
فوق أعمدة الرّماد
النّاشر:
الطبعة الأولى، تونس، 2024
الترقيم الدولي للكتاب
978-9938-866-56-8
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
لم يقف النّقّاد القدامى ولا المحدثون على تعريف واحد للشعر، وربّما أخطأ جميعهم فيما ذهبوا إليه، فما الشّعر كلا م موزون ولا هو يكتفي بأن يدلّ على معنى، ولا هو منظوم ولا معقود ولا مقفّى، وقد يكون خليطا من كلّ هذا أو أكبر، لذلك تعدّدت التعريفات بين العلمي والمجازي وبين المحسوس والملموس وبين الكيميائي والسيميائي وبين الذاتي والموضوعي، فالشّعر فنّ يمارس داخل اللّغة وبعضه يولد من النّثر، ومن هنا كان تعريفه عصيّا.
وقد سبق أن قدّمنا في مقال منفصل تعريفا رأينا فيه إجابة رصينة وموضوعية لسؤال: ما هو الشعر؟ ولا أدعي أنني سأنهي المسالة بجرّة المشرط فأشرّح وأشرح معنى كلمة شعر، ولكنني اعتمدت على العنصرين الأساسيين في الكلمة: الكيمياء والسّيمياء أو الدّال والمدلول والقاصد والمقصود واللفظ والمعنى.
إن لكلمة شعر سحرا خفيّا لا يدركه الا القليل من النّاس. وسرّها أنها تحمل في باطنها معناها فهي مكوّنة من ثلاثة حروف: الشّين والعين والرّاء. وقد تكون الصّدفة تكرّمت عليّ بتحليل مقنع يغني عن كثير من التّعريفات.
فحرف الشّين يحيل على الشّعور بمظاهره الثلاثة (الإدراك والنّزوع والوجدان) والشّعور مرتبط بالقلب، وحرف العين يحيل على العبارة وهي مرتبطة بالذاكرة، نحفظ فيها ما نتعلّمه من لغة، وأما حرف الرّاء فيحيل على الرؤية وهي كلام العقل الذي يرى ويزن ويفكّر.
وعلى الشّاعر أن يحسن اختيار العبارة ويصدق في ترجمة مشاعره ويصيب الفكرة التي رغب في ايصالها معبّرا عن رأيه.
فالشّعر اذن يولد من الاحساس واللّغة والعقل ويبقى الايقاع عصبا يشدّ العناصر الى بعضها لتكون الصّورة الشعرية أجمل وليكون تقبّلها أحلى.
الموت حالة يتوقف فيها الجسم نهائيا عن الحياة.
ولأنّ الإنسان كائن خوّاف، يرعبه الموت بما يخفيه من ضبابية المصير، فإنه فكّر كثيرا في الأمر وانتهى إلى اختلاق عدة أساطير ليضمن من خلالها الخلود المطلق. ولأنّ التّفكير في الموت يجعل الحياة في نظر الشّعراء مجرّد عبث فهم يكتبون الشّعر على شواهد قبورهم.
يمرّ قطار التّاريخ بمحطّات جغرافية عديدة بينما تستمرّ السّكّة في اتّجاه المطلق.
محطّة قرطاج ظلّت تموت ثم تُبعث من جديد وكأنّ شيئا لم يكنْ...
أيُّ شَعبٍ سيختارُه الله للثّورةِ القادمةْ؟
الذي كان ينْتزعُ الفرصة المستحيل؟
الذي كان يقتطعُ اللّحظة الحاسمةْ؟
الفريسةُ أثخنها الحِقْدُ خرَّتْ
إذنْ
فعلى الله أن يصْطفي من يشاء
على تاجِ هذي البلاد
ـ زلزلتِ الثورةُ أقدامَهاـ
حلّ يومُ النّفور لِقوْسِ فَرَحْ؟
أنْبَتَ القوسُ ريشاتِه ...
واسْتباحَ الكِتابُ مَجَازاتِه
وتدبَّرَ في اللّيلِ أَمْرَ المَعاني
الأسَاطِيرُ عدوى،
الصّناديقُ طارت نُعوشٌا،
شعبُ تونس إذْ يتناسَل من بيْنِ جنْبيهِ
دُودٌ حقُود
صار شعبًا
كما حفْنةٌ من غُبارٍ
العَواصفُ تعْرِفُ
كيف تُجنّدُ فرْسانَها
وتُربّي الثَّعابين للرّقْصِ في النّارِ
هي النّار موْعُودَةٌ بالرّمَادِ
لِتَمْسُدَ من فوْقِه الرّيحَ
حتّى تَلِينَ
أمَا قيل إنّ الفصولَ يُؤثثها الانفجارُ
وإنّ الشِّتاءَ إذا ما قسَا
سوْف تَخلعُه الرِّيحُ قبل ربيعِ العربْ
للمَساكِين حِصَّتُهم ....
........من فُصولِ النّفاقِ
وللشّهَداءِ ....
نصيبٌ منَ الموْتِ يَأتِي على غَفْلةٍ
من مضِيقِ الزُّجَاجةِ
ـ قَسْرًاـ بكسْرِ الأصَابعِ
ماذا نُسمّي الجراحَ
إذا نَزفتْ لوْنَها؟
ثم ماذا نُسمّي السّماءَ
إذا لم تكنْ تحتها شفةُ الأرضِ
حتى تُقبِّلَها؟
يولَدُ الحلْمُ في أُفُق النّاس
وهْمًا على ظَهْرِ سبّابةٍ
تتغيّرُ أكْفانُها مثلما يشْتهي الانْتِخاب
(لا يَتغيَّرُ جسمٌ إذا لم يُغيّرْهُ صاحبُهُ)
ثم لا يتَغيّر طبْعُ القَطيعِ
إذا لم يُعَلِّمْه كلْبُ الرّعايةِ
كيف يُلاعبُ ذيْلَ الرّضا
الأناملُ توَّابةٌ
تتقَاذَفُ أحْجَارَ سِبْحَتها
لتُخَاتِلَ عفْو الإله
هو الله يعْرفُ، مثل العواصِفِ، كم يتبَقّى
إلى النّاسِ من وَطنٍ
وهو يعْرفُ أن أبْوابَ قرْطَاجَ
كمْ راقصتها الفتنْ
فلماذا إذنْ
ولمُدّةِ خَمْسِينَ جِيلا
سنحْملُ أوْزارَ فِتْنتِهم
ونُعوشَ الفضائح، كالموت، من فوْقِ أعْناقِنا؟
يا ربُّ،
قد شبِع الموتُ منّا
وعشْنا على فتنٍ شائعاتٍ
فهل سوْف يُمْهِلُنا
لنصَارِحَ أيّامَنا البَاقياتْ
ونحُطَّ على الأرْضِ أقْدامَنا؟
يا ربُّ هذه أرْضُك
كيفَ رميْتَ إلى عرْشِها......
ملكَ الدّودِ
حتى تَعرّتْ هشَاشَتُها للغُزاة؟
أجبْنا... فنحْن نُحبُّك مثل البلادِ
ولم نحتملْ أن تشقَّ الأصَابعُ حنّاءَها
في الضَّبابِ
وقرْطاج لا ترْجُمُ الغَيْبَ
لكنّها تبْتَني قوْسَها
من رموشِ السّحابِ
الموت نوعان: موت يبكيك فيه الأهل وموت تبكي فيه نفسك وأقسى. من كلّ هذا، أن تموت في وطن لا تملك منه موضِعَ قبر ولكنّك تموت عشقا فيه.
كافِرُون، أعُوذُ بربِّي
من الشّرّ إذ يتَطايرُ منْهم
وهُمْ في الطّريـ ـ ـ ـ ـــقِ إلى المَقبَرة
يتغَيّرُ وقْعُ الخُطى والدُّعاءْ
كلّما اقتَربُوا، زاحفين، من المقْبَرةْ
.... كأنهُم اللّاحِقُونَ بِلا سَابِقِين
تغيَّر وقْعُ الخُطى خَبَبًا ثمّ رَكْضًا
فَجَرْيًا وصار نشازًا
بلا قافيةْ...... هَؤلاءِ ......
يقُودون الميْتَ إلى مقْبرةٍ مهْجُورَةْ
يمْشُون على مضَضٍ
في صمتْ، مرّ الوقتْ
والمقبرةُ المهجورةُ تبْعُد أكثَر
أكثَر...أكْثَرْ
فكأنَّ المقْبرةَ المهْجورَة تهربُ
من أرضٍ قدّامَ النّاس ولا تتعثّرْ
والنّاسُ المتّهمون
تعِبُوا من ثِقلِ النّعْشِ
الرّكبُ الحاملُ يمشي
قال شقيٌّ لَمْ يَتَدَبَّرْ مَوْتَهُ بَعْدُ:
جنازُتكم بائِسةٌ
سيّدُها، هذا، كان المَوْت يُصَافِيه
وينادِمُه، كان يعيشُ وحيدًا
لا وطنٌ يؤْوِيه
ظلّ يعمّرُ مقْبَرَةَ الأغرَاب
ولم يجِدِ القبْرَ فماتْ
عـــــــــرس النـــــــار
جئنا على وقْعِ الفجيعةِ
نَقْتفي حَجرًا
يدُلّ السّائرين على الجِدارْ
الماءُ شَقَّ التّيهَ من زمنٍ
ليسْألَ عن مدار
فجأةً، طارَ الجِدارْ ...
تشرّبَ الحَجرُ الأصمُّ ظلالَه
لا وقْتَ للماءِ الذي
قدْ خانَ نبْعَه...
كيْ يعودَ إلى السّماءِ
لا وقْتَ للبحْرِ الذي ابْتلعَ الرّياحَ
لكيْ يُبلّلَ رمْلَنا
النّارُ تسْتبقُ الخيانةَ كي تفُوزَ بجَمْرِها
والنّارُ أعْطتْنا احْتمالاً للحَريقْ
عشْرين عامًا
والبلادُ تُعِدُّ عُرْسَ النّار
من قشّ الغريقْ
عشْرين عامًا
ثم أكثرَ في المَضيقْ
ها قدْ كبُرْنا
ها قدْ هَرْمْنا
قبل أن نجِدَ الطّريقْ
***
يا بحرُ شِبْنا في اخْتبارِ النّوءِ
ذوَّبْنا ثُلوجَ العُمْر
ذوِّبْ شيْبَنا كفنًا لِخَوفِكَ وانتصِرْ
خُذْ قطرةً يا بحرُ، تكفي،
لتفيضَ كأْسُ الغُبن قولا:
من حجْرة سُحِبَتْ......سَقَط الجِدارْ
من قطْرةٍ سُكبتْ......فاضتْ بحار
من زهرةٍ سُحقَتْ
تناسلتِ النّيرانُ في جَسدِ الشّهيد
تساقط الذّئبُ المُهيّأ للفرارْ
هدأَ الجدارْ
لكن هرِمْنا
قبل أن نَجدَ المَسارْ
***
قُلنا لأطْفَالِ الشّوارعِ
لا تكُونُوا مِثلنا
إنّا هَرِمْنا ...كي نُعدَّ شبابَكم
إنّا هُزِمْنا... كي نَمدَّ رِكابَكم
كنّا نرَاقصُها الحقولَ لترتَوي
ونعدّ جالبةَ المطرْ
ونراودُ الصّيفَ الذي يأتي عنِيدا
كيْ يَحنّ على السّحاب
كنا تلمّسنا البدايةَ في الضّباب
ونحسبُ الأيّامَ قد تأتي بنصْرٍ
من دُعاءِ الواقفين على الهِضاب
كنّا على وشَكِ الهِوايةِ
من بين أجْنحةِ الغراب
خِفْنا،
تشبّثْنا بمنقارِ الغُرابِ ليسْتَوي
لكن هرمْنا
قبْل أن نطأ التُّراب
***
كنّا على شبَحِ الأمانةِ
متُّمْ ... على نَغَمِ الخيانةُ
نطقَ الصبيُّ
وقد رأى في الكفِّ دربًا
سوف يأتيهِ الشّباب
والذّئبُ يحرُسُ جّبْنكم
...لا لم نصدّقْـ (هُم) ولكنْ...
سقط الذّراعُ من الصّوابِ
إنّا هُزمْنا
ثم خِفْنا
أن يجيءَ بكُمْ
زمنُ الضّبابِ إلى السّرَاب
أن يسيرَ بكم
زمنُ الحجاب إلى النّقاب
حدّث شاعر شاعرا آخر بعد أن تعلّم كيف يمكن أن يعيش خارج الوطن قال:
ـ أفضّل أن أودّع البلاد وأنا حيّ على أن تودّعني وأنا ميت.
قال: الموت وحده يزيحنا فيريحنا من حمل الأثقال.
----
سَوّيْتُ أَحْزِمتي
لأنْسِفَ ما تبقَّى من خُيوطِ العنْكبُوت
فهلْ تُصدِّقُني
ليَوْمٍ واحدٍ
إنّي...وحقِّ آلهةِ القصِيدةِ
ما اتّبعْتُ وما تعبْتُ وإنَّما
أخشَى إذا خُنْتُ القصيدَةَ
أنْ أموت
دعْنِي إذنْ
وأزحْ رُخامَك من فَمي
تعِبَ الكلامُ من الوُقوفِ على الذُّرى
وأضعْتُ منّي إبْرَةَ التّطْريزِ
في طولِ الخُيوط
دعْني إذن
واسْحَبْ ظلالَكَ من دمِي
اهترأتْ جِراحي كلُّها
ويئِسْتُ من ذِكْرِ البلادِ
بلا نُعُوت
إنّي سأترُكُها البلادَ
أقَشِّرُ الذّكْرى على أبْوابِها
وأعلِّمُ الشّعْرَ الذي
كم عاشَ يرْفَعُ ظِلّها
.... ليُذِلّها
سيقولُ كنّا ربّما
نارًا على حَطَبٍ طريٍّ
ربّما رُوحًا على جسَدٍ عصِيٍّ
ربّما نَجمًا تعجّلَ في السّقُوطْ
إنّي سأتركُها البلادَ
ولن أموتْ
وأقولُ: كنّا
دُمْيَةَ الأزْرارِ
أو من غفلةٍ للنّارِ
صرْنا صفْحَةَ النّيْلونِ جعَّدنا السّكوت
إنّا سنترُكها البلادَ
ولن نموت
إنّا سنتركُها لمن يلاعبُ شكْلَها
ولمن يُقلّمُ نخْلها
ولمنْ يجفِّفُ عطْرها
ولمنْ يخفِّفُ وِزْرَها
ولمن، لِمنْ شنَقَ البحارَ
على جدائلِ حِبْرِها
إنّا سنترُكها لهمْ
فلَهُمْ جنودُ اللّيلِ
والنّمْلُ الذي يأتي من الصّدفِ الجميلةِ
في سنين الجدبِ
من سوسِ الهرمْ
إنّا سنتركها لهُم
لهُم... أن يصنعوا شعبًا ليرْفعَهم
لهم...أن يبدِعُوا شِعرًا لينْفعَهم
لهم كلّ العتاد
قلنا فما رَجَع الصّدى
دُفِنَ الشّهيدُ على الشّهيدِ
على الشّهيد على الزِّناد
تحْيا البلاد
تحيا الأساطيرُ، الخرافاتُ، الطّوائفُ
........................والفِتنْ
يحيا الوطنْ
يحيا الذي يمشي إلى موتٍ
على كفنٍ سواد
تحيا البلاد
يحيا الذي يبقى أميرًا
فوق أعْمدة الرّماد
تحيا البلاد
إنّا سنترُكها لهُ
لِنمرَّ مثل العائدين من الحروبِ
بلا نشيد
ونفرّ بالبلدِ المخبَّئ ِ
في الوريد ...إلى القصيد
2013
هل يكون الموت ظلا للوحدة؟
صحْراءُ لا عُودَ فيها
يُظلِّلُها
يتخبَّطُ في بطْنها النّفْطُ
لا النّبْضُ يدفعُه لا الشّرايينُ تمْتصُّ
ماءَ الضّلوع
صَحراءُ من وجعٍ
تُرْقِصُ الحُزنَ في دَمِنا ...وتــــــــجوعُ ....
مع الزَّمنِ الزّفتِ حتْما تجوع
لتأكُلَ أطفالَها
ــ لا كما القطّةُ خوْفًا عليهم ــ
ولكنّها النّارُ
إنْ جاعتِ النَّار تأكُل أحْطابَها،
ما تبقّى من الجَمْرِ أيضًا
وتجترُّ ما يتَناثرُ من لَهبٍ
وتلاطفُ حمّى الرَّمادِ
بملحِ الدّموع
اعتصرْنا على الشّمسِ شهْدَةَ دمعاتنا
ثمّ صحْنا على غيمةِ الماء عودي
إلى اللّحظةِ الصّفْرِ
لا بدّ للماءِ من فرصةٍ للطّلوع
صبّي ثريّاكِ عشْقًا لتونسَ
نحنُ نزفْنا ولم يتبقّ
إلى السّحُبِ المثقلاتِ
...سوى قصب لا يظلّلُ قامتَه
صارَ يمشي كمفتتنٍ
بانْكِسارِ الظّلالِ على قدمٍ واحدهْ
أو كمرتبِكِ الخطواتِ
فعودي ليمتدَّ ظلُّ البلادِ بدون انْكسارٍ
2012
لا نستطيع أن نشكر الموت وإن ذهب بعدوّنا.
فالخرفان فقط تفرح بموت الذئب ...
لكنه كلما اختطف منا عزيزا ازدادت حسرتنا عليه
إليك أيها الشهيد المحبّ للسّلم،
........
لذَّةُ المَوْتِ أن "نَقْتَفِيهِ" فُرَادَى...
أوْمَأ للرُّوحِ أنْ ترْتَدِي ضَوْءَ عُمْره
فارتَدّ منْها الضِّياء
سوّتِ الرُّوحُ أجْنحةَ السّفرِ السّرْمَديِّ
رأيْنا خُطاه تُفتْفِتُ
أشْلاءَه
وتشقّ غبارَ المجرّات
والدّرْبَ
.... ينْشقُّ من .......وقْـــــــعِـ .. هــــا
رأيْنَاه لمّا
تَسلّقَ خوفَ المَسالِكِ رَكْضًا على الهُدْبِ
حتى.... اسْتوَى
ثمّ سوّى لعَرشِه ممْلكةً
وبنَى خيْمةً للمُرِيدين
جئْنا
على قابِ قوْسيْن من رِعْشَةٍ
وانتظَرْنا السِّنينَ
عِجافًا أتتْ ثم مرّتْ
وأعُينُنا تقذفُ الضّوءَ نحْو المَمرّاتِ
.....،..... من حيْث ذابتْ خُطاهُ
ولكنَّنا لا نَراهُ
يشقُّ المجرّاتِ
بحْثًا عن الله
في روضةِ الشّهداءِ
***
الذي ماتَ أوّلَنا
كان أسْرَعَنا، كان أَشْجَعَنا
كان أجْملَنا
كاد أن يسْتَعيدَ لنا الضّوءَ من عُمْرنا
.... ومَضى
لذّةُ الموْتِ أن نقْتفِيه فُرادى
ونتْركَ للنّادِبين دعاءً
ودمْعًا عليه
كان منُشغِلا بالبِلادِ
ويسْعَى
إلى أن يرتّبَ للنّاسِ أحْلامَهم
كان يمْشي ويَرْفلُ في الحُبِّ
مُتّكِئًا باعْتدالٍ
على وتَد القلبِ
والقلبُ خيمتُنا في الظّلال
كان في صخْرةِ العُمْر مجْرى مِياه
وكُنّا الرَّوافدَ للعهْدِ فِيهِ
وكنّا على شَفة الكَهْفِ
كِدْنا نُحبّ البلادَ
لأجْلهِ خوْفين
أو شهْقتَين فقط
بَكيْنا على قدْر هِمَّتنا
واقْتنعْنا
بأنّ البلادَ انتهتْ
وأن الحِكَاية لا تنْطَلي دائما
وأنّ الشّهادةَ
لا تُصْلحُ بين الوريدِ ولوْنِ الدّمَاء
تشابَكتِ الأغْنياتُ...
اعْتدلْنا
وسرْنا إلى غَايةٍ ليْتنا لم نَجئْها
رأيْناه في آخرِ الكهْفِ
ينْفُخ في الرّيحِ
حتى تَظلّ شمُوعُه بارِقةً
صار ذاك الفَتيلُ
وصارتْ دِماؤُه زيْتًا
ولكنَّنا لم نزلْ نتَردّد في الكشْفِ
عنْ لوْنِ صمْتِهِ
عن طعم موتهِ
.................خوْفًا عليه
2018
هل أقول وداعا؟
عندما رأيته قادما خلته على سفر طويل. هو هكذا دائما يتنقّل بين أجناس الإبداع ولا يهدأ. فاجأنا بموته المفزع. ولكنّه ترك لي الوقت حتّى أقرأ بين يديه هذه القصيدة أيّاما قليلة قبل فراقه.
-----
قلتَ لي:
اكْرهِ المَوتَ يا صَاحبي
في الصَّباحِ
وعنْد الظّهيرةِ،
في أوّلِ اللّيلِ
بعد الصّلاةِ الأخِيرةِ
اجْعلِ الموْتَ ذكرى النَّهار
لكيْ لا يَموتَ القصيدُ
قلْ له، إن جاءَ،
دَعْنا إلى حالِنا، هكَذا...
لَسْتُ أَطْمعُ في الجَنّة القادِمة
لا اُلِحُّ على قَدَمي
إنْ تسمَّرتِ الأرْضُ فيها
فلم تتحرَّكْ
ولم تسْع مَشْيا
ولم تجْر حيْث أردْت لها أن تجيء
نحن لمْ نخْترِ الشّهقَةَ الصِّفْرَ من عُمْرنا
نحن لمْ نتخيَّرْ لأعْمَارِنا فُسْحةً
قلت لي:
سنمدّدُ قاماتِنا
ونعدُّ الحَياة على أملٍ
انتَصرْنا على حُزْنِ طول المَدى
أرْبكَتنا الحياةُ بأسْئلةٍ مُوجِعهْ
ثم غنّيتَ يا صاحبي:
مَضَى من عُمْري الأحْلَى وخابَ الظّنُّ في الباقِي
فــــــلا ذِكْــرى تُوَاسـيني ولا دَمــعٌ بأحــداقِــــي
صَدًى فِي جثَّـتي أمْـشِي كَأكــوَابٍ بلا سَـاقِـــي
***
ثمّ قلتَ:
سنَختارُ عُمْرًا
ونحفرُ في صخْرهِ القُزَحي
ما تبقَّى لنا حُبُّه
فما زال في أرْضِنا
نخْلةٌ لم نَطأهَا
وتلك الفَراشاتُ
لم نلْتقطْها
وبعضُ الجَميلاتِ،
أحلى الخُمورِ التي لم نذُقْها
فلا تُسْرِعِ الخطْوَ
لا تنْطلِقْ نحو برْدِ الرُّخام
تبحُّ المآذن يا صاحبي
ثم لا تنْحَني الصّومَعهْ
اطلقِ الرّيح فوق المناديلَ
دعْها بلا غصَّةٍ لا بُكاء
وغَنِّ:
يجِـفُّ البحْر أو يفـنَى ويحْـلُــو المِلـحُ في جُرْحي
فظِـلّي واقـــفًا يبْـقـى وضوْئـي من صَدى رُوحي
سـلامًا يا لظـَى دَائي أنــا كالــوَشْم في الريـح(*)
2014
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وشم الرّيح: عنوان كتاب لناصر الكسراوي
تيبس الشجرة فتموت واقفة ويظل الموت يدور من حولها كالظل، يقصر ويطول، متوهّما أنه رمى بها إلى الفناء، جرّبتُ الموتَ مرّات. وحينما أفقتُ من سكْرته وجدتُ حبيبتي تعدُّ على أصابع يديها ما تبقّى للموتِ من وقتٍ لينهزِمَ.
الآن يُمْكنكُ المَجِيء
الآن يمكِنُك اقتِلاعُ الذَّاكِرةْ
ما عاد يَعْنِيني التَّثبُّتُ في الرُّخَام
ما عدتُ مهْتمًّا بِمنْ يبْكي
على رِيشِ الحَمَامِ
ولا بالنّائحِين على الرُّفاة
النَّافخِين على الرَّماد
ما عاد يشغلني الرُّواة
لا شأْنَ لي بالشَّمْس تأْتي
من شَمالِ الشَّرْق
من أقْصَى الجَنُوبِ
وليْس لي ولَعٌ بأنْواعِ الضِّياء
النُّورُ ودَّعَ صحونا
مُنذ اخْتلفْنا حوْلَ أسْبابِ الوُجُود
وسَيجْرفُ الطّوفانُ ما ترَكَت خُطاي:
حُلْمَ البِلادِ وشمْسَها
حتى الكَلام
وسأنْتَهي فوْق السَّماءِ السَّابِعةْ
عجِّلْ...لترْفَعَني هناكْ
فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةْ
لا تنْشَغلْ بخُرافةِ الوَطنِ الذي
دوما ينُوء
قدْ لا يشْتهيكَ لِعاشِقِيه
ويحْتفِي في القبْرِ
بالدُّود الوَدُود
فابْسُطْ يمِينَك علّنِي أجِد العَلامَةَ
...فوْقهَا
وابْسُطْ يسَارَك كيْ تُشيرَ إلى التُّرَاب
لا لا تقلْ
كنَّا رفَاقًا خلَّصًا
أو كانَ في درْبِ الحَمامةِ فرْصة
لتفرّ من حضْنِ الغُرَابِ
لا تنْشغلْ بمَسِيرتي
إنّي اعْترفْتُ
بكلِّ أرْوِقَةِ الحِسابِ
نكَّستُ راياتِ الغِوايةِ زاهدا
وقرأتُ آياتِ النّسَاء جَميعَها
أيقنْتُ أن الله يَكرَه
في الرّجَالِ الدّاخلينَ بأرْبعٍ
فَركبتُ واحِدةً فقطْ
ورميْتُ مِجْدافي ومَصْيَدتي
تركْتُ الأرْضَ نَادبَةً ونادمَةً عليْ
البُومُ .......
غنَّى في أزقَّتها الخَراب
والنَّارُ .......
حتى النّار عَافَت جمْرَها
ناءتْ بأعْمدةِ الحَطبْ
ليمُوتَ القشّ، خوْفًا، والقَصبْ
لا لا تقلْ
ما زالَ في هذي المَدينةِ فرْحةٌ
أوْ فرّخةٌ في العشّ تنتظرُ الحَياة
ماتتْ كما لو أنّها
لم تعرِفِ المعنى ...
انزلْ إذنْ
جهّزتُ قبْري مرْتعًا
للزّائرين
...اللاحِقين
..... التّائِبين
.... الخَائِبين،
وامنحْ نكِيرًا لوْ تقدّمَ مُنكرًا
شَرفَ التفرّد بالعذاب
سيهَلّلان بِجثّتي
حتى يرَاني اللّاحِقون
فيُسْرعُوا للموْت مثْلي
منْتشِين بحُظْوتي
أو هارِبين من الحياة
الآن ...يُمْكنك المُرورُ بجثّتي
فوق الصِّراط
2012
كش...هِهْ، لم أمُتْ
أجمل شيء في الحياة، أن تجرّب الموت مرّة وتهزمه
كنْتُ أو كان
.... منتظرًا موْعدًا قد يَجيءُ
على بُعْد شهْرٍ ونصْفْ
كان مِسمَارَ نارٍ
على وجْنةِ الرّوح
ظلّ يرمُقني صامتًا
وأنا أَرْفضُ الانْحِناءَ إلى قبْضتيْه
لم أكنْ أعْرفُ من قبْلُ
معْنى التَّقاطُعِ ما بَيْن لِينٍ وعُنفْ
ومعْنى التّقاذفِ ما بين كَفٍّ وكفْ
لمدة شهْر ونصف
ظلّ مبْتسمًا
يتلاعبُ بي بيْن رمْيٍ وخطْفٍ
وقفْنا كسِرْبينِ من عسْكرٍ
صفّا يُعدّ الخُيول لإرْباك صَفٍّ
صار انتظارُ المَعارك أصْعبَ
من وابِلِ الحَرْبِ
غصْبا قبلتُ
وأعلنْتُ منْتصِرا أنني لا أمُوتُ
لأحْرِمَ كفّيْه من لذّةِ القَتلِ
فاخْتنقَ الخَوفُ في داخِلي...
انْتحَرَ المَوْتُ قبْلي
أعدْتُ إلى الرّوح قدْرَتَها
ووقَفتُ على جثّتي وأنا مثلُ حيّ
يُطاردُ في عمْرِه المُتبقّي
نهايةَ زيفْ
2012
افتراضيّا يموت الملك كلّ يوم،
موت المريض لا يعني التخلص من المرض الذي قتله.
عليك بقتل الملوك جميعا على الانترنت لأنّ الملوك مثل الخلفاء والرؤساء لا ينسحبون عن طيب خاطر.
افْترِضْ
انّك اليوم، بعد انتخاب الصّراصير
صرتَ كما قصب القحطِ
تلهُو بك الرّيحُ
في كلّ مُفْتَرقٍ للصّفير
تلدُ الأرْضُ شعْبًا
وترفعُ من يحْكمُكْ
فاسأل القلبَ:
أيّ نزيفٍ ينَاسِبُ لونَ دمِكْ
وهو يُهدَرُ من ألْفِ عامٍ
ولم ينْقرضْ؟
افتَرضْ
انّك لا تعرفُ الانتحارَ
فتزلقُ من تحْتِ دبَّابَةٍ
لتمُوتَ على مَبْدإ
أو كما شِئْت عن سوءِ حظْ
ولكنّك لم تَجدْ فرْصَةَ الانتصارْ
لكي تعْتَرضْ
افْتَرضْ
....
أنَّ هذا القَطيعَ يُفكِّرُ
مثْل الشّعُوبِ تمامًا
ويزْحَفُ كالشّيْبِ
من فوْقِ رأْسِ الهِضابِ
ويعْرِفُ كيف يُغّني
إذا الشّعْب يوْما أرادَ...
وماذا يُريدْ
هَلا..يا هلا...يا هلا....
كذبةً من جَديدْ
تعلَّمْ إذنْ أن تُغَنّي
على قلَقٍ أو مَضضْ:
كذبةً في النّشيد
كذبْنا على الأغنياتِ
وقلنا ــ وكنّا فتاتًا ـ
نديرُ الفلكْ
فمنْ أسْقطكْ؟
ألسْتَ الجَوادَ المُناسبَ
يا صاحبي؟
سوْف تبْقى تُعدُّ الخِياناتِ
من عِلكَة
وتحلِّل أسْبابَ عثْرتنا
وتفسّرُ كل الغَباوَاتِ
أو ... تفْترضْ
فافترضْ مثلا...
ملكًا ...
أو أميرًا،
رئيسًا على قرْيةٍ
تستعدُّ إلى جولَةٍ في الخراب
وقل أيّ شيءٍ
فمنْ عادة الرّؤساء الكذبْ
وانْ لمْ تجدْ
فاخترعْ، شبَحًا...
يتوقّعُه النّاخِبون
من الصُّور التلْفزية إن لَزِم الوقتُ
من شمْعةٍ دون خيطٍ
..... من القُطنِ،
من بُرْنسٍ وَبَرِيّ،
ومن جبّةٍ،
من حرِيرِ الكَلامِ
ومن فأرةٍ في الحَواسيب
من موْجةِ العنْكبُوتِ
ومن صُوَرٍ تتَداخلُ
ثم تعِيد الكَلام وتنْأى
وتشْقَى
وتمتدُّ ما بيننا
فنؤلفُ منها الرِّواياتِ
حوْل السّلاطِين
صاروا جميعًا رئيسًا علينا
وكلبًا يَعَضُّ
هو ميْتٌ ولكنْ يَعَضْ
افترِضْ....
أنّ هذا الذي انتخبَ الشَّعبَ
جاء، كما قال من كوْكبٍ تائهٍ
يتحدّثُ" لا لغَةً"
فيصدّقُ أوهامَهُ
ثمّ يجترّ أحلامَهُ
ويسوقُ البلاد إلى غايَةٍ
في الضّباب، السّرابِ
إلى غيمةٍ بعثرتها السُّحُبْ
ليس لي دعْوَةُ الأوليَاء لكَي
أقْنعَكْ
فلتعِشْ لتعيشَ البلادُ
ويفْنى المَلَكْ
ثم نَنْتخبُ الميْت -حيّا
فقد يسْتدِيرُ الفلكْ
2015
الثّورة مثل الشّجرة التي تستعدّ للإثمار:
تهتدي بالرّياح لتلقّحَ نفسها وتعدّ مخاضها.
في الهَزِيعِ الأخِيرِ من الخَوفِ
والانْتظار
كان لا بدَّ من حَيْرةٍ
لتعيدَ إلى الأرْضِ
مسْلكَها
وإلى البَيْتِ ترْتيبَهُ
وإلى اللّيلِ وجْهَ النّهَار
كان لا بدَّ من صَعْقةٍ
غيْر أنّ الرّبيعَ الذي
لمْ تلدْهُ العواصفُ
قد يتَعجَّلهُ الانْتحَار
كان لا بدَّ من قيْصرٍ طيّبٍ
ليُعَلِّمَنا كيف نذْبحُ أنْفسنَا
ونؤسّسُ فوق الخَرابِ
...الدّمار
كان لا بُدّ من فرْصةٍ
للعَناكِبِ حتّى
تجرّبَ رقْصتَها
وتُنافِقَ مِشْيَتَها
خارِج القيْدِ
ما بيْن ثلْجٍ ونَار
2012
تركنا الحصان يموت وحيدا
إلى محمود درويش بعد أن مات
الموت كحادث المرور لا يصيب إلا الآخرين
ولا يأتي بمجرد التفكير فيه
سنَموتُ مثلك لا تخفْ
وأَضفْ
في البحْر أوتادَ القصيدةِ
نسْتدلّ بها الطّريقَ
إلى الكفَنْ
افْرشْ لنا جَسدَ الوطنْ
لنَخطّ ... دمعًا من قصائدنا اليَتيمةِ
بعْضَكَ والشَّجنْ
قل يا حبِيبي... قل أيّ قبرٍ يرْتضي
أن يحْتوِيك
قل أيّ بحْرٍ لا يفيضُ
بما سكبْتَ ولم يُجنْ؟
***
كنّا نهيمُ بخطْوةٍ من ألْفِ مِيلٍ
من خُطاك
ونَشقُّ أتْربةَ الجَوادِ لكيْ نَراك
ها حَان مَوْتُك
غيْر أنك لمْ تصلْ
تلك القَصَائدُ لمْ تزلْ
برُفاتِها وشَتاتِها لم تكْتملْ
أجِّل غيابَك جُملةً أو لفْظتيْن
لنُعدَّ أوْتادَ القَصيدةِ
أو نشْتهي
خَطْو الرَّحِيلِ على عَجَلْ
للموت وجهان: وجه يترصّدك ووجه تتخيّله.
اختراع النّار هو اختراع للموت واكتشاف للحياة.
منْ يَشْتَرِي عُودَ الثّقابِ
ومن يَبِيعُ؟
كم تبْتَغي في حرْقةِ الأحْبابِ، قلْ...
ما قد تردّدَ في البِلادِ وَما يُشاعُ
موتٌ على موتٍ يشي
بالانتحار
قلبي على جُثثٍ تضِيع
من يشْتري
فالأرضُ إن خانتْ
تباعُ على عَجلْ
كم تبْتغي من جمْرةٍ
في جثّةِ الأصْحابِ قلْ
.... يا صانِع الأعْواد
فالنّارُ من حطبٍ شقيق؟
قصبِ الفُراتِ
كفّ من الأنواءِ؟
أم ـ لا بأْس ـ من نفطٍ
كما الحِنّاء
في لوْنِ الدّماء مآلهَا؟
لا جمْر في حلْقِ المَواقِد
يشتهي
لا غيْر ألْسنةِ السَّرابِ
أو ريشَة من طائرٍ
خلّفها
لِخَوفِ الشّمْس
من يوْمٍ السّحابِ.
الموت بالمقلوب
الموت كالنّوم، يميتنا كل ليلة ثم يسلّمنا إلى اليوم الموالي في انتظار موتة أخرى.
1 ـ المرآة
رحِمٌ اللّيلة يقذفُني بردُه
والغيومُ ستارٌ
أنا جامدٌ
تقطرُ الذّاكِرهْ
ذيْلَ حُلمٍ غريبٍ
الضّبابُ الصَبَاحيُّ
يزْداد بالآهِ
أحْتاجُ مِكْنسةَ المَاءِ
أحتَاجُ رائِحةً للضِّياء
لأولدَ من غيْمةِ
--- --- --
رحمٌ توْأمٌ بين حُلْميْنِ
كالضّفَّتين بلا مُنْتهَى
أو كخطّينِ: الموت والصّمت
الحلم والوهْم يا لُغَتي؟
كيف أحْلُم بالأرْض شاسِعةً
وهي أصْغرُ من قبْضَتي؟
كيف هِمْتُ بِحُرّيتي
وهي أقْصرُ من خطْوتِي؟
كيف يَحْتفلُ النّاسُ
بالعُمْرِ موّالَ مَوتٍ قديمٍ؟
ذاهبٌ ...ذاهــِ...بٌ...ذا...هِبٌ
والشّوارعُ مِكْنسةٌ للقَطيع
لا مكانَ لهمْ
لا زَمانَ ولا همَّة تشْترِيهم
ولا من يبِيع
زمنٌ من غبارِ يؤلّف شَعبًا بلا وجْهةٍ
ذاهبٌ حيثما ذهَبوا
عائد كيفما رجعُوا لأضِيع…
2 ـ الحذاء
يُرتِّبُ بوصلةَ الانْصياعِ
وينْصاعُ لي...
ويهَندسُ شكلَ الثَّنايا
ويخْترقُ الرّوحَ نقرًا
ويعزِفُ منها الصّدى
ثم مثْلي يشقُّ غُبار الشّوارعِ عمْدا
ويرسُمُ فوْقَ الرّصيفِ تقاسيم ظلّي
وقلْبي... يُوقّعُ فوق الضّلوعِ السُّؤالَ:
لماذا يُسُابقني
ويظلُّ على الأرْضِ يلْسعُها
وأسارعُ للقفْز يقْفز قبْلِي
... ولمَّا أُضِيعُ اتّزانيَ
أسْقُط وحْدي
لكيْ يعتَلي عُنقِي
حذائي الذي باتَ يَلْبسُني
يرى في المَنام يدًا تحْتويه
هل حلمْتَ معي؟ قالها
وهلْ أنْت مثلي ترى ما أرَى
هرَمًا؟ عجَبًا ... هرَمًا من رُؤوسٍ
واقفًا في حِذاءٍ وحيدٍ
أراكُمْ كما كتْلةٌ
ويلْبَسني واحدٌ...
وأرى كلَّكُم يخْتفي في النّجوم
على كتفيهِ ولا تسقُطون
عجبًا عجبًا
أمةٌ تسْتوي فوق ضِلْع
على زاويهْ…
وهي تمْشي رُويْدا ...سرِيعًا
إلى الهاويةْ
إلى "فاطمة، رحمها الله، لم تنجب أطفالا فأحبّتني. حدّثت زوجها: سأفترض أنني أنجبت وفقدت وليدي، وقالت:
سيَزُورُنا
سيجيئ مِنْ رحِم الظّلام
كماَ لوْ أنّه الحُبُّ المُحنّطُ في دَمِي
كما لوْ أنّه العُمرُ استفاقَ به الصَّباح
سيجيئ مَذعُورًا ومرْتبكَ الكَلام
ويدقّ بالحَجرِ القَدِيم
بأقْدامِ الغُزاةِ الفَاتِحين
بلا خَجلٍ، بلا وَجلٍ
يجِيءُ ... بلا سلاح
على مهلٍ على عَجَلٍ
يحطُّ بلا جناح...
كما لو أنَّه القرْصانُ يأتِينا اغْتصابًا
سيدقُّ بالنَّعْلِ الصَّغيرِ على البِلاطِ
يدقّ قلْبي
يخلَعُ البُرْجُ العَصيُّ قلاعَهُ
يا من رَأى برْجًا يَخِرّ... ليغْزُوه الصّبيّ
يجيئُنا هذا المَساء
يا كلّ الحَماقاتِ التي يأتِي بها
يا صَوْتَه الطّفْليَّ
قلْ لي مرّة: أمِّي... فيَسمعُها الوِحَام
ليجِيءَ في لَهفٍ ويَنشرهُ الغَمام
وسأفرِشُ الثّدْييْن متَّكأ
وأعْطِي من بقَايَا العُمْر
أوْردةً ليَرْوَى
سيجيئ ظمْآنا لأرْضِعَهُ
ويجيءُ جوْعانا لأشْبِعَهُ....
....
لا ، لسْتُ مرْيم إنّما
في النّفْسِ شيءٌ من أمُومتِها
فكأنّ لي وَلدًا...سيَأتيني
بشيءٍ من ملامِحِه الغَريبةِ
من دمِي
من رحْلةِ الحمْل الفرِيدِ
من الوجع
يجيئنا.... هذا الصَّبي لِنحْتويه
ها إنني أحْيَا المَخاضَ واشْتهِيه
مواسم لمدن القصيد التي لا تموت
الى صديقيّ الذين رحلا قبل نهاية الطّريق
1 – البحور تبدأ بقافية
سنمرُّ بلا ضَجَّةٍ، لا ضجِيج
سنضرِبُ في الأرْضِ أشْعارنا
ونرْفعُ أوتادَها والخِيامَ
نخَاتلُ حُرّاسهمْ والعُيونَ وقافلَةَ المخبرِين
وسِرْبَ الحجيج
فالتَقِطْ يا مُحمّدُ (1) نبْضَ القصِيد
وخُذْ بنجاةِ التي هيّأتْ حُلمَها للنّشِيد
قلْبُك اليَومَ منشَغِلٌ بالمعاني؟
أتراقصُك الكلماتُ/ المباني؟
أم صارَ نقدُكَ حبلَ غسيلٍ
الى الرّيحِ
ما بين مغرِبنا والخليج؟
2-توزر(تونس)
أحقّا كانَ البحرُ هُنا؟
هل أخْلَى القاعَ فعرّاه إلى الرّيح؟
أمْ أخْفَى ذيلَه في زهْرةِ رملٍ؟
الثابت أنّ البحرَ الهاربَ كانَ غبيًّا كالملحْ
حملَ الزُّرْقَةَ في عينيْهِ
وظِلَّ الماء
ورمى بالألوان مُشَعْشَعَةً فوق طحالبِهِ
فابيضَّ النّورسُ من زغَبِ الموجِ
البحرُ الأزرقُ كان هنا
لم يدرك انّ الصّحراء
ستجْعلُ للّيلِ عيُونا من تمرْ
وللنّخلِ رموشًا خضْر
حتى تتجلّى توزر
كعرُوسٍ البحرِ الشّعريِّ
هل ينسَى الشّابّيُ (2) قصائِدَه الحمرَاء
3-عمّان (الأردن)
مرتبِكيْن
كغريبيْن على عمّان
وكان الأردنُ في مفرقِ طرق وعرَةْ
كنا نتوجّس مدفوعيْن
يبعْثِرُنا الشّكُّ
نستشعرُ خوفًا لا يأتي
أنَسيتَ نجاة(3)؟
ــ ضحكتُها تملأُ عمّان
راحتْ تبحث عن لفْظٍ يحتملُ المعنى
البدويِّ الهاربُ من مملكة النّقْدِ
جنديٌّ لم يتعلّمْ أغنيةَ الرّاحةْ
قال: الأفضل
أن نترجّل
مثل قصيدٍ هرمٍ يسقط خلْف المعْنى
والمبْنى: مسرحُ رومَا المهجورُ هنا
بعضُ حمامٍ ينقُر أفكارَ البدويّ
وقد رشقتْه نجاةُ بضحْكتها الأحلَى
فهَوى
مصدومًا من ولعِ الكلماتِ
ومشى
منشغِلا بالهضبةِ
يتلجْلجُ صاحبُنا البدويّ النّاقدُ
ما بين القلب وبين العقلِ
ونجاة تعاودُ ضحكتها
ركن التّاكْسي
ساومنا السّائقُ ومضى
... مرّ الوقتُ حزينَا كالذّكرى
خفّض من معْلومِ الرّحلَة
قال: ساعةُ تاريخٍ بكذا دينار
أقْبلُ بالدّرهمِ، بالملّيمِ،
باليورو، باليانِ اليابانيّ وبالدّولار.
سوقُ الأردُنِ كاسدةٌ يا أصحاب
للبيع هنا: بابُ المسْرحِ
ما ترك الرّومانُ
رمادٌ من حرْب التّتار
صورُ الأبطالِ
أفكارُ المهْزومينَ
تماثيلُ الزّعماء
شعُورُ نساءِ الماغول
صورُ الإفْرنجِ
ضحكاتُ الرّوميّاتِ
سلّةُ أحلامِ صلاحِ الدّين
محاصرةُ القدّيس لويس
سيوفُ الفتحِ الإسلامي وأيّام زمان
.... والحاضرُ أيضًا
ابتعنا بعضَ الكلمات ...
فوجدناها قِصَصًا لسنا(ءْ) شعلان(4)
4 - جرسيف يموت فيها الشّعر( المغرب)
سرْ ولا تلتفتْ للخريفْ
خلفك المازنيّة يا صاحبي-
سَتؤلّفُ باقاتِ وردٍ
على خدّ جرسيفْ
قلْ عاليًا ما أردتَ بلا عقدِ
فالقصائدُ لا تعرفُ الانحناءَ
وتونسُ قد حمّلتك العناد
وأوصتك بالسّيرِ مرتفعَ الرّأسِ
ها قد مشيتْ
وأوغلتَ في جسد الشّعر
أنّى حللتْ
هذه جرسيفُ تُحني طرابيشها
قل ما ترِيدْ،
شجنًا مثلا، أنت ضيفْ
غزلا
من كلام لطيف
البلاد التي نَحْن فيها
أضاعتْ قصائدها ذات خوف
واستجار بها الغزلُ
فكبا الشّعرُ حتّى تعثّر
في خدعةٍ اسمُها الزّجلُ
واستجارَ بشيْخٍ لعلّكَ تعْرفُهُ
هُو محمّدُ أوهلال(5)
5- طرابلس (ليبيا)
الطّريقُ إلى ضفَّتيكِ
يُخامِرني الشّكُّ فيه
وتُرْقصُني الرِّيحُ حتّى
لتُرْكعَني
وأكادُ ألامِسُ شيْبِي على البَحْرِ
أغْرقُ في الرَّمْلِ
حتى أصِيرَ كأرْجُوحةٍ بين ضدَّيْن
يا وَلعَ الأرْضِ
كيْفَ تضِيقين بي؟
منْذ عشْرينَ جِيلا
تُلاعِبُني الصُّدفُ العربيّةُ
كي لا أسْتقرَّ على حالةٍ
تونسُ دوْمًا معِي يا طرابلسُ
تونسُ تَعْتعَها اليُتْمُ مثلك
والرّؤساء
فكدْتُ
أعودُ إلى وجَعي
كادَ وجْهي يُجرِّح خدِّي
وجدّي يجنِّدني ضدَّ جدِّي
وأنتِ تمُدِّينَنا للعواصِفِ
كيْ تتَسلَّى بنا
ثم تُرْقصُنا وتهيِّئنا للجِرِاح
لماذا يبدّل درويش (6) ريشَ قصيدتِه
في الصّحارَى التي
ملأتها الرّياح
6 -آجرا(الهند)
ماتَ الاثْنان
أجْملُ امْرأةٍ في القلْبِ
والمَجنونُ بِها شَاه جِهَان
كان المَرْمَرُ في آجْرَا
أكثرَ برْدًا من ليْلِ الهِنْدِ الشِّتْوي
كان القَلبُ يحُوم
على أجْنحةِ الهِمَلايا
الشّاهُ سيُمْهلُه المَوتُ
حتى يبْنِي ممْلكةَ العشْقِ
على مُمْتازِ مَحَلْ
لو مُتّي كَمدًا يا موْلاتي
تَقومُ لأجْلك
أعْنفُ حرْبٍ في العمْر
كان الشّاهُ سيغْريهم بالمُلْك
وسيَشنُقهم حبًّا
في تاجِ الممْلكة الأمْ
وكان سيُصْبحُ غانْدي
ليؤسِّسَ مملكةَ الحبْ
كان سيفْعلُ كلَّ الأشْيَاء
ليشتعِلَ القلبْ
لولا أن الشّاعر مير أنيس (7)
أعطى شمسَ الشّعرِ جدائلَها
فتوزّعَ ظِلّه في العربيّةِ، كالشّعراء
7- عنابة (الجزائر)
لهْوًا
ألْقى البَحرُ حدائِقَه البيْضَاء
سهْوًا
سقَط القمَرُ الأزرقُ
زهْوًا
أيْقظتِ الشّمْسُ جدائلَها
فاكْتملَ الجَسدُ الأبْهَى
كانَ المشْهدُ أجْملَ في البدْء
وكانَ سيُصبح أحْلى
لو أسرعَ يوسُفُ (8) قبل اللّيلِ هنا
وتبخترْنا في عنّابة ليلا
لولا خطَأ في التمْييزِ
صارَ البَحْرُ.... الجَبلُ......الشّمسُ
حمارًا يلْهثُ نحْو الورْدَة
كان المشْهدُ في البدْء جليًّا
لو أنّ حِمارَ الورْدةِ......... لمْ... يأْكُلْها
8 - طهران (إيران)
هذا ما يفعله الشّعرُ
صار نداءً يدفعني
أمشي مرتفع الرّأس
وأحاول ألا أتعثّر في احساسي
الجبّة تلبسني
وعلى رأسي الشّاشية
تتبختر في اللّون الأحمر
العلامة"طباطبا" أولج اسمه في قسم العربيّة
أوصى أن أمضي بكلامي
وأقول قصيدا
فلماذا فرشوا الأرض بساطا أحمر قدّامي؟
فبكيت وأخفيتُ بكائي
كم كنت سعيدا
بنشيد البلد الرّسميّ
9 -الشّارقة (دولة الامارات)
غريب
مثل قصيدة نثر على الذائقة
وقريب
كما الحرف يسقط من لفظة حارقة
وعجيب
أنا مثل حلم تقطّر من نومة الليلة السّابقة
ونسيب
لي الأرضّ متّكأ والسّماء على الكفّ
أحملها بكواكبها البَارقة
وحبيب
هنا الأهل والأصدقاء
وأوتادُ خيمتنا
وبخور القصيدة
فاح من الصّايغيّ (9)
على الشّارقة
أفكَكْتما سرْج القصيدْ؟
هل كان يلْزَمُنا الفراق؟
لم يكْفِنا وهنُ التّرجّلِ في الكلامِ
رحلْتُمَا...
وبقيتُ وحْدِي في الظّلامِ
ألامسُ النّفَقَ الطّويلِ
بلا عصَا الأعمَى ولا حتّى النّجوم تدلّني
أَرَحلْتُما وتركْتما
حُضْنَ البلادِ مُرحّبًا
وتركتمَا الأبواب تلْغُو في السّلام
ما زالت الأزهارُ والعتباتُ
والكلماتُ تحبُو...
والمحبّةُ، فلِمَ الرّحيلُ مبكّرا
وتركْتما فرَس القصيدِ مُحمْحما
فكبَا الكلامُ على اللِّجام
هذي الخُطى فوق الرِّمال كأنّها
نقشٌ على خدّ الرّخام
لو تُغْرَفُ الكلماتُ من التّرابِ أشِيلُها
لكنْ يدَيَّ بعدكُما حطام
.............................................................
احالات
(1) محمّد: الدكتور والنّاقد محمد البدوي، رحمه الله، الذي رافق الشّاعر في رحلة ثقافية الى مدن عديدة صحبة الشاعرة نجاة المازني رحمها الله.
(2) أبو القاسم الشابي، الشاعر التونسي أصيل مدينة توزر.
(3) نجاة: الشاعرة التونسية نجاة المازني.
(4) سناء شعلان: كاتبة أردنية تكتب القصّة.
(5) محمد أوهلال يسمّى شيخ الشعراء، شاعر امازيغي من المغرب.
(6) درويش: خالد درويش، شاعر من ليبيا كثير الزيارة لتونس
(7) مير أنيس شاعر هندي يكتب بعدة لغات منها العربية
(8) يوسف: الشاعر يوسف شقة من الجزائر.
(9) الصّايغيّ: الشاعر الحبيب الصّايغ من الامارات
3
مدائن للنّساء من أجل الحياة
هي نصف الدّنيا فلماذا تكتفي بطرح كفّها؟
من حقِّها
أن تشْتهي ربّا جميلا
لا يُشَبَّهُ بالغُرَابْ
ربًّا حكيمًا عادلا
يُعطي إلى العُشّاق
ما في الشَّمْسِ من نورٍ
لينْدَحِر الضّباب
مِنْ حقِّها طردُ الذّباب
أن تسْتحِي من جُرْحها الدَّامي ومنْ
وجعٍ يؤوِّلُه الكِتَاب
أن تشتري وَطَنا يليقُ بحبِّها
أنْ ترْكبَ الأحْلامَ
نحو القادمِ المخْفيِّ
عن حِقْدِ الذِّئَاب
من حقِّها
أن تلعنَ التّاريخَ والكهّانَ والفتْوى
وكلّ تأويل السّحاب
منْ حقّها قدمٌ تدقّ الأرضَ
حتى تخلعَ الأرضُ العمامةَ
والعباءَةَ
والجلابيب المرِيبةَ والحجاب
من حقِّها أن تكْتري
رجُلا ليحْرسَ ظلَّها
من زيفِ عاصفَةِ التُّراب
من حقِّها النِّصْفان
دارتْ ثم دارتْ كالرَّحى دارتْ
بنصف واحدٍ دارت
وأعطتْ من بقايا العُمْرِ
للوطَنِ السّراب
أن تكسّرَ الحجرَ المنافقَ
أن تكْتري قبْرًا
لأولادِ الــْ ـ ـ ـ كِلاب
أموت مرّتين
لكِ البحْرُ
والرّيحُ ولّادةُ الهَذَيان
فماذا تقُولِين
لوْ أسْحبُ البَحرَ من مُقْلتيكِ
وماذا تقُولين
لو أسْكُبُ البَحرَ عاصفةً
فأُغيِّرُ وجْه المَكان؟
لك البَحرُ ...
والصّخْرُ مُلْقى إلى القَدَميْنِ
وقد لَانَ تحْتَ خُطاك
أدِيرِي بظلِّكِ للصّخْر
أو ظَلِّليهِ
فقدْ ضَلَّ تحْتَ لظَاكِ
وإني أبَادلُه الذّلَّ في الحبِّ
يا حظَّنا... إذ نَراكِ
تعرّيْتِ للبحْرِ
ألقيْتِ ثوْبَك للرّملِ
فانشَغل الرَّملُ بالانْتِشاء
رمَيتِ إلى البحْرِ ما يشْتهي
جَسدًا من هَدِيرٍ
وأجْنِحةً من صدَى
شفتيْنِ من الجَمْر
ياهْ...
حِلْمتيْنِ من العَنْبرِ البرْبَريِّ
وخاصِرَةً من حَريرٍ
وساريتَيْن من المَرْمَر المُرتعدْ
رميْتِ إلى البَحْر ما يشْتهي
وأنا قابعٌ في الحَسدْ
لأرْضى بتجفيفِ قطرةِ ماء
على كتفيكِ
وأرْضَى بجَرْحِ الصُّخورِ الزَّلوقَة
من خطواتِك
أرْضَى بنفْخِ الرّمَالِ
وأرْضَى بِضمِّك
حارِقةٌ شَمسُ هذا الزّمان
سأحْميكِ منِّي ومنْها
وأفتحُ في الشِّعْر موْتًا جديدْ
لك البحرُ يقتُلُني مرَّتين
مرةً بين كفّيكِ
ثانيةً في ارْتِكابِ القَصيدْ
لو حضرت العصافير موت الصّياد لحلّقت فوق جثّته فرحا.
عَربٌ
ينسُجون الكُتبْ
شُعَراءٌ
يُقيمُون من حوْلها جَدَلا
ويخِيطُونَ في وصْفِها غزَلا
ومُلُوكٌ تُساوِمُها بالذَّهبْ
وأنا، مذ حبَوْتْ
ومُنذ تَلعْثمتُ في القَولِ
قلْت كلامًا بمَعْنى: ..............أحِبْ
اخْتصَرْتُ المسافاتِ علّي
أُضِيفُ إلى وصْفِها ما يوصِّفها
إنما لم أصبْ
فاعْتصرْتُ اللّغاتِ
وترجَمْتُ ما قاله العاشِقُون
وما كتبَ الشُّعَراء/الملوكُ
وما ألّفُوا من خُطبْ
إنّما لم أجدْ
في حَديثِ المُحِبّين لفْظًا يناسِبُها
فابتدعْت لها اسمَ ليْلى
وصوَّرْتها: نشْوَةَ الكأس
عند انْبِلاجِ الصّباح
ــ ولم يتبقّ من الخمْرِ إلا
خيَال العِنبْ ــ
سَكْرةٌ قتلتْنا جميعا
فهل هذه ليْلى العربْ؟
تيْسَرُ العاشِقين
لتمْتصَّ أسْماءَهم
واحِدا واحدًا
ثم تنشرُ من فوْقهم خيْمةً
للنّسَبْ
هؤلاء جَمِيعا
يسَمّونهم شُهداءَ على بابِ ليْلى
وليْلى على حبِّهم من ........كذِبْ
عن رجل بسيط، عن حكيم مجهول، عن عاشق مجنون،
أنّ شيخا محنّكا قال: الحبّ يطيل العمر ويزينه،
أخافُ...
ــ دمي بعْثرتْه قبائلهنّ ـ
فلا نَسبٌ ...قد أخافُ عليه
ولكنّني .... إذ أغيمُ ولو لحَظاتٍ
تلُمّين فيّ شَتاتي
وقد صدئَتْ أضْلعي
فيسْتيقظُ القلْبُ
بعد أن جرّبَ القحْطَ حتى
أطاع الجفافْ
أخافْ
إذا جئْتِ
تستعْجلين الرّبيع "لنوّارتي"
ثم كالبحْرِ
تأتينَ موجًا على شيْبتي
وهي في كلّ يوم تُضَافُ...
أخافُ ... من العمْرِ
ذوّبَني بعد ستِّين عامًا
فلا زهرةٌ........... قطْرةٌ
لا فصولٌ تعيدُ الخطافْ
لقد صدِئ العُمرُ قبل الــ، عَواطِف
وأخافْ ... من الثّلْجِ
أو من رمادٍ تراقص في جبّةِ العمرِ
ضيّقها أملٌ ينتهي مثل نهرٍ
تصدّهُ من كلّ وجْهٍ ضِفاف
لقدْ صدِئ الماءُ يا زهْرتي
وأخاف ...
لأني أحبُّك حتى انْكسارِ المسافةِ
حتّى إن استسلَمتْ رايتي،
انطفأتْ شمْعتي
بانْتهاءِ المطاف
أخافُ.... أخاف... أنا صدّقيني أخافُ
من الموْتِ فيكِ
ويقتلني قبْله الاعْترافْ
فاتنٌ وجهها
هادئ مثلما اعتقد الأنبياء...
هَادِرٌ ...
جسد من هدير.
حاجبان، كما وصف الشّعراء،
قد اقتطعا من هلال فطارَا
بأجنحة من عبير
يحطّ الفَراش على ثغرِها
كلّما ابتسمتْ
شفتان وقد شبّ بينهما الخوف
من دغدغاتِ الفراش
عضَّهَا البرْدُ والثّانية
عضّت القلبَ فانصاعَ مندفعا كي يطير
فاتنٌ، جسدٌ أيقظ الحلمتينِ على حسدٍ
فانتهى كل نهدٍ الى غايةٍ
مثل منزعجٍ من ضباب المصير
فاتنٌ،
لا يبالي بما اقترف الشّعر فيّ
ولمّا أجدْ حيلة للكلام
على جسدٍ هادرٍ وهدير.
لكَي يسْتُر الله أشياءَها
الخَفيّةَ والسّافرهْ:
تتسلّلُ حافيةَ القلبِ
شبحًا من تضارِيس امْرأةٍ
تتماوجُ تحت اللّحافِ
ثمّة ما يحرجُ الله والنّاسَ
ثمّةَ إثمٌ كَبير
أرْجلٌ مجْرِماتٌ
تعفّرُ جلبابَ عاشقةٍ في التُّرابِ
تدُوسه في ولعٍ
تطلَعُ الرُّوح زاهيةً
من رمادِ المَشاعِر نحْو السّحاب
كانتْ ستسْكُن راهِبةً
ثم كادتْ... تموت
لتُدْفَنَ في حفْرَةٍ في الغُيُوم
وعشّاقها يصرُخون:
ضمّها الرّبُّ في الملكوت.
لماذا نكره الموتَ وللموت ألوان زاهية أخرى.
في اليوْمِ الأوّلِ
يتَلاعبُ بالكلِماتِ البكْرِ
ويراودُ بعضَ حروفٍ
ويظلّ ينقّطُها نِـقَطًــا نِـ ـ قـَ ـ طـًا
فإذا الْتَحَفتْ
بفَراشاتِ المكْرِ
وُلِدتْ كلماتٌ واكتَملتْ
في اليوْمِ الثّاني
تتناسلُ كلماتُ الحاسوبِ
فيضيفُ: أحبُّ...ويُوزّعها
تتّكئٌ عيْناه على الحائطِ
الرّدُّ يسيرُ كما اللّيلُ بطِيئًا
ويصيرُ ظَلامُه أشْهَى
ضرب القلْبُ على الأقْوَاسِ
ارتعَشتْ شفتَاها
انْتفضَ الصّدرُ
انْتَشر الخَبرُ
في الجَسدِ الأبْهَى
في اليَوْم الثّالثِ
جاء التّعليقُ صريحًا:
ماذا لوْ نقْتحِمُ الدُّنيا
نفْتحُ في الإيضاحِ مسَالكَ أخْرَى
نصنعُها من حمَّى الجَسديْنِ
ماذا لوْ ننْزعُ أقْنعةَ الأسْماءِ الوَهميّة
تتخلَّى الألفاظُ
ــ بحبٍّ ـ عن كذِبِ المَعْنَى
ماذا لو نتَمادى
في تَعْريةِ الكلِماتِ؟
في اليوْم الرّابِعِ
صار الإبْحَارُ جَميلًا
زبدُ الموْجةِ أعْلى
فمَشتْ خُطوات
وتعرّى جسدٌ أوّل
نهَض البُوك(كتاباً)
من راحةِ فيْسِ (الوجْهِ)
طار غُرابُ الرّوح
صاح القلبُ: وصلْنَا (أُوكِي)
فتناثرتِ الأوْراقُ السّودَاء مِن الثّاني
نزَعَ اللّيلُ غِشاوتَه
واحْتفلَ التّفاحُ بشهْوتهِ
ماتتْ حوّاء من اللّذّة حِينَ...
تسلَّلَ آدمُ فيهَا.
تعذّبُنا الأشياءُ الجميلة
عيْنَاكِ أسْطُوريّتَانِ
أنْتِ.... كالمِرْآةِ ....
لا تَريْنَ ما تُخبئُ العيْنانِ
...عيناك قِصَّتانِ
يُزْهرُ الخَيالُ منْهما
فتُورِقُ الكتبْ
عيناك حبَّتانِ من عِنبْ
تشعُّ أو تبْتلّ فيهِما الأنْوارُ
والأنْواءُ حتى
يَسْكرَ النخيلُ بالقصَبْ
***
عيْناك غيْمتانِ
تنْزِلانِ دمْعةً فدمْعةً
.... فتُرعدُ السّحبْ...
عيناك قِبْلتَان
بل...أرجُوحةٌ للشّمسِ
منهما تُفيقُ
وفيهما تمُوتُ ثم تنْشرُ الصّباحَ
ــ مثْل طائِرِ الفِينيق ــ
عينَاك قُبَّتانِ
خلْف حيِّنا
يطِيرُ منْهما الحَمامُ
في سلامِهِ
الهِلالُ في تَمامِه
وفيهما الصّلاةُ والدّعاءُ والطّلبْ
عيناك أسْطُوريتان
منذ أن خَطَا تارِيخَه الإنْسانُ
واسْتَوى
كعاشِقٍ يخُطّ في الألْواح
ما رأى
كناسِكٍ يرْتابُ
من غرائِبِ العُيونِ والعَجبْ
عيناك تُهْمةُ الرِّماحِ
بالجِرَاحِ والتَّعبْ
عيناكِ أوّلُ الحُرُوف في الأشْعارِ
زانَها تَلعثُم الصِّغارِ....
أو خلاصَةُ البيَانِ
رُؤيةُ العشّاقِ في منَامِهم
بدايةُ القصيدِ والسّببْ
عيناك... لو رآهُما الظّلام
من حياتِنا انسَحبْ.
هذِه الأَرْضُ ليسَتْ تُعدّل وقْفَتَها
كالسُّلحفاةِ مقلُوبةٌ
أو كبيْضةِ طيْر
دحَاها الذي قدْ دَحاها
تفتِّشُ عن مستقَرٍّ لها
لا عصَا تسْتدلُّ بها في المدار
تظلُّ كرَاقصَةٍ
تتعثَّرُ........ في ظِلِّها
خُذْ كأسًا من وجعِ البَحْر
وأدِرْها
لتَرَاها دمْعةَ بلّوْرٍ
أوْ قد لا تُبْصرُ شيئًا
لكنَّك تُدْرك أنَّ البَحرَ بلا لوْنٍ
وأن الأزْرقَ كذّابٌ
البحرُ مِزاجِيٌّ كالشُّعراء
يتشرّبُ أحزانَ الأرض
ويكْرهُ سِجْنَ الأكْواب
إسلام
الطّقسُ جَمِيلا يبْدُو
وأنا منْهمكٌ في البحْثِ عن الشَّمْسْ
فَبِمَاذا أنْعتُ كفّي
من دونِ أناملِها الخَمْسْ؟
ولماذا
أطْلُبُ تحْريرَ العَالَم
وأنا في قفَصِ النّفْسْ؟
في المعْصَمِ ساعهْ
تتَباطأ عمْدًا
تُسْقطُ في اليوْمِ الواحِدِ
ثانيةً أو ثانيتَيْنِ
أوقفْتُ عقَاربَها
ليمُوتَ الوَقتُ
فتوَقَّفتِ الأرضُ عن الدّوَران
وصارتْ تلك السَاعةُ
تُعْطيني في اليَوم الواحِد
وقتيْن صَحِيحينِ