي سعيد، عبد الحميد عامر، فوزية العوام، محمد الشوباني، محسن حمزة، شعبان حمزة، منصف غرسة، وسيلة حمودة، عبد الفتاح الصغير
المجلس البلدي الثالث (من 1995 الى 2000)
المنصف الحاج صالح، عبد الرزاق الشماري، عامر فطوم، سالم سعيد، الهادي سعيد، بنعيسى حمزة، رمضان رويس، سعاد سعيد، حسن حمزة، حمادي عسيلة، المنصف غرسة، فوزية العوام.
المجلس البلدي الرّابع (من 2000 الى 2005)
المنصف الحاج صالح، عامر فطوم، حسن بن عبد السلام حمزة، محمد الهادي الميزوري، سعاد سعيد، محمد الاشهب، الحبيب بن المجدوب، سلوى مفتاح، عبد الفتاح الغمام، زينب البكوش، العلواني سعيد، عبد الرزاق الشماري.
المجلس البلدي الخامس (من 2005 الى 2010)
المنصف الحاج صالح، سعاد سعيد، رمضان رويس، محمد الاشهب، حسن حمزة، عبد المجيد احمد، هاجر البكوش، رضا الشوباني، فتحي الشوباني، حياة الجريبي، عبد الفتاح الغمام.
النّيابة الخصوصية 1 سنة 2011
زايد كرشود حمزة، حاتم الدرويش، الناصر العتروس، فتحي زهمول، احمد بن سالم، فوزي الصالحي، الناصر حمزة، فتحي عامر.
النّيابة الخصوصية 2 لسنة 2017
خالد البكوش، فتحي مفتاح، محمد سلامة، بوراوي قرين، محمد نصر، الصحبي مفتاح، هيثم بن عمر.
المجلس البلدي (من 2018 الى 2023)