زلة لسان

 

زلـّـة لسان

الأخلاء – تونس-1994

الإيداع القانوني عدد 109 الثلاثية 2/95

الإهـــــــــداء

إلى كلّ من يحبّ الشّعر

ومن لا يحبّه

إلى كل الأشياء التي نذرت نفسها

وقودا للقصيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاتحة

صديقي القارئ

قد تجد في هذه المجموعة أشياء لا تعجبك فتُحْدث فيك قلقا ارتجاجيا

انا في حاجة إليه لأدفعه وقودا للقصيدة التالية...

وإنني على يقين من انّك ستفاجئ القصيدةَ بواجهة لم افتحها فتتولد فيها ومنها أفكار ومعان لم اقصدها بل غابت عن مخيلتي

 إن الشعر بيت لا يقصده الكسالى ولا يهدمه غير الجهلة.

وحتى تتأكد من ذلك ...

خذ ورقة واكتب رسالة إلى حبيبتك.

وأعد قراءة الرسالة في الغد

ستمحو،

مما لا شك فيه،

سطرين من ثلاثة ،

فكيف تلومني على قصيدة

أمضيت عهدا لأقدمها لك على طبق شهيّ

 

الشاعر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل يؤسس الشعر الرفيع الواقع الجديد

                             بقلم: علي الزقناني

أن تراود الكلمة فتنقاد إليك، تفجر فيك الكوامن وتقدّ منها السياط تلهب الأجساد تعرت فتبدت لاهثة، تواقة نحو الأفضل فذلك ما ينزّلك منزلة المتربع على "مملكة الجنون "

 والمولدي فروج من جيل هؤلاء الشعراء الذين شغفهم البحث المضني عن خطاب يختزل هموم الجماعة والفرد ويصهر الماضي والحاضر فينحت قسمات الآتي ويقطع مع الرداءة أيا كانت.يبهرك في شعره حضور التراث ذاكرة حية. لا يخشى من تعرية قبحه ولا يقف من جوانبه المضيئة موقف الباكين على الدمن: وإنما منه يستلهم القدرة على مباشرة الواقع لا يضعه حتى تحت مجهر الطبيب، وصاحبنا كذلك، وانما يحيله على محك القيم التي تشبع بها وتملكته وجعلته ينجو من الوقوع في خانة " المحنطين في الأرض"

إن القارئ لديوان المولدي فروج لمدرك حقا عمق تشبع الشاعر بهذه القيم، تشده إلى جذوره فتمنحه الصلابة في مواجهة كل تيارات الاغتراب والاستلاب وتمنحه في آن معا القدرة على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل دون تملق الأهواء والسقوط في أتون حرب الدعاية، ميزة هذا العصر. فلا القسوة على الحاضر مشوبة بالتجني ولا الاعتزاز بالماضي مفض الى التحجر والماضوية و إنما الآتي يبشر به فروج انه أفضل"...ولا غرابة، أفليس الشعراء من المبشرين؟

ان من قدر المبدع ان يعيش الغربة والانفصال بما يمثل وقودا لمثاليته ويؤدي الى " الرؤيا الكلية" ويصون المثالية الفكرية. ومن سمات النص الإبداعي أن يعكس النزعة نحو المطلق لكن دون أن يفضي إلى مثالية "دونكيشوت" المطلقة او إلى مثالية " هملت" التي أدت به إلى الشكوكية المطلقة والعجز عن الفعل.... إن المشروع الشعري الذي يبشر به هذا الشاعر محمل بالعزم والرفض وبقوة المجتمع على كسر قيود التكلس والجمود وعلى إعادة صورته عن نفسه بما تتوق إليه النفوس وتهفو وإليه ترنو الهمم.

كذا يمضي هذا المشروع في توطيد أركان الذات في بوتقة الهوية ملتهبة متفتحا على عالم الحداثة والعصر في نسق دفعي امتلك الشاعر وحده أسراره ومفاتيحه.

وبذلك ارتقى إلى التعبير عن ضمير المجتمع وهو ينسج" الحلم الرحب" ويؤسس الواقع الجديد ملوحا به ومبشرا حتى تتأسس الدنيا على أذواقنا. وما كان للمولدي فروج أن يتنزل هذه المنزلة لولا ما انفرد به من وعي عميق حادّ وإحساس رقيق بل ولولا هذه الشحنة الشعرية وهذه الحيرة الفلسفية التين تتأكدان في كل قصيدة من قصائد المجموعة.

أفلسنا محقين-إذن-إن جزمنا بأن المولدي فروج قد استوعب واقعه استيعابا فلسفيا واعيا أفضى به إلى اختزال الأزمنة والفضاءات وإلى خرق قوانينها حتى يتسنى له استنطاقها.

ان الشهادات التي يقدمها هي الالتزام في أدق معانيه واسماها. هذا الالتزام الذي ترفع صاحبه عن إخضاعه إلى بنى الشعارات ونمط الدعاية المجانية ولعل هذا النمط الرفيع الذي توخاه الشاعر يثير كل من انتصب بكل صفاقة حاميا للتقاليد والعقائد الوثوقية وكل من يحدوه الحلم الطوباوي أي كل قوى الجذب المعادية للتوجه الحر الصادق الوفي وشاعرنا رجل لا كالآخرين لا يتهيب هذه القوى.

ان الالتزام والتجديد هاجسان يسيطران على الشاعر ويفرضان عليه شكل القصيد وبنيته الداخلية. والنقاد مدعوون الى الخوض بجدية في الانفتاحات الدلالية لقصائد هذه المجموعة، وما تزخر به من شحنات جمالية، ربما وما تنفرد به من كثافة ترميزية تخيلية.وهم مدعوون إلى استشفاف الذبذبات الخفية التي أفرزت الإيقاعات التي تشيع فيها الجمالية المحض المتولدة من مرارة العبارة ورشاقتها. فكل قصيد في هذه المجموعة صلاة حارة يناجي فيها الشاعر وجدانه. انه نمط من الشعر الرفيع يقطع لنا بان الطبيب الشاعر قد مضى في تجربته الشعرية إلى أمد بعيد.وانه شارف ما يتوق إليه الشعراء عموما من نضج واكتمال وليس معنى ذلك انه بلغ ما ليس في الإمكان أبدع مما كان ...بل انه لواعد بعطاءات أخرى أكثر نضجا وأروع إبداعا.

                                                     علي الزقناني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الموت مع سابقيّة الإضمار

 

لم أمُتْ بالوفاءِ سوى مرّةٍ واحدَةْ

كنتُ منْشغِلا بالكِتابةْ

وفاجَأنِي القبرُ بالشَّاهدة

قلتُ:

والبعضَ يبْكون:

ما قصَّةُ الموْتِ هذي؟

وكيفَ تُوارُونني

         ومعي قلَمِي والكتابَ؟

متُّ ما بينكُم مرَّة

كنتُ منهَمكًا حينَها

بالتهَكُّم من فيْلسُوفٍ عظِيمٍ

وقد عاشَ يرْسم فوق الخَرابِ

        مدينتَهُ الفاضِلةْ

ثم مثلَ الحِمارِ الذي شابَ

                       ماتَ

وما عاد مِثلي إلى مَجْلسٍ أو شرَاب

....و كانَ...

سيدْعو على النّاس بالعدلِ...  إذ قتلُوه

وكان يبادلُهم رقَّة الشُّعراءِ... ولم يُنصفُوه        

وكان يُسامرُهم ثم يحْكي لهُم

عن خفايا مدينتِه المشْتَهاة

وعنْ جنَّةِ الخُلد يأتُونَها راكِضِين

كأحصنةٍ من غُبَار

أقامُوا الصَّلاةَ عليْه 

وقاسُوا لَه القبْرَ

أضْيَق مِمّا يجِب...!

----

ذاتَ يوْمٍ...

توفيْتُ عن غيْر قصْدٍ

كذاك الذي ماتَ بالحبِّ أو بالتَّعبْ

فَتعرَّيتُ للبَردِ.... لكنّهم ...دثَّروني

صمتُّ.... وقد.... أفْزَعُوني

وكم أبْدعُوا في الصِّياحِ/ النَّديبِ

سمعتُ المؤبِّنَ يَقْرَأ

بعْض الخِصال التي لمْ تَكن

(هي أكْذوبَة) في الحقيقةِ إلا...

أنَاشيدَ دفْن

فما همَّني أن تُعادَ عليّ

كما عاودُوها على السَّابقِين

تفطَّن بعضٌ من الحاضِرِين

الى قلمِي

فاستَعاذ لطَرْد الشَّياطِين

بالشَّعْوذةْ ....  والبخُور

وإذ هدهدتْه العجَائزُ قال:

ألا إنَّ بعضًا من الظَّنِّ إثْم

لعلَّ القَصائد تأتي

من القبْر أو منْ كهُوف الجِبال

أنا ذات يوْم...

توفَّيتُ دون انْفعَال

أجلْ...

إن أقوَى الرِّجالِ يمُوتونَ دونَ انفعَالٍ

لم أردَّ السَّلام

على عزْرئِيل الذي..

غاضبًا اعْتلى عُنقي

ثم شدَّ على الأنْفِ حتّى

متى انتفَضتْ مُقلةُ الرُّوح صاح:

-         " لقدْ متّ يا...."

فضَحكتُ...

ضحكتُ عليهِ بسخْريَة

وضحكتُ كمَن يستفزُّ غبيًّا

وما كنتُ أفهَم المَوتَ

لم افهَمِ الموْتَ..

كنت كمُنشغلٍ انبش الذاكرةْ

باحثًا عن بلادٍ

أشبِّهها بالبلادِ التي

لم تَسعْ حلْم كلِّ العِباد

وكم شغلتْني الأساطيرُ عنها

ـ وإنْ شئْتَ ،

بيني وبينَك أسْطورةٌ واحدةْ،

ـ " مُت ليحْيَى الوطَن"!

هكذا يسْهُل الموتُ، قِيل

وما أعذبَ الموتَ في راحةِ الأرْض

من أجلِ وجْه الوطنْ

حملوا النَّعْش

       والرَّفْش

فوقَ الرِّقابِ وغنُّوا طويلا:

ـ (نموتُ نموتُ ويحْيا الوطن)

كيف تحْلو الحياةُ لكُم

أو لهذي البلادِ إذا متُّ منْكم أنَا

ماتَ مثْلي

وألفٌ

وملْيونُ غُصنٍ دُفِن

----

متُّ عنْ غيرِ فاجعةٍ

فتلا مُقرئٌ

ما تيسَّر من سُور الموْتِ

قادُونني ههنَا

قال لِي منْكرٌ ...أو نَكيرٌ

( لسْت أذكر أيُّهما المُبتدِي بالسُّؤال

دهشةُ الموتِ أوصدتِ الذاكرةْ)

ـ من تحبُّ؟

قلت: ـ قطعا بلادِي

ـ وما لا تحِبّ؟

ـ أنا أكرهُ الموْتَ من أجْلِ وَهْم

ينَادي

فقيل: ومن أنت حتّى...؟

فصحتُ بأنّيَ أوْفى العبادِ

وخُيّرتُ

بين الإقامةِ في القبْر أو

في سجُون البلادِ

نفضْتُ التُّرابَ

وعدتُ إلى جُثَّتي/ جنَّتي

في جحيمِ البلادِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المحنطون في الأرض

 

كلُّ أشْيائنا جاهِزةْ

التُّرابُ الذي

يُنبتُ الزَّيت والبرْتقال

والوجوهُ التي

ترثُ الخوْفَ والانفِعال

والزُّهورُ التي مصَّها النَّحلُ

             والنّخلُ

ثمَّ متى عشَّشَ النَّحلُ في النَّخْل

وانتصَبتْ

كالسُّيوفِ السَّنابلُ

اختارها البوم للمقصلةْ

وانتخبنا المجاعة للقافلةْ

هكذا تبْتَدي المهْزلةْ

وهنا

تنْتهِي المسألةْ

كلَّما

حلمَتْ

......فرْخةٌ

..............في الصَّقيعِ

...بحبَّةِ قمحٍ

سينعَقُ.......

بومٌ على ربْوة قاحلةْ

***

كل شيءٍ هنا جبَلٌ من رَصاص

المياهُ التي فجَّرتْها السَّواعدُ

كل الصُّخورِ التي ظلَّ سيزيفُ ...

يدفعُها...انقلَبتْ

والرِّياحُ التي

واجَهتْ سدَّ غيْلان

                  انتحَرتْ

كلُّ شيْءٍ هنا علَبٌ..

الجنينُ التي انْتظرتْه القبيلةُ

لما يزَل مخْبريًّا

وأبى ـ آه أيْضا أبِي ـ

كان علَّمَني أن أظلَّ صبيًّا

وكانَ المعلِّمُ أطْعَمنا علبًا متْحفيةْ

***

كلُّ شيءٍ يسبِّح بالجاهليّةْ

فهل نرثُ الصَّبْر... .... في سرَّةٍ...؟      

ثم نمْشي إلى الصومعةْ

ونصلِّــــــــــي....

صلاةَ الجماعة والفرد

كي نسْتعيذَ من الزَّوبعةْ

وهل نرثُ الشِّعر في حيرةٍ؟

ثم... مثْل البخورِ الذي فاحَ

يحترقُ الشِّعر توْقا إلى الــــــــمَعْمعةْ

وهل نرثُ الجوعَ

مثل القناعةِ......كنـــْـزًا من الوهْم          

والشَّعبَ أسطُورة جاهزةْ

كل أشيائِنا جاهزةْ

فالسَّواكنُ ساكنةٌ

والسَّواعد سائمةٌ

والتمَلملُ في بلدِي مسْتحيل

والبلادُ التي هَاهُنا

         البلاد التي هاهُنا

لم تزلْ هكَذا منذُ جِيل

ـــــــــــــــــــــــــــ

جمرها والثلج الدافئ

 

في تونِسَ التي أحبُّها كثيرًا

وبعْد ألفِ عام

يصيرُ قبْري معبَدًا

يطِيرُ من ضفافِه الحَمَام

***

في تونِسَ التي غازلْتُها

ولم تزلْ في ريشِها الحَرام

رضعْتُ من عيُونِها الكَلام

ها إنني أجُوعُ للعيونِ دائمًا

وإنني يهدُّني الصِّيام

***

في تونس التِي

تخبُّ في قصَائدي المُصادرة

وبعدَ ألف عامْ

تبدل الشَّوارعُ الأسْماءَ

كي تعُود من قَصائدِي

للذاكِرةْ

***

في تونسَ التي أنَام عنْدها

وأكتُبُ الأشْعارَ فوْق زِندِها

لو أنّني عصَرتُ شِعْري سُكَّرا

لو أنَّني لقَّنتُ من حَميرِها.

                      ...حِمارًا

وقلتُ: ـ يا...

هل تفهموُن كمْ أحبُّكم؟!

لجنَّدوا لي عَسكرًا

وصَار شِعْري ضدَّها

***

في تونسَ التي

تُصِرُّ في تَجاهُلي

وبعد قرْن

عشتُ فيه " قاتِلا"

يصير قبْري معْبدًا

يتٌوبُ فيه قاتِلِي ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

حـــــلم

 

نامُوا...

علَى الكفَّينِ

إن كانتْ معاصِمُكم حَريرًا

نامُوا ...

على الأذُنينِ

إن صارَتْ إشِارتكُم صفيرًا

نامُوا...

على العيْنينِ

كي لا تبْصِروا الشَّمسَ

تلكَ التي أبْكتْكم

ياما ...كثِيرَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسالة غير عادية

 

توطئة

 

محمد الدغباجي والبشير بن سديرة شهيدان سقطا دفاعا عن وطن نقش اسميهما بأحرف الحبّ على ذاكرة الشعب.

اختلفا في كل شيء إلا في وفائهما للوطن العزيز

قبض الإيطاليون على الدغباجي وسلّموه إلى الفرنسيين فنفّذوا فيه حكم الحقد

وأما بن سديرة فأغرّ به ابن عمّ له وقتله نيابة عن الفرنسيين.

فكان على الدغباجي أن كتب رسالة إلى رفيقه لم يقرأها أحد

 

لتَكنْ...

طامعًا في السَّماءْ

أو سَجينَ الكآبةْ

لتكنْ ...

طالعًا كالهِلالِ

على الرَّغْم من غيْبةِ الشَّمسِ

أو موْتِها

لتكُنْ... غامِضًا مثلَما يرْسمُون

واضِحًا مثل طَعْم الخِيانةْ

مُظْلمًا كالحَديثِ عليْك

ومرتَكِبًا خَطأ ستُعيدُ ارْتكَابَه

لتَكنْ مثلَما البرْقُ

يجلِّد ظهْرَ السَّحابةْ

***

لتكنْ...

هازئًا بالرِّقابِ التي انتكَستْ

موغِلا في الصّلابةْ

لتكنْ بيْن أهلِك عبْءًا

ومنْعكسًا مثْل صاعقَةٍ

أو نشَازٍ من الضَّوءِ

في بلَدٍ يكْتوي عطَشًا

ويبيعُ شرابَهْ

لتكُنْ مثلَما يَعرِفُون

تسْتردُّ إلى الأرْضِ نسْبتَها

ثم منْ حُبِّها

تسْتمدُّ الجُنون

ولتكُنْ عاريَ القلبِ لا

مثْلَ كل الرِّجال

ولتكنْ طافِحًا بالتَّحدِّي

وملتَهبًا ترْفُض الاعْتِزال

ولتكنْ أفحَل الشُّعراء

آخر الشُّهداء

أوّل المُرسَلين

إلى وطَنِ الضِّيقِ

حتّى تزيدَ البلادَ رحَابَه

***

لتكُن أسْعدَ التُّعساء

وأجملَ ما في الكآبةْ

***

أنتَ تَمضِي كما شئْتَ

ملتَحفًا بالوفَاء

ومتكِئا – لسْتُ أدْري لمَاذا تُصرُّ-

على حلْمِك الرَّحبِ

تدفَعُ صدرَك للاكْتواءِ

وترسُم للأرْضِ

شكْلا ينَاسبُها

دعِ الأرْضَ، أرجُوك،

 تأخذُ شكْلي مَعكْ

فأنا إن رأيتُ دَمكْ

سأمُوتُ مَعكْ

وأنا إن قُتِلتَ

أموتُ مَعكْ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبكى لأولاد الحجلة

 

في زَمنٍ زِفْتٍ

في زمَنِ الوجْهِ المدْهُون

تختلِطُ الأشيَاءُ معي والفوْضَى

فتكلّمْ يا عبْد الله

من منَّا الخَائنُ

والشَّاعِر

     والمجْنُون؟

ليَموتَ كما جَاء

بلا كَفنٍ

ولمَ الشُّعراءُ كأوْلادِ الحجلةِ

                      ينْمونَ

                     يمُوتونَ

بلا وطَنٍ؟

ولماذا أسْألُكم عنِّي؟

قلْ يا عَبد الله ...

كان لنَا بعْض من سُحبِ الأصْحاب

تأتِى وتمُرُّ

كان بنَا تعبٌ مرُّ

كنَّا نقرأُ شِعْرا

ليطارِدَنا البُوليسُ

هل تذْكُر؟

كيفَ المُخبِر يشْتمُّ الشِّعرَ

يبيعُ العرْضَ وأحْبابَه

يستبْدلُ ملْبسَه الرَّسميَّ

          كي يلْبسَ أنْيابَه

ولأنَّ الشُّرطيَّ غبيٌّ

كان يسَجِّلُ برْهانَ إدانَتنا

في طاولةِ الحانةْ

في علَبِ التَّدخِين

وعلى كفِّهِ أحْيانَا

كنا نسْتحْلفُه الله

بأن يَشربَ أكثَر

فالشُّرطيُّ إذا يسْكر

و" يرَى الدِّيكَ حمَارَا"

يتقيأ أسْرارًا

وينَادينا...

بالأرْقامِ .... كما العَسْكر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشهد حي لصورة ميتة

قريةٌ...

لم تذقْ مطرًا

منذُ جيلينِ أو نصْفِ قرنٍ...فَنَتْ

والعَوانسُ

إذ فاتَهنَّ القِطارُ الذي

 سوفَ يَحْملُ فرْسانَ أحْلامهِنَّ

 ركبْنَ الحِجارةَ تحْت الجِدارِ

الجدارُ الذي امْتدَّ كي يَحجُبَ الشَّمسَ

رَبَّى المَخالبَ في منْبتِ الأمْنياتِ

الجدارُ الشَّحيحُ

إذا اقتطِعتْ منهُ بعضُ الحِجارةِ ...ينْهارُ

هذا الجِدارُ

أما عشَّش السُّوسُ فيه؟

وألقَى بأجْيال دودٍ عجيبٍ؟

تناسَل في ظُلْمةٍ وسِخةْ

لا العوانسُ يسْألْن

لا الدُّودُ يخْرجُ مثل الجَميعِ

إلى ربْوةٍ للدّعَاء

لكي يستجيبَ المطَر...

قريةٌ والعوانسُ تحت الجدارِ

ودودٌ يَسُوس على غفلةٍ من سحابٍ

يمرُّ ولا ينهمرْ

يختَفي الدُّود خلْف الجدارِ

يخِيط الحَكايا التي

ما رَوتْها العجائزُ إلا

على حافةِ الانْهيارِ

فجأةً...

قلِق الدُّود من شيبِه المُنْهَمرْ

شاهد حزنَ العوانسِ فاحْتارَ

                     واخْتارَ

أن يُلقي اللعبةَ الثانيةْ

ما الذي يمنعُ الوهْمَ من فُسْحة

 في خيالِ العوانسِ؟

 حتى مَتى اكْتمل الوهْمُ

 والتحمَ الحُلم بالنَّار

            عادَ القِطار

وصلتْ صورةُ الفارسِ المُنتظَر

يزْحفُ الوجَعُ العاطفيُّ

والعوانسُ يزْحفْن نحو الجِدار

يمتَطي الدُّود أكتافَ بعْضه بعضًا...

وحتى متَى لن تطُولَه أيْدي العوانِس!

أفصَح عن صورةِ الحلم ـ بلْ ـ

تلك صورتُه

لا تلامسُها الرِّيحُ

  إلا بِما أوْفد الزَّهرُ

هلا تشِيرُ إليها الأصَابعُ

 إلا بما سَمحَ الانبِهار

تلك صورَتهُ

للعوانسِ نفْضُ الغبَار

لهنَّ احتلالُ المسافاتِ عشْقًا

لهنَّ التورُّطُ في صُورةٍ

ستظلُّ لها وشْمةُ الانْتصَار

تمرُّ العوانسِ... يهْوي الجِدار....

       ولا تتَكسَّرُ

يفْنى الإطارُ............. ولا تتكسَّرُ

لا الريحُ تسْقطها , لا المطَر

تلك صورَتُه

فلنمُتْ جملةً لتعيشَ الصُّور. /.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زلّة لسان

 

للنَّاسِ أَلسِنةٌ مَعاذ الله

للشُّعراءِ ممْلكةُ الجُنون

***

هل كانَ يلزَمنا

لنتَّهمَ القصَائِد

بانقلابِ المُلْك

توزيعُ الظُّنون؟

البيعةُ اكْتملتْ

بتدْريبِ الجِياعِ ...

على المجاعةِ...

.................والسُّكُون

***

هل كان يلْزمُها

ليكتمل النصاب

إفراغُ أروقةِ السُّجون؟

***

هل كان يلْزمُنا الحرَام؟

لنقصَّ ألْسنةً

تجرَّأتِ الصّراحةَ في الكَلام

***

هي زلَّةٌ

يا ليْتَ زلاتِ اللِّسانِ

تناسلتْ

لنؤسِّسَ الدُّنيا على أذواقِنا

ونقولَ للحقِّ السَّلام

***

هي زلَّةٌ

يَكبُو اللِّسان

فما

أعذبَ الزّلات ...

من أجْل الكلَام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجـــبين

 

مقْفرٌ ذا الجَبينُّ

فلا خطَّ

لا حظَّ

لا حُكمَ للقَدرِ المُتوحِّشِ فيه

وآثارُ موسَى به

إذ تدُلُّ على

إن في الجُرحِ أحْلى دواءٍ

***

مقْفرٌ ذا الجَبين

ويحْملُ ما يثْقل الأرضَ من كِبريَاء

شامخٌ وحَزين

وفي دفئِه العَذبِ

في حُلمهِ الرَّحبِ

ترْتاحُ شمسُ المسَاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

امتــداد

 

بعد حينٍ.

تمُرُّ كما مَرَّت البارحةْ

سأقولُ لها لمْ أنمْ

وتقولُ كما قالتِ البَارحةْ

كيفَ تسْهو عن الجُرحِ

 والجُرحُ لم يلْتئمْ؟

و لو أنَّني ما سهوْتُ ..

ولكن سهِرْت

مع الجرحِ أنكؤُه

لتنامَ على مهْلها الجارحةْ

       ****

بعد حينٍ تمرُّ...

     وقد لا ترانِي

وإن أمْعنتْ في التَّجاهلِ

 أو في الدّلالِ أصِرُّ...

لعلَّ الكلامَ الذي يبْتدي

                يسْتمرّ

     ****

مضتْ ساعةٌ ثم أخْرى

وثانيةٌ.... والسُّويعاتُ تغدو مديدةْ

تقلبْتُ مثل الجريدةْ

وأومأْت للنَّادلِ المُشرئب إلى الطاولةْ

قال لي:

هل صحيحُ انتظارُ الحبيبةِ مرُّ؟

ـ نعمْ...وأصرُّ

قال: مرَّتْ ولم ترَها

لقد كنْتَ مُنشغِلا باشْتعالِ السّجائرِ

مرَّتْ...

وما بادلتْك السَّلام

كما اعتادتِ البارحةْ. /.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

من قرار ختم البحث مع الإدريسي

قبل حلوله بصقلية

 

أعْترفُ الآن

وأمْضِي في أسْفل هذا المحْضَر

حضَر الجلادُ ولنْ أهْربْ

حضَر الشُّرطي

سيتعبُ هذا المِسكِين...ويغضَبْ

وسأشْقيه معِي

ما دام يُحبُّ الضَّربَ

             ...ولن يضْربْ

***

أعترفُ الآن

وأمضِي في طرفِ الدّفترْ

هل حضَر المُخبرْ؟

ذاك الإنسانْ...

كم كانَ لطيفًا...وأنا أضْربُه

كم كان خفيفًا.... وأنا أصْلبُه

ما كانَ جبَان!!!

***

أعترفُ الآن

أحْضرتُم نائبَ حقِّ النَّاس

أحضرتُم ذاك النَّسناس الوسْواس

جاءَ القوّادُ الجارُّ/

                 القوّادُ المجْرورُ إليْه

أتذكَّر، أذكرُ، كيْف بصَقتُ عليه

ما كانَ يليقُ أن ألعَن ظِلا يتبعُني

(بالصُّدفةِ) في كلّ طرِيق

ما كانَ عليّ

أن أقطَع ظِلا يؤْنسُني...

ويحدِّثني...

ويعلِّمني الاطْمئْنان

***

أعترِفُ الآن...

هل حضَر الشّاهد والشَّاهدةُ الأخْرى؟

وقوى البُرهانِ/ البُهتان؟

***

أعترِفُ الآن

وأمام العَالم أجْمع

أنّ الأرْضَ بلا أنْتم حائِرةٌ

إنّ البَحرَ مربَّع

إن الماءَ وكلَّ عيُون الدُّنيا

من بين دفاترِكم تنْبعْ

هل حضرَ القاضِي كيْ يسْمعْ؟

***

أعترفُ الآنْ

أني خرَّبْت القَصرَ

شممْتَ الزَّهْر

وسَّخْتُ القُضْبان

هل حضرَ الجَنَّانُ ليشْهدَ؟

أنِّي المجرمُ حقًّا

علنًا

أنّي ألقيْتُ عليهِ الأفْكَارَ

وضربتُه حتّى انْهارَ

وسرقتُ مسَدّسَه المَخفِي

فقتلْتُ كلابًا كانَت سائِبةً

-عفْوا سائِرةً –

ما كان عليّ

أن أقتلَ كلبًا لم ينْهشْني

في زمنٍ لا يُمنَعُ فيه الجَوَلان

***

أعترفُ الآن

هذِي جثَّةُ كلبٍ/ آخَر/ ألْفْ

ما أكثَر ما أحْصى الرَّاعِي/ البقَر/ القُطْعان

أعترِفُ الآن

أنّي أبعثُ عامَ الشَّرّ

أتوالدُ مثل الخَبرِ المشْؤومِ

وأندسُّ كما السِّر

أتنَاثر كالعدْوى

فأشِيعُ البغْضَاء وأظْلمُ أهْل البرِّ

لا أمشي في الشّارِع

إلا ومعي شَيطان

***

أعترفُ الآن

هل يكْفيكم؟

عجبًا !!!

كيفَ حفظْتم اسْمي؟

                لقبِي؟

                لونِي؟

وتفاصيلَ حياتي والعُنوان؟

عجَبا!!!

أحضرتُم أشيَائي الصُّغرى

وسريعًا...

جمّعْتم أشْلاء كتَاباتي

فدعُوني والسّيجارَة

ولتطْفوا نارَ سَجائِركم في جَسَدي

فإذا مَا آلمَني جِلدِي

أتذكَّرُ أصْحابَ السُّوء

فأنا لسْتُ وحِيدا في كلِّ الأحْيَان

إنّي أجمَع حبّاتِ الرُّمَّان

فأصنِّفُها

وأصرّفُها

وأهَندِسها

قنْبلةً تقْتل كلَّ خَفافِيش الأرْضِ

الشيطان

وتُبقِي السُّلْطان

***

أعترف الآن

فدعُوني...أنصرفُ

سَـ..سـَـأحضِرُ أصْحابي كَي يعْترفُوا

لا يكْفي ذِكْر الشَّركاءِ على الوَرقِ؟

هل يخْلي الجَاثمُ لي (عُنُقي)؟

فأنا تعبٌ من حِمل الأبْدان

***

قولُوا للبوَّابِ أَنِ افْتحْ بابًا

أوْسَع مِن هذا

كيْ يدخُلَ أمْثالِي صَفّا صفًّا

في جنَّةِ رضْوان

***

أعترفُ الآن

أنَّ الشَّمْس-إذا شِئتمْ – باردةٌ

أن الحرِّيةَ لغْو

أن السِّجن جميلٌ

أن الأرضَ – كما أوْحيتُم للأرْض –

تميلْ

***

أعترف الآن

أن العرشَ

           ......بقاءَ العرشِ

                             فناءَ العرْش

دوامَ السُّلطةِ

              تدْجيلْ

هل أمضِي يا سادَة؟

أم أجْمعُ باقِي التُّهمِ الصُّغْرى

حتى يَثقُل مِنها الميزَان

أعلم أني جرَّحتُ مشاعِرَكم

ضيَّعْت لكمْ وقتًا

أثمنَ من عُمرِي

أحرجْتُ ضمَائرَكم

وأنا أدْري

أن الطّبلَ الأجْوف لا يصْلح

إلا للتَّطْبِيل

حسنًا...سأكافِئُكم

فخذُوني حطبًا للتَّنْكيل

........

يا مَا أوْسعَ بال التَّحْقيق!

ما أكبرَ فيه النُّبْل!

    لقدْ وصَل السَيلُ...

         وطفَا الكَيلُ

                    ولم يَصفعْني

جاء اللَّيلُ...

             ساءَ الحَالُ....

                   ولمْ يُرجِعْني

شهَد الكُلّ...

           ثقُل الحِملُ

                 ولم يرْكِعْني

حضَر الحَبلُ...

         قُرِع الطَّبلُ ....

ولم يصْرعْني

من قال لَكُم:

ـ إن الكاتبَ لم يسْمعْني؟

يا ما أوسعَ بال التَّحْقيق!

أمْضى يومَه يؤنِسُني

         كي لا أَشْعُر بالضِّيق!

كي لا أفهم أن التَّحْقِيق دُخان

***

أعترفُ الآن

في آخرِ يوْمٍ من عُمْري

أن الأرْضَ المصْلوبَة في صَدْري

ستقُول لكم: كانْ

لا يكذِبُ في بعْضِ الأحْيانْ

بلْ يكْذِب في كلِّ الأحْيانْ

لكنَّهُ كان...

قسمًا في صدْرِ الأخرَسِ...كانَ

و كانَ...

وكانْ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتراف

 

أنا مثْل كلِّ الرِّجالِ

وكلُّ القطاراتِ تمْشي

               إلى وجْهةٍ واحدةْ

أنا مثْل كلّ الرِّجالِ

أفرِّقُ بين المَحبَّة والاشْتهَاء

وأعرِفُ من أين تُؤكَل

أكْتافُ أحْلى النِّساء

وأخْفي العواطفَ حينًا

لئلا أصِير حديثَ المَساء

***

أنا مثْل كلِّ الرِّجال

نبدّلُ خمْرتَنا كلَّ فصْل

فإِنْ أسْكرتْنا

كسَرْنا الكُؤوس

وعُدنا إلى خمْرِنا الأصْل

***

أنا مثْل كلِّ الرِّجالِ...صَرِيح

أُجِيدُ الكَلام المَدِيح

ليمتزِجَ الثَّلجُ بالنَّار

حتى نزوِّجَ ما بيْن رِيحٍ ورِيح

ونمضِي إلى لحْظةِ الاكْتمالِ

***

أنا مثْل كلِّ الرِّجالِ

و إنْ لم أقلْ...

مثل كلِّ الرِّجال: أحبُّكِ

فالحبُّ عنْدي يمَارَسُ

كي لا يُقالْ

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأصفار

 

تقديم

الاصفار،هو عنوان القصيدة الجديدة للشاعر الصديق الدكتور المولدي فروج الذي لا نحتاج إلى التذكير بمجموعاته الشعرية الصادرة عن دور نشر مختلفة كما لا نحتاج إلى التذكير بخصوصية قصيدة المولدي فروج وتفرّدها منذ البداية وحتى الآن إنما نحتاج بمناسبة هذه القصيدة التي ننشرها إلى التذكير بإصرار الشاعر على الذهاب بعيدا في نفس النهج الشعري الذي رسمه لنفسه وهو نهج بكر وأرض لم تطأها قدم.فالمولدي يمشي وحيدا في مسالك وعرة حيث لا تقع خطاه على خطى غيره.قد تكون هذه المسالك صخرية أو رملية أو بحرية أو لا تفضي إلى أية جهة ولكنها مسالك يختارها ثم يسميها...

لست ناقدا ولا ادعي ذلك ولكنّني من فرط إعجابي بالقصيدة أردت أن أهذي قليلا مثلما يهذي أي قارئ أو مشاهد أي عمل إبداعي يروق له يتذوقه أو يبهره وقد لا نجد سببا موضوعيا لهذا الانبهار ولكن العمل الإبداعي يحتاج دائما الى قارئ عاشق وليس إلى ناقد جزار...

وقد يكون عنوان هذه القصيدة " الأصفار" عنوانا لا يلائم طقس القصيدة، ولكن القصيدة تلائم طقس المولدي فروج وطقس العرب والعروبة وطقس الخيانات وطقس الفضيحة والنفط الذي صار طعمه طعم الدماء...

الشاعر عبد الله مالك القاسمي

( جريدة الاخبار .تونس )

لكِ الآنَ ما يتبقَّى من الحِقْد

فانفعِلِي

لكِ الوجْهُ يسودُّ

عندَ التآمُر ضِدّي

فمُدِّي

بنفْطِك للقلْبِ إني احْترقتُ

وأرجُو اشْتعالَك مثْلي

وقومِي كمنْ طردَ الوهمَ

أو فاطْردِيني على عجلٍ

آه...تبْغين مزْجَ دمي بالتُّرابِ

أباركُ حبَّك لي

وتبغينَ بيْع دمِي بالشّرابِ

ألمْ تخجَلي؟!

وتبْغين ملْحَ الأمانةِ

نحْن اتفَقنَا على الشّكِّ

ثم انقَسمْنا على قابِ قوْسينِ منكِ

لك الآنَ من يشتهيكِ

***

أنا نادمٌ

مثل زوْج يغارُ على عاهِرٍ

نادمٌ

والبغايا أصنِّفهنَّ

على شكْل هضبةِ رمْلٍ

على رأسِها خادمٌ

نادِمٌ

أنعتُ الأهلَ بالصِّفرِ

ـ وهل يسْتحقُّون أكثر؟ ـ

ففِي الذُّلِ ترْكتهُم

والنَّصيبُ من العهْرِ

حتّى الخيامُ التي انتَصبتْ لتُظلّلَ غاصِبَها

كنتُ أعْرفها

إنّما لاخْتصارِ المسافةِ

كابَرتُ...

لمْ تكبُري

قادمٌ

أشْعر أنّي على الأرْضِ

ضيْف

وما كان لِي أن أصدِّق وجْهي

ووجهُ العروبةِ طيفْ

أنا قادمٌ

لستُ أعرفُ كيفْ

ولكنَّني لن أكونَ

كما يشْتهُون

سحابةَ صيفْ

أنا قادمٌ

عاشقًا ربَّما

او على حدِّ سيْفْ

أنا قادمٌ

لستُ وحْدي

فلِي صاحبٌ وألُوفْ

فهَلا طلعتِ من النَّفطِ غاضبةً

أو معربدةً مثل نافورةِ النّارِ

أني

وهذي الألوفُ احْتَرقْنا

جريْنا إلى الاحْتراق

وما زال أغْلبَنا

يتوضَّأ بالانْتمَاء

ويركعُ للحجرِ الأسودِ

يا أرضُ هل أذِنَتْ بالجِهاد السّماء؟

نحنُ شعبٌ

تُرى برْبرٌ؟

أم عربٌ؟

أيّ نعتٍ يلائمُ حالتَنا

منذُ بدءِ الجهالةِ حتى انفِصامِ الجهادِ

إلى الإنْعتاقِ

ترى أيُّ لوْنٍ؟

يؤرِّخُ حصَّتنا ثم يَمضِي

إلى ساعةِ الاحْتضارِ

إلى لحظةِ الانفجارِ

إلى...

آه لو تسْمحينَ

أقولُ انتصَاري أنا...

كنتُ أحسبُ أنّ الزَّمانَ الذي

سوفَ يأتِي.... لنا

والمكانَ الذي سوفَ يحْلو

سيحْنو

على نخْلنا

كنتُ أحسبُ أن الفراتَ ودجلةَ

لم يبْقيا في العراكِ وحيدَيْن ...مِثلي

ظننتُ العروبةَ دربًا

وعاديتُ جدِّي الذي ماتَ

عن غيْر حربٍ

ولطَّختُ وجْهي على بابِ تاريخِنا

كنتُ وما زلتُ

ضدِّي يصارعُ ضدِّي

وجدِّي يجنِّدني ضدَّ جدِّي

وأرضي تصدُّ يدِي

فلا مصْرُ مصْر

ولا النّيل نِيل

وما كان لي أن أصدِّقَ

من كنتُ جرَّبتُهم في اتِّجاهِ الجَليل

فصلُّوا صلاةَ الجماعةِ في القدْسِ

حتى يفيقَ القَتيل

***

ليَ الآن متَّسعُ الوقْتِ حتّى

أؤسسَ وقتَ الصَّراحةِ

أمشِي تجاه الفضيحةِ

مرتفعَ الرّأسِ

كالملكِ المتجبِّر

يُخلعُ حيًّا

وإمّا يُقاتل حتّى يمُوت

فيا رحمةَ الموتِ

هل إن في النَّفط طعمُ الدِّماء؟

لي اليومُ/ أختار أن أرْتَديه

ولي بلدٌ طافحٌ بالرّياح

تدورُ العمائمُ حوْلَهُ

في شكل مشنقةٍ

آه...إني رأيتُ العمائمَ

تلتفُّ حولَ الرّقابِ!

وتومئُ للموتِ

خذْ وطَنا تشتهيه

لي الوقتُ كي اشْترِيه

فكيف يعَابُ علي

إذا وطني أشتريه؟

وقد غلّفته العمامة

حتّى متى جهِّزت علبُ الصّادراتِ

تخلَّت عن الحربِ تلك النعامةُ

قالتْ:

ـ لكمْ في القصاصِ حياةٌ

ولن يستطيعَ التهوُّر فكَّ الكَمامة

سيَصمتُ حتمًا...

أنا...صامتٌ

ودمِي يختفِي دونَ نبْض

أنا ...

صامتٌ والكلامُ

عن الوطنِ المتأزِّم فرضٌ

أنا سائل:

ـ آه...يا أرض هل أنتَ أرْضْ

ستشتَعلين كما بئْر نفْط

ستنشغلين عن العشْق بالاحْتراق

فماذا تكونينَ

      إن ماتَ منك العِراقُ؟

وماذا نسمِّيكِ؟

أرضًا بدون عِراقْ؟

ونحن انْتدبْنا الطريقَ

ولم يبقَ غير انْعِتاقِ الرِّفاقِ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حائط المبكى

 

كأنَّهُم يبْكونَ

يا دمِي عليك

وهلْ في الأرضِ ما يهُون

كالدَّم المطْعون؟

لو أنَّني بكيْتُ مثلهُم!

وكم بكيْت !!

لا من أجلهِم

لكنّني بكيتْ!

يا ألفَ خيْمَة وخيمَة بنيتْ

كفّي عنِ الصِّراعِ ضدَ الرِّيح

هيّا مَعي...ورافِقيني أيْنما مشيْتْ

الأرضُ ليسَت ملكنا

والأرضُ صارتْ شكَّنا

حتى وإن تشرَّبتْ دِماء

لن أدَّعي بأنّني أصونُ...

                 أصونُ لا أخونُ

لو كنتُ جقًّا هكذَا

ما كان لي دمْعٌ يهُون

وها أنا رأيْتهُم يبْكُون

من أجل ماضٍ...قد مَضى

أم حاضِري

يا حاضِري

ماذا أقولُ؟

كانَتْ لنا حقائِبي

كانتْ معي الخُيول

صارتْ معي متاعِبي

تنمُو مع الحقولِ والفصُولِ

تبدُو لنا الدُّروبُ وعْرةً

أم نحْن نمْضي للْورَاءِ؟

تنطُّ خلْفنا الخيُول

***

يا حاضِري

سأفرّ من عنْق الزُّجاجةِ

كي يخرَّ ليَ القَصيد

يا حاضِري

قلنَا لحائِطهم: تهدَّمْ

لنسِير من قُدس إلى عمْق السَّماء

قلنا لحامِيها: تقدَّمْ

لنقبِّل القدْس الجريحَة في الصَّباح

حتى أو نواسِيها مسَاء

قلنَا لحاضرهم: تألَّم

ها أنتَ تعْرفُ همَّنا

مثْل البُكاء

قلنا لحَاضِرنا: تَكلَّم

كم فيكَ من عرَق الجِباهِ

لكيْ تلطّخَك الدِّماء؟

وتودُّ لو زِدنَاك من دمِنا

ليشْكوا

وتودُّ لو....

جنَّدتَ أعيُننا ليبْكوا

ها أنتَ مثلي شَاهدٌ

همْ علَّموا الأرْضَ البُكاء

والأرضُ صارتْ مثْلهم

تبكِي على وقْعِ السَّماء

والكوْن يبْكي مثلَهم

حتّى الجبالُ تنَادبَتْ

خدًّا بِخدٍّ

كي تواسِي حائطَ المبْكى

تبادلَه الهَوى

يا حاضِري

ها أنتَ مِثلي

ساءَك الضَّحكُ / البُكاء

تبْكي كما يبْكون

إلا أنا

وحْدي كما المَجنُون

ان صدّقْتهم

           .......وَحدي أنا المجْنون

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعترافات المتهم الغائب

 

سأرفُضُها فرْصةُ الحَرْبِ

إن هدَّدتْ بلدِي

سَوفَ أرْفُضها

علَّها الأرضُ تصْرخ مثْليَ:

إنَّ العِراق وحيدٌ

وتمْنحُني شهوةُ الجنْدِ

حصَّتها من جنانِ الشهادةِ

لي الحقُّ

أن أرْفضَ الجَنَّة القادمةْ

لي الآنَ حقُّ التنَكُّر لي

فلا نسبٌ قد يناسِبُ أصْلي

وهذه أصْنامُ مكَّة تركَع لي

ولي شَرفُ الجاهليَّة 

مادامَ في الجاهليَّة وعْدٌ

بأن قرَيْشا سيحْتلُّها الجاهِلي

ولي ترْكةٌ في المدينةِ أسْحبها

لأطهِّرَها

ثم أنْحتُها سورة سُورةً 

من كتَابِ الجِهاد الذي

قد يعودُ إلى بلدٍ يشتهِيه

ويلقِي القتِيلَ على قاتِليه

ويرفعُني شاهدًا كالشَّهِيد

لأقسمَ ألْفا

على مضَضٍ

إن جنْدَ العِراق وحِيد

وكم يكتَوي!!

إذ يصيحُ الصَعاليك

هذي بدايةُ خيبَتنا من يحِنُّ

فيحرسُ خيمَتنَا؟

إن للنَّفطِ رائحةُ العِطْرِ

والعرشُ ...

العرْش نُبقيهِ من عرقِ الأجَراء

فنحن ابتدعْنا الشُّعوب

        فتحْنا الدُّروب

        وهم يدفعُون الرِّبا

***

ونحْن؟ 

لمنْ ندفعُ الشُّهداء؟

أليسَ الذي بِيع لنْ يُسْتردَّ

بغيرِ الدِّماء؟

تخثَّر في الأرْض دمُّ العرُوبةِ

من أينَ لي بدمٍ يتجدَّدُ فيّ

لأرسُمَني واحةً تجمعُ الغُربَاء

فلمْ يبْقَ لي

من خرائطِ حرْب النُّجومِ

سوى رغْبتِي في الوفَاء

أدخِّن سيجارتِي

ثم أدْعو إلى واحةِ القلبِ

ظلَّ القصيدِ

تعالََ

سنقتَسمُ الموتَ في كبْريَاء

تعال نؤذّنْ إلى الحرْبِ

ضدِّي وضدَّك

من خان منَّا؟

............

أنا الآن مُنشرحُ الجسْم أجْثو

على النّار هادئةً لتهَدهدَني

قطعةُ الثَّلجِ ذابتْ

وبغدادُ يُعوزُها المَاء

كيفَ تمرُّ إلى الجمْر تحْتي

لتطْفئَني

ثم ترفعُ عن معصَميّ الصَّديد

..................

***

وأنتَ؟

أما خنتَ بغداد؟

أنتَ الذي نفخَتْ فيك بغدادُ رُوحَ القصيدِ

أما خنتَها؟!

إذ تنامُ على مكتبٍ ليْس لِي

ثم تُسكبُ في ورقِ الذاكرةْ

أنت تعرِف إن الحروبَ ستَحتاجُنا

من جدِيد

وما زلتَ مِثلي

تكرِّ: جندُ العراقِ وحِيد

...............

***

سآتي على غفْلةٍ

لأصارحَ صرْعى الشَّوارعِ

هاتُوا وجوهَ السِّياسة أسألُها:

ـ كيفَ تنتَخبُون الشُّعوبَ؟!

و هل تفهمُون دمًا يتَخثّر حُزْنا؟ّ

لو احْترقَ العَرشُ

وانتصبَ النّعشُ

من يفْتديكم؟

وكنتمْ تبيعُونَنا علَبا

ثم تبْكون للشَّعبِ أن يستردَّ البِلاد

وعن شمْسِ هذي البِلاد

رفعتمْ غرابيلَكم

ليمرَّ العَساكر في ظلِّها

نحْو قلبِ البِلاد

فيا (قلْب) هذي البِلادُ انتظرتُك عمْرا

و لم نبْدإ الحرْب ضدَّ الخيانةِ

أو ضدَّنا ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرق لهذا الجسد المريض

 

من سوف يأتيني بآخر جمرة

من ذيل مصباح يضيء؟

من سوف يقلبها الرّياح؟ ...

للنفخ من ثُقب المواقد

…..

فالنّار آخرها وأولها رماد

من دلّني أو كان بوصلتي

فأطوف أرض الناس بحثا عن بلاد

من ذلّني حتّى توزّعَني الطّوائفُ

كدم القتيل على القبائل

إنّي أعود من وجع الحجارة

من بقايا الحلم

من طعم التّراب

النّكبة الألف انتهت

من قبل أن نجد الصّواب

واستسلمت أمّ الحزانى للصياح

لا وقت لي لأضيع في نحت الرّكاب

بغداد قد سقطت على باب الجحيم

نبتت كزهر الودِّ

من فوق الخراب

عرب يصارعها العراق ــ فقيدهم ـ

وأَحَبَّهم مِللا ولو

فرغ الكلام من العتاب

وتدرّب الكلب اللّسان على النّباح

نخل العراق انحنى

عرق العراق اكتوى

فأيّ دمٍ يسيل بلا جراح

هي ذي المقابر

هل نمرّ على الرّفاق؟

جثث على جثث

هل نمرّ على الرّفاق؟

جثث على جثث

فكم وهب العراق؟

بغداد 1991 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عودة الثلج الماكر

 

سأعودُ

قُلْ يا بابَها المُوصدَ

قلْ لي: هل أعُود؟

تَعِبَ الشّريد

يا فرحَها المَوْعود

كنْ مسْتعجِلا قبْل الوَعيد

تعبَتْ رِمالُ أحبَّتِي

            من خُطْوتِي

وتهدَّمَتْ أوتادُ خيمتِنا الحَديد...

هي خيبَةٌ

إنّي أقول لخيْمَتي:

ـ أيَفرُّ من وهَب الخيامَ

إلى العَبيد؟

ها قلتُها.... هلَّا أعُود؟

أم أنتِ تبْغين المَزيد؟

ـ سأعودُ

قل يا بابَها المرْدُود

يلقَاك الصَّديد

من أشْرع الأبوابَ للرِّيح؟ القصَبْ؟

يا ألفَ جاريةٍ وجاريةٍ لنا

في الرُّكنِ خابيةُ العنَبْ

صُبِّي على نخْب الأمِير

تعبَ الأميرُ من الهَرَب

تعبٌ ويتبَعُني الغضَب

حطبٌ يحاصِرني اللَّهبْ

من سوفَ يشْعِلني؟

والنَّارُ في أيْدي العربْ

يا جبَّةَ الأجْداد ألبسُها

هلْ كنْتُ أخطأتْ في حقّ العمامَة؟

فعلامَ حِقدُ الأهْل يتبَعني؟

وعلام تخْلعُني الزَّعَامة؟؟!

النَّفطُ إرثُ الجاهِ

أوجَده العربْ

والثَلج لُعبَتنا

إذا ما شبَّ في القصْر اللّهبْ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربعة وجوه لرجل واحد

1 ـ السّياسي الخطيب

قالَها:

ـ كيفَ نمْضي من الفاجعةْ

نحْو صومعةٍ

دون أن نرْكب الزوبعةْ؟

فانتَشوا:

ـ إنّ مدْريد تعرِفُ كيف تدثِّرنا

.... دثَّرتْنا

وترْضعنا مثْلما عوَّدتْنا

فقال:

ـ أنعْصرُ زهرًا يَميلُ إلى الذَّوبان؟

كلَّما أحضرتْ زهرةٌ موتَها

نحْتويها لنقْتلها...

بالحنانِ

2 ـ السّياسي العاشق

بلا حسبٍ

لستُ أخْجلُ مما أقُول

بلا نسبٍ

مثلِي الزّهْر يرسُم شَكل الفُصول

بلا خطبٍ

والشَّوارعُ شاهدةٌ

والبيُوتُ التي بايَعتْني

الأكفُّ التي شيّعتني

تمنَّيتُ لو صارَحتْكِ الشّوارعُ

كيف يجيءُ السِّياسيُّ كيفْ؟

بلا حسبٍ

طافحًا بالمحبَّة أو مثل ضيْفْ

وكيفَ تجرَّأ نحْو النِّساء...

ويمضِي كطيفْ

تمنّيتُ لو أعلمتْكِ الشَّوارعُ

كانَ...وصارَ...وأمْسَى...

كزيْفْ

3 ـ السياسي الرقيب

ليْس يعْني بوقفتِه المبْهمةْ

أيّ شيْء

وفي رأسهِ الرَّحْب ألفُ سؤالٍ:

ـ لماذا البعُوض يحُطّ عليْ

ليْس يعْني بوقفَته الدائمةْ

أن يُذيْ

يجْمع التَّائِهين

ويفزعُ كالعَنكبُوت

يهندِس شكْل المدينةْ

ويحضنُها مثلما الأخْطبُوط

ودون تعبْ

يطاردُ أفكَار بعضِ الرِّجال

ويَصطَاد عطْر النِّسَاء

ولا يطلِقُ النَّار

لا يطلقُ النَّار إلا

إذا ما غَضبْ

4 ـ السياسي الواضح

هذهِ الأرضُ تشْربُنا

واحِدا واحدًا ثم تخْضرُّ

تختارُ كيفَ تقاتِلنا

وتشرِّدنا فنخرُّ

تخيَّلتُ أن البِلاد انتَهتْ

مرةً تنتَهي...

كم سأحْتاجُ من خطبٍ

لأعيدَ البلاد إليْ؟

كم سأحْتاج من ذَنَبٍ

لأزُفَّ الرّعايا مَعي؟

هذه الأرضُ مملَكتي

تأخُذ الاسْم من هِمَّتي

ثم تشْربُ، إن عطِشتْ،

من دمِي

أعرفُ الآن أني أشدُّ توازُنها

وهيْ لا تعْرف

سوْف أحْملها

أينَما متُّ / أنصرفُ

خاويَ القلبِ من حبِّها

فهْيَ .... لا تَعطفُ

ـ
هذا الموقع فضاء يسع الجميع فلا تبخلوا عليه بدعمكم وبالتواصل معه خدمة للادب والفكر
Ce site web a été créé gratuitement avec Ma-Page.fr. Vous souhaitez aussi avoir votre propre site web ?
Inscription gratuite