حكاية وشم


  صدير

الجغرافيا أرض تونسيّة معطّلة، تدور حول نفسها بسرعة جنونيّة. والتّاريخ لسانها المتحرّك على الدّوام، يكتبه المبدعون برقّة مشاعرهم وبوجاهة أفكارهم.

الجغرافيا ورقة بكْر وصامتة، والتاّريخ ينبض في يدي.

تصدير آخر

الوشم ذاكرة حيّة ثريّة وليست سلاحا في أيدي الثّقافات.

 

تقديم

د.أحمد السماوي

تثير رواية "حكاية وشم" للمولدي فرّوج، في القارئ، وقد أنهاها، حيرةً متعدّدةً الأوجه. فهو لا يدري أرواية سيرذاتيّة هي أم لا صلة تربط صاحبها بوقائعها؟

 وهو لا يعرف أهي تقدّم سيرةً لطبيبِ صحّةٍ عموميّةٍ تمّت حديثًا تسميتُه في منطقة حدوديّة نائية أم تقدّم سيرة طبيب فرنسيّ سبقه في المركز وفي الخُطّة تحوم حوله شبهة الجوسسة؟ وهو لا يدري أتتغنّى بالأمازيغ وعاداتهم وتقاليدهم وإصرارهم على المكوث حيث ولدوا رغم البيئة الصلدة الصعبة أم تتغنّى بجمال بناتِ الأمازيغ اللاتي ذهبن بعقل الفرنسيّ، ومن بعده، بعقل الطبيب الشابّ؟ ولا يعرف أيندّد الملاحظ في الرواية، باعتبار أنّ إليه تعود وجهة النظر، بالفساد يستشري طردًا مع التقدّم في الزمن، أم يستهجن استغلال نوّاب الشعب مناصبهم للإساءة إلى الانتقال الديموقراطيّ عبر فهمهم إيّاه غنيمةً يجب الانقضاض عليها؟ ولا يدري أخيرًا أيركّز انتباهه على أحد هذه الإشكالات أم يعتدّ بها جميعًا في إطار من التكامل الذي حقّقه انسجام العمل الروائيّ واتّساقه؟

إنّ عجز القارئ عن الحسم في تخطّي مظاهر الحيرة هذه منفردةً أو مجتمعةً دليلُ لعبة يمارسها الراوي إذ يغري

بالتبسّط في جانب؛ ولكنّه سرعان ما يتراجع مبقيًا القارئ على عطشه. ولعلّ في ممارسة سائق سيّارة الصحّة يروي جانبًا ممّا يَعرِف ويحجم عن استكمال ما بدأه لئلاّ يُتِمّ الكلام إلاّ بعد الاستفسار والإلحاح في الطلب دليلاً على هذا اللعب. وممارسة السائق هذا الإقبال وهذا الإحجام إنّما هو نتيجة نهوضه بدورين فاعليّ وتداوليّ في آن معًا. فهو يعمل في الوحدة الصحّيّة سائقًا وينهض مع الطبيب الشابّ بدور الرّاوي الناقل ما يعرف والمناور بمعرفته، يخفي ما يبدو له واجبًا إخفاؤه، ويُظهِر ما يتصوّر أنّه حريٌّ بأن يُعرَف، حتّى بعد لأي، شأنَه مع اسم الطبيب الشابّ طارقٍ. فقد ظلّ اسمُه خفيًّا إلى حدود من الرواية متقدِّمة، في وقت يحتاج فيه المرويّ له إلى معرفة بالاسم. وفي المقابل، عرف اسم الطبيب الفرنسيّ بارنار منذ بدايات الرواية.

إنّ هذا اللعب الذي يمارسه الرّاوي مستعملاً ضمير المتكلِّم أو ضمير الغائب يندرج في استراتيجيّة للإدراك جامعةٍ فيها يتنازع ملاحِظٌ ومُخبِرٌ ليتوفّقا آخر المطاف إلى نوع من الوفاق حصيلته وجهة النظر التي يريد من خلالها الراوي، وهو يلفّظ مواقف كلّ منهما، توجيه المرويّ له نحوها. ولهذا نلحظ امتناع السائق تارةً عن البوح، وإقباله تارةً أخرى عليه، وإخفاءَه طورًا تواطؤه مع تجّار التهريب، وإقرارَه بذلك، طورًا آخر، وإخفاءَه، حينًا، أخبار عشق بارنار بعضًا من نساء القرية، وتركَه الطبيب طارقًا يطّلع على هذا العشق بطرقه الخاصّة، وإعلانَه، حينًا آخر، عن شبق هذا الطبيب المقيم في قرية نائية، أهلُها في مسائل العِرض متشدِّدون، وعن ربط هذا الطبيب، أخيرًا، علاقة بطالبة في اختصاص التّاريخ، الأمازيغيّة الحاذقة لغتَها، القادرة على ترجمة نصوصها.

ويُردّ هذا التنازع الذي نشهده بين ملاحِظ يتسقّط الأخبار لا يفرّط في أيّ منها ومخبرٍ يحدّ من هذا الاندفاع ما دام الإدراك، مهما يَقْوَ، يظلّ قاصرًا عن الإحاطة بالمدرَك تمامًا، إلى توتّر العلاقة بينهما باستمرار. ولذلك تأتي لعبة الخفاء والتجلّي لتربك المرويّ له في الملفوظ أو القارئ. ولكنّها تسمح، رغم ذلك، بالإحاطة شبه التامّة بوضع هذا الطبيب في هذه البيئة الأمازيغيّة المحافظة.

وباستيعاب القارئ هذه المعطيات وإصراره على التعامل إيجابًا مع ما يطرحه عليه الراوي، تزداد لهفته إلى استكمال القراءة والبتّ في شأن القضايا التي ظلّت على امتداد الرواية معلّقةً كمصير السائق وعلاقة الطبيب بالعشيقة الأمازيغيّة والموقف من ثقافة القرية الأمازيغيّة يُعلَى من شأنها ويحَضّ على الإقبال عليها.

إنّ هذه الرغبة لدى القارئ في استكمال القراءة هي نتاج إفلاح في جذب انتباهه عبر طرح الإشكال وتأجيل الجواب عنه.


-1-

هل أطوي البساط الأسود؟

وقفْتُ في بهْو الإدارةِ منتظرًا أن يُطِلَّ عليّ مديرٌ أو كاتبٌ أو حاجبٌ ليدلَّني على مكتبِ التّوظيفِ. تركتُ نظري يمْسحُ البلاطَ ويسحَلُ الحيطان ليمْنحُني فكرةً أولى عن الإدارةِ وما خبّأتْ. لا شيْء في البهْو غير ساعة كبيرة معلّقة في مكانٍ جليٍّ كأنّها عينٌ تراقب النّاسَ وتدقّ على أعْصابهم بصوتٍ مُقلقٍ لتذكّرَهم. تحت السّاعةِ كتابةٌ بالخطّ الغليظ على البلّور لشعارٍ صادفني في كثيرٍ من الإداراتِ: الموظّفُ في خدمةِ المُواطن. وفوقها كتابة أخرى لشعارٍ قديم: الوقتُ من ذهب. خامرني الشّكّ وقادني إلى انتظار السّيّء. الشعارات لا تعكس الحقائق إلا تلك التي كنّا نكتبها على جدران الكلّية ونغيّرها كلّ أسبوع. كنّا نرفع تلك الشعارات بحماس العسكر ونردّدها في وجه رجال الشّرطة لنثير غضبهم.  أحسستُ بحاجة ملحّةٍ إلى تخليص قدميّ من الحذاء الجديد الذي ظلّ يعصرهما طيلة ستّ ساعاتٍ في السّيّارةِ. كأنّ به حصى وأقف عليها بألمٍ.  قاومتُ تلك الحاجة وطمأنتُ نفسي: ها قد هانتْ. الرّحْلةُ الشّاقّةُ تنتهي دائما بنزْعِ الحذاءِ، هل أنزعُه في الادارة أم هل أقاوم مشقّةَ الانتظار أيضا؟

أصِلُ إلى هذا المكان بعد خمْس سنواتٍ من البطالة المُرّةِ مقهورا كجنديٍّ ينهي عقوبةَ السّجن من أجل جرمٍ لم يرتكبْه. شعرت بأنّني أوقد النّار من بقايا رمادٍ نسيَتْه الرّيح. مرّتْ سنواتُ الحرقة بمُرّها الكثير وبحلْوها القليلِ وأسعفتني الحكومةُ في نهاية المطاف بانتدابٍ انتشَلني من عذابِ البِطالَة، وعيّنتْني في آخر نقطة من ترابِ الجمهوريّة التّونسيّةِ؛ إنّها على أيّة حال جزء من البلاد. لا فرْقَ عندِي بين شمالِ البلادِ وجنوبِها.

أنا هنا منذ ساعةٍ تقريبا فلماذا لم يفتحوا البابَ في وجهي؟  ولماذا لم يسْرعْ إليّ أحدٌ من مكتبه؟ الوقتُ عادتنا المميتةُ، نقتله بتمطيطه ولا نستغلُّه. الوقت من الذّهب الذي يصيبه الصّديد. ألقيتُ نظرةً ماسِحةً على كلّ الأبوابِ المتشابهةِ في زخْرفِها ولونها. البابُ المبطّنُ الفاخرُ هو بابُ مكتبِ المديرِ، لا أحَد يشكّ في ذلك. توجهتُ إلى البابِ المحاذي له. لا بدّ أن يكونَ مكتَبَ السّكرتيرةِ، طرقتُه برفقٍ مرّةً ثم ثانيةً حتى سمعتُ صوتا نسائيًّا يأتي من نفَقٍ طويلٍ كأنّه نغمةٌ موسيقيّةٌ ناشزة. استجبتُ إلى هذا الصّوتِ الذي يدْعوني برقّة أنْ تفضلْ بالدّخولِ. ألقيتُ رأسي على أعْلى عنقي بقوّة لأبدُوَ أكثر انضباطًا وفتحتُ البابَ فإذا بي أمام امرأتينِ. مددتُ يدي إلى التي على اليمينِ مصافحًا فانتصبتْ واقفةً وصبّتْ عليّ شلالا من الكآبة دُفعةً واحدةً ولفّتْ سلامَها في بعض عباراتٍ تناثرَتْ على أطراف شفتيْها. لم أتبيّنْ معنًى لتمتمتِها وهي تقفُ أمامي كعجوزٍ تُصدرُ أمرَها القاسِي إلى الصّبيان. شعرتُ بغضبٍ بطيءٍ يرْقاني ويربكُ ركبتيَّ وتمالكتُ نفسي وهممتُ بالارْتماء على الكرسيِّ وبقيتُ واقفًا بين العنادِ والخَجَلِ، يشدُّني هولُ المفاجأةِ. ظلّت المرأة تنظر اليّ من فوق كتفيها كأنّها بومة تترصّد فريسة تقترب من رأسها.

ورقةُ الانتدابِ التي أوصلها إليّ البريدُ منذ أسبوعٍ، حملتني من السّاحلِ التّونسيّ على قوسِ قزحٍ من الأحلامِ والآمالِ وألقت بي من علوّ فسقطتُ واجمًا في هذا المكتبِ لا أقدرُ على لمّ أشلائي. الرّمال الشاطئيةُ التي يُقْعدُها البَلل عن الهيجانِ استحالتْ إلى كثبانٍ ودوائر رمليّة وأغرقتْ قدميّ المُحْمرّتين في الحذاء الجديد والحصى لا تزال تحت القدم تدقّها من الأسفل. الرّياح تحسنُ المدّ والجزر في الصّحراء. صخرةُ سيزيف تصل إلى مستقرّ لها في قمّةِ الجبلِ وتسقط ما إنْ ينحنِ سيزيفُ من الوجعِ. منذ خمس سنواتِ أو أكثر وأنا أدفعُ الصّخرةَ ولا أرتاحُ، أنهيتُ دراستي الجامعيّةَ في كلّية الطّبِّ وناقشتُ أطروحتي وأقسمتُ على طريقة "أبوقراط" أن أسخّرَ معارفي الطّبّية لمساعدةِ النّاس ولو كانوا في أقصى الجنوبِ. القسم نفسُه يجبر الآخرين ومنهم الإدارات على احترامي. هذه المرأةُ الملتفّةُ بالوحشةِ والأسرار لا تعرفُ قسَم "أبوقراط"  

مَرْحبا، قالت، وظلَّتْ واقفةً كالغرابِ في عباءتها الحزينة ِويدي معلّقة في اتّجاه يدِها المُسبلةِ مع جسدها الجامدِ. وتدُ الصّمتِ استحال الى ريبةٍ والتمثال المرمريّ البارد يأسر أنظاري.

لماذا تُخفي حاجبيها وجبينها تحتَ عصابةٍ سوداءَ موحشةٍ؟ رائحة الحقد تنتشر في المكتب وتثير فيّ قلقا ما كنت أتوقّعه.

هل صدرَ منّي سلوكٌ أثار حفيظتها أم هل طبعُها العدائيُّ يرى كلَّ شيءٍ قبيحا؟

كلّ الشّكوكِ صارت جائزةً والارتباكُ سيّد الموقفِ.

إدارة ترفع الشّعارات ولا تطبّق المناشير التي تمنع ارتداء الزّي الطّائفي.

 شعرت بأشعّة حارقة تحاصر وجهي وتربك نظراتي وضاق صدري بأنفاسي المتقطّعة. ما كان عليّ أن أهوّل الأمر لولا أنني أصِلُ للتّوّ على أطراف الأعصابِ تعبًا من طول السّفرِ. حذائي الذي كان يعامل أصابعي بقسوة، ارتخى رأفة بقدميّ أو ربّما أصابه بدوره الإعياء فتهاوت قواه.  أحسست بالألم يقفز الى الصّدر ثم يستقرّ في الرّأس وشعرت بالدّوار. فكّرت في المغادرةِ بحثا عن مكان أفرغ فيه غضبي. بلْ وعزمتُ على العوْدة إلى قريتي. أخذني الخوفُ إلى الضّفّة الأخرى، رأيت أمّي واقفةً في مكان المرأة السّوداء. لا بدّ أن أطوي هذا البساطَ الأسود الذي يتوسّط البهو. سأجد أعذارا كثيرة لأقنعَ أمّي:

سأدّعِي مثلا أنّ المديرَ اشترطَ عليّ أن أدفع له نصفَ الرّاتب ليُمضي على انتدابي؛ البلاد صارت سوقًا للوظائف والرّشاوى والشّعْبُ تطبّع مع ذلك.

سأعْلمها بأنّ الحكومة قرّرتْ أن ترسلني الى ريجيم معتوق لأقضي عقوبة التجنيد القسري، فقد ألقي عليّ القبض أكثر من مرّة أثناء المظاهرات الطلابية ثمّ أعادوني الى الكلّية بعفوٍ مؤقّتٍ، ومن حقّ الدولة أن تستخلص مني دينها. أمّي تكره العسكرَ منذ أن شاهدتْ جنودَ الحربِ العالميّة الثّانية يقتلون بعضهم بلا رحمةٍ من أجل شيءٍ لم تفهمْه. سأبكي أمامها. أمّي تصدّقُ كلّ ما أحكي لها عن شؤونِ الدّنيا ولا تكذّبني أبدا. ولكنّني في هذه المرّة سأتركها لتبكي من الفرحة

ستحتضنني وتبلل خدّي بدموعها السّاخنة اللذيذة لأنني سأعود اليها بهيئة مختلفة وبمشية مختلفة، سأقف أمامها كي أستحثّ الأيام لتمتطي أكتاف بعضها فتهرع الى نهاية الشهر مسرعة وتبسط أكفّها فيسقط فيها المرتّب قطرة قطرة ثم ينهمر دفعة واحدة بين يدي أمّي. أمّي التي بكت فرحا يوم سمعت رئيس لجنة الأطروحات يعلن أن الدّولة تعترف بي طبيبا وتفرض على النّاس احترامي ومكافأتي براتب محترم.  ستبكي مرّة أخرى عندما احدّثها عن طابور المرضى وهم يدعون لي بالخير ويترحّمون على والديّ. ماذا لو خالفت العادة فاعترضت على بكائها وقطعت الطّريق على دموعها، سأقبّلها من جبينها، سأتلذّذ طعم الوشم الذي يملؤه. كم هو جميل هذا الوشم! لم يخطر على بالي يوما أن أسألها عن معناه وعن رموزه، منذ سنوات قليلة عرفت أن لهذا الوشم حكاية أمازيغية بلونه الأخضر والأزرق ورسومه التي تزيد وجه أمي اشراقا. أمّي تحمل وشما على الجبين وآخر على الذقن وثالثا على كفّها الأيسر. وهي تحرص على أن تظلّ وشومها بادية فلا تترك العصابة تغطّي وشم الجبين ولا تضع يديها في قفّاز.

يدي التي لم تزلْ ممدودةً في اتّجاهِ المرأة قادتني إلى الانكماشِ أكثر فأكثر حتى وجدتُ نفسي جالسًا كالمسمارِ على كرسيٍّ قبالةَ المرأتين. أدقّق النظر في هذه العصابة التي تغطّي جبين الموظّفة.

عادت المرأةُ واعتذرتْ بكلّ حياءٍ وأدبٍ:

ـ معذرةً، نحن هنا لا نصافحُ الرّجالَ.

ـ هل تقصدُ زميلتها أيضا؟

 نزل عليّ شعورٌ بالاحتقارِ رهيبٌ، وتدافعتْ عباراتُ الغضب نحو الشّفتين فامتصصْتُها دفعةً واحدةً. عند التّأزّم يكون الصّمت أبلغَ من أيّ كلامٍ. ظللتُ على تلك الحال لحظات، كأنّني خارج الحلبة. أمّا الفتاة صاحبةُ المكتب الذي على اليسار فقد ظلّتْ تراقبُ المشهدَ وهي تدير قلمها بين شفتيها حتّى مرّغته بأحمرِ الشّفاه فتداخلتْ ألوانه. طال صمْتها ولم أتبيّنْ إن كانت شامتةً في زميلتها أو غاضبةً أو إنها ترغب في أن أصعّد الموقفِ. حدّقت فيها متعمّدا وراغبا في جرّها، فتظاهرتْ بالهدوءِ وتركتِ القلم وكرسيّها ومدّت يدها لتمنحَني مصافحةً مطمْئنةً وغلّفتها ببعض الكلام الجميل:

ـ مرحبًا دكتور طارق، ألستَ الطبيبَ المنتظر؟

بقيتُ ممسكا بيدها متشبّثًا بها كأنني أستعين بدفئها لأنهضَ.

ـ أنا بالفعل الدّكتور طارق. ولستُ أدري إن كنت منتظرًا أم غير مرغوب فيّ.

فردّت مبتسمة:

أنا سكرتيرةُ السيّد حامد مدير المستشفى، وقد أوصاني باستقبالك فتفضلْ ورائي؛ إنّه في مكتبه.

هل انفرجتْ بمصافحة امرأة أخرى؟ هل طُويَ البساطُ الأسودُ بجرّة كفّ على كفّ؟

وددتُ لو بقيتُ أكثر في المكتب نفسه حتّى أَغيظ الكاتبة التي خبّأتْ عنّي دفءَ يدها أو برودتها. ولكنّ إصرار السّكرتيرة جعلني أتبعها هادئا. وقبل أن تفتح باب المدير أمامي همستْ بصوت لا يكاد يسمع:

ـ لا تؤاخذ فاطِمة العَانس فهي معقّدةٌ. إنّها لم تتزوّجْ إلى اليوم، فساءتْ طِباعُها. أنا أيضا لم أتزوّجْ ولكنّني آخذ الدّنيا بلا عقدٍ بل ببساطةٍ وفرْحة. أنا اسمي سلوى.

ـ أنتِ أجملُ منها وأحلى وأصغرُ أيضًا.

مشيت وراءها بانضباط عسكريٍّ ولم أجد الوقت لأشكرها فقد سبقتني:

ـ شكرا، قالت، وفتحتْ أمامي الباب فاعترضني المدير مسلّما ومبتسمًا. ثم قابلني وجلسنا أمام مكتبه وفاجأني معبّرا عن خيبة أمل في إدارة المستشفى:

ـ لا أخفي عليك ولا أخيفُك. أمامك مهمّة شاقّة. سوف تُمضي وقتا طويلا وتتعبُ حتى تمسحَ صورةَ الطّبيب الذي ستأخذُ مكانه.

أصابني رأيُ المدير بالإحباطِ فاستنجدتُ بضحكةٍ صفراء عابرة، ومرّ على البال سؤالٌ غامض وأجوبةٌ محتملة عديدة: لماذا ينفّرني من العمل منذ اليومِ الأوّل؟ ولماذا لا يحرص على استجلابِ أكثر ما يمكن من الأطبّاء إلى المستشفى الذي يُديره؟ أم هل يخاف كثرتهم؟ شيئان لا ثالثَ لهما: إمّا أن يكون قد عرفَ انتمائي السّياسي قبل أن أصلَ، وهذا أمر مستبعدٌ، وإمّا أن يكون قد عيّنه الحزبُ الحاكم لسدِّ باب البلاءِ لا لخدمةِ الصّحّةِ في الجهة.

واصل المدير حديثه المستفزّ:

ـ يصعب على الخلَف أن يأخذَ مكان السّلَفِ عندما يكون هذا الأخير قد شغل النّاس ونال إعجابهم. أتمنّى لك النّجاح وأنصحك بالمثابرة. يلزمك كثير من التّضحياتِ لا شكّ.

أوصاني بأن أكون طيّبًا معهم فربّما أنسيهم طيبةَ برنار. ولم ينس أن يبدي لي عرضا لخدمات لم أرغب فيها:

ـ سأكون إلى جانبِك لأحميك في البدايةِ ثم تضع وحدك الحبل على الغارب.

كم كان ماسطًا هذا الكلام! غربلْته فإذا به مديحٌ خارجَ الموضوع ودوائرُ زحفِ ثعبانٍ في الرّمل لا بداية لها ولا نهاية.

سألت: ولماذا غادرهم وهم يحبّونه إلى هذه الدّرجة؟

فأجاب بسرعة، كأنّه كان ينتظر مني هذا السؤال:

ــ وجدُوه ميتا وهو في طريقه إلى العمل، لا تأخذ هذه المسألة في الاعتبار، تلك مشيئةُ الله. من الأفضَلِ أن تبدأ عيادةَ المرضى في أوّل الأسبوعِ. وقد تحتاجُ إلى وقتٍ لترتيبِ الأمور الدّاخلية من ملفّات وأدوية وغير ذلك. خذْ ما يلزمُك من وقتِ وازرعْ حديقتَك كما تشاء فأنا لا أفهم في عملِ الأطبّاء. يمكنك المجيء إلى مكتبي متى شئت أو كلّما احتجت. هل تريد أن تحملك السّيارة الإداريّة يوميّا إلى المستوصف؟

ـ أفضّل استعمال سيّارتي.

شكرني لأنّني أرحت الإدارة من تخصيص سائقٍ ورافقني حتى مكتب السكرتيرة سلوى.

كفُّ سلوى تصافحني من جديد وعيناها على المدير الذي خرج من مكتبه وظلّ يتبعني بنظرهِ. مثل هذه التصرّفات تثيرني، غير أنّني شعرت بفرح عابر هذه المرّة فالمدير ظلّ يقيس خطواتي وأنا أغادر مكتبه، كما يفعل عندما يزورُهُ رجل مهمّ من الحكومة.

قالت سلوى متوجّهة إلى المدير:

ـ سأتلهّى به سي حامد، وسأقوده إلى غرفة المستشفى قبل أن يتدبّر أمره.

فجأة انسحبتْ يدي وتبعتُ سلوى إلى المكتبِ ففتحت درجا وسلّمتني مفتاحًا وقالت: تفضّل، رتّب أمورك في غرفة المبيت ثم عدْ إليّ لإمضاء وثيقة الانتداب.

 

 -2- 

الصّندوق الأسود في صدر السّائق

السّائق مثل محرّك السّيارة ما إن بدأ الكلام حتّى تمادى فيه وأصبح طاغيا على أزيز المحرّك. فتح باب الكلام ونحنُ في طريقنا إلى قرية "شْننِّي":

ـ لا تخفْ من سرعةِ السّيارة فقد عوّدتها على هذا الطّريق إلى أن حفظتْ منعرجاتِه ونقاطَه السّوداءَ. يمكنني أن أغمض عينيّ واتركَ لها أن تقودني إلى حيث أنوي. لا أحد يحفظ الطّريق مثلها إلا أزِيطُ.

لم أشأ أنْ أسألَه عن أزيط هذا حتّى لا أفتح له مجالا جديدا للثّرثرةِ فتركته كالحكواتي يروي خرافتَه حلقاتٍ متتاليةً لا تنتهي. غيّر مجرى الحديث فقال عن السّيّارة:

ـ نحن نتداول على القيادةِ: مرّة تقودني ومرّة أقودها دون ملل، هل صادفت سائقا تقوده مركبته؟  مسكينةٌ قضتْ عمرَها وهي تأكل الطّريق والطّريق يأكلها حتّى أنهكَها وتركَها إلى أرذلِ العُمر. ورغم ذلك فأنا ما زلت على حبّها أحافظ عليها قدر المستطاع وأغار عليها من السوّاق المتهوّرين.

صدفة فارقة أو خارقة جمعتنا فأنشأت بيننا علاقة غريبة، صرنا كالفرسان الثّلاثة. أنا صاحب الكلمة الفصل في كلّ الحالات، أما السيّارة فمطيعة لي وأما الطّريق فالبساط الذي يحضننا والغطاء الذي يحمينا. لا تعجبْ يا دكتور فليس لي حضن أصبّ فيه حيرتي وضيقَ صدري إلا السيّارة وهذا الطّريق. لهما قدرة رهيبة على امتصاص الحزن. إنها السّيارة الوحيدة في العالم التي تتنقل بوجهين وبهويّتين فهي عامّة وهي خاصّة ولها لوحةٌ سوداء وأخرى حمراء. فإذا شقّت الصّحراء بدتْ فارسها المغوار وإذا طلعت الجبال انْحنت لها القممُ وتفتّتت صخورُها. أما إذا قصدت ليبيا فإن كامل البلاد تهب للتّرحيب بها ولا تتركها تعود إلا بالخير العميم. لم أصادفْ أشرفَ منها ولا أوفى، فهي لا تسمح لغيري بركوبها ولا تفتحُ أبوابها إلا إذا أمرتها. هي تحْرنُ كالحصان أمام الراكب الغريب. تحبّها كل الطّرقات المعبّدة وحتّى المسارات غير المعبّدة. مرّة كل أسبوع، نقتحم قلب الصحراء، نذهب إلى واحد من المستوصفات المتناثرة. نترك الطّبيب لعيادة المرضى ونسرح معا غير بعيد فنشتري البيض والدّجاج وحليب النّوق من النّساء اللائي يسكنّ الخيام. وعند عودتنا نعطي للأعوان نصيبا وكذلك للمدير. إنها أصيلة تحفظ الأمانة وتكره الخيانةَ ولا تبوح بالأسرار. أنا لا أشْبه السيّارةَ ولكنّني أشْبه الطّريق فأنا تارة مستقيم وطورا أخفي المنعرجات والمخاطر، هكذا أكون أفضل.

 تركْت السّائق مبْحرا في الثّناء على السّيارة ومبدعًا في وصْفها وكأنّه شاعر يمضي رحلته في التغزّل بعشيقةٍ لا يراها. أيقنت أنه من سلالة الحلاق الثرثار. ورحتُ أنظر في الطّريق محاولا حفظ منعرجاته.

قال السائق:

ـ لا ترحل بعيدا في الصّحراء فهي بطبعها شاسعة يضيع فيها الفكر ويضيق فيها التّفكير.

عجبا، أيتكلّم السّائق بالإيحاء أم يريد أن يجرّني إلى الحديث جرّا؟ تشبّثت بالصّمت، فقال محدّثا نفسه:

الآن عليك أن تخفّض من السّرعة يا ماجد.

ارتسمت على شفتي ابتسامة لم أفهم معناها، لكنّه قرأها جيّدا ففاجأني بالإجابة عن سؤال لم أطرحه:

ــ أنا، ماجد، كبير السوّاق في المستشفى وأمهرهم. ثم انزاح عن الطّريق قليلا وأوقف السيّارة وقال: انزلْ لأقول لك شيئا مهمّا. سحب سيجارتين ومدّ إليّ واحدة وفتح صندوق أسراره، ومطّط لسانه جيّدا:

ـ هذا الكلام الذي أحضرته لك لن تسمعه من أيّ عون من أعوان الإدارة ولا حتى من زملائك ولا من الممرّضين فأرجوك أن تبقيه عروة وثقى بيننا. إنّني توسمّت فيك خيرا ولا يمنعني هذا من اختبارك. الزّمن يمتحن الرّجال، أعطيك في البداية أخبارا فإن نجحت في كتمانها أزيدك أخرى. لا تؤاخذني فأنا صريحٌ وشفّاف وأحبّ الوضوح. توقّفتُ هنا لأنّ لهذا المكان ذكرى عزيزة على كثير من النّاس. هنا بالضّبط انتهت قصّة طويلة لا بداية لها ولا نهاية بل لعلّ حروفها الأولى خُطّت بعيدا، في فرنسا في وقتٍ لا ندركُه، وتوقّفت هنا حيث وجدوه ميتا والحمار إلى جانبه...آ. نسيتُ أن أخبرك مجرّد إخبارٍ لا غايةَ منه. قد تسمع نصف الحقيقة من الآخرين وقد يبدو لك ذلك النّصف صادقا، ولكن كنْ على بيّنةٍ إنّ كثيرا منهم سينقلون إليك الحكاية بإتقانٍ لا يرقى إليه الشّكُّ، إلى درجة أّنك ستصدقها بكامل أطوارها ولا تستطيع إسقاط فاصلة منها. هنا، قلت لك وجدوه ميْتا. انتفضتُ كمن يسمعُ عجبًا مرّتين وسألت:

ـ من هذا الذي وجدوه ميتا؟ وماذا يعنيني من موته أو من حياته؟

ـ الدّكتور برنار، الطّبيب الذي ستعوّضه، فلولا موته لما انتدبوك. معذرة كنت أعتقد أنّك على علمٍ بالتفاصيل. تطاوين لا تحتاج الى طبيب اضافيّ.

لا يحتاج مستشفى تطاوين إلى طبيب إضافي، من أين جاء بهذه المعلومة؟ وهل عرف أنّ مجيئي إلى هذه الجهة كان نصفه صدفة والنّصف الثّاني من تأليفي وإخراجي؟  الصّدفة أمُّ الحدث. فهل أحكي له قصّتي الطّويلة أيضا؟

منذ سنوات والسّلطة ترفض انتدابي حتى في الأماكن القصيّة التي لا يرضى أيّ طبيب بالشّغل فيها. لقد وضعتْ وزارةُ الدّاخليّة على جبيني شارةَ المعارضة وقُضي الأمر. كل مطالب الانتداب التي دفعتها إلى وزارة الصّحة العامّة تُرسلُ إلى وزير الدّاخليّة فيؤشّرُ عليها بالحبرِ الأحمرِ وتُعاد لتُرمى في سلّة المهملات ولا أستطيع حتى استعادتها.

الصّدفة صنعتْ نصْف الحدث وأنا أكملتُ الباقي. فما إن انقلب الجنرال زين العابدين بن علي على الزّعيم الحبيب بورقيبة وافتكّ منه الحكمَ بلياقةٍ وخبثٍ مشروعٍ حتى سارع إلى كسب الميدان والحصول على ما سمّاه الشّرعية الشّعبيّة.

صبَغَ شَعْره الأبيضَ بالأسوَدِ اللّماعِ ووقف في شرفة وزارة الدّاخلية المطلّ على شارع بورقيبة في وسط العاصمة، وخطبَ في النّاس وأعلن انطلاقِ البيعة. وبما أنّه يخاف أن تلصق به تهمة الانتماء الى النهج السّلفي أو الإخواني فقد سمّى حركته هذه الشّرعية الشّعبيّة.

فتح خزينةَ الوعودِ وشرّع أبوابَ الأمل. عفا على المسْجونين الذين كانوا خطّطوا للانقلاب قبلَه ولم ينفّذوه فاختطفه من بين أسنانهم. عليه أن يبْدوَ كريما معهم لأنّهم مهّدوا له النّيّة والفكرة. أطلق أيدي الدّيمقراطية لتفْعلَ مفعولها في العقول المكبوتة ولتحصد تأييدها.

دعا اليساريّين الطّمّاعين فابتلعُوا الطّعم ودخلوا بيت الطّاعة آمنين مستبشرين.

سعى إلى إرضاء الجهاتِ الدّاخلية ليأمنَ شرّ انتفاضها.

أغمض أعينَ المراقبة على المناطق الحدوديّة وسمح لأهلها بالتّجارة الحرّة بلا ضوابط.

أشار إلى الإعلام بأن يمدّ ساقيه أكثر من كسائه ومنحه الكرة وأشار عليه بملعبه.

أعطى أمره للإداراتِ الجهوية لانتدابِ احتياجاتها من الإطارات دون الرّجوع إلى المركز وهذا مربط الفرس؛ فبمجرّد أن علمتُ بهذا القرار حتّى سارعتُ إلى إرسال مطلب عن طريق أحد أقاربي إلى تطاوين وكنتُ أدرك أن المدير الجهوي للصّحة هناك لا يعرفني ولا يعرفُ انتمائي، كنت عوّلت على تسيّب المديرين وجهلهم. فهم لا يقرؤون الجرائد المعارضة ولا يتتبّعون سير المعارضين. ولن يسألني أحد منهم عن سبب اختياري العملَ داخل البلاد في حين أنّ أبواب المدن السّاحلية مفتوحة في هذا الظّرفِ القصيرِ.

رميتُ خطوتي الأولى وانتظرتُ أن تغرق السّاق فأتراجع لأرتكز على الأخرى ولكنّها وقعت حيث يجهل المدير فمشيتُ.

كنت أعددت الجواب مسبقا لكلّ عابر سؤال: نحن الذين في اليسارٍ، ننادي بالديمقراطية وبالعدالة ونتباهى بالنّضال من أجل تقدّم الوطن، نحن أولى بإعطاء المثل وبتقديم خدماتنا لكلّ المواطنين وفي كلّ الجهات، ولا أحد يزايد علينا في التّضحية. بقي الجواب كما السّر في خزينة الذاكرة ولم أجدِ الفرصةَ لاستغلاله.

وكان لي ما أردت، سريعا وصلتِ الموافقةُ وبأسرع منها جئتُ إلى هنا، كان السّائق لا يزال منتظرا تعليقا مني سألته فجأة:

وهل تعرّض الدّكتور لحادث سير مميتٍ؟

انفجر السّائق ضحكا فلم أتحمّل قهقهته وأسرعتُ إلى السّيارة غاضبا وأخذت مكاني في زحمة الأسئلة.

أيسخر من موتِ الدّكتور برنار أم يشمت فيه؟

لا شيء في نظري يبرّر السّخرية من الموت ولا من الميت.

الطبيب يقضي حياته في عداء مع الموت فلماذا يتعرّض للشّماتة عندما يموت؟ استحضرت السّنين الطويلة التي قضيتها في فهم علاقة الطبيب بالحياة. هي الصّورة تتشكّل أمام عينيّ: جالدل ولا الطبيب لا يهاب الموت ويكره شكله، فإذا ما رآه مقدما بلونه الأزرق أو زاحفا نحو أسرّة المرضى، يندفع كرأسِ الحربة في قلبِ الحربِ ليَصُدّه بكل ما يملك من أسلحةٍ وما يبتدع من حيلٍ وخدع، الطّبيب لا ينتظر أن يهاجم الموت مريضه بل يُنصّب نفسه حاجزا جسديّا يحتمي خلفه المريض، ويظل يناور ويبحث عن ثقب غفل عنه الموت ليصيبَه وينتشلَ مريضه. فلماذا نضحّي بجنديّنا الأشجع لنضحك؟

أوّل شيء تعلّمته في كلّية الطّب هو احتقارُ الموت، رغم اقتناعي بأنّ الموت محطّة من محطّات الحياة العديدة. محطّة لا بدّ منها بين حياتين ينفصل فيها الجسد عن الرّوح والمادي عن المعنوي والحاضر عن الغائب والواقع عن المتخيل. من منّا يعرف مصيرنا بعد الدّفن. تلك المحطّة قد تتضاءل حتى تصبح ومضة عابرة.

 أنا طبيب أحبو نحو أوّل درجةٍ من سلّمِ الطّبّ الشاّهقِ، أباشرُ التّجربة وأعيش اللّحظة الفارقة وأسأل نفسي أين يجب أن أجد لي مكانا؟  أبَيْنَ الحياة والموت أم بين الأمل والإحباط؟ أَبيْن الحقيقة والوهم أم بين المقاومة والاستسلام؟ أصعب اللّحظات هي التي تحمل الطّبيب على اجباريّة الاختيار وهو يمسك بشعرة الحسم بين أمرين متلاحمين.

التحق بي السّائق في السّيارة وقال معتذرًا: لنترك الضّحك لمناسبته، أنا الآن في حزنٍ على الدّكتور برنار، سأطلعك على بقيّة الحكاية عند العودة من شننّي، أما الآن فأريدك أن تركّز على الطّريق وألاّ تفعل كما فعل الطّبيب السّابق رحمه الله، ثمّ استدرك: هل يحقّ لي أن أترحّم عليه وهو من أصل فرنسي؟

أجبته بسرعة: وأين دفن؟

ــ في مكان قريب في أرض المسلمين.

ــ وماذا ترك؟

ـ أفاد النّاسَ بعلمه وعمله.

ـ إذًا يمكنك أن تطلب له الرّحمة.

ووعدني بأنه سيحملني لزيارة قبره إن شئت.

شعرت بأن الطّريق سينتهي بسرعة رغم صعوبة السّياقة فيه، الطّرق الصّعبة عادة ما تسهل بالحديث وهذا السّائق ثرثار، يرمي بالطّريق تحت عجلات سيّارته ويشرع في رواياته فترى نفسك ثابتا في مكانك وترى ما خارج السّيارة يسابق حديث السّائق في المدى.

لماذا يصرّ السّائق على تقسيط الأخبار؟ لماذا يرجئ بقية الحكاية الى موعدها الذي قد لا يأتي. الأخبار الجميلة تقطَّر تقطيرا لتزيد السّامع تشويقا. الشّكّ كالاحتياط واجب.

سرعان ما انتهى الطّريق المستقيم ودخلنا في منعرجات خطيرة لا نكاد نتعدّى واحدا حتّى يفاجئنا آخر، وبدأ الخوف يتملّكني، وأنا أفكّر متأرجحا بين مسألتين الأولى انشغالي بحكاية الطّبيب التي قطعها السّائق تلقائيّا وبلا سبب والثانيّة إنّني حديث العهد بسياقة السّيّارات وقد تصعب عليّ هذه المسافة الفاصلة بين تطاوين وشننّي.

بقيت صامتا برهة من الزّمن، مركِّزا نظري على الطّريق إلى أن لاحت لنا بعض المباني المتشابهة في الشّكل الهندسيّ وفي لون الطّلاء. المساكن الشعبيّة تقام على الشكل نفسه، تبنيها الدّولة وتمنحها للبسطاء من المواطنين بأثمان ميسّرة تدفع أقساطا. قال السّائق قبل أن يدخل القسط المستقيم الأخير من الطّريق:

ــ أنا في الحقيقة قليل الكلام كثير التّكثيف، أحبّ البلاغة ولا أحبّ ثرثرة الحلاقين ولا صمت الحزانى؛ خير النّاس من يتكلم بمقدار ويصمت بمقدارين، ولا أحتمل أن يكون مرافقي دائم الصّمت وأغضب إذا رأيته يتثاءب، أنا هكذا واضح وصريح ولا أبوح بأسرار النّاس إلا نادرا أو عندما يكون إفشاء السّرّ لمصلحة من ائتمنني عليه.

يصرّ السّائق على أن يكون أستاذا يملي على سامعه أخلاق السّماع ويعلّمه الأمانة وكتمان السّرّ. إنّه يقطّر دروسه تقطيرا مملاًّ.  هذا الشيء أزعجني وأزعجني أكثر عدم قدرتي على ردّ الفعل. أنا في حاجة الى هذا السّائق.

أوْقفَ السّيارة في السّاحة التي تتوسّط الحيّ قبل أن يقطعَ حبل الكلام، أشار عليّ بالنزول ولمّا يزلْ مبحرًا في توصيف نفسه: أنا الصّندوق الأسود في المستشفى وأنا غطاء بئر أسراره، ولولا تواضعٌ منّي لقلت لك إنّني أهمّ شخصية فيه، وقد تصادفني حارسا في بابه أو متقمّصا دور المدير. سوف تتعرّف عليّ وتفهمني بعد وقت. أمّا الآن فهيّا بنا ندخل المستوصف.

مشى نحو منزل مشابه للمنازل المجاورةِ يرتفع من فوقه علمُ البلاد وفي أعلى الباب وضعت رخامة كتب عليها باللّون الأسود وبخطّ جميلٍ: مستوصف شننّي. عاد مسرعا إلى السّيارة فحمل معه حزمةَ مفاتيح وبدأ في إيلاجها الواحد بعد الأخر حتى عثر على مفتاح المستوصف وفتح الباب.

لم يتركْ لي الفرصة للسؤال عن سبب غلق المستوصف في مثل هذه السّاعة من النّهار واستأنف حديثه:

ــ كان أحمدُ الممرّضَ الوحيدَ الذي رضي بالعمل في هذا المكان كامل الوقتِ ليسعفَ المواطنين من لسعة العقارب، وكان يستعمل ثلاجة المستوصف لتبريد الماء. بلغ هذا الأمر المدير الجهوي فجاءه في زيارة مفاجئة في يوم من أيّام أغسطس الصّعبة. لا أحد كان يتخيّل أنّ المدير سيترك المكيّف في مكتبه ويخرج ليتفقّد مستوصفا معطّلا عن العمل. وألقى المدير القبض على الممرّض متلبّسا باستعمال معدّات المستوصف لغاية شخصيّة، الثّلاجة مثلا. وبعد التّأنيب والتّهديد والوعيد أمر المدير الجهوي الممرّض بالإجابة عن استجواب كان قد حمله معه للغرض.

سألت بغرابة: وهل عوقب الممرّض من أجل وضع قارورة ماء في ثلاجة المستوصف في يوم شديد الحرّ؟

أجاب السّائق: لا، لم يكلّف نفسه عناء الإجابة ولم يترك للمدير الجهوي فرصة تسليط العقاب بل أمضى على قفا الورقة استقالته ورمى بالمفتاح على المكتب وغادر.

وسرى ردّ الممرضِ على استجواب المدير الجهوي في أرجاء الجهة سريان الحرّ في قيلولة أغسطس. ومنذ ذلك اليوم السّاخن لم تجد الإدارة ممرّضا يرضى بالعمل في هذا المكان الخالي. وها أنت ترى كم هو موحش. ثم دعاني نحو آخر منزل في الحيّ. سحب من جيبه حفنة مفاتيح أخرى وفتح الباب ودلف إلى داخل المنزل فتبعته. اعترضتني رائحة غريبة كأنّها رائحة تبنٍ عفن في إسطبل مغلق، تفطّن السّائق إلى امتعاضي من الرّائحة فنظر إليّ ثمّ انفجر ضحكا وأنا مندهش من أمره ومن الرّائحة، مشى خطوات أخرى في البهو، فتح باب غرفة فلم ألاحظ فيها أي فوضى: سرير ومكتب فاخر وبعض الكتب والمجلات مصفّفة بعناية على رفّ من الألومينيوم طويل ومزركش يجلب الإعجاب. على إحدى الطّاولات كثير من المعدّات الطّبّية توحي بأنّ الغرفة شبيهة بمكتب طبيب. باقة ورد مهملة في ابريقها البلّوري، ذابلة بلا ماء.

ــ هذه غرفة نوم الدّكتور برنار، وهذا المنزل لي ثم حشر نفسه في الحكاية حتى صار عمودها الفقري وصارت اللّقطة الاعتراضية أطول من لقطات الفلم مجمّعة، قال أيضا:

ـ اقتنيت هذه الأدوات بوساطة من تعاونيّة المستشفى ودفعت ثمنها أقساطا إلى البنك. هي طريقتي في التّعامل مع كلّ المديرين، سأعلمك فيما بعد كيف تتصرّف معهم وتتدبّر أمورك. مرّة أخرى يؤجّل بقيّة حكايته، وواصل:

ــ المديرون لا يستقرّون في مكان. ينتقلون مع كلّ ترقية في سلّم وظائفهم وما أكثرَها. وكنت كلّما علمت بأنّ أحدهم صار على وشك الانتقال إلى مكان آخر، أقترح عليه مساعدته في نقل أمتعته أو عائلته وفي مقابل ذلك كان يتكرّم عليّ باقتراح مساعدتي في قضاء أمر. الدّنيا يا صاحبي أخذ وعطاء، لن تعطينا الأيّام إلا ما نودّ. وأنا صريح وواضح كما تعرف، اقترحت على أحد المديرين وكان يستعدّ للمغادرة تنظيم صفقة لبيع الأثاث القديم الذي لم يعد المستشفى في حاجة إليه، فوافق شريطة أن يكون البيع بالمزاد العلني. وتكفّلت أنا بإحضار كلّ الأختام التي تحتاج إليها الصّفقة: ختم عدل التّنفيذ وختم المشاركين في المناقصة وختم القباضة الماليّة وحتى ختم السّمسار، واكتفى المدير بالإمضاء. واكتفيت أنا بلعب كلّ الأدوار. وتسلّمت هذه المعدّات وهذا الأثاث ودفعت الثمن وحملت البضاعة على سيّارة الإدارة لكيلا تنتبه أنظار العامّة المستنفرة دائما.

اندهشت من الأمر: ومن يسكن هنا؟

ــ آ، زميلك الدّكتور برنار الذي جئت لتعويضه.

مرّة أخرى أحسست بأنني العجلة الخامسة، سأحكي لك البقيّة فيما بعد. أما الآن فأراك منزعجا من هذه الرائحة، تعال، وتقدّمَ إلى الغرفة الأخيرة في البهو. وفتح الباب فإذا بي في إسطبل تملؤه أعلاف متنوعة: شعير وتبن وحشائش جافة وإناء لا يزال ماؤه صافيا. قال السّائق وقد أيقن أنّ المشهد صدمني:

ــ وهذه غرفة نوم الحمار، لم أغيّرْها بعد.

انتابني شعور غريب، خليط من السّخرية والاشمئزاز. وهممت بالخروج لولا رغبتي في كشف الأمر. كيف استطاع الطّبيب أن يروّض الحمار حتّى صار كالقطّ يعيش داخل المنزل؟ فسألته بغرابة:

ـ وأيّ حمار هذا الذي يتقاسم مع الطبيب منزله؟

ـ حماره، قال، حمار الدّكتور برنار واسمه أزيط. احفظ الاسم جيّدا. سوف أحكي لك القصة كاملة.

-3-

لماذا ن أذكياء؟

نحتاج أحيانا إلى طعام مرّ لنشحذ أذواقنا وإلى كلام مثير لنتدرّب على السّماع، ونحتاج إلى معايشة شيء غريب لنعتاد على صبر التّحمّل. كلّ هذه الحالات لا تكون صعبة إلا في بداياتها. وقد نشتاق إليها بعد التّخلّص منها. هكذا الإنسان لا يرضى بالرّوتين وبالهدوء الدّائم ويعتبره مملّا. وكثير من النّاس يحبّون المغامرة في كلّ شيء.

أشعر أنني في حاجة إلى ثرثرة السّائق لأكسرَ الروتين. ليست لي رغبة في جلد الذّات ولا في ازدراء النّفس. حكايات السّائق تشدّني رغم غرابتها، والسّائق تعجّل في العودة إلى المستشفى فحرمني منها. كان سيروي كيف كلّفته الإدارة باستقبال الدّكتور برنار في مطار جربة. سيقول إنّه جهّز السّيارة منذ الصّباح ورشّها بعطر بلدي أصيل. (في تطاوين يَصنع النّاس عطورهم من الحشائش الجبلية الفوّاحة) وكيف قصد المطار قبل ساعات من موعد وصول الطّائرة؛ السّيارات الإدارية كثيرة العطب والسّائق الماهر هو الذي يحتاط حتى من الدوريات الأمنية.

سيقدّم الحكايةَ في شكل سيناريو وسيطلب منّي حسنَ الإنصاتِ والتّصديقَ، سيبدأ كلامه هكذا:

ـ وصلتُ إلى المطار وتركتُ السّيارة في المأوى المخصّصِ للزّائرين حتّى جاء صوتٌ نسويّ رقيقٌ ليعلنَ بلغاتٍ عديدةٍ عن وصولِ الطّائرة القادمةِ من باريس فوقفت عند باب خروج المسافرين رافعا ورقة كتبتُ عليها باللّغة الفرنسيّة مرحبا بالدّكتور برنار. لم يمضِ وقت طويل من الانتظارِ والنّظرِ في وجوه القادمين حتى اندفعَ نحوي الطّبيب كمن يلتقي صديقًا بعد غيبةٍ. سلّم عليّ بحرارةٍ وقدّم نفسه ثمّ اعتذرَ عن تأخّر وصولِ الطّائرة وسـألني إن كان التأخّرُ قد أزعجني فابتسمتُ وطلبتُ منه أن يتبعَني. حملتُ حقيبته كما يفعلُ أعوانُ الاستقبالِ في النّزلِ السياحيّةِ، ومشيتُ أمامَه مردّدا عباراتِ التّرحيبِ. أوصاني المديرُ بحسْنِ استقبالِه وقال إنّ المصافحة الأولى تبقى راسخةً في ذهن الضّيوفِ. وقبل أن نغادرَ جزيرةَ جربة دعوتُه إلى فنجانِ قهوةٍ من البنّ الصّافي في "مقهى عتيق" فرِح ضيفي وسبقنِي فاختارَ مكانًا في المقهى يمكّنُه من النّظر إلى البحرِ.

ـ انها المرّة الأولى التي تزور فيها تونس، أليس كذلك؟

ـ تقريبا، ردّ الدكتور برنار، وسأقضي أسبوعًا في تطاوين قبل أن أقرّر. أنا أحبّ نسق الحياةِ في تونس حتّى وإن بدا بطيئا في نظر البعضِ.

وسرعان ما تعود اسطوانة السّائق المحشوّة أسفل حلقه:

ــ أنا في الحقيقةِ قليلُ الكلام، كثير التكثيفِ وأنا الصّندوقُ الأسودُ في المستشفى، وإنّ ما سأقوله لك قد تسمعُه من سائقٍ آخر ولكن بصفةٍ منقوصةٍ. قرأتُ في عينيك أنّك إنسانٌ يؤتمنُ على السّرّ ومن يؤتمن على الأسرار صاحبُ خصالٍ إنسانيّة راقية. يمكنك أن تستشيرَني في كلّ ما تقدِم عليه فقد أعينك، هكذا لوجهِ الله وإرضاءً لضميري. أنا وكافّة الزّملاءِ وحتى عامّة النّاس نتمنّى أن تعجبكَ جهتُنا وأنا متأكّدٌ من أنّك ستعشقُها. وأودّ أن أنبّهك إلى شيءٍ مهمٍّ جدّا: لا تنتقدْ عاداتِنا وإنْ بدتْ لك غريبةً فعادات الشّعوب تختلفُ عن بعضها وليس ثمّة عاداتٌ جيّدة وأخرى سيّئة. تعلّم كيف تقبلُ الاختلافَ لتعيشَ مع الآخرين باحترامٍ متبادلٍ. هذه الأرضُ أحسنتْ استقبالَ كلّ من جاءها مسالِمًا وعاشَ فيها هادئًا. وثارت في وجْه كلّ من حاولَ إذلالَ أهلها.

 

-4-

لم تنجح في ترويضه

لم يخطر على بالي أن الهواء الصّحراوي الجافّ يساعد الإنسان على النّوم الهادئ فيهدهده لينام ويدغدغه ليستفيق بحيويّة ونشاط كبيرين. أنا معتاد على النّوم في الرّطوبة رغم مقتي الشّديد لها. في فصل الصّيف تعصرني إلى أن أوشك أن أخرج من جلدي. أما قدرتي على تحمّل السّهر فقد فرضتها عليّ حصص الاستمرار في المستشفى.

في الصّحراء تستيقظ الشّمس دفعة واحدة فترمي بحمرتها على البساط والجبال وتمزجها بخيوط صفراء، بسرعة أيضا. ثم تأخذ مكانها في السّماء حيث لا يستطيع أحدٌ أن ينظر فيها. تستمرّ هناك في مراقبة الأرض إلى أن يحين موعد انسحابها فتستعيد حمرتها، لا يعرف أحد من أين تستردّها، وترمي بها خلف المغيب حيث تبترد أشعّتها، مخلّفة وراءها برنسا أسود من الظّلام. 

تردّدت في الخروج وحيدا إلى شنني وتهيّبت السّفرة الأولى خوفا من الطّريق، وفي النّهاية غادرت الغرفة وركبت سيّارتي، وما إن قذفتني مدينة تطاوين حتى بان لي الطّريق موحشا، يطلع في اتّجاه السّماء أو يفضي إلى المجهول، كان عليّ أن أتبيّن ذلك جيّدا يوم حملني السّائق. هل تغيّر الطّريق؟ هل تمدّد أم هل تمطّط؟ كيف قطعناه دون أن نشعر بالكلل ولا بالخوف؟ هل يحبّ الطّريق سالكه فيمنحه الطّمأنينة ويقشع وحشته؟ اقتنعت بأن الأيّام مسافات من الزمن تتواتر ونحن نملؤها بما نريد، فإذا نجحنا فرحنا وإذا فشلنا جعلناها شمّاعة لفشلنا. هو اختيار على أيّة حال وللرّجل اختيار مهمّ واحد في حياته وأنا اخترتُ أن أكون طبيبا. سأمشي إلى الأمام، كمن يشقّ الصّحراء وحيدا بلا جمل أو يجوب البحر بلا بوصلة. حدّثت نفسي لأشجّعها: لماذا لا أكون كالمجنون في مفترق طرق؟ لماذا لا أجنّ في الخلاء؟ الجنون الذي لا يراه الآخرون هو الصواب عينه. أطلقت حنجرتي للغناء فغنّيت هادئا في البداية ثم ردّدت الشّعر وصفّرت واستعدتُ نغمات الصّالحي التي حفظتها منذ الصّغر. وكنت أحيانا أختطف يديّ من مقود السّيارة لأصفّق بسرعة، بدّدت وحشة الطّريق بحكمة عابرة: الغناء قاهر الخلاء. عرفت أن الهواء الصّحراوي أنقى وأخفّ من هواء السّاحل الرّطب. وللصّحراء بهجتها.

قطعت كامل الطريق الذي يفصل مدينة تطاوين عن شننّي دون أن أشعر بملل. لا أذكر أن أحدا اعترضني ولا حتى دابّة. لا أحد يأتي من الاتجاه المقابل أو ربما ابتلعني الغناء فلم أسمع ولم أر شيئا، والآن؟ ها أنا أصل إلى العمران، إنّه الخلاء المعمور دون سكّان، منازل متشابهة ومتلاصقة لا تكادُ تميّز الواحد من الآخر إلا بالرّقم المرسوم على جانب الباب. المستوصف الذي زرته صحبة السّائق هو الوحيد الذي يتميّز من المنازل المجاورة بالعلم المرفوع على سطحه وبالكتابة التي تدلّ عليه. ما الذي جعل السّكّان يرفضون هذه المنازل؟ هل عاودهم الحنين إلى الارتحال في عمق الصّحراء؟ أحيانا يحتاج الجواب الى بحث عميق دقيق وإن كان السّؤال بسيطا؟

نظرتُ إلى الجبل فخيّل إليّ أنّه يهمّ بابتلاعي، أمعنتُ النّظر بشجاعة ودقّقت كما يفعل الباحث الجيولوجي عندما يفاجئه مكان مجهول وسألت:

ـ هل كلّ هذه الجبال كانت مرميّة في قاع البحر؟

ـ هل هذه الطّبقات الصّخريّة المختلفة في اللّون والحجم وربّما في الطّعم والرّائحة هي كلّ ما ترك البحر قبل أن تشربه المحيطات؟ طبقات تبدو مرصوفةً ومتداخلةً من دون نظام ولا ترتيب؟

قبل ملايين القرون كان البحر يملأ الجنوب من شرقه إلى غربه، ثم بدأ رحلته نحو الشّمال وخلّف الفوسفاط من ورائه. البحر بدأ الهجرة إلى الغرب قبل سكّان الجنوب.

أترك سيّارتي وأترجّل، أمشي لأفحص المكان من الجهات الأربع متوجّسا مثل عصا الأعمى، جبل هنا، سفح هناك، صخور تتدافع في ازدحام شديد في بطن الجبل، ألوانُ أتربةٍ لا يستطيع المرء أن يفصل بينها. ينتابك شعور بالغربة والضّياع، بالخوف أحيانا. منذ متى لم يتغيّر شكل المكان ولونُه؟ هل يتعمّد الزّمن التّرجّل ليوهمنا بالاستقرار؟ كل شيءٍ يبدو ثابتا فهل الأرض استقرّت وتوقّفت عن الدّوران وانتهى الأمر؟ لا شيء يدلّ على أن الحياة مستمرّة ولو ببطء شديد، هناك فقط خيط رقيق: نبع صغير يكاد أن ينفلت من بين جروح في الصّخور تنزف ماءً. هل هذا كلّ ما بقي من كرم الجبال؟ اقتربتُ من النّبعِ، الشّلالات الصّغيرة تتجمّع أسفل الجبل في غدير قطره أمتار قليلةٌ. يتوزّع الغدير إلى جداول صغيرة أخرى، يمشي خيطُ الماء في الرّمل ويسري بعيدا كالثّعبان يدفعُ نفسَه حتّى لا تبتلعَه الأرضُ. يمشي نحو قلبِ الصّحراءِ لعلّه يدركه ولمّا يزلْ في شريانِهِ نبضٌ. أو ربّما يرتمي في حوضٍ مخفيٍّ بين صخور أخرى فيعود إلى نبعه الأوّل، من يدري؟ لا أظنّ أنّه يسقي الزّرع والطّير والشّجر؛ هنا لا زرع ولا طير. شجرة يتيمة في المكان لا أحد يؤنسها غير ظلّها، فحتى خيط الماء الذي يحاذيها راوغها ومرّ في طريقه غير عابئ بعطشها. هل اختارت أن تبتعد عن النّبع أم هل تحاشاها الماء؟ ربّما امتدّت عروقها تحت الغدير لتسرق الماء بللا في غفلةٍ عن النّبع. النّباتُ يصارعُ أيضا من أجل البقاء. هذه الشّجرة تومض بالحياة وتمنح ما استطاعت من ظلالٍ. أستعيد هدوئي وأستنشق عبق الطّبيعة وروائح التّاريخ. الطّير مرّ من هنا. استوطن المكان ثم ترك أعشاشه في أمانة الجبل على أمل العودة مرّة أخرى. هكذا نحن نرحل من زمن إلى زمن. نستودع التّاريخ أحقاب الزّمن التي نعيشها. الحياة تستمرّ والأرض لا تستقرّ، تدور بنا بسرعة 1600 كم في الساعة ولا تسقطنا ولا نشعر بالدّوران ولا بالغثيان. أنظر في التّضاريس التي تحيط بي فأُعجبُ بها ولا أستطيع فكّ أسرارها؛ طبقات الصّخور توشك أن تنفلتَ من بطن الجبل كالماء يخرجُ من إسفنجٍ معصورٍ، أقتربُ أكثر. أخاف قليلا لكنّني أقترب أكثر. أرى بعض الأصداف؛ البحر كان هنا وارتحل مع الطّيور. لماذا لا يعيد الحيتان إلى أصدافها؟ هذه الأرض كم كانت جميلة من دون صحراء!

أنظر في الجبل وألحّ عليه في الكلام: هات لي أشجارا لأزرعها في الصّحراء ظلا نستظل به معا. لا شيء هنا إلا شجرة الإنسان الضّاربة في التّاريخ لا تنحني للرّياح وإن بقيت على عود واحد.

أقف صامتا، أترصّد صدى لكلام لم أقله أو امتصّه الجبل، أتأمّل مضارب الخيام التي أهملها العرب قبل أن ينتقلوا إلى صحراء أخرى؛ اقتلعتها الرّيح بعدهم. العرب لا يستقرّون لا في مكان ولا على حال. أمامي أشلاء حضارة كانت تملأ المكان قبل أن تبتلعها الصّحراء أو يغرقها البحر. العرب لا يحبّون البحر ولا يعمّرون جوانب الطّرق.

أتوقّف عن التّفكير في هذه المسائل، أعود إلى سيّارتي فأشرب وأستلقي إلى ظل الشجرة اليتيمة، هي شامخةٌ ملتحفة بالرّبيع وحافلة به، أحدّق طويلا في أزهارها، مختلفة في الرّائحة ومتشابهة في الحجم، تتمازج ألوانها الزّاهية فتجعل منها لوحة جميلة، تلمّست أغصان الشّجرة فأعجبني التفافها في شكل باقاتٍ تنتهي كلّها إلى عروة واحدة لا تنفكّ أبدا. تلك القبائل من الأغصان كيف استطاعت أن تلتفَّ لتكوّن حزما فتقوى وتشتدّ، من أوحى إليها بأن تجمعَ بعضَها وتتوحّدَ من جديد فيأخذ الجذع شكله ويقفَ شامخا يصارعُ الزّمن لينتصر عليه. الأرض حفظتْ ما خبّأت من عروقٍ. أبحث عن نفسي في هذه الشّجرة العظيمة؟ في أيّ مكان منها أعثر على نسب أطمئنّ اليه؟

لم أنته من تدخين سيجارتي حين فاجأني السّائق بأن دعاني إلى الرّكوب ومرافقته إلى قرية شنني القديمة. القرى تشيخ قبل أن تصبح مدنا وقد تندثر تماما. سألته كما يسأل عابر طريق عن وجهته:

ـ ألستُ في شننّي؟

ـ لا، أنت الآن في شنني الجديدة، قرية حديثة بنتْها الحكومةُ منذ سنواتٍ وهيّأتْ أنهجَها وساحاتها وجهزتها بالماء الصّالح للشّراب وبالكهرباء، الحكومة فعلت كلّ شيءٍ لتأهيل المواطنين؛ لكنّهم رفضوا وانتفضوا واعتبروا محاولتها ترويضا لهم وتدجينا، وقرّروا البقاء في قريتهم القديمة في الجبل العالي، لم ينزلوا حتى للعلاج في المستوصف الذي في الأسفل. هيا، هيا أضاف السّائق، سنصعد إلى مركز القرية وسترى إن كان أهلها على حقٍّ.

حسنا فعل السّائق فالطّريق ضيّق وملتوٍ زادته التّربة الطّفليّة التي تغطّي صخور الجبل خطورةً. قال السّائق عندما رأى خوفي وأنا أنظر مندهشا إلى أسفل الجبل:

ـ في الحقيقة كان الطّريق صخريّا يصعب على بعض السّيارات التقدّمَ فيه فجلبوا إليه هذه التّربة الطفليّة التي ما إن تشمّ قطرات المطر أو يبلّلها النّدى حتى تصبح لزجة وتعرّض العربات إلى الانزلاق؛ ستجد صعوبة في البداية قبل أن تصبح فارسا مغوارا لا يهاب المطلق. أومأْتُ برأسي موافقا ورحت أركّز النظر على السّائق وهو يعدّل حركات السّاقين مع صوت المحرّك في تناغم مع المقود وكأنه راقص دبكة أو ضابط إيقاع في فرقة وتريّة. طلب مني أن انتظرَه حيثُ أوقف السّيارة في أعلى الجبل، لم أنتبه إليه وهو يدخل مبنى قديما يفتح على السّاحة؛ كان الجبل المقابل قد شدّ انتباهي وبهرني. تصنعُ الطّبيعة من نفسها لوحاتٍ يصعب على أكبر الرّسّامين أن يأتوا بمثلها: طبقاتُ الجبل تحطّ على بعضها وتُسند أطرافها في فوضى غريبة، هي أوّل مرّة أرى الفوضى جميلة إلى هذا الحدّ، ولأوّل مرّة أشعر بالهدوء والطّمأنينة وأنا أرى قوّة الجبل وعظمته. لا خوف ولا رهبة ولا ارتباك.

الطّبيعة تقيم عروشها وترعاها وتحافظ حتى على عناصرها الضّعيفة. هتلر لم يقل هذا تبريرا لنزعته العنصرية المتوحّشة.

لم يبطئ السّائق في الرّجوع أو لعلّه أبطأ كثيرا غير أنني لم أنتبهْ للوقت وقد بعثرني في المكان. عاد السّائق وأشعل سيجارة ففعلتُ مثله وقال:

ــ لا أفهم لماذا يتشبّث سكّان شننّي بالبقاء في مغاراتهم؟ ألم تعصفْ بهم ريحُ الحضارةِ؟ كان عليهم أن يحافظوا على ثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم وأن ينخرطوا في الحداثة؟ ما العيب في ذلك؟ هذا رأيي الذي لم يسمعه أحد.

قلت: هذا لا يمنع ذلك، آراء المجموعة تكون أحيانا غير متجانسة، ولن تتجانس أبدا. دعاني:

ــ هيّا اتبعني الآن سنطلع إلى قمّة الجبل فرفضتُ وقلت له يكفيني هذا المنظر الجميل، سأترك اكتشافَ الأماكن الأخرى إلى وقت لاحق. سأوزّع حبّي للمكان قطرة قطرة مثلما يوزّع عليّ شريط أخباره. دعاني إلى الطّلوع قليلا فاقتربتُ أكثر من منعطفٍ حادّ يفتح على علوّ كبيرٍ وخطير، قال: لعلّك ترى أنّ القرية كلّها تقف على صخرة كبيرة في كبر الجبل، هي تبدو لناظرها هكذا وفي الحقيقة إن الصّخور في الأعلى متراصّة إلى درجة أنها تبدو كالتّاج على القمّة.

ــ كيف تستطيع تلك الصّخرة أن تحملأو الجميل أن تحمل على ظهرها قبيلة كاملة؟ الطبيعة تعرف كيف تسوّي وقفتها وتشدّ اتّزانها.

قال السائق:

ـ تحفر كلُّ عائلة منزلها في الصّخر نقرًا وتتجاور أبوابُ المغارات حتى تبدو من بعيد كأعشاش طيْر.

ـ ما أجملها، قلت بصوت عال فرد عليّ السائق بسرعة.

ـ خُلق الإنسان هنا ليصارع الطّبيعة، ألا ترى في هذا الصّراع إبداعا؟

النّاس في شنني يتصرّفون مع محيطهم بالفطرةِ، هم يحافظون على جمال مساكنهم وعلى عاداتهم وهم معتزّون بثقافتهم التي ورثوها. لذلك رفضوا أن يستبدلوا أعشاشهم الجميلة بمنازل من الآجر المثقوبِ ولم يرغبوا في استبدال مستوصف المغارة بمستوصف السّفح وبقوا هنا يترقّبون أن يطلّ عليهم الطّبيب الذي من المفروض أن يملأ المكان الذي شغله الدّكتور برنار.

سألته: هل كان برنار يعمل في هذا المستوصف العالي؟

ـ نعم، هو نفسه لم يرغب في النّزول.

في الأثناء اقترب منّي رجل بدين عليه مسحة الطّبّاخين. صافحنا ثم سأل السّائق عن الضّيف. فأعلمه أنّني الطّبيب الذي سيأخذ مكان الدّكتور برنار فانقضّ الرجل على الاسم وراح يردده.

ـ اه، يا برنار. رحمك الله وجعل يديك مصابيح جنّة. رحمك الله ورحم حمارك المهذّب المؤدّب اللّطيف الظّريف الطّريف النّظيف. كم أحبّني ذلك الرجل وأحب الجلوس في المطعم. وكم أحبّني حماره الكريم الذي لم أرَ في حياتي حمارا أجمل منه. تخيّل أنّه يقف أمام المطعم منتظرا صاحبه في هدوء، كنت أصبّ له الشّايَ في إناء خصّصته له فيرفع الإناء بأسنانه ويشرب الشاي ثمّ يعيد الإناء بكل لطف إلى مكانه. نحن نفضّل الدّجاج على الحمير والحال أن الدّجاج يبعثر الحبّ قبل أن يلتقطه، وكذلك تفعل الكلاب تقلب الاواني قبل أن تلتهم الطعام، مسكين حمار برنار.

حتّى هذا الطّبّاخ البدين يعتقد أنني جئت لتعويض الدّكتور برنار. الحمد لله أنّني لم أجئ لأعوّض حماره.

ثم اقتادنا نحو المطعم الوحيد وهو يمضغ الكلام:

ـ لا بد أن يعرف ضيفنا أكلة شنني. لن أتركه يمضي دون أن يقاسمنا ملح الأمانة.

شدّني السائق من يدي فتبعته. المطعم مغارة فسيحة نصفها في الجبل والنّصف الآخر أعمدة من جذوع النّخل مكسوّة بالسعف الجافّ وبقطعةِ قماش زاهية الألوان توحي بالمناخ الافريقي.

شرع صاحب المطعم في الحديث وهو يمسحُ المنضدة أمامنا:

ـ كلّ شيء تراه هنا نصنعه من النّخل، سقف المطعم الخارجي والكراسي والمناضد وحتى كؤوس الماء والأواني، نخلنا، على قلّته لا يطيق له ضرّة، ستكشف لك الأيام المكان بتفاصيله وقد يستهويك ويأسرك.

وتدخّل السّائق:

ــ في المرّة القادمة سيقودك هذا الطّبّاخ الماهر إلى اكتشافات لا يحفظ مداخلها إلا هو، الآن ستتذوّق أكلة شنني التي اشتهرت بها في كامل البلاد وأحبّها السيّاح أيضا، هي أكلة أمازيغية توارثتها الأجيال وتوزّعت في تونس وفي كامل المغرب العربي، خذ لك كوبا من اللبن الحيّ.

أكلت كسكسي شنني بشهيّةِ متطفّلٍ جائعٍ. وفهمت لماذا تتنازع شعوب كثيرة أصل هذه الأكلة، ولماذا تعدّدت أصنافها حتى فاقت المائة.

حالما وصلت الى باب المستشفى اعترضني أحد الموظّفين وقبّلني معزّيا:

ــ البركة فيك في موت الوالد يا دكتور...

أصابني الوجوم ولم أجد سؤالا أطرحه على الموظّف لأتثبّت من صحّة الخبر، وجريت الى موزّع الهاتف فأكّد لي العون أنّ عائلتي طلبتني لتعلمني بموت والدي، أسرعت الى السّيّارة دون أن أعلم أحدا فالإدارة على علم.

وقفت في أول الصّفّ أمام باب المقبرة لأتقبّل التّعازي، كان النهار صامتا حزينا كأنه يقاسمني البكاء برذاذ خريفيّ نزّته سحابة عابرة فنزلت قطراته على جبيني والتحقت بالدمع فذوّبت ملوحته؛ السّحب تتقن العبور على المقابر وقد تلقي عليها السلام من فوق ثم تمرّ مسرعة نحو جبال البلدان الشمالية على الأرجح، هنالك تستقبلها الجبال والناس وقوفا فتلقي ما في جعبتها من خير عميم. ما الذي حملني الى التفكير في المطر وأنا استعدّ لتقبل التعازي في موت والدي؟

ــ عظّم الله أجركم، قلتها لأوّل المعزّين ومددت يدي نحو الثاني، بعض من المعزين يكتفي بالمصافحة ويتمتم بعض الكلمات ثم يمضي، وبعض آخر يحتضنني ويظل يرتّب على كتفي حتى يدفعه القادم وراءه بلطف فيغادر. بقيت هكذا حتى صارت حركاتي أوتوماتيكية وصرت كالروبوت، أمدّ يدي بطريقة معيّنة وأتمتم بعض الجمل الخاصة بهذه المناسبة ثم أسحبها.

كان صفّ المعزّين طويلا، أغلبهم جاء من أجلي. ربّت أبي على كتفي وأنقذني من حالة الذّهول حين قال وهو يرمي بطرف البرنس على ظهري:

ــ أعزّيك في جدّك، كان يحبّك كثيرا. في تلك اللحظة فقط تأكّدت من أنّ الميت جدّي ولم يكن أبي.

عدت الى المنزل أجرّ خطواتي بقدمين من طين، أخفيت رأسي تحت البرنس الصّوفي لأبكي بصمت، أنا أخاف البكاء جهرا، حرصت طيلة نوبات بكائي على ألا يتفطّن أبي. مررت بالزريبة، وحدت فيها خروفا واحدا.

استوقفني أبي ورفع طرف البرنس على وجهي وقال مشيرا الى الزّريبة:

ــ هذا ما تبقّى من قطيع الشياه، كنت تركته لنذبحه في عيد الأضحى ولكن موت جدّك عجّل بذبحه.  سنقيم له فَرْقًا يليق بحفيده الطّبيب.

ألقيت نظرة عابرة على الخروف ولم أستطع أن أمنع نفسي من ابتسامة مليئة بالحزن وقلت في صمت:

ــ ها قد حلّ أجلك أنت الآخر،

واصل أبي: أمّا الحمار فلم يعد يصلح لشيء سوى للأكل. لقد كبر ولم يعد بإمكانه القيام بأي عمل فلاحيّ، لا أخفي عليك أنني تأسّفت لحاله ولم أستطع أن أتركه جائعا حتى الموت، منذ أيام وضعت جهازه على ظهره وابتعدت به قرابة العشرين ميلا عن الدّار وتركته سارحا في ملك الله. ومن الغد وجدته أمام الزريبة ينتظر أن أخلّصه من الجهاز ففعلت. للأحمرة ذاكرة أيضا ولها قلوب تحنّ وأنفس تحسن العشرة ولها حواسّ يا بني.

 

-5-

 

هل حقّا يعرف النّفق؟

أيقظني الهواء الصّحراوي الجافّ، أحسست برغبة جامحة في فعل شيء مهمّ، وبحاجة ملحّة إلى مباشرة الشّغل الذي جئت من أجله. الطّريق إلى العمل شيّق وممتع فلنبدأه. ماذا لو كانت البلاد كلّها صحراء؟ هل كنّا نصحو باكرا حبّا في العمل؟ كلّ شيء يبدو من حولي جميلا وما ينقصني إلا أن أرى ثمرة الجهد الذي بذلته. لا شيء يعطي للحياة معنى إلا الشّغل.

قفزت من سريري وأسرعت نحو النّافذة أنظر من فجوة في السّتارة إلى إطلالة الشّمس، أجنحتها تتكسّر على جبل تطاوين فيستحيل إلى خصلات من الشّعاع الدافئ يدغدغ أجفان المدينة لتستفيق من نومها. الطّبيعة تزين نفسها، المدينة مثلي تحبّ الحياة، رميت ما تبقّى عالقا بأجفاني من فتاتِ نومٍ وارتعشتُ كما ينفُضُ عصفور قطَرات الماءِ من على جناحيهِ ومطّطت جسدِي، أفطرتُ بسرعةٍ وركبت سيّارتي وتركتُ لعجلاتها أن تمسدَ الطّريق باللّحن الذي يعجبها. كان العمل هو الشّيءَ الوحيدَ الذي أفتقده وأشتاق إليه. ها هو يجذبني كما يفعل المغناطيس بورقةِ الحديد.

العمل متعةُ الحياة فإن فقدناها كرهنا الغاية التي جئنا من أجلها وقاربنا الموتَ.

ما معنى أن أكون واقفًا هكذا في صمتٍ بينما تشتغل أعضاء جسدي وحدها وأنا بلا شغل؟ كيف أقنع قلبي بأن يستمرّ في دقّاته وأنا واقف كتمثال من رخام بلا حركة؟ وكيف أطلب من أنفاسي أن تهزّ ضلوعي بحركاتها المتواترة وأنا صامت بلا حركة كشجرة ميتة لا روح فيها ولا ريح تحرّكها؟ أنا على قرارٍ واحدٍ: إمّا العمل أو قطع الصّلة بالمكان.

وأنا في الطريق راجعت بسرعةٍ شروطَ العملِ الكريمِ، تلك التي حفظناها في اجتماعات النّقابةِ.

وليكنْ ما يكونُ، أنا ما جئت لآخذ مكانَ أحد، بل جئتُ بعد أن قدّمتُ ملفّا مشفوعا بسيرة ذاتيّة ترجمتْ مسيرةَ نجاحٍ في كلّ مراحل الدّراسة الجامعيّة. برنامجُ العملِ ودعوةُ المرضى وإحضارُ أدواتِ العملِ، كلّها أشياءٌ لا تعنيني، بل إن التّفكيرَ فيها من شأنه أن يضيعَ منّي وقتًا أحتاج إليه لقضاءِ شيء أهمّ. الآن أقفُ أمام مكتب المدير بانضباط تامّ يشفّ عن مسؤوليّة أو شدّة وعزمٍ. لم أطرق البابَ لكنّني سمعت المديرَ يدعوني إلى الدّخول. سلّمت فصافحني وطلبَ لي كأسَ الشّايِ المعتادَ لكنّني فضّلتُ قهوةً فطلبها من الحاجبِ. قال المدير:

ــ الشّاي جاهزٌ في كلّ وقت ولا يمضي أحد إلى عمله إلا بعد أن يشربَ كأسَه، حاولتُ أن أقاوم هذه العادة فلم أستطعْ وفضّلت أن أنخرط في اللّعبة إيمانا منّي بأنّ الإدارة تعمل على خلقِ مناخٍ مريحٍ يساعد على العملِ. مرّةً واحدةً عرضتُ سائقًا على مجلس التّأديب وعاقبته بعد أن ضبطتُ معه البرّاد والكانون في السّيارة الإدارية. حاملُ النّار لا بدَّ أن يحترقَ بها. أطفأته قبل أن يشعلني معه. فهمتُ ما أراد المدير قوله بالإيحاءِ ولم أعلّقْ. لاحظتُ أنّ كلّ شيءٍ في الإدارة يسير بسرعةٍ: حضور الشّاي والسّيارة الإداريّة والوقت وساعة المدير. وأمّا أنا فتكلمت ببطء كأنّني أتهجّى الكلام ولم أفهم كيف نفضت غضبي على عتبة المكتبِ ولا كيف قبلت رأيَ المدير برحابة صدر وهدوء، قال المديرُ:

ـ أعرف أنّ صبر المواطن على غياب الطّبيب قد طال، ولكن من تعوّد على الصّبر يومين يمكنه أن يصبر أسبوعين أو أكثر ونحن هنا دائما ننتظرُ، فإذا فاتنا قطارٌ علينا أن ننتظرَ الذي يأتي بعده، وإذا نفد دواءٌ علينا أن ننتظر أن يتوافر في الصّيدلية المركزيّة ثمّ في الصّيدليّة الجهوية إلى أن يشرّفنا بوجوده في مخزنِ الأدوية. هكذا نحن في ولاية حدوديّة تفصلنا عن ليبيا وعن الجزائر صحراءٌ شاسعةٌ. أنا أتفهّم حرصك الشّديد على مباشرةِ عملك ويعجبني حرصك هذا ولكن نتمنّى أن ننجح في إجبارِ المواطنين على النّزول إلى المستوصف في السّفح فقد ينزلهم الألمُ من الجبل عنوةً.

ــ أريد موعدا محدّدا لا غير.

ـ لا تهتم، قال المدير، يمكنك تأجيلُ العمل أسبوعا، زرت اليونان مرّة وعدت بمثل شعبي مهمّ: العملُ الذي يمكنُ تأجيله الى الغد لا ينبغي أنْ ينجزَ اليومَ. خذْ ما شئت من الوقتِ لترتيب أمور سُكناك وعُد إن شئت إلى جهتك لإحضار لوازمك فقد لا تتمتّعُ بعطلةٍ إلا بعد أشهُرٍ. افْعل ما تشاء ولا تفكّر في أيّام الرّاحةِ، أنت أهمّ عندي من أيّام عملٍ ضائعة.

سارعتُ إلى الخروج هربًا من الإجابةِ عن حديث المديرِ وبحثتُ عن السّائق. كان سيحدّثني أكثر عن الدّكتور برنار وعن حماره. بحثتُ عنه في المستشفى فلمْ أجده وسألت فلم يدلّني أحدٌ عنه ولا عن سيّارته، هنا تعلّموا أن يختفوا وراء الأجوبَة المتوّهة مثل: كان هنا، يبدو أنّه في الإدارة، سيعود بعد قليل، إنّه في مهمّة رسمية، إنّه في اجتماع... لا أحدَ يدلُّك على أحدٍ خصوصا إذا شاهدوك تخرج من الإدارة أو لمحُوا في يدك ملفًّا، هذا ما أعلمني به صاحبُ المشرب في المستشفى عندما عرف أنّني وافدٌ جديد وأوصاني باللاءات الثّلاث: لا أرى، لا أسمع، لا أعلم،

أبديت امتعاضي متحاشيا لعب دور الشيطان الأخرس.

فهم صاحب المقهى أنّني راوغته بالإجابة فتظاهر بالانخراط في اللّعبة وقال: أنت فهمت الدّرس من عنوانه.

..............

قال السّائق:

ــ بعد أن استقبل مديرُ المستشفى الدّكتور برنار ورحّب به ووعده بالعمل على تسخير كل طاقاتِ الإدارة لخلق مناخٍ يمكّن من حسن أداء العاملين، ويشدّ الدّكتور برنار شخصيّا إلى هذه الجهة، وبعد أن أمضى على تسلّم الشغل رافقته إلى المنزل الذي جهّزتْه له الإدارةُ في منطقة "الرُّقْبَة" وهي منطقةٌ متاخمةٌ للمدينة تمتاز بكثرةِ الآبار وبحدائقها الخضراء، ولم تكن المسافةُ التي تفصل المستشفى عن المنزل كافيةً لأقدّمَ له المنطقة كاملة فاكتفيتُ بأن حدّثته عن الرُّقبة باعتبارها قبلةَ الباحثين عن الظّل والماء عندما يشتدّ حرّ الصّيف وتتثاءبُ الصّحراء بوهجِها الخانقِ الحارقِ.

فتحتُ بابَ المنزل الخارجيّ وتبعني الدّكتور برنار بخطى متثاقلةً، مشى كالكارِه وتركني أدلفُ إلى داخل المنزلِ وحدي وتراجعَ نحو الباب الخارجي فنظر في الجابية، مدّ كفّه ليغرفَ الماءُ منها ويتذوّقه ثم مشى نحو السّيّارة وعاد ليركبها، أسرعت اليه فوجدته ينتفض من شدّة الغضب. قال:

ـ خذني لأستطلع المكان أنا لن أسكن هذا المنزل، أنت لا ذنبَ لك.

لا ذنبَ لي، ماذا يقصِدُ؟

أخذتُ طريقَ العودة صامتًا، ولكنّه طلبَ مني أن أوقفَ السّيّارةَ ففعلتُ، نزلَ وشغّل آلة التصوير المعلّقةِ إلى عنقِه، آلة تصويرٍ لم أر في حياتي شبيهة لها إلا عند الصّحفيّين أو مصوّري التّلفزات، أخذ عديدَ الصّور من كلّ الاتّجاهات ثم دعاني فاقتربتُ وراح يسألني عن المكان بأدقِّ تفاصيله، شرعت في تقديم المكان زاوية زاوية وكأنّني دليلٌ سياحيّ، رويت له بعض الأحداث واجتهدتُ في سردِها بتاريخِها، بدأتُ من حيث يبدأ الدّليل، كنت أملي عليه وهو يسجّل كلامِي ومن حينٍ لآخر يستوقفني ليتثبّت من الاسْم جيّدا ويكتبه كما يسمعه مني، عندما غادرنا الرُّقْبة قلت له:

ــ نحن الآن على بعد ثلاثةِ كيلومتراتٍ من مدينة تطاوين، كانت الرُّقبة في البداية واحةً صغيرةً من النّخيل تُسْقى من آبارٍ ماؤها عذبٌ زلال، اعتنى بها أهلُها وكان أغلبهم قد نزلوا إليها من المغاراتِ المحفُورةِ في الجبال المحيطةِ بالقرية، كانوا يتنقّلون في فصل الخريف جنوبا للحرث والزّراعة ثم يقضون فصل الرّبيع بحثا عن المرعى ويعودون صيفا بعد الحصاد إلى الماء العذب والى الظّل والرّاحة  في واحة الرقبة، ومع مرور الوقت استقرّوا وملؤوا المكان فرحا وحركة وتزاوجوا وكثر النّسل، ودخلَ الأطفالُ إلى المدارسِ وتلك علامةُ الاستقْرارِ. توقّف الطّبيب عن الكتابة ثم عاد إلى الكاميرا فأخذ من جديدٍ صورا أخرى. قلت وهو على تلك الحال:

ـ خذْ صورة كبيرة لجبل بوقرنين الذي يقابلنا، فأعاد آلته إلى صندوقها الجلدي وقال: خذني إلى هناك علّني أجد الفارق بين هذا الجبل وبين جبل بوقرنين جنوب العاصمة.

تلبّسني الشّكّ وبدوت متذبذبا بين التّصديق وسوء النّية. عندما يتقاعد الثّعلب يفقد دهاءه بسرعة. أنا الجاسوس القديم خسرت ذكائي وفقدت حاسّة الشّمّ. سيقودني الشّكّ، مجرّد الشّكّ الى الحقيقة.

هل كان يعرف المكان من قبل؟ ولماذا يسارع بأخذ صورٍ كثيرة وهو الذي ينوي أن يقيم في المدينة؟ زاد شكّي عندما اقتربنا أكثر من جبل بوقرنين ورأيته يدور حول نفسه كالمجنون ممعنا النّظر في كلّ ما يحيط به. فاجأته بالسؤال مرّة أخرى:

ـ أراك تبحث عن شيء ثمين أضعته؟ أزرت المكان من قبل أم أنت تعرفه من كتب الجغرافيا؟ 

ــ أحسّ برغبة جامحة في اكتشاف الأمكنةِ التي أزورها ولو أوّل مرّة، أتخيل أنّ تاريخا كاملا ينام في بطن هذا الجبل، إنّه مكان استراتيجي يصلح لكلّ شيء، لخزن المؤونة أو للحروب أو لتوجيه سيلان الماء أو لأيّ شيء مهمّ آخر.

ثم شغّل الكاميرا وسبقني فمشيتُ وراءه كأنّه دليلي. دخل فجأة إلى بطن الجبل. شغّل الكاميرا فأضاءت الممشى أمامه ومشيتُ صامتا ومتردّدا، نادمًا على المجيء به إلى هذا المكان. وددت لو لم ينتبه للنّفق المنفتح علينا. هل كان يعرف أنّ الفرنسيين حفروا هذا النّفق في بطن الجبل ليصلُوا به قرنيه وأنّهم جعلوا له بابين واحدا يفتح على الشّمال والآخر يفتح على الجنوب واتخذوا منه ملجأ وخزّنوا فيه الغذاء والوقود والسّلاح، سيفاخر بذلك إن كان يعلم الحقيقة.

قلت في نفسي لن أتركه يتباهى بما ترك الفرنسيّون ولو كان حفرة في جبل، سأردّ عليه بأن الأيادي التي حفرت النّفق في الجبل هي أيادي العمّال التونسيّين وهي الأيادي نفسها التي ورثت النّقر في الصّخور وحفرت المغارات لتسكنها، لكنّه لم يفعل بل سبقني الى الثّناء على الأيادي التونسيّة التي أخضعت الطّبيعة لمشيئتها، وقال إّنه يحترم التونسيّين شديد الاحترام، ثم استدار ليجعل جبل القليعة من خلفه وطلب مني أن آخذ له صورة ففعلت وعندما سألني عن تاريخ القرية تردّدت وخفت أن يعرف أن الفرنسيّين حافظوا على الرُّقبة طيلةَ فترة الاحتلال واحةً خضراءَ لِتجود عليهم بالخضر والغلال والماء العذب. وفي لحظةٍ استجمعت أشلاء أفكاري فقلت:

ــ في الحقيقة، سمّيت الرُّقبة بهذا الاسم لأنها تشبِه العنق الذي يربط مضيق الجبل بسهل الفَرش وإن تطاوين سميت بهذا الاسم نسبة إلى عيون الماء الجارية التي كانت في المكان فكلمة تِطاون في اللّغة الأمازيغية تعني العيون الجارية.

شكرني الدّكتور برنار على سعة بالي وعلى فتح المجال أمامه ليعرف المكان.

أضفت:

ـ إنك تعرف هذا المكان معرفة دقيقة وهذا واضح من بحثك عن تفاصيله الخفيّة، فأنت تفتّش المكان كمن أضاع في أحد أركانه شيئا ثمينا لا كمن يزوره لأوّل مرّة، لا تخَفْ ولا تخجل، قُلها صراحة وسرّك في بئر أعمق من آبار الرّقبة مجمعة أم تراني أخطئ التقدير؟

كتمَ ضحكتَه واكتفى بابتسامةٍ محاولا أن يتهرّب من سؤالي.فأحسست أنه أصيب في الصّميم فعاودت عليه السّؤال، وخفت أن أجبره على المراوغة فاختطفت كذبته قبل أن يقولها وأسعفته بالتخلّص من لامبالاته وتركت له الحبل حتّى يعربَ بجوابه وأخرجتُه من زوايا بصري وتركته يفكّر في رأيي إلى أن نطق:

ـ أبدا، أبدا شدّتني تضاريس المكان وفكّرت في أنّ أهله لن يتركوه على طبيعته مليئا بالوحشة بل سيستغلّونه في الدّفاع إن لم يكن في الهجوم، فالعالم كان يعيش على الحروب وكان النّاس يعدّون العدّة لها، وهذا ما وقفت على يقينه فالنّفق دليل على صحّة ما ذهبت إليه من تحليل.

أمعن برنار في التّلاعب فأمعنت في العناد وقرّرت ألا أتراجع عن موقفي. الالحاح في السؤال ليس دائما عنوان الرّكاكة بل هو تأكيد معرفة الجواب. علّقت بكلّ وضوح وجرأة سائلا:

ــ لم يقنعني تحليلك وما زلت معتقدا أنّك جئت تبحث عمّا ترك الفرنسيّون، فهل أنت في بعثة عسكريّة أم هل أنت بالفعل طبيب متعاقد؟

ــ أبدا قال الدّكتور برنار. ثق بي وأعاهدك على قول الحقيقة، أنا بينكم في إطار اتّفاقية تعاون بين تونس وفرنسا وهي اتّفاقية تبنى على الثّقة وحسن النّيّة والاحترام المتبادل بين البلدين. يمكن أن أخدم البلدين في الوقت نفسه وبالشّكل الذي يناسب كلّ بلد. كلّ ما في الأمر أنّني قمت بجولة في مدينة تطاوين وحواشيها. ليست هذه الجولة استكشافية على طريقة فيليب طوماس الذي اكتشف الفوسفاط في الجنوب الغربي التّونسي، جولتي كانت بغاية التّعرف على المكان عن قرب وطرح الأسئلة الجيولوجية والمناخية وحتى الاجتماعية التي لها علاقة بطبيعة الأرض. خلال هذه الجولة   لاحظت أنّ منطقة الرّقبة هي رئة مدينة تطاوين التي تتنفّس من خلالها وتعيش، وهي أجمل الأماكن وأكثرها هدوءا. ورغم هذه القيمة الحياتيّة فإنها تعرّضت ولا تزال تتعرّض للتصفية ومحو الذّات، كيف يسمح لأهلها أن يقطعوا الشّجر ويضعوا مكانه الحجر؟ لماذا يردمون الآبار ويكبتون المياه في قاعها ويمنعونها من أن تسقي عروق الحياة في هذا المكان الأجرد؟ لا فائدة في البحث عن أعذار ولا يمكن للقانون أن يدفع النّاس إلى ارتكاب جريمة تحت جلبابه وظلاله، ولا مجال للسّماح للحريّة الفرديّة بأن تغطي هذه الأفعال الدّنيئة، القانون الذي لا يهدف الى المنفعة لا يسمّى قانونا بل حكما ينفّذه القويّ على الضّعيف، لا ينبغي للسّلطة الجهوية أن تفضّل ناحية على أخرى، وأنا أخمّن أن يكون أعيان البلاد من الرّقبة. لو وقع هذا في فرنسا لقادوا القائمين به الى السّجن. قالها ابن الفرنسية. كان يعرف أن الفرنسيّين اعتنوا بالرّقبة. أحسست بألم الجَلْد، جلد الذّات شماتة في النّفس.

شعرت بمرارة وأنا أستمع إلى طبيبٍ فرنسيّ ضيفٍ يعيّرني من حيث لا يقصد بذنوبٍ ارتكبها أهلي، وما زاد في ألمي أنّني لم أستطع ردّ هذا الكلام على صاحبه فالجريمة واضحة وأنا متلبّس بها نيابةً عن أهلي وما ينقصني إلا الاعتراف، لا أحد يستطيع تبرير تلك الأفعال.

واصل الطّبيب كلامه:

ـ قطعت الطّريق الذي يشقّ الرُّقبة. كان قلبي يمشي ممزّقا على جراح الطّبيعة. لماذا قصّوا أجنحة الشّجر. تلك الأجنحة كانت تعزف سيمفونية الخلود لتبعث الرّاحة في النّفوس فمن أسكتها؟ أنا هكذا أقول ما يخطر على البال ولا أزن الكلام فهو لا يحتمله ميزان، فلماذا أنت ساكت يا سيد؟ قل شيئا ما، قل لي إنني على خطا أو إنني حشرت نفسي في شأن لا يعنيني، وإياك أن تقول إنّ الشيء لا يعنيني بل عكس ذلك. لكنّني لن أسكن هنا.

صمتّ كما يصمت أيّ مهزوم أمام غالبه. وعُدت بالطّبيب الى الإدارة وأعلمت المدير بأنّه رفض السّكن في الرّقبة.

...............

اختار الدكتور برنار أن يستقرّ في شننّي، فاكترى منزلا بالقرب من المستوصف دون أن يعرف مالكَه الأصليّ. وصار يجالس النّاس في مقاهي تطاوين، وحذق لعبة الشكبّة.  وصار النّاس يدعونه لحضور أعراسهم فتعلّم الرّقص البدويّ وحفظ بعض الأغاني وردّدها بلكنة فرنسية جميلة، ولم ينس ابن الفرنسية أن يذهب الى رئيس البلدية ليحدّثه عن الرّقبة ويحتجّ على قطع أشجارها.

 -6-

 

أزيط بلا عصا

بعد أقلّ من شهر على استقراره في تطاوين، قصد الدّكتور برنار سُوق الدّواب الأسبوعيّة التي تنتصبُ كل يوم أربعاء. فوجد المدينة حافلةً؛ النّاسُ لا يتجمّعون إلا في السّوق الأسبوعيّة: ينزلون من أعالي الجبال ويزحفون من الصّحراءِ، يبيعون ويشترون ويتقابلون فيسلّم بعضُهم على بعضٍ ويسألون عن أحوالِ الأبناء الذين في شمالِ البلادِ أو في الخارج ويختمون لقاءَهم ببعض الدّعاء المتداولِ. الرّجال يتقابلون أحيانا في صلاةِ الجمعة أمّا النّساء فلا يعرِفنَ المدينة إلا مرّة كلّ أسبوع.

رغب الدّكتور برنار في شراء حمار فتقدّم الى أحد السّماسرة. فهم السّمسار أن الشّاري لا يعرف أثمان الحمير فاغتنم الفرصة ورفع في صوته مشهرا أحد الأحمرة:

ــ من أوصاني على حمار أكثر طاعة من حمار الميداني بن صالح؟

ــ من يشتري هذا؟ إنه أذكى من حمار الحكيم توما.

ــ وهو لا يعرف تناقضات حمار بوريدان.

ــ وهو من أحفاد الحمار الذهبي الذي تحدّث عنه أبوليوس الأمازيغي، من قال عليّ به؟ أنت أيّها الضّيف، هل تشتريه؟ ما في السّوق أجمل منه، إنّه يكاد أن يبتسم فرحا بك.

ــ أين صاحبه؟

اشترى الدّكتور برنار ذلك الحمار واشترى معه ما يكفيهِ أسبوعا كاملا من العلَف، أوصاه بائعُه به خيرا وسلّمه العصا فردّها الطّبيب عليه وقال:

ـ العصا لا تصلحُ لكي يكونَ الحمارُ حمارًا، اتْركها عندك لتتذكّره جيّدا أو لتذْكر بها حمارَ جُحا. لم يفهم بائعُ الحمار شيئا من هذا الكلام، فقال للدّكتور إنّ الحمار يحرَن إذا لم يسمع الإذن بالانطلاقِ ولا ينطلقُ إلا بالوخزِ ثم لا يسرعُ إلا بالضّرْب، لقد أمضيتُ في تلقينه الثّلاثية الحماريّة التي ذكرتها منذ أن كان جحْشا. ردّ الطّبيب العصا مرّة أخرى إلى الرّجلِ وقال له: يساق الحمار بالكلام ولا يُجرّ من أذنيه. أصرّ البائع على ذمّ حماره حتى بدا غير راغب في بيعه وأضاف: أنا أكره الغشّ، أعلمك بأن صوت حماري هذا مقلق وقد ذكر في القرآن فلا تستمتع بنهيقه، ثم إنّه يحبّ صعود الجبل ويفرح بالمهمّات الصّعبة، يقوم بكلّ ما يؤمر به ولا يطلب مقابلا، انّه في كلمة حمار.

 بحثَ الطبيب في السّوق عن جهازِ الحمار واقتنى له برْدعةً فخمةً تُشبه إلى حدّ كبير سرج الجياد أو تفوُقُه جمالا وإتقَانا وثمنًا أيضًا. واشترى لجاما صغيرا وكساءً من الحرير ورِكابا يناسب قامتَه وجرسا علّقه إلى عنقه. وما إن خرج من السّوق حتّى قفز على ظهر الحمار قفزةَ فارسٍ متمرّس وقفل راجعا إلى شنني، برطع الحمارُ مزهوّا بالكساءِ الجديد فما كبَا ولا خبَا بل راح يرتّبُ خطواتِه ترتيبًا بإيقاعٍ متناسقٍ خالٍ من النّشاز، ويضربُ بحوافره بانتظامٍ مُرْهِفًا السّمْعَ إلى صدى هذا الضرب فيزدادُ فرحا بالسّير وزهْوًا بنغمةِ الحافِرِ. مشى نصفَ المسافة تقريبا وفجأةً خرج عن الطّريق وقصد شجرةَ الصفصاف الوحيدة في المكان، ظنّ برنار أنّ الحمارَ متعوّدٌ على التظلّل بالشّجرةِ فتركه لاختيارِه، توقّف الحمارُ في ظلّ الشّجرة، إنّه يرغب في قليل من الرّاحةِ فالحرّ قد اشتدّ والعطشُ قد أخذ منه مأخذا. صبّ له قليلا من الشّعير وعاد إلى الطّريق يستوقفُ المارّة حتى عثر على قليل من الماء عند أحدهم، جرى إلى الحمارِ فاعترضه طالبًا الماء، شرب الحمارُ ونظر إلى برنار بغرابةٍ: هل فهم أنّ صاحبه بجّله في شربِ الماءِ فسقاه وبقي على عطشِه. أرخى الحمار رأسه شاكرا ثم تلاعب بذيله كما تفعل الكلابُ. من علّمه أن يشكرَ فضل راكبِهِ؟ بائعُه قال إنّه ربّاه على الضّرب بالعصَا فكيفَ تغيّرتْ طباعُه في لحظةٍ، ركب برنار وواصل طريقَه إلى شننّي وكانت الشّمس قد أسرعتْ نحو الشّفق. توقّف الحمار وترك الطبيب ينظر بإعجابٍ إلى مغيبِها، ترى هل يدركُ الحمار هذا المنظرَ الجميلَ الذي ترسمه قُبلةُ الشّمسِ المحترقة على شفةِ الأرض السّائرة نحو الظّلام؟ ربما تمتلكُ الحيواناتُ حاسّة تمكّنها من تمييز الجميل من القبيح وربّما تكره المنحدراتِ وتعشقُ قمم الجبال. ما أجمل هذا اللّقاء اليوميّ بين الشّمس والأرض حينما يولد الشّفق!

أوقف الدّكتور برنار حماره أمام المنزل ودلف إلى الدّاخل ثم عاد بحبلٍ وهمّ بربط دابّته إلى حديدِ الشبّاك، أبعد الحمار رأسه رافضًا أن يُرْبط ثم ابتعد لكيلا يتمكّن برنار من ربطه وركّز عليه أنظاره ثم تمدّد على الأرضِ كأنّه يتّخذ لنفسه مكانا. اقتربتْ قطّة كانت تتردّدُ باستمرارٍ على منزل برنار وماءت فالتفتَ إليها برنار ومدّ ذراعه فقفزتْ على كتفه، تعوّد أن يستقبلها كل يوم بهذه الطريقة مسحَ على رأسها ثم قال لها:

ـ رحّبي بضيفكِ وآنسِيه وبدّدي عنه وحشة المكان، قفزت القطّة وراحت تدور بين ساقي برنار وتتمسّح عليهما وهو يدفعها حتى لا يؤلمها فتعاود لعبتها فرحة بقدومه، ثم ابتعدتْ فجأة ومشت نحو كومة من التّراب فنبشت فيها ونظرت الى برنار وحماره، هزّ الحمار رأسه وركّز على القطّة فقال الطبيب بصوت عال:

ـ ماذا يدور في رأسك أيّها الحمار؟ القطّة تقضي حاجتها في الهواء الطّلق، هل أنت مستعدّ للمبيتِ هنا وهل أنت قادر على قضاء حاجتك مثلها؟ سأختبرك، سأعطيكَ أكثرَ من فرصَةٍ وأتركُ لك الوقتَ حتّى تتعلّم. الإنسانُ لا يتعلّمُ الوضوءَ ولا تنظيفَ نفسِهِ إلا بعدَ سنين. ابْقَ هنا ولا تحاول الهربَ، سأترككَ حرّا نبيلا أخذا بخاطرك، عموما المكان لا يستهويك فهو سفحُ غير ذي زرع، هذه اللّيلة سأكتفي بمنحك اسما جديدا فماذا تختار من الأسماء؟ الحمار الذكي هل يعجبك هذا الاسم؟ العبقريّ؟ أتريد اسما عربيّا أم فرنسيّا، أم اسما من أسماء النّاس؟ دعك منها، فهُم يصفون أغبياهم بالحمير ويسعدون عندما يشبّهون بالذئب، أنت تخدمهم بصبر وفي صمت وهم ينزعجون من صوتك. أراك تحبّ اسما أصيلا، ضاربا في القِدم، أعرف أنك تميل إلى كلّ ما هو عتيق، الأمازيغ كانوا يسمّونك أزيط، سأسمّيك باسم جدّك الأول. هيّا إذًا يا سيّد أزيط نمْ مرتاحَ البال واحكِ لجارتك القطّة قصّة العصا والنّهيق، إنّها طيّبة ستهدهدك بشخيرها اللّطيف حتى تنام، اتركها تتوسّد عنقك.

ردّد الدّكتور برنار كلمة أزيط مرارا وهو يجذب أذن حماره حتّى بدا له أنّ الحمار قد حفظ اسمه، ثم دلف إلى داخل المنزل وعاد بإناء فيه ماء وضعه أمام الحمار وقال:

ــ افتح أبواب عقلك لتفهمني جيّدا يا أزيط، لن أعاملك بالعصا وأنت فهمت ذلك وأعجبتك المعاملة، بل لعلّ بعض النّاس يستحقّون أن يُضْربُوا بها بدلا منك. ألمْ يقلْ ابنُ خلدون في هذه الأمّة: ّتفرّقُهم العصا وتجمّعهم "الطّبلةُ"؟ أنا لن أضربك ولن أُكرِهَكَ على فعل شيءٍ ولن أجرح شعورك ولا جلدك لأنني أكره الدّم ولو سالتْ منه قطرة واحدة، أريد أن تستجيب لكلّ طلباتي مقتنعا، أريدك حرّا تؤدي واجبك ولك عليّ حقوق، أظنّ أنّك فهمت. ولا تنسَ يا أزيط أنك أمازيغي بالاسم وكلمة أمازيغ تعني الانسان الحرّ فكن هكذا حرّا.

........

استفاق الدكتور برنار باكرا فتفقّد حماره ووضع له قليلا من الشّعير ثم دخل فأفطر وركب الحمار وقصد مستشفى تطاوين وهو يفكّر في تخصيص غرفةٍ من غرف المنزل لحماره. وبالفعل عندما عاد بعد غروب الشّمس نزع عن الحمار سرجه وخلّصه من اللّجام ثم تركه غير بعيد عن المنزل ليستأنس بالمكان.

...........

هنا كان السّائق سينهي قصّة برنار وحماره وكان سينتظر منّي أن أشكره أو أن أستدعيه للعشاء في النّزل.

..........

فاجأني السّائق بالسّؤال:

ـ هل بإمكانك أن تفسّر لي لماذا يُنعتُ الغبيّ من النّاسِ بالحمارِ؟ ونحن نرى أنّه أكثر الحيوانات نفعا وصبرا؟

 لم أجدْ جوابًا جاهزًا ولا مُقنِعًا فعادتْ بي الذّاكرةُ إلى قصص الحيوانِ التي تداولها النّاسُ في شكلِ طرائف أحْيانًا، والتي كثيرًا ما بحثتُ عنها في الكتب والأفلامِ فاكتفيت بذكرِ بعض الطّرائف وبعض الأمثلة التي تؤلّفها الشّعوب حول الحمار، وأكّدت له إن العلم لم يثبتْ نقصًا في تصرّف الحمار بل عكسَ ذلك قد أثبتت التّجاربُ أنّ الحمار يقبل التّرويض والاعتيادَ على الشّيء فهو يحفظُ طريقَهُ جيّدا وله ذاكرةٌ قويّةٌ يحْتكم إليها في قضاءِ شؤونِهِ. وما نسمعهُ أو نشاهِدُه من حكاياتٍ إنّما اختَلقها الإنسانُ للتّسليةِ فقط. كثير من الشعوب استعملته في الحروب مثلما استعملت الخيل والجمال والفيلة غير أن المسكين بقي محتقرا.

قال السّائق: أمّا أنا فقد وضعني حمارُ الدّكتور برنار في ورْطةٍ مع إدارةِ المستشفى.

وما شأن الإدارة بقصّة الحمار؟

أجاب:

ــ أنا المسؤول الأوّل على مأوى السّيارات في المستشفى، السّيّارات التّابعة للإدارة وسيّارات الأطبّاء والأعوان. وقد سعيتُ إلى أن يكونَ المأوى خلف الإدارة، يفتحُ على الحديقةِ بعيدا عن أنظار العامّة وحرصْتُ على تنظيمِه بإحْكامٍ فجعلتُ لكلّ طبيب مأوى خاصّا بسيّارته وكتبتُ اسمَه في أعلاه، فأمّا الآخرون فاحترمُوا النّظامَ وسارتِ الأمورُ كما ينبغي إلى أن دخلَ علينا حمارُ الدّكتور برنار فأحدثَ بلبلَةً في المناخ العام واستفزّ بعض الأعوان حتّى بلغ الأمرُ إلى تقديمِ شكوى إلى مدير المستشفى.

ـ وهل قُدّمتْ هذه الشّكوى ضدّ الحمارِ أم ضدّ صاحبه؟

ـ في الحقيقة اشتكتْ فاطمة، الكاتبة في الإدارة من رؤية الحمار من نافذة مكتبها المطلّة على المأوى، لأنّ الدّكتور برنار الذي لا يملك سيّارة، يركن حماره في الرّكن المخصّص لعربته في المأوى.

ـ قل يربط حماره، قاطعته.

ـ لا، أضاف السّائق، بل ينزع عنه السّرجَ واللِّجامَ ويترُكُه طليقًا وهذا الأمرُ حيّرني كثيرًا وشدّ انتباه الجميع فالحمارُ لا يغادرُ مكانَه ولا يُسمعُ له نهيقٌ ولا يهتمّ بمنْ يمرُّ من حوله، إنّه يحتقرُ الجميع فلا يأتمرُ بأمرِ أحدٍ ولا يستجيبُ لغير صاحبِهِ، وكان برنار قد جلبَ حزمةً من التّبْنِ فرشها في مأواه أو إسطبله الخاصّ إن شئتَ القول وكلّفَ إحدى العاملاتِ بتنظيف المكان كلّما اتّسخ، ودفعَ لها أموالا.

ــ أيسمح المديرُ بذلك؟

ـ تمّت العمليّة في سرٍّ ولم يعلمْ أحدٌ غيري، وكانت العاملةُ قد أعلمتْني فغضضت الطّرفَ لا لشيءٍ إلا لأنّها أعلمتني بحادثةٍ زادتني حيرةً وأسئلةً، إنّها لاحظت أنّ الحمارَ يسرح في الحديقةَ فلا يلمسُ شجرةً ولا حشيشًا، كان يحاولُ تحاشي الأنظار ويخدش التّرابَ بحافريه ثمّ يقضي حاجتَه ويعِيدُ التّراب ليردمَ روثَه. لقد تأكّدتُ من ذلك شخصيّا، وعندما سألتُ برنار عن سرّ تصرّفِ الحمارِ بهذا الشّكل أعلمني أنّه تعلّم ذلك من القطّةِ وبيّن لي أنّ الثقافاتِ تمرّ من حيوانٍ إلى آخر تماما مثلما تمرّ بين النّاسِ وأنّ كل الحيوانات قابلة للترويض والتعلّم. وذكّرني بأنّ قابيل تعلّم من الغراب كيف يواري جثّة أخيه هابيل.

ـ ماذا لو غضت فاطمة الطّرف؟  شيء.

ـ يقالُ إنّها ردّتِ الفعلَ لتُحرجَ برنار فهو رغّبها في الزّواج ثم طلّقها قبل أن يدخلَ بها، لقد ظلمتْ نفسَها عندما مشتْ إلى الحمار بنيّةِ إخراجهِ من المستشفى فدارت بهِ عدّةَ مرّات دون أن تفهَم أنّ الحمارَ تهرّب من الإساءةِ إليها وكتمَ غضبَهُ وعندما أيقنَ أنّها مصرّة على إخراجهِ واقتربتْ من ذيلِهِ لتحاولَ أن تجرَّه رفع رجْلهُ الخلفيّةَ وصكّها على الجبين فترك لها جرحًا عميقًا ما زالت تُخْفي ندبته بعصابةٍ سوداء. وكانت فد حاولت أن تغيّر النّدبة الى وشم فلم تنجح.

تذكّرتُ عصابةَ فاطمة وجلبابها الأسودِ وهي تقفُ أمامي دون أن تصافحني، ادّعاءها بأنّ النّساء في المستشفى لا يصافحن الرّجال.

-7-

 

لماذا رقدوا في شنني؟

سُقتُ سيّارتي بحذرٍ كبير وقصدتُ شننّي حتى وصلتُ إلى قمّة الجبل حيثُ القرية القديمةُ، حالما وصلت استوقفني صاحب المطعم فسلّمت من بعيد ومضيْتُ.

صعدتُ نصف الجبل المتبقّي مترجّلا بغير دليلٍ محاولا شرح التّاريخ ظاهريّا دون النّبش في تفاصيله، معتمدا على اجتهادي في تحليل مظاهره البادية للعيانِ. أمّا الأشياء الدّقيقة والتّفاصيلُ الصّغيرةُ فسأسأل عنها المؤرّخين المختصّين، سأحرجهم بأسئلتي العديدة، فأنا أعشق التّاريخ وأكره الجغرافيا لأنّ التّاريخ حيّ ومتحوّل أمّا الجغرافيا فجامدة ثابتة ترفُضُ أن يتدخّل الإنسان فيها إلا بقسط. أنا أحبّ التاريخ لأنّه يحفظ الحضارة والثقافات. عيبه أنّه أحيانا يتواطأ مع الأساطير، وهذا ما جعلني لا أثق في كثير من ادّعاءاته.

ثمة أشياء سهلةٌ معروضةٌ للفهم كألواح الحروف، وثمّة أشياء أخرى صعبةٌ كمفهوم العبارات لا يفهمها إلا المختصّون. عنوان واحد يقود إلى عظمة الإنسان وقدرته على تطويع الطّبيعة، تلك المغارات المحفورة في الجبل بالجهد والعرقِ والإتقانِ والفنّ، بكسرِ الحجر الصّوّان على الحجر، في الحقيقة هي ليست مغارات بل قصور صخريّة خطّط لها أصحابها وهندسوها بشكل يتماشى ومتطلّبات حياتهم، فكّروا في كلّ شيء يحتاجون إليه، فكّروا في الصّعود والنّزول وجعلوا للهواء منافذ وتركوا للشّمس أن تدخل بيوتهم عندما تكون ليّنة طيّبة. أما عندما تعتلي كبد السّماء ويشتدّ حرّها فترى المغارات تظلّل نفسها بأجنحتها وتحمي داخلها من شعاع الشّمس. صعدت بخطى واثقةِ، تتبّعتُ مسلكا صخريّا يبدو أن العربات المجرورةَ قد مهّدت صخوره حتى صارت أملس من طريق معبّدٍ، قادني المسلك إلى باب واسعٍ قدَّ من جذع النّخل، اقتربتُ من الباب لأنظرَ في الدّاخل جيّدا، هل أجد التّاريخ في بطن الجبل؟

هذا رجل يدعوني:

ـ تفضّل، تفضّل، عندنا زيتٌ جديدٌ وجيّدٌ؟

ـ لا، قلتُ، أردت فقط أن أتعرّف على المكان فأنا الطّبيب الجديد في شننّي.

ـ مرحبا بك، قال الرّجل، ستعوّض صاحب الحمار إذًا؟

ــ صاحبُ الحمار قتله الفاطميّون وعلّقوا جلده محشوّا بالتِّبْنِ على باب زويلة، أنا طبيبٌ ولست طبيب أحمرة. أنا لست بيطريّا.

شعرت أن الرّجل أخذ تعليقي مأخذ الجدّ قال:

ـ لا تؤاخذني، أقصد الدّكتور برنار، أمّا نعتُه بصاحب الحمار فلأنّه لا يركب السّيّارات ويفضّل عليها حماره، إلى أن وافاه الأجل، رحمه الله. لقد عاشرنا وتطبّع بطباعنا فأحببناه، هل فهمت يا صاحبي: لقد تطبّع بطباعنا فأحببناه وعاشرناه. على أيّة حالٍ أهلا بك بيننا أنت الآن في معصرة زيتون، انظرْ جيّدا إنّها معصرة تقليديّة، كلّ ما فيها هو من صنع أيدينا، العصّارة والعجلات والخزّان والسّطول وحتى الباب الخارجي ومفتاحه، كلّ ما تراه مصنوعٌ من النّخلِ، أمّا عن عمر هذه المعصرة فلا أعرف ورثتها عن جدّي بالعدول والإشهاد ولا أعرف عمّن ورثها بدوره. أمّا حمارُ الدّكتور برنار فأنا معجبٌ به إعجابًا لا مثيلَ له، ولا أخجلُ من أن أصرّح بأنّني أحترمُهُ لنظافته، أحيانا يبقى قرْبَ المطعم أو أمام المستوصف منتظرًا سيّدَهُ لساعاتٍ دون أن يوسّخ المكان، ولا يقبلُ أكلا من أحدٍ إلا بحضور الدّكتور. صدّقْني إن قلتُ لكأنّني لم أعثرْ على أذكى منه بين الحيوانات، لذلك كان برنار يستعين به على قضاءِ شؤونه فيعلّق إلى عنقه قفّة أو مخلاة ويضع فيها النّقود واسم البضاعة التي يرغب في شرائها ويرسلُه إلى الدّكّان المقصود والحمار يفهم الدّكان بلون القفّة التي يعلّقها صاحبه إلى عنقه، ولا يسمح لأحد أن يقترب منه إلا صاحب الدّكّان المقصود، طبعا كان يأتي إلى معصرتي إذا حمّله الدّكتور قارورة، فالدّكتور يفضّل زيت الزّيتون على كل الزيوت الأخرى، نحن ننتج زيتًا أصيلا منذ عشرات القرون.

لم أشأ أن أناقش الموضوع مع الرّجل وتحاشيت أن أناقشه في زعمه، كنت أعتقد أنّ المكان لم يعرفْ زراعةَ الزّيتون إلا حديثا وها هي المعصرة تكذّب اعتقادي. معصرة بهذا الحجم وبهذا الشّكل، أبديتُ له إعجابي بالمكان وخرجت لأتابع طريقي فناداني ومدّ إليّ قارورة زيتٍ وقال:

ـ عندما يزورنا الخطاف مرّة في السّنة مع بداية الرّبيع، ندهن أطرافه بالزّيت ولا نتركه يرتحل قبل أن نرشّه بناتير ويملأ صدره برائحتها. ناتير هي نوّار الزّيتون في لغة الأمازيغ. هذه القارورة لك عندما تعود من هنا تعال لتأخذها، لا تخجل ولا تجعلني أفرض عليك حملها. شكرتُه مرّة أخرى وخرجت، ناداني من جديد وقال:

ـ إذا كنت تريد الذّهاب إلى مقبرة "السّبعة رقود" فالأفضل أن تمشي إليها مع دليل ليطلعك على تفاصيلها وليمنعك من ارتكاب حماقةٍ قد تضرّ بك، فقد تجرّأ زائر مثلك على إدخال يده في الكهف فاحترقتْ، أرجوك لا ترتكب سوء الظّن بالمقام فقد يؤذيك، هل تقبل مرافقتي؟ أنا أعرف الحكاية كاملة وأنت ضيفنا المقيم؟

سرتُ مع الرّجل مطمئنّا في البداية ثم متوجّسا إلى أن اقتربنا من المكان فزاد ارتباكي وأمسكتُ بذراعه خائفا ونظري منصبٌّ على الصّومعة. فجأة تركتُ الرّجل وقفزت بعض الأمتار؛ تراءى لي أنّ قمتها ستسقط بين الحين والآخر على رأسي، اختطف الرجل ارتباكي وقال:

ـ لا تخفْ فالصّومعة لن تسقطُ علينا، تثبّتْ جيّدا وبهدوءٍ فتلك الانحناءة التي تراها في الأعلى إنما تشير بها نحو القِبلة للصّلاةِ، لكأنها تسبّح بدورها لله، وهي تدورُ مع الشّمس منذ طلوعها إلى أن تغيب وأمّا المسجد فيستقبل الشّمس بدوره عند شروقها لتبعث فيه النّور والدّفء ثم يستدير بالظّهر إلى أشعّتها من الضّحى إلى أن تسقط خلف الجبال حتّى ينعمَ المصلّون بالبرودةِ في أيّام الحرِّ. وقفتُ مشدوها أنظر إلى المسجد الأبيض الجميل وأسأل نفسي:

لماذا أقيمَ في هذا المكان بعيدا عن المغارات المسكونة؟ وكيف يستطيع كبار السّنّ أن يصلوا إليه؟  لم أشأ أن أسأل مرافقي لكنه ألقى إليّ جوابا محاذيا:

ــ رحم الله من خطّط ومن بنى هذا المسجد، لقد أضاف إلى جمال المكان وزاد في خشوعه ثم واصل:

ـ وجودُ المسجد بين جبلين يعرّضه دائما لمجرى هواء ويمنحه طقسًا يناسبُه وحده، لم يترك أجدادنا شيئا للصّدفة: حفروا منازلهم في بطن الجبل وبنوا مسجدهم فوق القمّة بين جبلين وحيّدوا أشعّة الشّمس.

الانسان توّاق الى المضيّ نحو الأعلى، الفضاء الغازي والسماوات حيث وضع الله عرشه.  الله في الأعلى، ألم يكن هو المتعالي؟ والانسان؟ ألم يقضّ حياته طمعا في العلوّ؟ فلماذا أستكثر على الذين سكنوا هذا المكان رغبتهم في اكتساح الأعلى؟

تركت الرّجل يتحدّث. كان المكان موحشا وكنت أرتعد خلسة، وأغالب نفسي وأمضغ خوفي. أضاف ليخرجني من حالة الارتباك:

ـ لا تخف واستعدّ لرؤية التّاريخ من زاوية جليّة.

لماذا لا يتوقّف هذا الرّجل عن تنبيهي إن لم يكن في الحكاية ما يخيف؟

أنا أعرف أنّ الخوف لا يتبدّد إلا متى صار الإنسان في وسطه وأن انتظاره أصعب مراحله لذلك عضضت على قلبي ونفخت في الصّدر جرعة هواء استحالت إلى جرعة شجاعةٍ وأمسكتُ قبضةً بأخرى وصببت في الواحدة قوّة الأخرى، مشيتُ خلفه وأنا أسترق النّظر إلى ما يشبه الكهف: مغارة تفتح فمها نحو كلّ من اقترب منها أو أطلّ عليها، تودّ لو تبتلعه في ظلام بطنها، وعلى جانب من الفتحة صخرةٌ لم يقدر الزّمن ولا الطّبيعة على زحزحتها ولكنّها تبدو متأهّبة للسّقوط على المارّين من أمامها، لا أحد يستطيع أن يفكّ لغزها أو يفهم حكايتها: من أين جاءت وكيف تمكّنت من الصّمود ولماذا أسندت ثقلها على جانب واحد من فم المغارة وهو يبدو متهاويا، لا يقوى على تحمّل جسم إنسان فكيف يمكنه أن يشدّ هذه الصّخرة ويمنعها من التحرّك؟ هل للصّخرة جذور تتشبّث بالعمق؟

ـ تأمّلْ، قال الرجل، وسبّحْ باسم لله الذي يمنع هذه الصّخرة من التّحرك، لقد سخّرها الله لتسدّ الكهف الذي ذُكر في القرآن، أظنّك قد قرأت سورة الكهف وفهمتها.

أومأت برأسي بالإيجاب فأنا لا أحبّذ الحوار في المسائل الدّينية مع أيّ كان).

ــ تعال لننظر في قبورهم. ثم قادني بعض الخطى ومشى حتى تسمّرت قدماي وتوقّفت عن المشي، أدركني الرجل:

ـ عليك أن تعقد النّية.

فسألت: في مثل هذه الحال كيف يمكن أن نعقدها؟

فأجابني: صدِّقْ ما تعرف عن أهل الكهف.

فقلت: لا إله إلا الله.

قال: تقدّم

فمشيت واقتربتُ من القبور و ذكّرني:

ــ اقرأ في سرّك سورة الفاتحة.

فقرأتها جهرا ثم دعوت في السّرّ بحسن الخاتمة من هذه الرّحلة، واستعذت بالله من الشّياطين بأنواعها وتقدّمتُ واثقا وأنا أتمتم المَعُوذتين.

هي سبعةُ أضرحةٍ بالتّمام والكمال طول الواحد منها قرابة المترين وهو طول الإنسان القديم حسب كثير من الفرضيّات. كلها متوجّهة برؤوسها نحو القبلة. المسلمون يدفنون موتاهم على هكذا طريقةٍ، هل هذه فعلا أضرحة أهل الكهف؟ من ينفي قال الرّجل؟ ثم أين قبور أهل الكهف إن لم تكن هذه التي أمامنا؟ ولماذا سمّيت بالرقود السّبعة ولم تسمّ بالقبور السّبعة أو بأي سبعة أخرى؟ فكلمة رقود تعني أنّهم ناموا إلى جوار بعضهم المدّة نفسها أيضا.

من يقرأ التّاريخ على شفاه الرّواة لا بدّ أن يتمتّع بغرابته، وفي الغرابة حكمة: تجتمع العناصر لتؤلف رواية متكاملة تشبه الأسطورةَ أساسها التّشويق والغرابة والمتانة، فإذا شكّ سامع ذكّره الرّاوي بحكمة الله فأقنعه وبدّد شكّه وأوقفه على عتبة القرآن والسّنّة.

للتّاريخ حكمة وللحكمة تاريخ فكيف أنجو من هذا دون الوقوع في ذاك؟ وكيف أكذّب أو أصدّق كلّ الأساطير التي وردت في القرآن؟

لماذا سمّاها الناس أساطير؟

أليس هذا دليلا قاطعا على وجود شكّ هنا أو هناك؟

لماذا لم تؤخذ القصص على أنّها وقعت فعلا وتحددّ الأمكنة والأزمنة التي وقعت فيها وكذلك طول المدّة؟ للتّاريخ حكمة إهمال التّفاصيل والاكتفاء بحفظ العناوين، التّاريخ يتعمّد التّأويل ليترك المجال واسعا أمام الخيال فيختلق الحكايات ويسردها بأكثر تشويقًا؟

للحكمة تاريخ فهي التي درّبت العقل البشري على التّفكير والخلق والابتكار وفرز الأبيض من الأسود والصّحيح من الخطأ، ترجئ الحدث إلى حين وتخرجه متى حان وقت إعلانه وتضمّه إلى عناصر التّاريخ. الأساطير لا تاريخ لها لكنّ الحكمة تخرج منها وتختفي من جيل إلى آخر فيصدّقها بعض ويسخر منها بعض آخر، تأخذها عقول مسلّمة وتطرحها عقول أخرى على مائدة البحث والتّحليل.

تتزاحم الأساطير فأفرز بعضها عن الأخر وأتبيّن أقربها إلى الحقيقة. لا أجد إقناعا واحدا فأنكر انتفاضة العقل وأجري إلى دوس ملكة التّفكير وأذكر: اللّهم إيمانا كإيمان العجائز، لكنّ التّفكير في القبور السّبعة لا يفارقني، أجد الحلّ في سؤال بسيط، فهل أواجه به هذا الرّجل الذي يجتهد ليثبتَ لي بالحجّة والقرآن أنّ أهل الكهف ماتوا هنا:

ـ هل ماتوا في الوقت نفسه؟

لنفرض أنّ الأوّل مات فحفرَ له الباقون قبرا ودفنوه. من حفر قبر السّابع ومن دفن الكلب؟ ولنفترض أيضا أن فاعلَ خير أو عابرَ سبيل تفضّل فقُبر السّابع قرب أصحابه. هل كانوا كلّهم في الطول نفسِه؟ ربّما. هذه حفر سطحيّة عارية للرّيح كأنّها صناديق صخريّة مفتوحة على أشعّة الشّمس، فكيف نسمّيها قبورا؟ ولماذا لا نسمّيها حفرا بسيطة حفرها الإنسان في الصّخر ليجفّف فيها طعامه بأشعّة الشّمس قبل خزنه مثلا؟ منذ أن تعلّم قابيل من الغراب كيف يواري سوءة أخيه والإنسان يحسن دفن الميت، فلا يترك قبره عاريا مثل قبور "السّبعة رقود". والحكمة تقتضي أن نسأل التّاريخ عن أحداثه بدقّة وأن نرْجع الأحكامَ إلى العقل، فكيف أحدّث هذا الرّجل دون أن أحرجه وكيف أقنعُه بما لا يرى، وهل أقول له إنّ بعض المؤرّخين يرجعون هذا الشّكل من القبور الصّخريّة إلى البوشيمان في العهد البرونزي؟ اللّهم إيمانا كإيمان العجائز.

أبديتُ اقتناعي بكلام الرّجل، ينبغي على الضّيف أن يصدّق مضيّفه، شكرته ورحت أتأمّل في الأضرحة فأحسستُ بفخر الانتماء إلى هؤلاء الجدودِ الذين قدروا على الولوج في بطن الصّخر، وتركوا بصماتهم منقوشة في جبين التّاريخ ومعروضة نحو السّماء في قمم الجبال. ما أعظم هؤلاء الذين أنتمي إليهم! فهل صحيح أنني أنتمي إلى هذه الأصول؟ أم أنا خليط من هنا وهناك؟ سأفترض ذلك لأتمكّن من الافتخار بالنّفس والنّسب ما دمت لم أعثر على نسب آخر إلى حدّ هذه السّاعة. الإنسان في حاجة دائمة إلى البحث عما يرفع معنويّاته، وعلى إقناعه بجدوى حياته وكذلك على إثبات بصماته ليسعى من خلالها إلى الخلود. كبرنا على الاعتزاز بالماضي ولو كان عارا. تضخيم الأنا ولو كذبا ضرورة دائمة للإحساس بقيمة الذّات. وكأن الرّجل مصرٌّ على اثارة الدّهشة في ضيفه فلم يكتف بزيارة "السّبعة رقود" بل قادني نحو إحدى المغارات. ذكّرني بضرورة "عقد النّيّة" وقراءة الفاتحة سرّا. مرّة أخرى أصابتني الدّهشة وزادت حدّتها كلّما تقدّمت خطوة. وضعت يدي على صخرة مصقولة بإتقان على باب المغارة متفحّصا شكلها ولونها، تحسست برودتها فتركت أصابعي لتنقر على وجنتها نقرات غير متناسقة. فجأة انفلتت الصخرة من أصابعي وهوت بسرعة نحو السفح، وسحبتني معها. رأيت جسمي العالق بها يهوي بسرعة غريبة. الضوء المنبعث من كل جهة يبهرني فلم أتبيّن شيئا من حولي ولم أعد قادرا على النّظر. سمعت أصواتا متداخلة وصفيرا منبعثا من قاع بئر عميقة. لم أعد قادرا على التّحكّم في بدني ولا حتى على رفع يدي، حاولت أن أصرخ فارتدّ الصّوت إلى الحلق. وتسارعت دقّات قلبي واضطربت أنفاسي واقتنعت بأنّي هالك لا محالة. لا طلوع ولا رجوع، لم أجد الوقت لأودّع أمّي وهي تقف أمامي منتحبة، لم يلتفت إليّ أحد غيرها، كلّ النّاس الذين تجمّعوا من حولي ينظرون الى الأعلى، من حيث زلقت الصّخرة. كأنهم في انتظار دورهم الى القاع. طارت ملابسي فبان جسدي عاريا يغطّيه زغب في لون الشّيب وينزّ منه عرق بارد. شهقت شهقة كبرى وفتحت عينيّ باحثا عن وعيي الذي حملته الصّخرة، كان الرّجل صاحب المعصرة لا يزال يرشّني بالماء ويضرب على خدّي. قال:

 ــ يبدو أنّك لم تفطر جيّدا هذا الصّباح ووضع في كفّي عنقودا من التّمر لا أعرف من أين أتى به.

قلت للرّجل ونحن نتبع انحدار الجبل نحو الأسفل: أهذا سحرٌ أم لغز أم غموض؟ فقال: بل هو جمال الحقيقة، فاعقدِ النّية دائما وإلا توقَّفَ الماءُ عن السّيلان، ثم نزلنا إلى أن وصلنا إلى نبع يخرج منه الماء رقراقا عذبا، أسرع الرّجل في القبض على حفنة ماء، شربت حتى انطفأ عطشي وسألت الرّجل إن كان بالإمكان أن أملأ منها فأعلمني أن النّبع ملكٌ للجميعِ وأن أغلب النّاس يشربون من مائه فهو أحلى وأصفى من ماء شركة التّوزيع، الدّكتور برنار كان يحمل زاده من الماء من هنا بعد أن حلّله في مخبر المستشفى، هذا ما أعلمني به شخصيّا ونصحني بأن أتزوّد منه وأن أزوّد به معصرتي ليشرب منه العاملون والزّائرون، رحمه الله كان يحبّني، هل يحقّ لي أن أترحّم عليه؟

ـ ولم لا؟ قلتُ للرّجل، ثم عدت معه نزولا ودعوته إلى تناول الغداء معي في مطعم شنني فتردّد في البداية وأبدى حرجا لكنّه لبّى دعوتي بعد إصراري. جاءنا صاحب المطعم بصحنِ الزّيت وبحبّات الزّيتون وقطعتين صغيرتين من كسرة القمح السّمراء وقال: بعد قليل يكون الكسكسي جاهزا. كسكسي شنني لا يؤكل إلا ساخنا ولا يبرد إلا باللّبن الطّازج، ووضع إبريق الماء الذي يجلبه كل يوم من النّبع نفسه، وتركنا للحديث.

لكزني صاحبي وأشار إلى امرأةٍ قد ناصفت الطّريق الذي يفصل المستوصف عن المطعم قال:

ـ هل عرفتَ تلك المرأة؟

ـ إنّها من شننّي، أكيد؟

ـ هي الممرّضة كنزة المسؤولة عن المستوصف، يبدو أنّك لم تباشر عملك هنا؟

ـ أنتظرُ أن ينزل المرضى الى المستوصف.

ـ يبدو أن انتظارك سيطول يا صاحبي.

تحاشيت الحديث مع الرّجل في مسائل الشّغل وتظاهرت بعدم الاهتمام بالمرأة وهي تقترب أكثر منّا، استرقت النظر إليها فبدت لي من تحت السفساري امرأة ذات قوام رشيق، جسد متناسق تضيع تضاريسه تحت اللّباس ولا تبدو منه إلا نتوءات قليلة فتزيدها جمالا وجاذبية. تمشي منتصبة فتوقّع خطواتها على الأرض الصّخريّة بإيقاع جميل. أنا لست خبيرا بكوريغرافيا جسد الأنثى ولكنني أستطيع أن أقدّر علوّ كعب المرأة عندما تمشي أمامي دون عجلة، مرّت مسرعة ولم تنس أن ترمينا بابتسامة عابرة لكنّها مشرقة، لمن ابتسمت؟ ولماذا رمقتني بنظرة غريبة؟ لعلّها خمنت أنّني الطبيب الجديد. الشيء الواضح عطرها الذي حرّك في النّفس نشوة وجعلني أتابع قوامها وهي تغيب في المنحدر في اتجاه شنني الجديدة. تركتها تبتعد وعدت لأسال صاحبي عن سرّ ارتدائها لباس السفساري فقال:

ـ هي فعلا امرأة جميلة وتدرك أنها كذلك، وهي امرأة معتدّة بنفسها وبنسبها فهي من عائلة محافظة، تزوّجت من رجل محترم ولها ثلاثة أطفال على ما أظن، هنا في شنني نتوارث الاحترام للمرأة كما نتوارث الممتلكات الأخرى، تلك مسألة ينبغي عليك أن تعرفها قبل أن تندمج في مجتمعنا، وقبل أن يزلّ لسانك لا سامح الله ولو عن حسن نيّة فترتكب حماقة، نحن نسمّيها حماقة وإن كانت تعتبر شيئا عاديا في أمكنة أخرى، أنت ترى الممرضة كنزة تضع السفساري الذي وضعته المرأة الأمازيغية منذ عشرات القرون.

لم أفهم هذا السّلوك المزدوج وهذا التّشبّث الأحمق بعادات لا علاقة لها بالحياء ولا بحسن الأخلاق، هممت بسؤال الرّجل عن هذا التّناقض السّافر الذي يرقى إلى مستوى الانفصام في الشّخصيّة، ولكن تراجعت خوفا من ردّة فعل لا أترقّبها، سأسأل كنزة مباشرة عن شعورها عندما تمرّ ملفوفة في سفساريها في الشّارع، وماذا يمكن لأعين الرّجال أن تختطف منها. جمال المرأة نصفان، نصف يراه الرّجل ونصف يتخيّله، وكنزة بفعلتها هذه إنما تخفي نصف جمالها وتبقي على النّصف الذي لا يكفي حتى للإعجاب، ثم ماذا لو سألتها كيف تسمح لنفسها أن تخلع السفساري عندما تباشر عملها في المستوصف؟ ألا تستقبل الرّجال هناك فتحدّثهم وتسألهم عن أحوالهم الذّاتية والجنسيّة، وقد يغتنمون الفرصة فيتمادون في الوصف ويتوسّعون في الحديث المثير، ستقول لي إن متطلبات العمل تستوجب وضع بلوزة عوضا عن السفساري وتستوجب الصّراحة مهما كانت المواقفُ محرجةً. أذكر أن بدايتي في الممارسة الطبية كانت صعبة للغاية، أضعت وقتا كثيرا في فهم علاقة المريض بمرضه، حتى أيقنت أنه يقرأ مدى خطورة المرض في عيون فاحصيه.

 -8-الطُّعم المغشوش

كان السّائق في انتظاري في باب المستشفى كالقضاء المحتوم، اعتدت على ثرثرته حتّى أصبحت أبحث عنها، أظلّ أسمع ولا أعلّق، ولكنّني اليوم لم أرغب في مقابلته فانتظرني هو. ما إن أطلّت سيّارتي حتى ترك الباب واعترضني مشيرا علي بالتّوقف ففعلت، ركب إلى جانبي وقال: سأخبرك بما لا يستطيع أحد أن يفتح به فمه (ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ)، هيّا بنا نحو حانة النّزل ففي هذا الوقت تكون خالية من الزّبائن، سُقت سيّارتي نحو وجهة أخرى، توقّفت بالقرب من مقهى يبدو لقاصده انه هادئ جدّا، ودخلت فتبعني السّائق صامتا أو مغتاظا، قال بعد أن جلسنا:

ــ تعوّد الدّكتور برنار على شرب الكحول بكثرة حتى صار مدمنا؛ لا يمرّ عليه يوم دون أن يشرب خمرًا أو جعّة، في البداية كان يجلس ليلا في مطعم النزل فيتناول عشاءه مع كؤوس من الويسكي، ثمّ يركب حماره ويبيت في شننّي. وبمرور الوقت كسب بعض النّدامى حتى اكتظّت بهم جوانب المنضدة وصار مجلسهم يشار إليه بالذّقن، وتوطّدت العلاقة بين برنار والجماعة فكسب صداقتهم وصار حديثهم بلا حواجز ولا ضوابط، وانهار جدار الحياءِ إلى درجة أن بعضهم لا يخجل من حشر أنفه في حياة الطّبيب الخاصّة وفي حياته المهنيّة، وكثرت الأسئلة عن سبب إدمانه وكان يكرّر عليهم التّعليق نفسه وبالعربيّة الفصحى: ندمت فأدمنت، وترك لهم فرصة التأويل كلّ حسب مؤهّلاته، فظنّ  بعضهم أنّه ندم على فعلة دنيئة ارتكبها في بلاده وقال آخر إنه قد يكون ندم على فراق عائلته أو على ارتكاب جريمة نُفي من أجلها، وقال ألطف النّاس إن الطّبيب ندم على الزّمن الذي عاشه في فرنسا قبل أن يعرف تطاوين. وشيئا فشيئا هبط الملل على النّدامى وعلى زعيمهم وساد القلق جلسة الشيء المعتاد فصار الطّبيب يحمل معه قوارير الخمر ليتناولها في منزله في شننّي.

أمّا الخافي من الحكاية فلا يعلمه أحد سواي، إذ لا أحد يعرف أو حتّى يتخيّل أن الدّكتور اتّخذ من حماره نديما منضبطا فعلّمه شرب الخمر، كما درّبه صاحب المطعم على شرب الشّاي والمشروبات الغازيّة، وأصبح ينادمه كأسا بكأسٍ، وقد أعجب الطّبيب بنديمه لهدوئه ولصمته وحيائه ففضّله على النّدامى القدامى، وملأ به فراغ المنزل وقتل به الوحشة والوحدة. وأخبرني الدكتور برنار شخصيّا بأنّه اضطرّ إلى خلط الخمر التي يقدّمها الى الحمار بالماء لأنّه يشرب كالإسفنجة المالحة، وفي نهاية كلّ شهر كان الطبيب يقيم حفلا عائليّا فيُحضِر الدّجاج المشويَّ والحلويات ويختار الجيّد من الخمر ولا ينسى أن يدلّل حماره فيجلب له الخسّ والجزر بخضاره وبعض الخضراوات الأخرى. ولا يبدأ الحفل حتّى تحضر القطّة ليشرب النّديمان نخب صحّتها. في هذه المرّات فقط يسمح الطبيب لحماره بأن يكرع من الشّراب ما يشاء. فإذا ما سكر قام على خلفيّتيه ليرقص كما تفعل الجياد المدرّبة، وقرّب حافريه الأماميّين ليصفّق مطأطئا رأسه ليحيّي القطّة وقد رآها حمارا مثله أو ربّما ديناصورا. ولسان حاله يقول: أنا أسْكر حتّى أرى الدّيك حمارا... مثلي.

همس لي السّائق بصوت خافت وبنبرة حزينة: إنّ الإدمان وصل بالطّبيب إلى حدّ شرب الكحول، يشتريها من محلات المواد الغذائية فيخلطها بالمشروبات باختلاف أنواعها ويسكر، أمّا الحمار فيفضّل الكوكاكولا ويسعد بشربها مع الويسكي، وقيل إنّه يفرّق بين الكوكا الأصلية وبين المدلّسة التي يجلبها التّجّار من السّوق الليبيّة. الأخبار في هذه الجهة تنتقل بسرعة الصّوت أو هي أسرع منه، فما إن يطلعِ الخبر من دكّان مّا حتى يطوف بسرعة ويمرّ مرور كرة الثّلج على الألسن ويتعاظمَ ما بين سامع وحاكٍ، بلغ الخبر الدّكتور برنار نفسه فأحجم عن التزوّد من هذه الدّكاكين وصار يرسلُ حماره لجلْبها. قاطعت السائق:

ــ هل أجبروه على الحدّ من تناول الخمرِ؟

ـ لا أظنّ، قال السّائق، إذ لا أحد تجرّأ مباشرة أو حتى بالإيحاء على طرح الموضوع معه، رغم أنّ الأمر أصبح محرجا للإدارة، وربّما وصل إلى سفارة فرنسا، وممّا زاد الوضع تعقيدا أنّ الطّبيب صار يغتنم الفرص لشرب الكحول التي يستعملها الممرّضون في التّضميد. وعندما علم مدير المستشفى أمَر الممرّضين بإخفاء قارورة الكحول دون أن يتفطّن حتى لا يشعر بالإحراج، ونبّه الجميع بضرورة إخفاء السّر عن عامّة النّاس حتّى يظلوا على محبّته. وأضاف السّائق: نسيت أن أخبرك بأنّ الدّكتور برنار لم يكن من المدخّنين مثلي، ولكنّه كان لا يحرم حماره منه فكان يحضر له النّرجيلة بنفسه.

طلبت من السّائق أن يحملني إلى قبر برنار إلا أنه صعّب الأمور أكثر حين أعلمني بأن باب المقبرة موصد بالحديد والشّمع وأنّ قبر برنار لا يظهر فوق الأرض إلا لبعض العارفين مثله، حاولت فكّ شفرة اللّغز فسلّمت السّائق وصلا شفويا كان كافيا لفتح باب المقبرة الفردية. قال: أمتلك أذن جاسوس وأنف نسناس ولكنّني صاحب أمانة وأهل ثقة وأريدك أن تكون مثلي.

أومأت بالرأس موافقا فواصل:

ـ لا أحد من أعوان المستشفى يعرف مكان قبر برنار إلا أنا، لأنني حملته مع أعوان من الحماية المدنيّة بتسخير من الإدارة، وقبل أن تسألني تذكر أنّني قلت لك إنّ حمار برنار وجد ميتا حيث مات صاحبه؟ بالفعل، أضرب الحمار عن الأكل والشّرب منذ أن مات نديمه وصار يقضي يومه واجما في جيئة وذهاب بين تطاوين وشنني، فإذا جاء الليل مشى إلى المكان الذي مات فيه برنار ونام هناك، لقد هجر ساحة المنزل ولم يعد يرغب في الاقتراب من الحيّ الجديد، مرّت أيام أو شهور والحمار في إضراب وحشيّ. لست متأكّدا من هذا الأمر فربّما يأتيه   بعضُهم بما يسدّ به رمقه. الحمير كالعقارب يمكن أن تصوم دهورا. ظلّ أزيط على هذه الحال حتى نحل واعتلّ وطلعه الموت وسرعان ما انتفخت بطنه. وشاع خبر موت الحمار بين النّاس. لم نكن نعلم بموت الحيوانات من قبل. ونظرا إلى خطورة المسألة فقد قرّر المجلس البلدي أن يُدفن الفقيد إلى جانب صاحبه لأنّ رئيس المجلس كان على علم بالعلاقة   الحميمية التي تربط المتوفّيْن، وقد أراد بهذه اللّفتة أن يكرمهما بالدّفن جنبا إلى جنبٍ، لكنّه لم يمنع خبر تلك العلاقة من الانتشار بين النّاس فزادوا في الحديث، فقال أحدهم إنّه سمع الطبيب ينادي الحمار باسمه أزيط فيستجيب    للنداء ويقترب منه وينكّس رأسه كأنه حاجب ينتظر أمر سيّده، وأشاع آخر أن الطّبيب استطاع في وقت قصير أن يروّض الحمار وأن يربّيه بالتي هي أحسن ودون لجوء إلى ضربه. وقد ضرب بهذه المعاملة اللّطيفة درسا أكّد فيه أنّ الحيوان يقاد بالكلام ولا بالضّرب. وادّعى غيرهم أنّ الطبيب قدّم محاضرات عديدة في الموضوع في ملتقيات طبّية مختصّة في تربية الحيوان وسلوكه. وخلص إلى أنّ السلوك الحسن ينتشر بين النّاس بالإقناع والموعظة الحسنة لا بالسّيف ولا بقوّة الحديد والنّار، فالقوّة والظلم يخلّفان الحقد والنزوع إلى الثأر عند الانسان كما عند الحيوان. ثم لا ينبغي ألاّ ننسى يا صاحبي أن فرنسا استبقت استعمارها لتونس بأن أرسلت قافلة من المبشّرين قبل أن تمضي وثيقة الحماية، وما الدّكتور برنار إلا صناعة الفكر الفرنسي، فلا غرابة إذًا أن يعاملَ حمارَه بلطفٍ. أمّا شيوخ الدّين في الجهةِ فقد أرجعوا هذه العلاقة إلى حكمةٍ من الله بثّت في المخلوقات الرّفق والحنان وحسن المعاملة وإنّ السّورة القرآنية التي تقول: "إنَّ أَنْكَرَ الأصْواتِ لصَوْتُ الحَمِيرِ "لا تعني أزيط فهو لم يُسْمَعْ له نهيقٌ، وكان يكتفي بتحريك أذنيه أو ذيله كلّما أراد أن يعبّر لصاحبه عن شيء، ولعلّ هذا الموقف من شيوخ الإفتاء هو الذي جعل بعض النّاس يعتقدون في بركات برنار ويعتبرونه من الأولياء الصّالحين، فجعلوا قبره مزارا ومكانا لطلب الرّحمة والتّبرّك. وبنى بعضهم قبّة من الطين وسقّفها بجذوع النخل وصار يجمع كل ليلة جمعة بعضا من المريدين فيقيمون حضرة كما لو أنهم في مقام وليّ صالح فيضوع البخور وتضرب الدّفوف وتقرع الطبلات، وينشد الجوق: يا سيدي برنار.... يا صاحب الحمار... وسّع باب الدار ...جاتك الزّوّار يا سيدي.

وعندما لاحظت الحكومةُ هذا التصرّف وخافت على معتقدات النّاس قرّرت تحويل قبر برنار وقبر حماره إلى مكان مجهول لا أحد يعرفهما سواي.

ركبتُ إلى جانب السّائق في سيّارة الإدارة فسارت بنا مسافة قصيرة جدّا كان بالإمكان أن نمشيها مترجّلين. فما إن اختفت سيارتنا خلف الجبل حتى أوقفها السّائق وأشار إلى بعض الحجارة في منحدر الجبل من الغرب وقال:

ـ هنالك حيث بعض الأحجار المتناثرة ينام برنار والحمار نومهما الأبديّ. هل لاحظت ذكاء الحكومة؟ هي تخبّئ الشيء عند أصحابه لأنهم لا يبحثون عنه إلا بعيدا وهو في نظري دهاء استراتيجي بمفهوم السّاعة.

نزلت وتبعني السّائق، اقتربت من الحجارة التي أشار اليها، سكّتّ محرك السّيّارة فجأة فنظر السّائق خلفه مستغربا. تحرّك النّسيم ودار من حولنا كأنّه دوّامة واشتدّ هبوب الرّيح حتى صارت عاصفة رملية أخفيت عينيّ بكفّي وهرعت نحو السّيّارة. كان السّائق قد سبقني وشغّل المحرك فزمجر بقوّة غير عادية. قال السائق وقد تحرّكت العجلات وهدأت العاصفة:

ــ لا أودّ أن أخيفك ولكن لا تقترب من هذا المكان.

قلت: مجرّد صدفة. فأضاف مدّعيا أنّ الصّدف تختار لحظة وقوعها وغيّر مجرى الحديث:

ـ أن أمنحك منزلي أهون عليّ من أن أبني كذبة واترك مصيرها في مهبّ الرّيح. يصعب على الأعزب أن يجد منزلا للكراء. أمّا برنار فإنه كان على وشك الزّواج ثانية وقد خطب واحدة من بنات البلد.

ـ من تونسية مسلمة؟

ـ نعم كان قد خطب فاطمة كاتبة الإدارة وتقدّم إلى أهلها بعد أن حصل على موافقتها واستشار مدير المستشفى وأخذ رأي أصدقائه الذين كانوا ينادمونه، وكم شجعتُه على ذلك لكنّه خالفني الرّأي.

فقاطعته:

ـ حسنا فعل، فتلك الفتاة كومة من العقد تنفّر من الدّخول إلى الإدارة، ذلك المكان لا تستأهله، يصحّ فيها قول "جبالك الرواسي ولا عبدك الثقيل" ولماذا لم يتزوّجها واكتفى بخطبتها؟

أردف السائق:

ـ ظننت في البداية أنّها اشترطت عليه التّفريط في الحمار. وتتبّعت الخيط الموصل الى موقف رجال الدّين من هذه المسألة. كان عليّ أن أتابع الموضوع ففعلت حتى أدركت أنّ الدّكتور برنار اتّهِم بالاعتداء على الأخلاق الحميدة وأساء إلى الإمام الخطيب وفي ذلك إهانة الجهة كاملة نظرا إلى مكانة الإمام. يشاع، والعهدة على من روى، أنّ الإمامَ صرّح أن برنار لم يكن مختونا فقصده في يوم جمعة وربط حماره في سور الجامع، وانتظره أمام المسجد، فلمّا خرج من إمامة النّاس ناداه غير بعيد واستشاره في الأمر فأكّد الإمام ادّعاءه جهرا وأصرّ على أنّ هذه الزّيجة لا تجوز فما كان من برنار إلا أن خلع سرواله أمام النّاس وأشهدهم على حالته، ولم تنته الحكاية عند هذا الحدّ بل وصلت إلى الدّهاليز الظّلماء في المحكمة، بعيدا عن عيون المتطفلين. وخوفا من انتشار الفضيحة قرّر الوالي أن تقع محاكمة الطبّيب، بحضور الإمام المشتكي في محكمة أخرى وأن تكون سرّية تماما كما تقع محاكمات الطلاق.

ـ وما هي التّهمة التي قادت برنار إلى القاضي؟

انتابت السّائق نوبةٌ من الضّحك ثم استردّ أنفاسه:

ــ من حسن الحظّ أنّ القاضي لم يكذّب برنار، واكتفى بتوجيه لوم، فلم يرفع القضيّة إلى مستوى الاعتداء على الأخلاق الحميدة باعتبار أن الهدف من نزع السّروال كان بنيّة إظهار الحجّة، ولم يكن بغاية الاعتداء على الأخلاق ولا حتى المساس بها ، إذ إنه فعلها عن حسن نيّة وهذا كفيل وحده برد الادّعاء وحفظ القضيّة شكلا، ثم زاد القاضي فبحث عن ظروف التخفيف حتى عثر على البراءة تامّة في تقاليد أهل الغرب الذين لا يعتبرون التعرّي منافيا للأخلاق، وأضاف أنّ الأطبّاء متعوّدون على تعرية النّاس جميعا دون إذنهم ومن أجل مصلحتهم؛ التعرّي يدخل في إطار شغلهم اليوميّ، وزاد القاضي اقتناعا بموقف برنار عندما سأله إن كان يؤمن بالله فأجاب:

ـ سيّدي الرّئيس، أنا أومن بالله وأنا شديد الإيمان بأنّ كفرا بليغا أهون عليّ من ديانة مهترئة.

انبهر القاضي بهذا الكلام فصاح: حفظت القضية شكلا ومضمونا أيضا، رفعت الجلسة.

ثم عادت نوبة الضّحك لتهزّ السّائق هزّا فضحك حتى انقطعت أنفاسه فعجّلت بالسّؤال لأقطع عنه تلك النّوبة وقلت:

ـ إذًا حفظت القضية شكلا ودخلت صندوقا من صناديق أسرارك.

ــ طبعا، ومن غريب الأحوال أنّ الإمام ركب مع الطّبيب في سيّارته عند عودته إلى تطاوين، وطوال الطّريق كان الإمام يردّد: كان ضبابا فانقشع، ومنذ ذلك التّاريخ أصبح الإمام صديقا للدّكتور برنار لا يزور طبيبا دونه للعلاج، وقد ازداد اطمئنانا لموقف الطّبيب عندما صرّح له بأنّ مسألة إعلان الإسلام يمكن أن تكون مضللة وغير مثبّتة إذ عندما يريد أحد أن يعتنق الإسلام لقضاء شأن حياتي مهمّ كالزّواج، فانه يكتفي بإعلان ذلك شفويّا في حضرة رجل دين ولا يمكن لأحد معرفة ما يخفيه الشّخص في قلبه. رأى الإمام في هذا الكلام منطقا سليما ورأيا راجحا. وفي اليوم الموالي صرّح الإمام بأنّ الإسلام يمنع تزويج المسلمات من المشركين فقط وذلك بصريح العبارة ويجيزه للمؤمنين.

ويبدو أن عريسنا أحرج عدل الإشهاد بالسؤال عن المرجعيّة الدينيّة للمسألة، فهو يعتقد أنها مسألة ثقافية لا غير، وأن الثقافات تأخذ من بعضها وتكبر بالزّيادة وبالتّراكم وقد عرف الزواج أشكالا كثيرة منذ بداية التّاريخ ولم يكن الدّين حاجزا أمام ارتباط الرّجل بالمرأة. أما عدل الإشهاد فقد ردّ بأن الله قال بصريح العبارة في سورة البقرة:" ولا تُنْكِحوا المُشركين حتّى يؤمنوا " وأرفقها بصدق الله العظيم. وهنا اغتاظ برنار ولعن وسبّ وتكلّم بالفرنسية. توقّف ليسألني: هل أنت مثلي تتكلّم بالفرنسية عندما تغضب؟

قلت: عندما أغضب أتكلّم بالدّارجة. وواصل السّائق:

ـ صرخ برنار: أنا لست مشركا يا ناس، أنا مؤمن مثلك يا شيخ، وقد أكون أكثر منك إيمانا بالله الذي خلقني وخلقك وأرسل إلينا أنبياءه، غير أنّني أعمل بما جاء في رسالة عيسى كما علّمني والداي، وأنت تؤمن بما جاء به محمد كما فعل أبوك وأمك، فلكل نبيّه والله للجميع وهو يقول: لكم دينكم ولي ديني فهل تدّعي العكس يا شيخ؟ والله يربط الزّواج بالإيمان حين يقول حتّى يؤمنوا، وأنا آمنت به. انبهر الإمام وعجب كيف أن برنار يستشهد بالقرآن ولا يخطئ، وسكت سكتة لم يناقش من بعدها أمور الدّين ولا حتى تفاصيل الدّنيا مع الدّكتور برنار. واختلط الأمر على النّاس فمنهم من وافق الإمام في تفسيره ومنهم من ناصر الدّكتور حتى كدنا ندخل في فتنة جهوية، فلمّا سمع أهل فاطمة فكّروا في الأمر فقال كبيرهم:

ــ إن هذه الزّيجة إن تمّت ستكون طعنا في شرفنا وانتهى الأمر. فلم تتزوّج فاطمة إلى الآن وأصبحت متشدّدة في دينها وقد يكون ذلك نتيجة كرهها للرّجال، وخاصة الأئمّة الذين حرموها من الزّواج بمن أحبّت، لا أخفي عليك أنني تحدّثت في أمر برنار مع المدير فاستشار المدير الجهوي فرفع الأمر إلى الوالي الذي استرشد عنه وزارة الصحة فأخبر السّيد وزير الصّحة وزير الداخلية فتباحث مع وزير الخارجية فأعلمه أن برنار قد يكون حفظ القرآن والتخاطب باللّغة العربية عندما قضى سنتين كاملتين في تونس في إطار واجبه العسكري، وقد عمل بوصفه طبيبًا متربِّصًا في بعض مستشفيات العاصمة. وعندما عاد الخبر على أعقابه وصار يكبر ويتوالد من مستوى إلى آخر حتى وصل إلى المستشفى، اهتزّت له كل الآذان وارتعشت قلوب كثيرة إمّا خوفا أو ندما، أما أنا فحظيت ببعض السّاعات الإضافية.

وختم الحكاية بأن قال إنّ فاطمة اشترطت على عريسها التفريط في حماره فرفض ويبدو أنّ اّلحمار علم فاصطادها وصكّها وفرض عليها العمامة والخمار. ثم طلب مني صراحة أن أحدّثه عن شخصي. حدِّثْني، قال، عن مغامراتك وحكاياتك، طبعا إنْ لم يحرجك ذلك، وتأكّد أنّني لن أبوح بأيّ شيء، قلْ مثلا كيف كانت حياتك الطّلابية في العاصمة؟ ثمّ لماذا خيّرت تطاوين على مدن كثيرة أخرى؟  هذا سؤال سهل.

باغتني بالسؤال، تخيّل نفسَه محقّقا يسارع بطرح الأسئلة على متّهم حتى لا يترك له مهلة للتّفكير أو لاختلاق إجابة مراوغة.

ـ هل كان لك نشاط في الجامعة إلى جانب الدّراسة؟

ـ نشاطي كان مقتصرا على الثّقافة، لا تهمّني سياسة ولا صحافة ولا شأن لي بالدّولة إن كانت تحسن سياسة الشّعب أو تسيء إليه. كنت مغرما بالأدب شعرا ونثرا، وأكتب فقط في الغزل والوجدانيات، أمارس الفنّ للفنّ.

لقد أحسن السّائق رمي الطّعم أمامي، لكنّ سنّارته لم تثبت كما ينبغي، صادفتْ سمك القاروص الذّكيّ فنهش جوانب الطّعم ولم يبتلع الصّنارة، كلّ ما سبق أن قدّمه لي من أسرار كان فقط ليمهّد به الطّريق إلى طمأنتي وكسب مودّتي، فإذا حصل على ثقتي سيستدرجني لأبادله بعض الأخبار والأسرار، كدت أن أبتلع الطعم لولا سؤاله المشبوه حول نشاطي في الجامعة، كنت سأحدّثه عن كيفية مجيئي إلى تطاوين، كنت سأقول له إنني استعملت لقبي الجديد للتّمويه؛ فالسّلطة تعرفني بلقب قديم وليست على علم بأنني أبقيته اسما مستعارا أمضي به نصوصي الأدبية ومقالاتي الصّحفية، هذه المرّة أفلتّ من شراك السّائق، أخفق المسكين في الإيقاع بي وفشل في الظّفر بجواب بسيط على سؤال سهل، أسقط سنين طويلة من النسنسة والجوسسة في الماء، شعرت بشيء من النّرجسية ومن الكبرياء، لقد اكتسبت بدوري خبرة في حسن التخفّي، هي حصيلة سنوات الجمر في الجامعة وفي الصّحافة المعارضة، وها أنا أخرج سالما من أوّل زلّة لسان كانت سترميني في نفق الابتزاز أو في منزلق الاتهام.

ما زلت أتعجّب لماذا لا يتوّقف السّائق عن مدّي بأسرار لم أطلبها وهو في كلّ مرة يذكّرني بأن ثقته فيّ كبيرة.

وأسأل نفسي هل حقّا هذا سائق فقط؟

ويسألني السّائق مختبرا: هل أنت قادر على ارتجال شيء مّا؟ وكان قد أدار المفتاح ليشغّل المحرك فقلت:

ـ صوت المحرّك في بداية شخيره يشبه صوت شاعر يلقي قصيدة ويرتكب أخطاء عروضية ثقيلة، أمّا بعد دقائق فيستقرّ على بحر الخبب، إنه أحد البحور الخليلية.

ضحك كثيرا فضحكت معه ثمّ تركته ليبحث في الضّباب الكثيف عن انبهاره   أكان من شدّة النّور أم من الضّوء.

 

- 9 –

لعبة الكفّ

كان يوما حافلا بالفرحة والأزهار والتّرحاب يوم دخلت إلى المستوصف. استقبلتني كنزة في الباب كما يستقبل الملوك في المطارات: مدّت ذراعيها وأرسلت كلماتها لتفرش أمامي بساطا أحمر صنع من جميل العبارة وحسن الابتسام وعظيم التّرحاب، الابتسامة البريئة تفتح القلوب على المحبّة الصّادقة. وقفتْ أمام الباب كما يقف الرؤساء العظام أمام شريط التّدشين. ثم تحركت شفرتا المقصّ وتحرّكت ساقاي. دخلت إلى المستوصف على طريقة أهل شنني فمددت ساقي اليمنى وألحقتها باليسرى في حركة عسكرية خجولة من شدّة التّواضع. وقفت في البهو لأردّ على تحية كنزة وسلام نصيرة الممرضة الثانية وابتسامة خديجة منظفة المستوصف، فهمت مهمّة كل واحدة من لون العلامة على الجيب العلوي من البلوزة، كان من واجبي أن أسلّم على كنزة أوّلا فهي المسؤولة على إدارة المستوصف في غياب الطّبيب، وهي التي تمثّل الإدارة وتقوم بكل الأمور ذات الصّلة فهي تنظّم أوقات عمل المستوصف وتحرّر الطّلبات وتسهر على إعداد برنامج العطل والتناوب ثم تسلّمه الى الطّبيب للموافقة والإمضاء. مدّت يدها وصافحتني فأحسست بيدها ترتعش وتنسحب بسرعة ورأيت وجهها يحمرّ فأسرعتُ إلى إنقاذها من ورطة كفّي وسألت عن مكتبي.

صار الأمر محرجا بالنّسبة إليّ وأصبحتُ عرضة للشّكّ في نيّتي كلما صافحت امرأة، فلماذا لا أفعل مثل فاطمة التي لا تصافح الرّجال فأكتفي بأداء التّحية من بعيد. أنا هكذا عرضة للاتّهام بالتّحرّش ولو على حسن نيّة.

قالت كنزة:

ــ أبلغني مدير المستشفى بأنّك ستباشر عيادات المرضى في هذا المستوصف حسب البرنامج الذي تختاره. ثم قادتني إلى مكتبي: قاعة مربعة نصفها محفور في الصّخر والنّصف الثّاني مبني بالحجر. لا يستطيع المرء أن يفرز النّصف المضاف من النّصف الأصلي نظرا إلى تشابه الصّخر والحجر. الثّابت أن الأحجار قد اقتطعت من الجبل نفسه، والثّابت أيضا أن هذه الحيطان الصّخريّة تخلق داخل الغرفة مناخا طيّبا دافئا في الشتاء وباردا في الصّيف، هنا لا يحتاج المرء إلى مكيّفات. مطعم شننّي أيضا مبنيّ على هذه الشّاكلة. أبديت إعجابي بالمكتب وطلبت من كنزة أن تضع مكتبي بالقرب من الشّباك فأنا أحبّ أن تلمسني أشعة الشّمس الصّباحية وأفضّل ضوء الطّبيعة على الكهرباء، مررت بكافة قاعات المستوصف وبالصّيدلية وعبّرت عن إعجابي بنظافته وحسن تنظيمه وشجّعت عاملة التّنظيف على دوام الاعتناء به، فالنّظافة جزء من العلاج مثَلُها مثَلُ الوقاية، وعندما وقفت في الباب مودّعا مدّت كنزة يدها لتصافحني فقبضت على كفّها كما يفعل المسؤولون وقلت:

ـ أشدّ على يدك في العناية والرعاية، مهمّتي الأساسية هي فحص المرضى أما بقيّة العلاج فموكول إليك.

ـ سنجتهد ونشدّ بدورنا على يدك ليكون عملنا متكاملا.

ما الذي جعلها تعيد كلماتي بالتفصيل: سأشدّ على يدك؟ ولماذا تشدّ على يدي؟ ثم هل قالتها ببراءة أم هل لمّحت إلى أنني شددت على كفّها في أوّل مصافحة؟ دارت هذه الأفكار في رأسي بسرعة وبسرعة أيضا تخلّصت منها واعتبرت الأمر عاديّا.

ابتعدت عن المستوصف بعض الخطوات، عاد إليّ المشهد وتشابكت في رأسي الأشياء، ثلاث نساء يشتغلن في مستوصف حكومي ويقدّمن كامل الخدمات الصّحية لجميع السّكان، النّاس هنا محافظون على عاداتهم وتقاليدهم والرّجال يقدّرون المرأة تقديرا كبيرا ويضعونها في مرتبة عالية منذ قديم الزّمان.

هذه المرأة أيضا تترك يدي في كفّها، فهل فعلت ذلك عن غير قصد أم هل تعمّدت امتصاص الدّفء من يدي؟ لا أحد يعرف سرّ الحرارة التي تسكن كفّيّ إلا أنا، في البداية، اعتبرت ذلك مرضا أو عاهة خلقية فسألت طبيبا في أمراض الجلد عن السّبب فطمأنني وبيّن لي كيف أنّ الأمر يعود إلى طبيعة خلايا جسمي التي تُسْرفُ في صناعة الحرارة وتركّزها في الكفّين وحذّرني منها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أتعمّد ترك يدي في أيدي الفتيات كلما صافحت إحداهن، ولا أسحب كفّي حتّى أرى ردّة فعلهنّ. هل هي لعبة أم هل هي قلّة حياء؟ سألتني كثيرات عن سبب تلك الحرارة فكنت أجيب بواحد من الجوابين الذين أعددتهما مسبقا فأقول: أعاني من تصرّف أحمق من بعض الخلايا المهتمّة باستشعار حرارة الجسم. إنّ هذا الأمر لا يعتبر مرضا ولا يستدعي دواء إلا بتغيير كلّ خلايا الجسم وهو أمر مستحيل، أو أقول: إنّ قلبي يفيض حرارة وجسدي يوزّع الدفء خلسة على الأيدي التي تصافحني ولا تستطيع أن تحضنني.

لم أبتعد كثيرا عن باب المستوصف حتّى نادتني كنزة قالت وهي تشدّ يدي من جديد:

ـ معذرة، لاحظت أن بك حمّى، عرفت ذلك من كفّك، هل تأذن بقيس حرارة جسمك في المستوصف؟ معذرة مرّة أخرى على التدخّل في شؤونك.

لم أستطع منع وجهي من الاحمرار ولا قلبي من زيادة عدد دقّاته وصمتّ بعض اللحظات ثم قلت:

ـ لا تهتمّي، هي حساسيّة في كفّي وليست حمّى، أشكرك على دقّة الملاحظة.

 

- 10-

ذاكرة الحمار

تطاوين مدينة جميلة بجبالها العارية ذات الصّخور الصّفراء المتراصّة، ورغم قلة أشجارها فإنّ تلك الجبال تمنح المدينة مناخا طيّبا فهي تحميها من الشّمس غربا وتفتح السّفح شرقا في اتجاه البحر لتأخذ من نسائمه المنعشة. هي عنيدة ومثابرة، تكابر على مرّ الزّمان وتحمل عبء البلاد على كتفيها، يرفعها سندان الصّحراء نحو الشّمال وتضربها مطرقة الجبال فتغرقها في الرّمل، وتنهض من جديد لتصارع، يصفعها البحر المتوسّط بأمواجه من الشّرق ويدفعها إلى وهيج الغرب، هذه هي تطاوين التي اخترت أن أشتغل فيها حبّا في أهلها الطيّبين، النّاس هنا يتوزّعون من عدّة أجناس تصاهرت وتآلفت وتداخلت حتى خلقت شخصيّة تونسيّة صافية. تمازج الخليط المتجانس من عرب وأمازيغ وأندلسيين ورومان ويونانيّين وايطاليين وغيرهم فخلق الوجه التونسي الأصيل، ما أجمل هذا الرّبيع! وما أعظم هذا الثّراء الثقافي!

تطاوين متاخمة للقطر اللّيبي من الجهة الغربيّة لا يفصل مركزها عن مدينة نالوت اللّيبية سوى مائة كيلو أو يزيد. نشطت التّجارة بين المدينتين الحدوديّتين واتّخذ كثير من السّكّان هنا وهناك من التّجارة شغلا أساسيّا ولم يعد غريبا أن ينخرط بعض من الموظّفين في هذه الحركيّة، فتكوّنت أسواق حملت اسم الطّرف المقابل من وراء الحدود، ونبتت نقاط لتبديل العملة حول الأحجار الكيلومترية فأصبحت تلك الأماكن مقرّات رسميّة للصّرّافةِ. ترى تجّار العملة على طول الطّريق يسندون ظهروهم إلى تلك الأحجار ويلوّحون للسّيارات المارّة في الاتّجاهين بحزم من الأوراق النّقدية، تراهم طول النّهار وخلال اللّيل يأكلون ويطبخون الشّاي في أماكن عملهم ويدخّنون السّجائر المستوردة ولا يخافون من القانون؛ فالسّلطة المركزيّة تحرس سوقهم وتمدّهم من خلال ممرات خفيّة بالعملة. الحكومة عجزت عن محاصرة هذه السّوق فنصّبت نفسها سمسارا واندسّت بينهم، هي تعرف أنّها لا تستطيع فرضَ القانون في الخلاء فخيّرت غضّ النّظر عن التّجّار وتظاهرت بالسّماح لهم بتعاطي ما يشاؤون مقابل مدّها ببعض الأخبار العابرة للحدود. يمكن أن يكون السّائق همزة وصل مفيدة، هكذا خمنت السّلطة؛ فقد جعلت من هؤلاء التّجّار حاجزا بشريّا يقي البلاد من شطحات الحاكم في الدّولة الجارة، السّلطتان في البلدين تتوهّمان عداوة متبادلة جعلت كلا منهما تفقد الثّقة في الأخرى فتترصّد إحداهما الأخرى كأنّهما زوجان على أهبة الطّلاق. فعلتها تونس وليبيا أياما بعد اتفاق جربة الذي" مات على النّفاس ". الشيء نفسه يحدث في الدّول المتجاورة حيث يتّخذ الحاكم من جاره خطرا يجمع حوله مواطنيه ويلهيهم به عن حالهم وحال الحرّية في بلدهم. أمّا العلاقات بين الشّعبين فهي مبنيّة على جذور المحبّة وحسن الجوار والمصاهرة والثّقة. لا أحد منهم يعترف بقانون بلاده ولا بقانون البلد المجاور، يتزاورون في كلّ يوم ويقضون حاجاتهم من هنا وهناك ويعبرون الحدود بلا جواز سفر ولا أحد يمنعهم. الحدود في نظرهم وهميّة أو هي من صنع الاستعمار، هذا الوضع خلق حركيّة تجارية نشيطة انخرط فيها الجميع ومنهم السّائق الذي يسافر كلّ أسبوع تقريبا لجلب البضائع. وقد يحمل معه أفكارا أخرى، اقترح عليّ أن أصاحبه فرفضت وزاد فرغّبني ببخس أثمان البضاعة في ليبيا نظرا إلى أنّ الدولة هناك تدعمُ كلّ السّلع المستوردة وإضافة إلى أنّ السّلع التّونسية تباع في نالوت بأقلّ من ثمنها في تونس، وعندما لم يتمكّن السّائق من إقناعي أفصح:

ــ في الحقيقة لا بدّ أن تنخرط معنا. في جمعيّة أعضاؤها يشتغلون في المستشفى، ولا يرأسها أحد، تركيبتها أفقيّة بحيث لا يستطيع عضو من أعضائها أن يفرض رأيه على المجموعة الأخرى ولا يتعرّض أحد إلى مساءلة من السّلطة، نحن لا نبيع بعضنا فقد تعاهدنا على العمل بسرّية وبحسن نيّة، ولكلّ منّا مهمّة يقوم بها داخل الشّركة. فتحنا بها فتحا مبينا في عالم الديمقراطية، أنا مثلا رأس الحربة أتولّى جلب السّلع واختيار أماكن البيع وطريقته وأحدّد الأثمان، أُعْلِم في كلّ مرة مدير المستشفى ليتولّى منحي رخصة للمغادرة.

قاطعته لأسأله:

ـ وهل المدير شريك معكم في هذه الأعمال؟

ـ طبعا قال السّائق، وتحت اسم مستعار كالجماعة. نحن لا نحمل أسماء بل أرقاما، نحن لا نقوم بعمل تخريبيّ ولا نضرّ باقتصاد بلادنا، نحن نساعد الشّعب الكريم على توفير حاجياته بأقلّ الأثمان. تصوّر أننا نبيع السّلعة التّونسية المستوردة من ليبيا بنصف ثمنها في تونس ومع ذلك فنحن نكسب. وابتدعنا طريقة مثلى في التّعامل وفي توزيع الأرباح، نحن نحرص على التّقشّف وفي أكثر الأحيان أستعمل سيّارة الــ ـ...

توقّف فجأة، شعرت أنه تعمّد إمرار زلة اللسان ليخبرني بشيء مهمّ، ثم مدّ يده وصافحني:

ـ أستودعك هذا السّر فهو خطير ويمكن أن يعود علينا بالمضرّة.

قلت: لا تخف، هيّأت لكلامك بئرا غطاؤه لا مفتاح له فقال:

ـ أنت ساحرٌ يا دكتور، وجهك يدفع إلى الاطمئنان لذلك لم أجد صعوبة في قراءتك ولم أفكّر كثيرا عندما بحتُ لك بأسرار العالم كلّها، توسّمت فيك الطّيبة. لا أخفي عليك أنّني فعلت هذا في البداية لأرغّبك في الانضمام إلينا، وربما لأنّني لم أحتمل إخفاء بعض الأسرار بعد أن فقدت الدّكتور برنار ودفنت صداقته. كنت أفتح له قلبي كلّما فاض ألما أو حيرة. أنت لم تزل شابّا وربّما لم تدبغ جلدتَك الأيّامُ. الإنسان لا يستطيع أن يُبقي أسرارَه إلى ما لا نِهايةَ. تراه يهتزّ وينتفض حتى يجد مكانا يصبّ فيه تلك الأسرار وقد يغيّرها بالإضافة أو بالتّنقيص، فإذا ما أفرغها وانزاح حملها عنه أحسّ براحة لا توصف. الدّكتور برنار أحببته واقتربت منه كثيرا وكان عضوا في جمعيتنا وكان يستلم المرابيح ويمنحها إلى صندوق التّضامن الاجتماعي، كان يرافقني أحيانا إلى ليبيا في سيارة الإدارة.

ـ أتستعمل سيّارة الإدارة لحمل السلع؟

ـ نعم، كنت أفعل ذلك ولا يعلم أحد إلا برنار لأنه رافقني يوم انكشاف أمري.

ـ ألم توقفك الجمارك؟

ـ يبدو أن الحكومة قد أوصت رجال الجمارك خيرا بأهل الجنوب. هي تدرك أنهم قد يقلبون الكراسي في أي وقت. السّكان البسطاء الذين يرفعون رئيسهم على اكتافهم كلّما زارهم مستعدّون الى دوسه بالأحذية إذا ما خوّلت له نفسه قطع رزقهم. رجال الجمارك كلّهم أصدقائي، تربطنا صداقة المنفعة والحذر، فجميعنا يحتاج إلى الآخر وجميعنا يحتاط من الآخر. الأعوان الذين يشتغلون في بوّابة ذهيبة نقلوا إليها بأمر من مجالس التأديب ولا يمكنهم التمتّع بالعطل السّنويّة بسهولة. نحن نمكّنهم من رخص مرض، أرأيت متانة هذه السّلسلة؟ أشتري الأعوان بشهادة طبّية لا أدفع فيها ملّيما، أمّا السيّارة فكنت أضع لها لوحة منجميّة مدلّسة هي في الواقع لوحة سيّارتي الشّخصية التي احترقتْ منذ زمن فأبقيتها للذّكرى ثمّ خصّصتها للقطر اللّيبي.

ـ وهل رافقك الدكتور إلى ليبيا؟

ـ في مناسبتين، الأولى تمّت بسلام أمّا الثّانية فكدت أن أفقد فيها حياتي.

ـ هل تعرضّتم لـحادث سير؟

ـ وأي حادث؟ عسكريّ هذه المرّة، بل عشنا لحظات وساعات جميلة في ضيافة الجيش.

ـ حدّثني عن تلك الضّيافة فربّما رافقتك لنعيش مغامرة أخرى.

قال:

ـ مرّت الرّحلة الأولى شيّقة للغاية، جهّزتُ لها كلّ ما يلزم من وصولات البنزين وبرّاد الشّاي والماء، أنا أحبّ السّفر الممتع والمريح والمربح، التّجارة بلا ترفيه كآلة الموسيقى بلا أنغام. كنّا ثلاثة ورابعنا السّيّارة، بَدا من البداية أنّ لكلّ منّا ذوقًا وعاداتِ سفر خاصّة، فالدّكتور برنار يحبّ شرب الماء كثيرا أثناء السّفر مثله مثل السيّارة، ينتفخ بطنها كلّما اقتربت من الحدود اللّيبية. وأنا لا أنفكّ عن التّدخين ليظلّ المقود يقظا في يدي، أمّا الممرّض فمغرم بتحريك أضراسه إن لم يكن للعلكة فللأكل، هو أيضا لم يتعوّد على الذّهاب إلى التّراب الليبي، مررنا برمادة فوجدناها نائمة في مناخها الصّحراوي، لم ينهضْ منها إلا جنود المراقبة المنتصبون كالتّماثيل الواجمةِ أمام الثّكنة القديمة، المقهى    لم يزل فارغا فطلب مني الدّكتور برنار أن نتوقّف للإفطار ففعلت، لم أنتبه إلى أنّ برنار كان طول الرّحلة صامتا، كان مشدودا إلى المناظر الطّبيعيّة حيث سلسلة الجبال التي تحجب الرّؤية على اليمين. بدأ الصّباح ينشر وجهه على المكان إيذانا بطلوع الشّمس. أنا أحبّ هذا الوقت عندما أكون على المقود لأنّه يمنحني الاطمئنان في الطّريق. كنت مركّزا أنظاري على السّياقة حين قفز برنار من كرسيّه وصاح انظرا على اليمين. انظرا؛ ثمّة جبل أحمر، أحمر تماما، أكثر احمرارا من الدّم. ما هذا يا إلهي؟ كم هو رائع! لم أر مثله طيلة حياتي، آه...يا حسرة لم أحمل معي الكاميرا، نظرنا حيث أشار برنار، منظر في غاية الرّوعة. الشّمس تلقي بأشعتها الحمراء على الجبل فتصبغه بالأحمر القاني، الشّمس الطّالعة من الشّرق تضرب بأمواج ألوانها على خدّ الجبل. في الحقيقة ذهب في ظنّي أنّ في سفح الجبل بستانا من شجر الفستق حافلا بأزهاره الحمراء. أوقفت السّيّارة ونزلنا لنتأمّل التّناسق الجميل بين انسحابِ اللّون الأحمر من اليمين وظهورِ قرص الشّمس الأصفر من المشرق. هي لوحة طبيعية رائعة انبهرنا بها.

وصلنا إلى بوّابة ذهيبة ودخلنا التّراب الليبي دون قلق ولا تفتيش، فقد قدّمت مرافقيّ إلى أعوان الجمارك ففرحوا بنا وربطوا بسرعة علاقة ودّ مع الطّبيب والممرّض وجميعنا يعرف أسباب ذلك التّرحاب.

وعند دخولنا إلى نالوت أعجب الدّكتور بجبلها الشّاهق. إلى درجة أنه تساءل إن كنت أستطيع السّياقة نزولا وصعودا ولكنّه في النهاية تنازل عن خوفه وقال محدّثا الممرّض ونحن في قمّة الجبل:

ـ سنأتمنه على حياتنا وعلى شجاعتنا وعلى خوفنا أيضا، نأتمنه على كلّ شيء فينا، أنا من جماعة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أمّا أنت فكلّ الخوف على أطفالك إن تيتّموا باكرا، لن يتغيّر حالي إنْ لم أجد من يبكيني وسأكون سعيدا لو تكرّم عليّ النّاس فدفنوني.

وتكلّم الممرّض: اطمئنّ فالنّاس لا يتركون ميتا من دون دفن، إنّهم يخافون على أنفسهم لا على الميت بعد طول عمر، فأنا لا أتمنّى لك الموت إلا بعد أن تجرّب من العمر أرذله.

مرّ ذلك اليوم جميلا، سعدنا نحن الثّلاثة برفقة بعضنا واقتنينا حاجاتنا من البضائع، والتقيت بعضا من أصدقائي الذين أبيعهم بعض الكلام مقابل كلام آخر. مررنا عبر الحواجز من دون تفتيش ولا أسئلة. وعندما كنّا في طريق العودة شاهد برنار صرّافي العملة الذين يستندون إلى الأحجار الكيلومترية فتعجّب من أمرهم وأعجب بهم وسأل إن كانوا يدفعون الأداء على تجارتهم فهي تبدو مربحة كثيرا، فقلت له إنهم خارج القانون أو لنقل إن القوانين التي تعنيهم وتحميهم يضعونها بأنفسهم ويشترون ذمم النّواب في مجلس الأمة فيصدرونها، ثم لا ننس أنّ كثيرا من النوّاب وصلوا إلى كراسيهم في المجلس بأموال هؤلاء، لذلك تراهم ناعمين هانئين مطمئنين.

لم يمض أسبوعٌ واحدٌ حتّى ركب الدكتور برنار حماره وتتبّع الطريق التّرابية المؤدّية إلى الجبل طمعا في طلوع الشّمس، وصل إلى الجبل عشية فلم يتمكّن من حضور المغيب، لم يستطع الطلوع الى الضّفة الأخرى فاعتذر لحماره قائلا: من منّا الحمار أيها الصّديق؟ الشّمس لا تشرق مرّتين في اليوم الواحد يا حبيبي، سنعود إليها مرّة أخرى لنستقبل غروبها، لا تيأس، أعرف ذوقك الرّفيع وحسّك الشّاعري.

في الطّريق الى شننّي، عاج الدّكتور على أحد النّزل في تطاوين فاقتنى ما يلزمه من ويسكي وما يلزم حماره من خمرة. أدركه اللّيل وهو على عتبة المنزل فترك الحمار واقفا أمام الباب وأسرع الى احضار العشاء: وضع القدر على الموقد وعاد الى حماره فخلّصه من السّرج واللّجام ووضع أمامه سطل الماء وجفنة صبّ فيها الخمرة. أخذه الوقت والشّراب حتى أشرف على السّكر. نسي الحمار وغلبه النّعاس فنام متعبا من رحلة اليوم المضنية. أمّا الحمار فبدأ بدوره بشرب الخمرة سعيا منه لإطفاء عطشه وللتخلّص من عناء الرّحلة المضنية، وسرعان ما رغب في النّوم وحام النّعاس حول رأسه، فراح يفكّر ويسأل نفسه على ايّ جنب يرتاح أكثر؟ نظر الى السّماء فرأى القمر على يمينه فهمّ بالنّوم على جنبه الأيمن لكنّه لمح النّجمة القطبيّة على يساره فأراد أن ينام على جنبه الأيسر وظل متأرجحا بين يمينه وشماله، وظلت الخمرة تلعب برأسه حتّى غمره نور الصّباح. وما إن خرج اليه الدّكتور برنار حتّى ترنّح وأقعى كالكلب على قائمتيه الخلفيّتين لا يقوى على الوقوف. فهم الطبيب أن حماره غير قادر على حمله الى العمل في تطاوين فتركه ومشى الى المحطّة ولسان حاله يردّد: لست حمارا بالصّدفة وإن كنت صديقي.

واصل السّائق:

ــ بعد أيّام قليلةٍ ألحّ عليّ الطّبيب للعودة مجدّدا إلى السّوق اللّيبية فبرمجتُ الرّحلة. وخرجنا كالعادة باكرا ومررنا قرب الجبل الأحمر الجميل وقد صبغته الشّمس فتوقّفنا والتقط برنار عدّة صور لنا وللسّيّارة أيضا.

تناولنا فطورنا الصّباحي في المكان نفسه ثمّ توقّفنا عند البوّابة فسلّمنا على الأعوان وتناولنا معهم الشّاي ثمّ مضينا.

تجوّلنا كالعادة في قرية "وازن" ثم انتقلنا إلى "نالوت" مركز المحافظة حيث وجدنا بضاعتنا. اقتنى برنار ما يلزمه واقتنيت أنا قائمة السّلع التي قررتْ شركتنا أن أجلبها لبيعها في تطاوين. خفت أن تنكشف لبرنار بعض علاقاتي مع الليبيين فاختلقت سيناريو ورافقته إلى أحد الدّكاكين. استقبلنا صاحبه ببشاشةِ "الجبالية" وطلب منّا أن نجلس على الدّكّة في الدّكان وانصرف إلى منزله المحاذي فمددت له مفتاح السيارة في غفلة من الطّبيب. صاحب الدّكّان معتاد على أخذ أشيائه من الصّندوق الخلفي لسيّارتي، كرتون من زجاجات الخمر التّونسية التي يحبّها، هذه المرّة لم أحمل معي إلا كرتونا واحدا فيه عشرون قارورة، في الحقيقة لا أعلم إن كان لاستعماله الشّخصي أو للبيع، هذا لا يعنيني فأنا أتسلّم ثمنها بضاعة أخرى، ونقابل الحساب ونتفق دائما.

تناولنا الغداء عند صاحب المحلّ ثم قصدنا الحدود من دون توقّف فمررنا بأعوان الجمارك. كان برنار يدفعني إلى الإسراع حتى يصل إلى الجبل الأحمر قبل الغروب. في الطّريق شغّل الكاميرا وشرع في التقاط بعض الصّور. اقتربنا من رمادة وبانت لنا الثّكنة فطلبتُ منه أن يُخفي الكاميرا وأن يقرأ علامات منع التّصوير المثبّتة بكل وضوح على جانبي الطّريق فلم يفعل وتمادى في أخذ صور للمكان، اقتربنا أكثر من الثّكنة، فزدتُ في سرعة السيّارة وجعلتها تتمايل لتتحاشى الحفر التي ملأت الطّريق وكنت أريد أن أربك التقاط الصّور لا غير، فجأةً تقدّم جنديّ الحراسة إلى وسط الطّريق وأشار عليّ بالتوقّف فامتثلتُ. في تلك الأثناء، كان برنار يحاول إدخال الكاميرا في حقيبتها الجلديّة بكلّ هدوءٍ حتّى لا يشهد الجنديّ ارتباكه، وصل جنديّان آخران، أمرني أحدهما بالنّزول وطلب الكاميرا من برنار فسلّمها له والتحق به صامتا محافظا على هدوئه، أمّا أنا فقد كنت خائفا أحاول جاهدا أن أخفي ارتباكي ولا أقوى، بحث الجنديّان في السيّارة جيّدا ثمّ سألني أحدهم:

ـ هل معكما سلاح؟

قلت: أبدا، لم نكن في رحلة صيدٍ بل كنّا لقضاء شؤون خاصّة في القطر الليبي.

سلّمناهم أوراقَ هويّتنا وأوراق السّيّارة، تولّى أحدهم تشغيل الكاميرا ونظر في الصّور التي التقطها برنار للثّكنة وسأله:

ـ لماذا أخذتَ صورا للثّكنة؟

ظلّ برنار صامتا، فسأله الجنديّ من جديد؟

ـ من كلّفك بهذه المهمّة؟

قال برنار: لست في مهمّة، أخذت صورا للذّكرى.

هوى الجنديُّ بصفعةٍ على خدّ برنار فأسقطه أرضا وقال:

ـ وهذه للذّكرى أيضا؟ تذكّر وأجبْ بوضوح؟ من كلّفك بتصوير الثكنة؟

لم أحتملْ أن يعامل برنار بهذا الشّكل، حاولتُ أن أقتربَ من الجنديّ أمرني الآخر بالسّكوت، وأوعز إليّ أنّ الدّور القادم يهمّني. لم تمض إلا بعض اللّحظات حتى اقترب منّي العسكريّ الثاني وكلّمني بلطفٍ، يبدو أنّه أكبر رتبة ورصانة من الآخرين وسألني: هل أعلمك بأنّه سيأخذ صورا للثّكنة؟

ـ لا.

قدم الجنديّ الأقلّ رتبة وفي يده اللّوحة المنجميّة للسيّارة، كيف انتبه إليها وقد ثبّتُها بدقّة؟ عجبا؟ نزعها دون أن يراه أحدٌ، تقدّم نحوي بأكثر ثباتًا، رأيتُ الشّر في عينيه. انتظرت سؤاله فعجّل باللّكمة الفاصلة بين الصّمت والانتظار قال:

 ـ وهذه أيّها الأحمق؟ للتّمويه على الجمارك؟ أليس كذلك؟

لم يكن باستطاعتي الجواب. فاللّكمةُ الأولى قد أوقعتني أرضا. أنا فعلا أحمق. كان برنار لا يزال ممدّدا أو إنّه نهض فأعادته صفعةٌ أخرى إلى جواري، أحسستُ بقوّة خارقة ترفعني عاليا ثم تسقطني، أحسست بالإهانة والضّعف، تذكّرت أيّام البطولة في وزارة الدّاخلية(أنا لم أخبرك بأنّي كنت شرطيّا قبل أن ينتدبني المستشفى) كنت أعشق صفع المتّهمين على غفلةٍ، لم أكن مغرما بتوجيه اللّكمات، فقد تترك ألما في أصابعي، تعجبني الصّفعة والرّكلة إذ تليها، فعلتُها أكثر من مرّة مع اللّيبيين ولم أعرفْ طعم إهانة اللّكمة إلا الآن، أتحمّل نصف المسؤوليةِ وأستأهل الضّرب والتّنكيل، ما كان يجب أن أترك برنار يصوّر، كان عليّ أن أمنعه وأن أحذّره. فاللّعب الأحمق لا يكون مع العسكر. فكّرتُ في أن أمدّهم ببطاقتي القديمة التي تحمل رقمي في وزارة الدّاخلية ثم تراجعت، العسكر عدوّ للأمن، هكذا بالسّليقة أو إنّ بينهما عداوةَ الجوهر، في الحقيقة إنّ كلا منهما يتجسّس على الآخر ليظلّ رئيسُ الدّولة في مأمن من الاثنين، تقوم سياسة بعض الدّول على هكذا برنامج. كلّ سلك يحترس من الآخر وينتظر منه انقلابا على رئيس الدّولة فيضع كلّ منهما الآخر تحت المجهر والكاميرا. أُمِرْنا بالنّهوض فنهضنا وأُمرنا بوضع أيدينا على الرّأس ففعلنا، وضعوا عصابةً على عيني كل واحد منّا، ولم تمض دقيقة حتى سمعت سيّارةً تقترب. شدّني أحدهم من الطّرف الخلفيّ من حزامي ودفعني على حديدِ السّيارة البارد، أعرف هذا النّوع من سيارات الجيش الوطني، عرفته بمجرد أن تلمّست الكراسي المثبّتة على صفّين. استعنت بمرفقي لأحمل جسمي للجلوس على أحدها فدفعني حذاء الجندي، الحذاء أعرفه أيضا منذ أن كنت في الجنديّة وأعرف مقدّمته الحديدية والألم الذي تسبّبه إذا ما صدمتْ أحدًا، سمعت صوته الأجش:

ـ ابْق حيث أنت.

عجبا؟ كيف لم أفكّرْ في برنار؟ كان عليّ أن أدافعَ عنه فهو أمانة عندي، هو لا يعرفُ ليبيا ولم يجرّب السّفر لجلب السّلع، بل لم يشتر من هناك إلا أشياء قليلة جدا: الشكولاتة والحلوى والعصير، لا شيء آخر. كان همّه السّفر والتقاط الصّور، لم أفكّر فيه، يا للوقاحة وقلّة الحياء! كيف أتركه للجنود وهو ضيف عندنا؟ انطلقت السّيّارة فأين أخذوه؟ ماذا فعلوا به؟ سيعذّبونه وسيعتصرونه حتى يعترف، الأفضل أن يعترف، إنّهم لن يتركوه قبل أن يعترف، في مثل هذه المواقفِ يستحسنُ أن يجدَ الواحدُ لنفْسِهِ تُهمةً ينجو بها من التّعذيبِ ويكتفي بالمثول أمام القاضي وهنالك يمكنه أن يتراجع عن اعترافه. لو كان برنار يعرف كيف يتمّ الاستنطاق في تونس كان اعترف من أوّل صفعة ثم يترك الأمر إلى المحامي في المحاكمة. أولاد الحرام قطعوا التّواصل بيننا لكيلا ينصح أحدنا الآخر ولكيلا نوحّد الأجوبة، أولاد الحلال تركوا أيدينا طليقة وتركوا لنا حرّية التّدخين. دارت بي السّيّارة طيلة عشرين دقيقة تقريبا. شعرت بها تدور في جوار الثّكنة، تشقّ مدينة رمادة ثم تدور، كنت معصّب العينين أتابع دوراتها، ساعدتني على ذلك وضعيتي ما بين صفّي الكراسي، عرّجت السيّارة بي نحو اليسار ثم شقّت نهجا ضيّقا فتغيّر أزيز محرّكها وعاد صداه من الحيطان، ثم خرجت إلى الهواء الطّلق فعادت إلى اليسار مرّة أخرى وأخيرا دخلت إلى الثّكنة من الجهة الثالثة. لماذا فعلُوا هذا؟ توقّفت السّيّارة فقفز الجندي الذي كان يتولّى مراقبتي ثم جذبني من أعلى الذّراع وقال:

ـ انزل يا بيوع.

ما أصعب أن تسمع هذه الكلمة! ما أمرّ أن تتّهم بالخيانة وأنت بريء، لعلّها تكون أقلّ مرارة عندما يسمعها خائن، أمّا أنا فلم أبع بلادي أبدا لذلك كان وقع الكلمة صادما للنّفس، كنت وددت لو أرجعتُ عليه كلمة يكرهها لكنني خفت فصمتّ. ثلاثة نعوت لا احتملها: يا خائن، يا كلب، يا كذاب.

قادني معصَّب العينين إلى غرفة، أدخلني وأغلق الباب خلفه، هذه المرّة أمرني أن أجلس على كرسيّ ونزَع العصابة فوجدتني في غرفة تحقيق لا شيء فيها سوى هذا الكرسي، سألني عن اسمي واسم أمي والمهنة وغير ذلك، كنت أجيب باقتضاب كما أمرني، ثم خرج ليدخل آخر يبدو أنّه مختصّ في انتزاع الأجوبة، يأمر بالإجابة سريعا دون أن يترك الوقت للتّفكير. صياح برنار يأتيني من الغرفة المجاورة، تملّكني الرّعب وخفت أن يعتدي الجنود عليه بحقد وقسوة، ثم قلت في النّفس لن يفعلها أيّ جندي مهما وصلت وحشيّته، علا صراخ برنار من الألم؛ المسكين لم يتعوّد على الاستنطاق بالتعذيب. التّحقيق في تونس أصعب من العقوبة ذاتها. كان عليه أن يسمع نصيحتي. إنهم يضربونه لينتزعوا منه أجوبة قد لا يملكها أصلا. تمنّيت أن يسألوني عن برنار وعن علاقته بالسّيارة وأحضرت بعض الأجوبة التي قد تسهم في التّخفيف عنه، أو على الأقلّ في التّحقيق معه لكن لا أحد سألني عن علاقتي به وما سبب وجوده في سيّارة إدارية برقم مزيّف. كم هي متشعّبة هذه الجريمة التي أشارك فيها بمعرفة أو بغباء! هو سوء تقدير لا محالة ولكن جزاءه سيكون عسيرا، سيكون العقاب قاسيا إذا جمعوا كل التّهم. أعلمني المحقق بأنّ الجولة المهمّة من التحقيق ستبدأ في الصّباح وعليّ أن أرتاح على الكرسيّ حتى تكون إجابتي واضحة وصريحة ومركّزة. المساءلة العسكرية مرعبة فما بالك بالعقاب.

في الصّباح تغيّرت الحالة مع تغيير المكلّفين بنا فأكرمونا بقهوة وبقطعة خبز ثم وضعونا جنبا إلى جنب. ما إن خلعت ملابسي وتعرّى صدري حتّى بان الوشم الذي أحمله على كتفي. صرخ العسكريّ مستفسرا.

ــ ماذا تخفي وراء هذا الوشم؟

لم أنزعج من سؤاله المباغت وصارحته:

ــ ــ الرقم هو رقمي عندما كنت موظّفا في وزارة الدّاخلية ويمكنك التثبّت من ذلك، وأما القطرة فهي رمز حياتيّ بالنّسبة لي، هي أقرب شيء الى قلبي، هي في نظري أصل الحياة منها خلقنا ومنها طلع النّبت. هي الماء والنّدى وهي الدّمعة وهي الشّمعة عندما تذوب لتقهر الظّلام.

اكتفى العسكريّ بتكشيرة استهجان فلم أضف شيئا وقلت في نفسي: الحيلة تكمن في ترك الحيل، تلك حكمةٌ لا بدّ أن أستنجد بها وها قد حان وقت صرفها، ثم عليّ أن أفعل شيئا لأنقذ الدكتور برنار، استأذنتُ في الحديث فسمحَ لي به الواقفُ أمامي وقلت:

ـ سيّدي أقسم لك بالله والوطن والشّرف أنني لن أكذب. الدّكتور برنار يعمل في مستشفى تطاوين، ارتكب حماقةً وجرْمًا بحسنِ نيّة وقد أساء التّقدير، وأرجو منكم أن تسمحوا لي بإعلام السّيد مدير المستشفى فهو على علم برحلتنا هذه، وعلى علم بتغيير لوحة السّيارة التي أضعها دائما تفاديا للجمارك اللّيبية؛ هي لا تسمح للسّيارات الإداريّة التّونسية بالدّخول إلا بشروط عسيرة، يمكنكم الاتّصال بالسّيد المدير مباشرة لتتأكّدوا من صحّة أقوالي ولأعفيكم من مشقّة الاستنطاق.

أخذ الرّجل كلامي على محمل الجدّ وغاب بعض الدّقائق. يبدو انه تخابر خلالها مع المدير، ثم عاد إلينا وقادنا قرب الباب الخارجي للثّكنة وأمرنا بالصّمت. سلّمَنا أوراقنا الشّخصية وأمرنا بمغادرة المكان فورا، وقال إنّ السّيارة ستتكفل بها إدارة المستشفى. فجأة قفز برنار أمام جندي الحراسة الواقف أمام الباب وكان قد وجّه فوهة بندقيته واستعدّ لإطلاق النّار. فوجئنا جميعا باقتراب الحمار أزيط من باب الثّكنة. هل جاء لإنقاذنا وكيف؟ أزيط تتبّع خطى برنار حتى وصل أمام الثّكنة، بأيّ حاسّة شمّ كان يقتاد أم إنه يعرف المكان؟ ومن دلّه على الطريق التّرابية القصيرة؟ كل شيء وارد.

جرى برنار نحو حماره فوقف الجنديّ حائرا وقد تملكه إحساس غريب وهو يرى الحمار يرحّب بصاحبه ترحابا كبيرا: يحرّك ذيله ويلوي عنقه ويحمحم كما يفعل الحصان. أما أنا فأصابني الذّهول وأنا أرى حمارا يدلّي لسانه ليقبّل ساق صاحبه.

قال الجنديّ وهو يعيد بندقيّته إلى كتفه:

ـ لم أشأ قتله ولكنّني فكّرتُ في كسر إحدى قوائمه لكيلا أراه مرّة أخرى، فهو لا يعجبه الرّعي إلا بالقرب من الثّكنة.

قفز برنار على ظهر الحمار وركبت وراءه، وانطلق أزيط سريعا لا هو يركض ولا هو يخبّ وإنّما يمشي بإيقاع جميل ومريح. وسلك بنا طريقا قصيرة لا يعرفها إلاّ هو.

 

-11-

 

حيلة لا بدّ منها

لا فائدة ترجى من هذا الانتظار وماذا أنتظر؟ سكّان شنني لم ينزلوا إلى المستوصف الجديد وفضّلوا البقاء مرضى على النّزول إلى الحيّ الشّعبي، يأتون كل صباح فيسألون عن موعد قدوم الطّبيب فتعلمهم كنزة بأنّه لن يأتي إلا إلى المستوصف في أسفل الجبل فيأخذون مَرَضَهُم ويقصدون تطاوين المدينة. قال أحدهم لكنزة وهي تعيد عليه الجواب المعتاد نفسه:

ـ متى يفهم الطّبيب أن الذّهاب إلى المدينة أسهل من النّزول إلى سفح الجبل؟ فسيّارات الأجرة لا تحملنا إلى شنني الجديدة وإن حملتنا في طريقها إلى تطاوين فهي لن تتوقف عند رجوعها لتعيدنا إلى هنا.

وأخيرا تنازلت ونسيت أمر المستوصف السفلي نهائيا ورضخت للأمر الواقع ومررت على الإدارة لأعلمها بأنّني قررت مباشرة عملي حيث المرضى، فلم يحرّك المدير ساكنا واكتفى بقبول الإعلام. قصدت مستوصف شنني باكرا فاعترضتني كنزة مرحّبة وخرجت إليّ الممرضة الثّانية من الصّيدلية لتمدّني بقائمة الدّواء مرتّبةً ترتيبا جيّدا حسب مدد الصّلاحيّة، مع بعض الملاحظات الأخرى، فهمت من خلالها أنّ الممرّضة ممسكة بأطراف مهمّتها جيّدا، فهي لا تترك شيئا للصّدفة، وهذا ما جعلني أطمئنّ إليها، وأستبشر بسهولة العمل. لم أبق طويلا في المكتب فخرجتُ أمام المستوصف وأسندت ظهري نحو أشعّة الشّمس وبقيت أنتظر، وصل صاحب المطعم فرحّب بي ودعاني إلى فطور الافتتاح فامتنعت شاكرا. مرّت المعلومة بسرعة وشقّت القرية فعلم جميع السكّان بحضوري.

العمّ علي، رجل في العقد الثّامن أو التّاسع من العمر. سلّم وهو يدلف إلى بهو المستوصف، رأيته يمشي إلى كنزة ويسلّمها دفتر علاجه، أسرعت إلى مكتبي.

دخل العمّ علي، سلّم وقدّم نفسه فسألته عن أحواله وأحوال العائلة كأنني أعرفه من قبل، حدّثني عن حياته التي أفناها في العمل في شنني وحدّثني عن أطفاله الخمسة الذين هاجروا للعمل وعن العجوز التي لم تعد قادرة على تلبية حاجياته:

ـ لم أتزوّج عليها، قال، إنها قامت بواجبها كما ينبغي حتى أفنت قوّتها في خدمتي فلا يحق لي أن أهينها.

ـ حسنا فعلت يا عمّ علي، أمّا الآن فقل لي لماذا أنت هنا؟

ـ تقصد سبب مجيئي؟ لماذا جئت وسجّلت؟

ـ طبعا، قلت، هل تشتكي من شيء؟

ـ أبدا يا دكتور فأنا لا أشكو من أيّ مرض ولا أعرف متى سأصاب به وهذا ما يقلقني.

ـ هل الخوف من المرض هو الذي جاء بك؟

ـ آه،يا دكتور، من اليوم أنت طبيبي، وأنا لا أنتظر المرض حتى أراك، أريد أن أتعرّف عليك منذ حلولك بيننا فأقول لك مرحبا، أنت بين أهلك وأصحابك وأحبابك.

ونهض العم علي فشكرته على طيب مشاعره وصافحته ثمّ قال: سأجلب العجوز لتراك فهي لا تكتفي بإبلاغك السّلام، فقلت: مرحبا بها في كلّ وقت، أضاف وهو يغادر: يشاع أنكم ستجبروننا على النّزول إلى المستوصف السفلي، أتمنى ألا تفعلوها مع الشيوخ، خذوا الصّغار والشّباب واتركونا هنا؛ نحن لا نقوى على الهبوط والطّلوع ونحن أصحّاء فكيف إذا أصابنا مرض؟ وخرج وهو يتمتم رحمة الله على برنار.

التقطتُ الجملةَ الأخيرة التي قالها العمّ علي، ماذا لو أبقيت على هذا المستوصف نقطة انطلاق لتنفيذ برنامج وزارة الصّحة وحملت بقية العمل إلى المستوصف السفلي؟ ولكن كيف أقنع النّاس؟ الإشاعة تلدُ الخبر الصّحيح عندما تحسنُ ارتداءَه، هذه إحدى الطّرق الحديثة التي تعتمدها الحكومات، فكلّما رغبت الدّولة في إمرار شيء تجعل منه بالونة اختبار فتُشيعه في الشّوارِعِ وتتركه للتّداول بعض الوقت. والشّعوب تختلف باختلاف درجة وعيها، بعض منها مستعدّ حتى لمبايعة إبليس وبعض آخر لن يبايع أحدا ولو جاء بالشّمس في يمينه وبالقمر في يساره، ونوع ثالثٌ لا يهمّه سوى حاله، يصبر على العطش كالإبل ويأكل بشهية الصائم. الإشاعة أمّ الخبر تلده خِفية كالقطّةِ ثم تطرحه على ألسنة النّاس فيكبر حتى يصبح صحيحا لا غبار عليه وقويّا بعدد مصدّقيه.

ما المانع من استغلال الإشاعة؟ المجال شاسع والكرة في ملعبي، هذا الفرس في يدي والملعبُ لا يزال مهجورا، وماذا لو ركضت وحدي؟ سأفوز في كل الأحوال. كلّ شيء صار واضحا منذ أن قالها العمّ علي، لماذا لا أنفّذ برنامج عيادات المسنّين؟ فنمشي إليهم في مقرّ سكناهم؟ هكذا أنتصر عليهم بسلاحهم وأجيء بما لم يستطعه الأوائل.

سأجعل من نزولنا إلى المستوصف الجديد ضرورة تمليها الحاجة فكرسيّ الأسنان الذي سيصل وآلة كشف الجنين التي ننتظر جلبها من المستشفى لا يشتغلان إلا بضغط مائي قويّ وهذا لا يتوفّر في شنني القديمة العالية جدّا، ولهذا علينا أن نثبّت الآلتين في المستوصف الجديد، غدا يخرج الخبر الصّحيح، وبعد أسبوع نكون جاهزين لمباشرة العمل. نحن لم نكن نرغب في إجبار النّاس ولكنّ الحاجة أجبرتنا وكفانا لغوًا.

12- التفناغ مرّة أخرى

مرّت أيامٌ؛ وكلّما مرّ وقتٌ ازددت تعلّقا بهذه القرية وأحببت أهلها وتطبّعتُ بشيءٍ من طباعهم، وأعجبني العمل في هذا المستوصف وعدلت عن التفكير في النقلة إلى مدينة أخرى. اغتنمت فرصة انفرادي في المكتب فأدرت المفتاح من الدّاخل وفتحت الدّرج، صور عديدة للدّكتور برنار ملتقطة في أماكن شتّى، منها واحدة وهو يركب حماره وصور أخرى للحمار في حالات مختلفة، رسائل مفتوحة ووصولات لحوالاتٍ بريدية بأسماء مختلفة منها التّونسية ومنها الأجنبيّة، يبدو أن الطّبيب كان يقتطع من مرتّبه قسطا يرسله إلى أهله في فرنسا. وثمة وصولات لتبرّعات لجمعيات محلّية. تركت هذه الرّسائل والصّور جانبا وقد حزّ في النّفس أن أطّلع عليها فخجلت، وتناولتُ ملفّا بدا لي من عنوانه أنّه مهمّ، غلاف من الجلدِ البني الأملسِ وكتابةٌ بخط جميل، تبيّنتُ الكتابة فلم أستطع أن أقرأها غير أني فهمت أنها مكتوبة بالتيفيناغ، الخطّ المرسوم على جدران المعصرة الجبليّة. دفعني الفضول إلى فتح الملفّ وكم كنت متشوّقا لمعرفة ما فيه فقد يكون الدّكتور برنار تركه قصدا في مكتبه، ثم لماذا يتركه هنا إن لم يكن ليطّلع عليه غيره؟ ثمة جُذاذات لأوراقٍ مقتطعةٍ بطريقةٍ عشوائيّة ما تزال ملتصقة بالغلاف مكتوبة باللّغة الفرنسيّة، تملّكني الشّكّ وأمعنتُ في التّفكير بحثا عن موقف مّا، أعدت الملفّ إلى الدُّرج وأحكمت إغلاقه وغادرت.

ما إن اقتربتُ من الإدارة حتى أسرعت نحوي سلوى. صافحتني وأبقت يدي في كفّها وسألتني عن ظروف العمل وعن رأيي في المستوصف، وأكّدتْ أنها حرصت على تهيئته وأرسلتْ عاملة من الإدارة لتساعد منظّفة المستوصف وأوصت مدام كنزة بحسن التّعامل. سلوى أيضا تتدخّل في العمل وقد تعطي رأيها في برنامج الأطبّاء وهذه طبيعة كلّ سكرتيرة تحسن الاندماجَ وتعرفُ كيف تحشُر أنفها في عمل رئيسها، كأنهّا مديرة ديوان تحرص على أن يمرّ كل شيء من بين أصابعها. من حسن حظي أنّني فهمت أهمّيّتها عند مدير المستشفى فأسرعتُ إلى كسب ودّها وبادلتها مشاعر الصّداقة ومكّنتها من يدي مثلما تشاء وبدا لي أنّها أصبحت مدمنة عليها، هذه المرّة لم تترك الدّفء الذي شدّها إلى كفّي إلا عندما مددت ُيدي الأخرى لأسحب رسالة من يدها الطليقة، قالت:

ـ خبأت الرّسالة عندي حتى أراك.

ـ يسعدني كثيرا أن تمرّ أوراقي الشّخصية على كفّك.

ـ آسف، إنها ليست دافئة، قالتها وقد أحنت رأسها خجلا قبل أن تتراجع نحو مكتبها.

سلّمتُ من بعيد على فاطمة التي كانت تشتعل غيظا ولم أنتظر منها أن تردّ السلام، ناديتُ سلوى فتبعتني خارج المكتب مرتبكة يدفعها الشكّ، وقفتْ منتظرة، قلت:

ــ سأطلبُ مساعدتي على فتح المستوصف الجديد.

قفزت مزهوّة بالخبر وقالت: سأكون سعيدة فماذا تطلب؟ ستفتح الأندلس من جديد إن استطعت يا طارق. عفوا دكتور طارق.

ـ لا عليك، طارق بن زياد فتح الأندلس وسأكتفي بفتح مستوصف.

فحاولي أن تسرعي في نقل آلة الكشف عن الجنين وفي تركيز كرسيّ طبيب الأسنان فضغط الماء في المستوصف السّفلي كاف لتشغيل الآلتين.

ـ غدا يكون كلّ شيء جاهزا، أنت ذكيّ يا دكتور.

ـ عيادة كبار السّنّ سأقوم بها في منازلهم طبقا للبرنامج الوطني وهكذا نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد.

ـ بل أصبنا كل العصافير بفكرة واحدة، ونشكرك على إقدامك على فتح المستوصف إذ من غير المعقول أن يبقى مغلقا إرضاء لبعض الشّيوخ.

تبادلنا الشّكر والابتسام ومضيت، اعترضني المدير فسلّمتُ ومضيت وفي الرّأس بعض من كلام سلوى. شعرت بأن خطواتي قد ضيّعت ميزانها وسمعتُ لها نشازا أعرفه وأعرف أن هذه الحالة تصادفني كلما تزاحمت الأفكار في الرّأس وصار أخذ القرار متذبذبا. لم أستطع أن أركّز على شيء معين بل فكّرت في كلّ شيء حتى ضعت في زحمة الأشياء. غائم هو الطّريق أمامي وأنا أتبع خطواتي ساهيا. صرتُ كالإبرَةِ المشدودةِ إلى خيط طويل فضاعتْ في الكُبّةِ. هل لقائي مع سلوى الخاطف رجّني أم هل رغبتي في فتح المستوصف "فعلت فعله"؟ أنا حَسن اللّيلي على جوادهِ يتتبع آثار نجْع بِنْت دْرِيد. لم أدر كيف قفزت إلى ذاكرتي أغنية "عُوم الغيد" التي تحافظ منذ عقود على نغمتها الأمازيغية، وأنا في بلاد الأمازيغ، فترنمتُ بها وبدا لي أنّني أغنيها بشجنٍ كبيرٍ وبإحساسِ صاحبها:

حاكِمْ في بْلاد ......كانْ وزِيرْ معَ البَاشَا

فُوقِ المُقَاد........راكِبْ والخِيلْ تْشالِي

طالَعْ يِصْطادْ.... ركْبتْ خِيلَه شُوّاشَه

ومعاهْ رْيادْ .......علَى يمِينِي وشْمالِي

ضحكِّلها ساحْ.... سلْبتْ عقْلَه من جاشَه

من سَرْجَه طاحْ......شافِ الزِّين القَلالِي.

ورأيتُ نفسي أدخل مقهى لا يعرفني فيه أحدٌ أتردّد في طلب شيء أشربه وتركتُ للقهوجيّ أن يمدَّني بما شاء. لم أحدّد كم بقيت في ذلك المقهى ولا كمْ غنّيتُ عوم الغيد من مرّة، الشّيء الثّابت أن لا أحد سمعني ولا أحد قرأ سمات وجهي فاكتشف مدى ما تحمل نفسي من وجع. فالوجعُ الذي لا مبرّر له يكون أصعبَ من الوجع الواضحِ، وهذا حقّا ما يزيد في حيرتي رغم شعوري بأنّني محظوظ، فالوجوه فرِحة بي والإدارةَ تعمل على مساعدتي، وكفّ سلوى تلاطفني ولا تكرهني وهذا جيّد. سلوى استقبلتني بابتسامة عاشقة وودّعتني بابتسامة وردية فائحة.

مشيتُ تحت وابل من الشّكوك حتى وصلت إلى الإدارة حاملا إمضائي بالموافقة على برنامج عملي، ولم أتخيّل أن تكون سلوى قد أحضرت لي كأسا من الشّاي، كانت وحيدةً في هذا المساء تقوم بحصّة الدوام الإداري، دعتني إلى الجلوس في كرسيّ فاطمة فرفضت وجلست بكل تواضع على الكرسي الذي أمام مكتبها، أخذتْ كأسَ الشاي وقابلتني وقالت: هذه كأسك التي أحضرتها لك، كنت أعرف أنّك ستعود بالورقة ممضاة بسرعة فأنت رجلٌ جِدّي.

شكرتها على الاستضافة فسألتني:

ـ هل أعجبك السّكن الذي وفّرتْه لك الإدارة؟

ـ لست مرتاحا ما دام الجيران لم يحتملوا أن أسكن في حيّهم ويحزّ في النّفس أن أقيم على قلوبهم، أفضّل أن أكون جارا على الدّوام على أن أكون كالضّيف الثّقيل، خاصّة أن السّبب يكمن في كوني مازلت من دون عائلة.

ـ أنت أعزب؟ ولماذا لم تتزوّج إلى اليوم؟ كلّ فتيات العالم يتهافتن على الأطبّاء دون غيرهم من الرّجال، هل تضع شروطا عصيّة على الرّاغبات؟

ـ لم أجهّز نفسي بعدُ.

لاعبتْ رأسها يمنة ويسرةً وألقت ابتسامة ساخرةً:

ـ إيّاك من الوحدةِ فهي أصعب عندما تكون في بلاد غريبة بعيدا عن الأهلِ. لماذا لا تستدعي واحدا من عائلتك؟ اعذرني إن تدخّلت في أمورك الشّخصية فأنت لم تعد غريبا عنّي أقصد عنّا في المستشفى، أنا مثلك لم أتزوّج وقد اتخذت موقفا سلبيّا من الزّواج وقرّرت أن أبقى هكذا، طلب يدي أكثرُ من واحد لكنّهم اشترطوا على أن أتركَ العمل وأنْ أستعدّ لتربية الأطفال من قبل أن يصلوا، ففضّلت العمل على شروط العاجزين.

ـ رأي سديد، شخصيّة المرأة تزداد قوّة بالعمل وعقل المرأة ينضج بالاختلاط، أنا أنتصر لحرّية المرأة وأشجّعها على العمل، وما رأي العائلة؟

ـ من حسن حظّي أنّ عائلتي تحترم رأيي وتعتبر أنّ الزّواج مسألة شخصيّة جدّا لا يحقّ لأحد أن يتدخّل فيها، وفي النّهاية أنا راضية بحالي معجبة بعملي وبصداقاتي ولي أحبابٌ كثرٌ ألتقي بهم، طبعا في حدود اللّياقة، أحظى باحترام كل الأطبّاء ولا أتحرّج من مرافقتهم لتناول قهوة حتى خارج العمل، أفعل هذا دون عقد.

شعرت بدافع غريب لقول شيء مّا فسألتها:

ـ كيف كانت علاقتك بالدّكتور برنار؟

ـ آ، ذلك الرّجل الطيّب الجميل، كان يحبّني حبّا كبيرا وقد أراد أن يتزوّجني وطلب يدي من العائلة فوافقت، يبدو أن سفارة بلده رفضت لكنّه لم يفصح عن السّبب الحقيقي، وفي النّهاية بقينا صديقيْن وكنت أزوره أحيانا في منزله في شنني الجديدة فأطبخ له بعض الأطعمة التي لا يقدر على طبخها، انه عاش ضيفا بيننا على الدّوام.

ـ أتزورينه في منزله؟

ـ وما العجب في ذلك؟ أبي على علم ولم يشكّ يوما في سلوكي، أعتقد أن أحدهم أعلمك بذلك؟

ـ قلت: من تقصدين؟

ـ لا تتهرّب، كبير البوّابين، وحافظ أمن الأبواب، طائرة الاستطلاع أواكس، عين الغرنوق ومنقار النّسر، لا بدّ أنه استغلّ طيبتك فتظاهر بفتح آبار الأسرار، إنّه يدّعي امتلاك مخابئ الأخبار وكنوزِها، فهو في الأصل بوليس. إنّه الحجرة التي لا تذوب...لقد رآني أكثر من مرّة أخرج من منزل الدّكتور برنار فبنى على ذلك قصصا خيالية قد يكون كسب منها بعض الأموال من هنا وهناك، أنا أحتقر هذا السّلوك. ما أجمل أن تكون المرأة معتدّة بنفسها تنظر إلى الرّجال ينزلون إلى الحضيض بكذبهم على النّساء وباختلاق بطولات وهميّة، وما أتفه أن يلعب رجل بأعراضهنّ وهو يصرّ بقلّة أدب على تصديق نفسه.

سكتت بعض اللّحظات ثمّ أضافت:

ــ من حسن حظّنا أنّه ظلّ في مكانه فلم يحظ بترقية ذات أهمّية رغم محاولاته المتكرّرة للفوز بكرسيّ في دائرة الحكم. كان يفتخر بالادّعاء بأنّ الدّول العظيمة لا تستقرّ إلا عندما يحكمها جواسيسها وبأنّ الرؤساء الكبار لا يجيئون الا من كواليس المخابرات ومن الدّواوين الخفيّة.

-13-

مايا ذاكرة وشم في رخام التّاريخ

حملتُ السّحر في يدي وبحثت عن السّاحر حتى لقيته وفي جيبه حزمة المفاتيح، ألقيت سؤالي الواضح قبل السّلام فقد كنت متلهّفا إلى معرفة علاقة سلوى ببرنار. لم أدر لماذا كلّ هذه الرّغبة في الاطلاع على أسرار الناس؟ وماذا يعنيني من سلوكها؟ هل أبحث عن جواب ليطمئنّ به قلبي. الأطبّاء أكثر الناس حرصا على تأمين الأسرار. فمن دعاني الى هتك الأعراض ولو بالسؤال؟ فاجأت السائق وأنا أشدّه من ذراعه وأرجّه رجًّا:

ـ لماذا لم تخبرْني بعلاقة برنار ببعض النّساء في الجهة، هل عاش ومات بلا امرأة؟

ـ ها أنت طلبت وحدك أيها الصّاحب فبأي مفتاح سأفتح هذا الباب؟

قلت بلهجة التهديد المبطّن:

ـ مفتاح السّيارة الإدارية ذات اللّوحتين.

اختطف كلامي بسرعةٍ وفهم أنْ لا فائدة في المساومة فابتلعه مُكْرَهًا وأبدى رغبته في الحديث قال:

ـ انقطعتْ علاقة برنار بفاطمة فأدار الوجهة نحو سلوى. كان حريصا على مصاهرة الإدارة، أنا فقط أعرف ذلك لأنّني الوحيد الذي يحمل رسائله ليسقطها في صندوق البريد فأسقطها في صندوقي الحديد. لكأنّه كان يريدُ أن يرتبط بالمستشفى أو أن يحاول غزو إدارتِه من الحلقة الأكثر ضعفًا ومن الطّريق الأسلم. ويبدو أن القصّة عرفت خاتمة أكثر تشويقا فقد تواصلت علاقةُ برنار بسلوى بعد أن رفضته عائلتها، ويشاع أنّه تزوّجها في السّرّ إلاّ أنّه لم ينجب منها أطفالا، وقد رأيتها أكثر من مرّة تخرج من عنده، ثم أنت تعرف أنني أملك مفاتيح المنزل وكنت في بعض الأحيان أجيء للبحث عن الدكتور فإذا لم أجده أدخل فألقي نظرة استكشافية هنا وهناك بحثا عن رائحة الأشياء الخفيّة، عملي يستدعي أن تظل حاسّة الشّمّ يقظة، أحيانا أجد الطّعام ساخنا، وأفهم أن امرأة كانت هنا، ولا أريد أن أوغل في أعراض النّاس، وفي الحقيقة لم يحدّثني برنار أبدا عن علاقاته بالنّساء، ربما كان خائفا من افتضاح سرّه.

ـ ما كان عليك أن تدخل إلى مقرّ سكنى الدّكتور برنار حتى وإن كان قد تسوّغه منك، البيوت أسرار كما يقال والأسرار لا تباع على جانبي الطّريق.

ـ اعذرْني فأنا جُبلت على هذه العادة فلم أستطع أن أتخلّى عنها حتى بعد التقاعد، أمّا برنار فلم يمنعني من الدّخول إلى المنزل أبدا، ولم يخف عنّي شيئا بل كان يكلّفني أحيانا بتفقّد حماره. وحمارُه يسكن في منزلي دون أن يدفع ملّيما واحدا، إنّه اغتنم فرصة عزوف النّاس عن السّكنى في القرية الجديدة فعمّرها مع صاحبه كطائرين سكنا برجا مهجورا، الاثنان تعاونا على إعمار الخلاء وهذا ما جعلني أقبل بأن يصبح منزلي اصطبلا.

ثم صمت قليلا، تلكّأ في الحديث وتردّد حتى غدا متلعثما ثم استعاد تركيزه وقال:

ـ هذا الأمر ليس مهمّا، اتركه جانبا وتعال لأحدّثك عن أمر أكثر خطورة، وكنت أفضّل أن أتركه إلى وقت آخر فأنا لست على حال تمكّنني من ضبط الكلام وقد أخطئ أو أنسى. عندما نلتقي مرّة أخرى ذكّرني بالملفّات، لتكن كلمة السّر ملفّات.

...............

فتحت كنزة عليّ الباب وأدخلت فتاة لم أمنع نفسي من مصافحتها دون أن أترك يدي في كفّها، فكفّها في قفّاز وأنا أكره المصافحة بالقفّازات ولكنّني صافحتها كالكاره، طلبت منها الجلوس ورحت أقرأ في ملفّها الصحي: 

الاسم: مايا، العمر 27 سنة المهنة: طالبة.

انشغلت بتصفّح الملفّ دون أن أمنع نفسي من النّظر في وجهها من حين لآخر. وعندما شعرت بأنّ مطالعتي للملف قد طالت وأنّني اختلست من النّظرات الكثير سألتها:

ـ مايا، أنت طالبة؟

ـ أنهيت دراستي الجامعيّة ومنذ شهرين فقط ناقشت أطروحة الدّكتوراه.

ـ جيّد وفي أيّ موضوع؟ سألتها.

ـ في التّاريخ، موضوع الأطروحة حول الدّويرات وشنني في الحضارات القديمة: التّشابه والاختلاف.

ـ جميل، يا مايا أتمنّى لك مزيدا من النّجاحات، أنا أحب علم التّاريخ لأنه في اعتقادي الحجر الأساس في الحضارة إلى جانب الفلسفة والطّب ... احتراما لمهنتي.

ـ لا، قالت، مايا فالطّب حكمة والحكمة أمّ المعارف.

علقت:

ـ حتى إن كانت الفلسفة سلاح المعارف، فأنا أعتقد أنّ ميزة الطبّ أو العلم بصفة عامّة هو أنّه يتّسم بالمنطق والأمانة. أمّا التّاريخ والعلوم الإنسانيّة فهي تخضع للنسبيّة والذاتية والمزاجية، هذا رأيي، دعينا منه، قولي مايا لماذا جئت؟

ـ أريد شهادة طبّية في سلامة الجسم والعقل. سأضيفها إلى ملفّ الانتداب الذي طلبته مني وزارة التّعليم العالي، سأدرّس التّاريخ القديم في الجامعة.

ـ أما عقلك فهو سليم والجسم السليم في العقل السليم هكذا تعلّمنا منذ الصغر.

قابلت كلامي بابتسامة رشيقة اهتزّت لها النّفس إعجابا، سلّمتها بطاقة الإرشادات وطلبت منها تعمير خاناتها ثمّ أمضيت لها الشّهادة.

وقفت لتغادر فقلت لها:

ـ مايا، أنت من شنني طبعا.

أومأت برأسها بالإيجاب فواصلت.

ـ وتعرفين هذه الكتابة؟

عادت إلى الجلوس بينما كنت أفتح درج المكتب لأسحب منه دفتر برنار وأعدت السؤال:

ـ تحسنين فكّ خطّ التييييفيييناغ؟

ضحكت مايا وقالت: تنطق تِفِناغ وإن كانت ممدودة بالكسرتين يا دكتور طارق.

ـ لا يهمّ، قلت، هل تقرئين جيدا عناوين هذا الملف؟

ـ طبعا، إنّها لغة أجدادي؛ وأغلبُ النّاس في شنني يستطيعون الكتابة بخط التفناغ، أما ما كتب على هذا الملفّ فهو: حمار الدّكتور برنار: الوجه والقفا.

وجه الحمار وقفاه، وأيّ حمار؟ ما المقصود من هذا الكلام؟ ثم فتحت الصّفحة الأولى وطلبت من مايا أن تقرأ ما كتب فيها فقالت:

ـ رسالة إلى الذي يتولّى أمر الدار والحمار.

طلبت من مايا أن تتثبّت فأكّدت لي صحّة ما قرأتْ، رجوتها أن تقوم بترجمة الرّسالة فهي موجّهة إليّ مباشرة، أخذتْ مايا الملفّ معها ووعدتني بالعودة به مترجما إلى الفرنسيّة كلمة كلمة، وقالت إنّ الدكتور برنار تعلّم خطّ التفناغ سريعا وقد ساعدتْه على ذلك وندمتُ.

ــ لماذا؟

ــ لأنّه رفض لي طلبا بعد أن وعدني بتنفيذه، أكتفي بهذا.

وقفتْ مايا ويدُها على مغلاق الباب، نظرت كأنّها تتهيّب من قول شيءٍ أو تتردّد فيه. كانت تبحث في نظراتي عن سؤال او عن ردّة فعل أو عن أيّ شيء يخلّصها من ارتباكها ولم تحاول إسعاف نفسها. لقد تفطّنتْ إلى أنني أطلتُ النّظر إلى العصابة التي كانت تضعها على جبينها وربّما أزعجتها مصافحتي وخمنتْ أنني فعلت ذلك مكرها أو احتراما أو درءا لأيّ تأويل، يقينا كنت، وأنا أصافح مايا، على قاب قوسين من موجة غضب عابرة، هذه مايا أم فاطمة؟ ولماذا وضعت عصابة؟ هل صكّها حمار الدكتور برنار هي أيضا؟ المسألة تستحقّ مساءلة إمام الجمعة أو البحث عن سرّ الحكاية عند السّائق الذي يعنيه كلّ ما ينبت في هذه التربة. لعلّ كنزة ـتنجدني بالجواب.

ــ لا تنسي، قلتُ.

استدارت قبل أن تخرج وألقت عليّ نظرة سائلة ثم جذبت خلفها الباب وضاعت في البهو.

هذه العصابة الثّانية وهذا القفّاز الثّاني. هذه المرّة لن أتركهما. سأنبش الجلد تحتهما حتى العظم وسأعرف إلى أيّ مدى يملي التّديّن على الفتيات وضع مثل هذه الأشياء.

ليت العصابة لا تشبه العصابة وليت القفاز لا يعيق المصافحة!

.................

 بدا لي أنّ السّائق أصبح أكثر حذرا مني وصار يعتبر بعض أسئلتي تطفّلا فيتهرّب من الإجابة عليها، وصار يتحاشى شكّي فيه منذ أن زلّ لسانه، ربّما عن قصد، فأخبرني باستعماله للسّيارة الإدارية في حمل البضائع من ليبيا. أنا بدوري انخرطت في اللّعبة فتظاهرت باللامبالاة وتركت الحبل على الجرّار. الدّلو في قاع بئره ولا بدّ أن يخرج ملآنَا، هذه المرّة مدّ إليّ بورقة وقال اقرأ فقرأت: المرسل: أزيط.

قلت: لا أرى عجبا في المكتوب: المرسل أزيط.

قال: وهل تعرف أزيط؟

ـ من أين لي أن أعرف؟ قلت لي إنّ أزيط تعني الحمار في لغة الأمازيغ فصدّقتك.

هزّته نوبة من الضّحك تلتها نوبة من السّعال فرمى بسيجارته ثمّ هدأ وقال:

ـ أزيط هو اسم حمار برنار.

ـ لنفترضْ أنّ الأمازيغ كانوا يسمّون الحمار السّيد أزيط فكيف يمكن لأزيط أن يكتب اسمه ويبعث برسالة إلى أهله في الضّفّة الأخرى؟

قال:

ــ اهدأ يا صديقي فهذا الصّندوق يفتح بدوره على بئر والبئر تقود إلى بحر وفي البحر أسرار كثيرة جمعتها في خزائن مشفّرة وألقيت بالكل مع برنار في القبر والقبر صندوق أيضا أليس كذلك؟ ونحن؟ ألسنا ننتقل في صندوق السيّارة؟

ـ الحياة كلّها صناديق تفتح على بعضها تبدأ من حوض الأم إلى صندوق القبر مرورا بالصّندوق الذّهبي الذي لم أدخله إلى حدّ اليوم، هات ما عندك.

قال:

ـ اعتاد الدّكتور برنار أن يكلّفني بوضع رسائله في صندوق البريد في وسط المدينة، في إحدى المرّات لم يحكم إغلاق الظّرف أو لعلّه تركه مفتوحا تحت تأثير السّكر. وكان اعتاد ألا يكتب اسم الباعث على قفا الظرف ويكتفي بذكر المرسل إليه وهو إمّا سفارة فرنسا في العاصمة تونس أو أحد المقيمين في فرنسا. في أحد المنعرجات انفلتت الرّسالة من داخل الظّرف وسقطت على الكرسيّ المحاذي، وعند إعادتها إلى داخل الظّرف جلبت انتباهي كتابة في السّطور السّفلى: الإمضاء أزيط، وقفز إلى نظري اسمي كاملا محشوّا داخل سطر، بعض النّاس لهم حاسّة سادسة يستطيعون أن يشتمّوا بها أسماءهم من بين الأسطر العديدة. دفعني الفضول إلى قراءة الرّسالة، صدمني محتواها. وأمام خطورة موضوعها عدلت على وضعها في صندوق البريد، مزّقت الظرف إلى قطعتين وأشعلت فيهما النّار وأخفيت الرّسالة في مكان آمن جدّا، لم أعلم به أحدا سواك ولست أدري لماذا.

ـ يبدو أن رسالة أزيط أخطر من رسالة هولاكو إلى قطز.

ـ بل هي أهمّ من تلك، لأنها مضلّلة كأنّها ضوء خافت موزّع في الضّباب لا يمكن لقارئها أن يتبيّن الخطّ الواضح الذي يقود إلى الجوهر، أمّا أنا فرغم بعض الخبرة التي اكتسبتها من الجندية ومن الأمن، فإنّني بالكاد استطعت أن أفهمها. في الرّسالة وصفٌ دقيق للثّكنة العسكريّة في رمادة، وسطور تقود الى داخلها، وفي الرسالة أيضا ذكر لأبواب الثّكنة ومراكز المراقبة وحتى عدد العساكر ورتب المسؤولين، وفيها صور التقطتْ من الدّاخل ولا أعتقد أنّ جنديّا التقطها بل ربّما طفل صغير لأن ّ الصّور التقطتْ من مسافة مترٍ واحد عن الأرض، أنا أفهم في هذه الأمور وأستطيع أن أقدّر العلوّ الذي أخذت منه الصّور، ألقيت عليه سؤالا مفاجئا وكنت أتخيّل انّه لن يجد له جوابا.

ـ لقد سبق أن قلت إنّ العقيد المشرفَ على الثّكنة حجز كاميرا برنار وأنه حذّره من الاقتراب من الثكنة ثانية ومن التّصوير، فمن أين حصل على هذه الصّور؟ وهل جنّد لذلك أشخاصا آخرين؟ وهل عندك دليل يثبت أنّه لم يفعل؟

أحسست أنّني تمكّنت منه بهذا السؤال المفاجئ فتلكّأ في الإجابة موضّحا عدم قدرته عليها.

قال:

ــ منذ ذلك الوقت أيقنت أن برنار رجل عنيد متمرّس يحسن الوصول إلى غايته من دون إرهاق ولا تكاليف، وأصبحت أحذره خوفا على نفسي من التورّط الغبي فيما قد يحدث، ولم يمنعني خوفي من البحث عمّن التقط صور الثكنة وسلّمها لبرنار وكيف يبعث بها إلى شخص في فرنسا؟ لماذا لم يسلّمها إلى سفارة بلده أو إلى وزارة الخارجية إن كان في الأمر ما يدفع إلى الشكّ. لا أخفي عليك يا دكتور طارق أنّني أمضيت كثيرا من الوقت في حيرة من أمري. كنت شديد الحرص والخوف في الوقت نفسه، كنت متلهّفا لمعرفة الحقيقة ليطمئنّ قلبي لا غير والدّليل أنني عندما اطّلعتُ على كلّ شيء لم أرفع الأمر إلى الأمن التونسي.

ـ إذًا، عرفت صاحب العملة؟ هل هو عسكري؟

قال: لا.

ـ هل هو سائح؟

ـ لا، بل هو سارح؟

ـهل هذا لغز أم تمويه؟

أعرف أنّك لن تصدّق الحقيقة، السيّد السّارح هو الحمار أزيط، فمنذ أن تعرّف الحمار على الثكنة أصبح يتردّد عليها، لا يقترب منها ولكن يبقى سارحا باحثا عن بقايا عشب جافّ فيأكله لكي يوهم كلّ من رآه بأنه بصدد الرّعي وقد يكون خرج عن قطيع الجمال التي ترعى في الصّحراء وحيدةً. والحمار يحفظ مسلكا قصيرا يصل به إلى رمادة.

لقد صادفتُ الحمار مرّةً وهو يقترب من المنزل والكاميرا مثبّتةٌ على رأسه، لا تكاد ترى من بين أذنيه، ابتعدتُ لأتركَ لبرنار أن يسْحب الكاميرا دون شكوك، لم أشأ أن أسأله لكيلا أثير الغبار. ومهما يكن من أمرٍ فإنّه لن يقول لي الحقيقة لذلك اخترت أن أغضّ الطّرف وأن أبقى متأمّلا متخفّيا، أستسقي من بئرين كالجاسوس المزدوج.  لم أُعلمْ أحدا أيضًا مخافة أن يستهين بي النّاس فلا يصدّقونني، أنا أعيدها للمرّة الألف: حمار برنار تعلّم كيف يأخذ الصّور للأماكن التي يرسله إليها صاحبه، ولماذا تعجبُ؟ ألم يفعل السّوفيات أكثر من هذا حين جنّدوا أسماك الدّلفين وغيرها للتّجسس على الغوّاصات الأمريكيّة، وزادوا فمنحوا سمك الدلفين الرّتب التي يحظى بها قادة الجيش. وكانوا يدعونها بالهاتف للاحتفاء بها ولتوسيمها مرّة كلّ سنة. وقد زاد يقيني بقدرة أزيط على تصوير ما يريد بحنكة "الكاميرامان" ودقّة المصوّر المحترف في اختيار زوايا التّصوير، يوم توقّفت بالقرب من منزل برنار وكنّا عائدين من مؤتمر طبّي وكان المكان حاليا الا من سيّارة المستشفى ومن طبيبين كانا في المؤتمر أيضا، بعد أيّام وجدت في منزل الدكتور صورة له وهو أمام السّيّارة يصافحنا مودّعا. من أخذ لنا تلك الصّورة وبذلك الوضوح وبتلك التّفاصيل؟ لم يكن في المكان الا الحمار الذي ظلّ واقفا أمام المنزل ينتظر سيّده كما تفعل الكلاب عادة.

يَذكُرُني كاتب الرّسالةِ بالاسمِ ولم يكنْ "أزيط" ويؤكّدُ أنني "جوكر اللّعبةِ"، أشكّل رأس حربة في مشاريع محتملة، لم يذكر تفاصيل هذه المشاريع إنما قال إنني إضافة إلى ذلك أقوم بوظيفة همزة وصل خفيّة عابرة للحدود وأنا قادر على ربط الجهتين اللّيبية والتونسيّة من نقطة عبور سائبة وغير محمية، أليست ذهيبة؟ ثم أضاف مسألة السّيارة ذات الوجهين وهو يقصد بالطّبع السّيارة الإدارية التي استعملها تحت رقم منجمي متغيّر.

ـ وهل أمَدَّك بمقابل؟

ـ لم أترك له الفرصةَ. أو لعلّه شكّ في الأمر لأنني سبقته إلى مجرى حديث آخر فبيّنت له أنّني لا أرشى ولا أُشْترى و لا أحب لعب الأدوار التّالية:

دور الذي يأكل بالحديث وردّه.

دور الطفل الذي يلعب بالسّلاح.

دور البحار الذي يرى ثقبا في السّفينة ويصمت.

دور المجنون الذي يلهو بمقودِ السيّارة.

دور الذي يبيع ما لا يباع.

فعلّقت: أراك تغافلت عن ثقب في السّفينة فلم تُعْلم السّلطة أو على الأقل مديرك المباشر؟

تململ قليلا ثم ألقى إلي بابتسامة ساخرة:

ـ عندما تريد قتل أحد فعلِّمْه كيف ينتحر فإذا رأيته اقترب من هدفه فوسّع له الطّريق وابتعد.

ـ يعني أنّ اللّعبة أعجبتْك فمهّدتَ له الطّريق في الاتّجاه نفسه وأبقيت أنظارك عليه.

ـ نعم، وراقبتُه وهو يدخل إلى زنقةٍ لا تؤدّي إلا إلى مشنقة الانتحار وحفظتُ اليوم الذي يبعث فيه رسائله إلى السّفارة، السّبت الأخير من كلّ شهر فأصبحت أبحث عن فرصة لأقابله يومها. ثم تابع:

ـ أعرف أنك ستسألني إن كنت قد أوصلت الرّسائل إلى مركز البريد وإن كنت قد قرأتها كلّها، لا ترهق نفسك بالسّؤال هي عندي في مكان آمن.

ـ ولمْ تعلم السّلطة بعدُ؟

ـ خفتُ أن أُحْملَ إلى طاولةِ السّين والجيم، ولمْ أرغبْ حتى في إحراج برنار بأسئلة لن يجيبني عنها بل قد تنبّهه إلى احتمال شكّي فيه فيجفّ الضّرع. واكتفيتُ بحسن الإنصات وبتتبع الحكاية فصلا فصلا وجملة جملة. تعلّمت من الجنديّة أنّ الحروب كلّها تقوم على المعلومة قبل أن تقوم على السّلاح وأنّ الذي يرسل معلومة إلى رئيسه لا ينتظر الردّ من الطّرف المقابل خصوصا إذا كان في أعلى السلّم. فمن العيب أن يردّ رئيسٌ على رسالة وصلته ممن دونه في الرّتبة. الرسائل التي تطلع من أسفل السّلم تمشي في اتّجاه واحد أمّا الأوامر فتنزل من العلوّ وتمرّ من فم إلى فم حذرة من أن يزلّ بها لسان فتسقط في الآذان المعادية، ولهذا كنت أوقن أن الدّكتور برنار لا ينتظر ردّا على رسائله فهو يعتبرها قد وصلت إلى من له الأمر، فماضرّ لو أخفيت الرسائل كلّها؟ وبرنار مطمئنّ فلا أحد يعرف من هو أزيط باعث الرّسالة.

ـ ممتاز تستحق وساما وطنيّا من أعلى الدّرجات.

ـ الوسام الذي يكون ثمنه الفضيحة لا حاجة لي به.

ـ هل ستطلعني عليها كاملة أم هل ستقطّرها تقطيرا؟  قلها صراحة فأنا مغرم منذ الصّغر بقراءة الكتب البوليسية وبالجوسسة، سأدفع لك ما تريد.

ـ لا، لن أقبل رشوة ولا ثمنا وإلا صِرتُ في نظرك خائنا متعمّدا وانتهازيا وأنانيا وبياعا واستغلاليا وغير وطني. أنا لا أريد أن أكون خسيسا، أنا أحبّ هذه البلاد وأسعى إلى أن أكون سعيدا من سعدائها وثريا من أثريائها ووفيا من أوفيائها وإن بدا لك أنني أستغل سيّارة الإدارة لمصلحتي الشّخصية فذلك لكي أجمع الخطايا التي سأدفعها للدّولة طبعا عندما يضبطونني وسيفعلون ذلك إن آجلا وإن عاجلا.

ـ ألم تقل لي سابقا إن السّر يظلّ يستعر داخل صدرك حتى تجد من يشاركك حمله؟

ـ أر أن المحافظة على السرّ أهون من الزيادة فيه.

ـ ماذا لو أعطيتني فكرة عما دوّن برنار في رسائله.

ــ ما شدّ انتباهي هو مدى الاحترام الذي يكنّه برنار للشّعب التّونسي والتّقدير الذي يعبّر عنه تجاه أهل الجنوب خاصّة. ومردّ ذلك حسب رأيه أنّ أهل الجنوب مزيج متجانس من الشّخصيات تداخلت فكوّنت شخصيّة غاية في الكمال. وكم من مرّة عبّر عن إعجابه الشّديد بثقافتهم الموروثة عن أجدادهم الأمازيغ دون أن ينسى فضل العرب عليها. ثم سحب من جيبه ورقة وقال: هذه فقرة من رسالة أحتفظ بها لسببين أولا لأنني سأحتاج إليها في ظرف ما وثانيا لما فيها من طرافة فلأوّل مرة أرى الدّكتور يخرج على جديّته ليحكي طرفة في رسالة رسمية. يقول عن الوجه الثاني للاستعمار: "يحكى أنّ رئيس إحدى الدّول المتخلّفة تفطّن بعد جهد وتفكير إلى أنّ الاستعمار يجلب معه مظاهر التقدّم والحداثة فيمدّ الطّرقات في الدّول التي يستعمرها ويضع سكّة الحديد ويبني المدارس والمصانع والمستشفيات وهي أشياء لا تقدر عليها دولته الفقيرة. فعقد مجلس وزرائه لاستشارتهم في الأمر. قال أحد الوزراء.

ـ نختار دولة كبيرة ونطلب منها استعمار بلدنا.

وقال آخر: عار علينا أن نشحذ الاستعمار، لن تغفر لنا الأجيال القادمة أن نجعل منها عبيدا.

وصاح: ثالث: وجدتها، نختار دولة كبيرة ونشنّ عليها الحرب ونتقاعس فيها فنخسرها، وهكذا تحتلّ جيوشها بلدنا ولا نحاول طردها حتى نشبع منها استعمارا وتقدّما وازدهارا.

ردّ الرئيس ساخرا من وزيره:

ـ اقتراحك هذا ورطة كبيرة، ماذا لو ربحنا الحرب؟ ألم تفكّر في ذلك؟ ستجرنا إلى احتلال الدّولة الكبيرة ولن نجد ما نفعل بهذا الاستعمار سوى جرّها إلى الخلف والتخلّف. وهو أمر لا نرضاه لأعدائنا.

ضحكتُ وضحك السّائق حتى احمرّت عيناه ثم واصل: أمّا عن أهلنا فلا يسخر الطّبيب منهم بل يبدو أنّه يحترمهم كثيرا، يقول واصفا حياة النّاس في جهة تطاوين ومؤكّدا على نظامهم الاجتماعي مقارنا بين أهمّ الحضارات التي مرت عليهم:

"مازال الأمازيغ في نظامهم الاجتماعي المضيّق يتوارثون عاداتهم الجوهرية وتقاليدهم ويحرصون على تثبيتها في مجتمعهم ويصرّون على ألا تتوزّع بين الأصهار الوافدين من جهات أخرى وبين المندمجين في مجتمعهم اضطراريّا. ومازالت ردود فعلهم مختلفة إزاء الفينيقيين والمسلمين بشقّيهم السّني والشّيعي من جهة وإزاء العرب والفرنسيّين من جهة أخرى فالأمازيغ لا يضيعون تاريخهم بل يمِرّونه من جيل إلى آخر ويكتبونه في سرّهم بخط لا يعرفه سواهم، لكنّهم لم يغفروا إلى يومنا هذا إقدام فرنسا على قصف قريةِ "الدويرات" الأثرية بالمدافع ويعتبرون ذلك عمليّة جبانةً لن يسقطها التّاريخ.

وليس غريبًا أن يحزن الأمازيغ على خراب قريتهم فهي موضع قصرهم العظيم الذي بناه أجدادهم فوق قمّةِ الجبل لكيلا تطوله أرجلُ الغزاة ولا دوَابهم، وحفروا كهوفَهم ومغاراتِهم في الجبل ِالسُّفْلي وجعلوها للمراقبةِ والسّكنِ.

 

-

واصل السائق:

الجميل في الحكاية أن الأمازيغ لم يقاتلوا الشّعوب التي قدمت إلى بلادهم واستقرّتْ في جوارهم وكوّنتْ دولا عابرَةً، وفي الحقيقةِ كان الأمازيغُ القاطنون في هذه الجبالِ مرغمين على قبول الوافدين والاندماج معهم. فقد كان سكان المدن وعليَةُ القوم متواطئين مع الغزاةِ لإدامة منزلتِهم في الحضرِ وليستعينوا بهم على إسْكاتِ انتفاضاتِ الريفيّين المحتملة. ولعلّ الفينيقيّين كانوا أكثر الوافدين تبجيلا فقد سمح لهم سكّان الحاضرة بتأسيس مدينتهم في شمال البلاد سمّوها قرطاج أو قرط حدثْ وبادروا بالتّكرّم عليهم بربّة الخصوبة "تانيت" فعبدوها وجعلوها رفيقةً لكبير آلهتهم بعْل. وتداخلت ثقافة الأمازيغ مع ثقافاتِ الشّعوب التي استقرّتْ إلى جانبهم وتراكمتْ وأثمرتْ. واطمأنَّت الشّعوب بعضُها لبعض. وتصاهرت فأنجبت الزيجات المختلطة أناسا غاية في الذّكاء والجمال وعرفت البلاد نهضة كبيرة وتأسّست بالقرب من شنني مدن جميلة مثل "دُقّة" التي ما زالت تعتزّ بآثارها الكثيرة إلى يومنا هذا. أمّا الرّومان فسلكوا نهجا آخر، فما إن أطاحوا بضخامة قرطاج حتى هزّهم الكبر والتّعالي والكبرياء فخطّطوا للتّوغل في الأرض النوميدية التي كان يسكنها الأمازيغ فنشبت بينهم حروب تناوبت بين الكرّ والفرّ. وقهرهم القائد يوغرطة الذي رغب في توحيد نوميديا مثلما كانت في عهد جده ماسينيسا " …………

الامضاء أزيط.

 

-14-

 

أبو قراط لم يكن جاسوسا

انتظرتْ مايا في بهو المستوصفِ حتى فرَغَ من المرْضى ودخلتْ حاملةً معها الملفّ الذي طلبت منها ترجمته. سلّمتْ ووضعْته على مكتبي فانتبهتُ إلى أن يدها اليمنى لم تزل في قفّازٍ من الجلد الأسود. تحاشيت الأمر وسألتُها إن كانت وجدت في الملفّ شيئا مهمّا، قالت:

ـ لم أنته من قراءته كاملا فالكتابةُ غير واضحة في بعضِ السّطورِ كأنها لطفل يتهجّى أحرف التفناغ في بداية عهده.

ـ ألم تَجِدي رؤوس أقلام؟

ـ في ديباجة الكتابة نقل لفقرة من قسم "أبو قراط" الذي يؤدّيه الأطباء أمثالك قبل أن يتسلموا شهادة الدّكتوراه.

ـ أرجو أن تسْرعي في التّرجمة.

ـ سأفعل، قالت مايا وهمّت بالخروج عندما دخلت كنزة وتركت الباب مفتوحًا وعينها على البهو، قالت:

ـ دكتور طارق مايا تريد أن تأخذ رأيك في شيء خاص.

نظرتُ إلى الفتاةِ فإذا بها تطأطئ رأسها خجلا، انتظرتُ حتى رفعت بصَرها نحوي لتقع عيني على عينها، تعمّدتُ ذلك صامتا إلى أن بان وجهها واضحا، انبهرتُ بهذا الوجه الجذّاب الذي يختفي بعض منه خلف العصابة السّوداء الحزينة، ملأ الخجل الخدّين حمرةً وتسابقتْ أشعّة الشّمس من فجوات السّتارة فخطّت على العنق خصلاتٍ ذهبيّة زادت الوجه بهاء، وأنارت العينين، وبعثت في الشّفتين رغبة في الابتسام. ابتسمتْ مايا فتبدّدت الكآبة وانقشع الضّباب ورأيتها أجمل بكثير مما تخيّلت، وأدركتُ أنني واقع لا محالة. 

أحسست بنظرتها تأسرني ثم تهزّني وترجّني رجًّا بين مقلتيها ثم تضعني هادئا غير قادر على الهروب ولا على ردّة فعل أيًّا تكن. وتسارعت دقّات قلبي وشعرتُ برغبة غريبةٍ تأخذنني بعيدا عن وعيي. خرج الطّفل من بين جنبيّ ولم ينطقْ. لم يتهجّ الكلام الذي يتمنّى قوله. هل هي صاعقة الحبّ أم هو إعجاب مفاجئ؟ لا هذا ولا ذاك، إنها موجة عابرة ترفعني إلى قمّة الجبل ثم تلقي بي إلى عميق البحار، حاولت أن أتخلص من هذه الحالة وشعرت بالخجل يُلجمني ويشدّني إلى الوراء، ها هي كنزة تنقذني:

ـ مالك يا دكتور طارق؟ لم تجبني؟

ـ أجيبك أنت أم أنتظر السّؤال من مايا؟

ـ معك الحقّ، قالت كنزة، إنها أمامك، ثم التفتت إلى مايا وقالت:

ـ هذا الطّبيب يا دكتورة، حدّثيه عن مشكلتك.

لم تتكلمْ مايا رغم إلحاح كنزة، كنزة على علم بتفاصيل الحكاية من مدّة طويلة، أي منذ أن كانت مايا تلميذة تستعدّ لاجتياز امتحان الباكالوريا والالتحاق بالجامعة، طلبتْ من مايا أن تنتظر قليلا خارج المكتب فغادرتْ، قالت:

ـ يبدو أنك لم تلاحظ أنّ مايا تضع عصابة على جبينها وتحمل قفازا في يدها اليمنى. فقلت:

ـ لاحظتُ القفّاز الأسود فاعتبرت أن ذلك من علامات التّدين يتناسق مع الوشاح الذي يغطّي جبينها، هذه أمور نسويّة خاصّة.

ـ لا أضافت كنزة، مايا ليست من المتشدّدات دينيّا ولا من المتعصّبات بل هي مثقّفة ومتفتّحة ولها مواقف معارضة تماما لمواقف رجال الدّين الذين يغالون فيه ويستعملونه مطايا للحصول على الحظوة من النّاس، وأمّا الوشاح والقفاز فلِتخفي بهما وشمًا على قفا يدها اليمنى وآخر على جبينها. أنا على علم بأنها طلبت من الدّكتور برنار أن يساعدها على نزع الوشمين. كان ذلك قبل أن تلتحق بالجامعة. لأنّها خافت أن يجلب لها السّخرية في العاصمة وأن ينظر إليها زملاؤها نظرة احتقار، وقد صارحت الدكتور برنار متعلّلة بأنّ الناس لا يقرؤون معنى الوشم ولا يقدّرونه حق قدره بل يتسارعون إلى نعتها بشتّى النّعوت المهينة.

سألتها: وماذا كان رأي الدّكتور برنار؟

ــ الدّكتور برنار كان معجبا بالوشم وكان يعتبره دليلا على أصالة الشّخص وحمّالا لثقافته. كان يلحّ عليها أن تبقيه ووصل إلى حدّ أخذ صور لوجهها ولكفّها. سمعته مرّة يقول كلاما كثيرا في الدّلالات الثّقافية وأهمّيتها بالنّسبة إلى الشعوب المعاصرة. ثم طلب من مايا أن تدلّه على الوشّامة لتضع له وشما ورغب في أن يكون بأحرف التفناغ.

قاطعتها وناديت مايا فدخلتْ، طلبت منها أن تجلس وأن تعبّر عن موقفها بكلّ وضوح وأن تعرّي على جبينها وكفّها من دون خجل ولا حرج، وقلتُ لها إنّ الطّبيب محطُّ أسرارِ النّاس جميعا يلجؤون إليه عندما يحتاجون إلى النّصيحة ولا يخافون من إشاعة أسرارهم.

ألحّتْ عليها كنزة وشجّعتها وطلبت منها ألا تضيع الفرصة، وأضفتُ بدوري:

ــ عليك أن تختاري يا مايا، سأمنحك فرصةً أخرى للكلام، ماذا تريدين منّي صراحة؟ أنا طبيبك وعليك أن تمنحيني الثّقة أوّلا ثمّ أن تتكلّمي بصراحة ثانيا، وإلا فلن أستطيع مساعدتك، أنا أدرك حيرتك فأنت تحملين على جبينك شارة انتماءٍ إلى أصلٍ تعتزّين به ومن جهة أخرى تريدين أن تتخلّصي منه لأنّه أصبح مدعاة إلى سخرية لم تقبليها، أخاف عليك من الانفصام في الشّخصيّة يا مايا وعليك أن تختاري.

قالت: وهو كذلك، أحسّ بنخوةٍ وبفخرٍ وبشرفِ الانتماء إلى الأمازيغ ولكنّني...

ـ هيه ...هذا الاستدراك الطّريف... لكنّك تنتمين إلى ثقافة حديثة تتّهمينها بالسّخرية من ثقافتك القديمة، أفهم صدام الثّقافات وأخاف منه إذا كان مسرحُه شخصا وحيدا، لا يستطيع أن يخوض حربًا لا يريدها أو فتنةً هو في حلّ منها.

تمتمتْ مايا ونظرتْ إلى كنزة فخرجتْ لتتركنا وحيدين أو لنفسح المجال أمام مايا حتى تتحدّث من دون حرج، انتظرتْ مايا أن تغلق كنزة الباب وراءها لتضيف:

ـ لي إحساسٌ بأنّ حملا ثقيلا مفروضًا عليّ يحطّ على جبيني، لا تعنيني قيمته ولا رمزيّته، كلّها أشياءٌ لم أُستشر فيها، فكيف أظلّ أحملها كما يحملُ الجبلُ علمَ النّارِ؟ ولماذا لا أجد طريقةً لإخفائِها سوى هذا الوشاح والقفّاز وهما شيئان يحيلان بدورهما على مشكلةٍ أخرى مفتوحةٍ على التّأويل؟ لماذا أضع قفّازا أسود على يدي اليمنى ولماذا أخفي نصف جبيني إن لم تكن فيه عاهة؟ صار جبيني مسرحًا لصراع علنيّ بين الدّين والثّقافة، هذه أسئلة لا يمكن أن أجيبَ عنها وحتى إن استطعت الإجابة فلا يمكنني أن أكرّرها كالقرصِ المشروخِ على كلّ سامع حتى لا يسخر منّي. أعتذرُ يا دكتور إن كنت أحرجتك بهذه المسألة الشّخصيّة ولكنّني أنوء بهذا الحمل الثّقيلِ، وأشعرُ أنّه يزداد ثقلا مع السّنين حتى انتهى صبري وصرت غير قابلة على حمله طول الحياة.

حاولتُ طمأنتها بكلامٍ مبعثرٍ من هنا وهناك فلم أقدر على منع دمعها من الانهمارِ، تركتها تبكي حتى علا بكاؤها واكتفيتُ بأن دفعت إليها ببعض المناديل الورقيّة ثمّ قلت:

ـ والآن؟ وبعد أن أمضيتِ سنين كثيرة في الجامعة، هل يمكن أن تقولي إنّ حروب المواجهة قد انتهت بنجاح وإنّ الأمن قد استتبّ؟

ـ لا يا دكتور، السّنون السّبع التي قضيتها في الجامعة مرّت على القلب بمرارة قاسية، كنت كالجنديّ المجبر على خوض حربٍ لم يرغبْ فيها. ما إن تنته معركةٌ حتى يُحمَل إلى أخرى وهو يتمنّى أن تكونَ الأخيرة. في مرّات عديدة فكّرت في ترك الجامعة لولا أن عائلتي أرغمتني على إنهاء دراستي، أمّي هي التي رفضتْ أن أترك الجامعة، المسكينةُ عاشت فتراتٍ صعبةً بين الإحساس بالذّنب والإحساس بالنّدم، ما كانت تتخيّل انني سأنتقل إلى العاصمة للدّراسة، كانت تظنّ أنّني سأكتفي بالعيش في شنني فأتزوّج مثل أغلب فتياتِ القرية وأكوّنُ عائلة وينتهي الأمر بأن ترتاح منّي، سألتها:

ـ ما ذنبُ أمِّك؟ هذه عادة قديمة جدّا لا تتحمّلها وحدَها. أعتقد أنها كانت هي أيضا إحدى ضحاياها، من الظّلم أن تتّهميها.

قالت: أحيانا أجد لها الأعذار، فالوشم مسألة ثقافيّة تهم المرأة الأمازيغية، تضعه للتّجميل، ولغايات أخرى. المهمّ أن أهل المدينة أنفسَهم يسخرون من الوشم ويعتبرونه علامة البداوة والتّخلّف، هم يحتقرون أهل الجبل كما كان أجدادهم يحتقرون الأمازيغ الرّيفيّين.

اغتنمتُ الفرصة لأبعث إليها رسالة إعجاب فعلّقتُ:

ـ أنت جميلة من دون وشم وأنت أجملُ بالوشمين.

ابتسمتْ ثم حوّلت ابتسامتها إلى ضحكةٍ لم أمنع نفسي من مجاراتها فضحكتُ إلى أن فتحتْ علينا كنزة الباب وهي تحمل كأسينِ من الشّاي. قالت وهي تضعهما على المكتب:

ـ أنهينا العمل، وغادر كلّ المرضى، مايا هذه صديقةُ المستوصف، اعتادت دائما أن تشاركنا كأسَنا، أتمنى ألا يحرجك شرب الشّاي في المستوصف يا دكتور، هكذا تعوّدنا، للشّاي نصيب من تقاليدنا مثل الوشم.

ـ لا حرج مادام يجمع ولا يفرّق، لاحظتُ ذلك في المستشفى، الموظّفون لا يباشرون عملهم إلا بعد أن يفرغ البرّاد إلى آخر قطرة. هذه مايا تتّهم أمّها بهذا الوشم ولم تغفر لها ذنبها إلى اليوم. أنا لا أعرف الشيء الكثير عن هذه العادة فأرجو أن تدلّيني حتى لا أرتكب خطأ في الفهم. قالت:

ــ في الحقيقة، أنتم الذّكور تتعرّضون منذ الصّغر لألم الختان، ونحن الفتيات نتعرّض لآلام كثيرة من ثقب الأذنين إلى ألم الوشم، جُرحُ الذّكور مستورٌ ومخفيٌّ أمّا جرح البنات فمكشوفٌ ويظلّ كذلك طول حياتهنّ.

سكبتُ الكأس في حلقي دفعةً واحدة كما يشرب الطّليان قهوةَ الاكسبريس، وهممتُ بالكلام فسبقتْني مايا:

ـ هنا مربطُ الفرس، وهذا ما أزعجني من هذه الثّقافة الموروثة، لماذا أتحمّل عبْئها مرّتين وجرحَها جُرحين فالأوّل داخلي ذاتي والثاني أراه في عيون الآخرين.

أيّدتها كنزة:

ـ وهذا طبيعي، فالمرأةُ الأمازيغية عندما تكتشف أنّ ابنتَها صارت تحيضُ وأنها أصبحت قادرةً على الزّواج تسعى إلى أن يعرف النّاس ذلك، الوشم كالحيض والزّواج والولادةِ كلّها تنتهي بإسالةِ الدّم، أمّا وضعُ علامةِ الجمع(+) في الوشْم على الجبين فهي تعني حرفَ التّاء الذي يدل على أن حاملته امرأة كاملة الجمال والأنوثة، وهذا هو أحد الأدوار الأساسيّة للوشْم: عرض الفتاة على الرّاغبين في الزّواج.

ـ هذا صحيحٌ، قالت مايا، إضافة إلى أنّ الوشم وُضع أيضا لدفعِ الأرواح الشّرّيرة وإبطال السّحر وإبعاد الفقر وسوء الحظّ.

ثم توجَّهتْ إلى مايا وطلبتْ منها أن تكشف لنا عن وشميها فرفضتْ فأوعزتُ إلى كنزة فأعادت الطّلب ثم غافلتْها وأقدمتْ على نزع الوِشاحَ من على جبينها، لم تجد مايا مفرّا من القبول.

ـ هكذا أنتِ أجمل قلتُ، فأجابتْ.

ـ لا أستطيع أن أتحمّله نفسيّا ولا اجتماعيّا، فإذا لم تساعدْني يا دكتور فأنا سأمرّ إلى ارتكاب ما يشبه الانتحار سأجْرح الوشم وأقتلعُه بشرايينه وقد أسيء إلى نفسي.

ـ إيّاك أن ترتكبي هذه الحماقةَ يا مايا، سأحاول مساعدتك وقبل ذلك فسّري لنا معنى هذا الوشْم الذي على الجبين. فقد لا نقوى على إزاحته إن كانت قيمته أكبرَ منه، سوف نرى ماذا بإمكاننا أن نفعل، ثقي بي، أم أنتِ لا تثقين بالرّجال حتّى وإن كانوا أطبّاء؟

ـ أنت تسيء الظّن بي يا دكتور، اعلمْ فقط أنّك الوحيد الذي نظر إلى جبيني هكذا عاريا تماما ورأى كفّي اليمنى بلا قفّاز ولولا دور كنزة لكان الأمرُ مختلفًا.

ـ لي شرفٌ إذًا، شكرا على حسن الثّقة، هل أنت مستعدة لأن تساعديني؟

نطقت كنزة:

ـ أنا أضمن لك ذلك يا دكتور.

ـ أربد قراءة ما في الوشم فقالت:

ـ سهل، ما في الجبينِ هو علامة جمع(+) مع صورة لناتير.

ـ تظاهرت بجهل كلّ شيء فسألت: ماهي ناتير؟ هل هي ربّة أمازيغية أم جميلة من جميلات الجبال؟

قالت مايا: معك حقّ، ناتير هي زهرة الزّيتون تنقش على جبين الفتيات لأنّ الأمازيغ يحبّون شجرة الزّيتون حبّا قدسيّا.

ـ ما دام الأمر هكذا فلا أستطيع أن أنزع عن جبين التّاريخ هذا الاعتراف.

ـ لا، قالت كنزة، لقد وعدتها يا دكتور.

فقلت: أبقى على وعدي إذا ما فسّرت لي الوشمَ الذي على قفا كفّها.

فنهضت مايا وتظاهرتْ بالغضب وقد فضحت عيناها قليلا من دلالها وكثيرا من جمالها قالت:

ـ أنت تبتزّني يا دكتور وسأسْحب ثقتي فقلت:

ـ أبدا يا مايا الجميلة، من الغدِ سأسعى إلى تحديد موعدٍ مع طبيب الأمراض الجلديّة فقد يتمكّن من فعل شيء ما بأشعة الليزر، وسأسبقك إلى هناك، فقولي لي عمّا في وشم الكفّ أو عرّفيني بهذا الرجل الذي نقشتِ وجهه من فرط حبّك إيّاه، وقد أبشّرك بأن متابعة العملية ستكون في المستوصف الجديد فنحن جهّزناه بآلة متعددة الاختصاصات.

ـ هل وصلت؟ سألت كنزة.

ـ هي مركّزة وسأشغّلها بعد يومين، وسنحوّل كلّ ملفّات المرضى وسنبقي فقط على المسنّين لنقوم بعيادتهم في منازلهم.

ـ أنا أنتظر النّقلة بشغف، تعبت من الطّلوع والهبوط يوميّا.

فقلت: العمّ علي أيضا تعب من الطّلوع والهبوط، سنجرّب الآلة بكفّ مايا إن هي أخبرتنا برمز الوشم الثّاني.

ـ اترك ِالأمر إلى موعدنا عند طبيب الأمراض الجلديّة.

فقلت: غدا أذهب إلى مدنين لأقابل الطّبيب.

فقالت: ولماذا لا تأخذني معك؟

ـ ممكن، قلتها ببرودةٍ تامّةٍ.

ـ سأعلم والدي وانتظرك أمام المستوصف وفي الطّريق سأفتح لك قلب هذا الوشم وأعرّفك على صاحب الصّورة، ثم غادرت وتبعتها كنزة فخلعتُ بلوزتي ورتّبت بعض الأوراق وأنا أحدث نفسي:

ـ ما الذي جعلها تقبل بل تقترح مرافقتي إلى مدنين؟ هل إلى هذه الدّرجة تثق بي وتثق بنفسها؟ أم هل رغبتها في إزاحة الوشمين أكبرُ من كلّ شيءٍ؟  يبدو أنّها حريصةٌ شديد الحرْصِ على متابعةِ الأمرِ معي بالذّات بعد أن خذلها الدّكتور برنار، سأساعدها نكالة في موقفه وسأبيّن للنّاس أنّني فعلتُ ما رفض أن يفعله برنار. غدا ستنتظرني أمام المستوصف، هذا التصرف غريب، وبعلم أبيها؟ ربما ينكشف الأمر وتراها ألسنة النّاس وهي تركب إلى جانبي في سيّارتي، ماذا سيقولون؟ وماذا لو علم السّائق بهذه المرافقة؟ سيبني عليها حكايات وسيفتح لها صندوقا جديدا ويظلّ يخفي مفتاحه ويبيعه مرّات عديدة للمتطفّلين. هذه المرّة لن أترك له الفرصة ليبتزّني. سأفاجئه بالحكاية قبل أن يجعل منها حجر الأساس لخرافة شيّقة يبني عليها ألاعيبه.

 

-15-

الوجه لطارق والقفا لأكسل

هذه ليست صورةً لرجل أحبّني أو لرجلٍ أحببته كما يفهم بعضُهم بل هي صورة أَكْسِلْ بن لَزِمْ رمز الشّهامة والوفاء والنّبل، أكْسِل تعني بالأمازيغية النّمر وقد أطلقَ عليه الأعرابُ اسم كُسَيْلة بُغْية تحقيره ونزع صفة الفتوّة والشّجاعة عنه، وزادوا فحرّفوا كلمة لزم وهو الأسد إلى أيزم وذلك للغاية نفسها، وأكسل في الحقيقة كان ملكا شجاعا وعنيدا، وكان يَدين بالنّصرانية، وقد أسلم عندما أصبح صديقا حميما لأبي المهاجر دينار الفارسيّ الذي تولّى القيروان.

لكنّ الأعراب لم يقبلوا انتصاره عليهم فسعوا إلى السّخرية منه حتى يعوّضوا مدى الشّعور بالنّقص الذي أصابهم في مواجهته. وبما أنّهم كانوا يستضعفون الأنثى ولو كانت فارسا أو حكيمة فإنّهم أنّثوا أكسل وسمّوه كسيْلة، وحكايته مع المسلمين طويلة ومشوّقة تصلح لأن تكون درسا في الحربِ. فلما قدم العبادلة السّبعة في أوّل محاولة لنشر الدّين الإسلامي في إفريقيّة وقد سميت بغزوة العبادلة السّبعة لأن القوّاد السّبعة كانوا يحملون اسم عبد الله. لم يستطيعوا أن يفرضوا الدّين الإسلامي بحدّ السّيف ولم يعتنق دينهم سوى نفر قليل من القبائل الجبليّة، ولم يثبت الإسلام هنا إلا في الحملة الثالثة التي قادها عقبة بن نافع وقد كانت له قصّة مع اكسل أكثر تشويقا.

.حدّثيني عن هذا الرّجل الذي لو كان حيّا لذبتِ في حبّه.

ـ إنّه يستأهل حبّ كلّ الأمازيغيات. إنّه أكسل ولا أحد غيره، مصدر عزّتنا وفخرنا وتاريخنا الزّاهي.

ـ ماذا لو حكيت لي عنه.

ـ سأكتفي بأهمّ قصّة عاشها، بل عاش من أجلها ومات أيضا، ثمّ عدّلتْ جلستها على كرسيّ السيّارة فاستقام ظهرها وبدت كأنّها طفلة تعرض أنشودة في امتحان الحفظ:

ـ دخل عقبة بن نافع إفريقيّة ونشر بين أهلها الدّين الإسلامي وبنى القيروان. ثم ترك أمرها إلى أبي المهاجر وعاد إلى المشرق. فعمل أبو المهاجر على مواصلة نشر الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فاستجاب كثير من النّاس لدعوته تلك واعتنقوا الإسلام واعتبروه دينا يدعو إلى احترام الذّات وينشر العدل والطمأنينة ويبشّر بالخير وبحسن النّهايات. مضت مدة وأبو المهاجر يسوس الجهة ويزرع الفضيلة ويجمع من حوله النّاس. استجاب له اكسل وكان وقتها ملكا على الأمازيغ وأعجب بسلوكه وبطريقة سياسته المرنة فجمع حوله كثيرا من الأتباع وأدخلهم إلى الإسلام. وصار الأمازيغ غير مجبرين على دفع الجزية ما داموا قد أسلموا. وتراجعت الجباية ولم يعد هنالك غنائم تصل إلى حكام بني أميّة فلم يرضهم ذلك فأعادوا عقبة بن نافع إلى القيروان تدفعه رغبة في عقاب أبو المهاجر دينار على بخله وامتناعه عن مواصلة طلب الجزية حتى من الذين أسلموا حديثا. وقد اعتبر عقبة الصّداقة التي نشأت بين أكسل وأبي المهاجر خطأ أُغلق باب الغنائم والهدايا فأقاله وسجنه وأمر بتصفيده بالحديد وصادر أمواله وصار يحمله معه في كلّ غزوة لينكل به، لم يحتمل اكسل هذه الحال التي صار عليها صديقه أبو المهاجر دينار فكتم الأمر وخامرته الشّكوك من تصرّف عقبة، وهو يراه متماديا في إذلال الأمازيغ. لاحظ عقبة ذلك فعمل على إهانة اكسل ووصل به الغضب إلى أن أمره بسلخ شاة ليأكلها جنود المسلمين، وكان عقبة يدرك جيّدا أن سلخ الذبائح أمر مهين لنبلاء الأمازيغ وزعمائهم. نفّذ اكسل هذا الأمر بالقهر والقوّة، وبقي يترصّد الفرصة حتى علم بأن عساكر عقبة تعبوا في إحدى الغزوات فالتحق به على رأس جيش جمعه من أقاربه وأهله وبعض الأتباع ووقف ليخطب فيهم: أيّها النّاس، إنّ ما أتاه عقبة بن نافع لا علاقة له بدين الفضيلة ولا بزرع العدل والطمأنينة، لقد جاء ليسفك الدّماء وينهب الأموال ويستحيي النساء وأنتم لا تريدون أن تمرّغ أنوفكم في التّراب، فاندفع النّاس بسيوفهم والتقى الجيشان وجها لوجه، ونادى أكسل في جيش عقبة أن أخرِجوا لنا شجعانكم فخرج إليه عقبة نفسه في مبارزة فردية. تعالى الصّياح من هنا وهناك، كلّ يشجّع قائده ويهتف باسمه. وارتفع صليل السّيوف وأثارت حوافر الخيل الغبار وصار يحجب الأنظار وصار المشهد يوحي بمعركة بين قبائل الهنود الحمر: كل يجري وكلّ يصيح ويلوّح بسيفه. فجأة سقط عقبة بن نافع وقد أثخنته الجراح ووقف أكسل رافعا سيفه فنزل شلال من الصّمت على الجميع وارتفعت السّيوف المقابلة ولمعت فتراجع جيش عقبة بعد أن مات منهم مئات من الصّحابة. وعاد أكسل فحكم القيروان وحافظ على أمن سكّانها طيلة خمس سنين حتى قتل بدوره غير بعيد عن القيروان في معركة جنّد لها المسلمون القادمون من الشرق عددا كبيرا من المحاربين. وإلى اليوم لم أفهم لماذا لم يهتمّ المؤرخون بهذا الأمر كثيرا.

قُتلَ أكسل وخلفته ديهيا في حُكم الأمازيغ فكانت عظيمةً استطاعت أن تطرد المُسلمين من أرْضها وبقيت في الحكمِ خمسًا وثلاثين سنةً حتى قتلت في آخر الغزوات ومنذ ذلك التاريخ اعتنق النّاس الدّين الإسلامي وها نحن مسلمون لدين الله، أنا أعْجبُ لماذا ينكرُ بعضُهم هذه الحقائقَ.

في عهد أكسل توحّدت بلادُ تاماغزا وشملت كامل المغرب العربي. وكان يمكن أن تبنى في عهدهِ دولة إسلامية على أسس الإقناع والعدل كما تصوّرها أبو المهاجر دينار وأيّده في ذلك أكسل. كان يمكن أن يستتبّ الأمن وتُحْقن دماء العرب والمسلمين والأمازيغ وأن تأخذ هذه الثّقافة من تلك وتزدهر الحضارة بأذرع متعدّدة. هذا الأمر يهمّني كباحثة في التّاريخ لأنّني أرى فيه خطا خفيّا في صراع الأديان والثّقافات وما شدّ انتباهي أيضا هو تقلّب أكسل من الوثنية إلى الإسلام ثم ارتداده عن الإسلام عندما رأى المسلمين يسوقون النساء سبايا كما تساق النّعاج ثم يقتسمونهنّ كما تقتسم البضاعة وهذا في اعتقادي أرذل جرمٍ ارتكبه الإنسان عبر تاريخه، ونزل به إلى مرتبة أسفل من الحيوانيّة.

لم تعرف المرأة الأمازيغية اذلالا واهانة ما عرفته في السنين الأولى من انتشار الدين الإسلامي في بلاد افريقية. ففي تلك الفترة صارت تباع الواحدة منهن بألف دينار او أكثر في مراكز الخلافة، يتسابق أعيان القوم في شرائهن. ألم يبادر عقبة ابن نافع منذ تولّيه أمر القيروان بجمع السبايا من الأمازيغات الجميلات وارسالهن الى الخليفة في دمشق ليتخذ منهن جواري صالحات لكل المهمّات فهذه للرقص وتلك للغناء والأخرى للجنس؟ ويروي المؤرّخون ما يشبه الخرافات في شأن النساء الأمازيغات فهذا الخليفة الاموي عبد الله ابن مروان، المهوس بالجنس كما ينعته البعض، يقول: من أراد ان يتخذ جارية للتّلذذ فليتخذها بربرية. ويروى أن موسى ابن نصير أراد ان يتقرب من الخليفة الوليد ابن عبد الملك فجمع في الأسر آلاف الأمازيغيات وانتقى أجملهن وارسلهن اليه كما توسق الغلال الطّازجة من بلاد المغرب. وما ان تولى هشام ابن عبد الملك الخلافة حتى سارع الى عامله في بلاد المغرب برسالة أو بطلبية حدد فيها التفاصيل الجسدية للجواري اللائي يريدهن. ولم يهمل من الوصف حتى الأنف والكعب ولون الشعر. وذكر في ملحق الطلبية أنواع الزينة التي يجب على الجارية حملها معها إلى القصر.

أنا قرأت التّاريخ بوصية عبد الرحمان ابن خلدون وأدركت بعد تمعّن ومقارنة أن سبب التّخلّف الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي هو الكبت الجنسي الذي كان يعاني منه الخلفاء والحكام. كانوا يبيحون لأنفسهم البحث عن اللّذّة ويستفردون بها. كانوا يسعون الى اقناع العامّة بأنّ الله ميّزهم بلذّة السّلطة في دنياهم وبلذّة النّساء في آخرتهم. أنا لا أخجل من التصريح بأن الدّين الإسلامي صار في أيّامنا هذه، يولي الجنس أهمّية أكبر مما ينبغي، حتى صارت الفتاوى تنبت كالفقاقيع لتجيز النكاح بأنواعه وتهتمّ به أكثر من اهتمامها بالسعي الى المعرفة وتنزيل العلم ما يستحق. لا غرابة اذن أن نرى الغرب يفوتنا مسافة سنين ضوئية من الحضارة. لأن رجال الكنيسة هناك ساهموا بقسط كبير في تمييع الجنس بل دافعوا عن الحرية الجسدية للمرأة وعن الحرية الجنسية عموما. وهذا ما ترك للحكام مجالا للتفكير فيما ينفع النّاس والبلاد وفتح المجال شاسعا أمام تفتّق المعارف وبناء الحضارة.

نحن التونسيّات لقينا الاحترام من أهلنا. نحن لا نباع ولا نسبى. يشهد لنا التاريخ بالحكمة والعفّة والتميّز. ألم ينعت حسن حسني عبد الوهاب ديهيا بالصّنديدة البربريّة؟ وذكرها باعتزاز في كتابه شهيرات تونسيات الى جانب الجازية الهلالية وعائشة او السيدة المنوبية وعزيزة عثمانة وغيرهنّ. كعب المرأة التونسية أعلى من نظرة الخلفاء اليها. اقرا التّاريخ يا دكتور لتعرف من نحن. معذرة إن أزعجتك حماستي. 

كنت أسوق السيّارة صامتًا أستمع إلى الدّكتورة وهي تمتعني بتلاوة التاريخ. عرفت سبب كرهها للعرب الذين ظلموا أجدادها ووجدتُ لها بعض الأعذار، وعبّرت لها عن خوفي عليها من بعض المؤرخين الذين يفرزون من التّاريخ ما يرضي سلطاتهم ويتنكّرون لكلّ ما لا يرضي المفتي وأولي الأمر، فاستشهدتْ بدورها برأي ابن خلدون في العرب وادّعت بأنّها لم تضف شيئا عمّا قاله فيهم.

أبديت إعجابي بهذه القراءة السّليمة. وكرّرت تنبيهي لضرورة الحذر من بعض الحكّام الذين يعتبرون أن التّاريخ المزيف يكون أحيانا أنفع من التّاريخ الصّحيح، وأنّ خطأ شائعا أجدى من صواب متروك، وأنّ برامج التّعليم لا ينبغي أن تذكر الفتن، وأنّ الدّين الإسلامي لا يبيح القتل.

سألتني: لماذا يحتقرون أكسل ويفتخرون بطارق بن زياد؟ ألم يكن أمازيغيا هو أيضا؟ أم لأنّه قادهم إلى فتح إسبانيا فاعتبروه بطلا مسلما ونسبه بعضهم إلى العرب كذبا. وكان طارق القائد المسلم الوحيد الذي فتح بلادا دون أن يجازى بالولاية عليها بل أسرع موسى بن نصير إلى محاولة قطف ثمار بطولات طارق وإظهار نفسه في هيئةِ القائد الفاتح وسجن طارق وكاد أن يقتله موسى لولا شفاعة مغيث الرّومي. وتلك فضيحة أخرى وجرمٌ كبيرٌ لا فائدةَ في ذكرهِ. وبقي الجرحُ عميقا عند الأمازيغ لأنّ ابن زياد لم يمتْ ولمْ يُدْفن في أرضِهِ.

الأفضل كان ممكنا وهو ممكنٌ إلى يومنا هذا. فلا أحد ينكر فضل العرب على افريقيّة ولا أحد ينسى إضافاتهم إلى حضارة هذا البلد الممتدّ إلى عمق التّاريخ فالرّباطات والقلاع ومآذن المساجد تمدّ أعناقها نحو السّماء لتشهد على عظمتهم، أنا أشعر بأنّني منهم، من نسل ابن خلدون وابن هانئ والقاضي النّعمان وابن رشيق، كلّهم أهلي فلماذا يسيئون إليّ عندما يلمحون هذا الوشم على جبيني؟ ويدّعون أنّني أخفي وراء القفّاز حنينا إلى السّلفية، هذا النّوع من البشر ما زال إلى يومنا هذا يتاجر بالدّين ويأخذ من الإسلام ما يعجبه ويسقط ما لا ينفعه. فأكّدت:

ـ إنني أخاف عليك من سياط ألسنتهم وحدّة سيوفهم وقوّة بهتانهم.

ثم تركت سيارتي في المأوى المخصّص لسيّارات الأطبّاء. ونزلنا ومشت مايا إلى جانبي وفي يدها الرّسالة التي لخّصت فيها حالتها الصّحية.

لم تتركني الكاتبةُ في غرفة الانتظار إلا بضع دقائق عادت بعدها لتدعوني إلى الدّخول صحبة مريضتي. عرضت حالتها على زميلي فتوجّه إليها بعدة أسئلة ثم طلبها أن تمضي بالموافقة على إجراء ثلاث حصص من المداواة بالليزر كلّ أسبوع وأبدى لها أملا كبيرا في نجاح العمليّة، لكنّها فاجأتنا بالاعتذار، قالت إنها لا تستطيع أن تتنقل أكثر من مرّة في الأسبوع من شنني إلى مدينةِ مدنين وطلبتْ من الطّبيب المختصّ أن يقلّل من حصص المداواة بالليزر فتدخلتُ وطلبتُ منه أن يبقي على المواعيد التي اقترحها وسأتكفّل بترتيب الأمور مع المستشفى. حاولتْ مايا أن تعترض على اقتراحي فرفضتُ وتناولتُ بطاقةَ المواعيدِ ومددتُ يدي مسلّما على الطّبيب ونهضتُ فتبعتني مايا وهي تتمتمُ بعض الكلام معبّرة عن عدم رضاها بالبرنامج الذي أقرّه الطّبيب فلم أردّ عليها وتوجّهت نحو السيّارة.

نزل عليّ السائق كما ينزل نسر على فريسة أسفل الجبل، فسلّم بحرارة وعيناه على مايا، ولم أترك له فرصة السّؤال؛ كنت أعرف مسبقا أنّه سيحرجها بأسئلته الحمقاء. بادرتُه بالكلام:

ـ لا بدّ أنك تعرف مايا.

ـ الدّكتورة مايا قال، أعرفها جيّدا، هل جاءت إلى موعد مع طبيب في مستشفى مدنين؟

ـ نعم، ثم همس إليّ.

ـ معي مريض واحد سأعود به إلى مستشفى تطاوين بعد أن يقابل طبيبه، بإمكان مايا أن تعود معي، هكذا أريحك من مسؤوليتها.

ودّعته وركبتْ مايا إلى جانبي وغادرنا المستشفى، مشينا إل أحد المقاهي الرّاقية في مدنين، وجلسنا في انتظار القهوجي. طارت بي الحاجة إلى جرعة خيال. لم أعد طارق الذي أعرف وربّيته داخلي حتى كبر وجاء يدقّ على فم تطاوين، أنا ربما كنت بعل الذي التقى ذات ليلة بتانيت وهي حافلة بالأمومة والخصب والنّماء، سأحبّ هذه المرأة حدّ الولع، سأبني في النّفس قصة حبّها بأحلى العبارات التي لم يتفطّن إليها شاعر ولا عاشق، سأهذي بحبّها إن وجب الهذيان وسأتعلّم لكنة الطّفل حتى يكبرَ فيّ من جديد ويتهجّى اسمَها، سأناديها احفلي يا تيناست واستعدّي لفرح الارتواء فها أنا أونيس. الذي لن يحبّ إنسا ولا جانا ولا معبودا سواك، سنغرس الجبال من حولنا ونُذيب الصّخر بالصّبر حتى تلينَ الأرض من تحت أقدامنا، سأرحل بك يا تيناست لتكوني مفتاحَ البلد الجميل، سننجبُ أكثر الأطفال جمالا ونملأُ بهم الدّنيا فتزهر الجبال التي تركناها خلفنا في شنني ونبني عُشهم ونسمِّيه تونسَ لتكون جنّتنا الدّائمة ولتبقَيْ مفتاحَ الخصوبة الإفريقيّة، ستصبح الأسطورة التي تقول إنّ تيناست وأونيس كانا وراء إطلاق اسم تونس على هذا البلد الجميل حقيقة نمضي عليها معا. كوني إذًا تيناست أو تانيت فأنا بعلك الوفيّ.

ولماذا لا أكون طارق بن زياد؟ لتكون مايا حقيقة صدى الجبال التي وقف بها وسمّى أحدَها: جبل طارق، ألا تعني كلمة مايا صدى الجبال بالأمازيغية؟ فلتكوني إذًا صداي.

قالت مايا وهي تأخذ مكانا لها في المقهى:

ـ لماذا لم تترك الطّبيب يباعد بين حصص اللّيزر؟ أنا لا أستطيع المجيء إلى مدنين ثلاث مرّات في الأسبوع؟ لا يمكنني ذلك، أحرجْتني يا دكتور طارق عندما فرضت رأيك علي.

ـ لا تنشغلي بالأمر، سأنظّم توقيتَ الحصص وسأتولّى مرافقتك ثلاث مرّات في الأسبوع، على أن تساعديني في الحضور باكرا حتى أتمكّن من العودة إلى عملي.

ـ طبعا، طبعا، قالت وقد بدت على وجهها فرحة كبيرة سرعان ما امتصّتها لتضيف:

ـ لا أجد الكلام لأشكرك ولا أستطيع سؤالك لماذا تفعل هذا معي؟

ـ لأنني أحبّ أن أخلّصك من هذا الوشم رغم إعجابي به.

ـ فلماذا إذًا تساعدني على التخلّص منه وأنت معجب به؟

ـ من أجلِكِ، وحتّى أسهم في صنع الفرحة في عينيك، أنت لا تتصوّرين سعادة الطبيب عندما يكون سببا في فرحة مريضه.

قالت: لكنني لست مريضتك.

ـ نسبيا ولكنّك أنت أكثر من ذلك فالمريض لا يحمله طبيبه إلى طبيب مختصّ بل يرسله إليه، أمّا أنت فشيء آخر، شيء أجمل.

ـ أرجوك قالت، لا تتركني أحمّلك أعبائي، عاملني كما لو أنني مريضة عادية.

ـ كم أتمنى ذلك! ولكنّ الطّبيب إنسان أيضا له طموح ومشاعر وعاطفة وكم يتمنى ألا يؤثّر كل هذا على عمله! ولكن أحيانا تغلبه الأحاسيس. لذلك يتحاشى الطّبيب أن يعالج والديه وأقرباءه، إنّه يخاف أن يسقط في شراك الإحساس فيحيد به عن العلم.

ـ اتركني لأسقط معك إن وجب السّقوط.

صمتتْ وتركتْ لي بعض الوقت لأنظر بإعجاب في وجهها الصّافي وقد كساه الخجل فزاده جمالا، انتبهتْ إليّ مرتبكة وسألتني:

ـ لماذا تنظر إليّ هكذا؟ أنت تخجلني وتخيفني حقّا.

ـ لأنني أريدك أجمل، دائما أجمل، ولكن اطمئنّي، ثقي بي ولا تخافي أبدا.

قالت: وهل تتخيّل أنني أرافقك من تطاوين إلى مدنين دون أن أثق بك؟ هذا أمر لا يناقش، ثقتي بك ثقة الأرض بالسّماء أو ثقة البحر بأسراره. أرى الأمان ناطقا في عينيك فأزداد اطمئنانا. وأرى شخصيتي لا تطاوعني في ارتكاب شيء يرفضه ضميري ويغضب والدي الذي كان يسمّيني ديهيا الجديدة.

ـ أيضا؟

ـ ماذا تقصد؟

ـ أقصد أننا انتهينا من أكسل بصعوبة حتى فاجأتنا الداهية أو لست أدري من، أنا لا أحفظ إلا اسم الكاهنة.

ـ لا تقل كاهنة مرّة أخرى، إنّ اسمها ديهيا وتعني الحسناء، ليتني أرث عنها ولو ربع شخصيتها.

ضحكتُ فقالت مايا: أراك تضحك كطفل يسمع نكتة من جدّه. حلو ضحكك.

 

-16-

وقع الطّائر في القفص

كان لا بدّ أن ألتقي بحارس الصّناديق. إنّه يذكّرني بحامل صندوق الدّنيا الذي كان ينتظرنا أمام المدرسة فندفع له قليلا من النّقود ويطلعنا على صور ٍلحيوانات وغابات من خلال ثقب في صندوق الدّنيا، كنّا نتدافع عليه مشتاقين إلى صوره التي تتكرر بالتّواتر نفسه ولا نملّها، كان حمّال الصناديق قد وعدني بملفّ مهمّ من ملفّات برنار، سأشتريه إن لزم الأمر، أنا لن أدفعَ له إلا إذا أصرّ، سأهدّدهُ بافتضاح أمر السّيارة الإداريّة ذات اللّوحتين المنجميّتين عند اللّيبيّين إن لزم الأمرُ، مجرّدُ تهديدٍ لأنّني لن أفعلَها أبدًا. سيتظاهرُ بأنّه لا يخافني محتميا بانخراط المدير في شركتهِ الخفيّة الاسم. السّائق الغبيّ لم يفهم بعد أنّ المديرَ سيتبرّأ منه إذا ما تحتّم الأمرُ وفاح الخبرُ وبدأت مطرقة السّين في قرع سندانِ الجيم.

قبل أن أشرع في قبول المرضى أعلمتني كنزة بأنّ سائق المستشفى سيمرّ هو الأوّل وقد أحضرتْ ملفّه الطّبي ووضعته على مكتبي، طلبتُ من كنزة أن تسمح له بالدّخولِ حالما يصل، فتراجعتْ نحو الباب ونادته، سلّم ثم جلس وقال:

ـ لن آخذ من وقتك الكثير، هذه حكاية أخرى أأتمنها عندك.وسحب من تحت سترته ملفّا يحتوي بعض الأوراق:

ـ نسخ بالفرنسيّة ممضاة باسم غريب. حاذر عند فتحِه. وتذكّر أن صيحةَ العصفور ِالأخيرَةَ تدين الكفّ التي كانت تحمله. 

شكرته وخرج فقضيتُ ذلك الصّباح مسترقا النّظر إلى الملفّ بين دخول مريض وخروجِ آخر، لم أستطع أن أفتحه كاملا خوفا من أن أفقد تركيزي عند فحص المرضى واكتفيتُ بإلقاء نظرة عابرة عليه، كأنّني أخاف أن يهرُب مني، فلمّا غادر آخر مريض أغلقت باب المكتب من الدّاخل وفتحت الملف، وشرعت في القراءة عندما طرقتْ كنزة الباب وقالت:

ـ دكتور طارق، مايا تنتظرك.

خرج الطّائر الدّفين الذي أحمله، طائر غريب يسكنني ويتلبّس بي فأحطُّ على أرضٍ غريبةٍ، أمشي فيها بخطى مرتبكة إلى وجهة في الضّباب، لا شيء يقودني سوى بوصلة الرّغبة في لقاء الطّيور الغريبة مثلي، سنملأ الحياة فرحةً والفضاء أصْواتًا لا إيقاعَ لها ولا معنى، سنصنع الفوضى الجميلةَ لكي نحيا وتستمرَّ الحياة بنا. منذ أن طِرتُ إلى هنا وأنا أشعر برغبة في اكتشاف المجهول وأحاول أن أقسّم الخطى والأنظارَ وأن أتفحّص السّرابَ لأحدّدَ مكاني، تلك الجبالُ لم تزل تكبر بما حملتْ من مجهول وتلك الأشجارُ المتبقّية على رؤوسها لم تزل تصارع من أجل الحياة، لا أحدَ يسألها كم من السّنين مرّت عليها وكم من رياح حاولت اقتلاعها فهدّأتها وامتصّتْ قطراتِ النّدى التي سكنتْ أحشاءها. أنا أركبُ الرّيحَ وأمضي في الطّلاسم بحثا عن الانفرادِ بالوضوح. أين أنا من هذا الحبّ المتأرجحِ بين البهر والظّلام؟ أنا لا أبصر شيئا في هذا ولا في ذاك.

أجمل قصص الحبّ مرّت من هنا، فهنا عشق أونيس الأمازيغي تيناست وعاش معها قصّة حبٍّ عنيفةً انتهتْ في مدينة تونس ومن هنا مرّت الكاهنة وتركتْ بصماتها وهنا بحثَ حسين اللِّيلِي عن "بنت دريد" فلم يجدْها ومن هنا أيضا مرّت الجازيةُ الهلاليّةُ وأبوزيد فلماذا لا أكون الفارس الهلاليّ الذي ضحّى من أجل حبّه لقبيلته وضحّت الجازية بنفسها من أجل شهامته؟

أحسستُ بالدّفء يترك يدي وينساب في عروقها ليغزوَ قلبها، شعرتُ بوقعِ القصيد الذي انتهيت من كتابته منذ ليلة قد أوقع بها. فماذا لو قرأته عليها؟ ماذا ستقترح مايا عنوانا لما كتبت لها؟

ـ سأوافق على كل شيء.

ـ سأقرؤه عليها بنبرة العشّاق وبحماسة الشّعراء.

ـ سأهديه إليها. وسأكتب اسمها في التصدير فهل تغضب؟ الشاعر لا يرضى عن قصيده الا متى وجد من يستمع اليه.

أعدت سؤالي:

ـ من أين نبدأ؟ من أي وشم؟

ـ في الحقيقة لم أتدبّر الاختيار، كأنّ الحماس الذي كان يدفعني إلى التّخلّص من الوشمين قد خبتْ نارُه أو كأنّ النّدم انتابني. أحيانا تأخذنا الفرحة فننسى سببها. لكنّني لن أتراجع عن قراري، سيكون هذا الذي في كفّي، أكسل، إنني أستعجل طرده من كفّي ليسقط معه اسم ديهيا، أريد أن أفسخ ما بداخلي أوّلا وسيسقُطُ الباقي. سأخلي المكان ليحتلّه من أحِبّ.

ــ لم أفهم قصدك مايا.

ــ إذا كنتُ لا أستطيع الحصولَ على من أحبُّ فالأفضل أن أحصلَ على من يُحبّني.

ـ هكذا إذًا؟ تريدين القفز في المجهول؟

 ردّت مايا كما تردّ مكرهةٌ على سؤال محرج:

ـ التّاريخ الذي لا يعرف كيف يأخذ له مكانا حصينًا في الذّاكرة ولا يطرُدُ الأحداث الصغيرة من أمامِ الأحداثِ المهمّة لا يستأهل أن يسمّى تاريخا، التّاريخُ الحقُّ يفضّل الذّاكرة على كلّ شيء آخر فلا ترضيه الكتب ولا الأوراق المتناثرة ولا الأفلام ولا الأقراص بأصنافها، كلّها معرّضة للتّلف إلا الذّاكرة. والجميل هنا أنّ ذاكرة النّاس نوّعت في اختصاصها فبعض منها خيّر خزْن عادات النّساء وبعض آخر اهتمّ بحفظ تقاليد إقامة الأعراس وبعض أخير اهتمّ بالحفاظ على بطولات الأجداد. فكأنّ الذّاكرة الجماعيّة دولة تقاسمت دواوينها وإداراتها حياةَ المجتمع، فصاحب المطعم حافظ على أكلة الكسكسي ومعصرةُ الزّيتون واصلت عصر الزّيتون على الطّريقة التّقليدية، أمّا نحن فلا نراها تقليدية إلا في عيون الآخرين، بل نحن نعتبرها الطّريقة المثلى التي تصلح بنا. أمّا في علاقة المرأة بالرّجل فما زلنا نرفض تزويج بناتنا للغرباء ونحن نسعى لتغيير هذه العادة بالإقناع، نحن هنا نتوارث التّاريخ من عائلة إلى أخرى ولا نضيع منه شيئا، سأزيح صورة ديهيا من قلبي فقد لا تصلح لمستقبلي وأظلّ أذكر بطولاتها وأفاخر بشخصيتّها وأغضّ الطّرف عن أخطائها.

قلت: عن أية امرأة تتحدثين؟ هل ديهيا هي الكاهنة حقيقة؟ وكنت أعرف الجواب مسبقا لكنني أردت أن أختبر موقف مايا من هذه التّسمية وأن أتبيّن مدى وقعها، أعدت سؤالي: ما الفرق بين هذه وتلك؟

لم تجد مايا مخرجا ولا مهربا من الإجابة فأطلقت زفرة عبّرت من خلالها على تماسكها ورأيتها تنتقي من الألفاظ ما لا يمكن أن يثير غضبي قالت: هي نفسها.

ـ وهل أخطأتْ؟ سألتُ، أنا لا أعرف الكثير من أخطائها. قالت:

ـ إنّ ذاكرة النّاس من ذاكرة الصّخر لا تمّحي وإن مرّت عليها الحرائق، وإنّ ذاكرة الناس لا تموت أبدا. أنظر كم حاول العرب محو اسم ديهيا وتعويضه بالكاهنة المسيحيّة وقالوا إنها تغلّبت عليهم بالسّحر والشّعوذة، لم يحتملُوا أن تتغلّب عليهم امرأة.

صار من الصّعب عليّ أن أعود إلى أصل عربي ّ قديم لا يستحي من وأد البنات قبل أن يجيئه الإسلام فيغيّر من طباعهم ويهذّب خلقهم لأنني أخاف من أن أقارن وضعية المرأة الأمازيغية في ذلك الوقت مع باقي النّساء في الزمان نفسه.

ديهيا، وأقول في سري الكاهنة، امرأة عظيمة كما قالت مايا، اعتلت عرش الأمازيغ ونجحت بفضل ذكائها وحسن سياستها في أن تجمّع بلادها وأن تفرض الانضباط والعمل وتزرع حبّ الأرض.

خاضت حروبا كثيرة استعادت بها أرضها المنهوبة. وتمكّنت من كسب ِتلك الحروب بحنكةٍ وشجاعةٍ فأحنى لها الرّوم والمسلمون والبيزنطيّون طربوش التّقدير رغم عدائهم لها. وحّدت القبائلَ في كامل جنوب المغرب العربي رغم اختلافها العميق في الدّين وفي العاداتِ.

وأبدت طيلة حكمها شهامة وارفة بالمنهزمين لم يعرف التّاريخ مثلها عند المنتصرين في الحروب.

كنت أتابع مايا وهي تروي لي بطولة ديهيا ثم قطعت حديثها فجأة بأن طرحت عليها سؤالا مباغتا. وما هو أكبر خطأ ارتكبته ديهيا؟

ابتسمت وقالت

ـ ارتكبتْ خطأ لم ترتكبْه   زينوبيا التّدمرية أثناء حكمها ولا كليوباترا المقدونية التي حكمت مصر. لأنّها كانت تريد أن تتميّز عليهما بحسن معاملة الأسرى. اغترّت ديهيا بالأسرى المسلمين عندما رأت فيهم الاستقامة وطيب الخلق فأفرجت عنهم واستبقت أعرابيّا منهم ليكون شاهدا على حسن نيّتها في عدم الإساءة إليهم. تبنّته وآوته وأطعمته من فوق نهدها ليكون أخا لابنيها من الرّضاعة. لكنّه انقلب الى جاسوس وخانها وباع أسرارها لجيش المسلمين فعادوا في غزوةٍ أخرى وهزموها وقتلوها.

قلت: هي الأخطاء القاتلة تغيّر التّاريخ وتقلب الحضارات.

ـ أراك صباحا باكرا.

صافحتني ثم سحبتْ كفّها ومشت والدفءُ يتبعها ويغمر قلبها.

عدت إلى قصص الحبّ التي مرت من هنا ورحتُ أفرز أحلاها وكلّي طمع في إحيائها أو تجربتها.

-17-

القاضي الذي لا يتحكّم فيه النصّ

لم يعد بالإمكان تقطيعُ الكلام المشفَّر والإصرار على فتح الأبواب المفتوحةِ ولم يعد من السّهلِ اعتصارُ الجبال حتى تُخرجَ من بطنِها عسَلا ما لم يسكنْها النّحلُ. لم يبق لنا إلا أن نتتبّع خطى النّحلِ لعلّه يدلّنا على العسلِ فاعتلينا الجبالَ حيث اشتممْنا عطر الزّهر فلم نجدْ بيوتا ولا شهدًا واقتنعنا بأنّ النّحل أفلحَ فتيّهنا. جنّدت ظلي فكانَ أن غطّاني وصار يحلِبني ويعصرني ونجحَ هو أيضا في قلبِ الأمورِ وأدار الرّيح عليّ. لم ينبّهني أحدٌ منكم إلى مسار الذّئاب ومخابئ الثّعالب، رماني الحظّ في الغاب حيث صار الفرخُ يعلّم أباه الطّيران. فمن منكم أضاع ملفّه؟ كأنّه متقلّبُ الوجوه متعدّدُ الأوكار. هنا لم أجد من كنت أنتظرُ ووجدت ما لم أنتظرْ. حبّ الامتلاك سمة الجميع غير أنّ امتلاك الشيء الثّمين يختلف عن امتلاك الوطن. كنت مثلكم أقرأ نصف الحقيقةِ على الوجوه وأبحثُ في السّرائر عن النّصف الثّاني واكتشفتُ أخيرا أن هذا النّصفَ الذي نقرؤِه من زاويتنا خاطئ وأن اعتبار رؤوس الأقلام ملخّصا لما في النّصِ هو عملٌ غير جيّد إذ النّص الذي يتحكّم في القاضي يجعله يُصدر أحكاما مخالفةً لما في ضميرِه. فهو يرى الحقيقة جليّة في قلبه ويجد النّص أمامه من دون إحساسٍ يضبط الحدَّ الجامع للجريمةِ والعقابِ في عبارات مجرّدةٍ، الفصلُ بين الجريمةِ والعقاب يكون أحيانًا جريمةً أكبرَ. شعوب كثيرة ظُلمتْ على مرّ التاريخ وليس في نيّتي أن أضم إليها هذا الشّعب ما دامت البراهين لا تمكّنني من إخماد هذا الشّعور بالظّلم الذي صادفني. هذا النّص لم يعُد لينطلي حتى على واضعه، فالرّجاء فسخ كل الديباجات والتعويلُ على ما أقول، يذكُر الفرنسيّون أنّهم غداة وصولهم إلى هذه الجهة لم يقابَلوا بالسّيوف ولم تطلق على وجوههم الرّماح ولم يستقبلوا بالأزهار ولا بالمزاميرِ والطّبول، حطّوا رحالهم ومدّوا خطواتهم واندمج بعضهُم في نسيج سكّان الجبال، وقد كان الشّيء نفسه قد وقع مع شعوب عديدة مرّت من هنا، بعضها اندمج حدَّ الذّوبان في مجتمع الأمازيغ وبعضها أطرد لسوء مقاصده. لقد لاحظتُ وأيقنتُ أنّ بذور الحقدِ قد جفّت في هذه الرّبوع ولم تجد أحداثا تغذّيها وتبقيها حيّة على الدّوام، وإنّ ما بقي من الطّبع الذي جبل عليه الأمازيغ لا يصلح إلا لبذور المحبّة والصّفاء. إنّ الهمم التي صادفتني تماري في كبريائها وشموخها الجبال الصّخرية التي تحضن شنني وتفتح أعشاشها لهذا الشّعب، وإنّ سعة صدورهم لأرحب من الصّحراء التي تتمدّدُ فيها تطاوين. أنا أرى الجبال تحنو على الصّحراء وأرى البحر هادئا كالنّفوس يبادلها رقّة النّسيم وأراه منتفضا مناصرا لثورة المظلوم، هم هكذا فلماذا أسعى إلى صبّ الرّيح على الرّماد. لا أعتقد أنّ النّار تستطيع أن توقَد من رمادها البارد. إنّها أكلتْ حطبها ومشَّتْ عظام الحشائش، لقد فضّلت الرّبيع على العاصفة.

ولا أبالغ عندما أصرّح أنّني ما كنت أفكّر في التّعلّق بواحدة من هنا ولا أردت الزّواج فقد كنت أعتقد أنّ الأمازيغ لا يزوّجون بناتهم من الأغراب لكنّني فوجئت بقبولٍ وبترحابٍ فاخترت من بناتهم زوجة منحتني من الحبّ ما لا يمكن أن أجده في أيّ مكان آخر من العالم. وما زالت هذه المرأة تصبر على إدماني على شرب الخمر، وتتحمّل حماقاتي بكلّ صبر وعقلانية. هؤلاء الذين تسألونني عنهم وتريدون أن تقرؤوا مجتمعهم وتفهموا تفاصيل حياتهم قاسوا كثيرا من الحملات والغزوات التي مرّت من هنا وقد قاوموها بالصّبر ورباطة الجأش وحفروا منازلهم في بطن الجبال وهم معتزون بهذا العمل، ولعلّكم تذكرون جبنَكم وأنتم تقصفون قرية "الدويرات" العالية علوّ همّة أهلها. كم كنّا جبناء ونحن نخدش وجه التّاريخ بحقدنا! من هنا مرّ الروم واليونانيون والإسبان والفرنسيّون والعرب والمسلمون، قاومهم الأمازيغ كلما قدموا غزاة وتحمّلوهم إذا ما بدوا مسالمين. ولعل أكبر الغزوات تأثيرا في نفوسهم إلى اليوم هي غزوة بني هلال.

حاولت أن أجاريهم في حياتهم وأتعلّم عنهم فأعجبتني طباعهم الهادئة، وكنت بقدر ما أحاول التّخلص منهم أجد نفسي مشدودا إليهم، ولولا حبُّ البلد الذي تربّيتُ فيه وكبرتُ وتعلّمتُ، ولولا قسمي على أن أكون فداءً له لتخلّيت عن المهمّة التي جئت من أجلها، أقول لكم هذا ولستُ نادما ولا ساعيا إلى التّنصّل منها، ولكنّني لا أكذب عليكم، غير أنني لا أتمنّى أن نخطئ كما فعل العرب من قبلنا.

(سأعود الى الكتابة بعد مشاهدة حلقة جديدة من مسلسل رأفت الهجّان، فأنا في حاجة الى متابعته مع آخرين ليترجموا لي ما لا أفهم) ــ يتبع ــ

هؤلاء الأمازيغ سمحوا للفينيقيين بالاستقرار فلم يحاربوهم وسمحوا للرّومان أن يبنوا قصورهم ولم يحاربوهم إلا بعد أن جعلوا من تونس حديقة خلفيّة لروما. وسمحوا للفرنسيّين ببسط الحماية ثم حاربوهم عندما صاروا مستعمرين. وأبقوا على صداقتهم بعد استقلال بلادهم. واستقبلوا الدّين الإسلامي وناصروه وعملوا بتعاليمه عندما جاء داعيا إلى العدل والأمن وزرع الفضيلة، ثم ارتدوا عنه وقاوموه عندما أبدى الفاتحون رغبة في جمع الغنائم والجزية وسفكِ الدّماء. ومازالوا يحملون حقدْا دفينا على بني هلال الذين أرسلهم الخليفة الفاطِمي من مصر ليتخلّص منهم ولينتقم من الدّولة الزّيرية، فانتشَرُوا كالجَرادِ الجَائعِ في البلادِ يخرِّبون القُرى والمدنَ حتّى أتوْا على الأخْضرِ واليابسِ وصارَت البلادُ عنوانًا للخرَابِ، ومنذُ ذلك التَّاريخِ فُرِضَت اللّغةُ العربيّةُ على سُكانِ إفْريقيّة كاملة وتعلّم أجدادهم لغة القرآن. هل تحمّل شعب مثل هذا العذاب؟

يعتقد الأمازيغ أنّ التّاريخ لم ينصفهم. فهم قد أسسوا حضارة إفريقية وأسهموا في الحضارات الوافدة ولم يهاجموا بلدا، ومقابل ذلك لم ينالوا من ورق التّاريخ إلا الإسقاط لذلك أنكروه وبنوا تاريخهم وتوارثوه، هؤلاء هم الذين أرسلتُموني إليهم بسوءِ نيّةٍ وهذا تاريخهم فاقرؤوهُ. أمّا أنا فقد روضت حمارا (صديقي أزيط) وأحسنت إليه وعلّمته الودّ من دون عصا، فروّضني وأوشك أن يعلّمني طيبة الخلق والانضباط وحتى النّظافة، فهل صادفتم حمارا ينظّف إسطبله مثل القطة؟ إنها ثقافة لا نعرفها، عندما تتآلف الحيوانات تصنع الخوارق. الإمضاء: najjah

 

 

- 18 -رجل المهمّات السّبع

ركبتُ السّيارة الإدارية إلى جانب السّائق وانتظرت أن ينتهي من تعديل جلسته لكنّه بدا متثاقلا ينصت إلى أزيز المحرّك وهو يمرّ من نغمة إلى أخرى حتى استقرّ على إيقاع يعرفه السائق، ثم رفع رأسه وحدّق في الأزرار وهي تومض بألوان مختلفة، فجأة داس على التّسريع دفعة واحدة فانطلقت عجلات السّيارة لتلتهم الطّريق التهاما. قال بعد أن قطعنا نصف المسافة التي تفصل المستشفى عن النزل:

ـ هل ترى مثلي أنّ النّاس هنا تقودهم ثقافة ذات ثلاثة أبعاد؟

عجبا؟ كيف لسائق في مستوى تعليمي متوسّط أن يطرح سؤالا في مثل هذا العمق؟ أجبته بسؤال: من أين لك هذا؟

كبح فرامل السّيارة حتى توقفت، سحب حافظة أوراقه فتّش فيها بعض الوقت ثم رمى في حجري ببطاقة تحمل صورته وقال: اقرأ يا دكتور، يبدو أنك لم تفهمني إلى اليوم.

أعدت إليه بطاقته دون أن أقرأها فردّها إليّ وقال:

ــ خيّبت ظنّي، كنت سأعوّل عليك لفكّ شفرة الإمضاء: najjah.

ـ جاسوس مثلك.

الاسم واللقب: ماجد الجبلي والصّورة صورته، أصابني الذّهول وأنا أتعرّف على مهنة السّيّد الذي لازمني طول هذه المدّة: موظّف في وزارة الداخلية.

ـ أنت جاسوس؟

ـ كنتُ، نعم كنت جاسوسا، ولم أعد كذلك يا صاحبي، أنا خرّيج كلّية الحقوق، انتدبتني وزارة الدّاخلية فقضيت فيها أكثر من عشرين سنة، أدّيت خلالها واجبي في إطار الصّدق والحقّ. تصوّر أنني لم أتلقّ رشوة واحدة، تخيّل عون أمن لا يتلقّى رشوة حياته ، ألا ترى ذلك غريبا؟

ـ أي والله قلت، فواصل:

ـ وما افتريتُ على أحدٍ، كلّ التّقارير التي رفعتها لم تحمل ظلما واحدا ولا حتى كذبة بيضاء، كلّفتني الإدارة بمراقبة الوافدين من بلد شقيق ومن يتعامل معهم من التّونسيين. شغلي الظّاهر سمسار في سوق ليبيا أتولّى التقاط كل الآراء السّياسية والتي لها علاقة بأمن الدولة أشتمّها، أمّا البيع والشّراء والعلاقات الشّخصية والاجتماعية والإنسانية وحتى الجنسيّة فلا أعتني بها إلا إذا تورّط فيها زائر من البلد الشّقيق، عندها أغتنم الفرصة وأوسّع البحث. وعندما أنهيت عملي في وزارة الدّاخلية أحِلتُ على شرف المهنة وتقدّمت إلى مدير المستشفى فانتدبني سائقًا ومنحني صلاحيات كثيرة. وفتح أمامي مجالات واسعة للتّصرف. في الواقع لم يكن يستطيع أن يرفض لي طلبا فقد كان يعتبرني على ارتباط دائم بالأمن. تركت له الحبل طويلا ليسرح في الحذر، لذلك تراه يهابني ويتحاشى الصّدام معي.

ضربت بكفّي على رأسي وقلت: أأتمنك على نفسي.

قال: انتهيت من تلك المهنة وعلّقت الحذاء.

ـ أما أنا فلا أصدّق القوّادين وإن صدفوا.

احمرّ وجهه من الأسف فلاطفته:

ـ أنا أتحدّث في العموم ولا أقصدك أنت فأنا لم أر فيك غير الصّادق والنّزيه، أسقطْ ذلك التعليق فهو قديم جدّا ولم يعد صالحا لزماننا هذا، مات مع عادتك القديمة، ولا ينسحب على أمثالك، أحيانا تصادف عون أمن أحرص على أمن نفسك منك.

كان ينتظر أن أسعفه فردّ:

ـ لا تجعلني أندم، لم يجبرني أحد على قولِ الحقيقة، نعم كنت نزيهًا وصادقًا ولم أورّط أحدا باطلا مهما لاحظتُ عليه من شبهات، كنت فقط أستقي أخبار الوافدين المتّهمين بمهمّة الجوسسة داخل البلاد التّونسية. وهذا أمر طبيعيّ يحدث بين كلّ الدول وعلى مرّ الأزمان، ثم هل يعقل أنني أستطيع أن أعرّض حياة أهلي وأصدقائي للخطر كذبا؟ اهدأ يا رجل وعد إلى رأس الجملة قبل أن تنسى الإبرة في ثقافة ذات أبعاد ثلاثة، قلت:

ـ أصبتَ، ثقافة النّاس هنا ثريّة جدّا، رضعتْ من الجيل والصّحراء والبحر ومن العرب والرّوم والأمازيغ فأنجبت ناسا من طينة ممتازة أمّا الوتد القويّ الذي ترتكز عليه هذه الثقافات فهو الإنسان، وقد رأيت ذلك في شخصيّاتهم التّاريخيّة وحتّى المعاصرة وما كان لعبد الرّحمان بن خلدون أن يفضّلهم على العرب لولا اقتناعه بكمال الإنسان فيهم، ولكنّ هذا لا يعني أّنهم يرفضونني زوجا لإحدى بناتهم.

ضحك السّائق حتى تمايل مقود السّيارة في يديه:

ـ اختر منْ شئت من الفتياتِ واترك البقيّة عليّ،

ـ سأختار من بين المرشّحات واحدةً فقط،، أكفي؟

هزّته نوبة أخرى من الضّحك وأنا أنظر إليه كطفلٍ يخجل من خطئه.

قالتْ سلوى:

ـ الأطبّاءُ لا يتزوّجون إلا دكاترة مثلهم؟ المواطن البسيط يتزوّج من امرأة من مستواه الاجتماعي فيزداد بساطة، ويتزوّج الطّبيب من طبيبة أو من امرأة في المستوى نفسه فيكوّنان أسرة أرستقراطية، هذا بذخ اجتماعي، أليس كذلك يا دكتور؟

ــ سأتزوّجك إن شئتِ، فردّت بإجحافٍ:

ـ وأنا لا أريدكَ زوجا.

ـ هكذا يكفي اللهُ المؤمنين شرّ القتال، قلت.

هل يمكن للرّجال أن يتدلّلوا على النّساء؟ خصوصا عندما يفاخرون بطبعهم الرّجولي وبمنزلتهم الاجتماعيةّ. الرّجال قوّامون على النّساء. وأهمّ سبب لعلوّ منزلة الرّجل على منزلة المرأة أمواله. ثمة خطأ في الفهم وخطأ قديم جدا فالرّسول محمد بن عبد الله عاش فقيرا ورعى أغنام خديجة، ألم يعرف التّاريخ الإسلامي الحديث نساء أغنى من الرجال؟ نصف الحجّة سقط. وزاد تدريس البنات ونجاحهن وتفوّقهن على الرّجال فسقط القناع كلّه، الأطبّاء لا يتزوّجون إلا دكاترة مثلهم. ولماذا تتزوج الطبيبات من رجال أقل منهنّ درجة؟

كيف استطاعت سلوى أن تلج داخل نفسي؟ سؤالها ليس بريئا ولا يمكن أن يكون بلا دوافع. لكن هل زلّ لساني فأبديت للسّائق أنني معجب بمايا؟ وهل اختطفت كنزة نظراتي المشبوهة إلى مايا ففهمت أنني أختلس عشقها اختلاسا وأكتم حبّها؟

سلوى امرأة واضحة وذكيّة فلا خوف من فتح الحديث معها ولا خوف من مصارحتها قلت:

ـ آنت يا سلوى فتاة تستحقّين رجلا طيّبا مثلك، لا ينقصك شيء فلك من الجمال ما يأسر أكثر الرّجال كبرياء وعنادا، ولك من خفّة الرّوح ما يرغّب في محادثتك ولك من الذّكاء ما ورثت عن الكاهنة وفيك أيضا من خصال الجازية الهلالية، فهل تعرفينها؟

صمتت سلوى وسرح فكرها لتستعيد كلامي عبارة عبارة وكأنها تستمتع بهذا المديح فواصلت:

ـ يا سلوى، تتظاهر المرأة عموما بعدم سماع المديح من الرجل ليعيده عليها وأنا أكره إعادة الكلام فقد أخطئ، سألتك عن الجازية.

قالت: الجازية الهلالية؟ تلك التي رافقت أباها وتركت زوجها وارتحلت من جدب الصّحراء إلى خضرة تونس؟ تلك التي فضّلت قومها على زوجها وقد أحبّته كثيرا؟ تلك التي تنكّرت في ثوب فارس ونازلت ذياب لأنّه غدر بفارس قبيلتها أبي زيد الهلالي؟ تلك التي قتلها ذياب ففضحه النّاس لأنّه قتل امرأة وغدر برجل، لا أعرفها. أعرف اسمها الحقيقي فقط فهو نور بارق وقد سمّيت بالجازية لطول شعرها، لا أشْبهها فهي أجمل مني بكثير.

قلت: لم يطلب يدك إلا البسطاء؟

ارتسمت ابتسامة على شفتيها الرّقيقتين وقالت ساخرة: عكس ذلك تماما، رفضتُ كثيرين من وجهاء القوم وأغنيائهم ولكنّ المكتوب لم يرض. صمتتْ هنيهة ثم أضافت: إلا مؤخرا.

ـ ماذا؟ تقطّرين الحديث لتمتَحِنِيني.

ـ لم يفتح المكتوب عليّ بابَه إلا حديثا، فقد تقدّم لخطبتي رجل كنت أحببته في السرّ، وأعجبت به عن بعد، وبقيت أنتظر أن يأتي على سيّارته السّوداء أو على فرسه الأبيض حتى قاده القدر فطرق باب دارنا وعبّر عن حبّه لي في السّرّ أيضا فقبلته، وسيكون زواجنا في الصائفة القادمة في الجهر، أرأيت؟ النّاس يتزوّجون في السّر وأنا أكتفي بالحبّ في السّرّ فلا تعجب. نحن لا نتزوج إلا في الصّيف عندما يشتد هجير الصّحراء وتقف الشمس على أذيالها المتوهّجة لتنفخ علينا نيرانها، إنها مفارقة كبيرة لا نقدر نحن البنات على تغييرها، فلا تعجب إن اعوجّت الدنيا.

شعرتُ بفرحة كبيرة تهبّ عليّ لم أتبيّن سببها، فكتمت صرختي عندما أردت أن أهنئها وقلت: مبروك، مبروك وألف، تستأهلين الفرحة، هنيئا لهذا الرّجل القادم من بعيد، لا تنسي دعوتي، سأحمل معي هديّة تعجبك.

سارع السّائق بطرح السِؤال:

ـ لماذا أمضى الدكتور برنار رسالته الأخيرة بالفرنسية najjah ولم يُعرفْ له صديق يحمل هذا الاسم. نحن لا نسمّي أطفالنا ناجح أبدا ولا نجّاح أيضا.

ـ أنا بدوري تعجّبت من هذا الامضاء. لقد كتب الرّسالة ليلة مشاهدته لحلقة من مسلسل رأفت الهجّان، أنت تعرفه؟

ـ طبعا هو الاسم المستعار لجاسوس مصري اسمه رفعت علي سليمان الجمال.          

ـ جاسوس قلها ،إنّه جاسوس...وأين الخيط الرّابط؟

ـ في الامضاء، يمتاز الدكتور برنار بقدرة فائقة على الكتابة بلغات مختلفة، حفظ الحروف العربية وحروف التفناغ ولعلّه أراد أن يمضي باسم الهجان بالفرنسية وقد كتبها من اليمين الى اليسار، كما في العربية. قفزتُ فرحة:

ـ استنتاج رهيب. فردّ السّائق ضاحكا:

ـ للجواسيس حاسّة شمّ لا تجدها الا عند السّلوقي.

 

-19- 

التّاريخ يصارع نفسه

لم يرفض الطّبيب المختصّ في الأمراض الجلدية أن أحضر حصص نزع الوشم بالليزر. استشار مايا فلم تمانعْ وأصرّت على أن أكون حاضرا وأن أشارك بما أستطيع في العمليّة، كنّا ثلاثة ورابعنا الممرّضة.

كانت لحظات صعبة للغاية، رأيتُ التّاريخ ينهار ويستحيل إلى فتات من الصّخر ثمّ إلى غبار يذروه الهواء، التّاريخ يسقط بين يدي الطّبيب فيدفعه بفرشاة صغيرة وينثره على البلاط دون أن يعي التّفاصيل، سيدوسه بعد حين بحذائه قبل أن يدعو المنظفّة لكنسه من المكان، قمم عالية تسقط بمجرّد جرح بالمشرط ثم مسح بأشعة الليزر، ما أسهل المحو حتى وان كان بالدّم، يتسارع الزّمن ركضا في اتجاه الماضي.

مايا تتذكّر أيّام الوشم:

تلك البنيّة لم تتخطّ ثلاثةَ عشر عاما.

تشدّ أمّ مايا رأسَ ابنتها بين ركبتيها وتشدّ العجوزُ بركبتيها أيضا على فخذيْ مايا الصّغيرتين، تحاول مايا أن تصرخ فتضع أمّها يدها على فمها لتمنعها، تعضّ مايا بأسنانها على كفّ أمّها من شدّة الوجع فتصفعُها، يسيل دمعُ مايا، مايا تبكي صامتةً فينهمر الدّمع ويخطّ طريقه فوق خدّيها وقد احمرّا من شدّة الضّغط، تشدّ العجوز إبرتها بأطراف أصابعها، تشتعل النّار في الكانون وتطلع شُعلتُها وهّاجةً مرعبةً حارقةً، ترتعدُ مايا، مايا تخافُ من لسْعة النّار، جبينُها الرّقيقُ يشتعلُ ولم تمسَسْه النّار، العجوزُ تعرف كيف تمسك بالإبرة المحمرّة دون أن تحترق، تطلع رائحة الشّواء من جبين مايا، لحمها يحترق وتبزغ أوّل قطرة دم، تسيل القطرة إلى أن تلحق بالدّمعة التي تأخّرت في الوصول إلى الشّفتين.

منذ أيام فقط أعلمتْ مايا أمّها بوجود قطراتِ دم في ملابسها الدّاخلية، هذا موعدُ الحفل الدّموي، تغمِس العجوز إبرتها في خليط من الحشائش أعدّته منذ أن أعلمتها أمّ مايا بأنّ الوقت حان لوشمِ ابنتها، فقد نضجَ جسدُها. تضع العجوز بعضا من ذلك الخليط في مكان الجرح، تتغيّر رائحة الشّواء وتغلب عليها رائحة الخليط، فتحيلها إلى روائح مُقرفة.

كم من حصّة يلزمنا؟

قال الطّبيب إنّه سيُكثر من عدد الحصص حتى لا يؤلم مايا الرّقيقة. ولاحظتُ أنّ مايا تبتسم فقد طمأنها الطّبيب بأنّه لن يؤلمها ثم قالت: أفضّل. أن تزيح الوشمين في سبعِ مرّات.

ـ لماذا؟

ـ تلك العجوز أحرقتني سبعَ مرّات.

وقال الطّبيب: الآن نزعنا وردة الزّيتون، هدمنا حضارة الزيتون كاملة إرضاء لخاطر مايا، فهل أنت سعيدة؟

أدمعت عيناها فجاء صوتها باكيا:

ـ ليس في استطاعتي أن أحمل شارة الحضارة على وجهي، لماذا لا يحملها أعيان القوم؟ الرجال مثلا؟ الملوك والرؤساء وكل من أُؤْتُمِن على هذه البلاد؟ لماذا يعيّرني هؤلاء بأنني متخلفة وبأنني أرفض الحداثة وأنا أحمل جهارا حضارتهم وأرفع علامات شرفهم؟  اطمئن يا دكتور لن يستطيع الليزر أن يمْحوَ ما في داخلي. أريده محوًا داميا.

ــ لماذا يا مايا؟

ــ ما نقش بالدّم ينزع بالدّم.

وأنا أمسحُ تلك الدّمعات التي حادت على خدّ مايا وسالتْ إلى عُنقها انتصبتْ أمامي شجرةُ الزّيتون العالية الشّامخة أمام منزلنا في السّاحل ورأيتُها تنزع أوراقها، الشّجرة التي لم أعرفْها إلاّ كبيرة منذ أن كنت صبيّا، تحفل كلّ عام بالأزهار، تختلط فيها أزهار اللّوز مع أزهار الخوخ وأزهار الرّمّان والمشمش والنّخل، تينع الأزهار وتثمر الشّجرة فنأكل من لذيذ ثمارها، وتدور الفصول على الشّجرة وهي أمٌّ تعطي ولا ترتاح.

ماذا سيبقى أمامنا إذا اقتلعت؟ نحن لا نملك من الأشجار سواها، رأيت الزّيتونة التي كبرتُ في ظلالها تنحني، لقد وعدتنا بألا تموت إلا واقفة، رأيتُ أوراقها تتناثر شاحبة ثم لا تلبث أن تتفتّت فتستحيل إلى غبار، تتبعها الأغصان الصّغيرة فتتكسر قِطعا صغيرة وتستحيل بدورها إلى فتات تأخذه الرّيح نحو المجهول، تموت الأغصان الصّغيرة وتتبعها الأغصان الكبيرة حتى يتعرّى الجذع، يظلّ الجذع ثابتا يحضن جذوره ويحفظها، جذور عديدة ومختلفة بعضها من زراعة الأمازيغ وبعضها من أيدي العرب وخليط ثريّ من الرّوم والإسبان والغربيّين، لا شيء يستطيع أن يزيح الجذع وقد امتدّت عروقه عميقا في التّربة فاشتدّ وظلّ يصارع العواصف دون أن ينحني، أمّا الأوراق والأغصان الصّغيرة التي تسقط هنا وهناك فهي عابرة بطبعها. لم تحزنْ شجرة الزّيتون ولن تبكي خلف ما تساقط منها، سألتُ مايا عن سبب بكائها، فكان جوابها حاضرا:

ـ هو البكاء الذي منعتني عنه العجوز.

مازال كلام صاحب معصرةِ الزّيتون في ارتداد داخل دماغي يندفع نحو النّاصية ويعود إلى الأذن فيترك صداه داخل الجسم كلّه.

يقول صاحبُ المعصرةِ: النّاس هنا يتوارثون تاريخهم فلا يحتاجون إلى كتب أو صور فكلّ مغارة في الجبل تروي حياةَ من حفرها والعائلات التي سكنتها، ويؤكّد صاحب المعصرة أنّ المكان ظلّ صامدا رغم الحروب وشدائد الطّبيعة، المكان والزّمان ثنائية تتباعد في شننّي فلا يصل هذا بالآخر ولا ينفصل أحدُهُما عن الآخر، إنّهما مثل الحياة والموت متلازمان ومتوازيان يأخذ كل منهما مفهومه من الآخر، فلا يعني شيئا من دونه.

الرّائع في هذه المنازل المحفورة في الجبل أنها تؤدي مهامّها المختلفة على وجه حسن، فهذه تقاوم الرّيح وهذه تصلح للاختباء وأخرى تصلح لنصب الكمين للغزاة وثمّة أماكن أخرى يتوزّع بينها المحاربون فالحكمة القديمة تقول إنّ الجيش لا يشارك كلّه في المعركة نفسها، كما الإنسان لا يضع بيضه في سلّة واحدة. معصرة الزّيتون كانت تؤدّي عدّة مهام: إقامة الأفراح في فصل الشّتاء إلى خزن المؤونة إلى عصر الزّيتون ولست أدري كيف انتقلت ملكيّتها إليّ، لقد ورثتها عن أبي وسأتركها لأبنائي.

التحق بنا السّائق فأسرع إلينا القهوجي الذي يؤدي في صبيحة هذا اليوم وظيفتين فهو يتلهّى بالقهوة وفي الوقت نفسه يعدّ الكسكسي للسّياح الذين سيصلون بعد ساعتين، سيتوقّفون هنا للغداء وزيارة " السّبعة رقود" قبل أن تأخذهم السّيارات  الرباعيّة  الدّفع إلى الدّويرات جنوبا، هنا تتحرّر الألسن ويحلو الحديث بين الرجال فنتكلّم دون حواجز ولا تأويلات ولا استهزاء، كلّ يتكلّم بلهجته ويقول ما يحلو له، يسألني صاحب المعصرة عن العمل في المستشفى وعن العاملين، أوصتني كنزة أن أتجنّب فتح الباب خوفا من إساءة الفهم ولو عن حسن نيّة فأجانب.

 

-20- 

قبّلتها، فقدت الذّاكرة

نحتسي القهوة والشّاي ونتحدّث ونتشاور في الأشياء الخاصّة والعامّة، بسرعة اندمجتُ في هذا المجتمع وشعرتُ بأنّ الناس قد فرحوا بي وتقبّلوني وكدت أن أصير منهم رغم شكّ المدير في قدرتي على الاندماج، أصبحت أجالس النّاس وصرنا نحتفي بشرب الشّاي كما يقول السّائق، لم أتردّد في استشارتهم علنا:

ـ أريد أن أتزوّج من شنني؟

وانتظرتُ الجواب فلم يعلّق أحدٌ منهم، فسألتهم مجدّدا: أريد أن آخذ رأيكم في الزّواج فهل ما زلتم ترفضون أن تزوّجوا بناتكم من الغريب؟

قال صاحب المعصرة: لقد صرتَ منّا.

وقال النّادل: سأذهب معك لأخطب لك من تشاء.

وقال السّائق: إن كانت مايا فأنا أشجّعك، رأيتها تتردّد على المستوصف، إنّها من خيرة فتيات شنني، وهي أهل لك فهي دكتورة مثلك.

ـ لا تقل هذا، مايا لم تجئ إلى المستوصف لخطبتي، بل لقضاء شأن آخر.

ـ ولو، أضاف صاحب المعصرة، أحسنت الاختيار يا دكتور طارق.

.............

جلست مايا أمام طبيب الأمراض الجلديّة ومدّت كفّها استعدادا لآخر حصّة من أشعّة الليزر، سألها الطّبيب:

ـ الآن ترتاحين من صورة أكسل، على أية حال لا يستطيع أحد أن يتبيّن وجهه، أنت فقط تعرفينه وكان بإمكانك أن تنكري الصّورة وتنسبيها إلى من تحبّين.

ـ ما تعلّمت أن أكذب على أحد، اعذرني يا دكتور.

ـ حتّى على الدّكتور طارق؟

ـ خاصّة على الدّكتور طارق.

فتدخّلتُ وقلتُ:

إن ّ الطّبيب يمزحُ يا مايا ليلهيك عن الشّعُور بالألم، فعلّقَ:

ـ لا تصدّقي الطبيب أبدا لأنّه يلهيك عن الإحساس بالألم، والاحساس بالألم لذيذ أحيانا.

قاطعته مايا قائلة: دكتور، سآتيك فيما بعد بصورةِ من أحبّ لتنقشَها مكان هذه، فهل أنت مثل العجوزِ، تستطيع الوشم؟

ـ أحسنتِ ردّا، بل وضعتني في ورطة الجوابِ، أنا لا أتقن الوشم، إنه فنّ قديم لا ندرسه في كلّيات الطب ولا حتّى في كلّيات الفنون الجميلة.

في الطّريق إلى شننّي أخذنا الحديث في كل الحقول فعبرناها إلى الأودية والجبالِ الصّعبة وحتّى المحرّم طلوعها، وعبّرنا عن مشاعرنا وتبادلنا نظراتِ الحبّ وصمتَ العاشقين والخجل والخوف، لم يتجرّأ واحد منا أن يعلن حبّه للآخر، كنّا نوشك أن نقولها ولا تستطيع الكلمةُ أن تتحرّر من الرّهبة.

...............

طرقتْ كنزة الباب وأعلمتني بأنّ مايا تنتظر فأدخلتها وطلبتُ من كنزة أن تحضر لي طبق الضّماداتِ وأن تواصل عملها في قاعة التّمريض فأنا سأتولّى بنفسي تفقّدَ الجرحِ وتغييرَ الضّمادةَ، أحكمتُ غلق الباب وطلبتُ من مايا أن تمدَّ كفّها وأن تستلقي على الكرسيّ ففعلتْ، تفقّدتُ الجرح ووضعتُ الضّمادة، ووقفتُ إلى جانبها كمن ينتظر أمرًا. سألتها: هل أنتِ راضيةٌ؟

ـ أكاد أن أطير من السّعادة. لقد تعبتُ كثيرا وأرهقني هذا الحمل سنين عديدةً، حتى جئت من خلفِ الجبال أو لستُ أدري من أين فمنحتني هذا الشّعور الغريبَ. الآن أستطيع أن أرفعُ جبيني عاليا وبلا خجلٍ وأستطيعُ أن أمدّ كفّي نحو المطلق، الآن صار بإمكاني أن أفتخرَ بأنني تونسيّة صافيةٌ، فهل يكفي وجهي من دون وشم لأكون تونسيّةً؟ أنا أحبّك وأحبّ البلاد التي أنجبتك، هل تكفيك جزاء؟ كأنّك تخرِجني من نفقٍ مظْلمٍ إلى نورٍ باهر فكيفَ أجازيكَ؟

لم أجدْ كلاماً ولا حتّى تمتمةً، كنتُ واجمًا كَمنْ فاجأه شيءٌ جميلٌ لم ينتظرْ حدوثَه، قرّبت وجهي كثيرا لأنظر بعمقٍ في آثار الوشمِ الذي كان على الجبين، اقتربتْ أنظارنا أكثر ممّا كنت أتمنّى حتّى انسدلت الأجفانُ    بعضُها على بعضٍ  ولم نعد نبصرُ شيئا، لم أشعرْ إلا وشفاهنا تتلامَس فترتعشُ فيطلع إليها الدّم بحرارتِه وتنبضُ لهفةً، كنّا نرتجف من شدّةِ الخوفِ وكنّا بلا ذاكرة لا نرى شيئا ولا نسمعُ سوى غمغمةٍ وصدى أنفاسٍ مبعثرةٍ، لفّتْها ذراعاي فنهضتْ ولفّتني بذراعيها ثم دفعتني بقوّةٍ وارتمتْ على الكرسيِّ وبكتْ، صارت تبكي بحرقةٍ وتلطمُ خدّيها بكفّيها، أمسكتُ ذراعها وأطبقتُ على الضّمادةِ وصحتُ بها: أيّتها المجنونة ستعمّقين الجرحَ. حدّقت فيّ طويلا ثم قالت:

هذا الجرح الذي سبّبتَه لي أعمقُ من جرحِ الوشمِ، هل سيعذرني ضميري وقد عاهدتُ أبي؟

ـ لا تهتمّي يا مايا، لا تهتمّي، أنا سآتي إلى أبيك اللّيلة بالذّات، إنني أحبّك، وقد عزمتُ وشددتُ الرّحال إلى قلبك.

عندما طرقتْ كنزة البابَ كانت شفاهنا لم تزلْ مرتعشةً تتلمّظ القبلةَ الثّانية.

قلتُ لمايا: الحمد لله إنك لستِ مريضة بل حبيبة، وفتحت المكتبَ.

-21- أذكى من الحمار قليلا

لم أنتبهْ   لـنقطةٍ مهمّةٍ وإلا كنت سألتُ السّائق: ما وجهُ الشّبه بينك وبين الدّكتور برنار؟ أنت تسوق سيّارة وتقطع الطّريق بين المستوصفِ والمستشفى وبرنار يسوق حماره ليتنقّل بين المستوصف والمدينة، بل يمتاز عليك بمركوبٍ يفهم ويتقبّل التّربية ويحسّ بألم صاحبهِ حتى إنّه مات كمدا عليه. ما الذي يجعلني أسكتُ عن هذه التّقارير التي أطلعني عليها السّائق؟ ولنفترضْ أنني لم أسكتْ عنها، فماذا يفيد ذكر الميت؟ هل كان يمكن فقط أن يتولّى السّائق إعلام السّلطة بمكاتيب الدّكتور برنار أم هل التزم فقط بمتابعة الوافدين من البلد الشّقيق دون غيرهم. ألم يكن أولى أن يضع عينه على المقرّبين منه أم شكّلت الصّداقة التي جمعتهما حاجزا يقي كلا منهما شرّ الآخر؟ ثمة شيء خفيّ: برنار أحبّ تونس فرفض أن يخونَها، والسّائق أحبّ برنار وصافاه فلم يفضح أمره.

الجميل في الحكاية أنّ الرّسائل لم تصل المهتمّين بالأمر ويبدو أن الدّكتور برنار قد ذهب في ظنّه أن التقارير التي أرسلها قد وصلت حيث يجب أن تصل وهو غير ملزم بمتابعتها.

دعاني السّائق إلى الرّكوب إلى جانبه، ذهبنا إلى أقرب مقهى من المستشفى، هذه رسالةٌ عكسيّة قال، وجدتها على عتبة منزل برنار، يبدو أنّه أسقطها أمام الباب الخارجي، تخيّلت السّيناريو، في الحقيقة سألني عنها في اليوم الموالي فأخفيتها وقلت لعلّ الرّيح قد حملتها بعيدا وسألته إن كان قد قرأها فقال إنها ليست مهمّة، وفي الحقيقة هي خطرة للغاية، فيها تهديد واضح، أعتقد أن الطّبيب لم يقرأها جيّدا أولم يفهم ما جاء فيها أو لعلّه قرأها وهو سكران ولم يكن على علم بأنّ رسائله انقطعت عن السّلطة الفرنسيّة، فلم يستطع ربط الرّدّ بالإرساليّات السّابقة، في الرّسالة تهديد بالمساءلة.

صمت السّائق بعض الدّقائق وتمتم: كان عليّ أن أنبّهه لأنقذه، ثمّ طلب منّي قراءتها بتركيز.

الغالب على الظّن أن برنار شرب كثيرا ليلتها وأن حماره سكر بدوره وقد تجلّى ذلك من بقائه دون أكل حتّى الصّباح. فلما اختفت الشمس خلف الجبل أحضر برنار عشاء حماره: تبنا طيّبا وشعيرا صافيا ولم يجلب له ماء بل صبّ له قوارير من الجعّة المثلّجة وترك له حرّية الاختيار. فكّر الحمار بعض الوقت ثمّ خيّر أن يبدأ بإطفاء عطشه رغم جوعه الشّديد فطلعه السّكر بسرعة وفقد تركيزه ووقف حائرا هل يبدأ بالتهام الحشيش أم بالشّعير. وطال تفكيره واشتدّ جوعه أكثر ولكنّه لم يقدر على الاختيار، ظلّ متذبذبا يدير برأسه مرّة تجاه كومة الحشيش وأخرى تجاه جفنة الشعير، ظلّ طول الليل على هذه الحال حتى بان نور الصّباح ومرّ قطيع من الماعز بالمكان فأتى بسرعة على علف الحمار ومضى يسوقه الرّاعي ويوجّهه كلبه.

الرّسالة لا تاريخ ولا ديباجة لها، تحمل في أعلاها رقما لا غير، شرعتُ في قراءتها فشعرتُ منذ السّطر الأوّل بخوف غريب، وصار وجهي يزداد اصفرارا كلّما انتقلتُ من سطر إلى آخر وصار خوفي يكبُر مع كلّ عبارة. كلام موحشٌ يُنذر بالخوف بل هو تهديد مبطّن لا يفهمه إلا من تدرّب على فكّ شفرات الرّسائل العسكريّة. كلّ الكلمات المخيفة صادفتني بشكل واضح أو بتلميح فالخيانة والغدر والعقاب والجريمة والهروب والاغتيال والتنكيل والتعذيب.

سألت صاحبي: هل حصل برنار على الجنسية التونسية؟

ـ أسبوعا فقط قبل أن يوجد ميتا على قارعة الطريق.

زدت سؤالا: وهل شرّحوا جثته؟

ـ لا يا دكتور، بل جاء الأمر بالإسراع بدفنه لأنّه من غير أهل فلا فائدة في إقامة جنازة ولا أحد رغب في المجيء من فرنسا، لم يزره أحد حيّا فكيف يزورونه ميتا؟

ـ ولماذا لم تُعْلم السّلطة التونسيّة بالأمر؟ لقد كان يشكّل خطرا، هي مسألة أمن قومي.

ـ لست أدري، ربّما لأنّني مطمئنّ إلى الرّسائل التي معي وربما أيضا فعلت ذلك طمعا في جني المزيد، كان عليّ أن أنبّهه لأنقذه.

ـ وزوجته؟ ألم يقل في إحدى رسائله إنّه تزوّج امرأة من هذه الجهة وأطنب في الحديث عنها وفي الثّناء عليها؟

ـ ليس صحيحا، برنار لم يتزوّج، كان ذلك الكلام للمراوغة. لكنّ الشّيء الغريب الذي بقي في رأسي ولم أجد له تفسيرا هو حكاية الحمار، لا أُخفي عليك أنّي حالما علمت بموت الدّكتور برنار، أسرعتُ إلى المنزل لتفقّد بعض شؤونه قبل أن يأتي المفتِّشون، الطّبيب صديقي ولا أرضى أن يهان ميتا. وحالما وصلت وجدتُ الحمار واقفًا في وجومٍ أمام المنزل، فتحتُ الباب فتبعني إلى الدّاخل، لم أجدْ شيئا أفعله ولا كلاما أقوله، أحسسْتُ أنّه يراقبُني، رأيتُ في حاله العجبَ، لم أصادفْ في حياتي حيوانا حزينا بهذا الشّكل، كدتُ أن أبكي فأسرعتُ ووضعتُ السّرجَ على ظهرهِ وألجمتُه ثم ثبّتُّ اللّوحة المنجميّة القديمةَ على قفا السّرج ونهرتُه بالكلام، رمقني بنظرات ثمّ لاعب ذيله وانطلق هائما على وجهِه بائسا ينوء بحملٍ كبير من الأسى. تركته يمضي دونما وجهةٍ أو ربّما إلى وجْهة لا يُدْركها غيْرُه. لا أخفي عليك أنّني تأسّفت لفراقه وندِمتُ على تركه يغادر، بعد خمسة أيّام بالضّبط وجدتُ الحمار في انتظاري أمام منزل الدّكتور برنار، فلمّا وصلتُ برك على الأرضِ فأنزلت الزّنبيلين ونزعتُ عنه السّرج وكم كان ذهولي عندما وجدت بقايا بضاعةٍ في الزّنبيلين: قوارير بلّورية مهشّمة، حلوى وشكولاتة وبسكويت وسجائر. لا شيء واضحًا أمامي ولا دليل يحيل إلى من حمّل الحمارَ تلك البضائعَ، لا شيء سوى ما في ذاكرة الحمار، أدخلتُ كلّ الأمتعة إلى المنزل وتركتهُ حرًّا فعاد إلى المكان الذي مات فيه صاحبُه. ظلّ على تلك الحال دون أكلٍ ولا شربٍ حتى مات.

بعد أيّام التقيتُ بعونٍ من أعوان الجمارك العاملين في النّقطة الحدوديّة في ذهيبة، أعلمته بموت الدّكتور برنار فقال إنّه شاهد حماره يقطعُ الحدود وحيدًا. ورآهُ يشقّ مكانا لا تستطيع أن تطأه قدمُ مترجِّل ولا أن تصله سيّارة الجمارك، ثم رآه يمضي في التّراب الليبي حتى بلغ دكّانا لبيع الأغذية والمواد المنزلية، فتزوّد منه وعاد من حيث أتى.

هذا الصّباح سنعود أطفالا وسنقصد الصّحراء للّهو فقط، ركبتْ مايا إلى جانبي، حملتْ معها كلّ ما يحتاج المسافر من شرابٍ وطعام أعدّته بيديْها. مضيْنا بعيدا في عمق الصّحراء، لم نتوقفْ عند العمران القليل الذي رأيناه على جانبي الطّريق، مضينا إلى أن بدتْ لنا علامات المنع من التقدّم نحو المنطقة العسكريّة، لا شجرٌ ولا ظلّ، نزعنا أحذيتنا وجرينا، مرّة نسرع وأخرى نتباطأ لنستردّ الأنفاس، مايا لا تتوقّف عن تحذيري من قلبِ الحجر فربّما أخفى تحته عقارب الصّحراء السامّة. قالت: تلك العقارب تقضي يومها كاملا في أمان لا تهاجم أحدا إلا متى عرّاها ولا تخرج من مكمنها إلا بعد أن تشعر ببرودة الهواء الصّحراوي في اللّيل. جرينا وتعثّرنا وسقطنا وقمنا مرّات وتعبْنا فآوينا إلى مكيّف السّيّارة لنرتاحَ، كانت لحظات حبّ لم نعبّر عنه. تبادلنا نظراتٍ مليئةً عشْقا ورغبة لم نطفئ لهيبها. اكتفيتُ بشدّ يدها في كفّي متعلّلا بمساعدتها على الرّكض دون سقوط، في الحقيقة كانت تسبقني حتى صرت أتعثّر خلفها فأشدّ بيدها كما يشد ّ طفل في تلابيب أمه، علّمتني أن أجمع الترفاس وتركتْني أبحث في الصّحراء عن شقوق في التّراب ينفجر منها كرؤوس الفطر. وأكّدت لي أنه نبتةٌ لذيذة تشبه إلى حدّ كبير حبّات البطاطا لكنّ مذاقها أطيب بكثير، والتّرفاسُ مفيد للجسم ودواء لعدّة أمراض مزمنة لكنّ تكالب عدّة شعوب على طلبه جعل النّاس يبيعونه للمصدّرين بأثمان خياليّة، وعدتني أن تطبخ لي ما أجمعه وأن تستدعيني للعشاء في منزلها، تظاهرتُ بالتقاط التّرفاس متسلّحا بعود حطب في يدي اليمنى ورحتُ أسترق النّظر إلى مايا، وهي تجري بسرعة وتكاد أن تطير، تتوقّف لتستردّ النّفَس ثم تعاود الرّكض، تطلق شعرها للرّيح فيبدو كسربٍ من الغِربان ملتصق ٍبجسدها، لا وشاح ولا عمامة ولا عصابة، الفضاء يلفّ رأسها. أرى من بعيد أصابعها تدغدغ جبينها بحثا عن الماضي، كأنها تحدّث نفسها. قلبُ مايا يكاد أن يخترق صدرها ليشكرَني. أعلم هذا وأقرأ فرحتها من كفّها وهي ترتفع بلا قفّاز لتحيّيني. جرت نحوي بسرعة، اقتربتْ. قالت كلاما وهي تلهث ومرّت. ماذا تقصد بقولها:

ــ سامحت أمي ولن أحمّل بناتي ما حمّلتني أمّي.

توقّفتْ إلى جانبي وسألتْ: كيف تراني؟

ـ كما أحببتِ.

لم نشعرْ بالوقت يجري معنا إلى أن دفعتنا حرارة الشّمس إلى العودة، فقصدنا شنني ونحن على فرح كبير وبنا رغبة في العودة إلى اللّعبة نفسها، مررتُ أمام المطعم وأمام المستوصف متعمّدا وتركتُ مايا تدقّ على باب منزلها.

أخذتْ معها حبّاتِ الترفاس وما تبقّى من لوازم الرّحلة. كانت ستقبّلني لولا أن أمّها وقفت على عتبةِ المنزل تنظر إلينا صامتة وهي بين الخوف والفرحة. وقفت كنزة أمام المستوصف تنتظر أن أشكرها لأنّها قادت إلى مكتبي ذات يوم أحلى امرأة استوطنت الرّوح. وقف صاحب المطعم ينتظر أن يستشيرني في وليمة العرْس ويقترح عليّ كسكسي شننّي الأصيل. وقف صاحب المعصرة يلوّح بمفتاح بابها المصنوع من النّخل ليذكّرني بأنّ قصّة تيناست مفتاح إفريقيا حقيقيّة وليست مجرّد أسطورة مثلها مثل كلّ القصص التي نقشت أسماء أبطالها على جدران المعصرة. وقف السّائق ينتظر أن أبوح إليه بسرّ من أسرار علاقتي بمايا.

وقفتُ مسلّما على أمّ مايا لأعلمها بأن عائلتِي في الطّريق إلى شننّي.

قلتُ لمايا وهي تدخل:

ـ أنت الآن مايا الأصلية.

ـ الحمد لله لم يجئ هذا الوصف متأخّرا، كيف عرفت؟

قلتُ: انظري إلى كل الواقفين في انتظار لقائنا، إنّهم يقفون صامتين كالجبال وكالتّاريخ ونحن صدى لكلّ سؤال يطرحونه ولكلّ كلام يقولونه، أنا أعرف معنى اسم مايا.

ـ هكذا أطمئن للصّدى الذي سكن قلبك فمايا هي صدى الجبال قديما وصدى قلبك حديثا.

 

-22-

أزيط لم يعد حمارًا

دخلتْ عليّ مايا وكنتُ بصدد نزع بلوزتي استعدادا لمغادرة المكتب. لم أدرِ لماذا فرحتُ بها كثيرا هذه المرّة، لم تعد مايا الخجولة التي عرفتها، صارت مايا أخرى تدخل إلى القلب ما بين دقة وأخرى وتستحوذ على الإحساس ما بين نفَس وآخر، صارت توأما للنّفْس. القُبلة قرّبتنا فماذا تركت للزّفاف؟ تعمّدت مصافحتي بكفّها الذي تخلّص من صورة أكسل، لقد سقط كسيلة في شراك الحبّ، قلت.

ـ هل تصغّرين أكسل كما فعل العرب؟

أحسستُ بصدقِ مايا وحدّقت في الملفّ الذي في يدها.

جلست من جديد وقابلتني وقالت:

ـ لقد أنهيتُ ترجمةَ النّص المكتوب بالتفناغ وتركت الصّفحة الأخيرة كما هي فهي مكتوبة بالفرنسيّة. اختطفتُه بلهفة غريبة وشرعتُ في قراءته بعد أن طلبت منها الانتظار.

من الدّكتور المأمور برنار إلى الآمر الذي يهمّه الأمر

اخترتُ أن أذكّركم بقَسم أبوقراط الذي تلوته أمام لجنة الكلّية قبل أن تمنحني شهادة الدّكتوراه في الطّبّ وتأمرني بحبّ النّاس.  

أنا الدّكتور برنار، قضيتُ الخدمة العسكرية طبيبا في أحد مستشفيات العاصمة التّونسية ولم أندمْ على تأدية الخدمة ولا على اختيار المكان. ثم عدت إلى بلدي وشرعت في رعاية المرضى ومداواتهم. كانت لحظاتُ تخفيفِ الألم عن الناّس أحلى فترات يعيشها الطّبيب فقرّرتم أن تحرموني منها. لم تكتفِ الحكومة بعملي هذا فكلفتني بتأدية خدمة أخرى لم أخلقْ لتأديتها فلم أستطع ردّ الأمر ولا القيام بالعملِ وهي أصعبُ مواقف قد يعترضُها الإنسانُ في حياته. عدتُ إلى تونس وقلبي منشطر بين الواجب والعاطفة وبين زرع الحياة والبحث عن الموت. القتل والموت وجهان لعملة واحدة. الإنسان لا يولد خائنا. قضيت أيّاما لم أتمكّن خلالها من اصطياد شيء عدا آثار أقدام أو بقايا روائح متناثرة، كانت الحصيلة هزيلة جدّا، فسارعتُ بإعلامكم بها. بيّنت لكم أن هذا الشّعب لا يعرف الكره ولا الحقد. ويبدو أن هذا الشيء أزعجكم. اليوم اتّضح لي أنّكم لا تريدون أن أقول لكم الحقيقة بل تريدون أن أقول ما تودّون سماعه. ولم أستطع تزيين الصّفحة في وجوهكم ولا الافتراء على شعب آواني وأحسن ضيافتي. هل تفضّلون الكذب على الصّدق؟ إبليس لا ينهى عن المنكرِ والملائكةُ لا تفعل الشرّ. خطؤكم أنّكم لم تقرؤوا رسائلي السّابقة وقد أمضاها أزيط الذي لم يعد حمارًا.

الإمضاء: أزيط الثّاني

لاحظت مايا أنّني أوغلتُ في التّفكير فاختطفتني لتزيدني غرابة بأن مدّت إليّ بورقة وقالت: أمّا هذه فيقول فيها الدكتور برنار إنّه شرع في ترجمة كتاب: الجحش الذّهبي (Métamorphoses) الى الأمازيغية إكراما لكاتبه لوكيوس أبوليوس المدّوري الذي ولد غير بعيد عن هذا المكان. ويبدو أن القدر اختطفه قبل أن ينتهي من التّرجمة فتوقّف عند العنوان والمقدّمة.

ـ ربّما

عدت إلى النّص المترجم وغُصت في أدغاله بحثا عن شيء يقودني نحو كشف المستور. لم أنتبه لكون مايا قد غادرت المكتب إلا عندما نادتني كنزة وطلبت مني أن أتبعها خارج المستوصف.

رأيت مايا واقفة تتحدّث إلى صاحب المطعم فلم أستطع إلا الاقتراب؛ اقتربت، كان المطعم مليئا بالسيّاح؛ في برنامجهم هذا اليوم الاستراحة في شنني وتناول الكسكسي. مايا واقفة قبالة سائح، يبدو عليها الارتباك، تتحدّث اليه بالإشارات من يديها. هل كانت غاضبة؟ ماذا يحدث من حولها ومن حولي؟ ناداني صاحب المطعم فأسرعت، كان ينتظر أن يُعلمني بالأمر، قال مشيرا إلى السّائح:

ــ قال جاك انّه صديق قديم للدّكتور برنار، وقد كان يتبادل معه الرّسائل والصّور، وإنّه مغرم بقراءة التّاريخ والحضارات من خلال الرّسوم والنّقوش والأوشام. ويقول إن الدكتور برنار حدّثه عن وشمين تحملهما مايا، واحدٌ منهما فعلى الجبين والآخر على ظهر الكفّ.

ومن دون مقدّمات ولا استئذان، خلع جاك قميصه فبان جسمه مزركشا بأوشام كثيرة باهتة شاحبة اللون، مالت بعض خطوطها من الزرقة الى الاخضرار بمفعول الزّمن، ضرب على كتفيه متتبّعا بعض الخطوط وقال: هوايتي الأولى هي الوشم وها أنا أجيء الى هنا لأرى عن قرب وشما أمازيغيا محفورا كما النّقش في الصّخر لا تطوله السّنون، وكم أتمنّى أن أحظى بأوشام لا تمّحي، سأكتب فيها ما جمعته من أفكار وما ألّفته من مقولات فلسفية أرغب في تركها للنّاس وإنْ منقوشةً على جلدي. فخذوني إلى الوشّامة. ثم سحب ورقة ووضعها أمامنا وقال:

ــ هذه أفكاري ومقولاتي وبعض الأقوال المأثورة أريد أن أخلّدها على جسدي لتموت وتدفن معي لأنّ الموت والحياة كالنّص المكتوب على ورقة، تهترئ الورقة ويبقى مضمون النّص حيّا في ذاكرة النّاس. وأمّا هذه الصّورة فهي لوشم حديث أرسلها اليّ أحد الأصدقاء من جهتكم هذه.

أشارت مايا على صاحب المطعم فإذا به قد تفطّن بدوره إلى أن الصورة هي لوشم رآه الناس على صدر برنار يوم وافته، وكان قد رسم فيه صورة لحماره وأمام ناطريه قطرة ماء وفي أسفل الصّورة كتابة بالتفناغ : أزيط.

فوعد صاحب المطعم السّائح جاك أن يأخذه إلى عجوز تتقن الوشم. هرعت مايا عائدة الى المستوصف وأنا أتبعها. اختطفت الملف الذي ترجمتْه وفتحتْه على الصّفحة الأخيرة، النّصّ الذي حمله جاك في ورقته. بقينا واجمين. ناديت السّائق وكان بصدد إنزال الأدوية في البهو.

ـ أريدك أن تتثبّت من سائح اسمه جاك، هو هنالك أمام المستوصف، افتح كتابه بسرعة ولا تضيّعه حتى نفهم.

ـ امنحني خيطا أو شعاعا واحدا.

شرحت له أماكن التقاطع في الحكاية: الصفحة الأخيرة من ملف برنار وما حوت، الوشم، برنار وعلاقته بجاك. فانطلق المسكين يلهث وراء الخبر والدّليل والمعلومة. وعندما عاد كان السّياح يستعدّون لمغادرة المكان في اتّجاه الدويرات من دون جاك فقد استدعته الشّرطة للتثبّت من خطأ ورد في جواز سفره أو هكذا أشيع. قال:

تأكّدت من أنّ جاك قضى أسبوعا في ضيافة برنار وبعد أن غادر بيومين فقط توفّي المسكين.

..............

تركتُ مايا في السيّارةِ ودخلتُ على الوالِي لأسلّمَه الملفَّ، فاستقبلني وأعلمني بأنّه أمر باستخراج جثة برنار لتشريحها.

وعندما عدتُ وجدتُ مايا تبحث في ذاكرتها عن وشم قديم يمكنه أن يختزل كلّ الثّقافات التي مرّت بها تونس. فسألتها لماذا: كتب برنار رسالته بخط التفناغ؟ ولماذا أحبّ رأفت الهجّان؟

 

 

 

 
هذا الموقع فضاء يسع الجميع فلا تبخلوا عليه بدعمكم وبالتواصل معه خدمة للادب والفكر
Ce site web a été créé gratuitement avec Ma-Page.fr. Vous souhaitez aussi avoir votre propre site web ?
Inscription gratuite