
في الانتظار
الإهداء
إلى النّقّاد المجتهدين الذين يسعون إلى جمع أشلاء المشاهد وتصفيفها وترتيبها ليجعلوا منها جسدا متكاملا كما تخيّله الكاتب.
في البدء كان الانتظار
وقف الوافي منتظرًا دوْره للمثول أمام لجنةِ الانتداب. قاعةُ الانتظارِ تفْتحُ على بهْوٍ فسيحٍ مزْدان بلوحات زيتيَّةٍ وبفوانيسَ كهربائيّة تبعثُ أضْواءً مختلفةَ الألوانِ فتُحوِّل بهوَ الانتظارِ إلى قاعةِ عرْض فنّي. الكراسي المصنوعةُ من الجلْد الفاخرِ تُشْعر الزائرَ بأنّه في قاعة استقبالٍ شرفيّةٍ كتلك الموجودةِ في المطارات أو في القصور الرّسمية. كلّ شيءٍ هنا يبعثُ على الانشراح حتّى الموسيقى الهادئة التي يتخلَّلُها صوتٌ نسائيّ رقيقٌ ينادي من حين لآخر أحدَ المترشِّحين إلى التفضّل بالمثول أمام اللّجنة. اسْتأثر هذا الصوتُ النّسائيُّ بكل الأسماع حتى صار الحاضرون يتلهَّفون إلى نغمته. وبرغم هذا المناخِ الهادئ فإنّ الوافي شعُر بالوحدةِ وبالمللِ فهو لم يعْرِفْ أحدًا من هذا الخلق الكثير الذين هبّوا لقطْع الطريق أمامه. انْتحى ركْنا في القاعة وشدّ ذراعا بأخرى وأسَند بَدنَه كاملا إلى ظهر الكرسيّ. هل حانَ الوقت لأن يصيرَ موظّفا في المدينة؟ وهل سيصبح له أصدقاء وزملاءٌ في العمل يتبادلُ معهم الابتسامةَ في الصّباح وتحيّةَ التّوديعِ عند المغادرة ؟
كيف ستحتضنُه المدينةُ وهل يستطيعُ أن يحتملَ ضوضاءها وأن ينخرطَ في دواليب الحياةِ فيها؟
هل سيقبلُه الناس باللّينِ والسّماحةِ وهو الذي تربّي على قسوة الحياة والغلظة في الرّيف؟
تهادت أفكاره وحملته ذاكرته بعيدا.فرأى أمّه تُدندنُ في أذنيه بلهجتها البدوية أغنية شعبيّة تحفظُها النّسوة في القرية:
"يعِيشْ وِلْدي يعِيش ولْدِي
يِكْبِرْ ويزَيْنْ لي سَعْدي
يعيش ولدي يعيش ولدي
يِتْوظِّفْ ويصَاحِبْ بَلدِي"
ما زالت كلمات الأغنية ترنُّ في ذاكرة الوافي منذ سنين طويلة حتى صار يردُّدها سرّا وجهرا كلّما خلا إلى نفسه. وهاهي تعود إليه من ذلك الزمن الغابر وتفرض نفسها على موسيقى الانْتظار وعلى صوتِ المُضيّفةِ العذبِ.
الآن فقط وبعد كلّ هذه السّنين من وفاةِ أمّه يتفطّن إلى أنها كانت تُسْمِعه هذه الأغنية كلما تهيّأ لمغادرة المنزل قاصدا مدرسته أو حاملا حقيبته عائدا إلى مبيت المعهد. لم يسألْها عن أصل الأغنية ولا عن سبب تعلّقها بها ولم يسألها قطُّ إن كانت تغنّيها في غيابه أم إنها تكتفي بترديدها أمامه لتشحذَ عزيمته وتشجّعه على الدّراسة. فقد كانت تعتبرُهُ جنديّا في حاجةٍ إلى نشيدٍ يستحثّ به خطاه ويرفعُ به هامتَهُ.
واليوم، بعدَ أن أُجْبرتْ شهرزاد على السّكوتِ عن الكلامِ الممْنُوعِ والمباح وصمتَ عصفور الفرحة في حلق الأمِّ فاطمة، صارتْ ذاكرةُ الوافي قادرةً على سحْب الأغنية من قاعِها ليسمعها بصوت أمه... أجل إن الأصوات لا تموتُ مهما طال الوقتُ وقاربَ الزّمانَ اللانهائيَّ فذاكرةُ السّمع أقوى من ذاكرة النّظر ومن ذاكرة اللّمسِ.
حمله صوْت أمّه إلى تلك الفترة المرّة. فرأى نفسه يمشي بخطوات متعثّرة في فناء الدّار وكأنَّ على ظهره حمْلٌ ثقيل. توقَّف فجأة، أرهف السّمع، جذب طبلة أذنه تجاه باب البيتِ حيث تقبع أمّه. أمرٌ غريب يحدثُ الآنَ ويستدعي الانتباهَ.
حاول أن يستردّ من ذاكرته لحنَ أغنيةِ الأمّ المفضّلة. نظر إليها من بعيد...عادت إليه المشاهد تباعا ليعيش الحادثة. تراءى له حزن أمّه الدّفين عاريا يكاد أن يتطاير من عينيها. وضع ما في يديه على الأرضِ ومشى نحوها مركزا نظراته على كفّها التي تشدُّ بها رأسها عن السّقوط. أمّه تعصر دماغها من شدّة التّفكير كأنّها في غيبوبة. اقترب ليبدوَ لها أكثر وضوحًا لكنّها لم تُعرْه اهتماما ولو بسيطًا. كانت منشغلة بشيء ما لم تستطع إخفاءه بل لمْ تُفكّرْ أصلا في ضرورةِ كتمانِه. انحنى ليقبّلها فوقعت شفتاه على دمعة كانت في طريقها إلى فمِ أمّهِ ...مالحٌ دمع هذا الصّباح... مالحٌ وحزين ....
جاء الصّوت الأنثوي الرّقيق:
يرجى من السّيد الوافي ابن علي ابن عبد الله الاقتراب من بابِ مكتب الاختبارِ والاستعْداد للدّخول.
انتفض الوافي كمن يستفيق من حلم مزعج وفتح لنفسه ممرًّا بين الجمع. بعضهم فسح له المجال بدون أن يطلب منه ذلك. ووقف أمام الباب ثم خطا خطوة واحدة إلى الدّاخل وتوقّف ليستكشفَ المكان ويتهيّأ للمواجهة. لم تحن ساعة الاختبار الحقيقيّ فالقاعة لم تزل ملأى بالمدعوّين أمثاله وعليه أن ينتظر إشارةً من أحد أعضاء اللّجنة. لا بدّ أن ينتبه أحدهم إلى مثل هذه الأمور. انتظار الإذن بالدخول دليل على تحضّر الشّخص وحسن أدبه. عليه أن ينتظر إذن. فهم أن المضيّفة إنما نادته ليقترب من القاعة ويستعدّ فقط لمقابلة اللجنة. هرب بنظره إلى الأعلى فطار به واخترق الدوائر والأشكال الجبسيّة التي تزيّن السّقف الأبيض وحلّق تفكيرُه بعيدا في الماضي وحملته ذاكرته بسرعة فائقة وأعادت أمام عينيه شريط ذلك اليوم الحزين الذي ترك بصْماته محفورة في قلبِه كما لو انّها منقوشة في الصّخر.
تبخّر وعْيه لحظات وغامت الدّنيا أمام عينيه واستعدّت نفسه لجلبِ اليوم الذي تذوّق فيه دمعَ أمّه. اعتصر الحادثة اعتصارا حتّى استعاد الموقف ذاته بكلّ تفاصيله. أصرّ على استحضار المشهد لأنّه لم يتعوّد على أن يرى أمّه تبكي أمامه مهما تعرّضت لمواقف صعبة. كانت في العادة تكابد حزنها وتدفنه دائما وتمتصّ دموعها هربا من أسئلته ولا تستطيع. البكاء يقود دائما إلى طرح السؤال: ما الذي أبكاك؟ لم تمتنع فاطمة عن الإجابة كلّما سألها ابنها عن شيء ما. تعوّدت على الصّراحة مع الوافي ومع زوجها عليّ أيضا. كانت تعتقد أنّ مجرّد الحديث عمّا تحسّ به من وجع يخلّصها من ألمه. ورغم ذلك فقد كانت تتعمّد الاخفاء ومصارعة الألم والحزن وحيدةً.
اليوم نسيتْ ترنيمتَها وابتلعتْ كلامها والتزمتِ الصّمت. وقف الوافي لينظر في أمّه لحظات ثم ألقى بجسمه بين أحضانها وأخذتْه نوبةٌ من البكاء. بكى دفعة واحدة. بكى بحرقة كبيرة. بكى بمرارة كما لو أنه لم يعش هذا اليوم إلا للبكاء ولا يملك إلا أن يبكي حتى بلا سبب. البكاء كالمطر أوّله قطر ثمّ ينهمر. تمادى الوافي في البكاء بدون انقطاع وصارت أنفاسه ترتبك وصدره يهتزّ مع كلّ شهقة. صار البكاء يخضّه خضا... إنّه يبكي من أجل أمّه وهذا يمكن أن يكون سببا في حدّ ذاته. لكنّ هذا السّبب لم يقنع الوافي بل زادت حيرته عندما تأكّد من أنّ أمّه تبكي لتعبّر عن وجع دفين تريد أن تتخلّص منه أمام ابنها. كأنّها تتعمّد أن تلقي بوجعها عليه قبل خروجه إلى المعهد. وهذا الموقف أحرجه كثيرا وآلمه.
ما الذي أحزنها؟ لم يتذكّر شيئا محدّدا. فأبوه غادر المنزل منذ الصّباح على غير خصام: أفطر ثريدا كعادته وقصد ربّه بحثا عن عمل وحتّى إن لم يجد شغلا سيسارع كالعادة في العودة إلى المنزل ليعمّر رأسه بكأس الشّاي الأحمر ويترك أمر الرّزق على الله.
تقدّمت الفتاة المضيّفة منه ومدّت إليه باستمارة ورجته أن يعمّرها قبل الدّخول إلى اللّجنة. تناول الورقة فأمضى في أسفلها وترك الأمر إلى حين خوفا على إضاعة خيط العودة إلى ذلك اليوم الذي تذوّق فيه دمع أمّه المالح. هل معايشةُ الذّكرى الحزينة أهمّ من لقاء اللّجنة الذي جاء من أجله؟ ربّما، فالعاطفة تغلب العقل أحيانا وخاصة عندما يتعلّق الأمر بالأمّ.
أحسّ بيد تدفعه برفق على الحائط ففسح الطّريق أمام شابّ كان خارجا للتّوِّ من قاعة الاختبار. تعمّد اعتراضه وهمّ بسؤاله عن اللّجنة و شكل معاملتها للمرشّحين ولكنّ الشّاب لم يترك له فرصة الكلام فاندفع مغادرا وعلامات الغضب ترتسم على وجهه وتوسّع عينيه. عاد الوافي يعُدّ دوائر الجبس التي تزين سقف القاعة ليستحضر الذّاكرة لكنّها رفضت أن تنصاعَ له فقد صار ذهنه مشتّتا وتركيزه منقسما ما بين ماضيه وحاضره وما بين أمّه واللجنة.
لم يكد ينتهي من تعمير الورقة حتّى كانت أمّه حاضرة مرّة أخرى من خلال الاستمارة فكتب اسمها حيث يجب فعادت صورتها فجأة.
وقفت لتذكِّره بشيئين: بالكنز الذي لا يفنى وبمفتاح الفرج عند الشّدائد.
ــ كنزك الذي لا يفنى هو القناعة. أليس كذلك يا أمّي؟ سألها الوافي مرّة.
فأجابته:
ــ القناعة كنزٌ لا يفنى يا ولدي لأنّه كنز من الوهم أمّا الكنز الذي أعْنيه فهو طاعة الله ورضاء الوالدين.
هذا الكنز لم يمتلكه لا سليمان ولا قارون. هو بسيط جدّا ولكنّه مفتاح لكلّ الأبواب ومخرج من كل الورطات ونجاة من كل الشّرور. قل في سرّك يا ولدي: اللهُ ورضاء الوالدين وأعدها سبع مرّات كلما ارتبكت أو واجهتك مشكلة أو خِفْت من وقوع شيء تخشاه.
انقشع الضّباب عن الذّاكرة فانفتح الفضاء شاسعًا وعاد الوافي إلى ذلك اليوم.
نظر في عيني أمّه ككلّ مرّة ثم أسرع إلى حقيبته ففتحها وأفرغ ما فيها من أشياء ونثرها هنا وهناك. لم تشأ أمه أن تمنعَه حتّى لا يزداد توتّرا بل اقتربت منه ووقفت صامتة إلى أن أفرغ زاد غضبه ورمى بالحقيبة داخل البيت ومشى نحوها واقترب حتّى كاد وجهه أن يلطم وجهها. نظر في عينيها بعمق وتمتم:
ــ الآن يمكنك أن ترتاحي؛ قرّرت ألا أذهبَ إلى المعهد، سأنقطع عن الدّراسة.
تنهّدت أمّه وقالت:
ــ انَّك تعذّبني أكثر عندما تفعل هذا أمامي. ليتك لم تسألني لماذا بكيت. فهل ستسألني الآن عن العذاب الذي أحسّ به وقد ألقيتني في هذا الجحيم؟
لم يجد الوافي حجّة يقارع بها صراحة أمّه فخرج يجرّ خطواته على الطّريق التّرابية دُونما وجهة محدّدة.
غبار الخريف يملأ أنفه وينساب على شَعره فيرفع يده من حين لآخر ويحكّ جلدة رأسه، يتوقّف دون موجب ويعاود سيره من جديد وكأنّه مشدود إلى هدف ما لكنّ هذا الهدف يظلّ مترنّحا ومتأرجحا بين الغموض والوضوح. يمشي بعض الخطوات ثم يعود من حيث أتى يكرّر العمليّة عدّة مرّات وكأن مسًّا من الجنون أصابه. فجأة لمح أبَاهُ قادما من بعيد، عرفه بمشْيته قبل أن تتّضح صورته، أسرع في مغادرة المكان إلى وجهة أخرى ليتحاشى لقاء أبيه فلعلّه بصدد البكاء هو أيضا. مشى في طريق مغاير فرأى أباه يغيّر بدوره وجهته. تسمّر في مكانه وراح يراقب المشهد من بعيد. انّه مشهد مثير حقّا ومؤثّر إلى حدِّ البكاء. رأى والده يحتضن أخته فائزة ورآها تخلع فردتي خلخالها من ساقيها وتسلّمهما إليه. ورآه يعود مسرعا من حيث أتى وهو في قمّة النّشوة يكاد أن يقفز من الفرحة. ورآه يجري كما لو أنّه شابّ يسابق الرّيح. ورآه لا يتوقّف ورآه يغيب عن أنظاره، جرى الوافي إلى عمّته بعد أن تضاءل شبح أبيه فاحتضنته بدورها بحرارة وقبّلته. أحسّ بدمعتها تنزل على خدّه. استعذبها وهي تذوب بين شفتيه وتذوَّق ملحَها ثم ترك حضن عمّته بسرعة ووقف كالرّجل الغاضب أمامها.
ــ أنت أيضا تبكين يا عمّتي.
ــ سامحني عزيزي الوافي، لم أحتمل دموع أبيك.
ــ ولماذا بكى أبي؟ أرجوك أخبريني عن سبب بكائه فأنا تركت أمّي تبكي أيضا بدون سبب أنا أعرف أنّهما يبكيان من أجلي. أليس كذلك؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل يا عمّتي؟ هل يكفي أن أبكي مثلكم جميعا؟
قالت فائزة بعد أن أجلست ابن أخيها على ركبتها:
ــ لقد رأيتَ بأمّ عينك يا بني لهفة أبيك على جمع ما يلزمك من أموال للعودة إلى المعهد. المسكين لم يجد من يشتري منه أكداس الحجارة التي قضى فصل الصّيف في قطعها من باطن الأرض تحت أشعّة الشّمس. رأيته يسرع ويلهث من أجل إحضار المال سلّمته خلخالي ليرهنه في حانوت الحاج مقابل ما يلزمك يا ابني، ستذكر ذلك عندما تكبر لتعيد إلى أبيك فرحته إذ لا شيء يطفئ حزنه غير نجاحك. تذكّرْ ذلك جيّدا فإذا تذكرته لن تبكي أبدا بل ستبتسم وتضحك.
نزل كلام العمّة على الوافي نزول القمر دفعة واحدة على ليلة مظلمة فأضاءها وأحسّ بقلبه يرتعد وتملّكه الارتباكُ. عاد مسْرعا إلى المنزل وجسْمُه يسَابق قدميْه. وحين وصل انْهال على الحقيبة كالمجنون يملؤُها من جديد بدون ترتيب أمام دهشةِ أمّه التي لا تزال تضع رأسها على كفّ يدها اليمنى وهي سارحة في ملكوت الله تفكّر بصمت وتعيش مرارة حزنها بدون دموع. اقترب الوافي من أمّه بعد أن أعاد ترتيب حقيبته وقبَّلَ جبينها،
أما الآن فيمكنك أن ترتاحي حقّا إذ يبدو أنّ أبي تدبّر الأمر بخلخال عمّتي فائزة. انتهى الحزن ورجع البطل سالما غانما هيّا اضحكي وإلا بكيت معكِ ولن أسكت حتّى تلبس عمّتي خلخالها من جديد.
قالت الأم:
ــ لقد فكّر في ذلك منذ البارحة بعد أن يئس من بيع الأحجار ولكنه ترك عمّتك لآخر المطاف، انّه لا يريد أن يُحرجها. لم تنتبهْ إليه ولم ينتبهْ إليه أحد سواي. مرّ أسبوع أو أكثر وهو يعرض للبيع جهد فصل كامل ولا أحد يشتري. قضى كامل الصّيف يقطع الحجارة ويصفّفها ويبنيها. يزنها بعينيه ويبني مع كل متر منها الأمل في أن يرى ابنه يلتحق بالمعهد بملابس لائقة وبجهاز كامل من الكراريس والكتب والأقلام. كبر الأمل وحين حان القطاف ذبل عوده فجأة وانهارت صفوف الحجارة ولا أحد يشتري.
أضافت فاطمة وهي تودّع ابنها:
إذا كان الجوع كفرا يا ولدي فماذا نسمّي الفقر؟ أليس الفقر هو الأب الشّرعي للجوع والحاجة؟
لم يستطع الوافي أن يجد كلاما يقوله لأمّه ومضى. ومضت سنوات الدّراسة الثّانوية وعاد الوافي محمّلا بشهادة في ختم الدروس علّقها على جبينه وراح يدقُّ الأبواب بحثا عن عمل. قابل أصحاب الجاه وسماسرةَ الأعمال ووعد المرتشين بمنحهم أكثر مما يطلبون عندما يتسلّم أوّل راتب ولكن لا أحد منهم يبيع تدخّلاته بالتقسيط ولا بالتّأجيل فقد فهموا جميعا أنّ الوافي لن يعطيهم شيئا لأنّه لا يملك شيئا وقد يَمضي وقت حتى يردّ ما تراكم على كتفيه من ديون.
خاط كلّ الشّوارع المؤدّية إلى العمل والمعامل ولم يجد بدّا من أن يحطّ ركابه فطوى شهادة التخرّج ووضعها في جيب سترته وجالس البطّالين في المقاهي وتحت الحيطان وعلى عتبات المنازل وانخَرط في الأحزاب التي تعِدُ في برامجها بالتّشغيل وانتهتْ حملاتُ السّياسة وعاد يدقّ الأبواب إلى أن حطّت به الرّحلة في هذه القاعة.
الوقت يمرّ بطيئا وثقيلا خاصّة في حالات الانتظار... الانتظار ...غول يعيش مع الوافي أُجْبِر على معاشرته إلى أن أصبح يشكّ في أنّه خُلق فقط من أجل الانتظار ولا شيء غير الانتظار... ربّما...ألم يقل له رجل الدّين الذي يجالسه كل عشيّة جمعة إنّ الإنسان خلق من أجل انتظار الحساب في اليوم الآخر وإنّ غدًا لناظره قريبٌ وإن السّاعة آتيةٌ لا محالة وإنّ حياة الإنسان تبدأ بالانتظار وتنتهي به أيضا.
كل أشياء الدّنيا والآخرة قائمةٌ على الانتظار: انتظار الولادة والمولود وانتظار النّجاح وانتظار الحافلة وانتظار الوظيفة وانتظار العروس وانتظار المطر وانتظار القطار في محطّة نائية وانتظار الموت وانتظار البكاء وانتظار اليوم الآخر وانتظار أن يفتح الباب على المجهول فهل خلقتُ أنا الوافي ابن علي ابن عبد الله لأنتظر؟
أنا أكره الانتظار وسأغادر. سأجعلهم ينتظرونني. سأنْعم بمشاهدتهم يديرون أصابعَهم في انتظار الوافي. سأسخر منهم وهم يضيعون الوقت ويطيلون النّظر إلى الباب. ثم يكتب مقرّر لجنتهم: انتظرنا السّيد الوافي بما فيه الكفاية وانسحبنا.
تململ الوافي في جلسته واستعدّ للمغادرة وبدا قلِقا وراح يفتّش عن مكان يتخلّص فيه من الورقة فلم يجد سلّة مهملات في مرمى عينيه. رفعها ثم طواها في حركة غاضبة ودسّها في جيب سترته وهو يلعن في سرّه قولة مدرسه: تعلّم كيف تنتظر دورك في الصّفّ قبل الدّخول إلى الدّرس وقبل ركوب الحافلة وقبل الذّهاب إلى بيت الرّاحة في المدرسة فالانتظار سلوك حضاري من شيم الكبار.
ألم يقل له ذلك المدرّس أيضا إن انتظار الامتحان أصعب من إجرائه وانتظار الخطر أمرُّ من تجربته.
ــ تفضّل بالدخول والمثول، قالت الآنسة المضيفة للوافي وكفّها مبسوطة تجاه اللّجنة.
انتفض كمن يستفيق من حلم مزعج ورمى يده في جيب سترته فلم يجد ورقة الاستمارة. دفع الشّابَ الواقفَ إلى جانبه واختطف من بين ساقيه الورقة ودلف إلى داخل القاعة.
حانت ساعة الحسم يا وافي.
2
انتظار الخوف أصعب من الخوف
مشى الوافي صامتا منتصب القامة شامخًا رافعا رأسه متعاليا محدّقا في أفق افتراضي تخيّله ما بين السّقف والبلاط. لم يتعوّدْ على المشي بكبرياء ولم يجرّب التّفاخر ولكنّه أصرّ عليه هذه المرّة فأجاده، ربّما فرضه الوضع عليه فرضا أو تحاشى نظرة الاحتقار التي قد تصدر من هنا أو هناك، فالدّنيا مظاهر كما تقول العامّة. هكذا يجب عليه أن يبدو أمام اللّجنة حتّى لا يحتقره عضو منها. لا يريد أن تبدو عليه علامات المذلَّة أو المسكنة. إنّه جاء ليشارك في مناظرة انتداب بشرف وهمّة ولم يجئ ليشحذ مساعدة من هيئة الفرز ولا عطفها. اختار المكان الوسط المقابل لأعضاء اللّجنة وكانوا ثلاثة لا غير، حيّاهم فردّ رئيسهم التّحيّة وأمره بالبقاء واقفا طيلة الاختبار ثم سأله عن اسمه الكامل.
فأجاب: الوافي ابن علي ابن عبد الله وابن فاطمة.
ــ أين ولدت؟
ــ ولدتُ شتاءً في قرية أولاد الصغيّر في السّاحل التّونسي.
وأضاف رئيس اللجنة:
ــ سنطلب منك الآن أن تجيب بسرعة وبدون تفكير عن كلّ أسئلتنا فهل أنت مستعدّ.
ــ نعم قال الوافي
ــ خذ نفَسا وتهيّأ.
استعدّ الوافي للمناظرة كما لو انّه متأكّد من ربحها وقال:
ــ أنا جاهز يا سادة.
وقال رئيس اللّجنة:
ــ تهيّأ كما يجب.
ــ أنا جاهز يا سادة.
وأضاف عضو اللّجنة:
ــ كُن هادئا لتتحمّل الأسئلة.
فهم الوافي أنّ اللجنة تلعب على أعصابه وتختبر طاقة تحمّله وبرودة دمه. هو بدوره توقّع منها بعض الاستفزازات. فأعاد نفس الجملة:
ــ أنا جاهز يا سادة.
علّق رئيس اللجنة:
ــ يمكن لأي عضو من أعضاء اللجنة أن يسألك وعليك أن تجيبه أيضا فهل أنت جاهز لكل الاحتمالات؟
ــ أنا جاهز يا سادة.
قال رئيس اللّجنة مرّة أخرى:
ــ ومتى نبدأ؟ قل لنا.
ـ متى يشتهي رئيس اللجنة ... أعتقد أنك أنت سيدي.
ــ يبدو أنك ذكيّ يا وافي.
ــ ربّما يكون ذلك. هذا شرف لا أدّعيه.
ــ لماذا لم تواصل دراستك الجامعيّة؟
ــ لِقلّة ذات اليد.
ــ ومتى انقطعت؟
ــ منذ خمس سنين.
ــ وماذا فعلت طيلة هذه السّنين؟
ــ تزوّجت.
ــ لماذا تزوّجت وأنت بطّال؟
ــ لأنّ زوجتي تشتغل.
ــ كم عدد أطفالك؟
ــ ذكرته في الاستمارة. ليس لي أطفال.
ــ لماذا؟
ــ لسبب أجهله ولم يتوصّل إليه الطّب.
ــ هل تحبّ زوجتك؟
ــ نعم
ــ متى تنام إليها؟
تدخل العضو الذي على يمين الرئيس:
ــ متى تضاجع زوجتك؟
ــ عندما لا أكون نائما.
وتدخل الذي على اليسار؟
ــ يعني... في النّهار أم في الليل؟ بلغة أخرى متى يروق لك النّوم إلى زوجتك؟
ــ آ.فهمت...بدون برنامج مسبق. كلّما راق لأحدنا ذلك. ينزل المطر دون أن يستأذن من الشّمس ولا من القمر يا سادة.
رفع رئيس اللّجنة يده ليشير على الوافي بالصّمت فقد تعالت أصوات النّاس خارج قاعة الاختبار إلى حدّ ضايق اللّجنة وشوّش على الماثل أمامها وسُمِع صوت الفتاة وهي ترجو من الحاضرين الالتزام بالهدوء ومساعدة اللّجنة على القيام بمهامها وتعدهم بأنّهم سيمرّون كلّهم على سكّة الاختبار.
اندفع أحدهم داخل القاعة ووقف مقابل رئيس اللّجنة منتفِضًا ومحتجّا فقد بدا له أنّها خصّصت وقتا طويلا لسماع الوافي. صرَخ في وجه أحد الأعضاء:
ــ ما معنى أن تقضّوا صباحا كاملا مع رجل وتهملون البقيّة؟ لسنا كومبارس لتزكّوا بنا قراراتكم.
ردّ عليه رئيس اللّجنة:
ــ تفضل. ما اسمك
ــ صالح ابن عمار الغريب الذي يكره الانتظار الأبيض، ردّ الرجل ....
تمالك رئيس اللّجنة نفسه وبدا هادئا وبحث قليلا في حزمة الملفّات التي أمامه على المكتب فأخرج ملفّ الرّجل الواقف وشرع في طرح أسئلته عليه.
ــ تريد أن تعمل حارسا ليليّا؟
ــ نعم في هذه الإدارة بالذّات فأنا أقطن قريبا منها ومتأكد من أنني سأنفعها.
ــ لكي تحرسها من بعيد، وأنت في منزلك. أليس كذلك؟
ــ لا، ليس كذلك ولكن لكيلا أتأخّر في الحضور إلى عملي.
ــ وترغب في راتب ...
ــ إذا لم تر مانعا.
ــ أحسنت...سنرى...سنرى.... سنرسل إليك حالما نحتاج إلى عمل، عليك بالانتظار قليلا أو ربّما كثيرا وقليلا...رقم هاتفك معنا... تفضّل امض هنا.
ومدّ رئيس اللّجنة إلى الرّجل الواقف أمامه بورقة فأمضى وغادر القاعة وترك الباب مفتوحا وراءه ثمّ عاد مسرعا إلى الخلف وتوجه إلى الوافي:
ــ أنت...يا هذا.
ــ اسمي الوافي ولست هذا.
ــ أنت... ألا تسرع مثلي في الاختبار فتريح النّاس من مشقّة الانتظار؟ أم ستنتظر النّتيجة هنا...انتظر...أو تعلّم الانتظار.
لم يرغب الوافي في الردّ على استفزاز الرّجل فاكتفي بابتسامة فرح بها رئيس اللّجنة وأشار إلى الوافي برفع إبهامه معجبا ببرودة دمه وبترفّعه عن الرّدّ.
التفت أحد أعضاء اللجنة إلى الوافي وواصل طرح الأسئلة وكأن شيئا لم يحدثْ.
ــ كم تنام من ساعة في اليوم يا وافي؟
ــ خمس أو أربع.
ــ هل يعجبك النّوم في اللّيل أم في النهار؟
ــ النّوم نوم ولو على حطب أو رخام.
ــ لماذا اخترت أن تترشّح للعمل في إدارتنا؟
ــ لأنّني أبحث عن عمل؟
ــ وهل ترضى بعمل ليليّ؟ يعني أن تحرس الإدارة في الليل؟
ــ انّه عمل مشرّف.
وهل تخيّره على أعمال أخرى؟ الفلاحة مثلا أو البناء أو أيّ عمل يوميّ آخر؟
ــ مشكلة شخصيّة، حلم قديم أتمنّى أن أجد الفرصة لتحقيقه.
انتفض رئيس اللّجنة وانقضّ على جواب الوافي كما ينقضّ نمر جائع على فريسة. كأنّه كان يبحث عن مخرج من ورطة فأسعفه بها الوافي أو يجتهد في التقاط جرعة هواء فنفخها عليه سأل ...
ــ ماذا تقصد بالحلم القديم هل كنت تأمل في أن تشتغل حارسا يا وافي؟
ــ الحلم يكبر مثل الأمل ولكنّه يختلف عنه.
ــ وما الفرق بين الحلم والأمل؟
تململ الوافي واقفا وازداد ثقة في نفسه وبدأ في تقطيرِ حديثه تقطيرا على سامعيه إلى أن تأكّد من أنّه حاز اهتمامهم الواحد بعد الآخر بطريقة لا تخلو من تأثير يعجز عنه كبار المنوّمين. قال:
ــ الحلم يا سادة نعيشه رغما عنّا وأمّا الأمل فنختاره وننتظره أو نسعى إليه...الحلم ينزل علينا ويفرض نفسه بدون استئذان وأما الأمل فنصنعه ونتحكّم فيه بل ونحدّد له هدفا يليق بالحلم إذا سبقه. الحلم يتغيّر لونه ومذاقه ووزنه أما الأمل فلا يمكن إلا أن يحملنا على جناح وحيد هو جناح الفرح...
الأمل كلّ لا يتجزأ أما الحلم فأجزاء لكل.
ــ أعدها ،أعدها عاليّا وببطء لأسجّلها، صاح رئيس اللّجنة وقد أخذته نوبة اعجاب بما قال الوافي.
الحلم يمكن أن ينزل على رؤوسنا كالكابوس أمّا الأمل فينبت فينا ونرعاه ونحمل أنفسنا إليه، الحلم يمكن أن يسبّب لنا أوجاعا أمّا الأمل فقد يشفينا من ألم قد يُخلِّفه الحلم فينا...
خلاصة: الأمل هدف والحلم مطيّته.
انتفض رئيس اللجنة واهتزّ نشوة وإعجابا مرّة أخرى وصاح:
ــ أعدْ يا وافي أعدْ... أو سجّل قولك هذا على قفا الاستمارة.
توقّف مقرّر اللّجنة فجأة عن الكتابة وراح يُرقص القلم في كلّ الاتّجاهات كأنه مايسترو فرقة موسيقيّة.
لاحظ العضو الثّالث أنّ رئيس اللّجنة قد بالغ في الثّناء على الوافي فخاف عليه من أن يؤاخذ على موقفه إذ في مثل هذه الحالات يجب التّغلّب على الانطباع الذّاتي والتّحلّي بالحياديّة والموضوعيّة مهما أبدع الشّخص المختبر فسأل:
ــ تخيّلْ أيّها الوافي أنّني سألتك عما قادك إلينا هل هو الحلم أم إنّه الأمل في الحصول على شغل؟
قال الوافي:
ــ أوّلا أرجو أن تحترمني اللّجنة فلا تناديني: أيّها وثانيا أجيب على سؤال حضرتك بالتّأكيد على أنّ حلم أمّي قادني إليكم. أو لنقلْ إنّه حلم ورثته عنها. كنت بصدد استحضاره وأنا في قاعة الانتظار فزادني شجاعة وكلّمتكم بإحساسي الدّفين فمعذرة إن كنت قد خرجت عن الموضوع فحدّثتكم عن أشياء لا تعني اللّجنة الموقّرة ولا الإدارة. هو إرث من الحلم لم أستطع أن أتخلص منه فعذرا مرة أخرى.
ــ آ آآآ، الحلم يورث عندك ويحمل على الجينات إذن؟ سأل رئيس اللجنة وهو يحاول إخفاء إعجابه.
ردّ الوافي:
ــ كلّ ما أدريه أنّ المسكينة كانت تحلم بي موظّفا أحظى براتب قارٍّ وبمكانة مثل التي يحظى بها أهل المدينة.
ــ كلّ النساء يتمنّين رؤية أبنائهنّ ناجحين فلا يصحّ أن نسمّي هذا حلما، قال أحد الأعضاء،
ــ لا، ردّ الوافي، لأنّ أمّي كانت تحدّثني كلّما أفاقت من نومها عن حلمها الذي تراني فيه موظّفا ساميا في إحدى الإدارات. تحلم بأنّني أرمي إليها بحزمة من الأوراق النّقدية في آخر كلّ شهر فتقبِّل كفِّي وجبيني أيضا. أمّا في اليقظة فلا تنفكّ عن وصاياها بضرورة العمل والنّجاح فيه والبحث عن شغل في المدينة حتى أشابه أهل الحضر وأصبح في عينيها "بلدي" وأتزوّج من فتاة متحضّرة فأجعل لي أصهارا هنالك أشاركُهم في الميراث.
سأل رئيس اللّجنة من جديد:
ــ وبعد؟ ماذا حدث لك؟
ــ تكوّنتْ عندي رغبة جامحة في تحقيق الحلم إلى أن كبرت وأصبحتُ قادرا على استعادته كلما سنحت لي الفرصة وصرت أراجعه كما يراجع التّلميذ درسه قبل الدّخول إلى قاعة الامتحان.
ارقص الرّئيس رأسه معجبا وتمتم كلاما غريبا ثم توجّه مجدّدا إلى الوافي:
ــ كنت تقول إنّك عشت أو استحضرت ماضيك أو حلم أمّك أو حلمك وأنت في قاعة الانتظار هنا. هل يمكنك إعادة ما شاهدت الآن وهل تستطيع أن تفرّق بين حلمك الشّخصي وحلم أمّك؟
ــ ربّما، سأحاول وأترك شرف التّقطيع فلعلّ بعضكم يدرك أنّ الحلم أحيانا يأتي متقطّعا في أجزاء غير متجانسة ولهذا أترك لكم شرف التّرقيع وجمع وربط أشلاء الحلم ببعضها ربطا يستند إلى المنطق تماما كما يجمع المخرج أقسام فلمه.
ــ. نحن هنا لنسمع أكثر مما نتكلّم فحاول أن تستعيد حلمك.
3
الوافي يحسن الربط
للوافي قدرة رهيبة على العودة إلى الماضي البعيد والقفز بسرعة إلى صغره لذلك أوصاه أستاذ اللّغة العربيّة بتنمية موهبته فقد يصبح أديبا ذا شأن فالأدباء هم أقدر النّاس على العودة بسهولة إلى ماضيهم.
انتحى الوافي ركنا من القاعة وصمت فعادت المضيّفة تدعو بعضهم لللدخول إلى اللّجنة.
هي على كل حال لعبة جدّية قد ينجح الوافي في إقناع اللّجنة بها أو في أسوإ الأحوال لن يمرّ من هنا كالآخرين بل سيترك شيئا ما في العقول. أغمض عينيه كأنّه لينام وأسدل ذراعيه وصمّ آذانه عمّا يجري في القاعة فعاد بسرعة إلى ماضيه. وعاد شريط الحلم.
...
لم يتمالك نفسه فسأل أمّه والغصّة لا تزال تهتزّ في حلقه وترجّ صدره رجّا عنيفا:
ــ لماذا تبكين؟ ألمْ تُعَلِّمِيني شدّة البأس والصّمود أمام المصائب ومقارعةَ الفقر والحاجة فأيّهما أبكاك؟
نهضت أمه مسرعة وأخرجت الحقيبة ووضعتها أمام ابنها وطلبت منه تفقّد أغراضه لكنّه أصرّ على إبقائها في مكانها إلى أن تبوح له بسبب بكائها.
ــ أنا لن أغادر هذا المكان قبل أن أعرف الشّيء الذي أبكاك...
ــ ستعرف ذلك بعد فترة.
ــ الآن...أريد أن أعرفه الآن ومنك أنت بالذّات... هل ذهابي إلى المعهد هو السّبب؟
ــ بل عكس ذلك تماما قالت الأم.
ــ يعني...؟
تلكأتْ قليلا ثم صارحت ابنها:
ــ وافي... تدرك محبّتنا وحرصنا على تعليمك وتدرك كم عانى أبوك من أجل أن تلتحق بالمعهد. وأنّك لم تصل إلى هنالك إلا بالتّعب والعرق.
ــ وأنا لم أخيّب ظنّكما في النّجاح والنّجاح لا يأتي إلا غلابا.
ــ النّجاح لا يكفي لإسعادنا يا ابني. النّجاح لا يكفي بل قد يفتح علينا أبوابًا لا نقوى على غلقها أو هي تلقي بنا إلى تيّار آخر لا نقوى على مجابهته. سيجرفنا في سنة ما وسيقتلع الأمل بعروقه من نفوسنا ويزرع مكانه شجر النّدم ...أخاف أن تفهمني. ليس من السّهل أن تتمنّى أمٌّ فشل ابنها في دراسته...
ــ فهمتك يا أمّي فهمت... يمكن أن يسبّب نجاحي لك ولأبي حرجا...حتى النّجاح يتطلب أموالا بل ربّما يستوجب أكثر مالا من الفشل.
ــ سبّبَ ذلك لنا وانتهى ...لكن لا تيأس يا بني ...أبوك يتدبّر الأمر في كلّ مرة.
صمت الوافي واتّكأ على الحائط وراح يجول ببصره في الزّريبة الخالية. بدت الزّريبة حزينة على النّعاج والخرفان التي كانت تملؤها وتبعث فيها الحياة. أكلها الوافي واحدة بعد أخرى إلى أن محاها على بكرة أبيها منذ أن نجح في اجتياز امتحان السّادسة ابتدائي والتحق بالمعهد الثانوي. فصارت الزّريبة مقبرة غرباء لا حركة فيها ولا حياة سوى بعض الدّجاجات تقطعها جيئة وذهابا دون أن تعثر فيها عن شيء تلتقطه.
ــ ماذا لو انقطعتُ عن التّعليم وبحثت عن شغلٍ أخفِّف به الوطء عن أكتاف والدي وأعيد البسمة إلى أمّي وأمسح دموعها؟ ماذا لو رفضتُ العودة إلى كراسي الدّراسة؟ سيكون أفضل ...انّه الأفضل... لا لن يكون أفضل فإن فعلت ذلك ما كنت لأقف الآن أمام لجنة مثل هذه وما كنت أُدْعى لأن أكون موظّفا بلديّا فأحققّ حلم أمي.
عاد إليه وعيه ففتح عينيه ومشى ليقف أمام اللجنة ويحكي للأعضاء رؤيته.
ــ هل أزيدكم يا سادة فأربط الماضي الذي عشته للتّوّ بالسّاعة التي أحياها الآن أم يكفيكم إزعاجا؟
قال رئيس اللجنة:
ــ أنت لم تزعجنا بحكايتك هذه وإنما أمتعتنا حقّا وعلمتنا شيئا جديدا.
وأضاف العضو الذي على اليسار:
ــ لقد تحمّلنا حديثك وقبلناه لأنك تحسن خياطة الحكايات ومن يحسن الحكايات لا يغلبه النّوم بل هو إذا ما أحسن سردها على الآخرين ينامون ويبقى هو يقظا ولا أخفي عليك أنّ هذه القدرة الرّهيبة تساعدك كثيرا في عملك اللّيلي.
وتدخّل رئيس اللّجنة مرّة أخرى:
ــ يمكننا أن نهنّئك بأنّ اللّجنة ستقبلك حارسا ليليّا في الإدارة ولكن قل يا وافي...ماذا وكيف ستعيش أحلامك بدون أن تنام؟ يعني أنك تهدّد نفسك بالنّوم أثناء العمل.
ــ مستحيل قال الوافي، أنا لي قدرة فائقة على تذكّر حلمي وروايته في اليوم الموالي أو بعد وقت. لا أدري كيف ولكن هذا ما أكّده لي طبيب المعهد وأستاذي الذي شجّعني على الحلم دائما وأوصاني ألا أتخلّى عن أحلامي قبل أن تصبح أملا أحقّقه بالاجتهاد والجهد حتّى وإن نمت أو حلمت في النّهار.
نهض العضو الذي على اليمين وتمطّط كأنه ليطرد النوم وتثاءب ثم اقترب من الوافي وحاول أن يختبر ردّة فعله على حدث طارئ فقابله الوافي بالهدوء التّام فتدخّل رئيس اللجنة:
ــ اعتذر لك يا وافي فزميلي أراد أن يختبر هدوءك لا غير.
وتدخّل العضو الذي على اليسار متوجّها إلى الوافي:
ـ لقد حدّثتنا كثيرا عن الحلم ولم تحدّثنا عن النّوم فما هو النّوم يا وافي؟
ــ النّوم حمّالة الحلم وهو أحد أبوابه فان فتح لك باب حلم وأنت نائم قادك إلى فضاء فيه عدّة أبواب كلّ باب منها يفتح على فضاء آخر فيه أبواب عديدة أخرى وهكذا.
ــ إلى اللانهائي؟
ــ ينتهي كل شيء في وقت واحد النّوم والحلم ينتهيان حالما تفتح العينان وتنتهي من الجسم كمية الميلاتونين.
أمضى رئيس اللّجنة ورقة وسلّمها إلى الوافي وهو يقول:
ــ ستكلّف بالحراسة ليلة بعد ليلة بالتداول مع زميل آخر لا يعنيك وقد لا تلتقيان أبدا فنحن في الإدارة لا نصل اللّيل باللّيل.
تدخل عضو اليسار:
ــ لا تنس أن تلبس خوذة العمل عندما تباشر فهي تسجّل عليك أوقات نومك ويقظتك وتوقظك إن أخذك الشّخير. أمامك كاميرا المراقبة تتولّى وحدها تسجيل كل ما يدور في بهو الإدارة كامل اليوم.
وقال رئيس اللجنة:
ــ على أيّة حال لن يكون نومك مريحا على نصف السّرير المعدّ للحراسة.
تسلّم الوافي الورقة من رئيس اللجنة وتثبت فيها بعض الوقت ثم سال:
ــ هل لي أن أعرف راتبي؟
ردّ أحد الأعضاء:
ــ نحن مكلّفون بالانتداب ولا نتدخّل في اختيارات الإدارة ولا في توقيت عملها ولكن يكفي أن تعرف رئيس اللّجنة وهو طبيب نفساني وباحثٌ في مجال العلوم النّفسية. أما حضرة الزّميل الذي على يساري فهو ممثّل الإدارة وهو كاتبها العام ومكلّف بالعَملة وبتوفير حاجيات التّسيير من لباس الحراس وأغطية وخوذات المراقبة وغير ذلك. طبعا. ستنتظرنا الآن خارج القاعة حتى نناديك مرّة أخرى.
مرّة أخرى...سأنتظر.
حدّث الوافي نفسه ولعن الانتظار مرّة أخرى وغادر القاعة من بابها الثّاني حسبما أشار إليه أحدهم فوجد نفسه في مستودع الإدارة ومشى إلى الشّارع المقابل هربا من الانتظار ولم يصله فعاد ليقف غير بعيد عن القاعة لينتظر ورمى أجره على الله في صبر.
...
ما الذي جعله يتذكّر أباه وأمّه وعمّته وقد ماتوا تباعا في نفس السّنة؟
قفزت إليه صورة أبيه وهو يصارع الحجر ليقلّبه وتراءت له عمّته وهي تخلع فردتي خلخالها من ساقيها.... ظلّت الصّور تدفعها الذّكرى أمام عينيه فتدحرج بعضها بسرعة. إلى أن استقرّت على أعضاء اللّجنة وهم يُجرون عليه الاختبار. تسمّر في مكانه برهة من الزّمن وغاص في تفكير عميق ولم ينتبه إلى أحد الأعضاء وهو يشير عليه بالمجيء إلا بعد وقت.
عاد إلى اللجنة متقطّع الأنفاس من شدّة الارتباك.
ــ مالك منزعج يا وافي؟ هل نسيت أن تقول شيئا؟ هل أسأنا إليك؟
ــ لا ردّ الوافي، بل نسيت شيئا أعتبره مهمّا: أردت أن أحيطكم علما به لكيلا يلسعني ضميري.
ــ انتظر، سنواصل معك؟ قال العضو الذي على اليمين.
أسرع رئيس اللجنة في تسريح الرجل الذي أمامه وكلم الوافي:
ــ تفضل أضف ما تريد.
قال الوافي
ــ لقد لاحظت أنّكم تهتمّون بالحلم أكثر من اهتمامكم بالنّوم.
ـ صحيح.
ــ إذن اسمحولي أن أضيف شيئا عن الحلم ...
ــ تفضّل، قال الطّبيب رئيس اللّجنة، أضف ما تريد ولا تترك نفسك عرضة للخجل. كن واثقا من أقوالك ومن إجاباتك حتّى عندما تعترف بخطإ ما. فالمشكلة لا تكون في ارتكاب الخطا وإنّما في الإصرار على عدم الاعتراف بارتكابه. تلك مسألة مهمّة يجب ألا تغيب عنك طيلة مباشرتك لعملك.
الحلم يا سادة واقع شائك وخيال معقّد له أسباب وأبعاد وما بينهما تتفاعل الذّاكرة مع الفكرة ويتآمر الماضي مع المستقبل لقتل الحاضر. الحلم أيضا واقع معقّد ينصهر فيه المحسوس مع الملموس ويتشابك الموجود مع المنشود فيستوي العبد مع السّيد والصّغير مع الكبير وقد يتطاول من خلاله المسكين على صاحب الجاه ويُنزل الحوذي الفارس من سرجه ليركب مكانه.
والحلم أنواع فهنالك الحلم المعقّد والحلم البسيط حلم الوجه وحلم القفا. هذا ما أردت قوله.
ــ أحسنت قال رئيس اللّجنة نشكرك على هذا... يمكنك الانصراف...إلى القاعة المحاذية لتنتظر اللّجنة الطّبّية
ــ أنتظر؟ مرّة أخرى؟
ــ ستنتظر لآخر مرّة ....
أصرّ الوافي هذه المرّة على عدم الانتظار كلّفه ذلك ما كلّفه حتّى وإن غضب رئيس اللّجنة. لا بدّ أن ينتهي فصل الانتظار وتبدأ مشاهدة المسرحيّة. مشى تجاه باب القاعة المحاذية وقد علّقوا على بابها ورقة كتب عليها بالأحرف الغليظة: اللّجنة الصّحّية: الرّجاء انتظار الأمر بالدّخول.
اقترب من الباب حتّى لامسه بكتفه ثم نقر عليه بإبهامه ففتح بسرعة وخرج إليه عون الصّحة وقد ارتدى ميدعة بيضاء صافية دعاه إلى الدّخول ففعل وأغلق الباب من خلفه.
أمره بالتّجرد من ثيابه فامتنع الوافي وسأله عن السّبب.
ــ لنتمكن من فحصك فحصا دقيقا. هي فرصة لكي تعرف حالتك الصّحّية بالمجان... لا تنشغل اترك التبّان فلسنا لجنة صنع الله إبراهيم حتى نعرّيك تماما.
ضحك الوافي وطال ضحكه إلى أن شعر بأنّ العون قد ملّ الانتظار فشرع في نزع ثيابه ثم قفز على طاولة الفحص. أمره العون بالطّلوع على الميزان ثمّ بالجلوس على الكرسيّ ثم بالتّمدّد على طاولة الفحص ثم بكتم أنفاسه ثم بطرح ذراعيه ثم بإغلاق عينيه ثم بارتداء ثيابه ثم بالمغادرة بعد أن سلّمه ملفّه الصّحي.
4
يوشك أن يصبح "بَلَدِي"
لم يتعوّد الوافي على النّوم في النّهار. اليوم اغتنم فرصة خروج زوجته إلى العمل في الحصّة المسائية ونام استعدادا للسّهر القادم. سيحاول أن يخزن قسطا من الرّاحة ليصرفه في الليل. ولكن لماذا ترك أمره سرًّا فلم يعلم زوجته؟ هل ليجعل منه مفاجأة سارّة لها؟ ربّما فهو لم يحمل لها منذ مدّة سوى أخبار الحزن حتى أصبحت تتهيّأ لطلب اللّطف كلما همَّ بإخبارها بشيء يخصّ العائلة.
وقف طويلا أمام المرآة. كأنّه عريس في عشيّة زفافه. سوّى ربطة العنق ومشط شعره على مفرقه اليساري وحكّ أسنانه بمعجون لمّاع جديد ومسح إبطيه بمزيل الرّوائح الذي تستعمله زوجته ثم رشّ عطره المفضّل من القارورة الوحيدة التي يدّخرها لمثل هذه المناسبة. أغلق الباب من خلفه وخرج.
المسافة التي تفصل منزله عن الإدارة كافية لاستعادة حلمه الذي عاشه أثناء نومه في الظّهر لكنّه لم يقدر .... اعتصر دماغه اعتصارا وقطّب جبينه وفرك عينيه ولكن لا فائدة... لقد مرّ الحلم واستقرّت عليه الشّمس وقتا طويلا فأذابته. حلم النّهار يصعب القبض عليه إلا بعناء.
في العمارة المقابلة للإدارة وعلى بعد خمس دقائق من المشي يجلس الطّبيب النّفساني في غرفة مظلمة ينظر بانتباه في شاشات تلفزيّة معلّقة على الحائط كأنه مُخرج تلفزيّ بصدد تخيّر صور للبثّ المباشر. تبدو الغرفة أشبه بمخبر متطوّر بل هي كذلك منذ أن جهّزها صاحبها لتكون مقرّ أبحاثه في علم النفس. تحوي آلات كثيرة لمعالجة الصّوت والصّورة وفيها حواسيب ورفّ لحفظ الكتب والأوراق والمجلّات الحديثة وآخر للأقراص المضغوطة. وعلى الجدران عدّة كاميرات. ترتبط الحواسيب بالات مختلفة ومتطوّرة جدا تقوم كل واحدة منها بمهمّة دقيقة وحسّاسة فهي قادرة على تسجيل دبيب النّمل في ظلام الدّواميس وهي قادرة على فرز الأصوات الرّقيقة واستخراجها من بطن الضّوضاء. وهي قادرة على إعادة التوضيب والتفتيت والتشتيت كلّما اقتضت الحاجة. أمّا الصّور فتجعلها ناطقة من شدّة الوضوح.
استعدّ الطّبيب النّفساني للعمل كما ينبغي فشغّل كلّ الأجهزة وجرّب تفاعلها مع المحيط وسرعة استجابتها للأوامر بالضّغط على بعض الأزرار.
اختار الزّوايا التي تساعد على تسجيل الصّورة المثلى ودرجات تصفية الصّوت وهيّأ شريطا لتخطيط الذّبذبات.
طرق الكاتب العام للإدارة الباب الخارجيَّ لعيادة الطبيب النّفساني فلم يسْتجبْ فسحب هاتفه الخلوي وكلّمه:
ــ أنا قرب الباب يا دكتور.
بعد لحظات فُتِح الباب من الدّاخل فولج الكاتب العام وتبع الطّبيب. شقّ قاعة استقبال المرضى ثم مكتب الكاتبة ثم وصل مكتب الطبيب وهمّ بالجلوس إلا أن الطّبيب أشار عليه باتّباعه.
ــ تفضلْ.
ارتبك الكاتب العام عندما فتح الطبيب أمامه باب الحمّام الشّخصي وهو يؤكّد عليه مرّة أخرى:
ــ تفضّل ... لا تخف اتْبعني...من هنا.
وقف الكاتب العام متردّدا، خائفا إلى أن مشى الطّبيب نحو قاع بيت الحمّام ولم يفهم الضّيف شيئا بل لم يستطع أن يميّز إن كان قد فُتح أمامه باب أم تحرّك الحائط كاملا ليفسح له المجال للمرور فدلف إلى قاعة فسيحة واندفع خلف الطّبيب ينثر عنه دهشته وقد هزّه العجب وأربكه الخوف.
قاعةٌ فسيحة هي أشبه بمخبر لاستخراج الصّور أو لمعالجة الأفلام تختفي كلّ جدرانها خلف رسوم ومجسّدات لجسم الإنسان وأطرافه ورسوم أخرى للدّماغ مبيّنة ومفصّلة تفصيلا دقيقا وعلى الجدران أيضا علِّقت شاشات عديدة. على المناضد التي توزعت هنا وهناك عدّة حواسيب.
انزعج الكاتب العام مرّة أخرى وسأل:
ــ كنت أعتقد أنني في عيادة طبيب نفساني يا دكتور.
ــ وهو كذلك ...ألم تشقّها؟
ــ إلى أن وصلت إلى عالم آخر؟
ــ انّه مخبر للبحث، مخبري الشّخصي جهّزته للأبحاث في علم النّفس والذّات والفكر وكلّ ما يتعلق بالإحساس ذلك الذي نعتقد انّه منفصل عن العالم العضويّ. في الحقيقة هنالك ارتباط وثيق بين العالمين كارتباط العين بالنّظر والمرئي الذي نشاهده بردّة الفعل تجاهه إذ قد نستحسن الشيء الذي نراه فنقرّر السّعي إليه مثلا أو نكرهه فنتجنّبه أو نسرع في الابتعاد عنه. ذلك يؤكّد ارتباط الإحساس بالحركة الواعية. الإنسان في مجمله جهازان أساسيان الجهاز الإرادي أو الواعي والجهاز اللاإرادي أو غير الواعي. أنا سأبحث في الجهاز اللاإرادي ودرجة تأثير الوعي والعالم الخارجي فيه وما هي الأوقات أو المناسبات التي يختلط فيها الجهازان ويتقاطعان وقد ركّزت على دراسة الحلم وعلاقته بالأمل لذلك، وكما لاحظت، اهتممتُ كثيرا بظاهرة الوافي واعتبرته فرصةً عليّ أن أستغلّها دون علمه لتكون النّتيجة صادقة وسأحرص على ألا ألحق به أيّ ضرر. هذا ما أتمنّاه. تذكّر أن الوافي استطاع أن يفصل بين الحلم والأمل وعرّف كليهما تعريفا دقيقا يبرهن عن معايشة صادقة وخاصة تمكّن من التّصرف والتحكّم فيهما كل واحد على حدة.
ــ لاحظت ذلك يوم الاختبار ولاحظت تركيزك عليه وهو يسرد أمامنا حلمه ولكنّني شخصيا لم أصدّق واعتبرت ذلك محاولة للتّأّثير علينا واستمالة لعطفنا.
ــ لا أعتقد أنّ الوافي قد سعى إلى المسكنة أو إلى شيء من هذا القبيل فله عزّة نفس واضحة وقد طالت فترة بطالته ولم يذعن ولم يتمسّح على أعتابٍ ولو فعل لحصل على شغل منذ زمن.
ــ في تقديرك إذن أنّه تمكّن من استرجاع حلم أمه أو أمَلَها بيننا فحكاه لنا بصدق.
ــ بالضّبط أضاف الطبيب ولذلك فإنني سأركز على الحلم كمرحلة أولى وسأعوّل عليك لتساعدني في البحث الثّاني يعني في علاقة الحلم بالواقع.... وطبعا سأجازيك على عملك براتب محترم.
ــ أتمنّى أن أنفع وأن أكون عند حسن ظنّك.
ــ هل لبس الوافي خوذة الحراسة؟
ــ حرصتُ قبل أن أغادر المكتب على أن يكون كلّ شيء جاهزا لديه فالخوذة شغّالة بأقطابها الثلاثة وقد شحنت بطريّتها بنفسي ووضعت عين كاميرا المراقبة مقابل السّرير وأمرتُ الوافي بوضع جهاز هاتف الإدارة بالقرب منه وبأن بغلق هاتفه الجوّال. كلّ شيء جاهز كما أردت.
ــ ذلك أفضل.
نظر الطّبيب في أكبر الشّاشات وهي الشّاشة الرّئيسية التي تتفرّع عنها شاشات صغيرة أخرى مرقّمة ومشدودة إلى الحائط بعناية تخفي خلفها أسلاكًا كهربائيّة مختلفةَ الألوان والأحجام ومتداخلةً إلى درجة أنّه يصعب على النّاظر إليها أن يفهم مساربها.
...
رأى الطّبيب الوافي جالسا في البهو على نصف السّرير ناظرا جهة الباب الرّئيسي كأنّه يكتشفه لأوّل مرّة ثم حوّل نظره إلى عين الكاميرا المعلّقة في الأعلى وهي تغمز بضوءٍ أزرق خافت يوحي بأنّها شغّالة باستمرار.
....
يضع الوافي على رأسه خوذة الحراسة كما يضع خوذة دراجته النّارية قبل أن يركَبَها. يتململ قليلا ثم يستلقي بجسده ويغمض عينيه لينام. يقفز بسرعة ويتناول هاتفه الخلوي يرنّ جرس الهاتف في منزله حيث زوجته سلمى في المطبخ تكاد أن تنتهي من إحضار العشاء تخاطبُه سلمى من هناك.
ــ لا تنس الرّغيف عزيزي ولا تتأخّر كثيرا فأنا في انتظارك للعشاء.
ــ هذه المرّة سأخيِّبُ ظنّكِ متعمّدا وسأترككِ تنظرين وتنتظرين لأنني سأتعشّى خارج المنزل.
ــ كيف؟
ــ لا تجزعي... نامي فربّما تأخّرتُ قليلا. تصبحين على خير سأغلق الهاتف.
أغلق الهاتف وتمطّط قليلا ثم سوّى خوذته واستلقى على نصف السّرير وراح يعدّ على أصابعه في صمْت كما يفعل الطّفل عندما يتهجّى الحساب ثم صار يعدّ جهرا إلى السّبعة ثم إلى العشرين وعندما وصل إلى الثلاثين صاح منتصرا:
ــ انتهى الشّهر ... مات الشّهر وولد الرّاتب. العطّار أوّلا ثم الخضّار ثم الجزّار .... لا لا ... سلمى أوّلا سأصبّ كل الرّاتب في حجرها وأترك لها حرّية التّصرف... سأعيّنها أمينة بيت مال الزّوجية أو وزيرة الماليّة، لا لا الأفضل أن أعيّنها وزيرة الاقتصاد والتخطيط فهي تحذق التّصرّف في مال العائلة وقد تعوّدت على ذلك وتحمّلتني بطّالا فكيف لا تتحمّلني موظفًا وكيف لا تقدِّرني حقّ قدري وهي الزّوجة المثاليّة التي تسعى إلى إرضاء عائلها؟ المهمّ أنّني سأتحمّل مسؤوليّة الإنفاق ويمكنني وهذا الأهمّ أن أنجب أطفالا، إن صدق تشخيص الطّبيب، وسوف يأتي رزقهم معهم بل ها هو قد أتى يزحف إلى هذا البهو لينتظر قدومهم...
...
في العمارة المقابلة حيث يجلس الطّبيب منتظرا، يرهف الكاتب العام سمعه إلى الوافي وهو يحدِّث نفسه بصوت يصل إلى المخبر عبر الكاميرا اللاسلكية ...التفت إلى الطّبيب وقال:
ــ ها ما رأيك؟ لقد زحف عليه النّوم وسيغلبه.
قال الطبيب:
ــ وعَدنا بأنه يقاوم النّوم ويتحكّم فيه.
صمت الكاتب العام وركّز بجدّية واضحة فواصل الطبيب:
ــ لا يستطيع الإنسان أن يقاوم النّوم إلى النّهاية فهو يفرز الهرمونات لينام وبالتالي لا يستطيع أن يرفض تعليمات وأوامر ينتجها دماغه ويعطيها لنفسه.
صاح الكاتب العام:
ــ تثبَّتْ جيّدا انّه شرع بعد في النّعاس.
فردّ الطبيب:
ــ ينبغي ألّا نتابع نومه في الصّورة فقط فتلك مهمة الكاميرا. وهي عملية سهلة لا تحتاج إلا إلى منظار ومسجّل صوت... تعال هنا.
ضغط على زرٍّ من أزرارِ آلة تخطيط الموجات الدّماغية فانساب الشّريط من فمِها كأنه لسان سحليّة يتمدّد في اتّجاه الفريسة. قصّ الشّريط ووضعه على طاولة الفرز ثم تفحّصه وقال للكاتب العام:
ـ انه لا يزال في مرحلة النّعاس...
ــ لا يهُم، سبق هذا ذاك فالمسافة الفاصلة بيننا تبطئ في إيصال المعلومة. قريبا يكون جاهزا للحلم.
رتّب أحمد الكاتب العام بعض شؤونه وجرّب أن تطال يده اليمنى بعض الأزرار حتى لا يضيع الوقت في البحث عنها فأداء الحركات والنّقر على زرّ وإيقاف أيّة آلة أو تحويل فأرة الحاسوب كلها يجب أن تمرّ بسرعة.
قال الطبيب محدّثا مرافقه:
ــ علينا أن نسجّل كيف يعانق الوافي حلمه فقد نحتاج إلى دراسة لحظة المكاشفة هذه فحاولْ أن تتابع معي يا أحمد.
مرّتْ قرابة العشرُ دقائق ولج فيها الوافي من فترة النّعاس إلى الهجوع وبعد أن تراخى جسمه سجّل الطبيب ما يلي:
الفترة الثانية باشر فيها الوافي نومه الخفيف بعد ربع ساعة من نقطة البداية وها هو يدخل الآن في فترة النّوم العميق ثم العميق جدّا. قال الطّبيب وهو يكتب ذلك في دفتر أعدّه لتسجيل المراحل بالثّانية وبالدّقيقة:
ــ كلّ شيء يسير عاديّا ومشجّعا إلى حدّ اللحظة ونحن الآن نرى الوافي في نومه الكلاسيكيّ الذي يضمّ كما نعرف أربعة أجزاء صغيرة تدوم في مجملها قرابة السّاعة أو أكثر بقليل يتمكّن خلالها النّائم من قدر من الرّاحة البدنيّة وهذا ما جعل الوافي يسترخي كلّيا بحثا عن إفراغ تعبه في السّرير وقد اتّخذ الهيئة المناسبة لذلك.
ــ لكن هذه الحركات ليست بصدد التّرجمة على الآلات. قال أحمد.
ــ ذلك العمل موكول إلينا نحن وسنسجّل كل شيء عندما نتأكّد من أنّ نوم الوافي عاديّ لتكون النتائج ذات مصداقيّة.
بدت على الشّاشة الكبرى أولى التّموّجات الدّماغية وبدا التّخطيط واضحا وازداد وضوحه مع مرور الوقت.
بعد دقائق قليلة دخل الوافي في نومه الخفيف. فقال الطبيب مفسّرا لأحمد:
ــ في الحقيقة هنالك مفارقة كبرى يُنعتُ بها النّوم في هذه المرحلة وذلك تأكيدا على التّناقض الواقع بين استرخاء الجسم كلّيا وبين اشتغال مبالغ فيه للدّماغ. تابعْ معي كيف أن عَينَي الوافي ترتعشان بسرعة وعضلات وجهه تنقبض ففي هذه الفترة يقوى ضغط الدّم وتفرز المعدة أشياءها وقد يشعر بقلق نتيجة إفراز هرمون الأدرينالين وفي هذه الفترة يستهلك الدّماغ طاقة حرارية أكبر من الطاقة الني يستعملها في فترات اليقظة.
على الشّاشة الكبيرة أو أمّ الشاشات كما يسمّيها الكاتب العام بدأت الصّور المختلفة تمرّ سريعا وتختفي دون أن تترك الوقت للطّبيب ليتثبّت فيها. هاله الأمر فراح كالمجنون يقفز من آلة إلى أخرى ويتنقّل بين الشّاشات ليتأكّد ويحاول أن يظفر بصورة مستقرّة لكن الصّور تداخلت وزادت في سرعة خروجها من الشاشات.
أشار الطبيب على الكاتب العام أن يوقف كل التسجيلات وأوراق التّخطيط وأن يكتفي بمراقبة الشّاشة الأم. ثم أمره بقطع الاتصال مع بهو الإدارة حيث الكاميرا الرئيسيّة ففعل وبقي صامتا ينظر في وجه الطبيب إلى أن عاد الاتّصال فربط الخطوط من جديد. عندها قال الطبيب:
ــ علينا أن نحطاط حتّى من قطع مفاجئ للكهرباء، وأن نسجّل كل خطوة نقطعها.
بدا الوافي نائما وقد ركّزت الكاميرا على وجهه فظهر ارتعاش عينيه وقد ملأ الصّورة التي نقلتها الشّاشة الكبيرة بينما سُمعت أصوات متداخلة ومشوّشة. ظلّ الرّجلان كلّ منهما في جهة يسعى إلى تنقية الصوت القادم من البهو فلم يظفرا بنقاوة صوتية تعكس صفاء الصّورة قال الطبيب:
ــ أمكن لنا الآن أن نعيش مع الوافي دورة كاملة من نومه وهذا يكفي. أمّا حلمه فقد شرع فيه وها نحن نلمحه ونراقبه وهذا في حدّ ذاته مهم جدّا. نتمنّى أن ننجح في مراقبته وخزنه وهذه مهمّتنا الأساسيّة.
ــ جميل...بل رائع قال الكاتب العام، إنّها أوّل مرّة في حياتي أتابع حلما على شاشة بصفة مباشرة كما تتابع الحفلات الفنّيّة. غريب هذا العمل، غريب وسيبهر العالم إن نجح يا دكتور. سيصبح حديث النّاس والباحثين سنجمع له الصّحافة العالميّة وسننقله كما تنقل مباريات كرة القدم. لك الفضل في إيجاد الفكرة ووضعها رهن الاختبار.
ــ لقد أمضيت في البحث النّظري سنينا طويلة ولم يكن من السّهل إيجاد فرصة لاختبار الأبحاث دون موافقة الشّخص المعني لعدّة اعتبارات منها تهمة الإضرار بالغير رغم أن الاختبار لا يحمل مضاعفات ولا يلحقُ أضرارا بالشّخص الذي يُجْرى عليه. واليوم فقط أشرع في تطبيق الأبحاث وضبطها ضبطا علميّا متكاملا. انظر إذن كيف سيدخل الوافي تفاصيل حلمه وسنحاول أن نراقبه وسنكتفي بذلك هذه المرّة. فقليلا من الانتباه من فضلك. أعتقد انه سيبدأ حلمه من علياء فالدّماغ يسعى إلى أن يعوّض صاحبه حرمانا ما أو خسارة ما وذلك بأن يجعل منه بطلا يحمله إلى منطقة قوة ليقتل بها الضّعف الذي شعر به سابقا.
5
ولنفي عليّ حقّ
يجلس الوافي على كرسيّ محترم يتوسّط بهو الإدارة. بينما يقف المدير أمامه بانضباط وكفّه اليمنى لم تزل مرفوعةً إلى جبينه ليؤدي له تحيّة احترام عسكريّة ثم ينكّس رأسه ويسأله عن القهوة التي يحبّ شربها. يجيبه الوافي والابتسامة تغادر وجهه ليحلّ محلّها العبوس:
يفهم الطبيب من حركة شفتي الوافي انّه يقول بصوت متقطع:
ــ قهوة عربي شكلها مضضضبوط...أسسسسسرع
وينطلق المدير كالسّهم إلى المطبخ ليعود مسرعا بطبق عليه القهوة وهي لا تزال تلتحف ببخارها وإلى جانب الفنجان وضع بعض القطع من المرطّبات عائمة في عسلها المصفّى. وتغيم صورة رئيس الإدارة لتحلّ محلّها السّكرتيرة الهيفاء. تظلّ متسمّرة أمام الوافي تنتظر أن ينتهي من ترشّف قهوته لتمدّه بالمنديل الورقي بل تتغيّر الصّورة بسرعة فيرى كفّ السّكرتيرة تمرّر المنديل بلطف على شفتي الوافي حتى تسقط عينيه على نهديها وهما يوشكان أن ينفلتا من تحت الصّدرية ليسقطا على المكتب.
همّ الكاتب العام بتسجيل الحلم على الحاسوب المعدّ للغرض لكن الطّبيب استوقفه قائلا:
ــ هذه الليلة سنجرّب شيئا جديدا ... نحاول أن نتثبّت من حالة الأجهزة وقدرتها على التّسجيل فنحن نريد أن نستعيد العمليّة من الصّفر لتكوّن في النّهاية مشروعا متكاملا ومطابقا لما أردنا الاشتغال عليه تماما مثلما فعل الوافي عندما حضر إلينا في قاعة الاختبار.
ردّ الكاتب العام:
ــ أرجو أن تفسّر لي كلّ شيء ليكون الطّريق واضحا أمامي فلا أتوه ولا أخطئ ولا أضيع معلومة.
ــ لا يمكن أن تفهم كلّ شيء، قال الطّبيب، لسنا أمام تجربة في العلوم الصّحيحة كالكيمياء أو الفيزياء ولا يمكن أن نهندس كامل الخطوات فالمنعرجات كثيرة والمفاجآت أكثر نحن كمن يطلع قمّة جبل ليتعدّاها دون أن يَعْرف ما ينتظره في الجهة المقابلة.
ــ تريد أن تقول إنّها مغامرة في المجهول.
ــ لا، أضاف الطّبيب، لأنّنا نملك بعض مقوّمات النّجاح. سنحاول إلى النّهاية وإن فشلنا فسنعترف بفشلنا ونسجّل كامل المحطّات التي قمنا بها حتى نجنّب غيرنا المشْيَ فيها فلا يُضيعُ وقته في البحث الذي قمنا به بل يتعدّاه إلى مسألة أخرى، أرأيت؟ نتعلّم من الفشل كما نتعلّم من النّجاح، أمامنا عدّة مشاريع ندرسها الواحد بعد الآخر.
ــ بدون علم الإدارة؟
ــ طبعا، طبعا نسيت أن أنّبهك إلى أنّك في الإدارة كاتبا عامّا يسمّى أحمد المستوري أمّا هنا فأنت شخص آخر له مهمّة أو شغل أو وظيفة في المخبر. أمّا في نظر المرضى والمرافقين لهم فأنت صديق تزورني في كل وقت ولا أحد يستطيع منعك من ذلك أو يشكّ في سبب حضورك.
مرّت تلك اللّيلة عاديّة على الوافي فنام هادئا مرتاحا وقد كان فيما مضى يقضي نصف ليله ساهرا كلما غيّر فراشه لكن اللّيلة انقاد إلى النّوم بعد أن أغلق هاتفه الخلويّ كما لو كان على سفر طويل. أفاق باكرا ففتح باب الإدارة واسعا أمام الناس الذين وصلوا قبل وصول الموظّفين.
كلّ شيء على أحسن وجه فالبهو نظيف ومكتب الاستقبال مزين بباقة ورْد جمعها الوافي من حديقة الإدارة ونظّمها بإتقان في مزهريّة من الكريستال. فتح هاتفه الخلويّ ونظر في المكالمات التي وصلته فلم يجد غير رقم زوجته سارع بإعلامها. كانت خارجة إلى العمل عندما رنّ جرس هاتفها فردّت:
ــ وافي؟ صباح الخير... أين نمت البارحة؟
ــ في العمل قال الوافي.
ــ أي عمل؟
ــ سأحكي لك عندما تعودين.... المهمّ أنا بخير.
ــ لن أذهب إلى العمل هذا اليوم إذن. نلتقي في المنزل لتخبرني.
وصل الكاتب العام فتبعه الوافي ملبّيا الإشارة. وقف أمام عتبة المكتب ثم فتحه ونظر إلى الوافي وسأله:
ــ أين خوذتك؟
ــ علّقتها على درّاجتي سيّدي أحمد.
ــ لا يا وافي، تلك الخوذة للحراسة وليست للدرّاجة اتْركْها هنا في غرفة الأثاث.
ــ حاضر.
...
في العمارة المقابلة يهتمّ الطّبيب بترتيب آلاته حسب المهمّة الموكولة إليها و حسب البرنامج المعدّ للدّراسة فقسّمها إلى قسمين كبيرين وعلّق على الجدار صورة مفصّلة لدماغ الإنسان ووضع في الجانب منضدة هيّأها لتحمل مُجسَّدا ضخما لجسم الإنسان تشقّه الشّرايين والأعصاب كأنّه جسم حقيقيّ أخرج من جلده فبانت عروقه وشرايينه ومفاصله واضحة للعيان. وفصَلَ كل ما يتعلّق بالجهاز الإرادي عمّا يتعلّق بالجهاز اللاإرادي ووضع معطيات كلّ من الجهازين على صفحة خاصة من الورق المقوّى. هو يدرك أنّ عمله شاقٌّ ويتطلّب التّدقيق في التّفاصيل الصّغرى فجسم الإنسان معقّد تعقيدا مرعبا وإمكانية الخطأ في هذه المشكلة أو تلك تكلّف صاحبها غاليا وقد تودي بحياته. الخطأ الكبير ممنوع.
وضع الخطوط العريضة لمشروعه وضبط التّفاصيل والخطوات وسجّلها على صفحة من ورق مقوّى علّقها أمامه بين الشّاشات وكتب فوقها عنوانا موحَّدا: مراحل الأحلام. ورسم جدولين كتب في أعلى الأوّل: الحلم العفوي وفي أعلى الثّاني كتب الحلم المثار. ثم خرج إلى مرضاه في العيادة.
6
ضحكة واحدة تغيّر العالم
بدأت الموجات الدّماغية تظهر على آلة التّخطيط فركّز الطّبيب نظره على الشّاشة ليقارن ويقدّر الوقت الفاصل بين الظّهور هنا وهناك فيما بقي أحمد يراقب شريط التّسجيل الذي بدأ يتحرّك محدثا أصْواتا متداخلة كأنه بصدد البحث عن إيقاعه الصّحيح. استمع الرّجلان إلى دقّات المنبِّه المعلّق في أعلى القاعة واشتعل ضوء أخضر معلنا دخول الوافي في مرحلة النّوم الخفيف. اتّضح ذلك من خلال الاسترخاء التّامّ لأطرافه وكامل جسمه في حين تكاثرت حركات عينيه وارتعاش عضلات وجهه. قال الطّبيب:
ــ انتبه يا أحمد فظهور هذا التّناقض الواضح بين هدوء الأمواج الدّماغية والنّشاط السّريع لبقية أعضاء الجسم مهمّ جدا. لقد حدّثتك عنه سابقا. إنّ هذه العلامات هي إيذان بأنّ الوافي تهيّأ جليّا للحلم فلنستعدَّ بدورنا.
ضغط أحمد على بعض الأزرار المتبقّية لتشغيل كامل الطّاقم وركّز نظره. تتلاحق الصّور فتكوّن شريطا متناسقا حينا ومضطربا حينا آخر. استقرّت بعض الصّور وأصبحت وتيرة ظهورها على الشّاشة الأمّ منتظمة فقال الطبيب محدثا أحمد:
ــ أحمد، انتبه سأعطيك إشارة التّسجيل في ملفّات الحواسيب، انتبه جيّدا ...
TOP..
وانطلقت الآلات في نفس اللّحظة كلّ واحدة شرعت في تأدية مهمّتها على حدة دونما نشاز. كأنّها جوقة متناسقة بصدد إنجاز عمل موسيقيّ رائع. أمّا الشّاشة الأم فقد أظهرت الوافي وقد باشر حلمه بطريقة عفويّة.
بالفعل الوافي نائم يحلم بأنه ينام أو هكذا سجّلت كاميرا الخوذة وأرسلت إشاراتها إلى الشّاشة الأمّ وإلى مختلف الأجهزة حتى آلات التّخطيط بيّنت ذلك ... الوافي يغطّ في النّوم...يسمع جرس الهاتف فيمدّ يده إلى المنبّه الموضوع بالقرب منه على منضدة صغيرة ...يحاول إسكاته لكن الهاتف يرنّ بدون توقّفٍ ...عندها يفهم الوافي أنّ الصّوت آتٍ من الهاتف فيسرع إلى رفع السّماعة ... يضعها إلى أذنه ...لا يسمع شيئا.
يتكلم الوافي:
ــ آلو.... من على الخطّ؟
يسمع ضحكة رقيقة...
ــ آلو...أرجوك تكلّمْ...من على الخط؟
يهمس الطّبيب إلى أحمد مخفيّا ضحكته وفرحه:
ــ سنترك التّسجيل ليسير بصفة طبيعيّة ثم نرتّب الوصلات بحكمة وتأكّد أنّنا سنفتح هذا الباب لأوّل مرّة في التّاريخ.
ــ كيف ذلك؟
ــ ستعرف...
تعلو ضحكة المتكلّم فيبعد الوافي السّماعة عن أذنه متحاشيا الإزعاج.
ــ يكفي ضحكا...سأقطع المكالمة إن لم تفصح عما تريد.
لا شيء غير الضّحك.
يعيد الوافي السّماعة إلى مكانها... يقبع على نصف السّرير تتسابق أنفاسه من شدّة الانفعال كالكلب في يوم هجير ثم يقف ويعاود الجلوس... يفكّر بعض الوقت. يقفز كمن عثر على حبل النّجاة...
ــ مستحيل ... مستحيل ... غريب هذا الذي أعيشه ... (يخز نفسه) ...نعم أنا الوافي ابن علي ابن عبد الله ...نعم أنا أفتتح نهاري على ضحكة؟ أنا المسكين العبد الحقير الخادم المأمور ... الرجل المغمور ... الحارس المأجور أفتتح يومي على صوت ضاحك؟ غريب أمر هذا العالم.... كان يفترض أن أفيق مرتبكا أو أن يخزني عرفي أو أي موظّف فأقفز مفزوعا لأحيّيه...هكذا يجب أن أكون... أمّا أن أستقبل ضحكة في الصّباح فهذا ما لم أجرّبْهُ قطُّ. كان من المفروض أن أستقبل الصّباح بالسبّ أو بالشّتيمة أو في أحسن الأحوال بأمر أو نهي أو لوْمٍ كبير أو حتّى لعنة. ومن المفروض أيضا أن أصنع الضحكة للآخرين عند استقبالهم. ولهذا .... ماذا أفعل يا إلاهي؟ هل أترك هذا اليوم يمرّ هكذا؟
سأحتفل به... سأجعل هذا اليوم يوما جهويّا أو وطنيّا للضّحك ... ولماذا لا يكون يوما عربيّا للضّحك؟ لماذا لا نجعله احتفالا دوليّا ...لكلّ شيء يوم عالمي فللأمّ يوم وللطّفل يوم وللحبّ وللرّياضة وللشّعر وللمسرح وللسّلام ولحقوق الإنسان ولمناهضة التّعذيب وللأرض وللبيئة وللطّيور الجارحة وللتّدخين يوم وكذلك لمرض الأيدس وللأعياد الدينية والوطنيّة أيامها. فلماذا لا نجعل يوما نفرح فيه؟ ألا يكفينا 364 يوما للتّفكير واعتصار الأدمغة والحزن؟ أنا قرّرت وانتهى، سيكون اليوم المميّز
سأخرج الآن لأجمعَ التّعساء ولأعلن إلى الرّأي العام بقدوم هذا اليوم السّعيد...انتهى الحزن يا هؤلاء...انتهى.
يتحول المشهد على الشّاشة الأمّ فيبدو الوافي في ندوة صحفيّة وهو يجمع أمامه العديد من الصّحافيّين وقد وضعوا أمامه مصاديح كثيرة وهم يهتفون:
ــ عاش الوافي .... عاش عاش عاش
ــ مبروك يا وافي...مبروك، مبروك مبروك
ــ قناة التلفزة العالمية تهنّئك بهذا اليوم وتقول لك نحن معك من الابتسامة حتى القهقهة.
يرتقي الوافي درجات السلّم درجة درجة ويخطب في النّاس:
ــ أريد أن أدخل التّاريخ في يوم تاريخيّ، يوم فتحت فيه عيني على ضحكة. سأدخل التاريخ وأعمّر فيه فلا فائدة من تاريخ يأتي ويمرّ سريعا كالحلم و سأكتب على واجهة المنزل: دار الابتسام وسأسمّي الشارع الذي أسكنه شارع الضّحك ويمكن أن أوسّعه قليلا بدحرجة بعض المنازل الغربيّة مثلا فهي سيئة الوجهة ولا تنفع في الفصول الأربعة وسأجعل نصبا تذكاريا يتوسّط هذه السّاحة يمثّل جملا وقد شُقّ شاربه من كثرة الضّحك أو قردا يهزأ من المارّين ... كل هذه المصنوعات نجعلها من البرنز أو من الرّخام المستورد يصمّمه أيضا مهندس أجنبي حتى نضمن مشاركة العالم في الإنجاز. المهمّ أن نذكِّر النّاس بأن للضّحك يوما عالميّا. وقبل ذلك سأمرّ اليوم إلى الجامعة العربيّة لأخذ ترخيصا أتوجّه به بعد ذلك إلى جمعيّة الأمم المتّحدة وقبل ذلك أستأذن في الوصول إلى جمعية دول عدم الانحيازززززز....
تعطل الصّوت فضغط أحمد بسرعة على زرّ من أزرار المسجّل فعاد الصّوت متناسقا مع الصّورة وعاد الوافي يتململ في نصف السّرير.
تفقّد الطّبيب التّسجيلات ... يبدو أنّ كلّ شيء يسير على أحسن وجه وكما أريدَ له. يحرّك الوافي شفتيه وكأنّه بصدد تذوّق شيء ما ثم تتحرّك رموشه بسرعة فيعود أحمد إلى استنفار الأجهزة غير أنّ الوافي يتقلّب في موضعه ويفرك عينيه ... كمن يتثبّت من موقعه ويعود إلى النّوم. يأمر الطّبيب بإيقاف كلّ الأجهزة.
ــ لنترك الرّجل يرتاح ارتياحا طبيعيّا. وفي انتظار ذلك لا بدّ من التّركيز يا أحمد قال الطّبيب وهو يغادر.
ـ سأطلب رخصة لأغيب عن العمل وأبقى معك للنّظر في التّسجيلات وتحليلها.
ــ لا، أضاف الطّبيب سأناديك عند الحاجة أمّا الآن فلا بدّ أن أختلي بعقلي لأعْمِل الفكر وأمْعِن في التّسجيلات وأستخلص النّتائج وأقرّر الخطّة الموالية.
7
يبيت الحلم على حاله
كتب الطّبيب هذه الكلمات وعلّقها إلى السّقف وتركها تتدلّى ليقرأها أحمد عند دخوله وعند خروجه.
|
«: يمكنك أن تصنع مشاهد سينمائيّة من كل حديث تسمعه أو كتابة تقرؤها شريطة أن تمتلك خيالا يمكّنك من تمثل الأحداث دون أن تضيع الفكرة التي يقوم عليها الحديث أو تنبني عليها الخرافة". |
يقف الوافي قرب باب منزله متهيّئا للخروج وقد حمل كيسه المعتاد حيث وضعت له زوجته عشاءه.
ــ انتبه جيّدا إلى الغطاء يا وافي ولا تتناول طعام العشاء متأخرا ففي الإدارة لا تجد المساحة للمشي بعد العشاء وقد لا يكون السّرير مريحا فيصيبك القلق من سوء الهضم.
ــ بالعكس، لا أجد حرجا ولا قلقا في النّوم في البهو وما ينقصني سوى أنفاسك يا عزيزتي.
ثم قبّلها ومشى إلى درّاجته النّارية فركبها وانطلق. المنزل غير بعيد عن مكان عمل الوافي لكنّه لا يريد أن يمشي مترجّلا.
عندما وصل الوافي إلى مستودع الإدارة كان آخر الموظّفين في انتظاره على مضض فقد تراءى له أنّه تأخّر في الوصول. لذلك بادر بتهديده بنقل تأخّره هذا إلى السّيد الكاتب العام إن هو عاودها ثانية. اعتذر الوافي ودخل.
في الضّفة المقابلة كان الطّبيب قد أعدّ برنامج ليلته وبقي منتظرا أحمد إلى أن أطل ومعه كظيمة الترمس معبّأة بالقهوة. حالما ولج أحمد أدار الطّبيب القفل من الداخل ومشى مع ضيفه إلى غرفة العمليات. رتّب الرّجلان كل شيء وجهّزا الآلات وبعد أن استقر كل منهما على كرسيّه قال الطّبيب:
ــ الليلة لا نضع أنفسنا تحت رحمة الوافي ولا ننتظر أن يتكرّم علينا بحلمه. الليلة سنحاول أن نصنع الحلم فيه سندفعه نحو الحلم دفعا وغصبا لا عن طيب خاطر.
ــ كيف؟ سأل أحمد.
ــ لا تستبق الأمور فقد لا ننجح. المهمّ أنّنا سنحاول في البداية أن نستردّ الحلم القديم صوتا وصورة فإن وُفّقنا في ذلك ننتقل إلى مرحلة صنع الحلم وهي أصعب الأعمال التي سنحاول انجازها في هذا المخبر... نعود من حيث تركنا الوافي واقفا يخطب في النّاس مشيرا بيده إلى جمهور الصّحافيين أن اكتبوا..اكتبوا...
هذه سجّلناها وقد أوقفت الحواسيب على تلك الكلمات.
...
استلقى الوافي نصف متمدّد ونصف جالس والخوذة على رأسه. نظر إلى آخر البهو فرأى كاميرا المراقبة تومض بالأزرق. بعد بضع دقائق تسرّب النّعاس إلى جفنيه ونام.
فتح الطّبيب شاشة إحدى الحواسيب وفتح ملفّ الدّماغ فظهرت صورة الأجزاء والأعصاب والعروق واضحة: قاد فأرة الحاسوب إلى موطن معيّن أمام دهشة أحمد وراح يدقّ على نفس النّقطة إلى أن لمع وميضا في مكان النّقر صاح الطبيب:
ــ هنا يا احمد ... هنا
ــ ماذا هناك؟
ــ هنا شرارة الذّاكرة ...أوصل أنت الإشارات إلى الخوذة.
ــ أنا لا أعرف كيف أوصلها فعلى حدّ معرفتي هي تبعث إلينا بالإشارات ونحن نتقبّلها.
ــ لا يهم أضاف الطّبيب المهمّ أن تكون مرتبطا معها. في تلك النّقطة من دماغ الوافي حيث يخزّن الحلم القديم الذي لم يندثر من ذاكرته إلى حدّ الساعة وقد تسقطه الذاكرة بعد الحلم القادم أو ترسّخه كالنّحت على الصّخر...يعني كأن تقول مثلا إنّ الجديد يسقط القديم فعلينا التقاط القديم قبل أن يطرده الجديد وهذه مهمّة دقيقة. انقر هناك إلى أن ترتبط.
ــ سهل ... ها أنا ارتبطت
ــ الآن سأرسل إليه إشارة من عندي... تنحّ لحظة.
ابتعد أحمد وترك المجال للطّبيب ففتح ملفّ الحلم المسجّل سابقا وربط ذيله في المكان حيث أوقف فأرة الحاسوب وأرسله إلى خوذة الوافي...
...
ظهر الوافي على الشّاشة الأمّ وبدأت رموشه ترتعش بسرعة وشفاهه تتلمظ فاهتزّ الطبيب فرحا وغبطة وقفز من كرسيّه حتّى كاد أن يسقط من شدّة الفرح وصاح:
ــ شغِّل الفيديو القديم وادفع الذبذبات نحو دماغ الوافي فقد أصبح تحت سيطرتنا. سنعود به الآن إلى حلم البارحة ونستردّه من تسجيلنا وسنضعه على النّسخة الموجودة عندنا ليكمل حلمه القديم ــ ها قد وصلنا إليه يا دكتور.
ــ لِننتظر، إذ يمكن أن يختلط علينا الأمر فلا نفرّق بين القديم والجديد. سجّل المراحل التي قطعناها لكيلا ننساها ولكي نستعيدها متى شئنا ونطّلع على النتيجة. وهذا في حدّ ذاته انجاز علمي رهيب إن نحن نجحنا فيه.
...
يبدو الوافي وهو يتمشّى في الشّارع متذبذبا يستوقف المارّين ويسألهم:
ــ أرجوك هل تدلّني على طريق الجامعة العربية؟
ــ معذرة أين الجامعة؟
ــ هناك .... على اليمين ...حيث مبيت الطّلبة. تجد بالقرب منه مدخل جامعة العلوم وأمّا جامعة اللّغات حيث يدرس الطّلبة العربيّة وكذلك الفرنسيّة والانجليزية وحتى الاسبانية... هكذا يشاع والله أعلم.
ــ لا لا...أنا أبحث عن جامعة الدّول العربيّة.
ــ انتهت صلاة الجمعة في هذا الجامع ...
وقف الوافي كالمجنون يعدّ على أصابعه ويغني:
ــ توحي...تِثْني تِثْلاثا
تُرْبَعْ تُخْمسْ تِسداسا
السَّيْبْ النّيْب، رْدُقْ
العَشْرَ بَفْ
نحَاسَة تَغْلِي بالمَا لَخْضِرْ
حِشْ و مِشْ
واطْلَعْ يا قْرَيِّد العِشْ
أنهى العدّ الذي تعلّمه في صغره. وقفز كمن عثر على شيء عزيز وصاح: من هنا....
سأصل إلى الجامعة العربيّة وأريحها من لوائح التّنديد والكذب والمراوغة وأطلب منها أن تتبنّى مشروع الفرح والسّعادة وأن تنزع أقنعة الحزن وأن تزيّن وجوه النّحس فيها أو أن تزيلها فقد شبعنا عبوسا وسوادا وحان زمن للفرح مثل باقي الأمم.
وانطلق الوافي ركضا...يقطع الشّارع الأوّل ثم الثّاني ويتعدّى المنعرجات. يتوقّف أحيانا فيسأل أحد المارّة فيشير عليه باتّجاه ما يسير فيه الوافي إلى أن يصل باب الإدارة ويدلف داخلها في هستيريا من الضّحك...
يندهش المدير من ضحك الوافي المسترسل ويكلّمه بغضب شديد:
ــ أتضحك؟ هل تسخر من الإدارة التي آوتك واحتضنتك ومنحتك راتبا محترما؟
ــ انّه اليوم العالمي للضحك سيدي المدير.
ــ أيّ يوم عالمي للضّحك؟ الإدارة سُرقت أيها السّيد.
ــ سُرقت؟ سأل الوافي. وكيف ذلك؟
ــ يمكنك طرح السؤال على الحارس.
ــ أنا الحارس الليليّ في الإدارة وقد نمت في البهو فكيف لم أتفطّن؟
ــ اسأل نفسك أيّها الحارس الأمين إن لم تكن مشاركا في السّرقة بالتواطؤ. والدّليل أنك دخلت عليّ في المكتب ضاحكا فالبعير يدلّ على البعرة.
ارتفع صوت الوافي ضحكا إلى أن أغاض المدير فأمره بالخروج. أجاب الوافي بكل هدوء إنّ البعْرةَ تدلّ على البعير وليس العكس. فقال المدير:
ــ هل تتمادى في الضحك؟ سترى ما أنا فاعل بك...ألا تعرف أن الضّحك بلا أدب قلّة سبب؟
قهقه الوافي من جديد واقترب من باب المكتب معتذرا وهو يقول:
ــ نقول يا سيّدي المدير ضحك بلا سبب قلّة أدب وليس العكس وهذا في حدّ ذاته أضحكني فاقبل اعتذاري.
صاح المدير وقد بان غضبه شديدا:
ــ كانت صحيحة على طرف اللّسان فدحرجها الغضب الذي تحاشيته لأنّ الذي يطيع أدبه يفقد غضبه...
ــ يستحسن أن أفهمك بالمقلوب سيّدي المدير ... كنت أتمنّى أن يسرقوك من الإدارة.
ــ ستمثل أمام مجلس التأديب ليطردك وستفهم جيّدا أن الفهم بالمقلوب هو السّوي.
ــ الأفضل، علّق الوافي أن أنسحب بدون مجلس تأديب ولا عقاب ولا إقالة لقد خيّرت الاستقالة وسترى. ولكن أنصحك سيدي المدير أن تبقى صديقا لي فربما تحتاج صداقتي... ذلك أفضل لك وأجدى.
صرخ الطبيب: قَطْع. فهوى أحمد بإصبعه على أزرار الآلات التي أمامه وسأل:
ــ لماذا هكذا بسرعة؟
ــ سنعاود التجربة... انظر ماذا سيحدث الآن فالحالم سيباشر نوما مختلفا.
نظر الرّجلان في الشّاشة الأمّ بعض الدّقائق إلى أن تحرّك الوافي ودار على جنبه الثّاني وبدا عليه انه غارق في نومه الهادئ.
مضى وقت قصير أعاد فيه الطّبيب الآلات إلى الاشتغال وقال لمعاونه:
ــ أما الآن فسنستعيد الوافي بحلمه القديم الذي ما زال يتفاعل في دماغه وقد ينخرط فيه من جديد بصفة عفويّة أو باستطاعتنا أيضا أن ننتظر حلما آخر ... نحن وما نريد...
ــ ما رأيك لو نواصل الحلم إلى آخره؟ سأل أحمد.
ــ علينا العودة من حيث قطعنا الحلم أو الفلم ودفعه من جديد أجاب الطّبيب.
...
ظهر الوافي على الشّاشة يطرق باب مدير الإدارة ويستأذن في الدّخول. وقف المدير منبهرا بالوافي وهو يرتدي بدلة أنيقة ويضع ربطة عنق حمراء من حرير ثم يتقدّم فيصافحه مسلّما:
ــ مرحبا سيّدي الوافي مرحبا تفضّل... ماذا تشرب؟
ــ لا أرغب في شيء، ردّ الوافي، جئتك في أمر هام.
ــ اعتبر شأنَك مقضيّا على الرّأس والعين سيّدي الوافي وأريد أن أعتذر لك على تفكيري في عرضك على مجلس التّأديب وكانت نيّتي صافية والدّليل أنني لم أقدّم شكوى ولا حتى مجرّد مذكرة إدانة في شخصك إلى مجلس الإدارة.
ــ نسيت الأمر قال الوافي المهمّ أنّني جئتك لأطلب منك الاستقالة من الإدارة.
ــ كيف؟ استغرب المدير.
ـ لا تنزعج لقد تدبّرت الأمر وفكّرت فيك وأحضرت لك مرتّبا ممتازا يغنيك عن هموم الإدارة وضعف الأجر فيها.
ــ وما هو العمل الجديد؟
ــ إلى جانبي في شركة خاصّة.
ــ لنفرض أنني قبلت، أضاف المدير في أي شيء تختصّ هذه الشركة؟
ــ في صناعة الضّحك وتصديره.
اهتز المدير وأصابته نوبة من الضّحك إلى أن أدمعت عيناه واقترب من الوافي ليدفعه خارج المكتب وهو يكاد يسقط أرضا من فرط الضّحك فازداد الوافي اتّزانا ونزل كلامه هادئا مترابطا يشدّه العقل ويقوّيه المنطق قال:
ــ العصر تغيّر يا صاحبي وأصبح الضّحك يباع في أقراص وفي حبوب وفي علب كالدّواء تماما فالحاجة إلى الضّحك أصبحت ملحّة. قديما كان الحاكم يهيئ مجلسا للضّحك وللتّرويح عن النّفس حتى تفطّن إلى أنه قد يصبح عُرْضَة للسّخرية خاصّة إذا كانت أسنانه غير منتظمة أو كان لسانه مائلا نحو الزّرقة فاهتدى إلى ضرورة تغيير المجلس أو إبطاله فأصبح يكتفي بتمرير طلبيّة في الضّحك يمكن أن تصله من مصانع الفرح المتواجدة في دول كثيرة اختصّت في صنعِ الضّحك وتعليبه وتصديره في علب تضعها في حاويات كبيرة وترسلها إلى من يريد. ومن المنتظر أن تمدّ قنوات تصل الشّرق بالغرب والشّمال بالجنوب لتسهيل تمرير الضحك.
ــ كما يمرّر النفط؟
ــ نعم وكما يمرّر الغاز الطبيعي بحيث يصبح بإمكان الحاكم مثلا أن يضحك دون اللّجوء إلى دعوة مختصّين ولا إلى تكليف مجلسه باختلاق النّكات فيكفي أن يفتح حنفيّة الضّحك حتى تمدّه بالكمّية اللازمة حسب شهوته واستعداده وقدرة عضلات بطنه على التّحمّل.
ــ سأفكّر في الأمر، قال المدير.
ردّ عليه الوافي:
ــ الأمر لا يدعو إلى التّفكير عليك أن توافق وتُمضي عقد العمل وتتسلّم الرّاتب الأول منذ يوم تشغيلك فشركتنا تمنح الرّواتب مسبقا قبل انجاز العمل وهذا دليل مقنع على جدّيتنا واحترامنا للأجير ودليل قاطع على أنّنا نحقّق أرباحا أكثر مما تحقّقه شركات بيع الفوسفاط أو النّفط فالضحك ذهب غير مرئي ...
ــ ذهب أصفر قال المدير
ــ بل هو ذهب يتلوّن حسب الظّروف والمزاج فهو تارة أبيض وتارة أصفر وتارة أحمر أو وردي وهنالك أيضا ضحك أسود لحالات الحزن. وكما ترى يتلوّن الضحك حسب المزاج وحسب الضّاحك والمضحوك عليه. المهمّ سنلتقي بعد ان تودّع زملاءك في الشركة.
سال المدير:
ــأين نلتقي؟ فأنا أخاف أن يتفطّن إلينا الموظّفون فهم يمضون يومهم في التجوّل بين المقاهي والحانات.
ــ أفضّل أن نلتقي في المقبرة قبل الجنازة. هكذا يكون أفضل إذ لا يشك أحد في أنّنا جئنا لإبرام عقد تشغيل ضاحك.
ــ هذه ذكيّة منك.
...
قال الطبيب لأحمد:
ــ مهمّ وجميل هذا الذي نشاهده ونسمعه. يصنع الحلم ما لا تقدر عليه اليقظة بل ربّما يكون الحلم دافعا نحو الاختراع والتفكير في أشياء كانت تعتبر من المنسيات. تابع الوافي ماذا يفعل الآن.
...
يبدو الوافي في موكب عزاء يقدم تعزية إلى أهل الميت ثم يجلس على كرسيّ. يسحب من جيبه بعض الحبوب ويشرع في تفريقها على الحاضرين مبتدئا بالجالس إلى جانبه. يصاب كل من يتناول حبّة بنوبة من الضّحك وتتعالى الضّحكات حتى تصبح قهقهات وتعمّ الفوضى. يتفطّن أهل الميت وبعض من النّاس إلى فعلة الوافي فيطردونه ويدفعونه متبوعا بالسبِّ والشّتمِ واللّعنةِ.
8
ينكأ الجرح ليداويه
غادر الموظّفون الإدارةَ وفتح آخرهم مكتب الكاتب العام ليستأذنه في غلق الباب. أجابه الكاتب العام:
ــ يمكنك المغادرة.
ــ هل أنتظر الحارس؟
ــ إن شئت ...أو ...لا ...لا أنا باق إلى أن يأتي الحارس الليلي ...لي شغل كثير.
انسحب الموظّف وما إن عتّب الإدارة حتى اعترضه الوافي. قال الموظّف للوافي:
ــ الكاتب العام لم يغادر...
ــ الوافي: هل هو في انتظاري؟
ــ لا أعتقد، إنّ له شغلا فلا تكثر من الجلبة في البهو.
ــ حاضر أجاب الوافي ودلف إلى داخل البهو. كان الكاتب العام واقفا في انتظاره.
ــ لقد أبطأت في الدّخول، سيدي الكاتب العام، كنت أتحدث إلى...
ــ لا يهم، تعال قبل أن تهيئ مكانك. اغلق الباب الخارجي.
تبع الوافي الكاتب العام إلى مكتبه وظلّ واقفا إلى أن أمره بالجلوس.
ــ إلى الآن لم أنته من تعمير ملفّك الشّخصي يا وافي.
ردّ الوافي:
ــ أعتقد أنّني أدليت بما طلب مني من معلومات منذ أوّل يوم من الانتداب.
ــ لا، قال الكاتب العام، تلك أمور تهمّ قسم الماليّة أما القسم الاجتماعي فلم نسجل شيئا. عموما هي بعض أسئلة ستجيب عنها بصراحة أرجوك فهي لا تكون ذات جدوى إن كانت غير صحيحة أو مراوغة ولا شأن لها بالرّاتب.
ــ سأجيب بصراحة قال الوافي.
ــ إذن فلنبدأ. كيف كانت طفولتك؟
ــ عادية أجاب الوافي، كان أبي فقيرا نسبيّا ولكنّه لم يتركنا جائعين أبدا، كان يشتغل أيّ شغل ليعيلنا. ربّانا على الحياء والكرامة والثّقة، خاصّة الثقة، كان يقول دائما: الثّقة رأسمال لا ينضب أبدا. إنّها أهمّ من القناعة.
ــ وهو كذلك، لقد أحسن تربيتكم قال الكاتب العام وأضاف سؤالا آخر:
ــ وانقطعت عن التّعليم اختياريّا أم اضطراريّا؟
ــ أنهيت دراستي ولم أسجّل في شهادة الدكتوراه ورحت أبحث عن شغل. اشتغلت بعض السّنين في شركة خاصة ثم أفلست الشّركة مثل عديد الشركات وغادرت البلاد ووجدت نفسي على الرّصيف بعد أن تزوّجت.
ــ هل تزوّجت عن حبٍّ؟
تلكّأ الوافي وتهرّب من الإجابة وتلعثم في بداية الحديث فأسعفه الكاتب العام بإعادة السؤال في صيغة مغايرة قال:
ــ تكلم يا وافي ولا تخش أحدا وتأكّد من أنّ أقوالك ستبقى في كنف السّرية فلا يسمح لأيّ موظف بالاطّلاع عليها لذلك خيّرت الاستماع إليك عندما يخرج الموظّفون تكلم على راحتك واحك كلّ ما تراه صالحا حتى الأمور الذّاتية وتذكر أنني لا أسمح لنفسي بسؤالك عن أمورك الخاصة إن لم تكن الإدارة في حاجة إلى وجودها في ملفّك.
تنهّد الوافي ومدّ يده إلى كأس الماء بعد أن استأذن من الكاتب العام وقال:
ــ كان ذلك منذ سنين عندما قرّرت أن أخطب نجمة ابنة المختار اللّيلي. كنت قد أحببتها كثيرا واعتقدت أنّها أحبّتني أو أوحت إليّ بأنّها على استعداد لان تحبّني. بعض الفتيات يفكّرن هكذا ويعتقدن أن الحبّ والزّواج شيء واحد لا يفرّقن بينهما فإن وافقت إحداهنّ على الحبّ معنى ذلك أنّها قبلت الزّواج وإن وافقت على الزّواج منك فمعنى ذلك أنها تحبّك....
ــ وهل تزوّجتها؟
ــ أبوها الشّيخ مختار مغرم بالخيل... اشترط عليّ عشرة أمهار، أقصد عشرة جياد مَهْرا لنجمة ولم يكن بمقدوري توفيرها وسقطت صفقته في الماء. وانتهى به الأمر إلى تزويجها من واحد من أغنياء القرية المجاورة وتزوجتُ أنا فقيرة مثلي عسى الله يغنينا ...وها نحن ننتظر.
ــ وهل نسيتها؟ أم مازال فيك حنين إليها؟
ــ عليك أن تسأل الشّاعر أبا تمام فهو القائل:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحبّ إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنــــينه أبدا لأوّل منزل
ولكن... أحاول أن أنسى.
بدا على وجه الكاتب العام تأثر عميق بكلام الوافي وأراد أن يلاطفه ويهوّن عليه مرارة الذّكرى فقد لاحظ أنّ سؤاله عن حبّ الوافي القديم قد أيقظ فيه ألما دفينا جعله يوشك على البكاء من شدّة التأثّر. تظاهر بأنّه لم يتعمّد اثارة الغبار على وجه الوافي وإنّما رغب في السّؤال عن حال الطّقس لا غير. قال معتذرا:
ــ سامحني يا وافي ...كان عليّ أن أسألك أسئلة جانبية وألا أصيب منك الصّميم، وما كان عليّ أن أوقظ وجعك وأن أنكأ جرحك.
ــ بالعكس قال الوافي، أشعر أحيانا أنّني في حاجة إلى إيقاظ ذلك الألم، لا أعلم لماذا ولكن أشتهي في بعض الأوقات أن تعود بي الذّاكرة إلى ذلك الزّمن اللّعين، زمن النّكبة فألعنه لأنّه لم يتكرَّمْ عليّ بثمن فرس.
ــ كنت تقول إنّ المهر عشرة جياد.
ــ الغريب في الأمر أنّ الذي تزوّجها أهداها أجمل وأحسن فرس في الجهة. لقد دفع فيه إلى صاحبه الذي ربّاه من المال ما مكّنه من شراء عشرين دابّة بين جمال وخرفان.
ــ وفي النّهاية تزوّجتَ أخرى بسهولة وبدون مهر أسوة ببنات جيلها.
ــ بل دفعت مهرها أحلامي وآمالي وذكرياتي وفشلي في الفوز بالحبيبة الأولى نجمة.
ــ هل تحبّها إلى اليوم؟
ــ أجبتُ على سؤالك منذ حين وهذا السّؤال يقلقني ويؤلمني.
ــ إذن سأغلق الملفَّ بعد أن سجّلت عليك ما ينبغي. تأكد مرة أخرى أن هذه المعطيات الشّخصية تبقى ممنوعة من التّداول داخل الإدارة وخارجها.
ــ عموما لا أهتمّ بها، قال الوافي فالنّاس جميعا على علم بقصّة حبّي ولا أخجل من تكرارها يوميّا بل قد أجد في ذلك لذّة ومواساة. أستأذنُ الآن لترتيب بيتي.
ــ لك ذلك قال الكاتب العام ما دمت على حبّها. شيء واحد قد يجلب لك بعض المشاكل مع زوجتك هو إصرارك على عدم الإخفاء أو مجاهرتك بحبّ امرأة أخرى.
وقف الوافي عند الباب ثم التفت إلى الكاتب العام وقال:
يقول الشاعر أيضا:
أحلى قمر.... ما كان يبدأ من هلال
يفنى العمر.... وتظلّ ترفعني الجبال.
خرج الوافي وشرع في تهذيب سريره.
بعد دقائق غادر الكاتب العام الإدارة وجذب وراءه الباب. أسرع في الصّعود إلى عيادة الطّبيب ومنها إلى قاعة العمليات أو مخبر الأبحاث حيث استقبله الطّبيب بدعوة إلى العشاء على عين المكان.
لم يستجب الكاتبُ العام لدعوة الطّبيب وسحب قرصا مضغوطا من جيب سترته وشغّل الحاسوب وهمّ بإيلاجه فيه فقال الطبيب:
ــ نتعشّى ثم نرى ما في القرص.
ــ المسألة لا تنتظر ردّ أحمد، إنّني حملت لك أرضا خصبة، بكرا لم يجرحها محراث ولم يفلحها فلاح ولم يطأها مترجّل. إنّها ذكريات الوافي لتستغلّها في تفسير أحلامه. طبعا إذا عاودها في منامه.
ــ لا تهتم فأنا سأشتغل على إيقاظ الحلم فيه أو صنعه من ذاكرته.
ــ لقد رأينا كيف ينهض الحلم من بعضه كالغصن من الجذع ولكن من الذّاكرة سيكون الأمر صعبا للغاية اللّهم إلا إذا دخلها الحلم بالصّدفة فقبضنا عليه عند الدّخول واعترضناه كما تُعترضُ كلمات المرور السّريةُ في الانترنت.
ــ اللّيلة سأحاول استدراج الحلم نحو الذّاكرة مادامت الحكاية ساخنة. سنصنع الحلم ونشحنه للوافي فيخيّل إليه أنّه صاحب المشروع وأنّ دماغه سيشتغل بمحض إرادته ليمنحه إمكانية الحلم لغرض ما. أمّا أنا فسأعمل على استغلال تلك الغباوة الدّماغية بكل وعي وسأحاول توجيه كامل عقل الوافي من دماغه إلى حيث أريد. ستصبح كفّي آلة التّحكّم عن بعد كما في التّلفزة وغيرها... انظر...ذلك الذي على الصّورة المعلّقة، سأقوده كما يقود السائق سيّارته يوقفها متى يشاء ويُطلقها متى يشاء ويدير وجهتها حيثما أراد. سأقود الوافي إلى المكان الذي أختاره لكن قد يتبعني فأقول إنّني نجحت وقد يحرن في مكانه أو يشرد نحو مكان آخر فأعلن فشل المحاولة ولن أستسلم مادامت الخرائط أمامي.
وأشار إلى الرّسم الملتصق بالجدار ثم واصل:
ــ لا أخفي عليك أنّني أمضيت اليوم كاملا في البحث عن نقطة ضوء تقودني من الدّماغ إلى ركن الذّاكرة. سأجرّبها هذه اللّيلة بعد أن نتعشّى.
...
في بهو الإدارة لبس الوافي خوذة الحراسة وأغلق هاتفه الخلويّ كالعادة وارتخى على نصف السّرير. وما هي إلا دقائق حتى بدأ يتقلّب من جنب إلى آخر وساد الصّمت والظّلام فلم يبق غير ضوء الكاميرا الأزرق يومض.
أولج أحمد القرص في فتحة الحاسوب وجلس إلى جانب الطّبيب ينظر في الوافي وهو يسرد في مكتب الكاتب العام قصّة حبّه لنجمة.
قال الكاتب العام:
ــ أوهمته بأنّني سجّلت كلامه في ملفّ ولم ينتبه إلى الكاميرا التي كانت تسجّل حديثنا.
ــ جميل، أكّد الطّبيب ولكن حاذر من إفشاء سرّ الوافي فهو يعتبر من مرضاي وأنت تعتبر مؤتمنا مثلي على أسرار المرضى. يمكن استغلال هذا التسّجيل بالتّقسيط أو بالمفاجأة وهما طريقتان تؤديان إلى ردّة فعل مختلفة من الدّماغ. سأتلهّى بالأمر. شكرا لك على توفير هذه الأرض البكر ولن أضيع الفرصة أبدا بل سأبني عليها مشروعَ بحثٍ نظريّ وتطبيقيّ لأبيّن إن كانت هنالك علاقة متينة بين الواقع القديم والحلم الجديد وبين الحلم القديم والواقع الجديد. لقد أفرغ ما في قلبه من ألم. ويبدو أنّه عاش حياة عاطفيّة مضطربة فيها الهزّات ومن الأزمات الكثير وقد غذّاها الفقر والشّعور بالاحتقار.
ــ مسكين قال أحمد. لقد حكى لي كل شيء بعزّة نفس نادرة. لذلك لم أتركْ شيئا من حديثه سوى ما حملت في القرص.
قال الطبيب:
ــ سنستغلّ ذاكرته أحسن استغلال وسنستعيرها منه لنغذّي ما فيها من وجع حتى يبدع في حلمه وسننجح إن عرفنا كيف نعوّض النّقصان والضّعف والوهن الذي خلّفه الفقر في نفسه ونعوّض كل ذلك بالقوة...يعني نمنحه الشعور بالقوّة لقهر الضُّعف وهذه إحدى مهمّات الحلم...نظريا على الأقل. علينا أن نحرص على إفادته.
صرخ أحمد:
ــ انظر إلي عينيه انّه يحلم، انّه يضحك،
بدا الوافي على الشّاشة الأمّ يتعثّر في مشيته وهو يكاد أن يسقط من كثرة الضّحك، انّه ينحني ليتفادى أن يتبوّل ولكنّه يعتقد أنه قد بال بالفعل. فيقفز واعيا ويدخل يده ليجسّ ملابسه الدّاخلية. لا شيء يستدعي الخوف. فهم الوافي انّه كان بصدد الحلم.
قال الطبيب:
ــ ما رأيناه الآن هو بقيّة حلم لم تلتقطه ذاكرته فبقي في انتظار أن تسجّله في مخازنها حتّى أخذه النّوم. وقد سعت الذّاكرة إلى تسجيل تلك الفقرة المتبقّية من الحلم القديم لكنّنا كنّا أسرع منها في اختطافها وتسجيلها في حواسيبنا، لأّنّ عمليّة النّسخ والترسيخ في الدّماغ تكون عادة في أوّل النّوم وتقوم بها جهة هي أشبه ببوّابة الذّاكرة في ناصية الدّماغ، هنا بالضّبط.
وأشار الطّبيب إلى المكان بقلمه الليزري الذي يبعث إشارات ضوئية على الصّور والشّاشات.
ــ كيف؟ نحن ننوب ذاكرة الوافي في التّسجيل؟
ــ نعم مثلما نجعل لحواسيبنا قرصا صلبا خارجيّا نخزن فيه معلوماتنا. هب أنّنا سارعنا بتسجيل معلومة في القرص الخارجي ومنعنا الحاسوب من تسجيلها في ذاكرته الدّاخلية وهذا ممكن جدا.
الوافي يصبح بايا من أجل الفرس
يفتتح الوافي مجلسه الملكيّ بتصفيقه. جاء الحاجب واقفا ثم مطأطئا رأسه ثم منحنيا أمام الوافي باي.
ــ أمرك مولاي.
ــ قل أيّها الحاجب. ألم يسأل عنّي أحد طيلة هذا الصباح؟ سأل الوافي.
ــ لعلّ الجميع يتهيّبون إزعاجك فلا أحد منهم يقترب من مجلسك قبل طلوع وجهك المنير على ساحة القصر، هكذا جرت العادة يا مولاي.
ــ قل للجميع إنّ الوافي باي غيّر طبعه وعاداته وشكل طلوعه ووقت ظهوره فليحضروا متى شاؤوا.
ــ حاضر، ردّ الحاجب قبل أن يتراجع عن الخروج ليقول: معذرة مولاي...يمكنك أن تغيّر فترة نهوضك من السّرير ولكن لا يمكن تغيير السّرير فأنت حاكم البلاد تحترمك الرّعية حبّا وخوفا. وأمزجة البايات موروثة منذ زمن فإذا غيّرت طباعك تغيّر الرّعية طباعها وهذا ما لا أتمناه وما لا ترضاه يا مولاي...
ــ اخرس وارسل إليهم للحضور حالا.
ــ أمرك مولاي.
مرّت لحظات أو دقائق قليلة فامتلأ المجلس من حول الوافي باي. وقف كبير الوزراء وراءه ممسكا بمروحة يلوّح بها من خلف رأسه أحيانا ويتركها ليرشّ قطرات عطر على الباي. بينما يتغامز بعض الحضور ويبتسم آخرون للمشهد.
ــ هل وصلكم العطر أيها الضّيوف؟ سأل كبير الوزراء.
ــ نعم.
ــ انّه عطر مولانا وليس الذي ترشّه من القارورة.
ــ مولانا يحسن اختيار شيئين.
ــ ما هما؟ سأل الوافي باي؟
ــ العطر وكبير الوزراء....
ضحك الباي ضحكة تعرّت من ورائها أنيابه وأسنانه وبعض من أضراسه فضحك الحضور بعده.
قال الوافي باي:
ــ دعوتكم لأمر هام؟
ردّ كبير الوزراء:
ــ كلّ ما تأمر به أو تفكر فيه هو أمر هامّ يا مولاي.
ــ اترك المروحة وخذ مكانك يا كبير الوزراء. أمره الوافي باي.
جلس كبير الوزراء على اليمين وتناول دفترا فتحه على ركبتيه كما يفعل قارئ القرآن في جامع الزّيتونة المعمور. ورتّب المحبرة إلى جانبه وشرع في كتابة الدّيباجة وقراءتها بصوت عال:
ــ باسم الذي أنبت الشّجر وأخرج الماء من الحجر وبدعوة من طويل العمر صاحب الجاه والمقتدر الكريم الذي لا يهاب الخطر الذي يمنح ولا ينتظر الذي يهدي بسخاء ولا يحتقر الذي يحبّ ويعطف ويُسٍر، باسمه أُرحِّب بمن حضَر فافتحوا عقولكم على خير الفكر وأجيبوا إذا سئلتم بعبارات الشّكر.... تفضل يا مولاي بالكلام فنحن كلّنا آذان صاغية ونفوس واعية.
تململ الوافي باي في كرسيّه الوثير وتلمّظ ومرّر بصره على عيون الحاضرين حتى نكّسوا رؤوسهم خجلا أو خوفا وأعدّوا آذانهم وهيؤوا رقابهم للذّبح متخيّلين أن الوافي باي سيؤنّبهم كالعادة كلّما طلبهم إلى جلسة فجائية. في النّهاية قال:
ــ أيّها القوم، أنتم حاشيتي وبلا حاشية لا أستطيع أن أتحرّك ولا أن أمدّ ساقيّ...
ــ وهو كذلك أيّها الباي العزيز، قال أحدهم.
ــ نحن طوع أمرك أيها الوافي باي الأمّار بالخير.
قال الوافي باي:
ــ حيّرتني أمور القصر الجديد. مرّ وقت طويل ولم تنته الأشغال... أريدكم أن تسرعوا في إتمامه فأنا لن أبقى أعزب طول الدّهر وأريد أن تزفّ إليّ عروسي في بيت من بيوته ...فاعملوا كلّ من جهته وكلّ حسب مجهوده لفائدة القصر... تدبّروا الأمر جيّدا وجنِّدوا ما شئتم من الخدم حتّى يكتمل.
ــ لقد فعلنا وسنفعل أكثر يا جلالة الباي قال كبير الوزراء
ــ لم أعطك الكلمة حتى تعطي رأيك أيها الوزير الأحمق آو كبير الحمقى قل سنفعل أكثر ولا تقل فعلنا الكثير. فأنت لم تفعل شيئا.
ــ تلعثم كبير الوزراء ولم ينطق بكلمة بل مدَّ يده ليمسح عرقا تصبّب من جبينه. ارتعد الآخرون فلم يتكلّموا. ساد الصّمت إلى أن عاد الوافي باي:
ــ مالكم سكتم؟
لم يتكلّم أحد فعاد الوافي إلى الكلام مرة أخرى:
ــ لا يهمّ، أريدكم قليليّ الكلام كثيريّ الفعل. هكذا أحبّكم أكثر.
ــ سنعمل.
ــ سنتقن الأعمال.
ــ سنجتهد.
ــ سترضى عن أعمالنا يا جلالة الباي المفدّى.
ثم توجّه الوافي باي إلى صاحب بيت المال.
ــ قل يا رجل المال يا صاحب الخرج، كم في خزينة المال من أموال؟
ــ لا شيء، جلالتك، لا شيء.
قفز الوافي باي كالمذعور وعلّق.
ــ لاشيء؟ كيف ومتى ولماذا أفرغتم الخزينة؟
تدخّل كبير الوزراء:
ــ مولاي أنت تعرف أنّ بلادنا حديثة عهد بالاستقلال إذ لم يمض على تحريرها سوى عام واحد وأنّ مصاريف البناء فاقت بكثير ما نملك وقد عشنا سنينا عجافا لم تمطر فيها السّماء ولم تبرش فيها الأرض فخيّرنا أن نعفي المواطنين من الضرائب وقلنا لماذا لا نتركهم يفرحون بالاستقلال أكثر ما يمكن من الوقت...نحن لم نسقط الضّرائب من الحساب ولكن أجّلنا جمعها إلى سنة أخرى.
ــ حمقى، أنتم وزراء ولكنّكم حمقى. هكذا سنعلّق بناء القصر سنة أخرى، سنة كاملة. وأعتقد جازما أنّكم أعفيتم بعض الجهات حتى من زيارات التّفقد.
ــ بل حرصنا على زيارة كل المناطق فوجدناها في حالة بؤس وعطش وجدب.
ــ هل ذهبتم إلى أولاد الصغير مثلا؟ أضاف الوافي باي.
ــ هم أهلك مولاي وخفنا أن تلومنا على إحراجهم فلم نفعل. أجاب كبير الوزراء. فصرخ الوافي باي في وجهه:
ــ أحمق وغبيّ وفوق ذلك أبله لأنّك لم تفكّر كما يفكّر الحلزون ولا حتّى كما تفكّر السّلحفاة ولم تُعمل الرّأي، فلو بادرت باسترجاع الضّرائب من أهلي، أقصد من سكّان قريتي التي نشأت فيها لاتّبَعَهم الآخرون وتسابقوا في دفع ما عليهم من دين و لقدّمتَ لي خدمة كبيرة وأظهرتني للعالم كلّه أنني لا أعامل النّاس بحسب الانتماء والانتساب و العروشية وأنّني ضدّ المحسوبية.
ــ سنفعل ذلك...سأرسل إليهم اليوم ثلاثة من خيرة وزرائنا.
ــ لا تنس أن تهدّدهم وأن تسوق خيلهم وشياههم إن هم امتنعوا عن دفع الضرائب.
ــ أمرك مولاي
ــ سأترك لكم الوقت الكافي لاختيار الطّريقة المثلى للتّعامل مع المارقين من أبناء أهلي. تدارسوا كل الجوانب والاحتمالات ولا تتركوا شيئا للصّدفة ويجب ألا تنسيكم وضعية الإيالة أهمّية القصر. ثمّ لا تنسوا أن أولاد الصغيّر أشدّاء وأقوياء، ينزعون إلى العنف والقتل والصّدام ولا ينزعون إلى السّلم أبدا وهم لم يعرفوا بالكرم ولا بالجود بل بنكران الجميل.
ــ أمرك مولاي.
همس أحد الوزراء إلى آخر:
ــ لماذا يقول الباي عن أهله هذا الكلام السيّئ وهو يعرف كرمهم وشهامتهم؟ لماذا؟ هل أسأله؟
لكز الوزير زميله فصمت.
10
من باع بلده لا يجد لنفسه قبرا
أوهم الوافي باي وزراءه وحاشيته بأنّه غادر المجلس للرّاحة وأنّه سيعود بعد وقت واختفى خلف السّتار وتسمّر هنالك كالطّفل الذي يختبئ ليتسمّع لأبويه ووقّف أذنيه ليتابع حوار وزرائه ونقاشهم. يدير برأسه كلما شكّ في بعض ما يسمع ويتوعّد في صمت إذا سمع كلاما لا يرضيه.
حاول كبير الوزراء أن يتحدّث إلى أعضاء المجلس بصراحة وبوضوح طمعا في كسب ودّهم من وراء ظهر الوافي باي إلا أن الأعضاء لم يتعوّدوا منه على النّزاهة والصّدق ولم يكن فيما قبل يطلعهم على أي شيء من برامج الباي ولا عن وضع الإيالة المالي مما زاد في تأزّم الجلسة وانحلال خيط الثّقة بين الجميع. قال كبير الوزراء:
ــ أنتم على علم بوصول مرسوم من السّلطان العثمانيّ يطالب فيه مولانا الباي بتطبيق برنامج إصلاحي لا قدرة ولا حول لنا على تنفيذه.
ــ لا نعلم إلا ما أعلمتنا به. وإن كنت تقصد الإصلاح المالي فخذها من عندي واضحة: أنا بصفتي وزير المالية لم أبخل عن صرف ما ينبغي صرفه ولم أحاول أن أتقشّف لأنّك تركتني على الهامش كما فعل عرفك المباشر. آمر بالصّرف من أموال الخزينة وأمضي على خروج الأموال دون سؤال ودون انتظار جواب لن يأتي أبدا وإذا أتى فيعرج على ساق واحدة. كان عليك أن تنبّهني يا كبير الوزراء.
ــ عليك أن تتفطّن وحدك سيدي مصطفى ردّ كبير الوزراء.
ــ من أين له أن يتفطّن وأنتم باركون على المشاريع حتى قطعتم أنفاسها أكّد الوزير محمود؟
ــ هكذا إذن؟ قال كبير الوزراء. سأدعوكما للتّثبّت وسأطلب مساءلتكما عن الأموال المحوّلة إلى الخارج.
ــ لك ذلك ومتى شئت. أجاب الوزير مصطفى.
أمّا وزير الوظيفة فقد تردّد في المشاركة ولكنّه لم يجد بدّا من إعلام الحضور سعيا منه لتنقية جلده ولتبرئة ذمّته قال:
ــ تعرفون أيّها السّادة أنّ دولتنا أصبحت غير قادرة على تسديد أجور الموظّفين وأنّنا على وشك الإفلاس وأنّ مداخيل الدّولة لا تغطّي سوى ثلاثة أرباع مصاريفها وأنّ بلادنا ستفقد سيادتها الماليّة وقد فرضت علينا الدّول المقرضة الكومسيون المالي ولا أستطيع إلا أن أدعو لبلادنا بالفلاح والنّجاح.
وشوش القابض العام بصوت لا يكاد يسمع فلم يتمكّن الوافي باي من معرفته إلا أنّه تمكّن فقط من التقاط بعض من فتات الحديث الذي يبدو في غاية الخطورة ممّا جعله يهمّ بالاندفاع نحو المجلس لإيقاف النّقاش لكنّه خيّر البقاء متخفّيا في مكانه وأراد أن يغتنم الفرصة ليعرف مباشرة حديث الوزراء في غيابه عندما يصارحون بعضهم.
قال القابض العام:
ــ لم يُجْدِ فرض الضّرائب على المواطنين نفعا ولم تنفع مضاعفتها بعد سنة واحدة وها هو علي بن غذاهم ينطلق من جدليان تلك القرية البسيطة الملقاة في جبال الجنوب الغربي البائس ويسير متّجها إلى الشّمال في ثورة ضدّ مضاعفة الجباية وقريبا سيتمكّن من الوصول إلى تونس الحاضرة فتهيؤوا للهروب والتحقوا بأموالكم في فرنسا أو فاشتروا لكم سلاحا من اليهود التّونسيين. هذا إذا لم تأت فرنسا إلينا طالبة دينها بعد أن استعمرت الجزائر.
وقال وزير آخر بعد أن فتح زميله باب الصّراحة على مصراعيه. ظنّ الوافي باي انّه وزير الفلاحة والصّناعات التّقليديّة قال:
ــ ذلك لأن دولتكم...
عارضه كبير الوزراء
ــ قل دولتنا. فأنت في هيكلها بل أنت جزء من عمودها الفقري.
فأضاف القابض العام معتذرا:
ــ لنفرض ...قلت لأنّ الدولة فرضت على الفلاحين أسعارا زهيدة لسلعهم فتركوا زراعتهم خوفا من الخسارة كما خفضت الدّولة في أسعار الشّاشية وسمحت للأوروبيّين بترويج صناعتهم المعملية وقتل صناعة أهل البلد اليدويّة، ثم أين هي الأسواق؟ ألم تمنحها الدّولة هبة يتحكّم فيها الايطاليّون والفرنسيّون بكلّ حرّية كما لو أنّها ملك من أملاك أجدادهم؟
قال كبير الوزراء:
ــ لم أجد من يساعدني منكم وإلا لقضيت على الفساد وعلى المحسوبيّة. أنا لا أستطيع وحدي شنّ حرب على عدّة جبهات وأشرسها جبهة الفساد.
ــ وأنت عنوانها الكبير قال وزير الفلاحة.
ــ الوقت ليس للمحاسبة الآن ولا لتبادل التّهم، الآن ساعة الجدّ. يجب أن نقف لبلادنا وإلا فإن فرنسا وبريطانيا ستنفّذان تهديدهما. يجب الإقدام على إصلاحات موجعة. أنظروا إلى مصر كيف أنقذها محمد علي باشا.
حاول كبير الوزراء أن يهدّئ من موقف أعضاء المجلس الذين أخذ منهم التشنّج مأخذه وبدؤوا يكيلون لبعضهم التّهم جزافا. وفي حقيقة الأمر فقد شعر أنّه كسب ودّهم واتّقى شرّ الكائدين منهم وتعمّد الرّفع من صوته طمعا في أن يكون الوافي باي قادما فيسمعه جليّا قال:
في الحقيقة أيها الزملاء إن مولانا الباي المفدّى قد شرع في الإصلاحات منذ زمن بعيد وقد نظر إلى الأمام نظرة المتبصّر فرأى أن بلادنا ستمرّ بصعوبات على مستويات عديدة ولهذا سارع بإلغاء العبوديّة وأغلق سوق الرّق وأمر بتحرير العبيد وأصدر عهد الأمان الذي تتوفر بموجبه الحياة بأمانٍ لجميع سكّان الإيالة التونسيّين منهم والأجانب ويساوي أيضا بين الجميع في حقّ امتلاك الأرض والعقار واحترام الحقوق الدّينية وحرّية التّجارة....
قفز أحد الوزراء ونبّه محذّرا:
ــ إنّ مثل هذه القرارات قد تمهّد للاحتلال.
لم يعلّق عليه كبير الوزراء وأضاف:
ــ إنّ دولتنا أصدرت أوّل دستور في العالم العربي والإسلامي وهذه أكبر خطوة وأهمّ آلية نحو الإصلاح العميق والشّامل وهو سيحدّ من سلطة الباي ويحصر حقوق العائلة الحاكمة ويبيّنها كما يبيّن حقوق الوزراء مثلكم وحقوق الموظّفين مثل الآخرين وإنّ الباي ينوي تأسيس المدرسة الصّادقية لتدرِّس العلوم الحديثة والمتطوّرة.
فجأة ظهر الوافي باي من خلف السّتار وجلس على كرسيّه متعجّبا تارة ومصفّقا تارة أخرى بدون أن يتكلّم.
لم يستطع الطّبيب أن يخفي فرحه الكبير بهذا الانجاز الذي يشاهده على الشّاشة الأم فصافح أحمد وهو يردّد:
ــ الآن تداخل الخيال الذاتي في المخيال الشّعبي وانصهر بعض من الجزء في الكلّ ويمكن للوافي أن يتصرّف في نفسه تصرّف الملك في عرشه أيضا فهو الآن مقتنع تماما بأنّه الباي الرّسمي للإيالة التونسية.
ــ ماذا تنتظر من ردّة فعله على كلام الوزراء؟ سأل أحمد.
ــ إنّه ذكيّ بما فيه الكفاية وهنا لا بدّ أن نسجّل أنّ ملكة الذّكاء لا علاقة لها بالحلم فالذكيّ في الحياة اليوميّة يبقى ذكيّا في منامه وحلمه والغبيّ يبقى غبيّا. سندفعه إلى ارتكاب العنف اللّطيف في الحلم ليكون في مستوى حلمه.
ــ وما هو العنف اللّطيف؟ سأل أحمد.
ــ لم أحسن التّوصيف. كان عليّ أن أسمّيه العنف الأبيض، يعني كأن يضرب خيالا أو أن يقتل شخصا وهميّا. فسّر الطبيب؟
ــ ألا يشكل ذلك خطرا عليه؟
ــ بل عكس ذلك قد ننفعه فننسيه ظلم أهله فهو قد أضمر لهم الشّر ودفنه في صدره وبقي يتحيّن الفرصة لإخراجه أو تنفيذه وها هو يأمر بتهديدهم وافتكاك مواشيهم. وهذا الشّعور إنّما هو ناتج عن محاولة فاشلة لإنجازه في الواقع. كأنّني به يحاول أن يرقّع جرحا في نفسه بارتكابه العنف أو بالتّفكير في ارتكابه. ولهذا تمثّل نفسه في موقع الحاكم الأعلى الذي يملك السّلطة الأقوى.
ــ بودّي لو نسمح له بقليل من الرّاحة فقد أنهكْتُه بالأسئلة وأعدت إليه جرحه القديم من خلال أسئلتي التي أمطرتُه بها اليوم. بودّي لو أرحناه وسجّلنا نقطة الوصول لنستأنف عملنا في المرّة القادمة ونربط الأحداث ببعضها مثلما فعلنا في الحلم السّابق.
ــ الأمر مختلف ففي المرّة السّابقة كان جهّز الحلم بنفسه وكان فاعلا فيه أو بشكل آخر هو من ملك الحلم ونحن وجّهناه وقسّمناه وربطنا فقراته ببعضها وكان الوافي قد خزن حلمه في الذّاكرة. أمّا الآن فلا علم له بمستقبل الحلم نحن سنصنعه ونهيئ الأرضيّة و ندفعه إليها مفعولا به، مستغلّين حادثة عاشها فيما مضى. فإذا تعب سيجبر نفسه على الرّاحة. لا تخف فالدّماغ يقسّم فترات نشاطه وفترات راحته وهو يحسن التّقسيم. الوافي باي اختلى خلف السّتار ليمارس الذّكاء أثناء النّوم أوّلا وثانيا لأنّ دماغه أراد منح نفسه مساحة للرّاحة ولاستعادة الأنفاس.
ــ وأنا؟ ألا أحتاج إلى راحة؟
ــ ليكن لك ذلك ...المهمّ أن ترتاح لتتمكّن من عطاءٍ أكثر فالمرحلة القادمة صعبة.
ــ شكرا
عندما أسكت أحمد كل الأجهزة وقطع عنها الكهرباء ولم تبق إلا الشّاشة الأمّ شوهد الوافي وهو يرتجّ قبل أن يلقى هدوءه مجددا.
قال الطّبيب محدثا أحمد الذي استعدّ للخروج:
ــ بداية من الفقرة القادمة سنترك الحلم ينتهي وسنرى إلى أيّ حدّ يمكن للوافي أن يقاوم نفسه وسوف نسجّله بالصّوت والصّورة ولن نقطع الحلم إلا في حالة تعرّضه لخطر ما أو لأذى. أمّا الآن فقد نجحنا في كلّ المراحل السّابقة وعلينا أن ننظر في الحلم المفروض على النّائم وهذا يكفي.
11
الوافي في كفّ حبه القديم
ظهر الوافي على الشّاشة مشيرا بعصاه في اتّجاه السّفح حيث تبدو قرية أولاد الصّغير وهي قرية ريفيّة من قرى الإيالة التّونسية يعيش أهلها على الفلاحة لا غير رغم أنّها لا تبعد كثيرا عن البحر وعن مركز الولاية ولكنّها تبدو بعيدة جدّا عن الحضارة والحداثة إذ لا يصلها كهرباء ولا قنوات تربطها بشبكة الماء الصّالح للشّراب. منازلها متفرّقة في شكل مجموعات لا تتعدّى الواحدة منها الخمسة أو السّتة. منازل تبدو للنّاظر إليها من فوق كأعشاش طير في وسط غابة الزّياتين الممتدّة بغير نظام. يمارس الفلاحون الزّراعة البعليّة وتربية الماشية ولهم جنان قليلة من الأشجار المثمرة متناثرة بدورها بين الزّياتين، تراب القرية لا يحتمل المزروعات التي لا تنمو إلا بالرّي المتواصل فالطّبيعة شحيحة والأشجار تعوّدت على الإثمار سنة بعد سنتين أو ثلاث ورغم هذا العوز والشّعور بالميز والحيف وبالضّعف فإنّ السّكان يمتازون بالكرم وبعزّة نفس نادرة. يحبّون قريتهم ولا يستطيعون العيش خارجها. تربطهم ببعضهم علاقات قربى ونسب ومحبّة فقد تعوّدوا على مساعدة بعضهم وعلى الخروج جماعات كلّما احتاجوا إلى تكافل. ورثوا الثّقة في بعضهم كما ورثوا الكرامة والكرم. فلا قسوة الأيّام ولا جحود الطّبيعة ولا ضنك العيش يجبر الحرّة على أن تأكل بثدييها في هذه القرية.
مرّت على القرية سنين عصيبة لم تحمل السّماء إليهم سحبا غير بعض الغمامات الصّيفية التي تمرّ من فوقهم في كلّ الفصول فتنظر إليهم شامتة وتمرّ إلى هناك، إلى بعيد حاملة معها الأمل يكفّنه الجوع وتبكيه الحاجة.
ثلاثة رجال يقتربون من أوّل تجمّع سكنيّ في القرية مع إطلالة الشّمس عليها وخروج الأطفال إلى السّاحات والنّساء إلى زرائب المواشي. أما الرّجال فأغلبهم يعملون في الفلاحة فقد تعوّدوا على الخروج باكرا إلى حقولهم في كلّ الفصول وفي الجدب والخصب. شعارهم:
"الحرث دوامْ والصّابة أعوامْ" يتشبّثون بهذه المقولة ويتّخذون منها حافزا يشجّعهم على العمل كامل السّنة أملا في أن يجود الله عليهم بالغيث ويُطلع الأخضر من التّراب الأسمر.
اقترب الرّجال الثلاثة فبان للأطفال لباسهم العسكري فارتعدوا منهم وأحاطوا بهم ينظرون منبهرين على خيولهم المزدانة بأعلام مختلفة الألوان تتأرجح من جوانب سروج منقوشة بدوائر وصفائح برّاقة. نزل أخفّهم من على سرجه ومشى إلى أكبر الأطفال فشدّه من يده بعنف حتّى تأوّه الطفل وحاول الإفلات من قبضة العسكري.
قال الفارس:
ــ هل تعرف شيخ المكان؟
ــ نعم، قال الطفل، انّه الشيخ مختار.
ــ هل يمكنك أن تدلّنا عليه أو أن تناديه؟
ــ وإذا لم أجده هل أنادي ابنته نجمة أم زوجته للة حورية؟ من تريد الأول؟ ومن سيادتكم؟
ــ أمرتك أن تنادي الشّيخ مختار فقط.
سمع الأطفال كلام الفارس فانطلقوا راكضين إلى نفس الوجهة وهم ينادون:
ــ يا سي مختار
ــ لقد وصلوا يا سي مختار
ـ يا عم الشيخ
ــ يا نجمة... العسكر وصل.
ــ يا نجمة...
ــ نجمــــــــــــــــــــــــا....
ينزل الفارسان الآخران ويقتربان من زميلهما وعلى وجهيهما ترتسم ملامح الاشمئزاز والاحتقار. لم يجدا مكانا لائقا ليجلسا فيه. شجرة بلّوط نصفها يابس والنّصف الأخر أوشك أن يموت من شدّة العطش قلّت أغصانها وذبلت أوراقها فلم تعد تظلّل الجالس تحتها...
لم يمض زمن طويل حتى وصل الشيخ مختار كبير القرية وشيخها المهاب وهو لا يزال يرتّب برنسه على كتفيه. تبدو على ملامحه الحيرة من تعمّد العسكريّين مناداته باسمه من بعيد.
...
ألقى الكاتب العام نظرة إلى الطّبيب وتمعّن في عينيه جيّدا ثم قال:
ــ هل الوافي يستدعي المختار والد نجمة التي أحبّها؟
ــ نعم أجاب الطّبيب، وقد يحضره لينتقم منه،ربّما.
تلتحق نجمة ابنة مختار الكبرى بأبيها فيدهش العساكر لجمالها ويحيلون النّظر من الشّيخ إلى نجمة فقد أصابهم جمالُها بصعقة جعلتهم يتلعثمون في الكلام ويرتبكون وهم يسلّمون على الشّيخ مختار ممّا أهاج الأطفال فأطلقوا ألسنتهم للصّفير والصّراخ يستنفرون أهالي الحيّ ليحضروا ويشهدوا وصول العساكر. تقدّم المحاسب مادا يديه مصافحا الشيخ.
ــ أهلا ...آنت الشيخ مختار؟
ــ نعم؟
ــ وهذه من تكون؟ سأل المراقب. شيخة هي أيضا؟
ــ ضحك الأطفال بسخرية فغضب الشّيخ مختار منهم وأراد أن ينهرهم مبتلعا ضحكته الصّفراء.
ــ إنها ابنتي نجمة. شيخة الحي وفارس القرية.
ــ كيف؟ فارس القرية امرأة؟ هل يعقل هذا؟ هل سيّدنا الباي على علم؟
ــ لا يعنينا إن كان الباي على علم أو لا. كلّ ما في الأمر إنني شخصيا أربّي الخيول وابنتي نجمة تعلّم النّاس الفروسية. اطمئن إنّها متزوّجة من خيرة القوم ولكن لا أحد من رجال الباي يقدر على منازلتها في الفراسة.
ــ آ... متزوجة؟ لا يذهب في ظنّك أننا جئناك خاطبين راغبين.
تكلّمت نجمة:
ــ ذلك شأنكم، نحن، نساء القرية لا نتزوّج الغرباء و لا عابريّ السّبيل. ههه ولا حتّى عساكر الباي، عساكر زواوة متقدّمين في الحرب متخلّفين في الرّاتب.
ضحك العسكريون الثّلاثة ليتخلّصوا من الإحراج المهين الذي واجهتهم به نجمة وكانوا ينتظرون منها شيئا من التملّق أو التّبجيل على الأقلّ إلا أنّهم أحسّوا بضربتها في صميم قلوبهم فأراد كلّ واحد منهم أن يحاول تلافي إهانة المرأة وسعى إلى اقتسام خجله مع زميله.
تظاهر المراقب، وهو كبير العساكر وقائدهم، بالتّرفع وباللامبالاة وقال:
ــ لقد أخطأت العنوان يا هذه، لا لوم عليك فثقافتك ودرايتك في معرفة النّاس لهما سقف قصير ونحن يا امرأة نخجل من ملاسنة الحريم لأنّنا نثق بأنفسنا ومقتنعون بأننا من خيرة القوم ولنا حظوة خاصّة عند الباي سيدنا.
ــ سيّدكم جميعا؟ قال مختار، مبروك عليكم. أمّا أنا فسيّد قومي هنا، حيث أنتم.
ردّ المراقب:
ــ وسيّدك، أم أنت تنكر فضله عليك؟
ــ بصراحة، قال الشّيخ مختار، هو سيّدك أنت قبل أن يكون سيّدي. فأنت أقرب إليه ولقد قلت هذا بلسانك فلا تنكر. أمّا أن تقول إنّ له فضلا علينا فذلك عين الخطإ ولو عكست لأصبت. أقصد أنّ القرية تدفع له الضّرائب ولا يدفع لها شيئا إلا بعساكره لجمع الضّرائب.
ــ الحمد لله انّك اهتديت إلى سبب مجيئنا فنحن لم نجئ لخطبة تلك المرأة ولكن أنا، المراقب وهذا المحاسب ومعنا الجلاد جئنا لجمع الضّرائب فهل تشرّفتم بنا قبل أن نحاسبكم؟ ألستم كرماء فتضيّفوننا؟ ألستم خير الناس فتعطوننا من فضلكم؟ ألستم ألطف القوم فتعاملوننا بلطفكم؟ أم إنّ الزمن المقلوب حمل الضّيف على طلب استضافته وكأنّه عابر سبيل يستجدي أهل الدّار؟
في تلك الأثناء بدأ النّاس يتجمّعون ويتكاثرون ويدورون من حول العساكر الثلاثة ممّا أخافهم وجعلهم يشعرون بالرّعب ويشكّون في أن المتجمهرين قد أضمروا لهم الشرّ فغيّروا أسلوبهم في الحديث وخففوا من حدّة كلامهم بل أبدوا شكلا من التملّق في المواجهة قال المراقب:
ــ سيدي مختار، هل تأمر لنا بشيء نشربه؟ هل يمكن أن يربط الأطفال خيلنا إلى الظّل؟
أعطى الشّيخ مختار برأسه إشارات عديدة فالتقط كلّ واحد الإشارة التي تعنيه. انسحبت نجمة وساق الأطفال الخيل فربطوها إلى جذوع الشّجر وجرّدوها من سروجها. بعد وقت وجيز أحضر الحصير والفراش والجلود وأدوات الشّاي وجُهّزت منضدة دائريّة الشّكل عليها ما طاب من الغلال والفواكه والحلويّات المصنوعة في القرية بأيدي نسائها. وجاءت امرأة بطبق البيض المسلوق فوضعته بجانب الكانون ليظلّ ساخنا. التفت الشّيخ مختار فدعا العساكر إلى الجلوس قائلا:
ــ تفضّلوا فأنتم ضيوفنا، قوموا بما جئتم من أجله، سنسعى إلى القيام بواجبنا. ندعوكم إلى تناول الغداء معنا فنكون بذلك قد كسبنا ثقة بعضنا وتقاسمنا الماء والملح وتعاهدنا على الأمانة وعدم الغدر/نحن لا نغدر يا سيّدي المراقب.
ــ لقد كنت صريحا قال الجلاد ولهذا فلا مجال لافتعال العراك إن الأفضل أن نتّفق،
ــ أنت رجل شهم وصادق، سيدي مختار علّق المحاسب، وأعتقد أنّني لن أجد صعوبة في التّعامل معك فأنا جئت للمحاسبة ولاستخلاص ما عليكم من ديون تراكمت طيلة السّنين الماضية. كل شيء مسجّل في دفترنا.
ــ نعم ... نعم... جئتم للمحاسبة كلّكم ... نعم ... كل شيء واضح وجليّ...أمامكم الشّجر وارف الظّلال ومحمّل بالثّمار والطّير السّابح الزّاهي يغرّد فوق رؤوسكم فرحا بمجيئكم والحجر المغسول بالمطر ناصع البياض مثل قلوب النّاس والبشر الفهيم والخير العميم والعشب الوفير والحيوان الشّبعان حتّى التّخمة والمطر الحاضر بالغياب هل اعترضكم السّحاب يا أصدق الأصحاب أم قادكم الضّباب وأغرّ بكم السّراب ورقد التّراب فرحا بقدومكم وخوفا على حوافر خيلكم من الغبار؟
قال المراقب:
ــ ونحن في طريقنا إلى هنا مررنا بجبال زغوان فاعترضتنا سحابات متفرّقة لكنّها كانت مختلفة الألوان فيها اللون الدّاكن وفيها المائل إلى البياض وفيها الممتلئ ماء ... يعني...
قال الجلاد:
ــ هي في نهاية الأمر سحابة واحدة تسوق أمامها سحابات أعتقد بخبرتي أنها ستعصرها فوق جبال زغوان.
ــ كان في إمكانكم أن توصلوها إلى هنا لندخلها في الحساب أو أن تدلّوها علينا. قل أيّها الرّجل الطّيب، هل جئتم إلى قريتنا بمحض الصّدفة أم أن سيّدنا الباي قد أرسلكم؟
ــ آ...آ...سؤال وجيه أجاب المراقب...
ــ ايه ...ايه...علّق الجلاد.
أمّا المحاسب فقد راح يسطّر في دفتره المفتوح على ركبتيه ويجمع ويطرح ويرتّب العناصر المعدّة للحساب ثم قال:
ــ قل يا سيدي المختار...دعنا من الكلام الإنشائي الفضفاض وهيّا بنا للمحاسبة ربحا للوقت فالتّعبير عن الحال يبقى رهن الحالة اليوميّة ورهن المزاج والطّقس وهو في نهاية الأمر من قبيل المحسوس لا الملموس كالحساب.
تململ الشّيخ مختار ولفّ برنسه على ركبتيه وانحنى لينظر كم من سطر كتب المحاسب في دفتره وسأله:
ــ تلك الأسطر التي كتبتها كلها ديباجة للحساب؟
ــ نعم قال المحاسب.
ــ يبدو انك لم تحسن الحساب فما نملكه في القرية أقل بكثير من تلك الأسطر التي قدمت بها صفحة الحساب... كنّا سألناكم عن السّحاب فقلتم انّه اعترضكم في زغوان وكان عليكم أن تحاسبوه هنالك قبل أن يموت في سهول مدينة النفيضة لأنّنا نحن لا نملك ولا نستطيع أن نملك شيئا إلا بعد أن يزورنا السّحاب وينزل فوق رؤوسنا فيبلّل أرضنا. اكتب، اكتب هذا: السّحاب قبل الحساب.
ــ قريتكم فلاحية، خضراء على الدّوام، أيها الشّيخ فلماذا تصرّ على أنكم لا تملكون شيئا؟ سأل المحاسب...
اقتربت أصوات نسائية من المجلس فانتبه الرّجال إلى مصدر الصّوت فإذا بحدّة الابنة الصّغرى للشّيخ مختار تتقدم أختها وبعض النّسوة وهي تغني:
عندنا ... بل عندنا
التّمر في العرجون
وعندنا ... جنّة للوز والليمون
وعندنا ... الحقل للزّيتون
عندنا يا ما عندما ... الماء في العيون...
كأننا في جنة الرضوان
.... ساكنون
يا مرحبا يا مرحبا بالضيف والضيفين.
لكزت نجمة أختها فتوقّفت عن الغناء وغادرت مسرعة خجولة فيما وقف العساكر الثّلاثة مصطفّين وتلا المحاسب الدّيباجة التي حرّرها في رأس محضر المعاينة والمحاسبة. شرع في القراءة ومن حين لآخر يعاود واحد من زميليه بعض الكلمات ويؤكّد بنغمة التّهديد والوعيد:
ــ يا أيّها المختار ...
يتلهّى الشّيخ بإبعاد الأطفال عن المجلس لينفرد بالعساكر الثلاثة. بينما يواصل المحاسب:
يا شيخ هذه الدّيار ...مولانا الباي يقرئك السّلام ويمهلك بعض الأيّام لكنّه لم ينسك ويأمرك بدفع الزّكاة بالأعشار.
تذكر سيدي المختار
كم عندكم في حيّكم من دار
والشّيح والإكليل والعرعار
كم تملكون من مهار
من ناقة وجمل ومن خرفان
ومن دجاجة تبيض
من ديكة ومن أبقار
وكم يموت بينكم من واحد في العام أو في الشهر أو في النهار
لتذبحوا من خلفه ...
يا سيدي المختار
قلتم لنا: عندنا يا ما عندنا
تدخل الشّيخ مختار فقطع حبل الحديث عن المحاسب.
ـ نحن لا نذبح القرابين لموتانا ولا نفرح لموتهم بالذّبائح يا سيدي المحاسب، يبدو انّك انحرفت في حسابك.
ــ لا قال المحاسب بل دفع الضريبة نيابة عن الميت واجب على الأحياء. دفع الضّرائب نيابة عن الميت تجعله يلاقي ربّه بلا ديْن بل سيجد الصّدقة في انتظاره. نحن نسجّلها على أيّة حال لكيلا يضيع أجر محسن في حياته أو بعد موته...
ــ عيب، ردّ المختار، عيب، إنّكم بهذا الصّنيع تحطّون من قدر الباي سيّدنا. إنّكم تشحذون وتطلبون الصّدقة ولا تجمعون الضرائب.
ــ ولو... أضاف المحاسب.
فقاطعه الشيخ:
ــ نرفع الأمر إليه مباشرة وسيرى من منّا على حقّ...هل تدركون أن أهل القصر لا تحقّ عليهم الصدقة؟
تدخّل المراقب:
ــ لا علينا يا شيخ... هب أنّكم في حالة لا تحسدون عليها بعد هذه السّنين العجاف التي مرّت وأكلت أحشاءها كالنّار حين تدور على جمرها بعد أن تلتهم أحطابها، هذا أمر يمكن أن ننظر فيه، نحن نعرف العدل ونمارسه. لكن قل لنا كم تملك من جواد؟
ــ بعض المهاري. أقتطع من طعامي وطعام أطفالي لأربّيها. فهل يرضيكم هذا التّصرّف أم يغضبكم؟
قال الجلّاد:
ــ الإنسان أولى من الحيوان بالإطعام.
ــ إني أرى العكس.
ــ نعرف انّك تبجّل الخيل على أبنائك نحن نعرف وسيّدنا الباي يعرف...لقد وصله خبر تزويجك نجمة بمهر ....
يسمع صوت امرأة من بعد...
ــ الفطور يا شيخ.
تدخل نجمة تحمل طبقا عليه غلال وفاكهة ومعها امرأة أخرى تحمل قصعة بينما تحمل أختها حدّة إبريق الماء وإناء آخر...تضع النّسوة الأكل أمام الضّيوف ويغادرن.
يدعو الشّيخ مختار ببساطته العساكر إلى الفطور قبل الحساب والضّرائب لكنّهم لا يشرعون في الأكل فيلحّ عليهم ويكرّر دعوته مندهشا لامتناعهم. إلى أن يشكّ في أنّ الفطور لم يعجبهم فيقول:
ــ ذلك ما أمكن طبخه ...لقد جئتم في وقت ضيّق. أرجو أن تعذرونا إن لم يعجبكم الغداء.
ــ أعجبنا قال الجلاد.
ــ إذن فهيّوا باسم الله. أضاف الشّيخ مختار.
ــ هل تعرف يا شيخ آداب الضّيافة؟ سأل الجلاد.
ــ سأتعلّمها إن وجب الأمر منك مثلا.
ـ نعم، ردّ الجلاد، يمكنك أن تتعلّم وتعلّمها للآخرين.
ــ وعلى ماذا تقوم آداب الضيافة؟
تدخّل المراقب:
ــ حسب قيمة الضّيف... نحن مثلا مبعوثون من الباي لا نأكل مباشرة بل لا بدّ من أحد يطعمنا...هكذا تقتضي الأصول ويفرض الاحترام...
ــ حسنا سأطعمكم بنفسي إذا وجب الأمر وأجري على الله...
ــ أبدا، صاح الجلاد، ما هكذا تساق الإبل يا شيخ... نحن رجال الباي ولا يطعمنا الرّجال بل النّساء ...هذا هو العرف السّاري في كلّ البلاد ألمْ يبلغكم أحد؟
ــ لا قال الشّيخ وقد ارتجف وأدركه الهلع واحتار ثم نهض وجمع برنسه وقابل الثلاثة وقال:
ــ أنتم مصرّون على ذلك؟
ــ نعم قال الجلاد وإلا أجبرتمونا على تغيير وجه العملة فتصرّفنا تصرّفا أحمق.
ــ حسنا، حسنا ،لا داعي للحماقة فأنتم متعوّدون عليها، سأجمع أجمل ما في الحيّ من نساء، ما يليق بمقامكم يا سادة، تأكّدوا من ذلك، لن أعود إلا ومعي أجمل ما في الحيّ من نساء. هل تريدهنّ أبكارا أم محصنات يا، متاع الباي؟
ــ نفضّل المتزوّجات لأنّهن يعرفن كيف يطعمننا، قال المحاسب.
وأضاف الجلاد:
ــ ولأنّهن يحسنّ وضع الزّينة على وجوههنّ.
بدت على وجه الشيخ مختار علامات الاستغراب، كتم غيضه وقابل محدّثيه بابتسامات متتالية وبسخرية الشّيخ المتمرّس ...وأضاف وهو ينسحب:
ــ يبدو أنّكم على ذوق محترم وعلى خلق كبير، ولهذا سأنقّي الحيّ من النّساء الغنج ليفتحن فيكم شهية الأكل لكن، قد يأخذ الأمر بعضا من الوقت فلا تقلقوا.
ــ على مهلك ورسلك وراحتك أيّها الشيخ.
ما إن ابتعد المختار حتّى أضاف الجلاد بصوت خافت:
ــ أيها الشّيخ الخوّاف.
غاب الشّيخ مختار وبقي العساكر الثّلاثة يتهامسون ويتغامزون متّخذين من جمال نجمة موضوعا يتزايدون به على بعضهم فيغالون في وصفها ويتفاخرون بالتّغزل بها وظلّوا هكذا يتلاعبون بأشفار عيونهم ويفركون أكفّهم ويمسحون على سيقانهم إلى أن خرج عليهم قوم كالمجانين من تحت الأرض أو كأنهم نزلوا عليهم من السّماء :نساء وأطفال ورجال تسلّحوا بما وجدوا في طريقهم من عصيّ وحجارة وهراوات وسكاكين وفؤوس. هبّوا كالرّجل الواحد ونزلوا على العساكر ضربا وركلا وسبّا وشتيمة. وقف الشّيخ مختار يراقب العساكر بعين الشّماتة كمن يثأر لشرفه المهدور إلى أن هدأ غضبه وطاب خاطره وساءه حال العساكر وصياحهم واستغاثاتهم فصاح في أهله أن توقّفوا عن ضربهم فمسكوا أذرعهم وأيديهم إلا بعض الأطفال الذين اتّخذوا من المعركة لعبة فانهالوا على العساكر ركلا بأرجلهم ورميا بالحجارة ممّا جعل الشّيخ مختار ينهرهم أمّا العساكر فأسرعوا إلى خيلهم فركبوها وهي ملطاء إذ لم يجدوا الوقت لوضع السّروج والرُّكبِ على ظهورها. أمر الشّيخ مختار بحمل سروج الخيل ومتاع العساكر أمانة في منزله.
الوافي يسقط خارج نفسه
أعجب الطّبيب بتركيز أحمد وشدّة انتباهه فسأله:
ــ هل فهمت شيئا يا أحمد؟
لقد أضعت فضعت. فهمت أنّ الوافي خرج من اللّعبة فانتقلنا إلى ملعب آخر حيث مقابلة أخرى وجمهور آخر. هل خرجنا من الموضوع؟
ــ لا، قال الطّبيب، لقد نجحنا في شيء عظيم هي أنّنا صنعنا من الجزء كلا ومن الشّخص جمهورا ومن الفرد شعبا. انتقلنا من حلم صغير شحنّاه في دماغ الوافي فأيقظنا فيه أحلام شبابه وتوزّع حلمه على شخوص عدّة. خلقنا فيه حلما واحدا فتوالدت منه أحلام. لم يخرج الوافي من الحلم بالقوّة لإخضاع الأخر وإشباع طموحه. بل صار يروي حلمه على نفسه مستعينا بالآخرين. وهنا يا صاحبي يتبيّن أنّ دماغ الوافي استطاع أن يمرّ إلى التّمييز بين الظّالم والمظلوم فصنعهما ليطمئن وجعل المظلوم يثور في وجه الظّالم تماما كما يفعل الآن. يثأر لنفسه من المختار الذي حرمه من نجمة.
خاف الطّبيب النّفساني من الانقطاع المفاجئ للكهرباء فأعدّ مولّدا يشتغل ببطارية يشحنها فتحتفظ بقدرة على توليد الطّاقة من نفسها وربط المولّد بالمقبس الكهربائيّ المركزي في عيادته وهكذا اطمأنّ إلى عمله ورمى بالحلم إلى دماغ الوافي فقبله وواصل تسجيله بإتقان وبوضوح. كلّ شيء يسير سيرا منطقيا لا أحداث مسقطة تتخلّله ولا مفاجآت تبعثر أجزاءه. لكأنّما تسير الأمور طبقا لبرنامج محكم ومدروس فالعساكر الذين أرسلهم الباي لجمع الضّرائب عادوا إلى القصر على ظهور جيادهم بلا سروج فوصلوا مرهقين لا يكادون أن يجلسوا على مؤخّراتهم من أثر السّفر الطّويل وقد أخذ منهم الجوع مأخذا.
ما إن وصلوا إلى القصر حتّى تمدّدوا على الأرض تاركين للخدم أن يهتمّوا بالجياد. جرى إليهم كبير الوزراء مستفسرا فلم يجدوا القوّة لسرد الحكاية من أوّلها إلى آخرها فأشار عليهم بالرّاحة بعض الوقت ثم بالالتحاق مباشرة بمجلس الباي فهو في انتظارهم منذ وقت وقد سأل عنهم أكثر من مرّة. في الحقيقة خاف كبير الوزراء أن يفشل في نقل أمرهم بتفاصيله فيغضب الباي وهذا الأمر مؤكّد إذ سينفجر الوافي باي في وجهه غضبا. فلماذا يتحمّل وحده تبعات أخطاء الآخرين؟ تردّد العساكر في الالتحاق بمجلس الباي واستأذنوا كبير الوزراء في السّماح لهم بترتيب أمورهم وبتسوية حالهم وتنظيف وجوههم التي كساها الغبار حتّى بانت شاحبة. أمّا لباسهم فقد غدا مدعاة للسّخرية والضحك لذلك نصحهم كبير الوزراء بمقابلة الملك وهم على تلك الحالة فربّما رأف بهم واختلق لهم الأعذار التي قد تخفّف عليهم العقاب أو تبرئ ساحتهم من تهمة الإخلال بالواجب... تقدّم كبير الوزراء نحو مجلس الباي وتبعه الثّلاثة حتّى وصل بهم أمام المجلس فاستأذن بالدّخول إلى الباي.
أمر الطّبيب النّفسانيّ أحمد بفتح ملفّ في الحاسوب ليحوِّل التّسجيلات الصّوتية إلى نصّ مكتوب قال:
ــ يعتبر هذا العمل في حدّ ذاته انجازا نتمكّن من خلاله من قراءة الحلم. تصوّر أنّ الحلم سيصبح بهذا الشّكل قابلا لأن يُدَرّس للطّلبة. انّه عمل جيّد أليس كذلك؟
ــ ويستحقّ جائزة نوبل في الطّب.
ــ هذه المسألة نفكر فيها مرّة أخرى أمّا الآن فإلى العمل. قال الطّبيب.
ضغط أحمد على بعض الأزرار وما هي إلا لحظات حتى أصبح الحوار المرافق للصّورة القادمة من بهو الإدارة نصّا مكتوبا بعربيّة فصيحة سهلة. عندها اختار الطّبيب أن يترك الآلات تسجّل ما يصلها من إشارات بصفة أوتوماتيكيّة ودعا أحمد إلى المطبخ لتناول بعض المشروبات.
على الشّاشة الأمّ تتواصل الصّور قادمة من البهو حيث ينام الوافي نوما اصطناعيّا أو مبرمجا عن بعد ومُمْلى. بدأت أحلامه في التّواتر والتّراكم بعد أن أوقدها الطّبيب النّفساني ودفعها إلى أنّ تسير بشكل طبيعيّ كأنّها أحلام عفويّة.
...
في وقت وجيز صار الوافي بايًا على إيالة تونس تدين لها كلّ العروش بالولاء والطّاعة وتمدّه بالضّرائب وتستشيره في كلّ أمورها ولا تملك من قرارات غير ما يتعلّق بالشّأن الفلاحي مثل تربية الماشية أو زراعة الحبوب أو غراسة الأشجار المثمرة وخاصة منها الزّيتون. فهي الشّجرة المباركة التي نبتت في البلاد قبل أن تسمّى تونس...قاد الحلم الوافي إلى أن يصبح بايا وفتح لنفسه قصرا ونصب فيه مجلسا غريبا فهو لا يشبه مكتبا فاخرا ولا مطعما فخما وليس بغرفة نوم ولا قاعة جلسات بل هو يأخذ من هنا وهناك وتتآلف أجزاؤه لتعطي مجلسا لائقا يسرُّ النّاظرين ولا يمكن أن يرى إلا في الأحلام. كرسيّ الباي قُدّ من الخيزران ورُصِّع بالأحجار الكريمة ونُقِش فزيِّن بأجْود الألوان ورسمت عليه صورة الوافي وهو يبتسم. أما الصُّوف الذي صُنِع منه فِراش الكرسيّ فهو من أجود الأنواع وأرقاها، وُضِع في البحر لمدّةٍ تفوقُ الشّهر ثم تُرِك في نهرِ مجردة ليتجرَّد من ملُوحته قبل أن يجفَّ فيوضع من جديد في ماءِ المطر الصَّافي ويُغْسل ويُحْشى في كيس من القماش ليجلس عليه الباي. يقول الوزراء إن الوالي لا يطيق أن يضع مؤخرته إلا على فراش ناعم لطيف. في الجانب الأيمن من كرسيّ الباي أُعَدَّ الخدمُ منْصبَ كبير الوزراء وهو يُشبه كرسيَّ الباي في كلّ شيء إلا في الحشية السّفلى أمّا في اليسار فيبدو أنّ المكان قد أعدَّ للقاضي بدفاتره المرصّفة على منضدة صغيرة وقد ترك الفضاءُ شاسعا أمام الباي حتى ينظر في الدّاخل والخارج ويسمح أيضا للرّاقصات بأداء رقصهنّ في راحة. على جوانب المجلس تنزل ستائر من السّقف وتمتدّ إلى حيث البساط فتتآلف الألوان الزّاهية لتعطي للمكان رونقا وتضفي على الجلسات إحساسا بالانشراح والطمأنينة. احتار الطّبيب كيف استطاع الوافي أن يجمع كلّ هذه الصّورة لمجلس الباي؟ ربّما رآها الوافي يوما ما في إحدى الأفلام فسجّلتها ذاكرته.
...
اهتزّ الباي غيضا وهو يرى عساكره الثّلاثة يزحفون على بطونهم مقتربين منه. ما إن اقتربوا حتّى أمسك سوطه المعلّق إلى رأس كرسيّه وهوى به على رأس الأول وكان المراقب ...
ــ تفْ....
وبصق على وجه المراقب فلم يقدر المسكين على رفع يده ليمسح البصاق من جبينه وتركه ينزل على عينيه ...
ــ كلاب...صاح الباي...وأضاف. هل للباي العظيم المعظّم كلاب؟
ــ نعم يا مولاي، قال كبير الوزراء. إنّما كلابك أفضل من هؤلاء. كلابك يا مولاي تنبح وتعضّ كلّما أمرتها. أمّا هؤلاء فلا ينبحون إلا مختبئين وراء الأسوار ولا يعضّون أبدا.
ــ وكيف وصلتم إلى هذه الحل؟
ــ هل أقول الحقيقة يا مولاي، نطق المراقب؟
ــ هل تسمح لي بالكلام يا مولاي؟ قال المحاسب.
ــ هل تريدني أن أروي لكم كلّ الحكاية من البداية حتّى النّهاية؟ أضاف الجلاد.
ضرب الباي بسوطه في الهواء فارتعد العساكر الثلاثة وهبّوا واقفين وقالوا بصوت واحد:
ــ نقول.
ثم تداخلت أصواتهم فأصبحت عبارة عن ضوضاء كأنهم تلاميذ يتسارعون في الإجابة عن سؤال سهل طرحه عليهم مدرّسهم... ضرب المعلم بعصاه على السّبّورة فصمت الجميع.
ــ أنت، قال الباي.
تلكّأ المراقب وجثا على ركبتيه ورفع رأسه وسوّى ظهره حتّى بدا معتدّا بنفسه...
ــ يا مولاي....
وانفجر بكاء ولم يستطع أن يقول جملةً مفيدة عدا بعض كلمات متداخلة لم يفكّ الباي ولا كبير الوزراء شفرتها فتدخّل هذا الأخير محاولا طمأنة المحاسب:
ــ أعرف ...أعرف أن مولانا الباي يعطيك الأمان فقل ما شئت وأوضحْ ولا تأكلِ الكلام...
ــ لقد جعنا كثيرا. يا مولاي قال الجلاد. أنا أريد أن آكل يا مولاي. أريد طعاما يا ناس أنا جعت وأوشكت على الكفر.
ــ أجل لم نأكل منذ يومين يا مولاي. ولم يصادفنا شيء نأكله.
ــ خذ هذه لتفتح شهيّتك ...
وهوى عليه بجَلدة على الظّهر فأعاده إلى ركوعه...
قال المحاسب بعد أن مسح دمعه وابتلع شهيق بكائه:
ــ مولاي، أرضاك الله عنّا وفتح صدرك ووهبك الحِلم ولطّف مزاجك وصبّرك على أخطائنا ووهبك العفو عنّا...كنّا نؤدي أوامرك ونتكلّم باسْمك ونواجه القوم بتوصيّاتك ونجمع الضّرائب...
ــ كم جمعوا أيها الوزير؟ سأل الوافي الباي.
ــ لا شيء، يبدو أنّهم رجعوا بخفّي حُنين. بل إنّهم لم يحصلوا ولو على خفّ واحد.
ــ كيف؟
ــ عطفك مولانا، عطفك لقد قاتلونا وأهانونا وضربونا وأطردونا وشتمونا وسبّوك وأنت سيّدنا. قال المحاسب
ــ نعم، أضاف الجلاد، ونعتوك بأبشع النّعوت حتى أثاروا حفيظتنا ولم نحتمل فيك شتما ولا عليك لوما فحاربناهم...
وتكلّم المراقب:
ــ إنّهم أجلاف من سقط المتاع...آه لو رأيت يا مولاي وسخهم وذلّهم وحقارتهم
ــ وبعد؟ قال الوافي باي.
واصل المحاسب:
ــ رفضوا دفع الضّرائب وهاجمونا واتّهموا جلالتك بالظّلم والجبروت والـــــ... أخجل من أن أقولها...
ــ لا يهم قلها... أمَر الوافي باي
ــ لا ... أخجل.... منك مولاي... سأكتبها على الحائط... فلساني لا يستطيع أن يقولها.
ــ إن لم تقلها أمرت بقطع لسانك...
ــ قالوا إنّك فاسد....
ــ هل تسخر منّي أيّها الحقير؟ هذه كلمة عادية تقال في غياب كلّ ملك... يا وزير... احضر السّياف ليقصّ لسان المحاسب.
ــ عفوك، صرخ المحاسب: عفوك مولاي فلساني قد خانني ...سأقول الحقيقة...
تدخّل الجلاد محاولا إنقاذ المحاسب وتهدئة الباي:
ــ مولاي الباي حفظك الله ورعانا حبّك وحمانا عطفك، تدرك إنّنا لا نحتمل أن يلسعك شوك الكلام ولا وخزه وتعرف حقّا إنّنا نتمنّى أن نكون سحابة تظلّلك من الهجير وغطاء يحميك من الرّيح وأن نكون درعا يحمي صدرك من نبال العامّة... نحن نرفع إليك الحقيقة ونترك لك حسن التصرّف.
ــ عين الصّواب ردّ كبير الوزراء. لكن أين كان حبّكم عندما واجهكم قوم نكرة.
ــ لقد اتّهموا مولانا بالعزوبية فأنا سمعت امرأة تقول: لا خير يرجى من باي أعزب...سمعتها
ــ وأنا أيضا قال المراقب.
ــ هي... هذه هي الكلمة المفتاح التي أشعلت النّار في عيني وأخرجت السّيف من غمده.
ــ وكم قتلتم منهم إذن من أجل هذه الكلمة؟ سألهم الباي ووافقه كبير الوزراء بإيماءة من رأسه.
ــ لا نعرف مولانا ... لم نحص الجثث ... لقد فتحنا فيهم فتحا وقتلنا منهم قتلا وجرحنا منهم جرحا ثم انسحبنا.
ــ ما كان عليكم أن تخرجوا عليهم بسيوفكم وهم مواطنون عزّل لا سلاح في أيديهم من أجل كلمة بلا فعل.
ــ بل كانوا مسلّحين بالهراوات والعصيّ والحجارة ....
ــ وبعد؟ سأل الباي فردّ المراقب.
ــ في الحقيقة خفنا أن يتكاثر حولك قول السّوء وأن يتناقل القوم الكلام عن مولانا الباي ونحن ندرك أنّ الكلام مثل كرة الثّلج إذا أطلقت فإنّها تتزايد حجما كلّما تدحرجت وأنّ الكلام مثل طائر الفينيق يخرج من رماده كلّ صباح تتبادله الألسن وخاصة يا مولانا إذا كان الحديث خبر شؤم...ما إن تخرج كلماته وتعبُر مضيق الشّفتين حتى تنتشر بسرعة فتجوب البلاد كلّها في سرعة البرق لذلك خفنا... أليس كذلك يا حضرة المحاسب؟
ــ وهو كذلك يا حضرة المراقب والجلاد شاهد معنا.
ــ نعم، نعم أضاف الجلاد...نعم خفنا أن تطالك التّهم ودعوة العجائز عليك فهدّأنا من غضبنا وحاولنا الحفاظ على قدرك.
ــ المهمّ هاتوا ما جمعتم من ضرائب...
لم يجد العساكر إجابة على دعوة الباي فنظروا في وجوه بعضهم وكأنّهم يعلمون بعضهم بأن لحظة الحساب العسير قد حانت...انتظر الباي بعض الوقت قبل أن يعيد عليهم سؤاله:
ــ أين الضّرائب التي جمعتموها؟
ــ تكلّموا، قال كبير الوزراء.
التزم العساكر الثّلاثة الصّمت وتصبّب العرق من وجوههم وطأطؤوا الرؤوس فقال كبير الوزراء:
ــ مولاي الباي، إنّهم وصلوا على هذه الحالة فلا سيوف معهم ولا ضرائب ولا شيء حتى خيلهم عادوا بها بلا سروج.
ــ نعم؟ نعم؟ ركبتموها ملاطا؟
ــ لم يتركوا لنا فرصة وضع السّروج على خيلنا. نزلوا علينا ضربا وركلا وشتما فاخترنا الهرب قبل أن يفتضح القصر بموتنا تحت أرجلهم تمتم الجلاد.
ــ ليتكم متُّم ...كان عليكم أن تموتوا بشرف وألا تعتّبوا القصر. القصر لا يدخله المهزومون والهاربون الجبناء ثمّ أين دفتر المحاسبات والختم؟
ــ لم يحملوا معهم شيئا مولاي. قال كبير الوزراء.
ــ فضيحة صاح الباي... بل خيانة عظمى...لقد مرّغتم وجه الإيالة في الطّين أيّها الكلاب ولم تكتفوا بقبول الإهانة والذّل بل تركتم الختم عندهم. انّه ختم العرش ...ماذا لو أصدروا به أوامر تقضي بقطع الرّؤوس وبقلب الحكم وبتعيين .... ومن هم هؤلاء أيها الجبناء؟
ــ أولاد الصغيّر في ساحل البلاد.
ــ افعل بهم ما تريد أيّها الوزير ... أنا لم أعد قادرا على تحمّل حقارتهم... لا تنس أن ترسل أحد رجالك في طلب الختم وابحث في الأمر جليّا فأنت تعرف إنّ التّفريط في الختم يعتبر جريمة كبرى وخيانة لا يقلّ عقابها عن السَّحل حتّى الموت في السّاحات العموميّة أو الإعدام شنقا...تأكد انّني سأمْضِي للقاضي على سحلهم أو سحقهم حسب ما يسلّط عليهم من حكم. وتذكّر جيّدا أنّ الختم هو هويّة الباي والحامل الوحيد لإمضائه وقد يستعمل في عدّة أغراض وفي المعاملات سواء في الداخل أو حتّى مع الأطراف الخارجيّة.
...
لمع بريق على الشّاشة الأمّ وبدأت الصّورة تغيم ثم تعود ثم تختفي وتظهر من جديد ولا تستقرُّ على حال. شغّل الطبيب الحواسيب وطلب من أحمد أن يعيد الرّبط مع كاميرا المراقبة.
ــ انقطع الإرسال من الخوذة يا دكتور.
ــ غريب، ردّ الدكتور، حاول الرّبط ثانية وإلا ثبّت التّواصل مع كاميرا المراقبة.
عاود أحمد الاتّصال: أدار في كفّه فأرة الحاسوب ولكن لا شيء يظهر على الشّاشة الأم ولا على الحواسيب حتى آلات تسجيل التّخطيط أصبحت تخرج الأشرطة بسطر واحد فلا ذبذبات ولا قمم ولا علامات تخرج عن الخطّ المستقيم. وحدها كاميرا المراقبة لا تزال تبعث بصور الوافي الجالس على سريره مرفقة ببعض الأصوات المتداخلة كأنها حشرجة الصوت تخرج من صدر الوافي.
ــ ثبّت الصّورة على الأقل يا أحمد، انتبه جيّدا في شاشة الحاسوب.
ــ هل الوافي بصدد الحلم؟ لماذا قطعت التّسجيل؟
ــ لا اعتقد انّه يحلم، يكفي أنّنا نراه وأنّ حالته النّفسية تحت مراقبتنا.
ــ هل أعدتَ إليه وعيه؟
ــ طبعا، حفاظا على سلامته، وبالتالي قطعت عنه الإيعاز بالحلم، سننتظر بعض الوقت وسنرى.
ــ لا يا دكتور ... لن ننتظر ...انظر ماذا يحدث الآن.
كالضحكة التي شقّت شفة البعير
انتبه الطّبيب إلى الشّاشة الأمّ فبدا الوافي واقفا خلف الباب...يفتحه ثم يغادر الإدارة ويغيب في الظّلمة بينما تبقى كاميرا المراقبة تبعث بصورة البهو خالية من أيّة حركة.
ارتبك احمد وصاح:
ــ إني خائف ...تصرّف يا دكتور ... لقد غادر الوافي الإدارة وأخاف أن يكون قد فقد وعيه.
ــ لا تخف...هيّا اتبعني. هل تعرف منزله؟
ــ طبعا، انّه على بعد دقائق.
تبع أحمد الطّبيب ليغادر العيادة من باب لم يتعوّد على الدّخول منه ولم يخطر على باله أنّ هذا الباب الذي ينفتح على سلّم العمارة هو باب يفضي أيضا إلى عيادة الطّبيب أو بالأحرى إلى مخبر العيادة الذي لا يدخله المرضى قطّ.
جرى الرّجلان نحو السّيارة الرّابضة في أسفل العمارة وركب أحمد إلى جانب الطّبيب ودلّه على الطّريق المؤدّية إلى منزل الوافي. في أقلّ من خمس دقائق كانت السّيارة قد وصلت أمام الباب. لا شيء يدلّ على أنّه قد وصل فالمنزل مظلم تماما ولا ضوء ينبعث من داخله، لعلّه قد سلك طريقا آخر فوصل سريعا ودخل لينام في منزله دون أن يشعل الضوء. أو لعلّه واصل نومه على إحدى العتبات أو قد يكون عاد إلى الإدارة فقد منحه الكاتب العام نسخة من مفتاح الباب الخارجي للبهو. أشار أحمد على الطّبيب بالتوجه نحو الإدارة وحيدا ففعل ومشى احمد إلى المستودع فوجد دراجة الوافي راكنة هناك، جرى إلى البهو لينظر من خلال البلّور الخارجي لعله يلمح الوافي فلم ير غير السّرير ومنضدة الهاتف ولمح الكاميرا تغمز بضوئها الأزرق.
ماذا جرى للرجل؟
لقد سرى والخوذة على رأسه وهذا الشيء يخيفني.
انتفض الطّبيب ثم ضرب كفّا بكفّ وقال محدّثا رفيقه احمد وهو يقترب منه:
ــ أنت رأيته ينهض من سريره؟
ــ طبعا وأوقفتُ الحواسيب عن الاشتغال.
ــ جميل... قال الطّبيب
ــ وهل ترى في الأمر ما يعجب يا دكتور؟ أنا بصراحة بدأت أنزعج وبدأت الشّكوك ترقى إلى عقلي فقد أتحمّل المسؤولية كاملة.
ــ لا عليك، طمأنه الطّبيب، لا تخف انّه يعيش حالة سرنمة....
دخل أحمد في هستيريا من الضّحك، ضحك ممزوج بالحيرة وبالارتباك. راح يخضّ كفّيه خضّا ويضحك ثم سأل الطّبيب:
ــ وما هي السّرنمة يا سيدي؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل.
ــ السّرنمة كما تدلّ على نفسها هي كلمة مولّدة من كلمتين السّير والنّوم يعني أنّ الإنسان قد يستفيق من نومه فيسري بعض الخطوات وقد يغادر البيت الذي ينام فيه وقد يخرج إلى الشّارع بعد أن يدير المفتاح أو يبعد الرّتاج ويغلق الباب من ورائه.
ــ لا، لم تصادفني حالة مثل هذه. سمعت بها ولكن لم أصدقها إلى أن رأيتها الآن.
ــ وهو نائم...نعم... حالة السرنمة هذه يعتبرها البعض حالة مرضيّة وبعض آخر يعتبرها فصلا من فصول الحلم.
ــ إذن ما العمل؟
ــ علينا أن نجده .... سنخرجه من بطن الظّلام نائما أو يقظانا أو حتى في حالة سرنمة ...لا بدّ أن يكون هنا أو هناك...
ــ مادمت قد فهمت معنى السّرنمة فيمكنك التّعويل عليّ... أنا انجح دائما في أداء المهمّات التي أفهمها.
ــ يمشي كلّ واحد في جهة ونبقى على اتّصال.
انطلق الرّجلان في عمليّة البحث عن الوافي. كلّ منهما توجّه إلى ناحية وابتلعهما الظّلام بعض الوقت...لم يبتعد أحمد كثيرا عن الإدارة ولم يتعب في البحث عن الوافي التّائه. لمحه متمدّدا كالنائم على إحدى العتبات... اقترب منه بهدوء وحذر ومدّ يده نحو الخوذة وهمّ بأن يدقّ عليها لكنّه سرعان ما تراجع. فكّر في مناداة الوافي وتراجع أيضا وفكّر في دفعه فخاف. تركه وجرى يبحث عن الطّبيب. وسرعان ما عاد به.
جلس أحمد إلى جانب الوافي كأنّه يقاسمه نفس السّرير فيما بقي الطّبيب واقفا مكتفيا بمتابعة الأحداث. همس في أذن احمد:
ــ لا تكن عنيفا معه، احذر ردّة فعل مفاجئة منه وتقبّل كلّ ما يخطر على باله من قول أو فعل...
ــ دقّ احمد بسبّابته على الخوذة ثم همس في أذن الوافي:
ــ وافي.... وافي...أين أنت؟
ــ آ.
ــ هل أنت نائم يا وافي؟
مدَّ الوافي يده وقال لمحدّثه:
ــ سأخبرك لماذا امتنع البنك الحكومي عن منْحي المبلغ المالي المطلوب لفتح ورشة تعليم السّياقة مع أنني اعتبر صاحب مهنةــ حدّثني ...لكن هيّا بنا نواصل حديثنا في المقهى
ــ لا ... لا ...هنا في بهو الإدارة أفضل.
فهم الطّبيب أنّ الوافي بصدد معايشة حلم جديد. تمنّى لو كانت معه آلة تسجيل ليثبت هذا الحلم ويلصقه بالأحلام السّابقة فالأحلام تأتي في بعض الأحيان في صورة مقاطع متناثرة يستطيع النّائم الحالم أن يجمعها كما يجمع التّلميذ الحروف ليكوّن العبارة ثم يجمع العبارات ليكوّن الجملة واكتفى بالإنصات إلى الوافي وهو يخيط الكلام خياطة ويطرّزه تطريزا كأنّه في تمام الوعي والواقع قال:
ــ اشترط عليّ البنك أن أوفّر له عقارا أو أرضا على سبيل الرّهن...معه الحقّ... لا بدّ أن يضمن خلاص قرضه...
ــ متى كان هذا؟ سأل أحمد واندهش لسرعة استجابة الوافي فكأنه يحاوره في الواقع أمّا الطبيب فلم ينزعج. لانّه يعرف إن الحالم يستطيع أن ينخرط في الحديث وقد يقطعه ثم يعود اليه ويتواصل مع محدّثيه.
ــ خذ مكانك، خذ راحتك سيّدي، لا تنزعج .سأحدّثك عن نفسك فآنت لا تفكّر في هذه الأشياء لأنّك مرتاح البال تنتظر الرّاتب كلّ رأس شهر لتصرفه فيما لا يعني ...أنت لم يعد لك شأن تقضيه فقد أتممت كل المهمّات في حياتك وحقّقت طموحك الذي رسمته يوم ولدت وستبقى عليه إلى أن...فِرْتْ... تتوسّد الحذاء وتأخذ مكانا إلى جوار ربّك...قلت: بنيت منزلا واشتريت سيّارة وأدخلت إلى بيتك امرأة فأنجبت لك أطفالا. كم عندك من طفل حبيبي؟
ــ أربعة...أجاب أحمد.
ــ ما شاء الله إذن فأنت لم تعد محتاجا لشيء تنجزه أو تحصل عليه...خلافا للوافي...هل تعرف الوافي؟
لم ينتظر الإجابة فأضاف:
ــ ذلك الذي امتحنته يوم أراد أن يحصل على شغل في إدارتكم، هل تعرفه؟
ــ طبعا. يا صديقي العزيز انه الوافي ابن علي ابن عبد الله أشهر من نار على علم وأقيدك علما انّه دخل التّاريخ من جميع أبوابه وسجّل في كلّ كتبه ونقش اسمه على الصّخر حتّى لا يضيع عن الأجيال القادمة...هل تريد أن أحدثك عنه بما يكفيك...
ــ لا حبيبي سيقال فينا ذلك المثل الفرنسي: اسم المجنون موجود في كل مكان وأنا لست مجنونا.
ــ حاشاك سيدي الوافي...حاشاك.
ــ جميلة حاشاك هذه ... أين تعلّمتها؟ أين...؟ لا تجب فأنا لا أحتاج إلى جواب بل أحتاج إلى شيء أهم، إلى سؤال جديد مثلا.
ــ وما هو؟ سأل الكاتب العام فربّما ساعدتك في الحصول عليه. أخبرني عن حاجتك وسأفكّر في الأمر.
ــ أنت لا تفكّر لأنّك لا تحتاج...هل تعرف الشّك المنهجي الذي اعتمده ديكارت أنا أفكّر فأنا موجود؟
ــ أعرفه قال الكاتب العام.
ــ أما الشّكّ المنهجي عندي فهو: أنا محتاج فانا موجود.
التفت أحمد ليتفقد الطّبيب فلم يجده. لقد غاب بعض الوقت وها هو يعود بحاسوبه المحمول ويقف بالقرب من الباب محاولا الرّبط بين الخوذة التي يلبسها الوافي والحاسوب عن طريق الانترنت لكنه لم يفلح. قال أحمد عندما شاهده.
ــ لا تحاول أكثر فالاتّصال بعيدا عن الكاميرا صعب.
ــ تواصل معه.
لكز أحمد الوافي من جديد فاستوى واقفا وشرع في المشي وسار أحمد إلى جانبه وهو يحاذيه كما يحاذى جمل الهودج لقد خاف عليه من السقوط فالوافي بدأ يتمايل ذات اليمين وذات الشمال ويوشك في كل مرّة أن يتعثّر...تكلّم الوافي فقال:
ــ أنا دخلت التّاريخ مرّتين...مرّة نسيتها وفي المرّة الثّانية ...
التحق الطبيب بأحمد واقترب منه ليهمس له:
ــ حاول أن تعيده إلى حديثه السّابق فإنّه يثق بك ولا يرفضك...فقال احمد:
ــ أذكرك بالأولى؟
ــ هات ...تكلَّمَ الوافي وهو يترنّح ويغالب السّقوط كأنّه سكران فقال أحمد:
ــ كان ذلك يوم طلب منك البنك رهنا مقابل القرض الذي طلبته.
ــ صححححححح ، صاح الوافي...كأنك كنت وسيطا بيننا ... بالفعل طلب منّي أن أبيعه بيعا مؤقتا الأربع زيتونات الغربيّة التي ...هل تعرفها؟
ـــ لا، أجاب أحمد.
ــ لا يهمّ قال الوافي سأزيدك حكاية أخرى دعني أجلس على سريري أوّلا.
ضرب الطّبيب رأسه بكفّيه معبّرا عن غبطته فالوافي أيقن بالفعل انّه على باب الإدارة وهمّ بإيلاج المفتاح في القفل. ماذا يجري في عقل الوافي؟ تساءل الطّبيب؟ فهو في حالة سرنمة ورغم ذلك يعي بأنّه اقترب من سريره ويودّ أن يكمل الحكاية وهو نائم... ما إن فتح الباب حتّى جرى الكاتب العام إلى توقيف كاميرا المراقبة في حين تسمّر الطّبيب في مكانه.
قال الوافي وهو يتّخذ جلسته المعتادة على نصف السّرير في بهو الإدارة.
ــ تذكّر جيّدا يا صديقي أن أمّي فاطمة رحمها الله كانت قد خبّأت عشر لترات من القمح الصّلب لتأكلها في أيام النّفاس بعد أن تلدني طبعا، و كانت شبه متأكدة من أنّها ستضع ذكرا، وهو الوافي الذي أمامك، كانت تعرف ذلك من خلال أحلامها و بما أنّها أسبقتني ببنتين فإن ولادتي كانت ستشكل حدثا مفرحا و إطلالة سعيدة ولا بدّ لها من أن تدلّل نفسها فتأكل القمح الصّلب رغم ندرته في تلك الفترة ...
ــ أعرفها، قاطعه أحمد، ففي اعتقادي أنّها كانت سنة 1955... يعني عاما واحدا قبل استقلال البلاد التّونسيّة عن فرنسا.
ــ بل سنة الاستقلال الدّاخلي يا سيّدي الكاتب العام وأرجوك ألا تقرأ التّاريخ من أسفله.
ــ حاضر...حاضر قال أحمد.
ــ إذن، أضاف الوافي كانت أمّي تحتفظ بكنزها الكبير في جرَّةٍ غطَّتْها بالملابس القديمة وبالفراش الزّائد عن الحاجة لتوهم الجميع بأنّ الجرّة فارغة...
في ليلة من ليالي الفقر والجوع طرق أحدهم الباب ففتحه والدي أمامه وأدخله. كان الرّجل في عجلة من أمره فاقترح على والدي أن يشتري منه الحوض الذي يضم أربع زيتونات لأنّه في حاجة ماسّة إلى شراء قوت أطفاله. اعتذر والدي علي ابن عبد الله لأنّه لا يملك مالا زائدا عن الحاجة...وكانت أمي فاطمة، تسترق السّمع إلى الرَّجلين يتحاوران فتدخّلت وسألت الضّيف إن كان يرغب في بيع زيتوناته ليشتري بثمنها قمحا ليطعم به صغاره فأكّد لها قصده فقالت إنها تملك عشرة لترات من القمح ادّخرتها ليوم الحاجة و إنّها مستعدة لتقايض بها الزّيتونات ففرح الرجل وبسرعة نزع عنه حمل الجوع وتمّت عملية البيع ليلتها رغم اعتراض والدي ...طبعا لم يكن من السّهل أن أرهن زيتونات أمي عند البنك مخافة أن تدور الدوائر فأعرّضها للخسارة أو للبيع المشروط.
ــ كان عليك أن ترهنها مجرّد رهن وتمنع بيعها للبنك حتّى يقبل ملفّك ... كان يمكن ذلك...
ــ في ذلك الوقت كانت عمليات البيع تتمُّ بربع الزيتونة أو بنصفها ويبدو أنّ تلك السّنين كانت عجافا فلا زرع فيها ولا ضرع ويبدو أيضا أن تجّار الحبوب والفلاحين احتكروا القمح والشّعير ومنعوا التّداين إلا بمقابل رهن فلِتْرٌ من الشّعير أو القمح كان يساوي ربع زيتونة ...وبما انّ الجفاف طال فانّ الذي يبيع ربع زيتونة في أوّل السّنة يلحقه بالثلاثة أرباع الأخرى في آخر السّنة إلى أن دارت عجلة الإقطاع في النّهاية وسحقت البسطاء من النّاس وأجبرتهم على بيع أرزاقهم بالتّقسيط في سبيل إطعام أطفالهم...
...
عاد الوافي للتثاؤب وهمّ بالنّوم... فاختطفه احمد من الإغفاءة وسأله:
ــ والمرّة الثّانية التي دخلت فيها التّاريخ؟ هل نسيتها؟
ـــ آآآ قال الوافي يوم أفقت من النّوم على ضحكة تطلبني في الهاتف. وهذا الأمر لا يحدث إلا مرّة واحدة في العمر كالموت تماما أو كانبعاث الحياة.
14
للدماغ أيضا قطع الغيار
الذين قدموا صباحا لقضاء شأن في الإدارة يتهكّمون ويسخرون منها ومن حالها ويتبادلون التعليقات السّاخرة فهذا يشبّهها بدار السّيد الوالد والآخر يسمّيها وكالة وألطفهم قال إنّها غيّرت مهامها فأصبحت نزلا لإقامة المتسكّعين. وقف الوافي أمام الكاتب العام معتذرا. الكاتب العام يدرك أنّ الوافي قضى ليلته متقلّبا وقسّم نومه ما بين سريره وإحدى العتبات في الشّارع ولكن للإدارة نواميسها وقوانينها وهي لا تعترف بالاستثناءات ولا يعنيها من عاش حلما أو كابوسا. كلّ ما يهمها أن يسري نظامها على الجميع. أمضى الوافي على ورقة العقاب الإداري الذي سيبيح للكاتب العام أن يقتطع أجرة يومين من راتبه في آخر الشهر غير انّه يمكن للمدير أن يمنح الوافي عفوا خاصّا وأن يعتبر فعلته من قبيل القوى الخارقة مثل النّوم. لم يتعوّد الوافي على التّمسّح والتّذلّل ولن يفعلها هذه المرّة بل عكس ذلك هو يؤمن بارتباط الجريمة بالعقاب المناسب لها وهو يعتقد أنّ الجريمة إذا مرّت بدون عقاب فإنّها تسمح لنفسها بالتّكرار أمّا إذا عوقب الإنسان من أجل فعلة فيظلّ يذكر العقاب كلما همَّ بارتكاب نفس الفعلة ولذا فإنّ الوافي لم يتردّد لحظة في إمضاء عقابه بنفسه وشهد عليه وخرج مرفوع الرّأس منتصب القامة كمن يدفع دينا في إبّانه إلى دائن ركيك.
في طريقه إلى المنزل اشترى الوافي بعض المرطّبات والحلويات وملأ حقيبة الدّرّاجة النّارية بالغلال. لم يتعوّد أن يشتري شيئا وهو في طريقه إلى المنزل إلا عندما تكلّفه سلمى بذلك. تساءلت وهي ترتب الأشياء على طاولة الفطور:
ــ ترى ماذا أصابه؟ يصطحب معه مرطبات؟ نعم يتذكر انّني أحبّ الحلوى فأطلبها منه أحيانا... نعم... ولكن أن يشتري الاثنين معا فهذا ما لم يخطر بباله ...ثم صاحت:
ــ وافي؟
ــ نعم يا عزيزة الوافي.
ــ ماذا جرى لك يا حبيبي؟ هل غشّك بائع الحلويات فعوضتها بالمرطبات؟
ــ ولماذا هذا السّؤال؟ هل صرت تكرهين الحلوى؟
ــ لا
ــ إذن فتناوليها واتركي المرطّبات لي.
ــ هل لي أن أستشيرك في الذّهاب إلى الطّبيب؟
سريعا، استشاط الوافي غضبا وهاج وأرعد و أزبد و ماج وانتفض صائحا:
ــ ألم أطلب منك أن تنسي هذا الموضوع؟ ألم أقل لك إنّني قبِلتك عاقرا. انتهينا. تدفعينني دفعا إلى فراقك، لك ذلك، سأتركك، أنت حرّة.في المرّة القادمة أذهب في سبيل حالي ولن أعود إليك أبدا.
ــ يكفي، يكفي ردّت سلمى وقد غلبها البكاء فجثت على ركبتيها ووضعت رأسها على كفّيها وعلا بكاؤها حتى صار نحيبا، اقترب منها الوافي فمسح على شعرها ثم رفع رأسها بكفّه وطبع على جبينها قبلة. ألقت سلمى عليه نظرات استعطاف أصابت قلبه فلاطفها:
ــ لا، لا تأخذي كلامي مأخذ الجدّ يا سلمى فأنا لن أفارقك، أستطيع أن أعيش معك بدون أطفالا، أنا لا أحبّ الأطفال، أحبّك أنت، أنا لا أبني على المجهول بل أعوّل عليك حاضرة أمامي بطلعتك البهيّة وبدلالك الجذّاب، اللّهم إلا إذا أنكرتني وهربت...،تلك مسألة أخرى. أنا أعاهدك لن أبتعد عنك.
نظرت سلمى بعمق في عيني زوجها ثم ابتلعت ريقها الذي امتزج بالدّمع وقالت:
ــ سأذهب إلى الطّبيب لأنظر إن كنت حاملا... فأنا ...
وضع كفّه على فمها ليمنعها من مواصلة الحديث ثم قال:
ــ لا تجنّي يا مهبولة. أنا مجنون وسأبقى مجنونا وحدي
ــ بل هي الحقيقة، أظنّ إنني حامل سنرى. أنت تعرف أن التحاليل الأولى أكّدت انّه بإمكاني الحمل بطريقة طبيعية وأن الأمر يتعلّق بأمورك النّفسانية وها أنت تغيّرت كثيرا في المدّة الأخيرة.
ــ أنا لا يمكنني إلا أن أطير من السّعادة والفرح،أنا لا يمكنني إلا أن أحملك على كتفي وأطير بك إلى أقرب طبيب
قالت سلمى:
أعتقد أن للعمل دخلا في معالجتك. العمل والحلم، ألم تلاحظ مثلي إن مزاجك قد تحسّن كثيرا منذ أن انتدبت للعمل وأنّك أصبحت أكثر انشراحا وأقلّ غضبا.
ــ صحيح قال الوافي، أصدقائي أيضا لاحظوا أنّ طباعي تغيرت وإنني أصبحت أحبّ المزاح ولا أغضب إلا نادرا. حتّى في العمل.
همت سلمى بالتّقيؤ فأسرعت إلى الحمّام وهي تضع يدها على فمها فيما بقي الوافي متسائلا ومحدثا نفسه:
ــ يبدو أن المسألة جدّ وعليّ أن أحتملها بل أساعدها على التحمّل ...يبدو...
.....
شغّل الطّبيب الحواسيب وآلات التّخطيط والشّاشات وحتّى الآلة التي تحوّل الكلام إلى نصّ مكتوب وبقي ينتظر الوافي إلى أن أخذ مكانه وجلس على سريره نصف ممدّد نصف جالس .تلك هي الوضعيّة التي يفرضها عليه السّرير وراح يتابع إلى أن بدا يتناوم ودخل مرحلة النّعاس .عندها وقبل أن يدخل في حلم عفويّ شرع الطّبيب في إرسال الإشارات إلى الخوذة إلى أن تمكّن من التّحكّم في الشّفرات وأصبح قادرا على إيقاظ الحلم في دماغ الوافي وإدارته والتّحكّم فيه عن بعد. ربط الحلم الجديد بالمسجّل من الحلم القديم كما يربط التّلميذ فقرة من نصّ إلى الفقرة التي سبقته.
...
ظهر الوافي الملك على كرسيّه الفاخر متوسّطا مجلس القصر وظهر كبير الوزراء. واقفا بين يديه ليتلو عليه مكتوبا حمله الرّسول من الشّيخ مختار تقول الرسالة:
ــ سيّدنا ومولانا الوافي دام عدلك وبعد،
أرسلت غربانك في فصل شحط منه البحر وشحّت فيه السّماء فلم نَجْنِ منهما إلا غبارا فنتَّفْنا ريشهم لكيلا يتفاخروا وأعدناهم إلى حجمهم الطّبيعي وأرسلناهم إليك حتى تحكموا عليهم بما يتناسب وحرصكم على العدل في إيالة نتمنّى أن تعملوا فيها على قطع دابر الظّلم وعلى اجتثاث شوكة العساكر الظّالمين.
سيّدنا ومولانا، كن على يقين أنّ العساكر سيمطرونكم استعطافا وسيبدون من التذلّل ما يجعلكم ترأفون لحالهم ولكن أجّلوا الحكم لمن جاءكم شاكيا حتّى تنظروا ماذا فعل بخصمه.
ــ أخبرني ماذا فهمت من هذا القول؟ أين الختم يا كبير الوزراء؟ ألم ترسل في طلبه؟
ــ بلى يا مولاي ولكن يبدو أن سرّا ما يلفّ هذا الموضوع فلا أحد يعرف موضع الختم ولا مصيره. حتى الشّيخ مختار لم يشر إلى ذلك. إنّ في الأمر سرّا...إنّ في الأمر سرّا.
ــ عليك أن تفكّ شفرة السّرّ وأن تخرج الميت من القبر فتعرف من قتله ومن دفنه.
ــ حاضر مولاي سيكون كذلك.
ــ وأين عساكر المحلّة أقصد عساكر القسم الذي شغلوه إلى حين؟ هل غيّرت نعوتهم يا وزير؟
ــ لقد أسميتهم عساكر المذلة.
ــ جميل. وهل جرّدتهم من زيّهم الرسمي؟
ــ لقد عرّيت...
ــ جميل وهل نزعت عنهم رتبهم؟
ــ لقد أنزلت.
ــ جميل. وهل أهنتهم؟
ــ لقد حقرتهم يا مولاي
ــ جميل، وهل سجنتهم يا وزير؟
ــ لقد فعلت.
جميل أحضرهم يا وزير.
ــ لقد أحضرت...
ــ أحضرهم الآن.
ــ سأفعل وقبل ذلك اسمح لي بأن أحكي لك عن حال السّروج يا مولاي... أنت علمت أن مبعوثيك قد عادوا إلى القصر على خيولهم بدون سروج... يعني كما نقول نحن ملاطا...
ــ إلى أن انتفخت مؤخراتهم. لقد علمت...
صفّق الوزير فأطلّ الحاجب فقال له:
ــ مولاي الوافي يريد إحضار العساكر من سجنهم.
انحنى الحاجب وردّد:
ــ أمر مولاي الوافي. ثم انقلب بوجهه. واصل الوزير:
ــ في انتظار أن يحضروا أودّ يا مولاي لو حكيت لك عن السّروج...
ــ تفضل قال الوافي باي ...هات ما عندك من إضافة.
جلس كبير الوزراء وأخذ نفسا عميقا ثم قال:
ــ لقد أرسلت في طلب السّروج وأنت تعلم أنّها مطرّزة بالعقيق والفضة ومرصّعة بالأحجار الكريمة...ذهب الرّسول في طلب السّروج مع الختم طبعا.
ــ قل في طلب الختم مع السّروج.
ــ وهو كذلك. أمّا الغريب في الأمر أن السّروج التي تركوها تساوي أضعاف الضرائب التي كان بإمكان العساكر جمعها.
ــ وهل أصرّوا على استرجاع الختم؟
ــ وهو كذلك يا مولاي وما إن وصلوا إلى قرية أولاد الصّغيّر حتى بان لهم من بعيد فارس ملثّم منتصب الظّهر على سرجه تخاله من بعيد ناظرا إلى الأفق أو يصطاد الحبارى بعينيه يركل فرسه أو يداعبه بلمسات خفيفة من الرّكاب فيفرح الفرس ويخبّ خببا لطيفا كأنه أرجوحة تتمايل مع النّسيم من تحت راكبها. ذلك الفرس يتوسّط جوادين آخرين.
اقترب الرّسول أكثر فأكثر فبان له الفارس ... أعتذر مولاي
ــ لماذا تعتذر يا وزير وعن أيّ شيء؟
ــ لم يكن فارسا....
ــ ويحك .... هل تسخر منّي أم تمزح؟
ــ معاذ الله مولاي، قال كبير الوزراء، لا عاش من يسخر منكم...كل ما في الأمر أنّ الفارس لم يكن فارسا بل...
ــ هذا لغز إذن؟
ــ بل كانت فارسا أو كان فارسة....
ــ آ ... فهمت كانت امرأة....
ــ بل فتاة فاتنة لم ير الرّسول لجمالها مثالا، هي في مقتبل العمر. في سنّكم تقريبا تناسب شبابكم يا مولاي. تركب فرسا ليس له مثيل لا في الحقيقة ولا في الخيال وتضع تحتها السّرج. أعتقد انّه سرج المراقب كبير العساكر الذين أرسلتهم لجمع الضّرائب فما كان من الرّسول إلا أن ركع أمام الفارس، أمام جمال الفارس، لا لا بل أمام الفتاة ... لقد فعلت به ما فعلت ابنة دريد بحسونة الليلي.
ــ ومن تكون ابنة دريد؟ هل هي الجازية الهلالية؟ سأل الوافي باي.
ــ هي أجمل منها ...ابنة دريد هذه شاهدها حسونة الليلي أحد وزراء الباشا وكان قد خرج للصّيد. حالما التقط وجهها سقط من سرجه وفقد وعيه فلما أفاق وساعده خدمه لم يجد لا ابنة دريد ولا عرف من أين يعود إلى قصره.... هذا ما ترويه الأغنية.
ــ هل تحفظها؟ سأل الوافي باي.
ــ نعم أجاب كبير الوزراء. تقول الأغنية وهي بالعامية:
يا عوم الغيد.... ما نحساب تديري لي
زي بنت دريد
غرّت بحسونة الليلي
حسونة ساح... شق فجوج والضّحضاح
والرّيق ملاح.... واتاه غربي وشهيلي
ونسى المرواح ...تبهذل زي تبهذيلي
من سرجه طاح...شاف الزين الفيلالي
بدا على الباي إعجابه بالأغنية إلا انه استعاد هيبته فجأة وسأل بكل جدّية وحدّة:
ــ ألم يسترجع ما أرسل من أجله؟
ــ اكتفى بالسّؤال عن الختم فأجابوه بأن لا علم لهم به وبأن السّروج لن تعود إلى الباي إلا متى أعاد إلى القرية اعتبارها وشرفها.
ــ شرفها؟ ألا تستغرب من هذا الكلام؟ سأل الوافي باي مرة أخرى.
ــ كنت في البداية متسائلا عن السّبب الذي جعل الرّجل يشترط إعادة اعتبار القرية ويتحدّث عن شرفهم المهدور. وهو أمر يبدو غريبا ولكن فكّرت في الأمر واعتقدت أنّ العساكر تجرّؤوا ربّما على إهانة أهل القرية ويبدو أن الرّجل الذي كان مع الفارس يضع بدوره أحد السّروج على فرسه وهو الشّيخ مختار وإن راكب الفرس الثّالث لم يكن غريبا بل كان.... ابنته حدة....
ــ أه...أه...أهْ.... تمتم الوافي باي...إذن الفارس الفتاة هي نجمة؟ لا بدّ أن تكون هي...آآآآآآآآه.
ــ هل هي جميلة؟ سأل كبير الوزراء.
ــ تنافس القمر والشّمس ونور الضّحى وتسابق كبير فرسان الإيالة وتسبقه ولا ترضى بركوب إلا أحسن المهاري وأسرعها. إنّها هي، أجمل امرأة في البلاد وأمهر الفرسان، إنّها هي، تربّت على ركوب الخيل حتى كبرت على عشقه وصارت تعلّمه للرّجال والنّساء على حدّ السّواء معتزّة بنفسها وحريصة على شرفها. أمّا أبوها فسيّد قومه .... استأذن الحاجب في إدخال العساكر الثلاثة فأشار عليه الوافي باي بالانتظار ثم أمر كبير الوزراء.
ــ افعل بالعساكر ما تريد أما الآن فأرسل إلى مختار سيد قومه ليبعث إليّ بالفرس، قل له إن الباي يريد الفرس الذي تسلّمه مهرا لنجمة وسَيفْهم بقيّة الحكاية. استعملْ معه كلّ الطّرق ...التّرغيب والتّرهيب القوّة والفتوّة، الشّراء والدّهاء. لا تترك حيلة ولا مكيدة ولا قوّة إلا ويمكنك استعمالها... ضع بين عينيك جبلا عليك أن تتسلقه وبحرا عليك أن تقطعه. الأمر ليس بالهيّن...أنت أمام امرأة شريفة وعنيدة ورجل كريم وشجاع ... لقد أعلنوا عليك الحرب بعدم إعادة الختم وباستعمالهم لسروجنا. إنهم اعتبروا ذلك من غنائم الحرب ولهذا حلّت محاربتهم ووجب قتالهم ... الطّرق الصّعبة ستلين وستفتح أمامك. ولتكن خير العارفين وأعدّ لهم ما استطعت من جيش وخيل وكل الوسائل مباحة ومتاحة من أجل الختم والسّروج والفرس أريد الفرس. عليّ أن أركب الفرس فأنا لم أقدر على ركوب فارسه...لعن الله الفقر ونصر الثّأر.
بقي الوافي باي سابحا وخرج كبير الوزراء فوجد العساكر الثلاثة أمام الباب ينتظرون الإذن لهم بمقابلة الباي. أمرهم بأن يتبعوه فمشى بعض الخطوات وقال:
ــ لقد تدبّرت أمركم مع الباي ورجوته العفو فلم يكسر خاطري لكنه يأمركم بشيئين حتى تسقط عنكم تهمة الخيانة العظمي وحتّى لا تدقّ أعناقكم كما يُفعل بمرتكب الخيانة العظمى. أمامكم اختيار وحيد: خذوا معكم بعض السّلاح وضعوا على خيلكم سروجا أخرى يستحسن أن تكون خفيفة لتمكين الجياد من سرعة أكبر. تدبّرت أمركم مع الباي فتدبّروا أمركم مع فرَس مختار ومع الختم فإن توصّلتم إلى العودة بهما فإنّ ترقيّة كبرى تنتظركم وأنا اضمنها لكم فانطلقوا وتعاملوا مع المهمّة بكل حذر وذكاء وتذكّروا أنكم في مواجهة أناس شرفاء وأنتم تدركون أن مجابهة الشّريف أصعب من مجابهة النّذل فكونوا أنذالا تصارعون شريفا.
ترامى العساكر الثلاثة على كبير الوزراء يقبّلونه من كفّيه ويتمسّحون على قدميه وهو لا يزال يدفعهم أمامه كما تدفع الدّواب إلى أن أبعدهم تماما عن المجلس وأصبح كلامهم غير مسموع.
...
ظل الطّبيب يتابع الوافي في حلمه بينما اهتمّ أحمد بالتّسجيل الجاري على الورق كأنّه كتاب بصدد الطّباعة. كان الطّبيب فرحا جدّا بهذا الانجاز الذي حقّقه ...انّه يوغل في أدغال ذاكرة الوافي ويستخرج منها أحلام شبابه وولعه بنجمة والرّضوخ إلى التّفريط فيها لأنّه لم يستطع توفير مهر مناسب لها فظلّت تكبر في مخيّلته وتزداد جمالا كلّما تذكّرها. كأنّما الذّاكرة تخصّص جزءا منها لتنمية الشّيء الجميل الذي لم يحقّقه صاحبه في حياته أو كأنها تختلق المشاهد لتنسيه مرارة قديمة، إنّه الحلم الذي لا يموت. وهل يموت الحلم أو يمّحي؟ هذا موضوع يحسن التّفكير فيه أيضا.
هل تصبح الذّاكرة قادرة على التّفكير وعلى إنقاذ صاحبها من مآزق الأزمات السّابقة؟
هل تحاول الذّاكرة أن تغطّي إخفاقات صاحبها وتنكأ جرحه فتعيد له الماضي المهزوم وتمنحه فرصة الانقلاب عليه؟ هل تستعيد الذّاكرة الفاسد من مخزونها فتصلحه وتشغل به الدّماغ فتحمله من الجهاز اللاإرادي المسؤول وحده عن الأحاسيس إلى الجهاز الواعي؟
هل تساهم الذّاكرة في علاج الأمراض المتقادمة والمواقف الصّعبة التي سجّلتها؟
هل تعمل الذّاكرة على النسيان؟
الذّاكرة تمحو نفسها أم تنتحر؟
أسئلة كتبها الطّبيب على الورق المقوّى الذي يتدلّى من السّقف.
هي أسئلة جوهريّة لم يتفطّن إلى طرحها أحد من العلماء الذين اشتغلوا على الحلم. لذلك يكفي الطّبيب النّفساني فخرا وشرفا أن يطرح الأسئلة مجرّد طرح ويترك للباحثين شرف الإجابة. واصل اهتمامه بالحلم وعاد إلى الوافي باي ليراه في حالة تداخل بين ماضيه والحاضر.
...
انطلق العساكر الثّلاثة حالما أعطاهم كبير الوزراء الإذن بالمغادرة فخرجوا من الباب الخلفيّ للقصر واتّجهوا نحو الجهة الأقل عرضة للأنظار حتى يتحاشوا الواشين والمتطفّلين وناقليّ الأخبار وأسرعوا في الابتعاد عن المدينة ثم تبادلوا الرّأي حول المسالك الأسهل التي توصلهم في أقرب وقت إلى قرية أولاد الصّغير. لم تثنهم المخاطر التي قد يتعرّضون إليها فالطّريق القصيرة وعرة. أما جبال زغوان فهي تنزل بسالكها إلى منحدرات مكشوفة للسّراق وقطّاع الطّرق. لم يتهيّب العساكر الثّلاثة ولم تردّهم المخاطر عن المغامرة. هم يشعرون أنّهم ولدوا من جديد وأنّ أبواب الحياة قد فتحت لهم وستفتح أمامهم أبواب أخرى إن هم عادوا بالختم والفرس. فالمهمّة صعبة ونتائجها عظيمة ولهذا فقد تسلّحوا كما ينبغي وحملوا زادا وفيرا. قادتهم الجياد إلى شرق محلّة تونس فزغوان ومشوا جنوبا محاذين لمدينة دار الباي التي يسمّيها سكّانها النّفيضة
.....
التفت أحمد على حين غفلة فرأى الطّبيب قد أخذه النّعاس وارتخى على كرسيّه الوفير الذي يشبه سرير الوافي بل هو أجمل منه ويوفّر أكثر راحة للجالس عليه. همّ أحمد بإيقاظ الطبيب وإعلامه بأنّه ينوي المغادرة للنّوم في منزله فاللّيل قد مضى أكثره وأوشك القمر على أن يغيب بدوره لينام خلف الغيوم. تململ أحمد وأحدث قرقعة كانت كافية لإيقاظ الطّبيب فنظر إلى صاحبه فوجده واقفا.
ــ هل ستغادر؟
ــ نعم قال أحمد، زوجتي ستنتظرني لنتناول العشاء معا وقد تأخّرت...
ــ كنت بصدد الحلم. أنا أيضا أحلم أحيانا...اجلس، اجلس قليلا سأحكي لك ما تبقّى منه.
ــ ليتنا استطعنا أن نُولجه في حلم الوافي لنرى كيف يتفاعل الحلمان ونكتشف شيئا جديدا آخر.
ــ كنت أرى نفسي ماشيا خلف شياه لي أرعاها وأسوقها وكانت الأرض برشاء حافلة بالحشائش والأزهار وكنت أتمشّى حول الشّياه مدندنا بعض الأغنيات القديمة. فجأة طلع على ذئب...لم تنتبه الكلاب إلى طلوعه...لم يكن في مقدوري تحديد المكان الذي طلع منه... كأن أحد الخرفان قد مسخ ذئبا والغريب في الأمر أن هذا الذئب لم يقصد الشياه بل كأنه عافها أو لم يرض بها.
ــ هل قصد كلبا إذن؟
ــ لا لا ...بل قصدني مباشرة وهمّ بالانقضاض علي إلى أن رأيتك تغادر...
فهمت كل شيء...
ــ وماذا فهمت يا أحمد؟ هل أنت قادر على تفسير الأحلام؟
ــ هذا لا يسمّى حلما.
ــ يقظة إذن؟ كيف؟ إنني كنت بصدد الحلم.
ــ بل تسميه العجائز رؤية وهي كالكرامة التي يلصقها البعض بالأولياء الصاحين. والرّؤية في المنام أن ترى شيئا ستعيشه يوما ما.
ــ وماذا تفهم هنا؟
ــ أخاف أن أكون كممرّض الطبيب الصّقلي الذي كان وراء موت عرفه...
ــ لم أفهم...
ــ عليك أن تحذر ذلك الخروف الوديع الذي جعلت منه فأرا لأبحاثك واشتغلت على دماغه أقصد الوافي ...إياك من تقلّبه وثورته فقد يصبح ذئبا ليدور عليك ويهاجمك.
ــ ولكنّني لم أرتكب في حقّه أيّ جرم. كل ما في الأمر إنّني بصدد البحث في إشكالية الأحلام عند النّاس والوافي لم يكن في نظري إلا فرصة تتيحها لي وضعيّته بدون تأثيرات خارجيّة وقد ينتفع بنتائج هذه الأبحاث كلّ النّاس في أيّ مكان من الأرض. وسأكافئه طبعا ليكون أوّل المستفيدين بالبحث. إضافة إلى أنّ المسألة لا تشكّل ضررا ولو صغيرا عليه بل بالعكس. سأجازيك أنت أيضا.
ــ المهمّ أن أغادر...تصبح على خير.
خرج أحمد وترك الطّبيب في حيرة مقلّبا حديث صاحبه يمنة ويسرة وناظرا في جوانبه وأبعاده ونتائجه...لم يفكّر يوما في الإضرار القصدي بالوافي من خلال بحثه في الحلم وهذا وحده يكفي ليواصل دونما خوف ولا ارتباك قد يؤثّران على نتيجة عمله. لكنّ الشّك قائم دائما والتّهمة قد ترمى عليه جزافا أو مثبّتة لهذا أجَّل التّفكيرَ في الأمر إلى وقت لاحق وركّز على البحث.
...
عند منتصف الليل تقريبا كان العساكر قد ناصفوا المسافة بين حاضرة تونس والسّاحل التّونسي الأسود فالفصل كان خريفا وحبّ الزّيتون بدأ يميل إلى السّواد. سأل المراقب مرافقيه:
ــ من منكما يحفظ ما قال مخلد ابن كيداد عندما وصل الى هذا المكان في طريقه إلى المهدية؟
ــ قال: الويل لأهلها منّي، أجاب الجلاد.
ــ لا، أضاف المراقب، بل قال: ويل لأهل السّواد من مخلّد ابن كيداد. وكان ينعتهم بأهل السّواد لسواد حبّ الزيتون الطّازج.
ــ وكيف كانت نهايته؟ سأل المحاسب:
ــ سلخوا جلده وملؤوه تبنا وعلّقوه في قفص على باب زويلة أي السقيفة الكحلاء ووضعوا معه قردا ليلهو به ويُضحِك المارّة.
15
-من يحب ركوب الخيل يستعذب خضّاته
رتّب الطّبيب حلم الوافي باي ورقّمه حسب التّاريخ والسّاعة وترك للآلات مهمّة التّسجيل وتمدّد على كرسيّ هزاز جعله للرّاحة كلّما أرهقه عمل ما.
العساكر الثلاثة لا يزالون على الشّاشة الأمّ والوافي باي لا يزال ينتج حلمه.
اقترب العساكر من قرية أولاد الصّغيّر، حاولوا أن يخفّفوا من اندفاع جيادهم نحو السّير بسرعة حتى لا تنتبه كلاب القرية إلى ركضها أو خببها فتقدّمت الجياد الثلاثة بتؤدة ورغم ذلك فإن وقع الحوافر صار يسمع من بعيد فالطّريق التّرابية فيها الكثير من الحصى والحفر. خاف العساكر من اكتشاف أمرهم فلفّوا حوافر خيلهم بقطع من قماش ومشى الجميع في صمت رهيب. قصدوا مباشرة منزل الشّيخ مختار يلفّهم الظّلام وتقودهم ذاكرتهم إلى الشّجرة التي تركوا تحتها الطّعام وشبعوا ضربا وتنكيلا.
ثم ّ تفرّقوا فمشى كل واحد إلى جهة واحتاطوا هذه المرّة فلم ينزلوا السّروج من على ظهور خيلهم. مشى الجلاد تجاه الباب شاهرا سيفه وممسكا بالسّوط في يده الأخرى. وبحث المحاسب عن البيدر حتّى اهتدى إليه فوجده كما اعتقد ملآنا بحزم القمح والشّعير مكدّسة ومُكوّمة من حول دائرة كبيرة فارغة أعدّت للدّرس ثم للتّذرية. أمّا المراقب فقد قصد إسطبل الخيول على أطراف أصابعه خوفا من إحداث حركة قد توقظ الكلاب. الكلاب لا تبيت في الإسطبلات بل في الزّرائب مع الشّياه والأبقار والماعز. فتح الباب بحذر شديد وبدأ يتفرّس المهر والجياد والأفراس تعرّف بسهولة على فرس الشيخ مختار من أناقته ونظافة المكان الذي خصصه له صاحبه. اقترب منه كثيرا وراح يَمْسد بكفّه على عنقه ويتلاعب بضفائره ثم مرّر يده تجاه أنف الحيوان وهو مستسلم كبعير يستعدّ للنحر فخلص المراقب اللّجام بسرعة من حزامه ورمى بحبله على عنق الجواد وهمّ بوضع حدائده على رأسه فنفض الجواد الهواء من منخريه وكرّ بحافره على الأرض وجرّ ثم رفع رأسه وانهال على ذراع المراقب فلم يقبض عليها إذ كان المراقب حذرا فسحب نفسه وقفز إلى الوراء. ثم رمى بالحبل على عنق الفرس ودعاه إلى السّير فحرن ...دار حوله وهمّ بدفعه لكنّ الفرس أعلن غضبه ورفض المشي بل وأصبح يضرب بأرجله على الأرض ويدور حول نفسه باحثا عن المراقب ليصكّه وإذ لم يصبه حمحم بأعلى صوته فأجابته الكلاب وعلا النّباح وأوقدت أضواء من هنا وهناك واتجهت ناحية منزل الشيخ مختار وتعالت الأصوات من كل ناحية. أيقن العساكر أنهم هالكون إن لم يفوزوا بجلدهم فأشار المراقب على المحاسب بإشعال النار في البيدر والالتحاق بجواده ففعل وسرى الحريق في أكوام القمح والشّعير وتصايح النّاس وصرفوا النّظر عن ملاحقة العساكر وأسرعوا إلى إطفاء النّار بالتّراب والعصيّ وبما عثروا عليه في البيدر من أدوات أمّا العساكر فقد اغتنموا فرصة انشغال النّاس بالحريق ولاذوا بالفرار وظلّوا من بعيد يراقبون ألسنة النّار وهي تخمد رويدا رويدا.
ــ الكلاب توصلوا إلى إخماد الحريق قال المراقب.
ــ هبّوا جميعا في وقت وجيز. علّق الجلاد. وما العمل الآن؟
ــ المهم أن نعود بشيء يرضي الباي الذي لا يشبع أبدا...المهمّ أن نحمل معنا شيئا مُهِمًّا يفرح به أو على الأقل يجعله متأكّدا من أننا قدّمنا ما كان في استطاعتنا تقديمه.
...
استفاق الطّبيب من غفوته فتفقّد كلّ الأجهزة وتأكّد من أنّها تعمل بانتظام وبدون توقّف. الطّبيب يحبّ استعمال الآلات في عمله فهي بالنسبة له دقيقة وسريعة، تؤدّي عملها بصمت دون أن تحرج صاحبها أو أن تطالبه بأكثر ما تستحقّ من طاقة.
اختار الطّبيب أن يوقف الحلم فنجح في قطعه عن الوافي كما نجح في إرساله إليه منذ أوّل اللّيل وفكّر في إتاحة فرصة للوافي ليرتاح أو ليعيش حلما عفويّا آخر. بالنّسبة للطّبيب بات توقيف تيّار الحلم ضروريا.
16
هل يقبض على رٍأس الحربة؟
عندما عاد الكاتب العام إلى مكتبه توجه مباشرة إلى الخزانة حيث يضع الوافي خوذة الإفاقة وربطها بخيط كهرباء وتركها تشحن بطريّاتها فقد تتوقف عن إرسال الإشارات وقد تكثر من الأخطاء إذا ما ضعفت قوّتها. الوافي يعرف مكانها ويحسن وضعها على رأسه ولا يعرف محتوياتها ولا كيفيّة تشغيلها ولم يخطر بباله أنّها تشحن بل ذهب في ظنّه أنها مخصّصة لمنعه من النّوم. ورغم انه سبّق أن نام عدة مرات فانّه لم ينتبه إلى أنها لم توقظه أو ربّما أعجبه الأمر فلم يرفع مشكلتها إلى الكاتب العام.
هل الحلم يكمل الواقع؟ أم إن الدّماغ يصنعه ليتصرف فيه؟ هل يعتمد الدّماغ على الحلم ليتمكّن من تجميع المعلومات التي حصل عليها كامل اليوم وتحليلها ثم خزنها وترسيخها. هل الحلم أجزاء الصّور التي رغب الدّماغ في التّخلّص منها فجعلها تتساقط منه بسرعة لتشكّل بدورها فصولا مختلفة من الحلم أم إن الحلم عقدتان يحملهما الإنسان عقدة أوديب وعقدة قتل الأب. سرح الكاتب العام في الحلم وفكّر في أن يناقش أفكاره تلك مع الطّبيب لكيلا يبقى خارج الملعب يلتقط الكرات الضّائعة ويعيدها إلى الميدان.
حضر الكاتب العام إلى باب العيادة ومرّ عبر الممشى السّرّي الذي قاده إلى غرفة العمليات مرورا ببيت الحمّام حيث وجد الطّبيب وهو يحاول إرسال الحلم إلى خوذة الوافي وربطه مع الحلم الذي صنعه في اللّيلة الفارطة وما هي إلا دقائق حتى تسرّبت الإشارات إلى دماغ الوافي ثم عادت محمّلة بعديد المعلومات وابتدأ شريط الصّور يظهر على الشّاشة الأم.
...
استتبّ الأمن في القرية ونام النّاس بعد أن أخمدوا الحريق في البيدر وتراجعوا عن البحث عن السّراق فمشوا إلى بيوتهم لأخذ قسط من الرّاحة. العساكر يدركون أن الأهالي سيغلبهم النّوم بعد الجهد المضني الذي قدّموه لإطفاء النار.
كان على العساكر أن يختاروا بين كسب المعركة الفاصلة مع أولاد الصغيّر أو الموت شنقا في قصر الوافي باي. لا بدّ أن تنتهي الحرب على احتمال واحد من احتمالين إما الرّبح أو الخسارة غير أن الاختيار بين الموتين قد قاد العساكر إلى تفضيل الموت في ساحة الحرب من أجل هدف شريف عن موت سخيف بلا هدف مطبوع بالخيانة وموسوم بالفضيحة. ركب ثلاثتهم جيادهم وقصدوا حظّهم من أجل المعركة الفاصلة. اقتربوا من منزل الشيخ مختار يتحسّسون الأرض في الظّلام حتّى لا يثيروا الكلاب ...طرق المراقب الباب طرقا خفيفا لا يكاد يسمع فنبح كلب غير بعيد وتلاه كلب آخر وتعالى النّباح بسرعة فخرج الشيخ مختار ليرى من الطّارق وما إن أطلّ برأسه حتى ارتمى عليه الجلاد ورمى عليه المحاسب شبكة ثم تعاون الثلاثة على حمله وتولّى المراقب تكتيفه من يديه ورجليه وهو يتخبّط ولا يستطيع فكّ وثاقه. رموا به على جواد كما يرمى كيس الحبوب وأطلقوا الجياد لتسابق الرّيح وتشقّ الظّلام ولم يتوقّفوا إلا بعد أن تأكدوا من أنهم ابتعدوا عن القرية مسافة كبيرة لا يمكن أن يصل إليها أهالي القرية في تلك اللّيلة وقد لا يعرفون وجهة الجياد ولن يعرفوها قبل طلوع النّهار وانكشاف آثار حوافر الخيل. فالعساكر قرؤوا حسابا لمثل هذه المسائل الدّقيقة فبادروا بالدّوران حول المكان لكي يتيه الباحثون عن وجهة حوافر الخيل.
وصل العساكر إلى ساحة القصر محمّلين بغنيمة اعتقدوا أنّها ستسعد الوافي باي. استقبلهم كبير الوزراء كما يستقبل الأبطال فجهّز لهم فرقة القصر الموسيقية لتعزف أمامهم نشيد الإيالة ومشوا على البساط الأحمر حتّى القاعة الشّرفية في القصر. بعض الخدم اعتنوا بالخيول فربطوها ووضعوا العلف أمامها. أمر كبير الوزراء بترك مختار في قاعة الإيقاف في السّجن حتى ينظر في شأنه القاضي والوافي الباي. ثم اقترب من المراقب وهمس في أذنه سؤالا:
ــ هل جبتم معكم الختم؟
ــ لا... لم نجد له أثرا فاختطفنا صاحبه.
ــ وهذا الأسير كيف تمكّنتم من جلبه؟
ــ أفضل أن أجيب عن هذا السؤال مباشرة أمام الباي فأنت تضع نفسك دائما في فم المدفع. هذه المرة سنعفيك من غضب الباي وسأتكلم إليه بنفسي.
ــ أريد أن أحكيها للباي أفضل.
جرى كبير الوزراء إلى مجلس الباي فوجده في انتظار الأخبار السّارة. اندفع نحوه وحيّاه ثم قبّل يده وترك كفّه مبسوطة هو يقول:
ــ البشارة...بيّض الكف
ــ لماذا سأل الوالي؟ هل عاد العساكر؟
ــ نعم أكد كبير الوزراء ومعهم صيد ثمين.
ــ وما هو؟
ــ اترك لك شرف التعرّف عليه. ثم صفّق فاندفع العساكر الثّلاثة أمام الوافي باي. قال المراقب:
ــ لقد ثأرنا لشرف الإيالة يا مولاي.
ــ هل جلبتم معكم الختم؟
ــ لا قال المحاسب بل جلبنا ما هو أهم من الختم. جلبنا الزير ورباطه...
ــ لم أفهم. أفصح إذ لا شيء أهم بالنسبة لي من الختم.
ــ جلبنا مختار صاحب الفرس أجاب المراقب.
ــ وهل أهنتموه؟
ــ لا يا مولاي قال الجلاد نحن ننتظر إشارة منك.
ــ أين هو يا وزير؟
أجابه كبير الوزراء متلعثما متردّدا بين الغبطة والخوف:
ــ هو في قاعة الإيقاف في السّجن لن نحبسه إلا بعد أن تنظر فيه حضرتكم أو القاضي يا مولاي.
ــ أوصيكم به خيرا. فلا تهينوه ولا تضربوه...أو ضعوه هنا سأكلمه من خلف الستار. لا أريد أن يراني.
ــ حاضر قال كبير الوزراء ثم صفّق فظهر الحاجب فأمره بجلب مختار فلم تمض دقيقة حتى كان مختار جالسا خلف ستار المجلس. توجه إليه الوافي باي:
ــ قل يا مختار، هل زوّجت ابنتك نجمة؟
ــ نعم حضرة الوالي.
ــ أنا لست واليا وإنما أنا الباي يا أحمق... تقول هذا في حضرتي؟ ويحك أيها الأبله ... تزوج ابنتك من أجل فرس ...ضعوه في السّجن حتى ننظر في شأنه.
...
قال الطّبيب لأحمد:
ــ انظر كيف صار مزاج الوافي متقلّبا وكيف أصبح صدره يضيق لمجرّد كلمة زلت بها لسان الأسير... انه الإرهاق أصاب دماغه ولكن لو تحرمه من النّوم أو تفتك منه حلمه سيتعب أكثر وقد يصل إلى الانتحار خوفا من الموت.
ــ إذن هل ترى انه بحاجة إلى الرّاحة؟
ــ نعم بهدوء.
17
هروبا من الحلقة المفرغة
في الغد وحالما عاد الكاتب العام إلى عمله استدعى الوافي إلى مكتبه.
ــ هل تريد أن ترتاح يا وافي؟ يبدو أنك تعبت قليلا وأن جهدك توزّع بين الإدارة والمنزل.
ــ بصراحة أنا مرتبك في الشّغل هذه الأيّام فزوجتي تستعدّ لوضع ابننا الأول. وخوفي عليهما أثّر في حالتي... هل راحتي مدفوعة الأجر يا سيدي الكاتب العام؟
ــ طبعا ولك مكافأة عندما يحلّ ركب المولود في بيتك. تفضّل خذ أربعة أيام...هل تكفيك لاسترجاع بعضا من قوتك.
ــ طبعا هي كافية ردّ الوافي وهو يغادر مكتب الكاتب العام.
استعذب الطّبيب بدوره ليالي الرّاحة فقضاها في النّوم وارتاح الكاتب العام أيضا من الذّهاب إلى المخبر والسّهر مع الآلات.
سرعان ما مرّت الأيّام الأربعة فعاد الجميع كالعدّائين متأهّبين للانطلاق في سباق هامّ. فتح الطّبيب مخبره فالتحق احمد ونظم الوافي أموره وارتمى على نصف السّرير. يبدو أن الليالي الأربع التي قضاها في الراحة عوّدته على معانقة النّوم حالما يتمدّد على السرير.
شغّل الطّبيب آلاته وأعاد شريط الحلم الماضي وأرسل احمد إشارات إلى الخوذة ليدفعها إلى قبول الذبذبات التي سيرسلها الطّبيب من المخبر في اتّجاه رأس الوافي... بعد دقائق قال الطبيب وهو يتابع التخطيط:
ــ يمكننا أن نبدأ ... انتهى ... ارتبط الشّريط المسجّل سابقا مع الذي سيأتي الآن ... نبدأ ... ادفع بالذبذبات على الشاشة.
ــ جميل كأننا غيّرنا قطعة من دماغ الوافي لينطلق من جديد.
ــ وهو كذلك.
ظهرت علامات الحلم على وجه الوافي فارتعشت رموش عينيه بسرعة وتقلّصت عضلات وجهه فعلا التّخطيط في آلة تسجيل الموجات الدماغية.
...
ظهر الوافي باي في مجلسه متأهبا لقبول شيء ما ...خبر أو رسول أو أي شيء...انّه يخيط مجلسه متمشيا بين أركانه. فجأة اندفع كبير الوزراء إلى داخل المجلس وهو يلهث:
ــ مولاي...مولاي
ــ ماذا هنالك؟ اهدأ .... وقل ما عندك من أخبار؟
استجمع كبير الوزراء قوّته وقال:
ــ نجمة بالباب يا مولاي.
ــ نجمة؟ ابنة الشيخ مختار السّجين عندنا؟
ــ نعم مولاي...قالت إن اسمها نجمة وأنا صدّقتها لجمالها الذي أبدعتم في وصفه ذات مرّة ولوقفتها ولمشيتها ولدلالها ولصمتها ولوقع أقدامها ولإقدامها ولإدبارها ولابتسامها ولكلامها ولعذوبة همسها ولرقّة شفتيها ولطلاقة لسانها دقّة نظرتها.
ــ اخرس أيها الوزير. هل تتغزل بها أمامي؟
ــ عطفك مولاي، لم أستطع كبح مشاعري ...إنها تجعل الحجر يهتف باسمها هل تبعثني إليها لآتي بها؟
ــ اطلب من الحاجب ذلك.
ــ لا ... لا مولاي سأحملها إليك بنفسي وبين ذراعي أو على أكتافي إذا أرادت ركوبي.
ــ إياك أن تلمسها يا وزير وألا قطعت يديك. ثم صفّق الوافي باي فأطل الحاجب فأمره:
ــ أدخِل المرأة التي جاءتني يا حاجب.
ــ حاضر مولاي ثم رفع الحاجب ظهره ومضى.
فرك الوافي باي كفيه ولاعب أشفاره ووقف منتظرا... وعندما مدت نجمة بساقها داخل المجلس ارتمى على كرسيه وقال:
ــ من أنت؟ يا امرأة وكيف تتجرئين على دخول القصر دون أن ندعوك إليه؟
ــ عفوك مولاي، سأبوح إليك بما في قلبي، إنّه قادني إليك، أنا قصدتك وكلي إيمان بأنك لا تردّ يد طالب ولا تظلم من حدّثك بالحق ونطق بالصّدق أنا نجمة.... ابنة الشيخ مختار.
ــ ابنة الشيخ مختار... شيخ أولاد الصّغير الذي رفض دفع الضرائب وأهان الباي وشتمه وسبّه.
سأروي لك الحكاية مولاي هل تأمر لي بالجلوس فأنا أوشك على السّقوط من كثرة التعب.
ــ لك ذلك.
ــ وهل تأذن لي بشيء آكله فأنا جائعة؟
سكت الوالي برهة من الزّمن ثم قال:
ــ نحن لا نسخّر لعابري السّبيل خدما من القصر ولا يمكن أن أجعل لك جارية تطعمك. يمكنك أن تحضري ما تأكلين بنفسك. لك الخوان هنا، بجانب المجلس فاذهبي.
نهضت نجمة وقصدت الخوان المطلّ على مجلس الباي. في تلك الأثناء كان الوافي باي يتحدّث بالإشارة إلى كبير الوزراء ثم أمره بالخروج حالما تعود نجمة
طلّت نجمة بطبق ملآن بالفاكهة والغلال وقد شرعت بعد في الأكل بشراهة. قالت وقد نكست رأسها خجلا:
ــ اعذرني يا مولاي فأنا جوعانة جدّا.
ــ هل تعرفين نفسك في حضرة من؟
ــ اختلط علي الأمر فالصّوت أعرفه و الهيئة والأناقة فلا أعرف لهما صاحبا.
ــ نكتفي بالصّوت يا نجمة فعلى من يدلّك؟ قال الوافي باي.
ــ يشبه كثيرا صوت الوافي.
ــ ومن هو هذا الوافي يا نجمة؟
ــ ابن حيّنا أحبّني ورغب في الزّواج منّي وطلب يدي ولكن أبي اشترط عليه عشرة جياد من أصل عربي ممتاز. ولم يكن في مقدوره توفيرها فضاع الوافي وزوّجني أبي من رجل آخر ولا أدري إن كان قد تزوّج بعد أم لا.
ــ غصبا؟ سأل الوافي باي، أقصد أن أباك زوّجك بالغصب.
ــ يمكنك قول ذلك.
ــ سنعاقبه على إرغامك الزّواج من رجل لا تحبّينه وسيضاف العقاب الأوّل إلى الثّاني.
ــ عفوا مولاي قالت نجمة انّه والدي الذي ربّاني فأحسن تربيتي ورعاني فأعطاني من حنانه، اعذره أبا يسعى لإسعاد ابنته. انّه أب...هل جربت الأبوّة؟
ــ لا يعنيك ذلك الشأن يا امرأة؟ قلت إن أباك يستأهل العقاب لأنّه حرمك من رجل أحببته أو أنت لم تحبّي الوافي؟
ــ بالعكس، ردّت نجمة. فلو عثرت على آثار خطواته على التّراب حملتها في كفّي فأنا أعرفها يا مولاي. أعرف أثرها على التّراب وأعرف رائحتها ووقعها، سأغرفها من الأرض غرفا إذا ما وجدتها وأرشّها على صدري.
ــ إلى هذا الحدّ تحبّين الوافي؟
ــ نعم ...
ــ ولماذا لم تحرصي على الزّواج منه؟
ــ الحبّ شيء والزّواج شيء آخر.
ــ أفصحي.
ــ الحبّ عطر الوردة والزّواج شوكها والحبّ حلم جميل والزّواج هو النّوم الذي يأتي بالحلم. الحبّ جمر الموقد والزواج دفؤه.
ــ إذن أنت تحبّين الوافي؟
ــ إلى حدّ الجنون.
ــ ناوليني شيئا ممّا في الطّبق... اقصد مما أحضرت.
تردّدت نجمة فصرخ في وجهها:
ــ ألم تسمعي؟
مدّت يدها إلى الطّبق وحملت كوبا فيه عصير من أطيب الغلال وقرّبته من يد الوافي باي فقال:
ــ أطعميني ثم اسقيني بكفّك.
طأطأت نجمة رأسها خجلا فأعاد الوافي باي أمره:
ــ قلت لك ناوليني العصير.
قرّبت الكوب بيد مرتعشة إلى فم الوافي باي وشرب ثم مسحت فمه بكفها وقالت:
ــ بالشّفاء والهناء.
ــ هل تجيدين الرّقص والغناء؟ يمكن أن أبقيك في القصر إذا رغبت في ذلك.
ــ أنا لا أجيد إلا ركوب الخيل.
ــ دعك من الخيل والحروب وأجيبي، هل ترقصين جيّدا؟
ــ أخاف ألا يعجبك رقصي ولكن غنائي سيعجبك.
ــ غنّ إذن.
ــ سأسمعك من غنائنا في قريتنا...قرية أولاد الصّغير بلهجتنا نحن فلا تسخر منها وحاول أن تفهمها فهي ليست بعيدة عن العربيّة الفصحى ولا عن لهجة الحضر يا مولاي....
ــ عجّلي، ولا تهتمّي فالموسيقى لغة يفهمها حتى الطّير .
وقفت نجمة وقابلت الوافي باي وغنّتْ:
صبّينَا صبِّينا صبّينا
عرقْ الجبين وِدْيانْ فُوقْ تْرَابْ
وسوِّينا سوِّيَنا سوّينا
جبالِ الحجرْ سْهُولْ تَحْتْ هْضَابْ
تعبْ الجبلْ ما تعِبْنا
واكْتافنا ما شكَتْ مِ الاتْعابْ
صب المطَرْ وعجبْنا
وقلنا صباح العامْ بيه رْطابْ
من بعْدْ ما تعذّبْنا
صنعنا المناجل حقْ مِ الاهْدابْ
هب الجراد ونهبْنا
والبَايْ يبْعِثْ كلْ يومْ غرابْ
بالقهر زاد سلٍبْنا
وبالظُّلْم يكْتبْ في الظلام كتاب
بسْلاحكُمْ حارِبْنا
وبخَتْمكُمْ سكْر علينا البابْ
وكيفْ مَا قَدَرْ يِغْلٍبنا
حرق الشعير والقمح والعِنّاب
يا عزم ما تخيبنا
ويا صبْر ابني على الشّرف حجاب
ويا أرضنا جاوبنا
كوني عليهم بالعجاج انياب
من يزرع الوهم جيدا يربح الحرب
عاد الطّبيب إلى التّثبت من الذّبذبات الدّماغية الوافدة على الحاسوب ورأى أنّها تتغيّر كلّما تغيّر مزاج الوافي فراح يسجّل الوقت والكيفيّة التي انتقل منها الوافي من حالة إلى حالة أخرى ويجتهد في إيجاد السّبب والنّتيجة وها هو ينتقل من حالة الانشراح والتمتّع بالغناء إلى حالة الحوار المعمّق وسوء النّيّة المبطّن مع ضيفته نجمة. استنتج سريعا درجة تداخل الوعي والإحساس وتفاعل العاطفة مع الفكر وتصادم الحبّ بالكراهيّة وصراع الضّعف والقوّة وخاصّة حضور الماضي في الحاضر. فتح أمام الطّبيب فضاء شاسعا للبحث.
...
بدا الوافي باي منبهرا ومعجبا بغناء نجمة وبدت عليه الحيرة من الكلام الذي تغنّت به وذكرت فيه الباي الذي يبعث كل يوم غرابا إلى قرية نجمة ليبتزّ أهلها ثم أقدم على حرق القمح والشّعير. انّه فعلا شيء محيّر. لكن الوافي باي تجاهل الأمر وافتعل عدم الاهتمام وقال:
ــ أحسنت يا نجمة بنت الشيخ مختار الذي رفض الوافي زوجا لابنته وها هي اليوم أمام باي الإيالة...هل تعرفين من أنا يا نجمة؟
ــ طبعا أعرفك أكثر مما تعرف نفسك يا...يا... يا...
ــ أفصحي هل تعرّفت عليّ؟
ــ ماذا قلت يا وافي؟
ــ نعم؟
ــ عرفتك كما عرفتني...غير أن الحيلة انطلت عليك و لم تنطل علي.
ــ ويحك أيّتها المجنونة.
ــ صحيح لقد جننت من شدّة القهر الذي أرسلته إلينا مع عساكرك الجبناء. اطمئن، ستجنّ مثلي أو أكثر إن علمت الحقيقة.
ــ الحقيقة؟ أية حقيقة أيّتها الحمقاء. الحقيقة هي ما أعلمه أنا وأقوله.
ــ بل ما ستسمعه أيّها الباي المغرور... لقد رفضتك زوجا وكنت على حقّ لأنّك ما إن تتمكّن من السّلطة حتى تسارع إلى الانتقام من خصومك لإشباع غرورك وللثأر من عدوّ توهّمت وجوده. لا تخفّ فكلّ من حصل على سلطة لا يستأهلها يسعى إلى إذلال النّاس ليعلو شأنه ويتوهّم أنّه اعتلى أعناقهم وأنهم رفعوه على أكتافهم حبّا وتضحية. أنت ظالم، هل تفهم؟
ــ سأقطع عنقك بنفسي.
ــ كان عليك أن تدقّ عنق العسكريّ الذي أرسلته ليساومني في بيع شرفي بمقابل ختم الإيالة.
اهتز الوافي باي غيضا ثم هدأ محاولا فهم ما جرى وسأل نجمة:
ــ كيف، قولي الحقيقة، أفصحي و إلا..
ــ لا تغضب، ردّت نجمة بهدوء الواثق من نفسه، لا تغضب .
ثم أدخلت يدها إلى جيبها وسحبت الختم وقالت:
ــ أليس هذا ختم إيالتك؟
ــ دعيني أتثبت منه عن قرب.
ــ لحظة...سأعيده إليك فلا حاجة لي بامتلاك ما لا أملك بالغشّ والمكيدة...
ــ لقد سرقه أبوك من المراقب.
ــ أنت تعرف أبي مختار حقّ المعرفة وهو أشرف من أن يمدّ يده إلى متاع غيره ...كلّ ما في الأمر أنّ المراقب رغب في الزّواج منّي مقابل ما أشتهي من أملاك يتولّى بيعها لي ووضع الختم على عقد البيع بهذا...ولكنّني رفضت...هل تعرف لماذا رفضت؟
ــ لا
ــ رفضت لأنّه أراد أن يمنحني الختم كخاتم الخطوبة... هل تعرف لماذا رفضت؟
ــ لا... لا أريد أن أعرف ...والفرس؟
ــ هي ليست ملكا لك... الفرس مهري أنا ومن حقّ والدي أن يركبها ويغرم بها.
ــ وأبوك في السّجن...
ــ وأنا جئت لأعود به.
ــ وإذا سجنتك معه في القصر؟ أو اتّخذتك جارية.
ضحكت نجمة بسخرية إلى أن اهتزّ الوافي باي غضبا فأضافت.
ــ أنا لا أرضى بك زوجا فكيف أرضى أن أكون جارية لك؟ غريب.
ــ إمّا أن ترضي بالبقاء أو سآمر بقطع لسانك ثم بقطع عنقك...
ــ الموت مرّة واحدة لا يخيفني ولا يعنيني أصلا فكم من إنسان مات دفاعا عن شرفه فذكره النّاس بالعزّة والكرامة أما أن يبقى الباي أعزب ولا ينجب أطفالا حتّى وان تزوّج فذلك أدهى وأمر. هل تفهم... ينتهي العرش بنهايتك .... العرش ... كلّ العرش سينهار على رأسك ويفنى معك وستقضي حياتك مهموما نادما على قتلي.
ــ كيف ذلك أيّتها الحمقاء ومن أدراك؟
ــ الم تأكل من يدي؟
ــ بلى أكلت.
ــ ألم تشرب من يدي؟
ــ بلى شربت.
ــ إذن فلن تنجب أطفالا.... اهدأ ...اهدأ... سأبيّن لك ...
ــ كيف أندم على قتل واحدة من عامّة الناس؟
ــ هذه نجمة التي أمامك، ثأرت لشرف أهلها بأن جعلت الباي غير قادر على الإنجاب وأجبرته على أن يستمع إليها صامتا بعد أن كان يمنع الرّعية من الكلام.
انهار الوافي باي على ركبتيه وقد غطّت وجهه الكآبة وانغمس في التّفكير. لقد أيقن فعلة نجمة. اقتربت منه وقالت بهدوء:
ــ مولاي الباي سأحكي لك بالتّفصيل كل ما دار بيننا وبين عساكرك أرسلتهم لجمع الضرائب فأحسنّا ضيافتهم ولم نمتنع عن دفع الضرائب رغم شحّ السّنين التي مرّت وأكرمناهم وأحسنّا إليهم تقديرا لأوامر الباي إلا أنهم بقدر ما عملنا على احترامهم بقدر ما أهانونا. وأعتقد انه لا يرضيك أن يهان شعبك هكذا من طرف العساكر فيظنّ بك الناس شرّا.
انقلب الوافي باي رأسا على عقب وتغيّرت ملامح وجهه وسأل:
ــ كيف؟ أريد أن أعرف الحقيقة. هل عساكر الإيالة يهينون الشّعب؟
ردّت نجمة بهدوئها:
ــ نعم مولاي الوافي باي، نعم فرضوا على أهلي أن يطعموهم فقبلوا ولكنّهم تمادوا في إهانتهم فأمروا أن تطعمهم النّساء وأنت تدرك مدى تشبّث الأهل في قرية أولاد الصّغير بعاداتهم وبالمحافظة على شرفهم. فما كان منهم إلا أن انهالوا عليهم ضربا وتنكيلا فهربوا تاركين خلفهم سروج خيلهم والختم على المائدة وكان المراقب قد نوى أن يسلّمه لي.
ــ هكذا إذن؟
ــ نعم مولاي الوافي وأنت متّهم بهم.
ــ هذه حقيقة؟
ــ نعم يا مولاي وكنت من عامّة المقهورين في أولاد الصّغير...أنت جرّبت القهر أيضا فهل يرضيك؟
ــ وماذا أيضا؟
ــ ثم عادوا وأشعلوا النّار في البيدر وكان ممتلئا بالقمح والشّعير في أوّل فصل الخريف إذ لم تحن الفرصة لدرسه فأحرقوا كامل الصّابة وفي نفس اللّيلة اختطفوا أبي مختار ولم يرتكب أيّ ذنب طيلة حياته بل إنّه وكما عهدته محلّ احترام وتقدير من كافّة الأهالي. فهل ترضيك هذه المظالم يا مولاي؟ ومن أين سندفع ما علينا من ضرائب والقمح أكلته النّار؟
ــ لا أبدا...أبدا ردّ الوافي، سنرى وسنعيد الحقّ إلى أصحابه. كامل الحقّ ولكن ما دخل هذا في قدرتي على الإنجاب؟
ــ لقد كنت مجبرة على بناء حيلة لأجعلك ترضخ لشروطي. لقد أطعمتك الميتة هل تعرفها؟
ــ لا قال، الوافي باي. قولي ما الميتة وإلا اتّهمتك بالخيانة العظمى والتعدّي على شخص الباي وعلى الإيالة؟
ــ هي نبتة كحبَّة الفول تتكوّن من فصّين متضادّين الميتة والحيّة أحدهما سالب والآخر موجب أحدهما يؤدّي إلى العجز الجنسي والآخر يداويه. إنّها نبتة تطحن كالسّكر وتذوب في الماء. والغريب فيها انّها سرعان ما تتوزّع في جسم شاربها يعني حتّى وان حاول أن يتقيّأها فلن يستطيع إبطال مفعولها. وقد التجأتُ إلى إطعامك الأولى ثم قصصت عليك ما فعل العساكر بنا لأرى ماذا ستفعل. فان أرضاني حكمك أعطيتك الحيّة وإن لم يعجبني أو واصلت في ظلمك لأهلي أو أمرت بقتلي فانّك ستموت حقدا وأسفا وندما.
ذهل الوافي باي وبقي واجما لا يقدر على قول ولا على فعل. فنهضت نجمة من جديد مفتعلة الانصراف:
ــ أمّا الآن فسأعود إلى قريتي وأترك مصير الإيالة والعرش بيدك مولاي.
ــ لا تنصرفي قبل أن تري ما أنا فاعل بالعساكر الظّالمين وقبل أن تصطحبي أباك.
ــ قفزت نجمة من شدّة الفرح وركعت أمام الوافي باي.
ــ رعاك الله مولاي رفعت الظلم عن أهلي. سأعود إليك بالحيّة في لمح البصر.
ــ لا ... لا قال الوافي باي بل سأرافقك إلى قرية أولاد الصغير ألستُ منهم؟ ثم ضرب كفّا بكفّ فوقف الحاجب بين يديه.
ــ قل لكبير الوزراء أن يجهّز ركبي وأن يطلق سراح الشّيخ مختار.
...
بيّن الطبيب لأحمد كيف استطاع أن يعيد إلى الوافي حبّه القديم ليشتغل عليه ويصنع منه حلما قاد الوافي إلى استعمال العنف الدّفين الذي يحمله كلّ إنسان وكيف فجّر فيه نزعتين متضاربتين: نزعة حبّ السّيطرة واستعباد الآخر واستغلال ضعفه باستعمال الجاه والسّلطة كما فعل الباي مع نجمة ونزعة الضّعف التي تتملّكه كلّما وجد نفسه في مأزق عاطفيّ يجبره على قبول الهزيمة دون إعلان ذلك صراحة. إذ بات من الصّعب جدّا على الوافي باي أن يعترف بهزيمته أمام نجمة وهي تملي عليه شروطها فاهتدى إلى طريقة أخرى ليظلّ صاحب الأمر قادرا على قلب المعطيات فهو الذي سيأمر بمعاقبة العساكر ليبدو حاكما عادلا وهو الذي سيشرّف قبيلة أولاد الصّغير بحضوره الفعليّ بينهم ليردّ لهم شرفهم المهدور. كل ذلك جاء استجابة لرغبته في حماية ذكورته واستعادة قدرته على الإنجاب. جعل الوافي من نفسه بطلا. أما الحكاية فقد ألّفها دماغه من عدّة نقاط بغية إرضائه بثأر قديم من قبيلته.
رسم الطّبيب نهاية الحلم وعاود الرّبط بخوذة الوافي وشغّل حواسيبه وشاشاته وأجلس أحمد إلى جانبه ليساعده كالعادة على تسجيل هذا التخطيط أو أخذ بعض الصّور.
....
يظهر الوافي باي في موكب بهيج تجرّه أربعة خيول مقتربا من قرية أولاد الصّغير فيعترضه النّاس مهلّلين فرحين داعين للباي بطول العمر وبالعدل والسّعادة. وتبدو نجمة على فرس أبيها يترجّل الوافي باي فتفعل مثله نجمة وتصافحه أمام الجميع فتزداد دقّات الطبول وتتقارب وتعلو زغاريد النّسوة أمّا الشيخ مختار فيأخذ بندقيته ويطلق طلقتين في الفضاء. يهمس الوافي باي في أذن نجمة:
ــ ناوليني الحيّة يا نجمة قبل أن أغادر. فتردّ عليه بضحكة عالية تهتز لها السّاحة ويتلوها ضحك وصراخ وضوضاء لا تتوقف إلا عندما ترفع نجمة يدها عاليا فيصمت الجميع وتتكلّم نجمة:
ــ أيّها الباي ... نشكركم على حضوركم وعدلكم وردّ الاعتبار والتّقدير لأولاد الصّغير ونحن نقدّر حرصكم الكبير على رفع الظّلم وزرع النّظام ونعلمكم إننا نملك كل شيء.... إلا الحيّة ...
لم يجد الوافي باي بدّا من أن يجلس القرفصاء أمام شعبه ليتمكّن من إخفاء حيرته وخوفه. فيما واصلت نجمة.
ــ وبما أنّنا لا نملك الحيّة فإننا لم نملك أبدا الميتة وكل ما في الآمر أننا اختلقنا تلك الحكاية اختلاقا لنفوز بالحرب ضدّ العساكر الذين ظلمونا وقد اتّخذنا حربا وهميّة انتصرنا بها على الظّلم. نشكركم على حضوركم يا مولانا وسنعمل على دفع الضّرائب بشرف.
19
انفصال
فجأة انقطع الاتّصال بالخوذة وبقيت صورة الوافي على الشّاشة الأمّ وهو يتأهّب لمغادرة الإدارة. أسرع أحمد إلى الباب مباشرة. أمّا الطّبيب فبقي بعض الوقت محاولا إعادة المشهد والاتّصال من جديد ببهو الإدارة لكن الصّورة غابت كلّيا ولم يعد يشاهد حتى كاميرا المراقبة. نزل الدّرج بما استطاع من سرعة وركب سيّارته واتّجه نحو الإدارة. التحق في طريقه بأحمد فاركبه إلى جانبه وراح الاثنان يجوبان الشّوارع بحثا عن الوافي. أمّا الوافي فقد تاه في المدينة يمشي بلا وجهة مرّة يغنّي وأخرى يصفّر وقد بدا في حالة هيستيريا يقوم بحركات غير متناسقة. مشى نحو مركز الأمن إلى أن وصله فوقف أمام الباب الخارجي ناظرا إلى شرطيّ الحراسة فأشار عليه بفتح باب المركز فرفض الشّرطي عند ذلك بدا الوافي يغنّي وهو يتجرّد من لباسه قطعة بعد قطعة.
قال الوافي للشّرطي:
ــ ما رأيك يا صاحبي الشّرطي لو تبادلنا الملابس؟
صمت الشّرطيّ وجهّز نفسه للقبض على الوافي الذي اقترب أكثر وقال:
نحن شبيهان في العمل وحتّى في اللّباس الرّسمي. لذلك أقترح عليك تبادل المهمّات، أتولّى أنا حراسة المركز وتتولّى أنت حراسة الإدارة فنحن حارسان ...عملنا واحد ومتشابه. النّوم في الإدارة جميل وخاصّة عندما يكون رأسك في هذه الخوذة.
أيقن الشرطي أنّ الوافي أصيب بنوبة جنون وحاول أن يعيده إلى رشده فطلب منه أن يرتدي أدباشه وأن يشاركه فنجان قهوته. لكنّ الوافي لم يتوقّف عن الغناء بأعلى صوته. عندها طلب الشّرطي زملاءه في الدّوريّة فقدموا على جناح السّرعة وأركبوا الوافي وحملوه إلى المستشفى بعد أن غطّوا سوءته بلباسه.
وقف أحمد على عتبة منزل الوافي وطرق الباب إلى أن أطلّت سلمى زوجة الوافي سألها عنه فأخبرته بأنه في العمل فعاد بسرعة دون أن يعلمها بما وقع.
وضع الممرّض الوافي على طاولة الفحص في انتظار طبيب الأمراض العقليّة وشرع في تسجيل تخطيط دماغه فلم يفلح ...أعاد المحاولة مرّات عديدة ولكنّ الشّريط يخرج دائما مشوّشا إلى درجة أنّ قراءته تبدو مستحيلة.
جرّد الممرّض الوافي من كلّ الأشياء المعدنيّة التي كانت معه فنزع ساعته وهاتفه الخلويّ وحافظة نقوده، أعاد محاولة التّسجيل مرّة أخرى فلم يفلح أيضا. عندها تفطّن إلى وجود الخوذة فنزعها وكانت المفاجأة إذ عادت آلة التّخطيط الدّماغي وكذلك آلة تسجيل دقّات القلب إلى الاشتغال. قال الممرّض إلى زميله الواقف إلى جانبه
ــ هل تذكر حمدان النّوري؟
ــ ذلك المجنون الذي انتحر؟
ــ نعم ردّ الممرّض الثّاني. نعم ،أذكر أنّه جاءنا فاقدا أعصابه وكان يلبس خوذة تشبه هذه الخوذة.
ما إن أنهى الممرّض عمله وسحب المحاجم حتّى قفز الوافي مرتبكا مفزوعا بحالته فبحث عن لباسه وأعاد ارتداءه واعتلى إحدى المناضد وهو ينطق بكلام مرتبك وغير واضح ثم استعاد هدوءه وراح يخطب في الحاضرين. قال:
ـ أيّها النّاس كنت نبّهتكم إلى أنّ الجنون سيصيبكم جميعا ويستثنيني أنا وحدي من دونكم والفضل يعود إلى السّيد أحمد الكاتب العام في إدارتي الذي قال قولته الشهيرة:
أرى العمل الجميل فأباركه وأشجّعه ولكنّني أفعل السيئ. وهو الآن يشتغل عليكم لتصبحوا مثلي بلا جنون. إنني أنا الوافي باشا باي حاكم إيالة تونس وما جاورها سأنصّب أحمد الكاتب العام للإدارة كاتبا عامّا للإيالة لأنه أجدر منكم وأولى بها من أيّ كان وانّه منحني الخوذة السّحرية التي تمنعني من النّوم أثناء العمل وهو اختراع رهيب جعلني أقوم بعملي على أحسن وجه فكلّما حامت حول رأسي طيور النّوم زغردت في أذني الخوذة أو دغدغتني فأعادت إلي يقظتي. عليكم جميعا بهذه الخوذة.
أيّها الناس لا تهتمّوا بالجنون فانّه مرض لا يصيب إلا العقلاء.
طلب الشّرطي من الوافي بإشارة من يده أن ينزل لكنّ الوافي واصل:
ــ يطلب منّي هذا الشّرطي أن أقطع خطبتي وأن أنزل. أقول له أمامكم لتكونوا على بيّنة فأنا ألقيت عليكم نصيحتي ورجوتكم أن تجرّبوا الخوذة فهي مصدر إلهام وإبداع. ولا تكونوا مثل الشّرطي الذي رفض أن أبادله الخوذة فتشبّث بخوذته الحديدية ورفض وضع خوذة السّحر فحرمته من لذّة العقل.
أيّها النّاس، لقد لبسها قبلي العبقري حمدان النّوري فانتقل إلى هناك، إلى أعلى. فابحثوا عنه قرب ربّه.
نبّه الممرض زميله:
ــألم أقل لك إن حمدان النّوريٍ رحمه الله كان ضحيّة هذه الخوذة.
ــ أنت تحذق رمي التّهم جزافا.
ــ سنرى قال الممرّض ومشى إلى الشّرطي وهمس في أذنه:
ــ انتبه سيّدي إلى مسألة حمدان النوري. لقد كان يعمل في نفس الإدارة التي يعمل فيها الوافي حاليّا. لا يجب أن يغيب عنكم هذا الخيط.
عاد الوافي إلى خطبته:
ــ الآن اسمحولي أن أنزل وأمرّر الكلمة إلى السيد أحمد الكاتب العام في الإدارة ليعلمكم مباشرة أنه سيستقيل منها ليشتغل كاتبا عاما للإيالة التونسية وفي ذلك شرف عظيم لأنه سيكون تحت إمرتي ...أين هو؟ أين أنت يا أحمد.
ثم نظر إلى الشّرطي:
ــ أيّها الشّرطي البائس، انطلق خلف أحمد. أريده حيّا أو ميّتا. ولكن تابعه من بعيد لكيلا يرتبك. هيا انطلق بسرعة فأنا في انتظارك.
تشاور الشرطيّ مع الممرّض وسأله:
ــ هل ستحتفظون به كامل اليوم أم نستطيع اقتياده لتحرير محضر في أقواله.
ــ لا بدّ أن يفحصه الطبيب وقد يأمر بإيوائه في قسم الأمراض العقلية حتّى يشفى وذلك خوفا من أن يلقى مصير حمدان النوري؟
ــ هل صحيح أن حمدان انتحر؟
ــ نعم.
ــ إذن صدق الوافي. علّق الشرطي.
ــ طبعا وقد أكّد أنّه سبق أن استعمل الخوذة.
حمل الشرطيّ الخوذة معه وغادر.
في تلك الأثناء هرع أحمد إلى الإدارة وبحث عن المفتاح فلم يجده فخلع الباب وجرى إلى مكتبه ففتح درجا منه وسحب جهاز إرسال والتقاط في حجم الكفّ. فتحه ونزع منه البطارية ثم شرع في تهشيمه بعنف. عند الباب وقف عونان من الشّرطة. فتح أحدهما الباب بالمفتاح وتوجّه إلى مكتب الكاتب العام.
في مركز الشّرطة فتح أحد الشّرطيّين محضر بحث في الأحداث. سأل أحمد بعد أن حرّر هويّته وعنوانه:
ــ هل تعرف حمدان النوري؟
ــ لا، ردّ الكاتب العام.
ــ ستعرفه عن قريب قال الشرطي.
ــ لقد تذكرته، إنّه صديق الطّبيب، آ...آ..رأيته عدة مرات يزوره في العيادة وأعتقد أنه يشتغل عنده بصفة سرّية ربما تهرّبا من الضّرائب.
ــ ربّما...قال الشّرطي الثّاني. سنرى أيضا إن كان عرفك سابقا في الإدارة أقصد قبل أن يموت.
ــ وهل مات؟ سأل أحمد. متى؟
ــ ألم تقتله أنت؟ قال الشّرطي.
انتفض أحمد:
ــ هل تبحث لي عن تهمة؟ قلت لك لا أعرفه أعني لم أحادثه ولم يكن صديقا لي ولنفرض أنه عمل في نفس الإدارة معي هذا لا يعني أنّني اعرفه.
ــ أنت مسؤول عن الموظّفين وأنت من يسلّمهم الخوذة للحراسة بصفتك الكاتب العام.
ــ أنا لم أصبح كاتبا عاما إلا منذ أشهر ولا علم لي.
أنهى الشرطة تحرير محضر البحث ضدّ أحمد ثم اصطحبه إلى عيادة الطبيب النفساني.
أولج الشّرطي مفتاحا في باب العيادة ففتح الباب أمامه. ومشى أحمد إلى مكتب الطّبيب ودخل إلى بيت الحمام فتركه الشّرطي لقضاء شأنه لكن أحمد أشار على الشّرطيين باتّباعه ففعلا وسبقهما إلى قاع الحمّام. بحث عن باب فلم يجد، تفرّس جيّدا في الجدار بحثا عن منفذ فلم يتبيّن شيئا. كلّ ما يرى عادي. أمره أحد الشّرطيين:
ــ هيّا اتبعنا.
ــ كيف؟ لقد دخلتُ من هنا إلى المخبر وتبعت الطّبيب من هذا المكان وقد ذهلت مثلكما.
ــ هيّا أضاف الشّرطي، ودعك من سمسم فلن يفتح أمامك الباب.
في ذلك الحين كان الطّبيب في مخبره يواصل تفكيك التّسجيلات وتثبيت ما وصل إليه في دفاتر خصّصها في حواسيبه.
ألقى نظرة على كاميرا المراقبة المعلّقة من فوق الباب فرأى أحمد يغادر صحبة الشرطيّين. ابتسم وعاد ليغلق آلاته ثم مشى إلى أحد الأزرار السّرية فضغط عليه. تململ الجدار الفاصل بين المخبر وحمام المكتب وانزلق على سكّة خفيّة في أسفله وفتح منه باب صغير كان يكفي لأن يخرج منه فخرج وجلس إلى مكتبه بعض الوقت ثم فتح درجا من أدراجه وضغط على زرّ فعاد الجدار الفاصل بين المخبر والحمام إلى الانغلاق. حمل محفظته وخرج.
على عتبة العيادة كان شرطيّ في انتظاره سأله الشرطي:
ــ كنّا في العيادة وأنت على علم بذلك. أسالك سؤالا واضحا وكاشفا: أين كنت؟
ــ كنت في عيادتي أجاب الطّبيب بهدوء كبير.
ــ عجبا، قال الشّرطي، لم نجدك، قلت لك إننا دخلنا إلى مكتبك ولم نجدك.
غضب الطّبيب وانتفض:
ــ بأيّ حقّ تقتحم الشّرطة مكتبي؟ سأعود لأنظر ماذا أخذتم من المكتب.
ــ لم نجد شيئا. كنّا نبحث عنك بإذن من نائب الحق العام فلم نجدك.
ــ هل لي أن أعرف ما التّهمة؟
ــ طبعا، قال الشّرطي، ذلك من حقّك ولكن لا يمكننا أن نتّهمك قبل أن نرفع تقريرا إلى عمادة الأطبّاء للتّثبت والاستعانة بالمختصّين. عموما لسنا نحن من وجّه إليك التهمة ولكن النّيابة العموميّة التي تنوب المجتمع تتّهمك بالإضرار المتعمّد بالأشخاص وبتعريض المرضى للضّرر من خلال إجراء التّجارب عليهم بدون علمهم.
ــ من أين لكم كلّ هذا الكلام في أمر لا علم لي به وكيف لكم هذه الفطنة لتحضروا هذا الاتّهام؟
ــ هل تعرف أحمد كاتب عام إدارة؟
ــ أعرفه، ردّ الطّبيب، كما أعرف أكثر النّاس ولا أعتقد أنّ العلاقات العديدة لشخص ما تعتبر جريمة خاصّة عندما يكون هذا الشّخص طبيبا؟
ــ لا بل ربّما شهد ضدّك أو اتّهمك.
ــ أسهل أعمالكم، أنتم الشرطة، توزيع التّهم.
ــ اعذرني، دكتور سترافقنا إلى مكتب رئيس المركز فلدينا أمر باستنطاقك قبل عرضك أمام التّحقيق فهل لديك ما تفعل قبل ذلك؟ نستطيع أن نرافقك لقضاء شأن خاص إن أردت.
ــ شكرا لكم. ردّ الطّبيب، أنتظر أن يأتي المحامي.
...
ما إن شرع عون الشّرطة في استنطاق الطّبيب حتى دخل عون آخر مصطحبا أحمد الكاتب العام. نهض الطّبيب فعانق احمد وسأله عن حال الوافي.
ــ كيف حاله الآن؟
تهرّب أحمد من الإجابة فتظاهر بعدم معرفة الشّخص الذي سأل عنه الطّبيب فالحّ الطّبيب في السّؤال:
ــ سألتك عن الوافي، كيف حاله؟
ــ نسيته.
واجه الطبّيب الكاتب العام بأكثر حدّة قائلا:
ــ أنا أتحمّل كامل المسؤولية في كلّ الأعراض التي قد تصيب الوافي. لا تهتم ولا تنكر أي شيء.
ثم توجّه إلى الشرطي:
ــ يمكنك أن تسجّل كل ما سأقوله لأريحك من إعادة السّؤال فليس لي شيء أخفيه وليس لديّ حيلة إلا أكبر الحيل وهي الصّدق.
ــ لكن، قال أحمد، أنت أغلقت المخبر فلم نستطع دخوله لذلك اعتبرني الشّرطي في حالة تضليل للعدالة تلك مهمّتي وأنا مسؤول عن العيادة. أغلقت كل شيء لكيلا يقع تحت يد تجهل قيمة العمل. ذلك سلاحي في مسيرتي العلميّة فإذا وقع هذا السّلاح في يدِ مجنون يكون موتا عشوائيا أحمق. سأهتمّ بالوافي وأنا متأكّد من أنّه سيتعافى لأنّ حالته ظرفيّة وهذه الأعراض ليست دليلا على إصابته بمرض أو بجنون كما تعتقدون. إنها أعراض ستزول بعد ساعات أو يوم أو أسبوع من الرّاحة على أقصى تقدير وأنا متأكد من ذلك.
تدخّل الشّرطي:
ــ حمدان؟ كيف مات؟ ألم يكن ضحيّة نفس الخوذة؟
ــ غريب، ردّ الطبيب، لقد كلّفنا عدة لجان للبحث في الموضوع فأكدت أنّ الصّدفة لعبت دورها لا غير. أرجوكم أن تطلقوا سراح أحمد وسأبقى أنا تحت طلب العدالة.
ــ هل سترافقنا إلى المخبر؟ سأل العون.
ــ لا، لا يمكن فتح المخبر إلا في وجه لجنة مختصّة من الأمناء تكون سرّية ومحلّفة. معذرة فأنا حريص على الحفاظ على ما توصّلت إليه من أبحاث. سأبقى على ذمّتكم ويمكنكم إغلاق المخبر بالشّمع الأحمر ولكن لا أرضى أن تدخلوه. فهل هذا يغضبكم؟
ــ لا، قال العون سنكتفي بغلقه بالشّمع.
...
تدخل سلمى زوجة الوافي إلى قسم التّوليد ترافقها ممرّضة ويلتحق الوافي بالقسم وهو يكاد يقفز من الفرحة. يتوجه إلى سلمى:
ــ تشجّعي سلمى، تشجّعي فأنا أحبّك. أنا في انتظار عزيزنا فماذا سنسمّيه يا سلمى؟ أنا تعوّدت على الانتظار.
ــ سنسمّيه عندما نراه.
جلس الوافي أمام قسم التوليد ووضع رأسه على كفّه وتمتم:
"عيّش ولدي عيّش ولدي
يكبر ويزين لي سعدي
عيش ولدي عيش ولدي
يتوظف ويولي بلدي"
تقدم منه عون شرطة ووقف أمامه صامتا بعض الوقت وكأنّه ينتظر أن تصدر عن الوافي ردّة فعل ما. لكن الوافي راح ينظر في وجه الشّرطي إلى أن سأله:
ــ ماذا تنتظر يا وافي؟
ــ أنتظر أن أصبح أبا بعد حين.
ــ نحن ننتظرك في مركز الشرطة.
ــ لماذا؟ سأل الوافي. وأضاف:
ــ أنتم أيضا تنتظرون...ما هذا العالم؟ كلّكم تنتظرون.
ــ ألا تشتكي بالطّبيب؟ لقد جئتك لهذا الغرض. يجب أن نؤثّث محضر إدانة.
ــ أين هو؟ سأل الوافي، ألا يريد أن يحضر ولادة خليفتي؟ إنه يحبّني كثيرا.
ــ أوقفناه في مركز الشرطة.
ــ ماذا فعلتم به أيها...؟
ــ متّهم بالإضرار بك...
ــ أنتم مجانين، أرجوكم تعالوا به إلى هنا... سأشكره لأنه كان وراء انتدابي في الإدارة بدون رشوة وشجّعني على العمل وأحاطني برعايته النّفسية ولولا تلك الرّعاية لما تمكّنت من الإنجاب ومن الحلم بحياة أساهم فيها وأنظر إلى أطفالها القادمين. أنبّهك أيّها الشّرطيّ واحذّركم من مغبّة الإضرار بصديقي الطّبيب فبلّغ زملاءك ألا يعرّضوا الطّبيب لإهانة أو لتعذيب لأنّني لن أسكت سأصبح مجنونا بالفعل وسأضرّ بكم جميعا.هيّا انطلق واتركني في سبيل حالي، سألحق بك لأرى الطّبيب.
20
في انتظار شيء آخر
نادى القاضي الطّبيب ودعاه إلى القَسَم ففعل وشرع في سرد التّهم التي قادته إلى المحكمة. قال القاضي:
ــ هل أدركت بعد راحة الإيقاف حجم التّهم التي تعلقت بك؟
صمت الطّبيب فأضاف القاضي.
ــ هل ترغب في الإجابة أم تتركها إلى محاميك؟ لا بد أن تجاوب فالبحث الذي أمامي يقول انك رفضت الإجابة. والتزمت الصّمت وأنت تدرك جيّدا أن الصّمت علامة الرّضا يعني أنك معترف بما جاء في البحث الأوّلي وما جاء في البحث يؤكّد على أنّك اقترفت جرما.
ـ طبعا سيّدي الرّئيس، قال الطّبيب، لكنّ الإجابة على طرح مغلوط تكون بدورها إجابة مغلوطة ولا تغيّر شيئا، معذرة أريد أن أجيب على أسئلة مختصّ في الطّب. أما أن تطرح سيادتك أسئلة أنت غير قادر على فهم إجاباتي بحكم عدم الاختصاص فهذا أمر لا يستقيم. وأعذرك على هذا.
ــ إذن أنت لا تضيف شيئا إلى ما صرّحت به بخصوص التّهم الموجهة إليك.
ــ لا أعتقد أن ما أُحِلْت من أجله أمام جنابكم يشكّل تهمة.
ــ بل هي كذلك بحسب القانون. يعاقب عليها مقترفها بقدر نتيجتها وما ينجر عنها سواء على مستوى الفرد أو المجموعة. سوف لا أسمح لك بالجدال في روح القانون أجب بوضوح.
ــ قلت إنني لا أعترف بأن ما قمت به يرقى إلى مستوى التّهمة بل هو اجتهاد قد ينفع المجتمع وان لم ينفعه فلا يسبّب له ضررا.
ــ لقد ثبت لدينا أن فعلتك تلك أضرّت بالناس وأنك قد تعمّدت الإضرار بشخص الوافي واستغلّيت سلطتك لتجري عليه تجارب كانت تجرى فيما سبق على الفئران. إنك أسأت بصنيعك هذا إلى الذات البشرية واحتقرتها واعتديت عليها وطوّعتها لأغراضك الشّخصية.
ــ ولماذا لم تعاقبني عمادة الأطبّاء التي أنتمي إليها فهي قادرة على التّمييز بين الخطإ والصّواب؟
ــ تلك مسألة ثانية هي من مشمولات مجلسكم. سنعرف كيف نستشير الأخصّائيين عندما نحتاج إلى نصحهم أمّا الآن فسنقاضيك على قدر مسؤوليتك المدنيّة. أعتقد أنني تركت لك حرّية النّقاش إلى أن أصبح جدالا وهذا أمر لا يقع دائما فأجب عن أسئلتي وبسرعة من فضلك. كيف أقدمت على الإضرار بأحد مرضاك قصد تحقيق غرض شخصي؟
ــ سيّدي الرّئيس، شكرا على سعة بالكم ورحابة صدركم، أريد فقط أن أؤكّد لكم أنّ البحث العلمي ليس غرضا شخصيّا.
ــ البحث العلمي عندما يكون في السرّ يصبح مجلبة للاتّهام وعرضة للتأويل وطالما لم يخرج إلى العلن ولم يتبنّه أحد فهو عمل سرّي.
ــ البحث العلمي يحتاج دائما إلى توخّي السّرّية.
ــ ولكنّك بعملك هذا ألحقت ضررا بالأشخاص تمثّل في إصابة بعضهم بالجنون.
ــ هل لمحكمتكم أن تثبت هذا، سيّدي الرّئيس، ليتك تثبت أن تجربة الإحلام أو صناعة الحلم تؤدي إلى الجنون. عندها سنكون فخورين باختراع رهيب يبيّن علاقة الحلم بالجنون ولكن، سيّدي الرّئيس لا أعتقد أن ما ذهبت إليه حضرتك يقنع الأخصّائيين. عموما سأكون سعيدا لو أنني عوقبت من أجل اختراع علمي ينفع النّاس وهذا العقاب من شيم الكبار فكم من عالم حوكم وكم من عالم قتل من أجل اختراع. ثمّ تبيّن بعد سنين انّه كان على حقّ وأن من قاضاه وسلّط عليه العقاب بعد العقاب كان على باطل وجنى فضيحة ظلّت تتابعه حتى بعد تخلّيه عن القضاء وبعد موته. أنا لا أتمنّى لك محاكمة ضميرك ولو بعد سنين سيّدي القاضي. لا أرضى أن تشعر بما شعر به حاكم قاليلي أو ابن رشد.
ــ هكذا إذن، علّق القاضي، تهدّدني بعقاب الضمير؟
ــ بل بالعكس لا أتمنّى للمحكمة أن تعيق البحث الذي أنا بصدد الغوص فيه قبل أن تخرج النّتائج النهائية وكلّ الخوف أن تعيق محكمتكم هذا الانجاز فتصبح عرضة للاتهام من طرف المجتمع وأهل العلم.
ــ هل تتجرّأ على محاكمتي أم تتّهمني بالجنون كما فعلت مع ضحاياك؟
ــ معاذ الله، ومعذرة إن بدا لك ذلك، فأنا لم ألحق الضّرر ولم أتسبّب في إصابة أي كان.
ــ لقد ألحقت ضررا بالوافي ومن حسن حظّك انه لم يكن يتداوى عندك وإلا تضاعف العقاب ولكن آثار الضرر واضحة وقد عاينها السّيد نائب الحق العام في المستشفى.
ــ سيدي الرئيس، ألم تقل منذ قليل أن الضّحية مريض يتداوى عندي؟
ــ هذا ما ورد في التّقرير.
ــ لقد أخطأ التّقرير مرّتين ومن أدان وبرّأ فقد كذب مرّتين. إذن فالتّقرير كاذب ولي أدلة كثيرة أرجو من جنابكم السّماح لي بتقديمها.
ــ هات دليلا واحدا.
تململ بعض الحاضرين فارتفعت يد القاضي لتطلب السّكوت وضرب القاضي الجالس على طرف المصطبة بالمطرقة فصمت النّاس وتكلم الطبيب:
ــ عندي شهادة بأن الشّاكي لم يفكّر قطّ في تقديم شكواه. وهذه شهادته حملتها معي.
تقدم الطبيب بعض الخطوات حتى لامس مصطبة القضاء ومدّ إلى رئيس الجلسة بورقة. تناولها منه مسحها بنظره ووضعها داخل الملف وقال:
ــ نؤجل الموضوع إلى حين حضور الشاكي.
نهض الوافي وكان جالسا في آخر صفّ تقدم ببطء شديد تجاه المنصّة رافعا يده مستأذنا.
ــ أنا الوافي سيدي القاضي لو سمحت لي أقول الحقّ ولا شيء غير الحقّ وأقسم بالله على ذلك.
ــ ماذا تريد أن تضيف على شكواك؟
ــ لا لا سيّدي القاضي، أنا لم أرغب مطلقا في تقديم شكوى ضدّ الدّكتور، ولست أدري من اشتكى نيابة عني؟
انتفض القاضي غاضبا وسادت الفوضى قاعة الجلسات من جديد فضرب الذي يجلس في آخر المصطبة بالمطرقة مرّة أخرى وبأكثر قوة وصاح:
ــ سكوت
بينما واصل القاضي في طرح أسئلته على الوافي:
ــ ألم تتقدّم بشكوى ضدّ الطبيب؟
ــ العفو، قال الوافي، أذكر فقط أنني أمضيت على ورقة مدّني بها الكاتب العام وكان قد جاء لزيارتي في المستشفى
ــ ولماذا أنت في المستشفى إن لم تكن ضحية لتجارب الطبيب؟
ــ انتظر مولودا، وكنت ظننت أن الورقة التي أمضيتها تخصّ شغلي في الإدارة.
ــ حسنا، حسنا قال القاضي. تُرفض الشّكوى شكلا وتقبل مضمونا. فسجّل الذي يجلس في آخر المسطبة شيئا ثم وشوش إلى القاضي كلاما غريبا. بدا ذلك من ردّة فعل القاضي الذي عاد ليقول له.
ــ أرْفضْه مضمونا واقْبلْه شكلا أو أكتب أيّ شيء. افتح زاوية للشّهادة وعاد ليسأل الوافي.
ــ لنفرض يا وافي انّك شككت في أنّ الطّبيب أساء إليك. أقول لنفرض مجرّد فرض أنّك فكرت في أن تقدّم شكوى وأن تتّهمه بأنّه تعمّد الإضرار بك فماذا تطلب كجبر للضّرر؟
تحامل الوافي على نفسه ليكتم غضبه ويعتصره بالخوف الذي اعتراه أمام القاضي ثم استجمع قواه ومداركه وقال:
ــ أعرف يا حضرة القاضي أنّك قد لا تصدقني إن قلت لك إنّ هذا الطّبيب الذي حملتموه إلى هنا هو فخر لنا جميعا فهو الذي جعلني أكسر قيودا كثيرة ظلّت تكبل معصمي وتمنعني من التّحليق عاليا وتجرّدني من مجرّد الحلم. كانت الدّولة التي وظّفتكم تمنعني من مجرّد الحلم بالعمل وتحشرني في البطالة إلى أن جاء هذا الطّبيب وأخرجني من ظلمة الخوف وعتقني وجعل منّي إنسانا صبورا مؤمنا بالمستقبل. هل تدرك سيّدي القاضي أن الصّبر هو فتيل مصباحي وأنّ الحلم هو زيته. هل تدرك سيّدي القاضي أنّ الحلم كان ممنوعا عن البسطاء مثلي؟ أقول هذا لأنّك لم تجرّب هذا الشّكل من الحرمان.
بدا على القاضي نوع من الإعجاب بكلام الوافي فلم يشأ أن يقاطعه فواصل:
ــ لقد سبق لي أن عشت مثل هذا الموقف مع لجنة الانتداب التي كان ترأسها الطّبيب في الإدارة التي أشتغل فيها وكل الفضل في حصولي على شغل كريم يرجع إليه، خير الناس، أشرفهم جميعا وأكثرهم نزاهة فهو الذي آمن بقدرتي على تحقيق الحلم وكان تردّد في البداية وخاف منّي فقد أمنعه من أن يجرّب عليّ كل ما أراد من تجارب علميّة لكنّني قبلت عن طيب خاطر وبلا مقابل مالي فأنا راض وقد كنت موافقا بوعي تام على معايشة التّجربة ومسرورا بل ومتشجّعا ومتحمّسا جدّا وأنا ما زلت انتظر النّتيجة رغم أنّني أكره الانتظار. اليوم فقط أريد أن أنتظر فاسمح لي سيّدي القاضي أن أطبع قبلة على جبين هذا الطّبيب وأن أقول له إن الأمم لا تتقدّم إلا بالمعرفة وإنني سأكون جاهزا ومطيعا ومستعدّا لأن تجرّب عليّ كل التّجارب الممكنة. المهمّ أن نصل أو أن يصل غيري إلى حقيقة علميّة مفيدة تجلّ الحلم وتبرز قيمته عند الشّعوب. سيّدي القاضي ربّما لا يعجبك كلامي ولك أن تعاقبني من أجله ولكنّي أؤكّد لك وللحاضرين جميعا، وأدعوهم إلى الشّهادة معي، أنّ مصير الإنسان مرتبط بتحقيق أحلامه ولولا حلمك بتطبيق العدالة على هذه الأرض لما جلست هنا، أرجوك سيّدي القاضي أن تستمع إلى ضميرك الذي أراه ينتصر للحلم وللعلم وللكرامة قبل أن تقرأ محضر الإدانة. ما أصعب أن يتحكّم فيك النّصّ المجرّد وفي داخلك إحساس بقسوة النّصّ وبطلانه.
جاء صوت المطرقة مرفقا بإعلان القاضي:
ــ رفعت الجلسة. الرجاء الانتظار في القاعة المجاورة حتى نصرّح لكم بالحكم.
اغتنم الوافي فرصة الانتظار هذه ليجري إلى الطبيب فعانقه مسلّما وقال:
ــ أتمنّى أن تكون نتائجك قد نجحت.
ــ طبعا قال الطبيب كلّ ما طمحت إليه من أهداف في بحثي تحقّق. لقد قبضت على الحلم ففسّرته وقدرت على صنعه وهذا جميل وأشكرك على ذلك فلولاك ما كنت أصل إلى هذه النّتائج المبهرة في تفكيك الحلم وخياطته وصنعه.
ــ لكنّك ستقاضى من أجله وستعاقب.
ــ لا يهم، أضاف الطبيب، أغلب الباحثين صدرت ضدّهم أحكام وعوقبوا شرّ عقاب وبعضهم حكم عليه بالإعدام وشنق من أجل معلومة. أعتقد أن هذا القاضي لن يعاقبني قبل الرجوع إلى مجلس الأطباء والمجلس على علم وهو ينتظر نتيجة أبحاثي ليحتفل بها. لا بدّ أن أكرّر شكري لك أمام القاضي وأمام النّاس.
ــ بل أنا شاكر فضلك على الدّوام. وأريد أن أنبّهك إلى شيء آخر فقد يفيدك أيضا في بقية المشوار.
ــ وما هو طلب الطبيب؟
ــ لا بد أن تذكر في بحثك بأنّني أصبحت أبا بعد أن شفيت من الخوف من أحلامي.
عانق الطبيب الوافي ليهنّئه وهو يقول:
ــ تذكّر دائما تلك الضّحكة التي أيقظتك من النّوم فأيقظت فيك حلما آخر بإنشاء يوم عالميّ للضّحك.
عاد مجلس القضاء إلى الانعقاد بسرعة فهرع النّاس من جديد إلى أخذ أماكنهم وصمتوا منتظرين الإعلان بالحكم في القضية. قال القاضي:
ــ قضت المحكمة حضوريا بانتظار نتائج التحقيق، يبقى الحكم معلقا، فصاح العون المردّد: في انتظار حلم آخر، في الانتظار.
وتوالى الصّدى في القاعة: في الانتظار....في الانتظااااار