
كاميرا
فاتحة الكلام
كنت اعتقد مثل جميع القراء أن كتابة الحوار صعبة جدا و أنها لا تستطيع أن تكون حمالة إبداع لأنها تشكل عادة طبقا يصلح لتقديم الفكرة و يتغاضى عن الصورة و يستعمله الكاتب في إبداء رأيه و يضن عنه بخياله. فان كان هذا الرأي صحيحا فليعذرني القارئ و ليعلم أنني اقتطعت من عمري وقتا طويلا لكتابة هذه الرواية و كان بامكاني ان اقضي هذا الوقت في عمل شيء يطيل العمر.
و قد بات ضروريا أن أملي شروطا لا يستطيع القارئ ان يعجب بالرواية ما لم يلبّها.
ــ أولاً على القارئ أن لا يبحث عن نفسه بين أبطال الرّواية ولا في حواشيها و أن يقنع بالركن الذي هيّأته له.
عليه أيضا أن يقشّر جلدَه و أن يدخلَ الروايةَ عاريا من رواسب القرن الماضي.
عليه أن يتحلّى بصفات القارئ النبيل و أهمّها رحابة الصّدر وسعة البال و القدرة على امتصاص التقلبات والانقلابات.
وعليه أن يمتلك خيالا خصبا يمكّنه من تمثل الأحداث و الشّخوص و من سماع أصواتهم واختلاق أشكال جسدية لهمْ و أن تكون له قدرة فائقة على استحضار بعض التفاصيل الأخرى التي قد تظهر على الوجوه كلما دعت الحاجة إلى تقلباتها.
و سأكون سعيدا لو تفضل القارئ النبيل بالمساهمة في كتابة الرواية بالربط الافتراضي بين الأحداث و المشاهد فيعفيني من تكرار ما قلت و ما لم اقل و يمكّنني من فرصة تبادل الأدوار فيما بيننا .
فإذا ما لبى هذه الشروط فهم الحكاية و تمتع بأحداثها.
مشهد عرضي
المؤلف يأخذ مكانه خارج الحكاية
نام الأطفال الأربعةُ مكسوري الخاطر لأنني أسكتُّ صوت التلفاز وتشبثت بذيل فكرةٍ اتقدت في الرأس فأشعلته. خفت عليها أن تضيع بين زحمة الكلام والصّور المنبعثةِ من الشّاشة و بين هيجان الأطفال و هم يشجعون بطل المسلسل على التنكيل بجثة الإرهابي الشرّير.لم يكن باستطاعتي القبض على فكرتي وسط هذا الضجيج.وكان بإمكاني فقط أن اروي للأطفال نهايةَ الأحداث عوضا عن التلفاز؟ أنا أعرف كيف تنتهي المسلسلات و كيف يشترط البطل أن تكون الخاتمة.
ولكن الأطفال حملوا أمّهم إلى النّوم شماتة فيّ.
فحملت نفسي إلى المطبخ مدركا أن أزيز الثلاجة أرحم من أصواتهم و أعذب من موسيقى التلفاز .
ترددتُ في كتابة السطور الأولى لأن القرّاء تزاحموا على الورق، كلٌّ يملي علي ما يشتهي أن يكون و كلّ يشترط دورَ البطولة فقرّرت أن اطردَهم جميعا وشطبت كل السّاعين إلى لعب الأدوار الحاسمة .
لا بدّ أن أقتلعَ أضراس الطّمع من أفواههم لأجعلُهم يتساقطون كجنودٍ فقدوا قائدهم في بداية الحرب.
في الحقيقة كنت خجلا من نفسي، فأنا رجل طيب لا يجاهر بالشماتة في القراء و لا يتجرّا على فضح مواقفهم من أحداث مضت. و كنت خائفا أيضا على روايتي من حقد المفضوحين فقد يتهمونني بالتآمر على بلد أسعى إلى الانتماء إليه و قد صوّرته شجرة عالية وتركت العالم يدور من حولها كالظل مرة يقصر و مرة يطول.
والمفضوحون أدركوا أن القرن الماضي انتهى بكذبةٍ في حجم البينغ بونغ أو الشّرارة الكونية التي يزعم البعض أنها أدّت إلى تكوين الأرض وظهورِ الحياة عليها. وسرعان ما انتشرت الكذبةُ و توالدت وتربّعت على كل الأذهان.
و بما أن صاحبَ الكذبة الحنون رجلٌ محترم جدا، و لا بدّ أن يكون كذلك، فانّ الناس بايعوا كذبته و تجنّدوا جميعا لترويجها بوسائل صنعوها بالمناسبة و باعوها بالمليم الرمزي تشجيعا على حرّية تناص الأفكار ودعما لحقوق اللغات في الانتشار الأفقي. و الكذبُ كالخبر المشؤوم سرعان ما ينتشر بين الطّبقات الشعبية في المدن البائسة لذلك سارعت دول كثيرة إلى استباق الخير وأصدرت أوامرَها بتصديق الخبر حفاظا على الأمن الغذائي للبسطاء من الناس وسعيًا منها لاستقبال القرن الواحد والعشرين براحة بالٍ و دون لجوءٍ إلى دعوة عساكر الاحتياط و لا تحريك لآلات ضخّ الماء في الشوارع وهم يعرفون أن الماء أشدّ فتكا من الرصاص خاصة إذا انساب ليّنا من تحت الأرجل يخلخل الأجسام و يقلِب الكراسي على أصحابها و الملاعق و السكاكين.
أما على الضفة المقابلة للكذبة فقد استرخى المؤدبون وأصحاب البطون الفارغة ينتظرون أن تمنّ عليهم الشّاشة بجديد الكذب.
جلس المؤلف ما بين الضّفتين يتابع الأحداث المنقولة ويحاول أن يفكّ شفرتها ليؤسّس حلمًا ما بين الكذبة والكذبة المضادة .
و قديما تحدث كثيرون عن أيد من رصاص و قفاز من قطن غير أن العالم غيّر ذاته فاستحدث الحداثة و استنبط العولمة فكان لا بدّ من تغيير القفازات و أخواتها.
كانت القرية قد ألقت به إلى العاصمة. فأقام فيها خوفا من السّكتة الثقافية. لم يترك جنسًا أدبيّا إلا و كتب فيه. و كان كلّما صدر له كتاب زاد في عزلته عن نفسه و عمّق الهوةَ بينه وبين الناس أو هكذا يشَعر كلما جاب الشّوارع بحثًا عن أصدقائه الجدد والقدامى يهدي لهم كتابَه الحديث و يذكّرهم بصعوبة النشر وغباوةِ الناشر و ثمنِ الطّباعة المرتفع.
و كم من مرة فشل في استمالة عطفهم فلم يحصلْ إلا على كذبة أو وعْد أبيض باقتناء بعض النسخ.
الناس يميلون إلى الراحة والاسترخاء أمام الشاشة.هم أصبحوا هكذا منذ أن عرفوا التواكل و مزاياه الأربع. كبرت أنانيتهم وتبلّد فيهم الذهن، مات الوعيُ وسرى وهْمُ القناعة في القطيع.
من الأفضلِ أن أكلّمهم بما يفهمون. ربّما انجح في التّوغل داخل ذواتهم عن طريق كتابةٍ أخرى، كتابة تأخذ شكلَ الكذبة التي صدّقوها أو هي كذبةٌ جديدة افصّلها على قياسهم.
سأكتب بالصوت و الصّورة.
سأنقش روايتي بالكاميرا.
***
امتصّ المؤلف نفسه من عقله و مضى يتلاعب بالأفكار فيقلب هذه و يقلّب تلك ثم يرمي بها إلى سلة الذاكرة. وكلما امتلأت جذب سلة النسيان المثقوبة ورمى إليها بالسيئ من أفكاره.
كثيرا ما تنتابه هذه الحالة غير انه لا يعترف بها خوفا على نفسه من الإصابة بداء فتاك لا يعرّفه تعريفا جيّدا و لكنه يحدد مكانه بين الغرور و الجنون و المريض يسعى دائما إلى إنكار مرضه ...
هل يستأهل القراء كل هذا التعب ؟
انه يحب أطفاله و يعطف على كل الأطفال.
قبّل أطفاله الأربعة قبل خروجهم إلى المدرسة و رافقته زوجته إلى امام المنزل لتنتظر معه سيارة تاكسي تحمله من حي ابن خلدون إلى مكان بعيد في الساحل .
يعرف أن زوجته اعتادت ألا تسأله عن وجهته كلما قصد ربه إلى مكان بعيد عن العاصمة.
المسكينة تخاف من تقلبات زوجها الشاعر فقد يطلقها ويتزوج القصيدة إلى الأبد. اكتفى بإعلامها انه سيغيب أياما أو شهورا.فدعت له بالعودة سالما ورجته أن يتذكر الأطفال.
أقلته التاكسي إلى محطة تونس الجنوبية. ركب الحافلة و هو يعدّ على الأصابع بقايا الزمن الآتي.
الفصل الأول
الكاميرا تتقمص دور البطولة
صاحب القرار يلج ماضيه من خلال قفل صدئ
و المدينة تخرج إلى دائرة الضوء
أولج المفتاحَ بصعوبة في قفلِ الباب و حاول أن يفتحه فتسمّر المفتاح في مكانه. جذبه بعنف و فتح حقيبته وتدبّر الأمر وأعاد المفتاح في القفل و راح يضربه يمنة و يسرة ويدفع صدأ العشرين سنة. انساب العرق من بين أصابعِه وتسلل إلى داخل القفل. دفع الباب فدار على صفائحِه الأربع وأحدث صريرا غريبا. خطا خطوةً و نصفَ الخطوة وراء الباب و رمى بسبابته اليمنى على زرّ الكهرباء فأنار الغرفة. لم يبحث عن الزرّ و لم يتردّد لحظة في الضغط عليه.كأنّ ذاكرته استوطنت السبابة وأسعفته بل كأن للسّبابة ذاكرة تفوق الحركة الإرادية أحيانا.
فتح النافذة و عاد ليضغط على الزّرّ وغادر المنزل .
لن يضيع هذه الفرصة ...
الحافلة التي نقلته من العاصمة إلى المهدية لم تزل رابضة في مكانها .رأى أناسا كثيرين يملؤون الساحة الوحيدة في المدينة .
بحث في الجموع عن أهالي قريته ليعلمهم بعدد أطفاله و ليعدهم بالضيافة إذا قدموا لقضاء شان في العاصمة.أحس بالغربة تتأرجح بين قلبه و العقل لكنه انتشل نفسه ليستعد لمواكبة حفل التنصيب فمرّر سبّابته اليسرى على حاجب الصورة و شغّل الكاميرا أصرّ على نقل هيئة الوالي و شكل نظرته للناس و طريقة كلامه وحتى ربطة عنقه .كل هذه الأشياء وخاصة المشية تعطي فكرة شاملة عن سلوك الشخص وأخلاقه وطبعه. إنها لغة الذات. لذلك يبادر كل مسؤول في اليوم الموالي لتنصيبه بانتداب مختص يعلّمه المشية و التوقف والتحية وتقديم التهاني وصنع الابتسامة بألوانها العديدة .
وقفت السيارة السوداء و تجمع المحترمون حول بابها الخلفي. هذا الشكل من الاستقبالات أصبح متداولا على شاشات التلفزيون . يعرفه الضيف والمضيّف و ابسط المشاهدين فلم يعر الوالي الشاب اهتماما كبيرا لعدد الأيدي المصافحة و لم يتحمّس للعناق و لم يلتفت للأقدام المتعثرة من خلفه بل ترك للحاضرين أن يتأرجحوا بين اتهامه بالكبرياء ووصفه بالسيد المتواضع.
اختار المؤلف زاوية تمكنه من أخذ صورة شاملة ولقطات دقيقة كلّما احتاج إلى التركيز.اخذ كل مكانه و صمتت الطبول.
تكلم رئيس البلدية و قد جلس على يمين الضيف :
ـ أيها الناس ! اليوم نطأ التاريخ وننقش في ذاكرة الزمن اسما جديدا لمدينتنا فهنيئا لنا و هنيئا للسيد الوالي بشرف التكليف على إدارتها. إننا نعده بالعمل والتفاني و بذل الجهد والتضحية . وأحيل له الكلمة ليهنئكم بدوره على إعلاء شانكم و طلوع نجمكم بين المدن.
وقف الوالي رافعا يديه ليردّ على هتافات الترحيب وليأمر بالصمت فساد.
ـ بداية، اشكر السيد رئيس المجلس البلدي على ما تفضل به من جميل الترحاب و بليغ القول و أشكركم على حضوركم.
إن تعييني من قبل الحكومة المركزية في خطة وال لم يأت صدفة و لا صدقة ولكن الحكومة قد باركت تفانيكم في خدمة الوطن و قدرت ما تبذلونه من جهد في سبيل نهضة المنطقة فقررت إنشاء ولاية يكون مركزها مدينة المهدية العريقة لتتولى شان الجهة وترعى مسيرتها.
إنني قد جئت للعمل و للعمل فقط...
إنني أعدكم بالانضباط و النزاهة فعدوني بالعمل و حسن النية.
***
تنتقل الصورة إلى المقهى المجاور للساحة .انه المقهى البلدي الذي كان علي ، ذلك الرجل البسيط قد اكتراه من المجلس البلدي دون مناقصة بعد أن أصيب بكسر بالغ في ساقيه الاثنتين عندما كان يقوم بشغل كلفه به المجلس البلدي .
مسحت الصورة المناضد و الكراسي الفارغة واستقرت على علي و هو يجلس إلى زبون واحد يسأله:
ـ لماذا لم تذهب إلى استقبال الوالي ؟ ألا تخاف أن تتفطن أذن أو عين إلى تغيبك ؟
ـ الحفلات لا تبيض خبزا ردّ الزبون.
بدا على عليّ إصرار غريب لانتزاع تعليق ما من الزبون فأضاف:
ـ هذه مناسبة استثنائية، فرصتك لترى مسؤولا جديدا قد تحتاج إليه. انه أول مسؤول كبير يسمّى على رأس معتمديّتنا، عفوا لن يسمح لنا بعد اليوم بتداول هذا الاسم.
انتفض الزبون و دفع بكاس فارغة كانت أمامه.
ـ ماذا تعني ؟ هل تغير اسم المدينة؟
ردّ علي بحذر كبير :
ـ إياك أن تكتفي بقول مدينة، لقد أصبحت تسمى مركز ولاية. إنها التعليمات و قد وصلتني للتوّ.
عدّل الزبون في جلسته و قال بتهكم:
ـ و هل تعتقد أن تغيير الاسم يغير الحال؟ ما عهدتك غبيا يا علي.
ـ أوصيتك اكثر من مرة أن تدير لسانك جيدا في فمك قبل الكلام الماسط.نعم تتغير الطباع كلما تغير اسم الشخص.
لكن الرجل تمادى في استخفافه بعليّ:
ـ أنا دائما هكذا لا تهمني السياسة و لا تخدعني الشعارات...أسرعْ إلي بفنجان القهوة أو بكأس الشاي فقد يبِس الرّيق من كلامك الأجوف.
ـ أنت ذئب أضاف علي وهو ينهض ....
***
عندما عادت الصورة إلى الساحة لم يبق من السيارات التي كانت تحيط بها غير حافلة صغيرة و قد شرع رجلان في رفع مضخمات الصوت و الأسلاك و وضْعها داخل الحافلة أما في الجانب الآخر فنرى إبراهيم معتليا شجرةَ الزّيتون الوحيدة في المكان.
شعرَ المؤلّف انه بدأ يتدرب على التعامل مع آلته منذ اليوم الأول و قد كان يشك في قدرته على التقاط الصّور فتفقّد الشريط. أحس بدافع قويّ يشدّه إليها وبأنه قادر على حملها على كتفه أياما عديدة دون ملل أو تعب...لم يغلق حاجب الصورة و ترك الكاميرا تتابع الأحداث و تسجلها.
اندست أصابعه في جيب سترته لتتلمس قلمه لكنه شعر بوخز فسحب يده بعنف .
كيف يتجرا على تصوير مشية الوالي والتركيز على بريق حذائه ولون قميصه المتناسق مع ربطة العنق ؟
مضى يحدّث نفسه:
ــ سأحمل الكاميرا إلى القاضي وأقنعه بان نيتي صافية وبان قلبي طيب وبأنني لا ارغب في الإساءة إلى أحد و احلف له بالوطن الذي أجلّه إنني أتحالف مع الوالي إذا أصاب و أخالفه الرأي إذا أخطأ.و سأطلب من القاضي أن يسمح لي بمنازلة الناس على حب البلاد فاهزمهم جميعا ثم أعده بأنني سأحمل الشريط حيثما ذهبت لأدعو سكان الأرض إلى زيارة البلد و اترك أمامه الكاميرا و أغادر القاعة تحت موجة من تصفيق المتهمين ولفضوليين وامضي لأكتب كذبا غريبا عن بلد يتقبلني ..
***
تعود الصورة إلى المقهى و قد امتلأ بالزبائن. كأن المدينة في يوم سوقها الأسبوعية.
يجلس إبراهيم وحده إلى منضدة و يصيح في أذن علي:
ـ قهوة ! يا علي القهواجي.
فيهمس علي :
ـ حاضر يا سي إبراهيم .
همّ إبراهيم بشدّ علي من ميدعته فلم يفلح و اكتفى بالتمتمة :
ـ سي إبراهيم ؟ و من غير موجب ؟ ماذا أصابه ؟
بالقرب من إبراهيم أربعة رجال منهمكين في لعب الورق.
وشوش الأول:
ـ لن يسمحوا لنا بلعب الورق في الصباح.
فعلّق الثاني بسرعة وكأنه كان ينتظر الخبر:
ـ إشاعةٌ...العبْ.
ردّ الأول بصوت اكثر حدة :
ـ أنا اصدق هذا الخبر لأن شرْب الخمر ممنوع في بعض الجهات وكذلك لعب الورق في الصباح. و لا استغرب أن يسري هذا القانون على جهتنا.
حاول الثاني أن يتجاهل إصرار الأول على إيصال الخبر فأضاف :
ـ الحديث و المغزل... العبْ بسرعة. إنها إشاعة بغيضة.
عندها تدخل ثالثهم:
ـ الأخبار تبدأ يإشاعة في الصباح وتنتهي بحقيقة في المساء.
و مرّت عدوى الخبر إلى الرابع فأدلى بدلوه في المسالة:
ـ و ما الغاية من حرماننا من إضاعة الوقت ؟
ردّ الأول مبرهنا مرة أخرى على صحة الخبر:
ـ يقال أن الوالي الذي عين في معتمديتنا...
فقاطعه الثاني:
ـ اسكت لا تقل معتمدية.
طوى الأول حزمة الورق و سأل محدثه:
ـ وهذه حقيقة أم إشاعة ؟
لكن الرابع لم يترك للثاني فرصة الإجابة فقال :
ـ لم تكمل حديثك عن الوالي.
ردّ الأول بسخرية مكشوفة متجاهلا مرفق الثالث الذي ظل يلكزه :
ـ يقال انه لا يحب البطالين و انه يشجع على العمل ويكره الجلوس في المقاهي و انه مثقّف واع و مفكّر لامع وصاحب مبادئ و يحب العرب و لونهم و لغتهم و هذه صفات تنذر بالخطر .
أصر الثاني على أن يشكك كعادته في كل ما يسمع فعلّق:
ـ قيل لنا إن المعتمدية أصبحت ولاية فصدّقنا بسرعة وتريدنا أن نصدق إنها صارت حظيرة...لا اعتقد ذلك .إن في الأمر فعلة فاعل.
يضع علي فنجان القهوة أمام إبراهيم و يجلس بالقرب منه.
ـ قلْ يا إبراهيم...
ردّ إبراهيم بكبرياء مصطنع:
ـ ألم تكسِر لي حرفَ السّين منذ حين ؟
ـ معذرة يا سي إبراهيم علمتُ انك استقبلتَ الوالي وودعته بنفسك .
ـ هذا خبر صحيح.
ـ و لماذا ؟
ـ لعنك الله يا ابن المقهى أتريدني أن أتغافل عن ضيفنا وقد اختار أن يستقبل الناس في جواري؟
ابتسم علي و تلكّأ قليلا ثم أردف قائلا:
ـ يا رجل ...قل بالقرب من زيتونتي.
ـ لا فرق.
ـ إن زيتونتك هذه تذكرني دوما بأغنية قديمة نسيتها ...لا...لا تستعجل السؤال...تذكرتها إن معناها يقول :
إذا مت و قدر الله .....
حطوا قبري على الثنية
إذا مت و قدر الله.......
الماشي و الجاي عليّ
قاطعه إبراهيم :
ـ أعدك بدفنك تحتها...و أعدك بان اصب عليك آخر كاس من الشاي الساخن في كل ليلة .
ـ لعنك الله . أتتمنى لي الموت؟
ـ لأنك تحسد زيتونتي.
تحاشى علي أن يغضب إبراهيم فطلب منه ألا يغادر المقهى ليساعده على رفع الكراسي و كنس البلاط من قشور الفواكه و رماد السجائر.
***
أدار المؤلف المفتاح بصعوبة في القفل الصدئ ...منذ عشرين سنة لم يفتح هذا الباب أي منذ أن تقبّل هو و إخوته العزاءَ في موتِ أبيهم . و ما كاد الجميع يخلع رداء الحزن، بعد أسبوع واحد من الدفن، حتى تفرق الاخوة و شقّ كل منهم طريقه فالأكبر سافر إلى إيطاليا حيث يقيم مع زوجته الصقلية و التحق الأخ الأصغر بأطفاله في فرنسا بينما بقي هو في القرية يومين آخرين لترتيب المنزل ..
أحسّ و هو يدفع الباب بقشعريرة ووقفتْ شعرات رأسه. أعاد غلق الباب و فتحه من جديد و كأنه يمزج الصرير بالنواح.
دمعة واحدة شقت طريقها إلى ما بين الشفتين فتركها تدلف إلى فمه و دخل إلى المنزل. اشتم رائحة الرطوبة فأصابته نوبة من العطاس . أشعل عود ثقاب ثم خطا خطوة ونصف الخطوة من وراء الباب. لم يشعر بعود الثقاب ينطفئ بين أصابعه و ترك ناره تموت باردة .لم ينس زر الكهرباء.عشرون سنة لم تقدر على محو الزّر من السبابة.
على هذا الكرسي المغبرّ تقبل تعازي آخر الأصدقاء، خالد الذي لم يرافق موكب الجنازة.
طالت جلسته في النور و لم يأت أحد، لم ينتبه الجيران إلى الضوء الذي انبعث فجأة من داخل المنزل المهجور. تساءل بحيرة عن سبب لامبالاتهم..الأمر غير عادي..المنزل يُضاء و لا أحد يسأل عن الزائر..ضرب كفّا بكفّ ماذا لو سرقت الدار ؟ ماذا لو دخلها غريب وسكنها أو أخذ ما فيها من متاع ؟
و هل فيها ما يستهوي اللصوص؟ ..
لا...لا..لم يطمئن قلبه فقد اعترضه خالد عند دخوله إلى الحومة ولم يسلّم عليه بل تحاشى النظر في عينيه ومضى كمن يعترض غريبا. إنه لم يزل غبيا كما تركه لذلك لم يحتضنه بحرارة ولم يسأله عن حاله و عن العاصمة.
لم يزل على غبائه منذ أن انقطع عن التعليم باختياره الأعمى. لم ينس أنه ألح عليه لكي يعود إلى المدرسة بعد ختانه لكن خالد الغبي أصر على الالتحاق بشياه أبيه يرعاها و يصطاد العصافير . كانا صديقين لا يفصل بينهما إلا الظلام أو الوالد إذا نادى. وعندما اتخذ المؤلف رفيقا آخر يؤنسه في الطريق إلى المدرسة تنكر له خالد و أصبح يكن له عداوة كبيرة وصلت به إلى حد رميه بالحجر و تأليب كلبهم عليه كلما مرّ بالقرب من منزلهم.
اهتز فزعا عندما سمع طرقا على الباب فقفز من مكانه وأسرع إلى الطارق فإذا به يجد الشيخ منصور والد خالد. عانقه رغم تظاهر الشيخ بالنفور و هم بالكلام لكن الشيخ منصور قطع عليه الطريق وبادره:
ـ على كل حال أنت بين اهلك...لقد حافظنا على منزلكم طيلة هذه السنين احتراما للمرحوم والدكم لا غير...أما انتم فأولاد حجلة جالية...عليك أن تدفع ما في هذه الفواتير من معاليم صرفتها ليبقى بيت والدك مضاء .
حاول أن يشكر الشيخ منصور لكن الشيخ تعجل الانصراف ولم يترك له فرصة لفتح باب الكلام.
خطا الشيخ منصور خطوتين ثم توقف و أدار وجهه إلى الوراء ليرمي بطرف البرنس على كتفه الأيسر وأضاف:
ـ لا تحاول أن تقترب من الجيران فإنهم أسقطوكم من ذاكرتهم ، لأنكم تناسيتم أهلكم ولم تكلفوا أنفسكم حتى تعزيتهم في موتاهم ...
وقف كتمثال من رخام على عتبة المنزل و لما أحس بمسحة من الهواء تلفح وجهه أسرع إلى الداخل يأكل أعصابه. تمنى لو اخذ معه الكاميرا ليصور غضب الشيخ.عض بأسنانه على شفته السفلى واسترسل في شريط من الأفكار والأسئلة المتراصة على دماغه المرهق. ودون أن يخلص إلى جواب واحد يشفي الغليل انهال على مخترع الكاميرا بالشّتم و السّب واصفا إياه بالأبكم الأمّي و داعيا عليه بذهاب البصيرة..
الحاجة أم الاختراع هكذا قيل...و الآن يتضح في ليل هذه القرية الصغيرة إن الاختراع أب الحاجة و إن ذلك الأبكم الأمّي الذي اخترع الكاميرا لم يفكر أبدا في حاجتنا إلى تسجيل حادثة مفاجئة ولم يأسف لحسرتنا على موقف لم نجهّز له الآلة مسبقا فتبخّر الموقف دون أن يترك لنا فرصة لتثبيته تماما كما مضى الشيخ منصور في الظلام. ألم يكن بإمكان ذلك الأبكم الأمّي أن يخترع آلة نركّبها تحت الأجفان ونتركها تصور كل شيء دون الحاجة إلى إعداد مسبق ...
سرت كمية من سائل غريب في دماغ المؤلف و اتجهت إلى الأجفان فقرّبتها من بعضها و نام .
ـ تفضل بالجلوس يا سيدي ... يا سيدي الأشهب.
شعر الأشهب بالعرق ينزّ من جبينه الأسمر العريض فاستجمع وعيه و جلس صامتا منتظرا دائما أن يضيف الوالي شيئا مهما أو على الأقل أن يبين له سبب دعوته .
تكلم الوالي ثانية :
ـ خيّرت دعوتك لأنك رجل مثقّف و مدرّس قديم و لا بدّ أنك تعرف الجهة معرفة دقيقة ربما احتاجها في تسيير شؤونها.
ـ معذرة يا سيدي الوالي ، كيف عرفت أنني مدرس قديم؟
ـ هل تسمح لي بأن أناديك يا سيدي؟
ـ إذن صدق ظني.
ـ نعم، أنا تلميذك و في ذاكرتي لا تزال صورتك لامعة وصوتك رنّانا.
ـ في الحقيقة خامرني الشك و أعاقتني الجرأة فلم أبادر بسؤالك.لم أعد شجاعا كما عهدتني يا سيدي الوالي.
ـ لم تتغير كثيرا و لم تقدر تلك الشعرات البيضاء أن تغير من ملامحك شيئا.
ـ الشيب كالصبا يبدو في البداية متوهجا زاحفا كالموج على سطح البحر الهائج ثم يتوالد و يتكاثر إلى أن يصير كفنا يلبسه الصبا.
ــ و لم يقدر على المساس من هيبتك و لا على أن يحني ظهرك.
ـ أما أنت فكبرت و زانتك المسؤولية يا سيدي.
ـ دعنا منها فأنا أخجل إذ تناديني يا سيدي .
لم يتعود الأشهب على التملق و لم ينحن أبدا امام المسؤولين مهما عظم شانهم و لكنه في هذه المرة لم يستطع كبح لسانه عن كيل المديح لتلميذه و أصر على مناداته يا سيدي فاتحا كفيه كلما شرع في الكلام .
ـ لا تحرمني من لذة احترام الأستاذ لتلميذه.
ـ أريدك كما كنت، تملي علي الأوامر. أنا فخور بذلك.
ـ من منا يفتخر بالآخر؟.
ـ قد أحتاج إلى خبرتك وحنكتك و لن ادعك تهرب مني.
ـ ليتني أقدر على صنع الرأي الصائب...أنا كبرت وربما لم اعد صالحا لفعل شيء مهمّ.
ـ لا تهتم يا رجل فالأفكار لا تشيب و لكن أرجوك يا سيدي، لا تحرجني أمام الناس..فأنت أستاذي و أنا سعيد بإعلان ذلك ولكن ...
ـ فهمت..
ـ نشرب القهوة معا قبل أن تتركني.
***
ـ كنت على وشك طلبك لأمر مستعجل.
تظاهر الأسعد البحري باللامبالاة و ردّ:
ـ ما كنت اعلم أن شيئا مهمّا يستدعي العجلة، فتحت عليك الباب لتدخل الشمس ورائي.
ـ و هل من جديد تحت شمسك؟
ـ لم تتوقف طاحونة الشيء المعتاد عن الدوران حول قرص الشمس تماما كما تفعل الأرض في كل يوم ؟
ـ و ماذا بقي من قديمنا ؟
ضغط رئيس البلدية على زر فبدا الحاجب بسرعة وأحنى رأسه كالرجل الآلي. أمره أن يأتي بفنجاني قهوة.
ـ كنت مع السيد الوالي..
ـ اعرف انك ستتلقفه ...
تفطن رئيس البلدية إلى أن الأسعد البحري لم يتقبل عباراته فتجاهل الأمر و قال :
ـ علمت بان الأشهب قد زار الوالي.
ـ هل في ذلك ما يستدعي الدهشة؟
ـ انه يراهن عليك أنت.
ـ من حقه أن يفعل و أن يراهن على كل نشيط و مفيد ومن حقه أيضا أن يستشير من يشاء. لقد رأيت الأشهب يخرج من مكتبه وأظن أنه دعاه.لكن دعوته قد أثارت فيّ حب اطلاع ساذج.الأشهب رجل محترم جدا و لكن...
ــ الوالي حر في اختياره لكن ...يدعو الأشهب دون اخذ رأينا فيه ؟
ـ كان عليك أن تهنئ الأشهب بهذه الحظوة. أنا بصدق أعيب عليك إهمال رأيه و مواقفه فأنت تدرك صدق الأشهب و نزاهته.
ــ اعتقد أن هذه الدعوة ليست مجانية. و لكن هل يفكر في التعويل على غيرك؟ هذا السؤال أقلقني.
ـ في أية مسالة سيعول علي؟.
ـ تعلم أن إنشاء ولاية يستدعي إضافة نائب في مجلس الأمة و في اعتقادي أن الوالي لن يسعى إلى ترشيح غيرك.
ـ أنا أرى عكس ما تعتقد فالوالي هذا جدي و صارم و...
علق رئيس البلدية:
ـ لا اخفي عليك أن حماسه المفرط قد يجرنا إلى عثرات عديدة.
ــ أدرك مدى خوفك من جديته .
***
إحساس غريب حمل الأشهب ثانية إلى مفر الولاية دون حاجة. أو كأنما هي حاجة دفينة أو بحث عن إشباع رغبة ما. كأنّ الأشهب يمضي إلى القسم ليلقي دروسه على التلاميذ في صمت أو كأنه يلتقي بصديق قديم.
يندفع إلى مكتب الوالي متأبطا كتابا سميكا . نظر إلى الحاجب فوقف الحاجب محيّيا و مشيرا إلى أن السيد الوالي في مكتبه.
دخل الأشهب على الوالي منتصب القامة كما كان يفعل من وراء التلاميذ بعد أن يدخلهم قاعة الدرس.
و ما إن اغلق الحاجب الباب وراءه حتى نهض الوالي مسلما وجلس الرجلان قبالة بعضهما امام المكتب. نظر الوالي إلى الكتاب في يد الأشهب و سأله:
ـ هل جئتني برأي أم بدستور مكتوب اعتمده في إنشاء ولاية مثالية؟
ـ لم افهم.
ـ ألم تعلّمنا الدخول مباشرة في الموضوع.؟
ـ علمتكم طرح السؤال فالحياة قشّرتْها أسئلةُ العلماء.
ـ لو فرضنا إنني أمرتك ببناء مدينة أو بلاد فمن أين ستبدأ ؟
شعر الأشهب انه في امتحان صعب لا بد من خوضه والخروج منه منتصرا. فكر بصمت و عيناه معلقتان إلى سقف المكتب المزركش بالجبس .ساد الصمت للحظات همّ الوالي خلالها أن يعود إلى طرح السؤال لكن الأشهب قطع الطريق من امام لسانه:
لا ننظر الى المدينة من نفس الزاوية و لا أرغب في العمل السياسي. أنا منذ أن أحلت على المعاش صرت أتلهى بالمطالعة و أشياء صغرى تعنيني وقد لا تعجب الناس بل لا أسعى إلى إرضاء أحد.
ـ لن أطلب منك القيام بأي عمل و لكنني سأتحدث معك حول المدينة، أهلها، طريقة عيشهم، نمط حياتهم، يعني..أشياء قد تساعدني بشكل أو بآخر في تسيير أمور الجهة.
فهم الأشهب أن محدثه يتحاشى إحراجه أو ربما يمهد لطرح مسالة أخرى فجاراه واستعاد هدوءه وسأل بإجحاف:
ـ تبحث عن المدينة أم عن أهل المدينة؟.
ـ أريد تأسيس مدينة جديدة و لا أعرف من أين أبدا .
ـ تخيّرني بين بناء المسجد أو إحضار الحصير. ابدأ ببناء المسجد ثم اختر له الحصير المناسب.
ـ حصير من ذهب في مسجد من طوب؟
ـ أنا أجهل سياسة البناء و لكن أهلها يهيئون الأرضية السانحة لتفتق الأفكار.
ـ لا تتهرب من سؤالي فأنت تفهم كل شيء جيدا.و قد كنت تحدّثنا دوما عن العمل السياسي والسلطة و معنى النضال .كل تلك الدروس فتحت عيوننا على الدنيا وقضاياها.
مرة أخرى وجد الأشهب نفسه في امتحان عسير. تراءى له شبحه وهو يتهرب من أسئلة التلاميذ الحارقة التي تجره جرا عنيفا إلى الخروج عن الدرس.و مرة أخرى أدرك أن السحر قد انقلب على الساحر و ان الأستاذ تقلص نفوذه و عاد ليقف تلميذا امام الوالي. تلعثم كالطفل الخجول و أجاب:
ـ فهمت... فهمتك يا سيدي الوالي أنت تفضل أن تجرّب و كم أتمنى ألا يخيب ظنك في أهل المدينة بعد أن تبني دعائمها الأساسية ...جرب...جرب ولا تقف معقود الأصابع .
ردّ الوالي بسرعة:
ـ لا أومن بالتجارب فهي مفتوحة على الفشل كما على النجاح و في صورة الفشل يكون الوضع أسوأ من المرتبة الصفر لأنّ التجارب مكلفة لذلك أفضل الاعتماد على الدراسة العلمية ، الدراسة التي تؤدي حتما إلى النجاح و لا تترك مجالا للضبابية أو للخيبة فالذي يدرك الشيء يمشي إليه مباشرة على ارض صلبة و بخطوات موزونة و متزنة و أما الذي يقوم بالتجربة بعد الأخرى فمثل الذي يمشي على حبل لا يعرف إلى أي مدى يمكنه المحافظة على اتزانه وخير له أن يسقط منذ بداية المشي حتى يربح الوقت.
ـ افعل ما تراه صالحا.أن تتعب في السير أو أن تسير على الشوك أو أن تتسلق الجبال ثم تهبط المنحدر، المهم ان تحدد الهدف و تمشي إليه،المهم أن يكون الهدف واضحا أمامك. و الأهم أن تجد في الناس من يتحمس لأفكارك . و لن يمشي معك أحد. خذ ما يلزم من وقت لتختبر أهالي هذه الولاية و ستقف على صحة رأيي و أرجو ألا تعتبره سلبيا ...
ـ الوقت ...هذا السيف المسلط على أعمالنا لم يعد يسمح لنا حتى باختبار وعي المواطن.العالم يجري ومن يتباطأ في سيره لن يلتحق..
ـ من الأفضل أن تكون في وسط القافلة لكي لا تضع خطاك حيث سقط الذي مشى في الصدارة فتسقط بدورك في نفس المكان.
ـ كنت تدعونا إلى العمل و تقول لنا إن الجهد اللذيذ أفضل من الراحة المملة.و ها أنت تدعوني إلى نفس الشيء بلغة أخرى .
ـ إنها السنون تخلط الأبيض بالأسود...أمهلني وقتا لأفصل بينهما.
أيقن الوالي أن أستاذه الأشهب لا يراوغ و لا يقول ما يودّ سماعه و خاف من ردة فعله إن هو اقترح عليه تسميته مستشارا رسميا له.هذا الرجل لا يشترى بمنحة تصرف له آخر كل شهر... ربما حولت هذه المنحة الصدق زيفا والصراحة مجاملة ...
اسقط الوالي هذه الفكرة العابرة و حدث أستاذه بهدوء:
ـ أنا أقدر رأيك و أريد أن أستشيرك و هذا ما يجبرني على دعوتك يا أستاذي إنها أحلى من يا سيدي . أليس كذلك؟.
ـ كنت أستاذك أما الآن فأنا كالساعة المعطبة يئست عقاربها من الدوران حول نفس المسمار فتوقفت فجأة.
ـ الساعة المعطبة تعطينا الوقت الصحيح مرتين في اليوم الواحد و هذا يكفيني .
ـ و من يسمح لك أن تفكر عوضا عن السلطة التي عينتك؟ أنت تعلم إن الحكومة تعد مشاريعها و برامجها قبل أن تأمرك بتنفيذ تلك المشاريع. أنا أنبهك إلى عدم اللعب بنار السلطة.معذرة فأنا أخاف عليك .
ردّ الوالي:
ـ المهم بالنسبة لي أن نتقدم.
ـ اترك لك هذا الكتاب لتعرف حقيقة هذه المدينة وتاريخها ...تمعن جيدا في الأحداث التي عاشتها المهدية منذ نشأتها و حاول أن تعتبر بها.
***
شعر المؤلف و هو يراجع ما سجلت الكاميرا في مكتب الوالي بضرورة الاقتناع لقدرة آلته العجيبة على نقل أحاسيس الأشهب بأمانة و تسجيل سمات الخجل و القوة التي بدت على وجه الوالي وهو يناقش أستاذه بدراية الواثق من نفسه. لن يقدر القلم على مثل هذا التعبير و لن تقدر العبارات على رسم الأحاسيس
هل يستطيع الوالي أن يستبق السلطة المابعدية؟
***
في المقهى يبدو علي على غير عادته قلقا من إلحاح الرجال الثلاثة الذين يبغضهم دون خلق الله جميعا ويسميهم الثلاثي النّبّار لما اشتهروا به من حبك دسائس واختلاق إشاعات. علي يكرههم مع انهم لم يشيعوا عنه أية حكاية مخافة أن يكشف أمرهم للسلطة ولكنه يعتبرهم سببا لقلقه المتزايد من ذلك الذئب المشهور الصحبي الصّبّاب الذي يشاع انه ورث الوشاية عن أبيه الذي كان قوّادا للفرنسيس و قد ورث بدوره الوشاية. يجيء الصحبي إلى المقهى في كل عشية مهددا متوعدا و يطلب من علي أن يمده سرّا بجديد الثلاثي النّبّار. و علي يتحاشى إثارة البلبلة و يحرص على ستر كلام الناس فيتمتم و يلمّح ويومئ و يغمز لكي يتكلم دون أن يقول شيئا ثابتا .
ـ يا جماعة أنا احرص دائما على إرضاء الجميع وابحث عن الربح و لكنني لا أريد أن اعرض نفسي إلى المشاكل....اعذروني .
ـ نلعب الدومينو إن تعذّر لعب الورق .
ـ لا فائدة في الإلحاح ، أنا أدلكم على مركز الشرطة اذهبوا إلى رئيسه و طالبوا بحقكم
ـ سأعمل على فتح دكان خاص بلعب الورق و سأختار الزبائن ونلعب ما نشاء و إياك أن تشتكيني أو تغمز بعينك المفتوحة دوما على حديثنا.
ـ من فضلك ، احفظ لسانك عن الإساءة ...اشرب ما شئت و انتظر منتصف النهار أو ابق صامتا حيث أنت...
ـ أنت تخاف الوالي يا قهواجي التعاسة.
ـ و الوالي سيشنقك من أظافر رجليك إن نحن اشتكيناك إليه .
***
تتدلى الكاميرا إلى مكتب رئيس المجلس البلدي فتتجول بين الملفات و تمسح النافذة المطلة على مدخل الموظفين و لا تسجل شيئا مهمّا رئيس البلدية يدخل مكتبه فيجد الأسعد البحري جالسا على كرسيّه الشخصي . لم يشعر الأسعد بقدوم رئيس البلدية وقد يكون تجاهله ليسمح لنفسه بالحلم قليلا فبعد أيام أو شهور سيلتحق بمجلس الأمة حيث يخصص له كرسي فاخر جدا ...كلها أيام قليلة و سينتخبه أهالي الولاية وسيرى الناس صورته على شاشة التلفاز و هو يناقش ويلطخ على الطاولة مقدما رأيه ومدافعا عن مصالح الولاية .يحدثه رئيس البلدية فيستفيق ليردّ على محدثه...
ـ أنصحك بعدم التعويل على المواطنين فأنت أعلم بما تركت السنون العجاف في نفوسهم. و الوقت لا يسمح بكسب مزيد من الأعداء ولا بإطلاق ألسنة التشكيك.
ـ اعرف ، اعرف و لو كان في مقدورهم لدفعوا الأداء الذي تراكم على كاهلهم.
ـ عليك أن تستنبط طريقة أخرى أو أن تبحث عن قرض طويل المدى ، يمتد إلى ما بعد انتهاء الدورة الحالية ثم اترك الحبل على الغارب.
ـ ثقل الحمل يا اسعد وأخاف أن ابرك كالحمار.
ـ لكل حمار كبوات يقوم بعدها ليرمي الحمل من جديد على ظهره.
ـ بماذا تنصحني إذن؟
ـ لا ترهق أطفالك بأوامرك السخيفة إذا لاحظت انهم يطيعونك دائما.
***
أحس المؤلف بالجوع يعتلي بطنه في اتجاه القلب فأسرع بالعودة إلى منزله و مر على دكان العم برندو فاشترى ما يخفف الجوع و واصل السير و هو يفكر في اصل كلمة برندو و سبب التصاقها بالعم الهادي حتى أنْست الناس اسمَه الحقيقي.
دكان برندو هو أول الدكاكين و أكبرها في القرية لذلك اتخذ منه البريد مكانا لتوزيع الرسائل و الحوالات. و العم برندو أول من استعمل ثلاجة تشتغل بالغاز قبل وصول الكهرباء إلى دكانه . إلا أن هذا لا يفسر اصل كلمة برندو .. الغالب على الظن أن لسان العم الهادي زلّ فلم يحسن الرد هاتفيا على أحد الطليان وسمعه أحدهم فالصق به الكلمة ...ربما ..
عندما اقترب من منزله لمح الشيخ منصور واقفا في انتظاره. شغّل الكاميرا و مد يده مصافحا فامتدت يد الشيخ من تحت البرنس والشيخ منصور صامت.همّ المؤلف أن يعتذر وتلعثمت شفتاه. شعر الشيخ بارتباك المؤلف و لم يتكلم .
ـ خذ ، هذي نقودك و أشكرك الشكر الجزيل.
مدّ الشيخ منصور أصابعه ليقتلع الأوراق النقدية من كف المؤلف ويستدير صامتا.
ـ حدثني يا شيخ منصور عن البحيرة و عن رجالها و من هم أول السكان الذين استوطنوها و لماذا دعوها بهذا الاسم.
خطا الشيخ منصور خطوات في الظلام و لم يتكلم.
ـ هل تعرف يا شيخ منصور أول شيخ في القرية ؟ وهل كان عادلا أم قوّادا للمحتلين؟
ابتعد الشيخ منصور اكثر و لم يتكلم.
ـ قل يا شيخ هل ثار أهل القرية يوما في وجه المستعمر؟.
اندس الشيخ منصور في برنسه و ابتلعه الظلام و لم يتكلم.
ـ حدثني عن أبــــــي ...يا شيـــــــيييييييييخ
استدار الشيخ منصور و عاد بعض الخطوات ثم تسمر كالتمثال وتكلم بنبرة غليظة.
ـ لا تذكر أباك بسوء و إلا أسأت إليك. انه كان رفيق عمري و قاهر وحشتي. كان يلاطفني إذا لحظ خاطري مكسورا ويشجعني إذا قصدت مأربا و يواسيني إذا حزنت و كان يقتطع من جلده ليلبس الآخرين و ينتزع من لحمه ليطعمهم ويمدّ عظامه ليتكئ الساقطون عليها.
لم يستطع الشيخ منصور أن يقاوم حزنه و كبرياءه وارتعشت ركبتاه فخرّ ساجدا و تهاوى جذعه و كاد رأسه ان يرتطم بالأرض فجرى إليه المؤلف و الكاميرا مثبتة إلى ساعده محاولا نجدته لكن الشيخ منصور تحامل على نفسه و استعاد قوته و صاح :
ــ لا تسئ الظن فأبوك لم يبع شيئا شماتة في أبنائه و لكن ليخدم به العباد. على أية حال لقد أحسن الفعل ولو ترك لكم الكثير لصرفتموه في الخصام على التركة.
كان يمتاز بجرأة لا مثيل لها ويحظى باحترام الجميع.
كوّنت معه أول خلية حزبية في البرادعة قبل أن تسمى البحيرة ثم انقسمنا و كوّن كل منا خليته لنوزع حركتنا وناضلنا كل في جهة وعندما تكاثر المنشقون عدت إليه لأناصره و أنتصِرَ لفعل الخير...
بدا الشيخ منصور متأثرا و حزينا و خفّت نبرته و تلعثم قليلا و راح يملا صدره بالهواء من حين لآخر .
فعل الخير يا ابني انقرض من القرية كما انقرض منها الصدق والوفاء...رحم الله أباك. كان مناضلا بحق وكان يحبكم و يدعو لكم بالتوفيق و ها قد نجحتم في حياتكم فاذكروه بخير..
هل تذكر يوم أخذتك من يدك تلك إلى المقبرة و تقبلت التعازي ؟ تذكّر ذلك دائما..تصبح على خير.
مضى الشيخ منصور و ابتلعه برنسه في الظلام و ظلت الصورة تغيم شيئا فشيئا من ورائه.
***
يقف الهادي البناي أمام الحاجب و يرجو منه السماح له بمقابلة الوالي. يرفض الحاجب و يأمره بالتوجه إلى مكتب السكرتير لتعمير قصاصة يذكر فيها موضوع اللقاء. أما الموعد فيحدده الوالي شخصيا.
ــ أريد أن أقابله في أمر هام. قال الهادي البناي.
ردّ الحاجب:
ــ لا بدّ من احترام الأوامر . لا تضعني في حرج.إنها تدابير الوالي نفسه فكيف تريدني أن أخالفها.
ــ لكنني أصر على عدم ذكر موضوع اللقاء.انه سري للغاية.
ــ و مهما يكن من أمر فلن تقابله و أنت في هذه الحالة.
ــ أنا بنّاء و هذا لباسي فلماذا تعقّّد المسألة؟
ــ انصرف بدون ضجيج و إلا طلبت شرطة الولاية.
ــ هكذا إذن ؟ أضاف الهادي البناء.
ــ هكذا، ردّ الحاجب.
الحاجب أوشك على بلوغ سن الستين و سيحال على التقاعد قريبا.عمل مع عديد المعتمدين و كان مثالا للانضباط والنزاهة فلم يقدر أحد على تليين مواقفه بالرشوة و لا بالتهديد يؤدي واجبه بتفان و يرفض أن يطعم أطفاله من الرزق الحرام. و الهادي يعرفه معرفة دقيقة فانصرف بهدوء من امام مكتب الوالي.
***
نامت المدينة باكرا و نامت البحيرة باكرا أيضا فالناس هنا وهناك لا يسهرون إلا في الأعراس التي تقام عادة بعد صابة الزيتون أو أحيانا في الصيف بعد موسم الحصاد.يقام العرس على قرع الطبول وتستمر السهرات متشابهة يحضرها الكبار والصغار دون دعوات يقدم خلالها الشاي الأحمر للجميع أما العشاء فمقصور على فريق الإدبة المتكون من ثلاثة شعراء شعبيين يحسنون الإنشاد و يتفننون في إلقاء قصائدهم يستفزون بها بعضهم البعض فيتحدث عنهم الرجال في الحوانيت لأيام طوال.
أهل المدينة أيضا مرتاحون لنمط حياتهم و هانئون بكسلهم ...نموا على التواكل.أعيان المدينة و كبار الفلاحين فقط يبعثون بأطفالهم إلى المدرسة.أما عامة الناس فلا يقدرون على تعليم أولادهم. فإذا كبر صبي وبدت على شاربه علامات القوة بعث به أبوه إلى العمل وحاز ركنا خاصا في المقهى البلدي. اكثر الناس يجدون راحتهم في هذا المقهى و يستمتعون بان يردد عليهم علي ذلك المثل الشعبي الذي يصف حالتهم "...مرتاح ...راحة العريان من غسيل الدبش ". علي صاحب المقهى تمكن ببساطته المائلة قليلا إلى الغباوة من جمع الشيب و الشباب في مقهاه. كل يمارس لعبته المفضلة ويقتل بها الوقت.غير أن الشكبة هي اللعبة الشعبية الأولى تعلمها الجميع وأتقنوها و أصبحت قضية في حياة بعضهم وسببا للاعتداد بالبطولة فحاكوا حولها روايات كثيرة فهذا باع صابة القمح و صرفها في المقهى وذاك قضى الصيف تحت مظلة الشمس يحصد السنابل وخرج من الموسم بإصبعه في أذنه و هو ينوح بحاله و أما عمر تيتي فقد طلق زوجته الجازية والبعض يقول إنها طلقته اثر شجار عنيف نشب بينهما عندما خسر لترين من الزيت الصافي. و لم يتب عن صنيعه فطلق المزوغية زوجته الثانية بعد أن أنجبت منه طفلين و شبّا بدورهما على الشكبة وحب القمار.
قبل أن يغلق الكاميرا عاد المؤلف إلى حاله فهبطت عليه الأسئلة راجمة رأسه، يمر السؤال بسرعة ليترك المساحة للسؤال الذي يليه . واحد فقط شد على انفه والتفّ حول الرقبة :
ــ ما الذي جعلني أعول على الصورة ؟
ـ أف ...
ـ هي تجربة و تمرّ...
ـ احفظ و اترك...
ـ لقد جربتُ الكتابة بكل الأشكال فماذا فعلت...؟
ـ ....الكتابة أذواق...
ـ اشعر الآن بالحاجة إلى تغيير نفسي....
ـ سأنهزم بسرعة ...
ـ سيقتلني موت العبارة فيّ.
ـ من الأفضل أن أعود إلى العاصمة.
ـ الآن سأنام....
***
ما إن دقت الشمس على أجفانه حتى رفع الكاميرا إلى كتفه وأسرع إلى المقهى فصب قهوة ساخنة في حلقه وجرى إلى قاعة الاجتماعات في البلدية ترك الكاميرا تسجل مناقشة طويلة تدور بين أعضاء المجلس.
افتتح رئيس البلدية الجلسة بالدخول مباشرة في الموضوع:
ـ أبلّغكم تحية السيد الوالي وأدعوكم إلى التفكير بعمق في مشاغل المجموعة الوطنية و استقراء تطلعات المواطن ثم تجسيم تلك التطلعات و ترسيخها بعزم قوي حتى تنصهر في منظومة الاقتصاد العالمي و حتى نتمكن من تثبيت الذات في هذا الخضم الهائل من الاختلافات قبل أن يبتلعنا التيار.
تململ الكاتب العام في كرسيه و تذكر انه استمع سابقا إلى نفس هذه الخطبة من مسؤول حكومي كبير في اجتماع كان حضره صحبة رئيس البلدية. لم يجد الشجاعة الكافية لمعارضة رئيسه امباشر و لا لتذكيره بصاحب هذا الكلام فاكتفى بكلمة واحدة :
ـ لم افهم.
ـ طبعا...طبعا...اعرف انك فهمت و لكن..
ـ أنا لا اكتب كلاما لا افهمه و اعتقد أن الجميع يشاطرونني الرأي.
لم يترك رئيس البلدية للكاتب العام فرصة لمواصلة .
ـ حاول أن تفهم ما بين العبارة و العبارة فالكلام ينبت ويزهر من بين السطور.
علق مهندس البلدية
ـ سيدي رئيس المجلس دعنا من هذه المحفوظات، أرى أن نلتزم بجدول الأعمال كما جاء في نص الدعوة لنبتعد عن الكلام الخطابي وليكون اجتماعنا مجديا و عمليا ...
فهم رئيس البلدية ان كلامه لم يقنع أحدا و انه ينبغي عليه أن يكون واقعيا و واضحا فتظاهر بالهدوء و واصل المراوغة ممهّدا للإعلان عن شيء ما:
ـ ما كنت لأقول لكم كلمتي هذه لولا حساسية المرحلة التي تستوجب منا الحرص الشديد و الشجاعة والمبادرة و الجرأة والوضوح...اعني مثلا يمكننا أن نعلق هذا المشروع المعقّد وأن نبجل عليه مشروعا يسهل تنفيذه...بأكثر توضيح أقول لكم إن بناء معهد للتعليم العالي في مدينتنا سيبتلع جهدنا كما ابتلع أرضنا و لن يترك فينا شريانا يتحمل النبض و لا مفصلا قادرا على الحركة.
و قال الكاتب العام :
ـ هذه النقطة الأولى من جدول الأعمال و بودي أن نستمع إلى تقرير لجنة المعهد العالي .
و عاد رئيس البلدية الى الكلام بعد استماعه لتقرير اللجنة.
ـ لا يجوز أن نعترف بأننا لم نوفّق في الحصول على الأرض.
فأوضح رئيس اللجنة العقارية المسالة:
ـ بالعكس نحن توفقنا في الحصول على الأرض... و لكن بشروط.
نقر رئيس البلدية المكتب بسبابته و قال:
ـ نحن في موقف محرج و أعتقد أن الاعتراف بالفشل أقلّ قسوة من معايشة الفشل تحت ظل نجاح وهمي.
و عمّ الصمت ثم تدخل رئيس اللجنة العقارية :
ـ يمكننا غلق الباب بالتأكيد على أن مالكي الأرض يرفضون التبرع و بما أن البلدية لا تملك أموالا و لا أرضا فإنها ببساطة عاجزة عن الشراء وانتهى المرض بدفن المريض.
أجابه رئيس البلدية:
ـ نصارح السيد الوالي بالحقيقة و نترك له حرية القرار.
رئيسة لجنة الثقافة هي المرأة الوحيدة داخل المجلس البلدي وهي اكثر نساء المدينة نشاطا و مشاركة في الجمعيات لذلك سماها البعض امرأة المسؤوليات السبع تناولت الكلمة بعد طلب الإذن :
ـ كلكم على علم بتقدم الأشغال في دار الثقافة الجديدة.
قال مهندس البلدية:
ـ و قد قاربت النهاية.
ـ اقترح على السيد رئيس البلدية أن يتدخل شخصيا قصد تعطيل الأشغال.
و عبر رئيس البلدية عن استغرابه فصرّح:
ـ لم افهم.
واصلت رئيسة لجنة الثقافة:
ـ من اعتاد أن يصبر شهرا يمكنه صبر شهرين و ثلاثة . طلب منا السيد الوالي إعداد تقارير عديدة و في وقت وجيز . أليس كذلك ؟
ـ طبعا قال الكاتب العام.
ـ تعد لجنة الثقافة تقريرا نهائيا و ترفعه إلى السيد الوالي وتعلمه بأنها حريصة على إنجاز دار الثقافة في زمن قياسي وإن اللجنة تلتزم بإنهاء الأشغال في ظرف شهرين و نورّط أنفسنا في عمل جاهز ثم نسعى إلى إبرازه عند الحاجة ونكون بذلك قد أنجزنا ما كنا التزمنا بإنجازه وكسبنا الوقت..لا نفرغ المخلاة إلا عند الحاجة.
لم يستطع مهندس البلدية إخفاء غضبه فتكلم بحدة مكشوفة:
ـ أنا أعارض هذا الرأي لانه سينزعها من رأس المجموعة و يرميها على كتف المقاول و هو بدوره سينزعها من كتفه و يعلقها في عنقي و أنا صراحة لا اقبل أن يحمرّ وجهي دون الوجوه. لن أغطى أحدا و أبقى عريانا.
***
بالقرب من الميناء يوقف الوالي سيّارته و ينزل منها ينظر في البحر و يركز نظره على قوارب الصيد و هي تستعدّ للمغادرة.يقترب منه الهادي البناي ويقف على بضع أمتار فيحييه. و يردّ الوالي التحية ببساطة و تواضع.
قال الهادي البناي:
ــ سيدي الوالي ، طلبت مقابلتك لأمر هام فلم يسمحوا لي بذلك وطلبوا مني تحديد موضوع المقابلة فرفضت لان المسالة سرية للغاية.
ــ تعال غدا صباحا.
ــ شكرا سيدي الوالي.
***
على عتبة المقهى يقف الثلاثي النبار يلحون على علي أن يسمح لهم بالدخول و الباب مقفل ...ظن الرجال أن القهوة نفدت من السوق استعداد للترفيع في ثمنها. فراحوا يلحون على علي أن يفتح في وجوههم باب المقهى المغلق ليفتح له الله باب الرزق واسعا...تململوا و تمشوا في نفس المكان والباب دوما مغلق. انفجر علي.
ـ تشعلون النار ثم تسألونني عن الدخان؟.
ـ تقول هذا شماتة فينا أم في نفسك ؟
ـ لا هذه و لا تلك بل أغلقوا المقهى عقابا لي على فعلتكم هل فهمت؟.
ـ ها ...لأنك تركتنا نلعب الورق ؟أليس كذلك؟ أنا أشمها على بعد كيلومترين... هذه حكاية بسيطة... كان عليهم أن يأمروك بدفع تخطئة لا أكثر ...
ـ وأرفقوها بمحضر..هل رضيت ؟ و ربما لن يسمحولي بإعادة فتح المقهى إلا بعد مثولي أمام القاضي و لن يسرحني القاضي دون عقاب و لن أعود إلى عملي إلا بعد تنفيذ العقاب
ـ ترتكب مخالفة من وراء ظهورنا ...انك تستأهل الفلقة ثم السجن ...هكذا يرتاح المقهى منك.
ـ يا علي ..إنها مجرد تراتيب و ليست قانونا فلا تخف.
ـ النتيجة واحدة غلق المقهى و مخالفة ...
ـ بسيطة ...أتريد أن تفتحه الآن ؟
ـ ما كنت اعلم ان الحكومة تحترمك إلى هذا الحد.
ـ سترى...هيا معنا إلى مركز الشرطة.
ـ لا فائدة ..قال علي.
ـ سترى ماذا نفعل.
ـ إن تمكنا من إعادة فتح المقهى سنشرب مجانا.
ـ جربوا حظكم لعل كلمتكم مسموعة في هذه المدينة.
مشى ثلاثتهم في اتجاه مركز الشرطة و طرق أولهم باب مكتب رئيسه صاحب الضحكة الصفراء أو هكذا سماه الناس منذ مجيئه إلى المدينة أياما قليلة بعد أن أصبحت مركز ولاية.
سمح الشرطي لهم بالدخول فوقفوا امام رئيس المركز وتكلم أولهم:
ـ سيدي رئيس المركز ، أطال الله عمرك وكسانا عدلك ، أنا جئتك لاعترف بخطئي و مثلي صاحبي هذا ، نحن ظلمنا رجلا وساءنا أن يتحمل تبعات أخطائنا.
اعترف الثاني :
ـ وهذا ثالثنا شاهد علينا.
ـ نعم، أنا الشاهد الوحيد و اقسم على ذلك لقد ظلما ذلك الرجل الطيب صاحب المقهى...علي الذي لا يستطيع أن يؤذي ذبابة.
ردّ رئيس المركز بجفاء حاد:
ـ الحريف لا يتحمل مخالفات صاحب المحل.
ـ يا سيدي رئيس المركز، أنت تعرف أن لا شغل لنا في المدينة.
ـ نلعب الشكبة لقتل الوقت و لسنا نقامر.
ـ طلبنا من علي أن يمدنا بالأوراق لنلعب فرفض وأعلمنا بان التراتيب الجديدة تمنع لعب أي شيء قبل منتصف النهار وكانت الساعة آنذاك العاشرة صباحا تقريبا.
ـ فما كان منا إلا شراء حزمة الأوراق لعن الله صانعها .
ـ و صاحب المقهى بريء .
ـ بريء لأنه رفض السماح لنا باللعب و نحن غافلناه ولكن ما إن شرعنا في اللعب حتى ضبطنا الشرطي الذي أرسلته باكرا إلى المقهى أو لعله جاء ليشرب قهوته صدفة.
ـ و أنا شاهد على تفاصيل الحادثة فأنا الرشّام كنت بصدد إحضار اللوحة و الطباشير عندما قدم الشرطي.
ـ سامحه يا سيدي أرجوك.
قاطعهم رئيس المركز ثانية:
ـ و من منكم سيتحمل المخالفة ؟
ـ لا أحد.
ـ كيف ؟
ـ جئنا لتبرئة ساحة متهم و لا لنتهم أنفسنا.
ـ و ها قد اعترفتم.
ـ ألم تقل إن التراتيب تطبق على صاحب المحل و لا على الحرفاء ؟
ـ حسنا حسنا سنرى انصرفوا الآن أضاف رئيس المركز.
ـ نشكركم.
ـ معذرة على الإزعاج.
خرج الرجال الثلاثة و عادوا مسرعين إلى المقهى ولكنهم فوجئوا به مغلقا فعلي ذهب إلى الولاية و شرع في تقديم شكواه إلى الوالي:.
ـ يا سيدي الوالي ، منذ سنوات اكتريت المقهى من البلدية وكنت دائما مثالا للجد و النزاهة سواء مع المجلس البلدي أو مع الزبائن ومنذ حلولك تغيّرت الحال ، تمنيت أن يكون قدومك مباركا فتعجلت حسن النية و فرحت ولكنني فوجئت بنفسي أول ضحايا هذه الولاية فبادر أعوان الشرطة بغلق المقهى بدعوى إنني سمحت للزبائن بلعب الشكبة . فهل هذا يرضيك ؟
تعجب الوالي من فصاحة الرجل و جرأته فتململ قليلا ولم يخف إعجابه بصراحته فراح ينظر إليه بتعجب.
أما علي فنسي انه امام هيبة الوالي و أن لسانه قد يقوده إلى السجن فلن يعود إلى فتح المقهى و لن يسمح له بالمشاركة في المناقصة التي ستفتحها البلدية لكراء المقهى بثمن تحكمه المزايدات و تصفية الحسابات.وعندما عاد إليه رشده انتفض و حيّى الوالي تحية عسكرية ثم حاول أن يعتذر و ابتلع ريقه فتكلم الوالي:
ـ يا سيد علي، أنت فعلا رجل صريح و واضح و أنا أحب الوضوح في كل الأشياء و يعجبني قول الحق...صحيح إن قرار منع لعب الورق قرار اتخذته أنا و لكنني لم آمر أحدا بغلق المقهى و قطع أرزاق الناس ...
ـ أرجوك يا سيدي الوالي أن تعلم الناس عن طريق الشرطة بمنع لعب الورق ...هكذا سيحترمون القانون وأتحاشى مشاكلهم.
ـ في الواقع ليس هنالك قانون يمنعني من اتخاذ هذا القرار.
ـ كل المسؤولين السابقين كانوا يشجعونني دائما على ما تمنعني عن فعله اعذرني إن لم افهم مواقف الساسة.
ـ هذا شانهم، أما أنا فأفضل صرف الناس إلى القيام بعمل مفيد و أنت باستطاعتك مساعدتنا على صرف الناس إلى القيام بعمل مفيد .
ـ الناس جميعا يميلون إلى إضاعة الوقت.
ـ يا علي يجب أن نفرق بين الترفيه و إضاعة الوقت ولن نربح الوقت بتمطيطه بل بحسن استغلاله.
ـ هل أفتح المقهى أم لا ؟ هذا ما جئتك من أجله.
ـ أنا لم أعط أمرا بإغلاق المقهى.
ـ أشكرك سيدي الوالي لقد جئتك خائفا و ها أنا أعود مطمئنا.
ـ لا ينبغي أن تخاف و أنت على حق.
ـ كلما احترمت الحاكم اعتبرني البعض انني خوّاف.
لم يكبح الوالي ابتسامته و أضاف:
ـ يا علي ، البريء لا يخاف إلا من الحاكم الجائر و أنا لا أريد أن أكون كذلك . انصرف إلى عملك.
ـ وداعا.
قبل أن يصل علي و يفتح المقهى كان الشرطي في انتظاره صحبة الثلاثي النبار أمام الباب و ما إن وصل حتى توجه الشرطي إليه:
ـ ماذا قلت للسيد الوالي يا علي؟
ـ لم أقل غير ما يعنيني.
ـ شكوتنا إليه .
ـ بل شكوت له غلق المقهى .
ـ هذه مرت بسلام و أنبهك من الثانية.أحذّرك خاصة من زرع بذور الاختلاف بين الوالي و رجال الشرطة
ـ أشكركم جميعا و أضيف ...لا ..لا أضيف شيئا.
***
يقف الهادي البناي أمام الحاجب فيبادره:
ــ عدت لتقابل السيد الوالي؟
ــ ستمنعني في هذه المرة أيضا؟.
ــ عندي تعليمات باستقبالك. انتظر قليلا حتى اعلمه بوصولك.
غاب الحاجب وراء البابين لحظات ثم عاد و ترك الباب الأول مفتوحا امام الهادي البناي ثم أغلقه و فتح الباب الثاني فبدا الوالي خلف مكتبه مبتسما.
ــ تفضل.
انتصب الهادي البناي امام الوالي فأمره بالجلوس وضغط على زر فاطل الحاجب.
ــ قهوة الضيف . ثم سأل الهادي:
ــ ها ...تفضل.
تكلم الهادي البناي:
ــ سيدي الوالي،أنا بناء أشتغل لأعيل أطفالي و احرص على الإخلاص في عملي و لكني في الفترة الأخيرة قمت بعمل مشين...أرجوك المعذرة سيدي الوالي فقد كنت مجبرا على القيام به...اقسم لك..
ــ لا تقسم ...تحدث بلا خوف لأرى حلا لمشكلتك.
ــ لا يا سيدي الوالي إنها ليست مشكلتي الشخصية.
ــ مشكلة من إذن؟
ــ سأوضح لك...قلت إنني بناء كلفني السيد خالد الفرجاني ببناء منزل له و أمدني بالمثال الهندسي للمنزل و برخصة البناء مختومة بموافقة البلدية.
ــ و ماذا بعد؟
ــ المنزل بالقرب من ساحة الصمبا القديمة...
ــ و ماذا بعد؟
ــ ...و نحن نحفر لوضع الحجر الأساس فاجأنا حائط مردوم تحت التراب ...حائط يا سيدي الوالي عرضه قرابة المترين...لم نستطع أن نقتلعه .حجره أصفر لماع كأنه اقتلع من الرخام.يوقد النار كلما أصابته المطرقة.
ــ هل بنيت فوقه؟
ــ صدقني يا سيدي الوالي أنني رفضت أن ارمي حجرة واحدة لكن عندما قدم خالد...صاحب المنزل امرني بالإسراع في ردم الحائط وقد سمعت أحد أصحابه يقول انه جزء من اثار قديمة أو لست ادري ماذا. أرجوك يا سيدي الوالي لا تعاقبني فأنا مأمور و إذا علم خالد بإنني أخبرتك لن يتركني أبدا..
سحب الوالي من جيبه ورقة نقدية و سلمها للهادي البناي:
ــ خذ هذه ليست مكافأة.
ردّ الهادي:
ــ معاذ الله ...أتسلم منك نقودا لأجل وشاية؟.
ــ لا ليست وشاية بل هذا أجرك .أنت لم تذهب إلى عملك هذا اليوم خذ هذه و إلا غضبت منك.
ــ أشكرك جزيل الشكر سيدي الوالي.
***
لم يشعر المؤلف بالأيام تمر بسرعة إلا عندما سحب الشريط الأول و أولج الثاني في الكاميرا فبدا التاريخ واضحا على شاشتها الصغيرة....عجبا كيف مرت كل هذه الأيام دون أن يصيبه القلق في مدينة كسولة ؟
شغّل الكاميرا و دخل بهو الولاية.اشتم رائحة الطلاء واستوقفه الحاجب المنضبط. سأله عن اسمه فأجاب ببساطة و عن مهمته فغالطه و اكتفى بإعلامه بأنه رجل في مهمة و مادام الحاجب لم يتعلم بعد هذه العبارات فقد تظاهر بالفهم وبحسن الاستقبال و حاول جاهدا أن يخفي ارتباكه فطلب له قهوة و دله على الكاتبة فراوغه ومرر عنق الكاميرا إلى داخل مكتب الوالي .
ترى كم من حاكم تولى أمر هذه المدينة قبل أن يحل بها هذا الوالي الشاب؟
كم من حروب قامت على هذه الهضبة البحرية و كم من دماء سالت فاختلطت بماء البحر المالح و جرفها الموج إلى آخر الدنيا؟
لم يحفظ التاريخ ما جدّ في هذه المدينة من أحداث قبل قيام الدولة الفاطمية بها. فالفاطميون جعلوا منها عاصمة لدولتهم ولم يكونوا أول من سكن المهدية فاسمها القديم جمه لا يزال يذكر في بعض الكتب ويتداوله بعض المثقفين فيطلقونه على بعض المنتديات والجمعيات. وهذا الميناء الفينيقي القديم أعاد تشغيله الفاطميون و استغلوه في أيام محنتهم ثم تركوه على عتبة الخراب.
لم يترك الفاطميون وراءهم أثرا ثمينا تتباهى به المهدية وتفاخر به امام العواصم القديمة للإمبراطوريات. اسم المدينة فقط ظلّ ثابتا أما أسماء و ألقاب المواطنين فيعود بعضها إلى عساكر العثمانيين وبعض آخر إلى البسنيين و الالبان وغيرهم.
و الوالي يفكر في تغيير اسم المدينة و يستشير الأشهب فيحذّره. الفاطميون لم يتركوا حفيدا و لا ولدا يلهج باسمهم و لا أهلا و لا أقرباء . هجروا عاصمتهم إلى الشرق طمعا في الخلافة و تركوا بلادهم يحاصرها ذلك المعوق الأعور الملقب بصاحب الحمار طيلة ثمانية اشهر كاملة.
فما إن دخل الفوج الأول من المحاربين إلى مصر وأسسوا القاهرة حتى لحق بهم الخليفة و ارتحل البقية برا و بحرا وحملوا معهم رفات أجدادهم و كنوزهم وجواري الخليفة و لم يتركوا من دولتهم غير الاسم محفورا في ذاكرة البحر و على جبين الصخر .و حذا مخلد صاحب الحمار حذوهم فلم يترك غير مقولة ظلت الأجيال تحفظها. فما إن اخضع إليه باجة و تونس حتى توجه بجنده نحو الساحل فبدت امام عينيه غابات الزيتون سوداء من شدة اخضرارها حينها صاح من فوق حماره القصير شاحذا عزيمة الجند: ويل أهل السواد من مخلد ابن كيداد وأطلق إشارة الهجوم على الأخضر و اليابس..
ما أشح هذا التاريخ لم يبق لنا من عادات الفاطميين غير عاشوراء نحتفل بها كل سنة فنجمع الحطب و نوقد النار من تحته و نقفز من فوقها إلى أن نصطدم ببعضنا فنحترق ونحرق ملابسنا و نجري إلى بيوتنا معطرين برائحة الدخان فنأكل الكسكسي و نمشّ أجنحة الدجاج المطبوخ و نناطح البيض ثم نتباهى بما ذبح آباؤنا لعاشوراء.
لا بد أن يكون هذا الوالي ملما بتاريخ المدينة .
لا بدّ أن يكون ذكيا فلا يصدق الأساطير التي ترويها العامة حول تاريخ الجهة بل يشعر بدافع قوي نحو غسل أدمغة الناس من هذه الأساطير التي ألفها آهل المدينة ليسخروا من الريفيين.
الوالي رجل ولد عائلة يحب العلم و يقدّر أستاذه الأشهب ولهذا فهو يتحدث إليه في هذه الساعة و الكاميرا تلتقط الصوت صافيا و لا تستطيع أن تضع بعض الرتوش على الصورة.
كان صوت الوالي واضحا تماما :
ـ أنا أيضا أقرا الأدب القديم و لكنني حريص على متابعة الجديد خصوصا في الكتابة الروائية...
ردّ الأشهب و عيناه تتفحصان الكتب المصطفة على الرفوف بطريقة تفتح شهية الاطلاع :
ـ انك تمتلك مكتبة فاخرة.
ـ لا اخفي عليك إنني لا املك سواها فلا دار لي ولا أرض.
ـ ستملك ما تشاء إن أردت ذلك طبعا .
ـ ماذا تقصد ؟
ـ ما يفهم من كلامي.هذا ليس عيبا و لا هو بالجديد.
نزل كلام الأشهب على الوالي نزول الفاجعة فاربكه و قطّع تركيزه. لم يسبق أن غضب الوالي من الأشهب مهما فعل أو قال لكنه في هذه المرة شعر بوقع التهمة على الصادق...و في هذه المرة احتاج إلى شجاعة المسؤول و هيبته ليواجه الأشهب لكنه فضل الاحتفاظ بحاجز الاحترام و خاف أن يخسر رجلا احبه و تشبث بصدقه و صداقته ؟
اشتدّ الصدام في راس الوالي بين واجب الاحترام وضرورة الدفاع عن النفس.
الوالي طيب و كريم يحب العفو عند المقدرة ...ابتلع غضبه و تجاهل كلام الأشهب وردّ بنبرة الواثق من نفسه محاولا رمي الجمرة في كفّ محدثه:
ـ هل نسيت ما علمتنا من مبادئ؟
ـ السلطة و الثروة توأمان.
ـ و لكنهما عدوان للفكر و الأدب.
ـ أتعني ما تقول ؟
ـ و ما الغريب في قولي ؟
ـ لأن السلطة، أية سلطة في العالم تبني ذاتها على الفكر ثم متى استوطنت و عششت في عقول الناس وفرضت نفسها بحثت عن الثروة و تنكرت للفكر الذي تأسست عليه انظر وقائع التاريخ كلها وتمعن فيها جيدا الخفي منها و الظاهر وستعرف إنني على حق.
جارى الوالي أستاذه المحنك مكررّا رأيه:
ـ ذلك من خصائص الثورات و أنا ما أنجبتني ثورة و ما قدمت على ذيل دبابة . أنا مواطن مثلك دعيت فقط إلى القيام بواجب فمتى أنهيت مهمتي تركت المكان لغيري حتى يضيف ما لم استطع إضافته و عدت مواطنا كما كنت و لست اخجل من ذلك...انه السلوك الذي أتوق إليه و اعجب بمن يمارسه.
ـ أنت إنسان غريب .
ـ بل أنا إنسان عادي جدا.
ـ بل تحيرني. لأن رجالنا يتغيرون كلما منحوا سلطة فإذا سلبت منهم تلك السلطة بقوا متشبثين بوهمها وقد يبالغون في تعاليهم و كبريائهم كما لو انهم يعوضون ما سلب منهم من سلطة بذلك التوهم. أما أنت فيبدو أنك من طينة أخرى.. كلما حاولت اختبارك في شيء ما تنجح بامتياز وتتفوّق عليّ حتى و إن حاولت أن استفزّك قصدا.
ـ لا عليك،فأنا تلميذك .
ـ ما درّستكم هذه الأشياء.
ـ بل سلمتنا المفاتيح و كان ذلك أجدى من فتح الباب أمامنا أو خلعه.
ـ يؤسفني أن أقول لك بان الناس لم يرتاحوا لك و لم يتقبلوا نظرتك للأشياء .
ـ و هل صدر مني ما يجعلهم يديرون ألسنتهم حولي؟
ـ يقول البعض إنك لم تبادر بتركيز مشاريع تعود عليهم بالنفع و إنك فقط تخدم نفسك بحزم لتتحصل على ترقية في سلك الدولة.
ـ هذا طبيعي و ماذا يعيبون علي؟
ـ يتهمونك بالإسراع في جلب مركز آخر للشرطة ضايقهم و حدّ من حريتهم الشخصية.
ـ و هذا أيضا موقف عادي.
ـ و يشاع أن الرفع في الأداء على الخدمات البلدية إنما من تحت رأسك.و يتهمونك بالفشل لأنك تطلب منهم المستحيل ومن يطلب المستحيل في نظرهم يعبر عن فشله في إدارة شؤون الولاية.
ـ و هذا اتهام طبيعي فماذا آخر؟
ـ يقولون انك تأكل البصل بأفواه الآخرين فتبعد البلاء عن نفسك وتعلقه في رقبة الإدارات الأخرى .
ـ هذا الاتهام لا يصدر إلا عن جهة رسمية فهل تشك في ذلك؟
ـ للإدارة السن عديدة و لها آذان سميعة.
ـ و ما رأيك أنت في أقوالهم ؟
ـ إنهم بسطاء فلا تؤاخذهم على مواقفهم.
ـ و لكنني جئت لأخدمهم و أساعدهم على التقدم بالجهة ولن ننجح ما دمنا نشكّ في كل بادرة؟
ـ هم يشكون في بعضهم شكّا أحمق. تقودهم الأنانية ويعميهم حب الذات .
ـ سأحاول أن أغيّر طريقة عملي.
ـ إن العمل في جهتنا صعب للغاية.و أصعب منه الالتزام بما يمليه الضمير.أنا اعرف انك تبني للمستقبل.و اعرف انك ستلقى الكثير من العراقيل و لكن لا تيأس ما دمت تغرس الأشجار ولا تكتفي ببذر الشعير الفرق بينهما إن الشجر ينمو ببطء فإذا كبر و اشتدّ عوده أعطى ثماره وظلاله و أما الشعير فيخضر بسرعة ثم يذوي بسرعة ويطحن بسرعة أيضا .
ـ لا تهتم ..سأعمل على ربط مصلحة هذا بمصلحة ذاك. وسأجعل كل واحد منهم يحتاج إلى غيره علني انسج فيما بينهم علاقة اجتماعية تنبع من الحاجة إلى الآخر فان نجحت وترسّخت فيهم فكرة المواطنة نشأت بينهم علاقة حب وظيفي من شانها أن تتحول إلى ضرورة تقضي على حب الذات والتواكل. أتعرف ما معنى المواطنة؟ إنها الكلمة المفتاح، إنها ذلك الخيط الروحي الذي يشدك إلى هذه الأرض فتقول أنا تونسي و تكتفي بهذا القول وتشعر بالانتماء فيرتفع رأسك.
ـ على كل حال لن تخسر شيئا إن حاولت.
ـ يجب أن يتعلم الناس احترام الآخر ولو طمعا في خدماته.يجب أن اركز على السلوك الفردي فانا اعتبره حجر الأساس في كل بناء.
قبل أن ينصرف الأشهب سحب الوالي الكتاب الذي تركه له منذ أيام و قال:
ــ انتهيت من قراءته و سأتركه عندي حتى تمدني بالجزء الأول.
ـ الجزء الثاني يعنيك مباشرة.
......
ما الذي يعنيني مباشرة من الجزء الثاني؟ ظلت هذه الجملة تقرع ذاكرة الوالي بعد أن خرج الأشهب.
ـ ترى ماذا قصد؟
يروي الكتاب تاريخ المغرب العربي وقيام الدولة الفاطمية وسقوطها.
ثمة خيط رقيق يربط حاضر المهدية بماضيها ...هذا الخيط منسوج داخل الكتاب....
عبيد الله المهدي بنى المهدية منذ قرون.
....و أنا أجيء اليوم لأكون أول وال عليها ولا اخفي رغبتي في إعادة بنائها. ...
عبيد الله كان ظالما قاسيا فبادر بقتل داعيته الذي مهد الطريق من أمامه و قتل أخاه الذي نصحه و أرشده ...
.....و أنا لن أكون ظالما فاطرد الأشهب من جواري.
المهدي سعى إلى تقوية أكتافه بتعب الآخرين و عرقهم...
.....و أنا مقدم على تعب كبير من اجل راحة الآخرين.
المهدي بنى دولته على الفصل بين العامة والخاصة.
....و أنا أسعى إلى زرع بذور المواطنة بين الناس.
المهدي اعتمد على الدسائس في تسيير الشؤون الحياتية.
.......و أنا لن اتخذ قرار واحدا دون تريث و تثبت وتبيان الحقيقة.
المهدي كان يطمح إلى افتكاك الخلافة .
.....و أما أنا فان المسؤولية اختطفتني من حياتي الخاصة و لن اغضب اذا سحبت مني أو دعيت إلى منصب اقل شانا من هذا...
فهمتك يا سيدي الأشهب...
أردت مني ألا أشبه المهدي...
***
كم اشتاق المؤلف إلى قرائه ! و كم يحتاج اليوم إلى تلك النخبة من المولعين الذين كانوا يشجعونه على الكتابة أو يتظاهرون بمناصرته وبالانتصار لنصوصه!
من الصعب أن يدير بظهره إلى ولائهم و أن يعفس على وجوههم ويدوس على أصواتهم ...
انه يميت باختياره الأعمى أحلامهم و يمحو آثارهم من أوراقه...
انه يخون قراءه..
انه يخون نفسه...
انه بصدد ارتكاب جريمة في حق مبادئه ...
ثمة قشة أمل...
ربما يقدمون على قراءته بالشكل الجديد...
ربما...
لكن الصورة تؤثر في الطبقات البسيطة فقط و لا تقتحم عوالم المثقفين و المفكرين..
المؤلف نفسه لم يقتنع بكتابته الجديدة رغم إعجابه بالفكرة. انه لا يقول شيئا من خلال الصورة والصوت بل يكتفي بنقل آلته من ركن إلى آخر و تركها تسجل الأحداث و الحديث فلا يجد فرصة لإبداء رأي واحد.إن دوره يتضاءل إلى أن يصبح كممثل في مسرحية يلوك كلام المؤلف و يمتثل لأوامر المخرج .
هل يمكن لمؤلف في حجمه أن يصبح قارئا بسيطا لما تكتبه الكاميرا؟
لن يستطيع أن يتخلى عن مبادئه ويعتنق الوصفية فينتهي إلى الذوبان في سجن يبنيه لنفسه من الآلة؟
رماها على الكرسي كمن يتخلى عن عبء ثقيل و راح يبحث عن نوم ينقذه من لولب السؤال.
***
تهاوى رئيس البلدية على الأريكة في بيت الجلوس وأسرعت إليه زوجته منيرة بإناء الماء الساخن و شرعت في دلك ساقيه.يحب أن تستقبله بالماء الساخن و يفضل دلك ساقيه على قبلة دافئة فوق جبينه.
الجلوس إلى المكتب طول النهار علمه ان يسارع بمد ساقيه على الأريكة حالما يعود إلى المنزل. أعاد نفس الكلام الذي اعتاد أن يبادر به زوجته منيرة.
ـ أنا متعب و الله.
صمتت منيرة وعديد الأسئلة تتزاحم على شفاهها .
ماذا لو أعلمته بان الناس يتهمونه بالارتشاء؟
ماذا لو نقلت إليه كل الشتائم التي سمعتها من نساء الحي؟
ماذا لو سألته عن علاقته المشبوهة بالموظفات ؟
و لماذا لا يحدثني أبدا عن النساء اللواتي يقصدن مكاتب البلدية ؟ الرجال عادة ينقلون إلى زوجاتهم قصص النساء الصحيح منها والباطل.
استفاقت من ذهولها عندما لكزها زوجها فتظاهرت بالسماع وقالت :
ـ الأرض ستواصل دورتها بالرغم عن مشاغل البلدية فلا تعثركم يوقفها و لا هرولتكم تزيد في سرعتها.
ـ في الواقع، مجيء الوالي افقدني اتزاني وتشعبت المسالك أمامي وتداخلت بحيث لم اعد قادرا على التركيز. فهنا أشغال و هنالك مشروع وفي الناحية الأخرى تظاهرة.الميناء في حاجة إلى ترميم و السبخة صارت مولدا للناموس و الناس اصبحوا يتذمرون ويشتكون و الورشات تناثرت كالفقاقيع ولا بد من منح أصحابها رخصا و كلما منحت رخصة اتهمت بالارتشاء و كلما ساعدت امرأة على إيجاد شغل اتهمت بها.
حاولت منيرة أن تمازح زوجها و تنسيه مشاغله فعلقت :
ــ كأن تقول مثلا : اندبي إذا امطرت و اندبي إذا أجدبت.
ـ بالضبط يا عزيزتي ،
ــ المهم ألا تعرقلوا الناس.
ــ يا منيرة ،من حق الجميع أن يبحثوا لهم عن شغل ولكن ليس من المعقول أن نسمح بفتح ورشة حدادة في مأوى لسيارة خاصة أو بتحويل شبابيك بيوت النوم المطلة على الأنهج إلى أبواب لدكاكين تبيع كل شيء وتتاجر في كل شيء...هكذا نشجع على الفوضى.
ـ لم تعد قادرا على المواصلة فلماذا لا تستقيل و ترتاح؟
ـ لن تغفر استقالتي و لن يتركوني في حالي..
ـ انتم دائما تضيعون جهدكم في الحصول على المناصب فان تمكنتم منها انحصر تفكيركم في المحافظة عليها ونسيتم سبب وجودكم في المنصب.هذا إذا بقي فيكم جهد لإنهاء الطريق.لو أبقيت على شغلك لكان افضل لنا جميعا.
ـ أنا الآن بين قمتين ، معلق في الهواء فلا أنا قادر على المواصلة ولا أنا أستطيع الرجوع.هذا الوالي من طينة خاصة ، انه يطالب دائما بالعمل و لاشيء غير العمل حتى فوق طاقة التحمل والبلدية لا تقوى على مجابهة مشاريع تنبت كالفقاقيع. إنها نهضة مباغتة و قد يصيبني الإنهاك .
ـ السياسة لا تعرف راحة البال.
ـ راحة البال ، نعم إنها الكلمة السحرية التي يفقدها رجل السياسة منذ تعيينه. إن السياسة مسكونة على الدوام بهاجس الخوف، الخوف من كل شيء ، من الهزيمة ، من سوء الظن من الناس من النفس ...انه الخوف الدائم يا منيرة و لن يهدا بال السياسي إلا بعد أن يترك مكانه لغيره و يفضل دائما أن يترك المكان على بركان من المشاكل ليجد الوقت للشماتة و السخرية.
ـ أنت تخاف من الخطإ لأنك لم تتعود على ارتكابه .
ـ صحيح فعندما نكون داخل النار لا نفكر أبدا في الاحتراق.
ـ عليك أن تصارح الوالي بحقيقة الوضع في المدينة ليكون على علم بكل التفاصيل و لتتحاشى لومه على الأقل. إياك من التخفي وراء المساحيق.
ـ أنا أراهن على الزمن ، سأحاول كسب الوقت في انتظار أن يرحل الوالي إلى مكان آخر. هذا ما أتمناه في الوقت الحاضر .
***
ما أحمق ديك الجيران و ما أكسله هذا اليوم لم ينبه المؤلف إلى طلوع الفجر و تركه يتمطط و يتكاسل إلى أن شعر بانتفاخ جنبيه من كثرة النوم . قفز المؤلف وبسرعة مرر المشط على لحيته و لعن الديكة التي تنسى المواعيد و لا تحترم الوقت ..ولكن الديك كان قد عوده طوال المدة الأخيرة على الصياح في وقت مضبوط و دقيق جدا.هل مرض الديك أم فقد عزيزا فرفض الصياح؟ ربما التزم الصمت انتقاما من سيده الذي لم يطعمه في ليلة عصفت فيها ريح جنوبية حارة .و قد يكون صاحب المنزل ذبحه لضيف طويل اللسان. قرر المؤلف أن يسرع إلى السوق الأسبوعية عله يضبط جاره و هو يبيع الديك فيشتريه.
أحس هذا الصباح بحاجة ملحة إلى شراء كل ما يبيعه الأطفال في السوق من زيت ودجاج وبيض و سجائر وغير ذلك...انه يستعيد صغره أيام كانت أمه تلقنه دروس البيع كلما قصد السوق بقفته الملأى حمصا ساخنا و فائحا برائحة الكمون ، جرى به الحنين إلى تلك الأيام ...ما أحلى كذب الأطفال عندما يتظاهر الكبار بتصديقهم وما أجمل وجوههم عندما تمتزج فيها البراءة الفطرية مع الخبث المصطنع.
السوق لم تتغير منذ عشرين سنة . لم ينقص منها غير الدواب المعروضة للبيع .تكاثرت الشاحنات الصغيرة في المدينة...كل شيء يبدو كما تركه منذ عشرين سنة فأكداس الخضر في مكانها و كذلك الأدباش القديمة و أما الأحمرة القليلة فهي موثوقة إلى سور السوق القصير تدفع بأذيالها الذباب في حركة متناسقة كأنها فرقة من الكشافة.تفرّس في السوق جيدا فلم يجد أولئك الأطفال فطار إلى المقهى. لم يجد غير إبراهيم و رجلين جالسين إلى نفس المنضدة . شغل الكاميرا وثبتها و طلب قهوة بماء الزهر.
سال الأول إبراهيم:
ـ قل يا إبراهيم، ألا ترغب في الزواج ؟
ـ فكرت في الأمر جيدا و قست جوانبه الأربعة و لم أجد للزواج جنبا يناسبني .
***
لماذا يحرم المؤلف نفسه من الكلام؟ لماذا تلجمه الآلة وفي باله أفكار و آراء تستعر و لا يقدر حتى على الحديث إلى الكاميرا فتسجل صوته عاريا ؟.
كان يودّ لو فتّح عين إبراهيم على زواج سهل ومريح.
ألم يقطن الفاطميون الشيعة هذه المدينة ؟
فلماذا لم تخلد منهم خلية واحدة ليستمرّ من خلالها زواج المتعة ؟
لماذا إذن لا يفعلها إبراهيم فيقدم على إحياء هذه العادة ؟ و هو الذي كان يتحاشى التجوال في المدينة العتيقة لكي لا يظن البعض انه يقصد تلك الزنقة المنزوية التي تحوي دار الدعارة ؟ والوالي أمر بإغلاق الدار بعد شهر واحد من حلوله.
مرة واحدة حكى إبراهيم لصديقه سالم العساس عن سفرته إلى العاصمة و دخوله إلى دار الدعارة في نهج سيدي عبد الله قش . بدينار واحد شبع من امرأة سمينة حتى تجشأ و عاد إلى المهدية بعد أن كلفته سفرته خمسة دنانير كاملة.
بدينار واحد يمكن لإبراهيم أن يتزوج زواج متعة لليلة واحدة تنتهي بإعلان الطلاق مع طلوع الصباح.
و إبراهيم لا يعلم ان الفاطميين الشيعة لم يتركوا خلفهم شيئا يذكر ولو فعلوها و تركوا زواج المتعة لأعلن انتسابه إليهم .
***
مال الأشهب قليلا إلى اليمين عندما أحس بسيارة تتوقف من خلفه. ألقى نظرة بعيدة فرأى البحر يلطم قبة سيدي بن غياضة برفق ورأى السبخة الكبيرة تتماوج من فوق سطحها طيور النورس. الطيور تحفظ الطرق المؤدية إلى هذه المدينة فتقضي فيها سياحة الصيد والغناء ثم ترحل من جديد لتبيض بعيدا و تعود مع فراخها في الموسم المقبل .
كل الذين مروا من هذه المدينة لم يعودوا إليها و إن صادف أن زارها حفيد منهم فلا يجاهر بإعلان انتسابه إلى هذه الأرض فالدنيا تغيرت كثيرا و العالم فقد إحدى ساقيه فاصبح كالأعرج يتعثر فيسقط و يشك في أن أحدهم دفعه ...
الشك في كل شيء...
الشك في النوايا الصادقة
الشك في النجاح و الفشل
الشك في كلام الثلاثي النبار
الشك في نزاهة الوالي
الشك في اصل المدينة
الشك في دينها
الشك في نسيان مذهبها
الشك في النفس.
استدار الأشهب ليركب إلى جانب الوالي مبادرا بالكلام.
ـ الإدارة توفر لك سائقا خاصا فلماذا تكلف نفسك عناء السياقة؟
ـ عندما أكون في نزهة أفضّل أن أريح السائق.
ـ هل بدأت ترتاح إلى العمل في مدينتنا؟
ـ بدأت أشعر بالإحباط و بدا الفشل يتسلّقني و يسري في شراييني وأخاف أن يضيق صدري فأترك المدينة لأهلها.
ـ إنك تغالط نفسك. لن تستطيع التخلي عن مشاريعك قبل إنهائها أو على الأقل ترك القطار على السكة. البناية الجديدة تكون دائما عزيزة على بانيها.
و الفاطميون؟ تساءل الأشهب في صمت ، ألم يبتنوا مدينة ويؤسسوا إمبراطورية ثم تركوها فريسة لمن يفوز بلحمها الطري؟ لماذا لا يعيد التاريخ جلدته فيلبسها الوالي كما لبسها عبيد الله و يهرب من المهدية محبط العزيمة مكسور الخاطر؟
تحاشى الأشهب التفات الوالي المتكرر نحوه فسأله:
ــ ولماذا تفكر في مغادرة المهدية؟
ـ ذلك أفضل من إغضاب الناس و الجماعات. أنا على معرفة بما يدور من حولي.
ـ و الحكومة أيضا لا يرضيها هروبك خاصة و هي قد أوكلت إليك مهمة صعبة بتعيينك أول وال في الجهة.
ـ الحكومة عادة لا تشبع من النجاحات. إنها كالأب الذي يحرص على نجاح ابنه،يفرح بنجاحه ثم يتظاهر له بعدم الرضا ليطلب منه المزيد.الحكومة تشبهك يا سيدي.
ـ كلامك هذا لا يعجب الحكومة؟
ـ و هي لا تكرهه أيضا إنها سلطة على أية حال.
ـ بل قد تحرجها بمواقفك هذه.
ـ أنا أقوم بواجباتي تجاه رؤسائي و تجاه الحكومة التي عينتني وأجتهد من أجل الإضافة التي تصون الدولة وتحميها من أية سلطة دخيلة.أنا أنام و أصحو على خطر السلطة الدخيلة و هذا الخوف يؤرقني و سيبقى كذلك طالما بقيت في الولاية.
ـ ماذا تقصد بالسلطة الدخيلة؟
ـ يا سيدي الأشهب ! إن السلطة،أية سلطة في الأرض حريصة دوما على تكريس السائد و فرض الانضباط واحترام القوانين التي تسنها لحفظ أمنها و أمن شعوبها وهي تعرف كل متطلبات المرحلة الخفية منها و الجلية وتعرف المواطنين معرفة دقيقة فتملي عليهم واجباتهم وتسعى إلى تلبية طلباتهم فهي بهذا العمل تبدو صاحبة القرار والمبادرة و الإنجازات و قد تضطر تحت ضغوط شتى إلى منح مساحة للرأي المعارض يتحرك فيها و يتنفس من خلالها. إلا أنها تسطّر هذه المساحة و تسيّجها و تربط الحركة فيها إلى قوانين تسنّها بالمناسبة ورغم قدرتها الظاهرية على المسك بخيوط اللعبة فهي تظل خائفة من شيء واحد.
ـ من ذلك الرأي المخالف.
ـ أبدا، فالرأي المخالف تعرفه و تصارعه بالوسائل المختلفة التي تمتلكها و لكن ما يخيف السلطة القائمة هي تلك السلطة التي تأتي بعدها.
ـ أهذه فلسفة أم أوهام؟
ـ بل تلك هي الحقيقة. هب أنك صاحب مصنع في المدينة ومصنعك هذا ينتج شيئا ما يحتاجه الناس في حياتهم وهب أن منتوجك يلبي كل رغباتهم و يرضيهم.
قد يذهب في ظنك أنك استوليت على السوق و أغلقت الباب أمام جميع المنافسين فلن يقدر أحدهم على مغامرة المزاحمة .و لكن قد يأتي صناعي آخر و يبتكر شكلا جديدا للعلب التي يوضع فيها المنتوج فيجلب اهتمام الناس و يجعلهم يقدمون على بضاعته بحثا عن الجديد لا غير...كذلك الشأن بالنسبة للصراع عن السلطة فقد تأتي سلطة أسميها سلطة ما بعدية تستبق الأحداث و تتأسس على فكر جديد يقوم على أنقاض الأفكار التي قامت عليها السلطة الحاضرة . وهكذا فان هذه السلطة تظل خائفة من ظهور سلطة تأتي من المستقبل لتقضي عليها و تقوم مقامها.
ـ و ما العمل إذن ؟
ـ على السلطة القائمة أن تتجدد من الداخل وأن تكون سباقة إلى استنباط الأفكار التي قد تهم الناس فتجمعهم لمساندتها وتقطع الطريق عن كل سلطة ما بعدية .
ـ لم أعد قادرا على استيعاب الدروس و لكنني أسأل عن حال الحكومة المابعدية إذا لم تجد شعبا يبايعها. فهل يعقل أن تقوم دولة على فراغ ؟.
ـ تأكد يا سيدي الأشهب إن كل سلطة تقوم في الأرض تجد في صبيحة قيامها أناسا كثيرين يبايعونها و يعدون من صدورهم قلاعا لحمايتها حتى و إن تأسست على مبادئ شيطانية.
مرت الكاميرا من شارع إلى آخر تمسح واجهات الحوانيت وتطل من بلور النوافذ على ما يجري داخل المحلات.تركز أحيانا على الوجوه فتنقل تقاسيمها وانفعالاتها و لا أحد يرفض أو يخفي وجهه فكأن للكاميرا سلطة مطلقة على الناس بل ربما لم ينتبهوا إلى خطورة ما تنقل عنهم من حديث و همسات وغمزات أو لعلهم لم يتخيلوا قدرتها على التصوير من بعيد وكشف المستور و المسكوت عنه؟ تتزاحم الأسئلة و تتوالد والمؤلف يمضي معجبا بلعبته متماديا في تقصي خطوات الناس واشتمام أنفاسهم. لم يخطر على بال أحد أن وصوله إلى المدينة في يوم تنصيب الوالي كان صدفة.. ترك الشك يسري بين الناس و ترك لهم أن يسموه كيفما شاؤوا صحفيا أو مصورا أو مراسلا و مضى مزهوّا بان اللعبة انطلت على الجميع ففتحت الأبواب المغلقة و أسكتت الحجاب و رشت ماء الزهور امام خطواته فاصبح المبجل الذي لا ينتظر الإذن بالدخول.
الكاميرا أنقذته من تعب الكتابة و تنقيط الكلمات و رسم الهمزة وتذكر الشَّدّة و انتقاء العبارة المناسبة و الاهتمام بالبلاغة واحترام قواعد اللغة التي انزل بها القران..
بدأ الليل يرمي برنسه على المدينة و نادى إبراهيم سالم العساس إلى تحت زيتونته .
ـ تعال يا سالم .
ـ انتظر حتى تخف الحركة.
ـ خذ مكانك حذوي في برج المراقبة و لا تهتم .
ـ كم تعددت فضائل الزيتونة يا إبراهيم !
ـ بل ان فضلها كبير على المدينة فهي تمنحها خصوصيتها ولها فضل كبير عليك أيضا ..
ـ كان على البلدية ان تطالبك بالاداء فالبلدية تجوع ايضا .
ــ لا يا صديقي العساس. إن عبد الرحمان ابن خلدون ، رحمه الله، يقول إن الدولة،أو الولاية إذا ضاعفت من الضرائب فقد بشّرت بانهيارها.
توقف الرجلان عن الحديث جهرا و وشوشا إلى بعضهما كلاما غير مفهوم عندما انتبه إبراهيم إلى ان أحدهم يقترب منهما .
ـ انه علي يا إبراهيم قال سالم .
قال علي و هو يصل :
ـ و أنا أيضا استقبلت قبلك وجه التعاسة هذا الذي تسمونه عدل التنفيذ و قد اوفدته البلدية لمطالبتي بدفع خطية اجهل سببها.
ـ ترى من سماه عدلا ؟ علق إبراهيم.
ـ الوالي طبعا. انه الوحيد الذي يوزع الأسماء على الناس فيصبح هذا عدلا و الآخر كاتبا و الذي لا يسمى قوادا أو نبارا.
تغير كل شيء منذ مجيء الوالي.حتى أنت يا علي.
ـ صدقت يا سالم لقد غيّروني فتغيرت . كانت علاقتي طيبة بالحرفاء وكنت أحظى باحترامهم و أحوز محبتهم أما اليوم فأصبحت عرضة للّوم و الشتيمة و كل هذا بسبب منع الحرفاء من لعب الورق. صدقني يا سالم لا ناقة لي في هذه المسالة و لا بعير.
قاطعه إبراهيم ساخرا:
ـ لماذا لا يلعب الوالي الشكبة ؟.
ـ لا تتحدث هكذا عن الوالي فهو يحب أن يتلهى الناس بشؤونهم ولولاه لأغلق المقهى نهائيا.
ـ ان صدقت فهذا دليل على كرمه و عدله .
ـ أنا لا اعرف عن ظلمه و لا عن عدله شيئا بل لا يهمني هذا ولا ذاك ما دمت مستقيما. الواضح أن شيئا ما تغير في المدينة نحو الأفضل أو الأكثر سوءا ... لا يعنيني.
ـ أما الأداء فمن تدبير رئيس البلدية اعتقد ذلك جازما.
و قال علي:
ـ أقول لكما و أؤكد أن بقاء الوالي لن يطول كثيرا.
ـ كيف عرفت ؟
ـ إن نجح في خطته فسيرتقي إلى منصب أهم و إن فشل في إدارة ولاية ناشئة فسيدعى إلى مسؤولية اقل أهمية،
ـ أنا أتمنى له النجاح و لكن بشرط ألاّ يكون نجاحه من عرقنا و على أعناقنا .
ـ الرأي للمواطنين.أضاف إبراهيم ...هكذا يقال.
ـ ليس للمواطنين قدرة على قبوله و لا على طرده.
ـ الحكومة تدعي دائما بان المواطنين يوافقونها ويؤيدونها.
علق إبراهيم بسخريته المعهودة:
ـ لو كل الشعوب تؤيد حكوماتها لماذا تقوم الثورات إذن؟ لكن هذا النمط من المواطنين...
ـ بالعكس ، قال علي،المواطنون يقدرون على ترحيله متى شاؤوا ببعض المؤامرات و الوشوشات و المشاكل ، يعني أية مشاكل ، المهم أن تعلم بها الحكومة المركزية فتضحي بشخص واحد لتحتفظ بودّ المجموعة . أليس كذلك يا إبراهيم البطل إبراهيم الذي تختطف عيناه الإبرة من تحت الماء و يشم انفه رائحة الحوت السابح في أعماق البحر؟
ـ ابحثوا لكم عن بطل يقود الشغب إن أردتم لخطتكم النجاح .
ـ يا إبراهيم لا تأخذ المسالة مأخذ الجد فنحن نمضي الوقت فقط و لم نقل أبدا إننا غير راضين بالوالي الذي شرف مدينتنا . نحن عاهدناه على العمل في سبيل نهضة الجهة كلها فكيف نخون عهدنا ؟
ـ كأني أرى للناس وجها واحدا، وجه الحرباء.
***
نامت المدينة باكرا ككل ليلة جمعة. فالناس ينهضون قبل طلوع الشمس و يقصدون السوق الأسبوعية ثم يمرون مباشرة إلى الجامع الكبير الذي بناه الفاطميون مقابل البحر و تركوه بلا صومعة ويدعي البعض أن تشييد جامع بلا صومعة كان البذرة الأولى لتوالد متناقضات عديدة سرت في عقول الناس حتى أصبحت محل تندر وسخرية فصومعة جامع سيدي مطير بعيدة عن مبناه وكأنها بلا جامع والسقيفة الكحلاء سقيفة على أية حال و لكنها بلا منزل و ثمة طبعا ديار كثيرة بلا سقيفة .
مرّ المؤلف على دكان برندو فقتل الجوع على عتبته وأسرع إلى الشارع و به حاجة غريبة إلى الخروج والتجوال في مدينة نائمة. كأنه اشتهى أن يسمع نقر حذائه على الإسفلت بل لعله حن إلى سنين الصبا أيام كان يقضي الليل مع بعض الأصدقاء في تسكع بريء.
ظل يمشي والكاميرا تتدلى في محفظة من الجلد الناعم. فجأة توقف ليرهف السمع. ثمة حديث سري يدور غير بعيد عنه. بدا له أن الحديث مهمّ جدّا ، فالمتحدتان يكبحان صوتهما فلا تسمع لهما غير بحّة العجائز.
الأسعد البحري يحدث مستشاره الذي اكتراه لمدة شهر واحد حتى يساعده في حملته الانتخابية.
ـ أنا لا اصدق أن مرشحا في قيمة منافسي سيسحب ترشحه إرضاء لخاطر الوالي.
ـ و لكنه تعهد بذلك يا عرفي.
ـ لا يا مستشاري العزيز ،إنها مناورة. عموما أنا أفضل أن أتعامل مع الوضعية بالحذر الشديد.
ـ و لكنه تعهد أمام ثلاثة رجال من خيرة الناس في المدينة وأوشك أن يقسم لولا مقاطعة أحدهم.
ـ بعض المرشحين يتظاهرون بعدم الرغبة في ترشيح أنفسهم خوفا من الهزيمة فان تأكدوا من الفوز لا ينسحبون أبدا. هذه المناورات لا تنطلي على أحد.
ـ هل تريد أن يعاهدك ؟
ـ السياسة لا تعترف بالأخلاق.
ـ و كيف ترى أن نتعامل مع عدونا ؟
ـ هذا السؤال اطرحه عليك.
ـ سنتصرف و نقوم بحملة انتخابية كما لو أن منافسنا عنيد جدا و ان رصيده من الأصوات سيتضاعف إذا أطلقنا الحبل على يديه سنسعى إلى قطع الطريق أمامه ولا نستهين بقدرته.هكذا نأمن من عضته ونتركه ينبح على ظلّنا أو يلعق السماء بلسانه.
ـ لا تنس أن الوقت يجري ضدنا.
ـ أنا متفائل جدا ما دامت الورقة الرابحة في كفك ، اقصد الوالي .
ـ لا تغرني محبة الوالي فهو يحترمني و يتمنى لي النجاح ولكن موقعه الإداري يفرض عليه الحياد.
ـ و لكنه تمنى فوزك جهرا و بإمكانه مساعدتك.
ـ سيكون مجبرا على التعامل مع الفائز سواء شاء ذلك أم أبى و هو لا يستطيع إعلان رغبته احتراما لحياد الإدارة في مثل هذه المناسبات.
ـ الحياد كلمة فضفاضة لا تعني شيئا حتى و ان تظاهر العديد بالتزامه. فحياد المنتخبين تعبير عن حالة خوف من الاختيار هو خوف داخلي سرعان ما يتبدد بإعلان النتيجة.
ـ أمامنا مواجهة ساخنة و علينا الحيطة.
ـ أنا متفائل جدا لأنك تحظى بمحبة الناس .
***
في ركن من المقهى رجلان يتحدثان في أمر هام.
ـ كم يلزمنا من صبر على هذا الذي تسمّونه واليا؟
ـ كأنّ عمدتين في المدينة لا يكفيان. أنا لم افهم الدواعي الحقيقية لتنصيب وال في مدينة نائمة على جوانبها السّتة.
ـ أنا لاحظت شيئا هاما وقع في هذه المدينة و لم يتفطن إليه أحد.
ـ و ما هو؟
ـ المعتمد لم يحضر حفل تنصيب الوالي و قيل انه طلب عطلة طويلة و الدليل انه لم يباشر عمله إلى يومنا هذا.
ـ أمر خطير جدا...أوصيك أن تترك هذه الملاحظة لنفسك وإلا سيتهمونك بتسريب أسرار الدولة...أو بتصنيع الإشاعة وبالادعاء الكاذب و الافتراء على شخص المعتمد.
ـ أنا بصراحة أوشكت على الإفلاس و قصدت المعتمدية مرات عديدة لاستخلاص دين و قيل لي إن المعتمد في عطلة...ها ...ما ردّك.
ـ ما رأيك لو نطلع الثلاثي النبار على أمر المعتمد. هل نقوى على إشعال فتيل في مدينة القش؟
ــ فكرة طريفة لا أريد أن يستغلها الثلاثي النبار فيربحون من ورائها الشيء الكثير.
ـ ماذا نفعل بها إذن؟
ـ نبيعها لهم أو نتصرف فيها نحن و نحتكرها فنمضي بها إلى الوالي و ندعي أن المعتمد لم يساعدنا على حل مشكلة نختلقها على الفور. نمدّ خيوط الكهرباء و نترك له شرف إشعاله.
ـ لا اعتقد أن الوالي على غير علم بالمعتمد .
ـ كيف اهتديت إلى هذا الاستنتاج؟ بل أنت على حق الوالي يعرف كل شيء لكنه اختار أن يهمّش المعتمد لانه لا يثق في اختياراته ولأنه حريص جدا على متابعة برامجه بنفسه و هذا أمر خطير بالفعل و لي برهان قاطع على صحة رأيي فالوالي استوقفني مرة وكنت أسوق الجرار فطلب مني الأوراق و هددني فتخليت عن بعض الأعمال فأشرفت من يومها على الإفلاس.
ـ إني أرى جرّارك يعمل طول النهار فكيف تدعي الإفلاس ؟
ـ ضيقوا علي الخناق فلم اعد أحمل عليه ما أشاء وانهالوا علي بالخطايا فأصبحت ادفع نصف المداخيل إما لكسب مودة هذا أو لاستخراج تلك البطاقة أو لدفع خطية...لكنني اقسم إنني إن جعت آكل أذن الوالي لأريح منه الناس جميعا.
ـ يا غبي...أذن الوالي لا تأكل بل تأكل أذن القاضي ألم تذقها أبدا؟
ــ زوجتي لا تحسن طبخها وهي تفضل عليها صوابع علجية.
ـ الغريب أن هذا الوالي يرفع شعار التشغيل ثم يجبرنا على ترك أشغالنا بالعراقيل التي ينصبها هو وزمرته.
ـ لعله يريد أن نشتغل لفائدته و إلا كيف يمنعونني من بيع السمك في الشوارع ؟.
ـ لتنتصب داخل السوق البلدية و تدفع.
ـ هل علقوا على باب السوق عبارة ادفع ؟
ــ نعم .
ــ إذن ادفع...لهم
ـ أنا ادفع يوميا مقابل الخزن و التبريد...و ارفع في سعر السمك وفي النهاية لن يخسر غير المواطن أما أنا فاعرف كيف انتزع خبزتي من بين أنياب الذئاب.
ـ علينا أن نفكر في التخلص منه.
ـ كيف؟
ـ نكتب فيه بعض الأشياء نمضيها باسم مواطن صالح وغيور ونرفعها إلى الحكومة.
ـ و هل تظنّ إن الحكومة تصدق مثل هذه الادعاءات؟
ـ الكذبة وراء الكذبة يا صديقي إلى أن تصدقني. ثم لماذا لا تصدّق الحكومة كذبة نمنّ بها عليها لتستغلّها في الوقت المناسب ؟.
ـ بماذا يمكن أن نتهم الوالي بالانضباط أم بالنزاهة؟ أم بتطبيق القانون؟ أخاف أن تخدمه هذه التهم فتقع ترقيته.
ـ في هذه الحال سنرتاح منه. و لكن افضل أن نتهمه بالارتشاء لتسرع الحكومة في رفعه.
ـ اكتب أنت فخطك جميل.
ـ من الأفضل أن نمنحه فرصة لعله يتدارك وضعه.
***
جرافات البلدية و جراراتها تعمل بجهد في مداخل الأنهج المطلة على الساحة الوسطى. حتى الشارع الأصلع الطويل اغلق امام السيارات فاختنقت حركة المرور.
أصحاب الحوانيت القريبة يتذمرون من الأتربة والضوضاء ولا يستطيع واحد منهم أن يعترض عن الأشغال.علم الجميع أن الوالي أمر بتوسيع الأنهج المطلة على الساحة و أخليت المنازل القريبة بعد أن اسكن أصحابها في أماكن خاصة في انتظار أن تبنى لهم مساكن أخرى.
الوالي اختار أن يشرف شخصيا على هذه الأشغال إلى جانب مهندس البلدية و بعض المصالح الأخرى فراح يتابعها يوميا ويسهر على سرعة الإنجاز.
صدق الهادي البناي.فبقايا سور المدينة القديم بان للعيان عندما أزاحت جرافة البلدية منزل خالد الفرجاني و صدق الهادي البناي عندما قال للوالي إن السور متصل بشيء اثري. اصدر الوالي أوامره بالمحافظة على الحائط الظاهر من بطن الأرض كأنه كنز ثمين.
مدت القنوات بجميع أصنافها و مهدت الأرصفة. قال الوالي مصافحا مهندس البلدية بعد إتمام الأشغال:
ــ هكذا لن نضطر إلى تكسير بلاط الشارع ولا الرصيف مع كل ربط بالماء أو بالغاز.
***
يدخل الأسعد البحري إلى دكان محمود الحلاق فيجد الأشهب جالسا يقرأ بعض الصحف..
ـ كيف حالكم يا جماعة ؟
ردّ محمود الحلاق ساخرا:
ـ الرؤوس هي الرؤوس تنحني طوعا إلى ضربات المقص.
ـ ربما يقصد حالنا بعد تركيز ولاية،علق الأشهب.
ـ تفضل بالجلوس يا حضرة النائب، قال الحلاق محمود.
امتعض الأسعد البحري و ابتلع غضبه و تكلم بلطف:
ـ هكذا يا حلاق تسمي المولود و أمه لم تضعه بعد .
ـ ستفوز إن شاء الله . طالما الأشهب يساندك فأنت فائز لا محالة .
ـ تورطني يا محمود ، أضاف الأشهب.أنا لا املك غير صوتي وسأمنحه لمن أشاء .أقول هذا لأنني لا أريد أن أغرر بك يا حضرة المرشح.
ـ المهم أن تكون كما عهدتك صادقا.وما جوابك الآن إلا دليل على صراحتك لهذا أشكرك و سأعوّل عليك فأنت تحظى باحترام الجميع و بإمكانك أن تساعدني بالدعاية أو بالتأثير على بعض الأصوات الطرية لجنيها قبل أن يشتد عودها.
ـ لا اضمن لك ذلك يا بحري إذ يمكن أن احصل على وعود منهم وأنت تعرف أهل المدينة قد يتلاعبون بمواقفهم مع أول هبة ريح أو لنقل إنهم دوما مع الواقف.
ـ وهل تنصحني بالانسحاب؟
ـ ذلك شانك و لو أنني أتمنى أن يتعلم الناس كيف يختارون من ينوبهم ذلك افضل للمستقبل فالديمقراطية تمشي على أربعين ساقا قد تسقط الكثير منها في الطريق و لكنها تصل إن انطلقت و لكنها لا تقفز على عصا واحدة؟
ـ أنت أدرى بحظوظ كل مرشّح منا.
تدخل محمود الحلاق:
ـ أريد أن اعرف أخطائي لأتمكن من تلافيها قبل يوم الاقتراع فعلى أي شيء تلومني يا سي الأشهب؟
ـ لا ألومك على شيء وإنما أوصيك فقط بالتحلي بالصدق كن صادقا وهذا يكفي لضمان الفوز.
ـ وهل تراني غير ذلك؟
ـ أبدا ولكني أرى بعين واحدة وأنت تحتاج إلى أعين الناس جميعا.
ـ أشكرك على هذا.وأنت يا سيدي محمود؟
ـ أنا اضمن لك أصوات زبائني وهذا كثير إن حصلت عليها و لا تنس أن الوالي يصافيك أو هكذا يشاع.
ـ في الواقع أنا لا اطمع في صوته.
أعجب الأشهب برأي الأسعد البحري في الوالي فقال:
ـ أحسنت يا حضرة النائب فالوالي لا يشارك في الانتخاب حتى بالإدلاء بصوته لان مسؤوليته الإدارية تمنعه. صحيح انه يكنّ لك الودّ ويحبك وهذا لا يكفي. إن طيبته و حسن تدبيره لا يفيدانك في شيء فعوّل على نفسك بل انتبه فمحبة الوالي قد تضر بك.
ـ لقد اكتفيت بنصائحه.
ـ الناس يحبون المال، أضاف محمود الحلاق ناصحا الأسعد البحري بحماس، فكن فطنا وعارض الرفع في الأداء البلدي. أجمل الأصوات عند الناس حفيف المال.
عارضه الأشهب:
ـ ولماذا تشعل حربا مجانية؟ فالبلدية طالبت بدفع الأداء طبقا للقانون وحرصا منها على الاعتناء بالمدينة.
ـ شكرا لكما على النصائح.
مشهد دخيل
لماذا يختار المسؤولون لون السواد لسياراتهم؟ لماذا؟ أنا أكره اللون الأسود. هذا ما جال في خاطر الأسعد البحري وهو يركب إلى جانب الوالي في سيارته السوداء.انطلقت السيارة ببطء شديد في الشارع الأصلع الطويل.شارع بدون شجر يشق مدينة المهدية من مقبرة سيدي مسعود إلى السقيفة الكحلاء تنفتح عليه كل الإدارات وكل الدكاكين الكبيرة والصغيرة و الورشات. حتى شبابيك المنازل التي حولها أهلها إلى نقط بيع تنفتح على هذا الشارع...التلاميذ أيضا أوصاهم أولياؤهم ألا يحيدوا عنه كلما قصدوا مدارسهم أو عادوا منها.الشارع الأصلع هو العمود الفقري الذي ترتكز علبه المدينة تلسعه الرياح الشمالية من البحر باردة في الشتاء ومنعشة في الصيف
سيارة الوالي نفسها حفظت الشارع ونقاط الازدحام فيه و ها هي تتوقف فجأة بالقرب من الساحة الوسطى. ظن الأسعد البحري أن الوالي لمح إبراهيم يرقد تحت زيتونته فأسرع إليه بالقول.
ـ انه إبراهيم صاحب الزيتونة. هذا كل ما يملك وهو يتخذ منها منزلا له . مسكين فقَدَ نفسه.
ـ ألم يجد من يؤويه؟
ـ شخصيا عرضت عليه بيتا مستقلا بالقرب من منزلي فرفض واتصلت بصديقه حسن البناني ليؤثر عليه فرفض أيضا وعرضناه على طبيب نفساني فأكد لنا انه يعاني من عقدة السقف.
ـ مِن عقدة السقف؟ ما عقدة السقف هذه؟
ـ هكذا قال الطبيب.
ـ يجب أن نجد حلا لمشكلته سنرى المسالة فيما بعد حدثني عن برنامجك الانتخابي
ـ أحضرت برنامجا طموحا شعاره التشغيل والدفاع عن الطبقات الفقيرة.
ـ تريد أن تحصل على أصوات الطبقة الشغيلة أم على أصوات البطالين ..مات عهد البروليتاريا...ألا ترى أمامك الساحة ؟
ـ أية ساحة؟
ـ هذه الساحة التي أمامنا. إنها وسط المدينة ويجب ألا تبقى على هذه الحال. أنا اقترح عليك أن تجعل من تهيئتها شعارا لبرنامجك والْتزمْ أمام الناس بالعمل على تجميلها وسأساعدك في ذلك.
الأسعد البحري رجل أعمال ناجح يدير مصانعه التي أنشأها في العاصمة باقتدار كبير ولكنه لم يفكر أبدا في إقامة أي مشروع في مدينة المهدية ولا في أحوازها برغم التشجيعات الكبيرة التي تمنحها الدولة للاستثمار داخل البلاد. انه يصر على إبقاء المهدية مدينة لراحة أهلها دون سواهم يعود إليها كغيره في المناسبات والعطل فيأكل الحوت المشوي في منزل أخته أو صهره ثم يلبس الجبة البيضاء و يجلس مع الأعيان في النادي الخاص مقابل البحر والميناء لكنه اليوم يسعى لتمثيل المدينة في مجلس الأمة و بات لزاما عليه أن يقدم للناس شيئا ملموسا حتى يجني أصواتهم و يرى انه لا مفرّ من قبول اقتراح الوالي ليضمن مساندته فالأيام علمته أن وقوف المسؤول إلى جانب أي كان كفيل وحده بضمان الفوز.هذه الأفكار دارت بسرعة في ذهن الأسعد البحري فكلم الوالي بصراحة.
ـ أركز على نقطة واحدة؟ أخاف أن يبدو برنامجي هزيلا.
ـ الالتزام بوعد في المستطاع أفضل من وعود كثيرة لا تنفذ بل إن الوعد الذي لا تستطيع الإيفاء به سيبدو للناس أهمّ وأنفع من كل الوعود التي أوفيت بها.
ـ ولكن الساحة يملكها أكثر من شخص.
ـ المسالة العقارية نجد حلا لها. أنا أدعوك إلى التركيز على الساحة.
ـ سأفعل.
الأسعد البحري يحب المهدية إلى حدّ الجنون هذا ما يصرح به امام الخلق كلما سنحت الفرصة للمزايدة على حبها وهو لا يطيق أن يسمع كلاما جارحا في المدينة ولا في أهلها ولا في البحر الذي يحيط بها من الجهات الثلاث. يعلم جيدا ان هذا المكان كان يحوي تمثالا أبدع أحدهم في نحته. كان تمثالا رائعا: امرأة تلبس الملية وهي تمسك بجرة الماء في اتجاه الحشيش المهمل أسفل التمثال. كانت رمزا للخصب وتعبيرا على حب الناس للمطر.... لكن بعد سنين قليلة من استقلال البلاد تكلم شيوخ الدين ومدوا أياديهم من تحت السنة الناس فدعوا إلى إزالة ذلك النصب مدعين ان التماثيل من فعلة الكفار و ان مجرد النظر إليها يعتبر من المحرمات فسارعت البلدية بإرضاء خاطر شيوخ الدين و الأسعد البحري لا يروي هذه الواقعة للوالي خوفا من السخرية لذلك ابتلع الحقيقة و فكر قليلا ثم قال:
ـ الناس لم يرتقوا بعد إلى درجة مواطن بالمفهوم الحديث للكلمة و لم يتعودوا على المبادرات لا في التهيئة و لا في التجارة إنهم ينقادون وراء بعضهم كالقطيع الأعمى يصيح الأول فيتصايحون و يتوقف الأول فيتسمّرون في مكانهم.ولكنهم يدفعون أرواحهم فداء مدينتهم
ـ كم يلزمنا من عقد لزرع مفهوم المواطنة في عقول الناس؟ وكم من جيل سنضحي به لنغيّر العقليات؟ هذه مسائل جوهرية في السياسة و لا يتحمل الناس تبعاتها بل تتحمل السلطة كامل المسؤولية عن شرود شعبها وانتشار حب التواكل بين الأفراد و تهميش الملك العام. إن هذه الأشياء تؤرقني كثيرا.
ـ الخوف من المجهول يعمي البصائر ولا يتركنا نتقدم.
***
يرتمي رئيس البلدية منهكا في بيت الجلوس. فتقترب منه زوجته منيرة بإناء الماء الساخن وتشرع في دلك ساقيه وهو يدعو لأبويها بالرحمة. و حالما تترك الإناء. يمد لها بورقة ممضاة ومختومة.
قرأت منيرة الورقة و أعادت قراءتها مرة أخرى و بدا على وجهها احمرار غريب و كادت عيناها أن تدمع لولا ان زوجها بادرها
ـ هدية متواضعة و أنت تستحقين اكبر منها .
ـ شكرا لك و لكن ماذا تريدني أن افعل بها؟ إنها لا تصلح لبناء مسكن.
ـ يا منيرة عزيزتي شيماء كبرت و أكملت دراستها و لم يعد يشغلك منها شيء كبير ...ستجدين الوقت الكافي لفتح دكان مثلا .أما رخصة البناء...اعتبريها جاهزة
ـ أفضّل أن اهديها إلى شيماء فقد تفتح فيها مكتبا أو ورشة بعد تخرجها .
إنها بداية الحملة الانتخابية فاللافتات تملأ الشوارع وتزين واجهات المحلات وصور المرشحين وضعت في أطر كبيرة وأخذت أمكنتها على الحيطان إلى جانب البيانات الانتخابية. المنصة المقابلة للساحة لم تزل شاغرة فالناس متفرقون فرادى وجماعات، كل يحاول التأثير على الآخر.
المنظر العام يوحي بتشكل مؤامرة عشوائية.
تمنى المؤلف لو كانت معه كاميرا أخرى لثبتها في المقهى حيث يدور الكلام السيئ و تفوح رائحة الاتهامات و الكذب على هذا المرشح أو ذاك . و في هذه المناسبات يبدأ النقاش هادئا ثم سرعان ما تسخن الكلمات و ينتهي المشهد بتبادل اللكمات وفضح المستور واختلاق الشتائم بين أبناء العم والأصدقاء . إنها الديمقراطية ! قالها علي صاحب المقهى وهو لا يخفي اهتمامه بالصراعات فقط .
علي تعلم كلمة الديمقراطية من برنامج تلفزي يحرص دائما على مشاهدته. علي يصدق الأخبار الرسمية ويؤمن بها إيمان العجائز بالله فإذا سمع خبرا لا يصدقه حتى تقوله التلفزة و إذا ارتفع سعر مادة ما بات ليلته منتظرا كلام التلفزة. تعلم منها كلمات عديدة مثل كلمة الديمقراطية و الشعبية و الرسمية و التشريفات و تطابق وجهات النظر و ارتياح و تعلم منها أيضا الفرق بين الشقيقة والصديقة و بين التبعية و الإمبريالية والحقوق والواجبات كل هذه العبارات حفظها عن ظهر قلب من برنامج يبثّ عادة بعد أن يخلو المقهى من الزبائن ويشرع علي في الكنس و المسح و الترتيب. تراه يدفع الغبار وأذناه مشنفتان إلى الصوت الوحيد الذي يبقى في المقهى بعد ان ينصرف الجميع.
إنها الديمقراطية.ألم تفهموا يا أغبياء الخلق و لولاها لاكتفت الحكومة بدعوة من تشاء إلى مجلس الأمة وحرمتكم من فرصة اللقاء.
الصورة تساوي الحقيقة عند غالبية الناس تعتمدها الإدارة ويعول عليها القاضي في إصدار أحكامه و يثبت بها التاريخ شواهده على الوقائع .الأشهب نفسه كان يستعين بما توفر عنده من صور ليساعد التلاميذ على فهم الدرس.و المؤلف لا يصدق مقولة الحاجة أم الاختراع فالذي اخترع الكاميرا لم يفكر في أن بعضهم قد يعمد إلى صنع آلة ضرّة للكاميرا تفكّك الصورة و تعيد إنشاءها وتتلاعب بها فتضلّل القاضي و تكذب على التاريخ وتزيّف الحقيقة و تفقد الصورة قدرتها على إقناع عليّ وأمثاله . لكن راس علي مثل عديد الرؤوس يصدّق الصورة و لا يصدّق قدرة الآلة على تغييرها.
***
حالما اطل رئيس البلدية وصعد المنصة تدافعت الجموع إلى المكان و لم يسلم من الأرجل إلا زيتونة إبراهيم التي اعتلاها صاحبها وحيدا و رفض لأي كان أن يقترب منها. فكر المؤلف أن يركز الكاميرا على أعلى غصن من الزيتونة لكي يتمكن من مسح المكان بأكمله ولكنه خاف بدوره أن يُغضب إبراهيم فاكتفى بالتركيز على المنصة ومسْحِ المكان من حين لآخر.
مشى رئيس البلدية ببطء حذر إلى المنصة فقابل الجموع واسكت بإشارة من يده بعض الأصوات الناشزة هنا وهناك وتكلم بهدوء.
ـ أيها الناس،كلفني السيد الوالي بالإعلان عن انطلاق الحملة الانتخابية. و أوصاني بالحياد احتراما للقانون و لهذا استدعي مباشرة المرشّحَيْن الحاضرين أمامكم و نحن نتمنى النجاح لمن هو أجدر به و إنني أوصيكم بأن تمارسوا حقكم في الديمقراطية التي نريدها سليمة بسيطة و شاملة.كما أرجو منكم أن تنصتوا جيدا للمرشحين حتى إن اختلفت آراؤكم فالديمقراطية تقتضي احترام الآخر. شكرا لكم على الحضور والسلام عليكم .
ثم مرر المصدح إلى سالم البرادعي فأسرع في إلقاء خطبته كأنه تلميذ يعيد الدرس مرتبكا على مسامع معلمه.
ـ أيها الأعزاء!يا أبناء عشيرتي ! لكم أن ترفضوني إن خفتم ألا أنوبكم خير نيابة في مجلس الأمة أو إن لم تقتنعوا بصدقي في التعامل معكم أنا لا أعدكم بشيء لأنني اكره الكذب و الادّعاء . ولأن المشاريع التي ستنفذ في الولاية إنما هي من اختيار الحكومة المركزية فأنا لا أقوى على برمجة ما لا تبغيه الدولة. ولكني أعاهدكم على أن أتولى الدفاع عن مصالحكم ورفع مشاغلكم إلى الحكومة المركزية كلما طلبتم مني ذلك أو استدعى الوضع رفع الشان. كما أعاهدكم على تغليب مصالحكم على مصالحي الشخصية لأنني لا اطمح إلى غير ما أنا فيه و لا اطمع في أصوات تشترى.
هذا ما عندي قوله ونلتقي يوم الاقتراع لانتخاب من ترونه صالحا وشكرا لكم على حضوركم و لكم الشكر الأكبر إذا انتخبتموني.
سحب رئيس البلدية المصدح بصمت من امام سالم البرادعي و سلمه إلى الأسعد البحري فصمت قليلا ونظر في وجوه الحاضرين فمسح الساحة و نطق:
ـ أيها الناس إن بعض المرشحين يحاولون أن يملؤوا جيوبكم فإذا ما فازوا شرعوا في ملء جيوبهم . لذلك أؤكد لكم أنني سأملأ قلوبكم بالمحبة ولن اعتني بجيوبكم. أنا أدرك مدى أهمية الرهانات والتحديات المرفوعة أمام كل مرشح وسأقوم بواجبي بجهد واجتهاد فأنا اكره الغرور و التكبر و أحب البساطة والوفاء.أيها الناس إن الذي لا يحب لا يعطي شيئا. أنا الآن انظر إلى هذه الساحة التي أمامنا . إنها القلب النابض في المدينة وهي المرآة التي يرانا الزائر من خلالها.
ولايتنا مقبلة على انفتاح عصر جديد يكون فيه للسياحة الدور الكبير و من ذكر السياحة و فضلها فإنما يعني الزائرين ...
من منكم لا يخجل من الحالة التي أصبحت عليها هذه الساحة؟ فكيف نرضى لمدينتنا أن يتقزز السواح من وسطها؟ ...إنني أدعوكم إلى النظر إلى السياحة من جوانبها الإيجابية لتتأكدوا من أهميتها في التعريف بحضارتنا و بهويتنا و بثقافتنا..
انتم تعرفون إنني املك ثلث هذه الأرض وأنا أتعهد الآن و هنا بأنني سأتوجه بعد اجتماعنا هذا إلى البلدية لأتنازل عن كامل منابي من قطعة الأرض لفائدة المصلحة العامة وانوي أن أتابع موضوعها مع المجلس البلدي حتى يقع تهذيبها وتصبح منارة فخر على جبين المدينة و هذه هديتي الأولى بمناسبة ترشيحي و لكل مناسبة فرحتها وهداياها. أشكركم وأتمنى أن تدلوا بأصواتكم لي شخصيا و السلام عليكم.
***
لم يتعود المؤلف أن يحضر مثل هذه الاجتماعات لأنه يعتبر نفسه فوق الأحزاب السياسية اليسارية منها واليمينية ، التقدمية منها والرجعية فهو المبدع و الإنسان الثابت و أما ما عدى ذلك فهو إنسان بالصدفة. و لكنه اليوم يشعر بالهزيمة أمام هذه الآلة التي ركبت كتفه و مضت تقوده من انفه إلى حيث تريد. انه مثل الآخرين ينحني لسطوة الصورة و ينقاد لقراراتها . لم يستطع أن يتخلص من توريط نفسه في لعبة الصورة هذه فهو الذي قرر الكتابة بها و هو الذي أقدم بعد نوبة تفكير أن يلقي بأقلامه وينحني أمام رغبة الجمهور . و بما أنه فضّل الصورة على القلم و الصوت على الكلمة فعليه أن يلتزم بالصدق ويحضر جميع المناسبات ليسجل الأحداث دون إبداء رأي أو انطباع شخصي. ولكنه اليوم سيتحمل مسؤولية أكبر في تاريخ المدينة فهو سينقل أول انتخابات يحضرها في حياته و هو يدرك مدى تأثير النقل على المواطنين العاديين وكذلك على المبدعين . غير انه لن يتمكن من الإلمام بكل الجوانب المتداخلة أثناء سير الانتخابات مثل تلك التي تدور في المقاهي والحافلات و في سيارات الأجرة و خلف الأبواب وداخل الجيوب . إذ كيف سيتمكن من نقل هذه الأشياء و هي تدور في نفس الوقت؟ ومِن أين له أن يغطي كامل السوق التي تباع فيها الأصوات وتشترى كل صوت بقيمة الصدى الذي يتبعه. إنها لعبة جماعية لا يحب أن ينخرط فيها و لكنها ابتلعته فأسرع إلى المقهى. اعترضه الأسعد البحري واقفا إلى علي يدفع له حساب كل الزبائن فتراجع إلى الوراء ليشغل الكاميرا.توجه علي إلى الزبائن:
ـ يا جماعة ! انتبهوا من فضلكم ...اليوم ستشربون على حساب مرشحكم و هاهو قد دفع مسبقا .فردّ عليه أحدهم:
ـ أنا دفعت منذ حين.
ـ إذا شئت أن تشرب طيلة أسبوع كامل على حسابي فلك ذلك لأنك صادق و أنا أحب الصدق قالها الأسعد البحري قبل أن يغادر.
علق إبراهيم: أما أنا فلا اشرب شيئا قبل ظهور النتائج .
***
دخل رئيس البلدية على الوالي دون انتظار السماح له بالدخول فسأله الوالي:
ـ بلغني أن الحملة بدأت بسلام .
ـ المهم أن تنتهي بسلام.
ـ أين وصلت أشغال المعهد العالي ؟ فأنا التزمت بتشغيل أصحاب الأرض و أريد أن اعرف متى سأشغلهم .
لم يجد رئيس البلدية بدّا من إفراغ ما في نفسه من لوم على الوالي.كأنّ الدنيا أطبقت عليه و منحته آخر فرصة في العمر ليغضب في وجه مسؤول كبير . أدار لسانه بسرعة في فمه ونطق:
ـ لقد تسرعتَ يا سيدي الوالي في قرارك فأرهقتنا و قتلتنا و لم تترك لنفسك مجالا لربح الوقت فوعدت الناس بتشغيلهم وتحملت أنا تبعات وعودك.
ردّ الوالي بسرعة:
ـ أتسرَّعُ في تشغيل الناس؟ أنا اعتبر خلق مواطن الشغل أولوية قصوى و لكل مواطن الحق في مطالبتنا بالشغل أو بالتعويض عن الشغل و نحن عندما نتسلم أملاك الناس بدون مقابل فعلينا على الأقل ضمان مورد رزق لهم . أنت تعرف كم تساوي الأرض التي تبرعوا بها و كان بإمكانهم بيعها وصرف ثمنها لتكوين مشاريع و لكنهم فضلوا المصلحة العامة على الخاصة فهل نبخل عليهم ؟
هدّا رئيس البلدية من نبرته قليلا :
ـ أحسنت الفعل . لم أكن أدرك الموضوع بهذا النحو.
ـ و أين وصلت الأشغال ؟
ـ لم يبق غير اختيار المقاول.
ـ أريد أن احضر فتح الظروف لأتثبت معكم في التقديرات المقدمة. ولنحافظ على مصداقية إدارتنا.
ـ أنا أرحب بك و لكن ألا تخاف أن ينظر إليك بقية الأعضاء بأنك لا تثق فيهم ؟ إنها مجرد احتمالات.
ـ و ما الداعي للخوف ؟
ـ يعني...ثمة من يريد العمل في سرية تامّة لكي لا يقال فضّل المجلس البلدي هذا المقاول على ذاك .
ـ أنا أرى خلاف ذلك فالاختيار يتم على أساس التكلفة المطلوبة من طرف المقاول دون حسابات أخرى.وسأكون سعيدا لو تم الاختيار علنا في دار الثقافة بل سأشترط أن تتم هنالك لكي نجد فرصة لتدشين الدار ونكون في حل من الادعاءات .
فهم رئيس البلدية ان هذا الوالي من طينة أخرى و ان الحيلة المثلى في التعامل معه تكمن في ترك الحيل جميعها. و تبين له جليا ان الرجل نزيه و صادق في كلامه و فعله فلا فائدة في مراوغته و لن يجدي الحساب الجانبي معه فكلامه واضح و شفاف.و عمله تطبيق ميداني. انه يشبه رجل العلم في رأيه و لا يشبه السياسي في خطابه . رد بوضوح:
ـ سأعلم مدير دار الثقافة بذلك ليستعد .
دسّ المؤلف الكاميرا في الحقيبة الجلدية ووقف أمام علي قبل أن يغادر المقهى. وشوش له علي أن ينتظر قليلا فثمة جديد سيحدث الآن. الناس ينتظرون أن تظهر وجوههم على الشاشة. بعضهم ضحك و بقي منتظرا ضحكته على الشاشة و بعض آخر رقص على ساق واحدة و يريد أن يتفرج على نفسه. الجميع في صمت ينتظرون وينظرون تجاه الشاشة. لم يجب المؤلف واتجه نحو الباب و قبل أن يصله دوّت صيحة جماعية في المقهى فالتفت إلى حيث ينظر الناس و جلس دون أن يشعر على أقرب كرسي. قناة تلفزية تنقل انطلاق الحملة الانتخابية التي وقعت هذا الصباح في المدينة.تأمل جيدا في الصورة و هي تمسح الشارع الأصلع الطويل و تستقر في الساحة الوسطى .لم ير الزيتونة.جذب الكرسي و اقترب اكثر من التلفاز ليتثبت من هذه الجموع الغفيرة التي تدفعها الشوارع في اتجاه الساحة. رأى الناس يرفعون الأعلام و ينادون باسم الأسعد البحري . صوت التلفاز يرتفع شيئا فشيئا و يقترب من أذن الكاميرا التي رفضت الخروج من جلدها.
ــ تنتخبوا مييييييييييييييين؟
ــ الأسعد البحرييييييييييييييي...
ــ حبيبكم مييييييييييييييييين ؟
ــ الأسعد البحريييييييييييييي
ــ زعيمكم مييييييييييين؟
ــ الأسعد البحريييييييييي.
ــ وغريمكم مييييييييين؟
ــ غريم البحريييييييييي.
شيء غريب...،من أين برزت هذه الجموع ؟ومن أعطاهم كل هذه الأعلام؟ أطفال المدارس يرفعون صورا للأسعد البحري وهم يصطفون و ينادون باسمه بصوت واحد كأنهم خرجوا للتوّ من حصة المحفوظات و لم يحفظوا غير:
ــ تنتخبوا من ؟
ــ الأسعد البحري....
ــ حبيبكم من ؟
ــ الأسعد البحري.
غريب أمر هذا التلفاز و غريب أن تخفي قناة تلفزية اسمها من الشاشة، كيف تجرؤوا على إقحام الوالي وإظهاره و هو يرفع يد الأسعد البحري عاليا. ألم يبق في مكتبه مكتفيا بتكليف رئيس البلدية بالإعلان عن انطلاق الحملة ؟
الصورة واضحة،إنها ترتكب جريمة مكشوفة تمزق أفكار المؤلف وتتلاعب بوجوده .
الصورة واضحة، إنها تجمع الناس في اتجاه واحد وتركبهم تركيبا اصطناعيا و تلقي بهم في علبة من رصاص.
الصورة واضحة و جلية و المشهد متكامل و لا أحد يشك في وقوعه حتى و إن كان قد ساهم في تأليفه .
الصورة واضحة امام الجميع...و الصورة منتشرة في كل أرجاء الأرض يشاهدها الصديق و العدو و النبارة والشامتون و المولعون بالبحث عن الفضائح و بخور الأخبار...
الكاميرا وحدها تدرك ما شعر به الوالي من إحباط...الوالي لا يستطيع رفض الصورة و لا التشكيك في صدقها و لا حتى مجرد الاحتجاج عما ورد في شريط الأخبار ...الوالي ألجمته المسؤولية وعقرت لسانه و أشعلت نار الغضب في قلبه.
الوالي أول ضحية للصورة .و قد يجني عليه حضوره في ساحة الحدث و قد تستعمل الصورة برهانا ضدّه إذا رغب احدهم في اصطياده من خلال ملف الانتخابات.
ماذا لو سعى الخاسر في الانتخابات إلى تقديم شكوى ضدّ الوالي المنحاز بالاعتماد على الصورة؟
ماذا لو اسرّ علي إلى الخاسر أن يمارس الديمقراطية فيطعن في النتيجة و تعاد الجولة الانتخابية؟
ماذا لو استقال هذا الوالي محبطا و انصرف من العمل السياسي مكسور الخاطر قبل ان يؤسس مدينة افضل من مدينة افلاطون؟
الكاميرا على كتف المؤلف و المؤلف ينحشر في ضبابية لا يفهمها بل انه يشك في نفسه وينسى حاجب النور. انه يوشك أن يكذّب ما في الشريط.
للتلفزة أيضا حق النقل كما تشاء غير أن زوايا النقل قد تختلف والتزام الحياد قانون يسري على الجميع .
للتلفزة حق النقل غير أن الزوايا تختلف باختلاف قدرة الكاميرا. وأما التأثير على الناخبين فموكول إلى اختيار الزوايا الفارغة في نفوسهم. إنها المصيبة تنزل على رأس المؤلف. انه لم يتعود على الرؤية بالمقلوب و كان عليه أن يتدرب ، مثل أهالي المدينة، على ذلك الشكل من المشاهدة.. انه يسمع بأذنيه خطاب الأسعد البحري وموجة التصفيق التي أثارها ويرى سالم البرادعي يقاطعه التصفير فيتمتم بعض الكلام وينصرف.
شك المؤلف في آلته فقد تكون ارتعشت في يده فلم تمسح الحدث بكل تفاصيله و لكن شكّه بدّده التناسق بين الصوت والصورة. فالصوت لا يتأثّر عادة بحركة الكاميرا.
إذن......
قد......
يحتمل....
ربما....
من الممكن.. ....
لعل ..
لا بد..
أكيد..
اذن...وقعت أشياء غريبة إما في المدينة أو....
قد تعمّد بعضهم تغيير الشريط ...
يحتمل أن عملية التحميض كانت سيئة ...
ربما وقع خطا في تركيب الصوت على الصور...
من الممكن أن النقل مجرد مسرحية هزلية...
لعل لقسم الأخبار مصلحة خفية ستعريها نتائج الانتخابات...
لا بد ان علاقة ما تربط الأسعد البحري بقناة التلفزة التي اخفت شعارها و سحبت اسمها من الشاشة لمدة يوم كامل.
الثابت والأكيد هو حشر الوالي في حفل انطلاق الحملة والحال انه لم يحضر و التزم الحياد كما يجب.
إذن....
إنها الصورة ترتكب الخيانة العظمى و تملي على الناس ما تريد...
إنها الأصابع تدير الصورة حيث يريد صاحبها.
لم يحتمل المؤلف هذه المشاهد وكاد يجنّ ولم يجد على منْ ولا أين يلقي غضبه و نقمته فعضّ على قلبه و أسرع إلى المحطة فسأل عن ساعة انطلاق الحافلة إلى العاصمة .
في ذلك اليوم علم ان المهدية هي المدينة الوحيدة التي لا تخرج منها الحافلات الليلية في اتجاه العاصمة و في تلك الساعة فقط فكر أن يكتب شيئا عن الوالي الطيب.
و في تلك اللحظة احتاج إلى الكتابة بالقلم. ثمة شيء لا تقدر الكاميرا على التعبير عنه و ثمة سؤال لا يجاب عنه بالصورة و لا بالصوت: لماذا قطعت الحافلات سفراتها إلى المهدية؟
الحكاية مروية و يعرفها أهالي المهدية. و صورتها متناثرة الأجزاء و كل جزء منها متخفي من تحت جلباب أحدهم فلا تطاله الكاميرا. و أما الصوت فلا يكاد يسمع. العملية تمت بالإشارة و الهمس والتلميح حتى الهدايا والرشاوى امتطت جناح الليل فلم يتثبت أحد من وجهتها.
الصورة لا تستطيع ان تعري مثل هذه الدسائس.
الأشهب نفسه روى للوالي هذه الحكاية بسخرية كبيرة.
تابع المؤلف سيره إلى منزله و دسّ رأسه تحت الغطاء وراح يستجدي السهر فلم ينمْ.
الفصل الثاني
المؤلف يعترف بسلطة الكاميرا المطلقة .
اعترف الآن أنني ما كنت ارغب في تمثيل دور الضحية و لا دور الجلاد إلا أنني وجدت نفسي متلبسا بالدورين معا.
هي حالة لا تليق بمؤلّف يدعي انه يبحث عن الحقيقة من خلال كتاباته السابقة.
لم أكن على حكمة عندما أحرقت مراكبي و سلّمت نفسي إلى الريح . فما كان على الريح إلا أن تتسلّى بخفتي وتلقيني ثانية إلى البحر عاريا إلا من أملي في العثور على قشّة تائهة. كنت على وشك الاقتناع بأن تجربتي في الكتابة بالصوت والصّورة قد نجحت و إنني هيأت الجسر بأوتاد نصبتها من عميق الأفكار و بأرضية نسجتها من جميل الصور النصية . كنت على وشك الالتقاء بك لنحتفل معا باكتشاف شكل آخر من الكتابة و ها إنني اعترف الآن إن تجربتي لم تزدني إلا عمقا في الجرح القديم . ها إن الآلة التي بعثت فيها من روحي وشحنتها برقة الإحساس تدمّرني و تمعن في بعثرة ذاتي ثم تلقيني إلى عاصفة هوجاء جديدة.
قد أكون أخطأت و لكنني اخترت خطئي عن وعي طمعا في الصواب .المسالة تحتاج إلى قرار أخير، قرار لن يتخذه غيري و لن استشير فيه أحدا حتى و إن اتُّهمتُ بالانغلاق و التقوقع.
لن أملي على القرّاء شرطا واحدا. بل سأكون سعيدا لو أنهم تهافتوا على قراءة الرواية وكوّنوا حولها حزاما من الزحمة و النقاش.
و أكون اكثر سعادة لو انهم شتموا الكاتب و تبرؤوا من الكتاب عساه يجد من بين الشامتين من يسعى إلى التشهير بي شخصيا و كشف الفضائح الجميلة التي ارتكبتها عن وعي تام . و قد اشهد على نفسي أنني كثير الاختلاف معها و مع نصي أيضا و قد ابرهن على جرائم عديدة ارتكبتها بطرح أسئلة لا تعني أحدا و بزرع الضغينة بين الشر و الخير و بين الكذب و الصدق و بين السر و الجهر و بين الصورة و الصوت....
الوجه و القفا يختلفان أيضا لكنهما يتكاملان فيؤلفان كلا متكاملا فلماذا يشتغل العقل و يشتعل القلب...إنها مؤامرة ضد النفس أولا و ضد الإنسانية أخيرا.
...وداعا إنني انتحر...وداعا...إنني انتحرت
قالها المؤلف و هو يسلم المفاتيح إلى الكاميرا و أضاف:
ــ سأتركها حرة و سأكتفي بحملها من مكان إلى آخر فلن أحرك سبابتي و لن أراقب المشاهد بل سأترك فرصة للصورة حتى تمارس عفويتها على امتداد الجزء الثاني من الرواية
شاهد مسترسلة
لماذا اخترت هذه المدينة المحاصرة بالمقابر؟
لماذا تستقبل المدينة القادمين إليها بمقبرة على كل طريق من الطرقات الأربع ؟
الشارع الأصلع الطويل يبدأ هو أيضا بمقبرة سيدي مسعود الشمالية و ينتهي إلى السقيفة الكحلاء التي تمرّ منها كل الجنائز فتشق المدينة العتيقة و تنتهي بدورها إلى المقبرة الكبيرة.
نهاية العمر هنا و نهاية المطاف هنا...و هنا أروع مكان أبدعته أيادي الإنسان و الطبيعة.يكاد الجمال ينسكب من الهضبة المطلة على البحر و لا ينتهي.
الأرض عشقت نفسها في هذه النقطة فسمتها راس إفريقية وألقت بها إلى حضن البحر ليداعبها أو لعلها أرادت أن تخلع عنها غبار الطرق و رمال الصحراء فاندست بصخورها المرمرية في الماء تشاكسه على الدوام مشاكسة الحبيب لحبيبه فكل الرياح تخلق الموج هنا وكل المواسم تلتقي في هذه الزاوية . الطبيعة تحب الحياة و تبغض الموت فاختارت أن تمارس طقوس المدّ و الجزر بالقرب من القبور البيضاء تحادثها و تنزع عنها صفة الموت الأبدي.
لم تتعب الكاميرا من النظر في هذا المكان فركزت عينها على المنارة العالية ثم نزلت إلى قبة الولي الصالح ومسحت ظاهر القبور و استقرت على بقايا السور .. تهدم السور و سقطت المنارة الصغيرة التي كان حملها سنينا عديدة و ربما قرونا من الزمن .لم تعد المدينة في حاجة إليه فالقراصنة انقرضوا من البحر كما انقرضت بعض الأسماك وزال خطر الغزوات التقليدية فلم يقع ترميم هذا السور.
المؤلف نفسه احب هذه المقبرة منذ أن كان تلميذا في المعهد يكتب الشعر في ساعات الفراغ و يعيد قراءته في ليلة السبت عندما يزور الحاجة فاطمة في البرج العثماني فتسعد لمجيئه و يسعد أيضا زوجها العم علي حارس البرج .و كانت تحبه و تحس بمجيئه بطعم الأمومة التي لم تتذوقها أبدا فتبقيه عندها إلى عشية الأحد و لا تشبع من احتضانه و تقبيله.لم يقرا لها شعرا ولم يحدثها عن إعجابه الشديد بارتطام الموج على الصخور عندما تصمت المقبرة ليلا و يختلي بالقوافي النازلة عليه من رذاذ الموج.
الكاميرا تجول بعينها في المقبرة و تدخل أروقة البرج العثماني والموتى ينامون مطمئنين لا يعنيهم طمع الغزاة و لا غضب الرياح الشمالية.
ترقص الكاميرا على الميناء الفينيقي حيث لا تصل الأمواج إلا مكسورة هادئة و قد خارت قواها و استسلمت لعناد الصخور.
الكاميرا تحس و تحب و تناجي القبور وبقايا السور والمنارة و قبة الولي الصالح و المؤلف يحاول أن يستعيد قصيدة بول فاليري التي قالها في المقبرة البحرية في مون سانت كلار. هذه المقبرة اجمل من التي تغنى بها بول فاليري فلو زارها مرة واحدة لغيّر عنوان قصيدته المقبرة البحرية بالمقبرة المهدية.
الكاميرا تفهم و تحس و تقف امام صاحبها واجمة راجية منتظرة أن يقول شيئا فتسجله بالصوت و الصورة .نظر في البحر طويلا وشرع في الإنشاد بلغة الشعب :
يا حجرة الناظور
حيطك تهدم ع الذريع و الرملة
شوفي الزمان يدور
و البحر يلعب ع الصخر و يملى
يا حجرة الناظور فاش تفكر
عمر التعب يطول بيك و بيّ
انت تضوّي و الظلام يسكّر
و انت تردي الريح ع البحرية
يا حجرة الناظور انا مثيلك
كي تخالفوا الأصحاب ع الحرية
***
كنت تشدي الحيط و تعليه
بين القبور الساكتة و الموجة
كنت تشقي الليل و تضوّيه
و توَنْسي البحار وقت حروجه
حيطك تعب و تهدّم
و تفرقوا الأصحاب حجرة حجرة
البعض ولّى يحلم
زاز البحر و قال درجة بدرجة
و البعض خاف الريح لو تتبرم
كتّف يديه و قال ما احلى الفرجة
يا حجرة الناظور .....كل الحبايب راحوا
و الي بقى م السور.... تقاسموه و ارتاحوا
و قت الزمان يدور..... نتسلحوا بسلاحه
....
مقبرة فاتنة بجمالها و صور جميلة حقا سجلتها الكاميرا فتأكد صاحبها من هذه القدرة العجيبة على النقل الصادق و من عجز القلم و العبارات عن وصف مقبرة بحرية...
عمل توثيقي جميل و لا بد من عرضه في قاعات السينما...
بعض المؤثرات الصوتية ...
بعض من الكلام أنثره هنا و هناك...
بعض من موسيقى الأفلام ...أفلام الرعب مثلا تصلح لنقل الأحداث المقبرية...
قبر واحد أكبّر صورته ليصبح موطن تشويق...
ميت واحد اركّب خروجه من القبر تركيبا ليصبح الفلم ممنوعا على من هم دون العشرين من العمر...
بعض من الإشهار و....
و يصبح المؤلف مخرجا سينمائيا و ممثلا مشهورا.فيطلق القلم ويبيع إمضاءه في وسط زحمة المغرمين...
بيع الإمضاء اسهل من بيع الكتب...
الإهداء أفضل دائما من الشراء...
مدينة هادئة قال المؤلف ثم أضاف:
و لماذا لا أنام الآن هادئا كالموتى؟
***
مرّ الأسعد البحري أمام دكان الحلاق و ألقى بنظرة إلى الداخل يستكشف عدد الزبائن ثم اطل برأسه فبادره الحلاق.
ـ تفضل...تفضل.
ـ أريد فقط أن تترك حساب الزبائن عليّ أنا..
ـ جميل هذا. و ما المناسبة ؟
ـ طبعا إنها كرامة الانتخابات و لا يهمني إن منحوني صوتهم أو منحوه لمنافسي المهم أن ادفع فأكون قد قمت بواجبي نحوهم. لا بد أن يشعر الجميع بأنهم في حملة انتخابية.
ــ و هل ستدفع عن الحاضرين في الدكان أم عن البقية أيضا ؟
ـ أدفع عوضا عن كل زبائن اليوم. هل فهمت الآن ؟
ـ شكرا ، سأوافيك بالحساب عندما انتهي من شغلي قبيل صلاة العشاء وأعدك بأصواتهم جميعا .
مشى الأسعد البحري بعض خطوات و انتابه الشك في كلام الحلاق لان أغلب الرجال و كذلك الشبان يفضلونه عن بقية الحلاقين في المدينة فان كان الحلاق صادقا وجمع أصواتهم فان الفوز سيكون من نصيبه لا محالة.. تمنى أن يفي الحلاق بوعده و توقف أمام دكان خميس بائع الدجاج ، ناداه فتلكأ في المجيء قليلا ثم تسمر أمامه:
ـ مرحبا ! أخيرا أصبحت تأكل الدجاج مثل عامة الناس .
ردّ الأسعد البحري مبتسما:
ـ وهل دعوتني إلى دجاجة مصلية فرفضت؟
ـ أنا أبيع الدجاج و لا أصليه .
ـ أنا في حاجة إليك ، اطلب منك ترك حساب الزبائن على كاهلي .
ـ و هل طلبوا منك صدقة ؟
ـ أريد أن اهدي لكل مواطن دجاجة بمناسبة الانتخابات ولكنني اخجل من الطواف على المنازل فجئتك مباشرة.
ـ لا أستطيع . أنا أبيع دجاجي بالحاضر.ألم تقرا هذه المعلقة؟
ـ أمنحك المال مسبقا و أمر عليك في آخر النهار للمحاسبة .
ـ لا أستطيع.
فهم الأسعد البحري أن بائع الدجاج من أنصار منافسه فعضّ على شفته ندما و مضى .
***
جلس الوالي إلى مكتبه فلاحظ وجود ملف جديد . فهم من الختم الذي يبدو واضحا انه مرسل من طرف رئيس البلدية شخصيا . شرع في تصفحه و نظر إلى الحاجب الذي لم يزل واقفا ينتظر الأوامر.قال الحاجب:
ـ ذلك الملف ورد هذا الصباح من البلدية .
ـ اعرف .
ـ الأشهب بالباب يا سيدي هل ادخله ؟
ـ لقد أوصيتك ألا تتركه ينتظر ...ادخله.
ـ و لكنه اليوم قدم باكرا ..
ـ ادخله .
ـ حاضر ...
وقف الوالي منتظرا الأشهب و الملف لم يزل في يده .
ـ صباح الورد بادر الأشهب .
ـ يومك فل و ياسمين ،تفضل بالجلوس في انتظار القهوة وقبل ذلك اخبرني عن حال المدينة . كيف تراها ؟
ـ تحتك الأقدام فتكاد توقد النار أما الألسن فأصابها الشّدّ العضلي من كثرة اللعب. إنها هستيريا.
ـ ستهدأ عن قريب .
ـ و لن تهدا خلية النحل قبل سحب العسل منها.
ـ المهم أن الحملة تسير بهدوء و بلا مشاكل و هذا المناخ السليم يجعلنا نطمئن أكثر على النتائج .
ـ هذه المدينة تعودت على التقلبات و قد تصعب فيها التكهنات والمراهنات و لذلك فهي لا تبعث عن الاطمئنان.
ـ كيف ؟
ـ قد تنقلب الموازين في كل لحظة فلا تبع جلد الثور قبل ذبحه.
ـ الثور مذبوح و مسلوخ أيضا .
ـ أخاف أن أراك أسيرا في أيدي من دفعت بهم نجو الأعلى.
تعوّد الوالي على سماع الكلام البليغ من الأشهب و لكنه دائما يتظاهر بعدم الفهم ليجبر الأستاذ على إعادة كلامه بطريقة أخرى فيتذكر أيام الدراسة و ينتشي بالذكرى.الوالي يحب الإطلاع و يعطي لملاحظات الآخرين أهمية في قراراته فلا يركب رأسه و لا يتشبث برأيه إن اتضح انه على خطا ولكنه يخشى من لوم الأشهب و تعليقاته الثاقبة و المقتضبة أحيانا لذلك سأله:
ـ ماذا تقصد؟إن رأيك يحيّرني.
قال الأشهب:
ـ الحكمة تقتضي التعويل على حمار يسير بثبات فيصل بك إلى حيث تريد بدلا من التعويل على حصان يجري بسرعة فيسقطك في منتصف الطريق. تمنّيت لو عوّلت على المرشحين دون تفضيل هذا على ذاك.
ــ لماذا و أنا افضل هذا على ذاك؟
ــ لأنك في الحالتين ستهلل بالفائز.
ـ صحيح سأستقبل الفائز و لو على مضض. دعوتك اليوم لأخذ رأيك في مسالة أخرى .
ـ و ما هي ؟
ـ أريد أن اعمل على تهذيب الساحة الوسطى في المدينة.تلك التي امام السقيفة الكحلاء فالشارع الرئيسي ينتهي عندها و لا بدّ من تغيير وجهها.
ـ أتمنى أن أرى مدينتي جميلة.
ـ المهم أن يتغير وجه المدينة و تصبح فيها امكنة للتنزه أو شيء يلفت اهتمام الزائرين و المارين و يحبب الناس في التجوال فيها ولن اخفي عليك أن المشاريع التنموية ستركز في المخطط القادم على القطاع السياحي فهو مستقبل المدينة الوحيد.
ـ يمكن الاعتماد أيضا على الفلاحة و على البحر...
ــ الفلاحة هنا موسمية و لا يعتمد عليها كثيرا.
انتقى الأشهب من العبارات ألطفها وذكّرالوالي بأهمية الزيتون في حياة الناس و بان أعيان المدينة يتفاخرون بعدد الزياتين التي يمتلكونها .قال الأشهب:
ـ مشاريعك هذه ستثير حفيظة الفلاحين الكبار فيثورون ضدك .
ـ لماذا؟
ـ لأنهم لا يحبونك ؟
ـ و هل أسأت إليهم أم أساءت إليهم مدينتهم؟
ـ قبل دخولي إليك اعترضني رجل من هؤلاء الفلاحين الكبار فرجاني أن أتوسط له في مقابلتك.
ـ مكتبي مفتوح لجميع الناس فلماذا الالتجاء إلى مثل هذه الطرق؟.
ـ سالت الرجل عن رغبته فأجابني انه جاءك بهدية، بيض و قليل من العسل أو الزيت.
ـ و أين هو؟.
ـ قلت له إن الوالي سينتقل إلى مدينة أخرى ولن يطيل البقاء أكثر من أسبوع.
ـ ماذا كان ردّه؟.
ـ هرب الجمل بما حمل.
يطرق الحاجب الباب و يفتحه امام رئيس البلدية.فينهض الوالي مصافحا بينما يقف الأشهب استعدادا للمغادرة فيطلب منه الوالي البقاء قائلا:
ـ لا يجوز فنحن لم ننه حديثنا..
ـ سأعود مرة أخرى.
فيضيف الوالي متوجها في نفس الوقت الى رئيس البلدية:
ــ ابق معنا فنحن شرعنا في الحديث عن الساحة الوسطى وستبدي برأيك في الموضوع بحضور السيد رئيس البلدية.
عاد الأشهب للجلوس و تكلم رئيس البلدية:.
ـ لقد أرسلت لك ملف الساحة هذا الصباح.
ـ انه أمامي و لم اطلع عليه ، المهم أين وصلتم ؟
ـ أوشكنا على التوصل إلى حل المشكلة العقارية بخصوص الثلثين من الأرض فقط .
ـ متى ستنهون المسالة ؟ أريد الإسراع .
ـ الثلث الأول تبرع به أحد المالكين و هو مرشحنا لمجلس الأمة السيد الأسعد البحري و أمضى عقد البيع أما الثلث الثاني فقد قرر المجلس البلدي أن تشتريه البلدية من صاحبه بمبلغ مقبول .
ـ و هل في ميزانية البلدية أموال كافية ؟ سأل الوالي.
ـ سنعول على مساهمة المواطنين للحصول على نصف المبلغ .
ـ أرجو ألا تحرجوا المواطن.
ـ سنحاول الا نحرج المواطن و لكن قد نجبر على ذلك .
ـ و الثلث المتبقي ؟ متى ستجدون الحل مع مالكه ؟
ـ تلك هي المشكلة الكبرى فصاحب الأرض ، إبراهيم ، رجل لا يفهم الأشياء كما نفهمها نحن و لا يتقبل الرأي بسهولة وأخاف أن يغلق في وجوهنا باب النقاش .
ـ إن شئت أرسل به إلي ربما أجد طريقة لإقناعه.
***
انتظر المؤلف أن تهدا الريح قليلا ليخرج إلى المدينة و كم اشتهى هذا اليوم أن يسير في المطر لكن الريح تقلقه كثيرا خاصة و هي تنفخ في وجهه و تعيق حركته فترتعش الكاميرا و تخفض من صفاء الصورة.
المطر يغسل الجدران و الشوارع والمؤلف يصارع الريح تارة يشقها بقسوة وتارة يدير إليها قفاه دون توقّف. وصل إلى المقهى فركز الكاميرا على طاولة و أومأ إلى علي فجاء له بالقهوة التي تعوّد على شربها.
علي هذا يحفظ أسماء الزّبائن من النّظرة الأولى و يحفظ شربهم وحتى ركنهم المفضّل من المقهى . و لكن المؤلف لم يجد كرسيا شاغرا فالمقهى يعجّ بالناس. انه يوم ممطر.
ترك إبراهيم كرسيّه إلى المؤلف .دخل الأسعد البحري مصطحبا منافسه سالم البرادعي.
ماذا سيقول عامّة الناس ؟
ألم يخطبا في الناس بلغتين مختلفتين ؟
ألم يعارض كل منهما الآخر ؟
وشوش خميس إلى إبراهيم.
ـ يا إبراهيم، أرأيت أن الخصمين اتفقا على القاضي ؟
ـ اتفق الاثنان على الربح فمن الخاسر؟
ـ القاضي طبعا.
ـ بل الشاهد يا أحمق.
ـ أنت تهزأ من كلامي ...دائما .
ـ لانّ الرابح الوحيد هو الشاهد.
ـ و من يكون هذا الشاهد المستتر ؟
ـ أنا و لا أحد سواي، لان جميع الناس سيدلون بأصواتهم مثلك وينتظرون النتيجة التي تنتظرهم بدورها.هل فهمت كيف تنتظر النتيجة المترشحين؟ هل سمعت كيف ينتخب الملوك شعوبهم؟ اقرا التاريخ لتتعلم كيف تقام الإمارات والدول و الإمبراطوريات العظيمة.اقرا تاريخ المهدية لتعرف ان داعية عبيد الله قد سبق سيّده فانتخب من الناس من تحمس لقدوم عبيد الله المهدي وجمعهم لمبايعته وتأييده خليفة عليهم. الأمر بسيط جدا يا...غبي.
ـ معك الحق يا إبراهيم ، معذرة فأنا بطيء الفهم أحيانا .
ـ بل دائما و ما كان عليك أن تغيب عني كثيرا لأن ذهنك يتبلد كلما ابتعدت.
ـ لن أغيب مستقبلا .
اندهش إبراهيم عندما وصل سالم العساس كان الرجلان لا يلتقيان إلا في الليل. فاعترضه و ابتعد به قليلا ليسأله:
ـ ألا تنام في النهار لتتمكن من السهر معي؟ أم انك تعودت على النوم و ترك الحراسة على عاتقي .؟
ردّ سالم
ـ لا تخف سأدفع لك على كل ليلة .
ـ أنا لم اطلب منك سوى أن تقاسمني الليل.
ـ إنها الانتخابات .
ـ و ما يعنيك من شانها ؟ اترك الهم لأصحابه .
ـ السعي وراء هذا و مراقبة ذاك و التنصّت على آخر الأخبار و غير ذلك من... المهم ألا أهمل لا واردة و لا شاردة .
ـ ما عهدتك تعمل لصالح الآخرين.
ـ أنا لست كما تتصور لأنني لا انقل أسرار الناس و لا أسعى إلى توزيع التهم على المعارضين و لا افتري على أحد . كل ما في الأمر أن الأسعد البحري كلفني ببعض الخدمات البسيطة التي لا تضر بأحد و لكنها تنفعه ففعلت و لي أجرة على ذلك و سأمدك بنصيب منها.بعد انتهاء الحملة طبعا.
ـ لن آكل مالا حراما . أنا يهمني أن أتقبل أجرا ولكن يجب أن يكون المال أنظف من يدي و إلا اتسخت به. أمد يدي لمال غير شريف ؟
ـ يا إبراهيم ! المدينة على مرجل و كما لاحظت تكاثر الضيوف فيها و المراقبون و الصحفيون. و مادمنا لا نعرف عنهم شيئا فمن واجب أي كان أن ينتبه لتصرفاتهم فقد يأتي بعضهم منتحلا صفة مراقب وهو في الواقع غير ذلك و قد يكون البعض الآخر تاجرا مزيفا أو لصا أو لست ادري ماذا... المهم أن أراقب الجميع.
ـ و لماذا أنت بالذات ؟
ـ لأنني امتلك حاسة شمّ رهيبة تمكنني من التقاط الخبر قبل طلوعه .
ـ هذا عمل غير شريف .
ـ ألم اقل لك إن عملي هذا واجب مقدس و انه نضال في سبيل المواطن و الوطن.
ـ من حسن الحظ أن الحملة أوشكت على النهاية .
ـ في الواقع تمنيت لو طالت أكثر ليتواصل حليب البقرة مدرارا.
ـ أصبت.
ـ بعت صوتي مرتين ، في البداية بعته لسالم البرادعي ثم ارتفع ثمنه فبعته إلى الأسعد البحري ، أنا كما ترى اكره الاحتكار .
اقترب خميس بائع الدجاج من إبراهيم و سالم و همس إلى الاثنين معا.
ـ عندي خبر طازج.
ردّ سالم:
ـ تغيّب البوم وعاد بالخبر المشؤوم.
ـ بل خبر من عسل.
علق إبراهيم:
ـ و ما هو ؟
ـ لم يبق للوالي إلا أيام قليلة في مدينتنا.
سأل سالم:
ـ من أين أتيت بهذا الخبر؟
ـ من الداخل، من المنبع.
ـ لا اصدق.علق إبراهيم.
ـ أنا أراهن على ذلك.
فأضاف إبراهيم:
ـ لن ينتقل الوالي قبل نهاية الانتخابات.
ـ أنا أراهن و قيل إنه متهم بالارتشاء المفضوح اكمل خميس.
***
جلس رئيس البلدية قدام مكتبه و قابل الأسعد البحري.
ـ و هل تعتقد إنني اصدق هذا الكلام حتى و إن صدر عن مسؤول ؟
ـ عليك أن تصدقه في كل الحالات فالوالي أوعز إلي بأنه سيدعوك إلى ولاية ثانية لتتمكن من متابعة أشغال التهيئة والمساهمة في استكمال المشاريع المبرمجة. وفي الحقيقة لن يجد افضل من رئيس البلدية الحالي فلماذا يسعى إلى تغييره؟
ـ لنفرض إنني صدّقتك باحتراز كبير فأنا اعرف ان هذا الوالي يكره التنصيب هل تراني متحمسا للسعي إلى نيابة ثانية؟
ـ السياسي يا صديقي يسعى دائما إلى نيابة ثانية و ثالثة ورابعة ان استطاع ولكنه يتظاهر بالضيق من المنصب لينفّر الآخرين. و هذا أمر طبيعي جدا.
ـ تمنيت ألاّ تترشح لعضوية مجلس الأمة لكي أفسح لك المجال فتتولى أمور المجلس البلدي.
ـ أنت تعرف إنني لا أستطيع منافستك لا خوفا من الهزيمة وإنما للاحترام الشديد الذي أكنه لك و لم يخطر في بالي أبدا أن مدينتنا ستصبح مركز ولاية يحق لها التمثيل في مجلس الأمة.
ـ هذا كلام فارغ فلو لم أتقدم لتختارني العامة لما صرت رئيسا للمجلس البلدي .أنا لم اعرف مسؤولا واحدا سحبوه من فراشه ومنحوه المسؤولية غصبا عنه .
ـ في زماننا هذا قد تنتصب الحكومات رغما عن شعوبها ورغما عن نفسها خصوصا إذا دعمتها الدول العظمى و أجبرتها على تسلم مقاليد الحكم في بلدانها .تقتادها من بيوت النوم او من القبور وتضعها على دكة الحكم لتديرها من بعيد بالأزرار وتتحكم من خلالها في شؤون الدنيا و الآخرة.
ردّ رئيس البلدية:
ـ في الحقيقة كنت في بداية ولايتي متحمسا و لم أجد أية صعوبة في التعامل مع الناس و منذ مجيء الوالي تغيرت الأشياء و كثرت الحسابات .
ــ و هل أقلقك هذا ؟
ــ من الأفضل أن تنصرف لحملتك الانتخابية فأنت لم تسعفني بشيء يذكر .
ـ لا اشك في فوزي و لكنني أريد أن أحصل على نسبة قياسية فأبدو للناس رجل الإجماع الوحيد. ليس مهما أن تنجح ، ولكن المهم هو أن تكون الناجح الوحيد .
ـ أتمنى لك الفوز الكاسح و لكن لا تغترّ فاليأس قد يقود الشعب إلى مبايعة أي دكتاتور.
ـ ماذا تقصد؟ .
ـ أقصد أن الحظ قادك إلى منافس لا يحبه الناس.
***
في ركن من الشارع الأصلع الطويل، ثمة سيارة تتوقف. نزل سائقها و بدأ يتكلم مع أحد المارين. لاحظ المؤلف إن شيئا ما يدبّر خفية فترك للكاميرا أن تختار موقعها و زوايا التصوير و مسك بسبابته سيجارة و راح يراقب المشهد و كأن الأمر لا يعنيه . فعلا إن ما يدور الآن يثير السؤال. السائق يسحب من داخل السيارة حذاءًا يمدّ منه فردة إلى الرجل الواقف ويستبقي الثانية.
ـ خذْ ، هذه الفردة الأولى.
انتفض المار و صرخ في وجه السائق:
ـ أتريدني أن أبيع صوتي بنصف حذاء.تحتقرني إلى هذه الدرجة؟ صوت بنصف حذاء ...ما ابخسه ...
طلب السائق من المار أن يخفض من صوته:
ـ عندما تمدني بورقة المنافس أمدك بالفردة الثانية .
ـ و من يضمن لك إنني سأعطي صوتي لغيرمرشحنا؟
ـ انك سميت مرشحنا و هذا دليل على انك ستختاره. وفي اتعس الحالات ستحتفظ بصوتك و هذا أيضا شيء جميل.
ـ حالما اخرج أجدك في انتظاري للتسليم.
ـ طبعا سأكون أمام باب المكتب.أين صديقك ؟.
ـ انه لا يريد حذاءًا.
ـ نادِه .
يمشي المار بعض الخطوات و يتقدم رجل إلى السائق. يسحب السائق ورقة نقدية من فئة الثلاثين دينارا ،يقصها إلى نصفين و يمد بالنصف إلى الرجل.
ينتفض الرجل و يتهجم على السائق فيتحاشى يده التي امتدت لتصفعه ويبتعد بعض الخطوات محاولا أن يتهرب من الأعين والرجل الهائج يصيح:
ــ تريد ان تورطني...
يستجديه السائق:
ــ أرجوك لا تفهمني خطأ.
و الرجل يصيح:
ــ تبحث لي عن جريمة..
و السائق يرجوه ان يخفض من صوته درءا للفضيحة
ــ لم اقصد شراء صوتك...معذرة
التف حولهما بعض المارة و جاء الذي باع صوته بنصف الحذاء فتدخل بينهما و اخذ الرجل جانبا و سأله:
ــ تريد ان تبيع صوتك؟
ــ طبعا...و لكن بنصف ورقة نقدية؟ماذا افعل بها؟
ردّ الذي باع صوته بنصف حذاء:
ــ و ماذا سيفعل هو بالنصف المتبقي عنده؟لا شيء...إذن يسلمك النصف الثاني بعد ان تمنح صوتك للأسعد البحري.
ــ هكذا إذن؟
ــ طبعا و أنا أيضا آخذت نصف الحذاء و سأتسلم النصف الثاني في حفل التنصيب إن شاء الله .
ــ لم افهم ...سأعتذر له و سأمتثل بل وأساعده على استجلاب الباعة.
***
يوم الأحد هذا لم يكن عاديا و لم يقتصر النشاط و لم تشتدّ الحركة على سوق السمك بل تبدو المدينة مقبلة على يوم ساخن جدا.فالناس استفاقوا باكرا على غير عادتهم في مثل هذا اليوم و سيارات التاكسي لا تكف عن دورانها المجنون تدخل الأزقة و يطرق سائقوها أبوابا فيحملون الشيوخ و العجائز و يوصونهم قبل الوصول إلى مكتب الاقتراع بتذكر اسم واحد ثم ينزلونهم و يساعدونهم على الدخول و لا يتسلمون معلوم التنقل إلا خفية. الشارع الأصلع الطويل يصب الناس في الأنهج المجاورة ثم يعود ليمتلئ من جديد .
انه يوم الحساب الكبير. حساب أعمى يرمي بشخصية المرشح في الصناديق ثم يخرجها و يبينّ أهميتها و يثبت قيمتها في أعين الناس.ستقول الأصوات أيهما أجدر بتمثيل المدينة في مجلس الأمة.لم ينس البعض فرصته لتصفية حساب قديم مع أحد المرشحين.
***
استدعى الوالي رؤساء المكاتب جميعا و خيّر دعوتهم ساعة واحدة قبل بدء الاقتراع. و لم يغفل الوالي على دعوة الأشهب، هذا الرجل الذي أصبح يستشار في القرارات العاجلة والمؤجلة و لا يخجل الوالي من ضيوفه فيبقيه إلى جانبه حتى في الجلسات الرسمية . تكلم الوالي بكل حزم و جدية .
ـ دعوتكم أيها السادة قبل فتح مكاتب الاقتراع لأنني أردت أن أحافظ على حياد الإدارة. و لذا فإنني أرجوكم أن تكونوا في مستوى الحياد.
ردّ واحد من رؤساء المكاتب:
ـ سنعمل برأيك سيدي الوالي.
ـ حفظ الأمن موكول إلى رجال الأمن أما انتم فيهمكم ما يقع داخل المكاتب و أرجو أن تتسع صدوركم لتدخلات هذا وتعليق ذاك فلا تردوا بجفاء على أي استفسار.
تكلم رئيس مكتب آخر:
ـ سيدي الوالي هل من تعليمات حول الاصــ...صندو...الانت... ؟ .
طفا الغضب على وجه الوالي و نظر في رئيس المكتب الذي نكس رأسه خجلا و خوفا.
ـ من أوصاك و بماذا ؟
حاول أحد الحاضرين تهدئة الوالي فقال:
ـ أرجوك سيدي أن تقبل زلة لسانه.
ـ لا يا سيد، إن كلمة تعليمات خطيرة و لا بد من الحرص.
نهض الأشهب و أوعز إلى رئيس المكتب أن يتبعه ففعل امام أنظار الوالي و خرج الرجلان.
واصل الوالي حديثه:
ـ لا تقبلوا أية تعليمات لا تحتية و لا فوقية فلا شيء يعلو على القانون. ولا تحاولوا التأثير على الناخبين،أريد أن تمر الانتخابات في كنف الديمقراطية و الحرية.أما زميلكم فسيعوضه رئيس مكتب آخر.
حينما عاد الأشهب سأله الوالي:
ــ أين هو؟
ــ انه يعتذر لك و يرغب في إعفائه من مهمته ..أنا تيقنت من أن أحد المرشحين من أقربائه فمن الصعب أن..
علق الوالي:
ــ أنا أعفيته قبل أن يعتذر...اجلس.
ثم فتح الوالي باب الحوار مع رؤساء المكاتب فسال أحدهم:
ـ و كيف نتصرف بعد إغلاق المكتب؟
ـ تغلق الصناديق قبل غلق المكاتب و تفتح أمام الناس.
ـ سيدي الوالي ، سنطبق الأوامر و لكن قد يطلب منا البعض أن نختار له الورقة ويرفض الدخول إلى الخلوة فكيف نتصرف في مثل هذه الحالات ؟
أجاب الأشهب:
ـ الأمر بسيط، هذا المواطن رفض أن يطبق قانون الانتخاب يمكنكم اعتبار ورقته ملغاة أو عدم قبولها أصلا.
فأضاف الوالي:
ـ إذا رفض أحد المقترعين الدخول إلى الخلوة فامنعوه من التصويت. و يمكنكم الاستنجاد بعون الأمن الموجود بجانبكم. أرجو لكم التوفيق.
...............
هل ستقدر الكاميرا على مسح كل هذه الأشياء؟
***
استعان علي بأربعة رجال لتوزيع القهوة و الشاي وكلف كل واحد منهم بجهة و أرسله بطبق القهوة الصباحية . لم يسبق أبدا للمقهى أن عج بهذا الخلق الكثير و لم يسبق لعلي أن طلب منذ البارحة من أعوانه الثلاثة أن يحضروا جميعا في الفترة الصباحية و قد يمضون النهار بدون راحة . كان يدرك أن الحركية ستشتد حول مكاتب الاقتراع و تمنّى لو كان له ركن خفي لخصصه للنساء اللائي جئن واسندن ظهورهن إلى الحائط في انتظار الاقتراع . رجال المدينة لا يريدون أن تحشر المرأة في المسائل السياسية و لكن الواجب يقتضي تشريك النساء. هكذا أعلنت السلطة الرسمية و دعت اتحادات المرأة إلى افتكاك مراكز النفوذ من الرجال.وعليّ رجل و لا يسمح لزوجته بالنزول إلى السوق .و علي يعلم أن المرأة في هذه المدينة تحسن تصريف شؤون العائلة و تدبير المنزل و قد ورثت النساء هذه المسؤولية منذ زمن فالرجال يخرجون إلى البحر للصيد و قد تطول سرحتهم أياما فتتولى المرأة شؤون العائلة. و علي لم يبحر أبدا.
جرى هذا و ذاك و تعثر الشيوخ وهمس بعض وصاح آخر والاقتراع متواصل. صاحب السيارة لا يزال يفتح بابها الخلفي ويغلقه بسرعة كمن يخاف على سلعته من النور. بدأت الإشاعات تسري والاحتمالات تتعاقب و كل يفسر كما يحلو له. لم تستطع الكاميرا أن تركز جيدا على صاحب السيارة السوداء فهو يحسن المراوغة فبدت الصورة غائمة نسبيا ولكن المؤكد انه خبير في جمع الأصوات و يعرف كيف يفرق بين قيمة هذا الصوت وذاك بحسب هيئة الشخص و مشيته لذلك تشاجر مع أحد المنتخبين عندما أصر هذا الأخيرعلى أن للأصوات نفس القيمة في بطن الصندوق . احتقره صاحب السيارة السوداء فلم يكلف نفسه مواصلة الشجار معه.
الوجوه تصفرّ و تحمرّ أحيانا و الريق يشيح في حلق البعض. طلع الشك و بدأ يزحف على عقول المحللين ولا أحد يتكهن بنهاية المعركة.
إبراهيم يلتقي سالم العساس فيشده بعنف من ذراعه.
ـ هل دفعوا لك ؟
ـ في الليل أمنحك نصيبك .نتحاسب و كل يأخذ حقه . أنا لا آكل المال الحرام و لا اشرب عرق صديقي فهو مالح كالح.
ـ هل بعت صوتك ؟
ـ أبيعه للقائم بحملة الأول ثم ابحث عن القائمين بحملة الثاني و أعود إلى أول السطر فارفع في الثمن قليلا.
سال إبراهيم صديقه:
ـ يقال أن الأسعد البحري سيلقن منافسه سالم البرادعي اكبر فضيحة عرفتها المدينة.
ـ بل سيهتزّ لها العالم و قد بلغني ان النسبة فاقت المائة في المائة في بعض المكاتب.
ـ كيف ؟
ـ الأمر بسيط يا إبراهيم ،لاحظت بأم عيني أن صوت أحد المتوفين دخل الصندوق و أن ابن عمّ لي لم يدخل البلاد منذ أن ولدته أمه في الخليج أدلى بصوته غيابيا. هكذا ستتخطى النسبة المائة في المائة.
ـ في مثل هذه المناسبات يجب تكريم الموتى خصوصا أولئك الذين توفوا قبل أن تولد الديمقراطية.
ـ أنت تسخر مني ، أنا أؤكد لك أن الأسعد البحري حصد جميع الأصوات.....المشتراة.
ـ ما كان على سالم البرادعي أن يدخل الحلبة وهو اضعف من جرادة.
ـ و الغريب أن الأسعد لم يرأف بحال منافسه.
ـ شماتة يستأهلها سالم . لماذا أصر على تقديم نفسه ؟
ـ والأغرب من ذلك انه لم يسع إلى شراء بعض الأصوات ولو من اجل رفع معنوياته .
حميت سوق الأصوات و فاحت رائحة العملية الانتخابية وطلع الخبر و انتشر فوصل إلى الحوانيت حالما فتحت والخبر ينمو مع كل خطوة و يكبر على كل لسان :
ــ الوالي يحب الديمقراطية...
ــ الوالي يحرص على تطبيق القانون ...
ــ الوالي أوصى رؤساء المكاتب بإجبار الناس على دخول الخلوة
ــ الوالي صادق في أوامره
ــ الوالي...ابن عائلة ...
ــ الوالي...
ــ الوالي...
ــ ليته ترشح بنفسه ليحصد كل الأصوات .
قال أحد الثلاثي النبار محدثا علي صاحب المقهى:
ــ من حق الناس أن يبرهنوا علنا عن اختيارهم.إذ كيف سيحصلون على المكافآت و الهدايا إن هم صوتوا في السّر ؟
و التزم علي الحياد و الصمت.
***
جمّعت الصناديق و أغلقت مكاتب الاقتراع في الوقت المتفق عليه وتكفل رؤساء المكاتب بمرافقة الصناديق إلى بهو الولاية حيث خصصت طاولات أمام سبورة جلبوها من أقرب مدرسة. و بسرعة شرع الشبان العشرة في فرز كل لون على حدة .
أمر الوالي بانطلاق العدّ تحت أنظاره فوقف شابان إلى جنب السبورة كل يسجل لواحد من المتنافسين .
مضى وقت حتى بدأت النتيجة تقترب من التشكل و بدا الخيط الأبيض يتنصل عن الخيط الأسود وكلما سحبت ورقة زاد الشك واصفرت الوجوه أكثر فأكثر. خيم صمت مقبري على البعض فامتدت أيديهم إلى رباطات العنق تململها يمنة و يسرة وامتدت أخرى إلى الجيوب تبحث عن المناديل الورقية.
ثمة فئة قليلة ارتسمت على وجوهها مسحة لم تتضح إن كانت ابتسامات فرح أو شماتة . ابتلع الأسعد البحري ريقه بصعوبة وارتبكت ركبتاه فانسحب بسرعة ليتحاشى نظرات الرأفة والشماتة وراح يصارع هزيمة أدركها قبل ثبوتها .
وقف الوالي ليتولى الإعلان رسميا على اسم الفائز قبل أن يسارع إلى تهنئته متمنيا له التوفيق .
وقف سالم البرادعي غير بعيد عن الوالي لكنه اقترب كثيرا من مدخل البهو ، تعمّد الوقوف في هذا المكان ليمرّ الجميع أمامه وليجبر أنصار خصمه على تهنئته فلم يجدوا مفراّ من تقبيله.
فعلها سالم فرمى حجرا في بركة الركود الذي تعيشه المدينة و ساعد الوالي بفعلته هذه على إحداث رجة في أذهان الناس .
بعد يومين من هزيمته في الانتخابات قرر الأسعد البحري أن يحتفل بهذه الهزيمة احتفالا لم يقم بمثله منافسه الفائز. طلب من مدير دار الثقافة أن يخصص له قاعة الاجتماعات ففعل و حان وقت الاجتماع فالتجأ مدير دار الثقافة إلى فتح قاعة العروض التي تتسع للعدد الكبير من الحاضرين .و لم ينس أن يُعلم الوالي بالاجتماع وعلق بنفسه الدعوة إلى الحضور وحرر بعض الدعوات باسم أصحابها .
وقف الأسعد البحري ليخطب في الناس دون حاجة إلى تقديم من أي كان:
ـ أشكركم جميعا و أهنئ بحضوركم منافسي الذي هزمني بأصواتكم و أتمنى أن يكون محل ثقتنا جميعا . أنا دعوت الذين منحوني أصواتهم فقط و إني أرى عددا يفوق بكثير عدد الأصوات التي تحصلت عليها فأين ذهبت أصواتكم إذن ؟ هذا لا يعني الشك في عملية الفرز فأنا لا اتهم أحدا و اعترف بهزيمتي و لكنني أسألكم عن وعودكم واذكّر الذين اقسموا أن يمنحوني أصواتهم بأنني أخطأت في منحهم ثقة عمياء .لذلك لا أستحي عندما أتهمهم بعدم المسؤولية و بالافتقار إلى الحس الوطني لأن بلادنا التي نتمنى لها مستقبلا أكثر عدالة وديمقراطية لن تقوم على مثل صنيعكم .أنا لم أشحذ الأصوات ولم أفرض على أي كان أن يبيعني صوته و لكنكم عرضتم علي تلك الأصوات فاشتريت ضمائركم و انتخبتم منافسي وهذا دليل قاطع على خيبة الظن فيكم و لولا امتناع البعض عن بيعي أصواتهم لي لخاب ظني في وطني لذلك أعلن أمامكم افتخاري بهم و على رأسهم خميس بائع الدجاج الذي رفض و بشدة أن ينخرط في تسليع الديمقراطية .اشتققت لفظة التسليع من ضمائركم التي تملأ الأسواق كالسلع. أعبر لكم عن ندمي الشديد لا لتقديم ترشحي و لكن لأنني توسمت منكم القول الصادق. وإلى اللقاء في محطة أخرى .
مسكين الأسعد البحري هذا لم يقرا تاريخ الفاطميين في المهدية و لم يعرف ما كان يخاط في قصر القائم من دسائس و يحاك من مؤامرات حول الحكم و استمراره . و لم يسمع بتلك القولة الشهيرة التي ابتدا عبيد الله المهدي بها تأسيس مدينته و توارثها المؤرخون في كتبهم ...عبيد الله كان ذكيا جدا حين سحب ثقته من العامة في اليوم الموالي لتوليه الحكم فبنى المدينة و أحاطها بسور كبير وجعل فيه بابا واحدا وأبقى المتاجر داخل السور و نام هادئا مع أهله . وحين سئل في الصباح عن سبب إبعاد العامة و تسكينهم في زويلة قال قولته الشهيرة تلك: و لقد جعلت بيني و بينهم أسوارا لآمن شرهم في الليل و النهار. فان أرادوني بكيد في النهار خافوا على حرمهم في زويلة و إن أرادوني بكيد في الليل خافوا على أموالهم عندي.
مسكين الأسعد البحري هذا لم يقرأ التاريخ و لم يعلم كيف فرط الفاطميون في دولة عظمت و امتدت و سادت إلى بلد السودان ثم تركها أهلها و ارتحلوا بحثا عن افتكاك الحكم من بغداد .
أي حظ تعيس هذا الذي عرفته المهدية ؟
لم يعرف الأسعد البحري أن عبيد الله أراد المهدية مدينة حربية ولا مقر للأمراء...لذلك قلت قصورها و كثرت قبورها في عهده.ثم أفرغت القبور قبل ساعة الحشر ورفعت رفات المدفونين إلى مصر. رفات الشيعة فقط حملت إلى مصر أما السنة فقد بقيت قبورهم متناثرة على أطراف الطرق في مقابر صغيرة.
مسكين الأسعد البحري، لو انتخب لمشى منتشيا في ركب الوالي واستفاد من أعماله فشكره الناس على عمل لم يقم به شخصيا.
فالوالي يزرع و قد يجني البحري الثمار ويتباهى بالزرع والوالي يؤسس و قد يتفاخر البحري بالتأسيس و يبدو في مظهر البطل.
مسكين الأسعد البحري لم يتفطن إلى أن التاريخ يثار لنفسه من نفسه. فحتى الدولة الصنهاجية التي حكمت المدينة بعد الفاطميين كانت تفرق بين الموتى فتدفن الأعيان و الشعراء والأعلام و رجال الدين في المنستير و تترك للبسطاء من القوم حرية الدفن في المهدية. الكاميرا لم تستطع أن تنقل هذه الأشياء قبل أن يمليها عليها صاحبها و صاحبها تخلى عن الكتابة بالقلم .
***
يشرف رئيس البلدية على اجتماع مهم في قاعة الاجتماعات
ـ الساحة هي النقطة الوحيدة المطروحة للنقاش.قال الكاتب العام.
و تلاه رئيس البلدية:
ـ الساحة الوسطى على شكلها الحالي لا تليق بمدينة جميلة مثل مدينتنا. هي حقا نقطة تقاطع سوداء تربط بين هلالي البحر و بين المدينة العتيقة و الأحياء الجديدة ولهذا فكرنا في تهذيبها و تهيئتها .
سأل رئيس لجنة البيئة:
ـ و لكن ارض الساحة ليست على ملك البلدية . فكيف نفكر في تهيئة ارض لا نملكها ؟
تدخل مهندس البلدية:
ـ و هل باستطاعتنا أن نكتفي بتهيئة الثلث الذي تبرع به البحري ؟
ردّ رئيس البلدية:
ـ إن فعلنا ذلك فسنزيد الحالة سوءا.
و أيده الكاتب العام:
ـ فكرنا في شراء القسط الثاني و اتفقنا مع صاحبه.
و سالت رئيسة لجنة الثقافة:
ـ هل بإمكان البلدية أن تدفع ثمن الأرض؟
ـ نحاول أن نحصل على قرض للغرض .لكن المسالة معلقة في المالك الثالث، إبراهيم، من يستطيع أن يناقشه في الأمر ؟ إنها مسالة صعبة و معقدة .
ـ نترك شان إبراهيم إلى السيد الوالي أما نحن فلا أحد منا يقدر عليه.قال الكاتب العام.
ـ إذن نقرر فيما يخصنا شراء الثلث المتوفر حاليا ونواصل سعينا لإقناع إبراهيم بالبيع أو بالتنازل .؟
وفي هذه الحال ماذا تقترحون ان نجعل في الساحة ؟ نحاول معا ان نتخيل لها شكلا جميلا يرضي جميع الأذواق.
ـ منطقة خضراء مثلا .
ـ أو نصبا
ـ نبني فيها تمثالا...
ــ تمثالا لأحد رموز المدينة السابقين.
ــ نجعل منها نافورة ماء فرعها الماء و جدائلها الرخام.
ــ إشارات مرور بسيطة و غير مكلفة.
ــ نضع فيها سفينة قديمة.
ــ نصبا لسمكة ضخمة....أبو سيف مثلا أفضل من السردين الشعبي..
ــ يصح حتى عنقود من التمر فكله من خيرات بلادنا.
ــ زيتونة من البرنز أو الاسمنت فالزيتون أجمل من السمك.
ــ ما رأيكم في اللباس التقليدي؟
ــ نتحاشى الرموز الدينية إذ لا فائدة في إثارة جدل عقيم حول تركة الأسلاف و صراع المذاهب.
علق الكاتب العام :
ـ التماثيل لا تبيض ذهبا. أنا أقترح أن نجعل من الساحة فضاءا ذا مردودية اقتصادية مثل بناء مجموعة دكاكين جميلة يعود كراؤها إلى البلدية فنصيب عصفورين بحجر واحد.
فعارضه مهندس البلدية:
ـ في اعتقادي أن جمالية المكان قادرة لوحدها على إحداث حركية اقتصادية فالمارة و المترجلون والمتنزهون بالقرب من الساحة لا بد أن ينظروا فيها وأن يتوقفوا و لو لبعض الوقت وحركة التجوال هذه من شانها أن تدفع الناس إلى الاستهلاك وبالتالي تتولد حركة تجارية هامة .
ـ صحيح .قال رئيس البلدية و أضاف:
ــ أرى أن نكلف رساما أو نحاتا بالتصميم ثم نستشير السيد الوالي .
***
اقترب المؤلف من منزله فبدا له شبح الشيخ منصور واقفا أمام الباب. اقترب أكثر فأسرع الشيخ إلى مصافحة المؤلف الذي تسمر في مكانه. انحلت أمّ العقد في ذهن المؤلف فكيف يبادر الشيخ بإلقاء السلام على شاب في عمر ابنه خالد و يدعوه باسمه؟
ـ ستتعشى معي هذه الليلة .
سار الرجلان جنبا إلى جنب و لم يتكلم سوى الشيخ منصور
ـ اغتنمت فرصة غياب العائلة لأحدثك عن المدينة لأنني أخاف عليك من أهلها أخاف على ابن صديقي الذي أوصاني به خيرا .
أنت تعرف أن ابني خالد يكرهك بدون سبب فلا تهتم.
ابني تنكر للصداقة التي كانت تربطكما وزاد كرهه لك عندما بلغنا انك دخلت الجامعة و نجحت .عندها ثارت ثائرته و لعنك و سب أباك فضربته.
أنا لا اخفي عليك إنني أحيانا أخاف من ردود فعل ابني خالد فأتحاشى الحديث معه و هذا ما يؤلمني حقا لذلك تظاهرت بعدم الاهتمام بك فكان حديثي معك جافا.
لا تؤاخذ أبا يحرص على تحاشي الصدام مع ابنه .
أما أهل المدينة فقد جبلوا على الحسد و زرع النميمة. لن تصادف أحدا يشكر غيره مهما أحسن إليه. أظن أنكم في العاصمة أحسن حالا منا فالناس لا يعرفون بعضهم هناك و قد يخاف كل واحد من الآخر فيحترمه.
أبوك لم يكن من هذه الطينة بل كان طيبا مع الجميع . باع من أجلهم النفيس و لم ينتظر أن يعترفوا بجميله ولهذا لم يتأثر كثيرا عندما تنكر له البعض .
لقد كان مقتنعا بسلوك الناس دائم البحث لهم عن أعذار فكلما اخطؤوا في حقه زاد في إحسانه إليهم. كان يعجبني أن يتصرف مع الناس هكذا فهو يعرف أن المدن الكبيرة تتحكم في مصير القرى المجاورة و مدينتنا كبرت على الإقطاع ...الأمر بسيط جدا أهلها يملكون الآلاف من شجر الزيتون فكان لا بد أن يجتمع كبار الملاكة على قرار واحد يقضي بتحديد أجرة العامل و برفضه إذا طرده أحدهم وكانوا يسمون العامل " الزوفري" ايه...إنها كلمة فرنسية مرادفة للعامل ...لا بد انك تعرفها. كانوا متفقين على نفس الخطة فان جاء أحدهم ليرهن شيئا ما مقابل لتر واحد من الشعير أو الزيت رفضوا واجبروه على بيع ربع زيتونة مقابل اللتر الواحد من الشعير فإذا طال الجفاف و احتاج المسكين إلى الشعير والزيت ثانية باع الربع الثاني من الزيتونة أو باعها كلها ..
هكذا كان يتحكم الكبار في البسطاء من الناس فجعلوا لانفسهم مكانا خاصا يتدبرون فيه أمرهم و منعوه عن العامة وتوارثوا هذا السلوك لسنين عديدة إلى أن قدم الفوج الأول من السياح و فتح بعض الصناعيين والمهنيين الوافدين من صفاقس ورشات لهم و جلب الفلاحون الصغار بذور الفلفل النابلي من الوطن القبلي و تغير وجه الفلاحة فخفت وهيج الفلاحين الكبار وتحسنت العلاقة بين الناس وعرف الحب والود والرحمة طريقا الى بعض القلوب.
ماذا أضيف ؟ اعرف انك في مهمة خاصة و قد تكون هذه المهمة الخاصة قد أكسبتك حصانة ما. و إلا لاشتكاك بعض وورطك آخر ولو قدروا لسحبوا الأرض من تحت قدميك . ورغم علمهم بأنك في مهمة خاصة و خطرة فانهم قالوا فيك الشيء الكثير و قد جاء أعوان الأمن أكثر من مرة و سألوني عنك .
لا تهتم، أدخلتهم من الباب و أخرجتهم من النافذة . تدربت على هذه المراوغات و حفظتها عن أبيك .إنه علمني كيف أتلاعب برجال البوليس و لكن هذه المرة لم ارمهم في التيه و لكن اكتفيت بتهديدهم باعتبار أن الحكومة تعلم سبب مجيئك مع الوالي الجديد. و انك مكلف برفع تقاريرك السرية إلي الدولة .
قلت هذا لان البوليس نفسه يعرف معنى السرية ويهاب الدولة كثيرا. كان عليّ أن أقول ذلك لكي لا يكتب عنك باطلا.فالكلام يزداد كل يوم حول الوالي. كأن العالم لم ينشأ إلا على يديه وكأن العدل لم يلد إلا بأمره و كأن هذه البلاد لم تنجب أطيب منه. هذا ما يروج عنه من أقوال. الآن يمكنك أن تنصرف . خذ معك بعضا من هذا العشاء وانصرف قبل انكشاف أمري. لا أريد أن يعلم الناس بهذه الزيارة ولا تخبر الوالي بما دار بيننا فانه يكره كلام المدح و الوشاية.
عندما عاد المؤلف إلى منزله لم يستطع أن يغمض عينا واحدة.حاول أن يستعيد كلام الشيخ منصور فخانته الذاكرة ولم تحتفظ إلا بما بدا له غريبا من هذا الكلام كالمهمة الخاصة واهتمام رجال الأمن به .
***
إبراهيم رجل بسيط جدا و لكنه يحظى بالاهتمام لذلك حياه حاجب الولاية و أوصله إلى مكتب الوالي حيث ادخله. ما اكبر همة هذا الوالي ...طلب من إبراهيم ان يجلس على كرسي امام مكتبه ثم أمر أن يأتي له الحاجب بقهوة ساخنة...
ما الطف هذا الوالي .لكن إبراهيم يشك في هذه الحفاوة ويعتقد انها لن تمرّ بدون تنازلات.
ـ تفضل يا إبراهيم .
ـ شكرا سيدي الوالي .
ـ دعوتك للتثبت من كلام نسب إليك.
ـ أصدقهم القول لكي لا تفاجأ يا سيدي .
ـ هذه ليست طريقتي فأنا أتوسم الخير أولا .
ـ ما دام البعض قد سبقني إليك بكلام مشكوك فيه و ما دمت تتوسم الخير فابق كما أنت ...الرجل النبيل من صادق نفسه.
ـ لا تحرجني يا إبراهيم أريد أن أصحح الرمية.
ـ معذرة ما جئت لأحرجك .
ـ حدثني عنك . كيف تعيش ؟
ـ اشتغل و أعيش بعرق الجبين و ارفض الصدقة .
ـ هل تحب وطنك ؟
ـ وطن لا يسمعني و لا يفهمني لا يعنيني .
ـ أنت تعي ما تقول؟
ـ أقول ما في البال .
ـ إذن ما هي البلاد بالنسبة لك ؟
ـ افهم من كلامك انك دعوتني لاختبار أنا في غنى عنه.أنا لا استحي من الإجابة عن كل أسئلتك لأنني اتعب كثيرا إذا أخفيت قولي في الصدر. البلاد بالنسبة لي نقيضان إذا اجتمعا و تمازجا و تحابّا وتكاملا كوّنا وطنا، العباد أولا والأرض ثانيا ،يرتبطان بعلاقة قد تكون مبنية على الكراهية أو الحب و قد تتغير هذه العلاقة حسب المناخات و مزاج الساسة.و إذا ما فسدت العلاقة ساءت حال البلاد .
اعجب الوالي بفصاحة الرجل وعجب لجرأته وصراحته فسأله:
ـ و ما شكل البلاد التي تعيش فيها ؟
ـ صوت و صدى ، جسد و روح .يحاول هذا أن يتشبث بالآخر ليؤسس ذاته على أنقاض الآخر.
ـ الوطن نبنيه و نسكنه فلماذا لا تبني وطنك على شاكلة تختارها ؟
ـ كان لنا البيت و الفراش و الدفء و عندما ذهب المنزل بمن فيه تبخّر الوطن من قبضتي.
انتاب الوالي الشك من كلام إبراهيم فقد يكون أهله قد هاجروا أو قتلوا في الحروب و لم يبق منهم إلا هذا االرجل البسيط فسأله:
ـ كيف ذهب ؟
ـ ألم ينقلوا إليك الواقعة ؟
ـ لا .
ـ لم يحسنوا إليك يا سيدي الوالي.و لو أنني أدرك غرامهم بنقل السيئ دون سواه.
ـ لم افهم قال الوالي فأضاف إبراهيم.
ـ تهدم منزلنا جراء الفيضانات الأخيرة. و لم ينج من العائلة سوى أبى. كنت بعيدا يومها و عندما وصلت وجدته ينبش وحيدا ليخرج جثث إخوتي من تحت الأنقاض. ساعدته و دفنا أمي و إخوتي و ما إن عدنا إلى مكان المنزل حتى سقط أبي و مات كمدا و حسرة.
ـ مات حسرة على أبنائه و زوجته طبعا.
ـ لا بل على أهله و أصدقائه الذين تخلوا عنه و لم يساعدوه.
ـ ما أعلموني بهذا.
ـ يزنون كلامهم جيدا.
ــ اييييييه قال الوالي محدثا نفسه. أهل المدينة يزنون كلامهم جيدا. هل لخّص إبراهيم الوشايات التي سمعها الوالي بخصوصه؟ أم هل هي نتيجة لردة فعل غامضة؟ تغاضى الوالي عن التعليق و ترك الأمر ليفكّر فيه مع الأشهب و سأل إبراهيم:
ـ و هل تربط حياتك كلها إلى جذع زيتونة ؟
ـ و أنا فخور بذلك.
ـ و إذا اقترحت عليك منزلا تأوي إليه ماذا تقول ؟
ـ أشكرك و لا اسكنه لأنني لن أبيت تحت سقف و لو من حرير.
ـ نعوّض لك الزيتونة بحقل زياتين بالقرب من المدينة.
ـ تلك الزيتونة بالذات لا يمكن أن يعوضها شيء في الأرض فهي الوطن و الحضن و الدفء و الفراش. أنا لن أتنازل عنها و إن أدى الأمر بي إلى التضحية في سبيلها. تلك الزيتونة بالذات لن يلمسها أحد. هي ضلع اقتطع مني فمن أراد أن يلمسها فليطلْني أنا قبلها و إلا هلَكَ.
هل تدرك يا سيدي الوالي إن الزيتونة عنوان حضارتي ورمز أصالتي و رائحة جدودي و خير آبائي؟
ـ أدرك، قال الوالي، و لكن يا إبراهيم فكرنا أن نهيئ تلك الساحة لنجعل منها مكانا لائقا فهي نقطة تقاطع مهمة في المدينة تلتقي فيها الطرق و يعبرها المارة و الزائرون ولا يمكن أن نبقي على شكلها الحالي بل سنجعل فيها نصبا جميلا أو شيئا كهذا فلا تكن عائقا أمام مشروعنا.
ـ أعتذر، ردّ إبراهيم بجفاء.
ـ لا تجبرنا على انتزاع أرضك لفائدة المصلحة العامة.
ـ لا يمكنكم ذلك لان المسالة تحتاج إلى وقت طويل نمر فيه معا إلى المحكمة ثم إلى محكمة الاستئناف ثم إلى التعقيب وهذا سيأخذ زمنا طويلا و أظن أنكم في عجلة فلا تخسروا الوقت و سارعوا بإعداد ملف الانتزاع و الشكوى.
ـ ألا تخجل من قول هذا أمامي ؟
ـ معذرة سيدي الوالي لو لم أكن على علم بسعة صدرك وحبّك للصراحة لما كنت صادقا و واضحا معك.
ـ تعجبني صراحتك و لكن هل تظن إنني سأصفق لموقفك وأنا مقر العزم على تهذيب الساحة ؟
ـ إنني أتفهم شعورك و رائحة النبل فيه و أعلن لك عن رفضي لمشروعك و إن رأيت أن الناس يباركونه فذلك لأنهم لن يخسروا شيئا من عندهم. ثم لا تنس سيدي أن القاضي سيكون بدوره في حيرة و قد يصعب عليه إصدار الحكم...
ـ لماذا يا إبراهيم ؟
ـ هل يعقل أن يصدرالقضاء حكما على قاصر مجنون ؟
ـ أنا اقترح عليك أن تراجع موقفك هذا و أن تفكر بعيدا عن كل حسابات و بقطع النظر عن آراء الناس فيك...أرجوك فكر جيدا في المسالة و كن على يقين أنني حريص على تهيئة الساحة لأنها مشروعي الأول...فكر جيدا.فالمدينة مقبلة على انفتاح كبير على السياحة و على العالم الحديث.
ـ لا تنتظر مني أن أتنازل و لكن سأفكر أخذا بخاطرك فقط.
ـ إلى اللقاء يا رجل.
***
غادر المؤلف منزله باكرا و توجّه إلى مركز الاتّصالات. تناول سمّاعة الهاتف و طلب زوجته فردّت عليه بلوم معطّر برائحة الدّلال. حدثته عن اهتمام الأطفال بدراستهم و أعلمته بان التلفاز تعطب فوعدها بشراء جهاز جديد و سأل عن نتائج الأطفال في الدراسة أجابته على الفور بأنهم متفوقون كالعادة بل ممتازون. لم يخف فرحته بالخبر فأكد لزوجته انه في شوق كبير إليهم وانه على وشك الانتهاء من مهمته...
ما كان على لسانه أن يزل فيفضحه و يكشف عن سبب خروجه من المنزل. و لحسن الحظِّ أن زوجتَه لم تسأله عن طبيعةِ المهمة فسارع بالتعبير عن حبّه لها. رجاها أن تبلغ الأطفال سلامه وودعها في الهاتف. مرّ مباشرة إلى دكان بيع التجهيزات فاختار تلفازا من النوع الرفيع و دفع الثمن.اعلمه البائع بأنه سيحمل إليه الجهاز بعد صلاة العشاء.
***
نادى القاضي بصوت منخفض فتلاه الحاجب.
ـ إبراهيم بن علي بن مصباح.
ـ حاضر.
ـ تقدّمْ يا إبراهيم.
ـ حاضر سيدي.
ـ كم عمرك و أين تقطن ؟
ـ واحد و أربعون سنةً و ليس لي مسكنٌ و لا عنوان رسمي.
ـ أين تبيتُ اللّيل يا إبراهيم ؟
ـ لا مسكن لي غير الزّيتونة. إنها ارضُ الله كاملة.
ـ و أين تقع هذه الزّيتونة ؟
ـ لا شرقية و لا غربية، تقع بالضبط ما بين المحيط والخليج .
ـ سؤالي واضح يا إبراهيم، أين تقع زيتونتك؟
ـ و جوابي واضح يا سيدي، أنت تعرفها جيدا و إلا ما كنت دعوتني إلى المثول هنا...واقفا كالتمثال الأخرس. هل تريدني ان أكون كالتمثال الأخرس يا سيدي؟انه جميل لانه لا يحسن الكلام.
سمعت بعض الهمسات و تلتها ضحكات فضرب القاضي بمطرقته على المكتب و طلب السكوت.و صمت قليلا ثم وشوش إلى مساعديه كلاما لم يسمعه أحد.وتوجه بالسؤال إلى إبراهيم:
ـ قل يا إبراهيم، لماذا رفضت أن تتنازلَ عن أرضك لفائدةِ المصلحة العامة؟
ـ إذن أنت تعرف الزيتونة يا سيدي و أنا لم اكذب.أنا صادق في كل ما افعل و ما أقول.
ـ سألتك لماذا رفضت التخلي عن زيتونتك لفائدة البلدية ؟
ـ هل أستطيع أن أسألك يا سيّدي ؟
غضب القاضي ثانية و وشوش إلى مساعديه ثم واصل:
ـ أنا أسال و عليك الإجابة.
ـ كنت سأسألك عن تُهمتي.
ـ أنت متّهم بالإضرار بالمصلحةِ العامّة.
ـ الحمد لله.
ـ على ماذا ؟
ـ على أنّ تهمتي ينقصها الإضْمار و الترصّد.
ـ و من قال لك إن التهمة غير واضحة؟
ـ أطالبك بحبسي ما دامت أركان التّهمة متوفرة يا سيّدي.
عادت الضّحكات و ارتفعتْ المطرقة من جديد.
ـ هل تسخرُ من العدالةِ ؟ أردف القاضي غاضبا.
ـ أبدا يا سيدي فأنا محتاج إلى عدلكم و لي ثقة في إنصافكم لي و في دفع الظّلم عنِّي و لكنني يا سيدي لا أملك سوى زيتونة واحدة علّقت حياتي في أغصانِها فان اقتلعتْ قتلت نفسي و إن سجنْتني أو قتلْتني يبست الزيتونة و ماتت وأنا أخاف عليها.
ـ هل أنت مريض يا إبراهيم ؟
ـ لا و لكنني سأمرض و أموت خوفا على زيتونتي.
اقترب سالم العساس من مصطبة القضاة و رفع يده مستأذنا .فبادره القاضي:
ـ تفضل أنت من تكون ؟
ـ أنا الشاهد يا سيدي القاضي و اسمي سالم العساس .
ـ على ماذا ستشهد يا سالم؟.
تدخل إبراهيم دون اخذ الإذن بالكلام:
ـ لا بدّ لكل قضية من شاهد و إلا سقطت أركان القضية أليس كذلك يا جماعة؟
احمرّ وجه القاضي غضبا فلطخ على الطاولة بالمطرقة وأرعب إبراهيم لكن سالم أنقذ الموقف بعودته إلى الكلام:
ـ سيدي القاضي، أنا جئت لأنير سبيل العدالة يا سيدي.
ـ هل عندك شيء تفيدنا به؟
ـ أقول لكم يا سيدي إن إبراهيم يتناول الدواء كل ليلة و أنا أقضي الليل بالقرب منه.
ـ و هل هو حاليا تحت العلاج ؟.
ـ طبعا، و قد حذره الطبيب من الانفعالات فهي تسبب له الصدمة من جديد. رافقته مرة فنبهني الطبيب إلى انه قد يصبح عنيفا إذا غضب و قد يرتكب الجرائم دون أن يشعر و قد يقتل الآخرين ثم ينتحر،
ـ هكذا إذن.! هل عندك ما يسند أقوالك ؟
ـ نعم سيدي ، إنه يخفي دواءه في الزيتونة.
ـ يتأجل النظر في هذه القضية إلى حين الاطلاع على حيثياتها كاملة. ـ انتهت الجلسة .صاح الحاجب.
***
أسرع المؤلف إلى منزله ليستقبل بائع التجهيزات المنزلية فوجده في انتظاره.فتح الباب و أنزل جهاز التلفاز . طلب من البائع أن يجربه للتثبت من صلاحيته. أوصل البائع الجهاز بالكهرباء و ضغط على إحدى الأزرار و قال ان الصورة ستظهر بعد وصول الصوت بقليل و انصرف. انتظر المؤلف الصورة مستمعا الى المطربة صليحة في موال كم احبه:
...يا سايق النجع الاول.....هات العصا انا نسوقه
يا لابسة جرد كتان ...... يا حافلة بالبروقة
ريق البنيات سكر ..........حلفوا علي نذوقه
و ما إن بدت الصورة حتى ذهل المؤلف و انهار.
انه يشعر بصدمة لم يجد لها تفسيرا.
انقلب طربه من سماع صليحة إلى انكسار مفاجئ.
لعل الصورة أفقدته حلاوة السماع.
إنها هي بالفعل.
إنها كلمات الأغنية تتجرد من معانيها و تتلاشى في رقصات هستيرية لا تدل سوى على ذوق متدن. العبارات التي كانت تنفذ إلى داخله كلما سمعها تضيع في صور مسقطة.
صور في شكل أشلاء تتزاحم و تتدافع أمام عينيه بلا تناسق و لا تسلسل و لا جمالية.
أجساد مكتنزة تحاول التنصل من ضغط القماش القليل الذي كساها.
إنها جريمة في حق الذوق الرفيع. إنها قراءة مجنونة مارسها المخرج على نص و لحن جميلين.
انه اغتيال مدبر للخيال.
إنها مؤامرة تنسج لترويج الذوق التجاري.
انه تشويه لذات المستمع.
امتدت سبابة المؤلف لتضغط على الزّر وتسكت الفوضى.
تأكد المؤلف من ورطته في الكتابة بالصورة.
***
حمل رئيس البلدية ملف الساحة الوسطى و دخل مسرعا على الوالي في مكتبه.
كان الوالي في انتظاره فسأله:
ـ كيف أحوال المدينة مع النائب المنتخب ؟
ـ كما رأيت، انتهت بمفاجأة ما توقعها أحد.
ــ أنا لا اسميها مفاجأة، قال الوالي، بل هي نتيجة منطقية ومنتظرة. لأننا نصنع التوقعات و ندير خيوطها ثم نحاول أن نقنع بها أنفسنا. نحن نصنع النتيجة من مواقفنا السليمة كما نصنعها من تذبذبنا. خيّرنا أن نترك للناس هامشا من الحرية وفعلنا ذلك عن قناعة وحسن تدبير و علينا أن نقبل نتيجة تلك القناعة إذ لا بد لكل مرحلة من تقلبات تقودنا حتما إلى الوجهة الصحيحة. أنا فخور بأننا نسير في الاتجاه الصحيح و قد خطونا خطوة فعلية نحو مساحة الاطمئنان الاجتماعي، نحو فضاء اللاخوف. أتدري ما هو فضاء الاطمئنان؟هو اضمن مكان ينبغي أن تصل إليه بالشعب.
ردّ رئيس البلدية:
ـ استغرب منك هذا الموقف لأنني كنت أظن انك تناصر الأسعد البحري.
ـ لا اخفي عليك أنني تمنيت لو نجح و لكن ما يهمني كسلطة هو أن يقع انتخاب من سيشغل منصب النائب و لن أجد صعوبة في التعامل مع الفائز ففي كل الحالات هنالك نائب واحد و أما مسالة التمني فلا يعدو الأمر إلا أن يكون مزاجيا لا غير و قد يضرني مزاجي والسياسة لا تقبل انحناء المسؤول لعواطفه.هذه نقطة هامة في مسيرة أي سياسي.
ـ صراحة كنت متأكدا من أن سالم البرادعي لن يحوز على عشر الأصوات.
ـ و هاهو يثبت لك العكس بالرغم عن سكونه أيام الحملة الانتخابية ولم ينخرط في مجالس الكواليس و لكن المواطن فهم لعبة الانتخاب الحر و قال كلمته و لم يكذب بل اجتهد كل واحد واعمل الرأي فتبين الكذب من الصدق و هذه مسالة مهمة أخرى اقصد الكذب الذي نبنيه في أدمغة البعض، ونحن مسؤولون عن نتائجه أيضا،و نظل نكرره في الصبح والمساء حتى متى تغلغل في النفوس أصبح بالنسبة لنا حقيقة لا يرقى إليها الشك و قفزنا من واقع مزيف صنعناه على قياسنا إلى ضباب لا نرى فيه سوى وهم الحقيقة التي صنعناها و هذا لا يفيد مسيرتنا في شيء بل سيكرر السائد و يبقينا في نفس المكان.
ـ يبدو أن البعض غير راض عن النتيجة.
ـ ليس صحيحا لأن النتيجة صنعها الناس و إن تظاهروا بعدم الرضا فذلك دليل على خوفهم من ردة فعل المسؤولين ولكن الأمور التي تحصل على أرض الواقع تبين عكس ما يدعون. فلو قشرت جلد أيّ كان منهم لوقفت على مدى سعادته بانتصار صوته على صوت الآخرين.المسالة بديهية لان كل من أعطى صوته لهذا المرشح يسعد بنجاحه.
سحب رئيس البلدية ملف الساحة و وضعه امام الوالي:
ـ جئتك بخصوص الساحة.
ـ بلغني أن إبراهيم مثل أمام القضاء إثر قضية استعجالية رفعناها للغرض.و لم تبت المحكمة في الأمر نهائيا.
ـ كان عليها أن تأمر بالانتزاع بما أن القضية استعجالية.
ـ لن تتمكن المحكمة من الانتزاع لأن إبراهيم قاصر.
ـ ذلك أفضل لنا لنشرع بسرعة في تهيئة الساحة دون انتظار الحكم الابتدائي ثم الاستئنافي و من يدري لعل القضية سترفع إلى التعقيب.
ـ من حق إبراهيم أن يرفض بل لا تستطيع المحكمة إجباره على التنازل.
ـ لماذا إذن رفعت القضية بسرعة رغم علمك المسبق بخسارتها إن صحّ القول ؟
ـ رفعنا القضية شكلا لنخسرها مضمونا و هذا يكفي لنشرع في عملنا. هذا لا يعني أن إبراهيم قد يتراجع عن موقفه فيبادر بالتنازل عن أرضه إن وفرنا له ما يرغّبه في ذلك و هذا لا ينبغي أن يؤجل انطلاق الأشغال، فلنبدأ.
ـ سيدي الوالي، أنت تعلم أن ابنتي شيماء قد أحرزت الإجازة في الفنون الجميلة و إن احمد علاء الرسام والأستاذ الجامعي قد خطبها مني و أود، اعذرني إن حدثتك بالجانب الأبوي فيّ، أود أن أشجعها و أشجع من ورائها أبناء الجهة. لذلك أتيتك.
ـ جميل! قال الوالي ،أنا بدوري أشجع طاقات الجهة على الإبداع .
ـ فكرت في ان تتولى هي و أحمد علاء تصميم وإنجاز النصب الذي سنجعله في الساحة.
ـ لا أعترض و لكن أفضّل أن يكون ذلك عن طريق مناقصة لألا نصبح جميعا عرضة للاتهامات.
ـ أنا متأكد من أن عرضهما سيكون مغريا وسأعمل مع بقية أعضاء المجلس البلدي على احترام القانون.
***
نطق جرس الكاميرا الداخلي معلنا انتهاء الشريط فعاج المؤلف إلى المقهى ليغيره و انتحى ركنه الاعتيادي وأشار إلى علي بالقهوة فجرى بها مسرعا و جذب كرسيا و جلس يتفرج في الكاميرا و كأنه ينظر في كائن غريب.
تفطن المؤلف إلى علي فساءه أن يبقيه على جهله و هو يدرك أن عليا لم يشاهد نفسه أبدا على الشاشة فأمره بفتح التلفاز قبل أن يتكاثر الزبائن ففرح علي و ضغط على زر التلفاز.
أوصل المؤلف الكاميرا و شغلها فلمح علي وجهه و صاح: إني هناك. أعاد المؤلف الصورة إلى الوراء قليلا و بقي ينتظر ردة فعله و يقرأ في ملامحه صورة طفل يكتشف أعضاءه الجنسية باستغراب.
رأى علي نفسه و الطبق في يديه و جيب ميدعته الوسخ منتفخا بالنقود النحاسية.
رأى خطواته و ارتباك الركبتين كلما استدار من المنضدة في اتجاه الباب.
رأى كل شيء في المقهى،وسمع صوته الغليظ ينادي الصانع.... ثلاثة شاي و قهوة و قارورة ماء.
......زوز قازوز و ديمينو
زيد شوية في الراديو
بدت على وجهه سمات الامتعاض و عدم الرضا عن النفس. انه لم يعجب نفسه و لم يخف ازدراءه فسأل المؤلف عن الفرق بين وجهه و تلك الوجوه الجميلة التي يشاهدها عادة على الشاشة.اقسم للمؤلف أن زوجته ظلت تغالطه طول العمر فهي تؤكد دوما إنه وسيم وجميل أما أمه فقد تباهت كثيرا بسرّ لم يستطع أن يفك رموزه لا في عينيه كما قالت أمه و لا في تجاعيد جبينه.
انشغل المؤلف في ردة فعل علي البديهية و غاص في خيبة أمل لاشعورية.
تملكه خوف لم يتبين مصدره و لم يفهم فحواه..
لم يخطر بباله أن الصور التي أخذها و سجلتها الكاميرا ستخرج باهتة.و بسرعة عاد إليه رشده و شعر بالارتياح.
فكرة ما قفزت إلى رأسه لتنقذه. انه يتأكد الآن من نجاح قراره و من صواب كاد أن يفقده. لقد وجد الرد على حيرة داخلية.ألم يغامر بالكتابة بالصورة بحثا عن الحقيقة؟ ألم يتعمد الاستغناء عن قلمه ليجرب.
أيهما الأصدق القلم أم الكاميرا؟
هاهي الكاميرا تشهد على نفسها و تؤكد عمق الزيف الذي تخدعنا به. ماذا لو ظهر المنشطون و المقدمون مرة بدون مساحيق؟
ماذا لو تثبتنا من الصور العديدة التي تأتينا من بلاد الحرب والاجتياح و من بلاد الاقتتال الأهلي؟.
***
استعان إبراهيم بسالم العساس لينصب خيمته تحت الزيتونة. خيمة خضراء جميلة و محلاة بصور عديدة كان أحد العاملين في إيطاليا تركها لإبراهيم بعد أن انقضى فصل الصيف.طلب سالم من إبراهيم أن يجعل باب الخيمة مقابلا للدكاكين.فرفض إبراهيم ان يقابل الريح الشمالية. ألح عليه صاحبه في الطلب فأجاب:
ـ أحيانا تعجبني أنانيتك المفضوحة.
قال سالم:
ـ ان برد الليالي البيض بدأ يزحف علينا و لا أتصور انك ستسعد ان تركتني وحيدا في مجابهته.
أنت تستغلني كثيرا يا صاحبي.
ـ أحيانا يكون المرء في حاجة إلى ناس يستغلونه و قد يصاب بخيبة إن اعرضوا على استغلاله.تماما كتلك المرأة التي تستفز الناس في الطريق و لا يقدم أحد على مغازلتها.و لكن يا ابريهم أريد أن اطرح عليك سؤالا فهل تجيبني بصدق؟
ـ و ما هو ؟
ـ لماذا لم تفكر في إعادة بناء منزلكم القديم ؟ على الأقل تستطيع أن تأوي إليه في الشتاء؟.
ـ أنا لا أخاف من إذاعة سري. سأقول لك و لتعلم انك محظوظ جدا لأنني أخبرتك بسر امتناعي عن إعادة بناء المنزل و لا يهمني ان أنت نشرته على حبل غسيلك المعلق بين القطبين.
ـ أشكرك على ثقتك فيّ.
ـ الأمر بسيط جدا يا سالم، أنا قررت أن اقضي حياتي هنا لأقول لأهل المدينة إنني أمارس حريتي رغما عن انف الجميع وسأبقى هنا لاستفزهم على الدوام و لأثير أسئلتهم ولأشمت في أحاسيسهم.
ـ و ما ذنبهم إن تهدم بيتكم و جرفه الماء ؟
ـ لم يساعدوا أبي على إخراج جثث إخوتي من تحت الأنقاض واكتفوا بالفرجة. تركوا أبي وحيدا يصارع إلى أن مات تعبا و كمدا. أبي لم يتمكن من البقاء ليحاسبهم .
ـ حسنا فعل و إلا ما الفائدة في عيشة بين أهل يكرهونه؟
ـ لو حاولوا مساعدته أو شاركوه محنته و لو بالمواساة لوجد فيهم بصيص أمل يبقيه حيا.
ـ لعلهم خافوا من خطر ما.
ـ من إزاحة الأنقاض؟
ـ ما كنت أعلم بهذا.
ـ أتريدني أن أحبهم وأحترمهم ؟ أتريدني أن اهديهم أرضي ليصنعوا منها قلبا جميلا لمدينتهم وقلوبهم موحشة؟ قل لي صراحة يا سالم ما الفائدة من تبييض وجوه الذئاب؟
ـ أنت تظلم نفسك و تظلمهم.
ـ بل أظلم نفسي و سأظل اظلمها لأرد عليهم ظلمهم وسأبقي على المنزل كومة من الحجارة ليظلوا طول حياتهم نادمين على أنانيتهم وفي ذلك خير عقاب لهم.
ـ إنهم يعتبرونك معقدا و غير متجانس مع نفسك.
ـ يسعدني أن يعتبروني مجنونا لأنني قادر على التحكم في نوبات جنوني أوزعها وأصنفها بوعي تام.
إبراهيم يتحكم في نوبات جنونه.لم يفهم سالم هذا الكلام ولكنه حضر محاكمة إبراهيم و كيف تلاعب بأسئلة القاضي فتأكد من انه مجنون حكيم يعرف متى يستخرج جنونه ومتى يخبئه. و يعرف متى يتكلم بحكمة و متى يخيط الكلام تطريزا لا يشك فيه عاقل واحد. الجنون إذن سلاح ذكي في يد العاقل. سأل سالم:
ـ و لماذا لا تردّ عليهم بتعقل؟
ـ نحن على اتفاق هم يتخذون من جنوني الوهمي شماعة يعلقون عليها خوفهم من ردود فعلي وأنا انخرطت في اللعبة وأعجبت بها وأتقنتها فصرت أالتجئ إليها سلاحا أخيرا في يدي. إنها لعبة المد والجزر.
ـ أنت هكذا إذن؟
ـ و ما الغرابة في ذلك؟
ـ أن تبوح به إلي و أنت تعرف حبل غسيلي.
ـ لن يصدقك احد بل سيتهمونك بالجنون.
ـ الآن اكتشف عبقريتك.
ـ الجنون يصيب الآخرين فقط ،هكذا يعتقد الناس.
***
شغل المؤلف الكاميرا فلاحظ أن الشريط لا يزال شاغرا. قرر أن يأخذ صورة شاملة للمدينة. مرّ على المقهى كالعادة فلم يجد سوى قلة من الرجال. شرب قهوته ومضى إلى دكان الحلاق محمود وأحنى رأسه له فقص له شعره الذي طال وغطى أذنيه. سلّم على خميس بائع الدجاج و ودعه بحرارة ولم ينس أن يشكره على موقفه الرجولي من الانتخابات. أخذ لقطة شاملة للشارع الأصلع الطويل وترك الكاميرا تمد عنقها إلى مكتب رئيس البلدية حيث ينعقد اجتماع هام.فأعضاء المجلس لا يحضرون جميعا إلا لأمر هام.
قال رئيس البلدية مفتتحا الاجتماع:
ــ اجتمعنا اليوم لنبت نهائيا في موضوع الساحة ونقرر بداية الأشغال.فأنتم على علم بحصول مجلسنا على ثلثي الأرض وسنقيم عليها ما وقع الاتفاق عليه.
ردّ رئيس لجنة البيئة:
ـ و هل سنقر بان ما سننجزه إنما هو القسط الأول فقط؟
ـ هذا ما أرجو الاتفاق عليه.أكد رئيس البلدية.
فأضاف رئيس لجنة البيئة:
لا بد أن نترك للمجلس البلدي القادم شيئا يفعله في هذا الموضوع. لا بد أن نترك له فرصة القيام بتهذيب القسط المتبقي.
ــ تدخل الكاتب العام:
ـ أنا أرى أن نعفيه من التورط في عمل قد يستحيل عليه إنجازه.
فعلق مهندس البلدية:
ـ طبعا أنت تريد أن تغلق باب الريح لأنك الوحيد الذي سيواصل العمل مع المجلس البلدي القادم أما نحن فمن يدري لعلنا لن ننتخب.
نبه رئيس البلدية إلى ضرورة الالتزام بمناقشة الموضوع الرئيسي دون إلقاء اللائمة على البعض.
ـ أنتم تعرفون أن إبراهيم رفض التنازل عن أرضه و هذا لا يعني أنه قد يفعل عكس ذلك مع المجلس القادم لذلك أرى أن نكتفي نحن بإنجاز ما نستطيع و دعوة المجلس القادم إلى الاشتغال والتعب والمواصلة.
قال رئيس لجنة البيئة :
ــ نحن خطونا الخطوة الأولى و نتمنى أن تتلوها خطوات أخرى وما على القادمين إلا أن يواصلوا.
سألت رئيسة لجنة الثقافة:
ـ ماذا تقرر ؟
أجابها الكاتب العام:
ـ جميعنا وافق على بناء نصب لزيتونة.
فقال مهندس البلدية:
ـ من سيتولى التصميم و الإنجاز؟
أجابه رئيس البلدية:
ـ لقد تم الاتفاق مع الفنان أحمد علاء.
ـ على أي أساس؟ هل قمنا بمناقصة؟
ـ شكليا فقط لأن احمد علاء من أبناء الجهة و قد اقترح علينا تكلفة بسيطة.
ـ أنا لا أعترض على أحمد علاء و لكن أناقش المسألة من حيث المبدأ و من وجهة نظر قانونية لا غير.
ـ لقد تحدثت مع السيد الوالي في هذه المسالة ولم يعترض على احمد علاء.
تدخل الكاتب العام لينهي الحديث الثنائي بين المهندس ورئيس البلدية:
.ـ أريد أن أوضح أن احمد علاء سيقوم بتصميم شكل الزيتونة الإسمنتية و مراحل جنيها و تبقى مهمة الإنجاز مفتوحة لمن يرغب و أظن أن السيد مهندس البلدية معني بالمشاركة.
فردّ مهندس البلدية:
ـ أفضل أن يتولى أحمد علاء التصميم والإنجاز معا.
فأضاف رئيس البلدية:
ـ نمرر إذن موافقتنا النهائية إلى السيد الوالي.
***
يدخل إبراهيم إلى قصر البلدية فيسال عن مكتب الكاتب العام فيصطحبه الحاجب مسرعا كمن يحمل خبرا سعيدا إلى مديره. فتح الباب من أمامه فدخل إبراهيم و طلب منه الكاتب العام أن يجلس وأمر له بقهوة فرفض إبراهيم ان يشرب شيئا. تكلم الكاتب العام مرحبا.
ـ هكذا يا سي إبراهيم لا تزور بلديتك أبدا.
ـ أبدا...أبدا
ـ هذا يعني ان لديك موقفا أو احترازا من أعضاء المجلس البلدي فعلام تلومهم؟.
ـ لا شيء..
ـ هل تكرههم و تناصبهم العداء؟
ـ شدّ على ذيل الموضوع...دعوتني بخصوص الزيتونة أليس كذلك ؟ و لكي لا أضيع وقتك أقول لك...
قاطعه الكاتب العام
ـ لا تحلف أرجوك بل اطلب ما تريد.
ـ أقول إنني قررت أن أبيع الزيتونة إلى البلدية بثمن.
قاطعه الكاتب العام ثانية:
ـ اطلب الثمن الذي تريد ...
ـ لا بد لنا من آلة حاسبة لضبط الحساب...
ـ خذها.. إنها أمامك .
ـ لا..لا..،قال إبراهيم،سأترك شرف الحساب لك . يكفي أن تتبع هذه الطريقة: تمنحني البلدية مليما واحدا في أول يوم من الشهر...ومليمين في اليوم الثاني وأربعة مليمات في اليوم الثالث وهكذا في صبيحة كل يوم تمنحني البلدية ضعف ما منحتني بالأمس إلى غاية آخر يوم من الشهر ذي الواحد والثلاثين يوما...لا تخف فأنا في كل صباح أعيد ما أخذته بالأمس و لا احتفظ إلا بالمقدار الذي أتسلمه في آخر يوم من الشهر ذي الواحد والثلاثين يوما...
انبهر الكاتب العام بحساب إبراهيم وأعجبه و ظن انه في نوبة جنونية فأراد أن ينتهز الفرصة و قاده إلى مكتب التعريف بالإمضاء ليسجل بيع الزيتونة بالمقدار الذي يتسلمه في آخر يوم من الشهر ذي الواحد و الثلاثين يوما فقط مع التنصيص على أن الحساب يبدأ بمليم واحد في أول يوم.
أمضى إبراهيم و عاد إلى زيتونته...
عاد الكاتب إلى مكتبه راقصا ثم مشى إلى مكتب رئيس البلدية فلم يجده.
مضى وقت طويل على الكاتب العام و هو يحتسب الثمن الذي طلبه إبراهيم مقابل زيتونة واحدة. رسم في البداية جدولا وسجل عليه اليوم الأول والثاني والثالث إلى غاية اليوم الأخير من الشهر ذي الواحد والثلاثين يوما وراح يكتب مقابل كل يوم المقدار بالمليم...
واصل العدّ وتواصلت ابتسامته إلى أن حل اليوم الثامن والعشرين فبدأت يده ترتعش وتثبت من الحساب مرة وأخرى ...رمى بالآلة الحاسبة وأشعل السيجارة الثالثة من الثانية قبل أن تنطفئ...
لعنك الله يا إبراهيم...فعلتها بي...
جرى إلى مكتب التعريف بالإمضاء ليتثبت من تسجيل البيع في الدفتر فلمح إمضاء إبراهيم مرفقا بختم البلدية. تسمر في مكانه.تذكر حكاية العالم الذي جلب لعبة الشطرنج من الهند وقدّمها إلى ملك الفرس وأوضح له طريقة لعبها فهام بها وأعجبته إلى حدّ الجنون وأراد مكافأته.
قال العالم:
ــ تمنحني يا أيها الملك العظيم حبة قمح واحدة في المربع الأول وحبتين في المربع الثاني وأربع حبات في الثالث وثماني حبات في الرابع و هكذا دواليك إلى المربع الرابع والستين.
استصغر الملك هذا القدر البسيط من المكافأة وطلب من العالم ان يختار هدية من الذهب تكون في قيمة إضافاته للعبة. لكن العالم أصر فقال له الملك:
ــ لك ما طلبت.
وأمر بتلبية رغبة العالم وجند بعضا من رجاله للحساب بدؤوا بعدّ الحبات حبة حبة ثم التجؤوا إلى الكيل باللترات لترا فلترا ثم بالقنطار ولم يتعدوا بعد المربع الواحد والثلاثين.جمعوا ما في المخازن من قمح وكالوه ولم يتعدوا المربع الخامس والخمسين. إلى ان أتوا على المحاصيل كلها فنصبوها أكواما وأكداسا في ساحة القصر.
وعادوا ليعلموا الملك ان الصابة لم تكف للمكافأة. وانه أخطأ في تقديره. استدعى الملك العالم واعتذر له ورجاه ان يمهله عاما آخر ليقتطع له من الصابة القادمة ما تبقى دينا على عنقه. وعندما اعلمه مخترع اللعبة ان الصابة القادمة قد لا تكفي أصابته الدهشة و بقي واجما شاكرا معترفا...
مضى وقت والكاتب العام يحسب ويثبت الحساب أمامه ثم مزّق ورقة الحساب ورمى بالحاسبة فكسرها...سحب ورقة بيضاء خطّ فيها استقالته وأمضى وترك مكتبه مفتوحا وخرج باحثا عن إبراهيم.
***
امتد عنق الكاميرا إلى داخل مكتب الوالي حيث يجلس الأشهب ورئيس البلدية.
بادر رئيس البلدية محدثيه بالكلام:
ـ اعرض عليكما شكلا مصغرا للقسط الأول من الساحة الذي صممه احمد علاء.
سأل الأشهب:
ـ وماذا صمم؟
ـ جسّد عملية جني الزيتون رمزا لحضارة أجدادنا ومنبع ثروتنا ووصية آبائنا وقد أبدع في رسم ذلك.
سأل الوالي بدوره:
ـ من أية مادة تتكون عناصر الشكل؟
ـ الزيتونة ستصنع من الإسمنت والبقية من البلاستيك وبعض المواد الأخرى.
فعلق الأشهب:
ـ التأكيد على الأصالة مهم ولكن عنصر الجمالية هو المحدد الأول والأخير لقيمة العمل.
وأضاف رئيس البلدية:
ـ أما الجزء المتبقي فسيكون مساحة خضراء.
قال الوالي:
ـ وماذا عن القسط المتبقي؟
ـ إبراهيم يرفض دائما.
ـ لا بد أن نحاول معه مرة وأخرى لعلنا نظفر منه بلحظة انشراح فيوافق.اقترح الوالي.
ـ لا أستطيع أن أحاوره في أي موضوع.
ـ سأبعث في طلبه الآن.
ضغط الوالي على زر أمامه وأمر الحاجب أن يستقدم إبراهيم في الحال.
عاد الأشهب ليبدي رأيا آخر:
ـ في اعتقادي أن الاكتفاء بثلثي الساحة لن يفيد في تجميل المكان فالعين تنظر دائما إلى الشيء القبيح وبالتالي فان التباين سيكون شديدا وملفتا للنظر وقد يثير الانتقاد أيضا.
فقال رئيس البلدية:
ـ فكرنا في هذه المسألة وتركنا للانتقاد ان يفيدنا.
علق الوالي:
ــ لم افهم.
ـ عندما يكثر انتقاد الناس ويدركون أن العقدة وحلها في يد إبراهيم سيفكرون في كيفية الحصول على الثلث المتبقي وسيكون المجلس البلدي بريئا وخارجا عن اللعبة لتحل المجموعة محله وتحاول الضغط على إبراهيم.
ـ وهل تثق في هذه الطريقة؟
ـ هي طريقة على أية حال ولا نملك غيرها.
ـ وما رأي الأشهب؟
ـ أظن أن المجلس البلدي يراهن على رغبة قد تصدر أو لا تصدر من المواطنين. يريد المجلس أن يصنع الحاجة ويدفع المواطنين إلى التعبير عنها. أنا لا أتحمس عادة إلى هذا الشكل من الرغبات لأنني اعتقد أن الحاجة تتولد في الإنسان بعفوية عندها يصبح البحث عن تلبيتها دافعا حقيقيا.
يطرق الحاجب الباب ويدخل إبراهيم. فيبادره الوالي:
ـ تفضل يا إبراهيم.
ردّ إبراهيم:
ـ أعتقد أنني مدعو مرة أخرى إلى التنازل عن أرضي.
ـ ننتظر أن تقول العدالة كلمتها.ألا تثقون في حكمها؟
ـ كيف لا نثق فيها ونحن التجأنا إليها ولكن الوقت يأكل من أعصابنا فنحن سنشرع عن قريب في تهذيب الساحة ونريد أن نستشيرك في الشكل العام الذي ستكون عليه بعد تهيئتها طبعا.
ـ أنا إنسان لا يعول على رأيه. خاصة عندما يتعلق الأمر بشأن جماعي أو بمنظر مدينة.
تدخل رئيس البلدية:
ـ لماذا؟ ألست مواطنا من المدينة؟
ـ المواطنة أكبر من مجرد الانتساب وأكبر من إصدار الأوامر. المواطنة تقتضي أولا أن تسمعني قبل أن تأمرني ثم تأمرني بما أنا قادر على فعله.
ـ لم تجبني على سؤالي يا إبراهيم.
ـ سيدي الوالي، لا ينظر الناس جميعا إلى الشيء الجميل بنفس العين. أنا مثلا أحب الفوضى. أحب الشيء الغريب وأحب النشاز في محيطي وأحب التباين الذي قد يخلقه نصب أو هيكل بالقرب من زيتونتي وها انني نصبت خيمة صغيرة قد يزيد قصرها وصغرها في إبراز ضخامة النصب وعلوّه.فاكون قد ساعدتكم على تجميل الساحة.
علق رئيس البلدية:
ـ ولكننا قررنا أن نبني في المكان تمثالا لزيتونة فهل يعقل أن نبنيه بالقرب من زيتونة إبراهيم؟
ـ هل تعي يا سيدي الوالي؟ إن المجلس البلدي قرر أن يبني هيكلا لزيتونة من الإسمنت.أعيد على مسامعكم إنها زيتونة من الإسمنت الأسود المغبر.
قال رئيس البلدية:
ــ وذلك تأكيدا على قيمة الزيتونة في حضارتنا وأهميتها في حياتنا.أضاف رئيس البلدية.
فردّ إبراهيم:
ـ لا أحد ينكر ما تقول ولكن أن نقتل زيتونة حية ونثبت في مكانها زيتونة إسمنتية فهذا غير معقول. من يسمح لنفسه أن يقتلع حضارتي التي تتحرك وتنمو وتصارع الريح وتنتج وتحيا وتحس وتتألم وتبتسم وتثمر فنجني ثمارها لنجعل مكانها جثة لزيتونة باردة بلا روح ولا ريح ولا حركة.
غريب أمركم أيها السادة وأغرب منه أن تطلبوا مني مشاركتكم في هذه الجريمة.
أنا لست عاقا لاغتال أجدادي ولست عاقلا لأناور في السياسة. سأعود إلى زيتونتي لنحتفل بموتنا سويا ولنطلب منكم أن تدفنونا معا في الساحة ودعوا الزائرين والمارّين وحتى الأجيال القادمة يتفرجون على قبرنا. سيكون قبرا جميلا لا شك وغريبا أيضا فهو سيضم رجلا يحتضن زيتونة. ستسعدون جميعا بقتل الزيتونة وستفرحون بموتنا وتزدان مدينتكم بضلوعنا بعد أن يجردها الدود من هذا اللحم القليل.
لم يصبر الأشهب عن الكلام:
ـ لا تهتم يا إبراهيم ولا تغتم. نحن هنا لنستشيرك ولن نزين وجوهنا بجراح الآخرين.
ـ ما رأي سيدي الوالي؟ سأل رئيس البلدية.
في تلك الأثناء كان الوالي بعيدا جدا عن الرد على سؤال رئيس البلدية...كأنّ كلام إبراهيم قد خدّره أو كأنّه يعود من غيبوبة...انه لا يزال مترنحا، شارد الذهن.
صدمة ما أصابته في العمق فبعثرت أفكاره وأفقدته ملكة التركيز...
انه يدور في المكتب و لا يستطيع أن يجد فيه مكانا يثبّت عليه قدميه.ينظر في الرفوف كمن يبحث على كتاب نسي اسمه واسم مؤلفه...يستقر نظره على الأشهب ..يحاول الأشهب أن يتحاشى هذه النظرات الغريبة التي لم يألفها عند الوالي منذ أن كان تلميذا بين يديه ...و لعل ارتباك الأشهب من نظرات الوالي قد عجل في إعادة الحديث في المكتب.
نطق الوالي:
ـ بماذا تنصحني يا أستاذي يا سيدي عمران الأشهب؟
كان إبراهيم قد تأهب للخروج وشارف الباب إلا انه توقف فجأة واستدار إلى الخلف فالوالي ينادي الأشهب مناداة كاملة واضحة فصيحة...
انتفض رئيس البلدية وارتج رأسه فنهض وعاد ليلطخ جسمه على الكرسي أما الأشهب فعض على قلبه وشفتيه وتمتم دعاء في سره وبقي متشبثا بخوفه ولم يجب.
وقف الوالي في مواجهة الجميع. ترك كفيه تنبسطان ثم تسقطان من مستوى الذقن وتحطان على فخذيه.
ـ عفوا يا جماعة أنا لا أستطيع أن أتغافل عن رأي أستاذي الأشهب الذي درّسني لسنين عديدة وعلمني ألا أتسرّع في اخذ القرارات. أنا ألح عليه أن...
قصّ الأشهب حديث الوالي فتدخّل:
ـ يا سيدي الوالي، من الأفضل أن نعيد النظر في مستقبل الساحة وأن نعتمد على عقول نظيفة تحفظ أيدينا من الاتساخ.
صاح إبراهيم رافعا شارة الانتصار:
ـ حفظك الله يا شيخ ..كم تمنيت أن أتعلم على يديك! حفظك الله فلماذا لم تترشح إلى مجلس الأمة؟
ــ يا إبراهيم يا ابني...
قاطعه إبراهيم:
ــ لو ترشحت كنت أهديتك الزيتونة لأنك تستأهلها...لكن فات الأوان فأنا أمضيت عقد البيع و لم أتسلم ثمنها إلى اليوم و لذلك...
سأل الوالي:
ــ لمن بعت زيتونتك يا إبراهيم؟
أجاب إبراهيم
ــ للبلدية طبعا وأرجوك يا سيدي الوالي أن تأمر رئيس البلدية بدفع الثمن حتى أفسح لكم المجال.
استدار رئيس البلدية ليهرب من نظرات الوالي... احمرّ وجهه خجلا لكن الوالي ظلّ يحرجه بانتظار الإجابة ولم يجد رئيس البلدية مخرجا فقال:
ــ سيدي الوالي، نحن في ورطة فعلا، لقد أخطأ الكاتب العام في تقدير الثمن الذي ستدفعه البلدية لإبراهيم مقابل الزيتونة وقد قدّم استقالته من عمله لكني لم اقبل هذه الاستقالة...المشكلة أن العقد الذي أمضاه الكاتب العام وإبراهيم يقدّر ثمن الزيتونة بما يفوق المليون دينارا. فهل يعقل أن تباع زيتونة واحدة بهذا الثمن؟
علق إبراهيم:
ــ أنا لم اطرق بابا واحدا بحثا عن الشاري.
ظل الوالي يدور حول نفسه في حيرة من أمره فحتى الأشهب لم يقل كلمة تخفف عنه حيرته وظل بدوره ينظر بدهشة إلى ما يجري من حوله. انفجر الوالي وتوجه إلى رئيس البلدية:
ــ كان على المجلس البلدي أن يستقيل بكل أعضائه أما إبراهيم فقد برهن على انه اعقل الناس رغم الظلم الذي عاناه من أهله وكان يمكن ان يتبرع بأرضه لو تصرف أهل المدينة مع أبيه بمحبة وروح عطاء. هل نطلب منه أن يعطي أملاكه وأنتم ضننتم عليه بكلمة مواساة...لقد قتلتم فيه حب العطاء ومعنى المواطنة ...ان موقفه عادي جدا و انتم دفعتموه إلى كره المدينة كرها مقيتا ...سامحنا يا إبراهيم على ما سببه لك أهل المدينة من وجع و ألم وتشرّد...سامحنا يا إبراهيم.
خاف الأشهب على هيبة الوالي وقد لاحظ تأثره العميق بحالة إبراهيم الذي أجهش بالبكاء فتدخّل:
ــ سامحني يا إبراهيم لم احضر يوم الواقعة...وها أنا اعتذر لك عن تغيبي...كان بالإمكان أن ...
قاطعه إبراهيم والغصة تملا حلقه:
ــ لو كنت حاضرا يا شيخ لدفعت الناس دفعا إلى مساعدة أبي ولكن ...لماذا لم تطلب مني مباشرة أن أتبرع بزيتونتي؟ لماذا يا شيخ وأنت تعلم حقا إنني لا ارفض لك طلبا.
ــ لا أريد ان أحرجك يا إبراهيم.
أضاف إبراهيم:
ــ أما الآن وقد علمت ان السيد الوالي قد تتلمذ على يديك فانني أتنازل له عن كل ممتلكاتي...هل رضيت يا سيدي الوالي؟ خذ حتى منزلنا المهدم وافعل به وبي ما تشاء ...دعني أشارك في البناء ...دعني احفر وابني واجلب الماء...انا قادر على كل عمل فكلفني بما تريد ...
في تلك الأثناء كان رئيس البلدية قد غادر المكتب في صمت ودون استئذان.لم ينتبه الوالي إلى انسحابه فقد اختلط عليه الأمر بين رئيس البلدية وبين سالم البرادعي عضو مجلس الأمة المنتخب الذي أدخله الحاجب إلي المكتب. صافح سالم البرادعي الجمع وهمس إلى الوالي وهو يعرض عليه قائمة من الأسماء:
ــ انظر يا سيدي الوالي، هذه عريضة استجلبتها من المجلس... يطالب فيها أصحابها بعدم إنشاء معهد عال في المدينة. فضلت أن أسلمك نسخة منها قبل أن تصل إلى الحكومة.
لم يصدق الوالي ما ورد في أعلى العريضة وراح يقرؤها بانتباه ويتعرف على الأسماء والإمضاءات ثم سأل البرادعي:
ــ هل أمضى الأسعد البحري؟
تدخل الأشهب:
ــ لا أعتقد ذلك فهو ذكي ...
سأل إبراهيم بدوره:
ــ هل أنا موجود في هذه القائمة؟
أجاب البرادعي:
ــ طبعا أول الممرضين وعلى راس الرافضين للمعهد الأعلى.
ــ أبدا، صاح إبراهيم، اقسم لكم إنني لم امض على أية ورقة.
ــ غريب ...قال الوالي، عليّ بكشف المتستّر والسّر.
ــ لا اعتقد أن أمرا في مثل هذه الأهمية قد فات الأسعد البحري.قال البرادعي.
فأضاف الأشهب:
ــ لذلك لم يمض على هذه العريضة.
التفت الوالي إلى الأشهب:
ــ أتمنى ان نعيد النظر في كل شيء يا سيدي الأشهب.
و قال الأشهب:
ــ لقد جربت و عليك اليوم ان تتبين نتيجة التجارب.
و أضاف الوالي:
ــ لقد ركزت على تهذيب الساحة الوسطى و على تهيئة الشواطئ وإصلاح السبخة و كان عليّ أن أركز على تغيير سلوك الناس وتهيئة عقولهم أليس كذلك يا الأشهب؟
ــ لم نخسر شيئا.
ــ أريد أن أرى الدكتور احمد علاء.وبقية المهندسين قال الوالي....
مشهد مفتوح
خرجت ابنته الصغرى لاستقباله.قبّلته و دخل فقبّل زوجته وابنيه وبنته الكبرى و جلس ليسترد بعض الأنفاس. مدّ يده إلى الحقيبة ونادى على الأطفال باسمهم واحدا واحدا و سلم لكل منهم هديته. لم ينس زوجته هذه المرة. خيم صمت على المنزل. الأطفال ينظرون وينتظرون. تفطن مؤلف هذه الرواية إلى أنّ ابنته الصغرى قد همّت بالكلام..فهم من نظرتها المتوجّسة أنها تود أن تطرح عليه أسئلة عديدة...لم تتغير هذه البنت تعرف متى تمرّر الطلبات المحرجة. قام و أوصل الكاميرا بالتلفاز الجديد و شغلهما و راح يقصّ عليهم ويشرح لهم طريقة الكتابة بالصوت و الصورة. تسمر الأطفال كما يتسمرون دائما أمام التلفاز. أنهى الشريط الأخير و بدت على الشاشة تلك الخطوط البيضاء التي تدل عادة على نهاية الإرسال وخيّم الصمت ثانية. أكد لهم انه كان مرغما على الكتابة بشكل جديد قد يرضي الناس و يعيدهم إلى تناول إبداعه. شعر بأنه لم يستطع إقناعهم فعاد ليؤكد انه بصدد القيام بتجربة و لن يخسر شيئا إذا لم تنجح التجربة
و انه يستطيع أن يتراجع عنها في أي وقت.
انفلتت عقدة الألسن و تكلم الأطفال تباعا ثم انهالوا عليه بوابل من الأسئلة.
ـ ألم تقل إن الأدب رسالة و إن الصور التي يروجها أعداء امتنا كذابة و مركبة و متآمرة ؟
ـ أنا أشك في انك نقلت الحقيقة من المدينة.
ـ الصورة التي ألّفتْها أصابعك ينقصها الإحساس بذاتك.
ـ لماذا فصلت ما بين الجسد و الرّوح؟.
ـ .....؟
و قالت الزوجة: اعرف انك تكتب بماء الروح على رخام الجسد وانك تحبني كما تحب الكتابة آخر الليل.